دخولتسجيل الدخول

يوم الهمة 2 - في رحاب القرآن

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما أذن لنا بعقد هذه المجالس الطيبة المباركة، وتعاهدنا بالإيمان وتعاهدنا برحمته، وصرف همتنا إلى هذا الخير. الحمد لله الذي أذن لنا في هذه البلاد الطيبة المباركة أن يحصل لنا هذا الجمع الطيب المبارك بعد سنوات وأعوام وعقود.

يحاول عدونا أن يطمس هويتنا وأن يصرفنا عن ديننا، ولكن الله سبحانه وتعالى ما زال يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته. وما هذا الازدحام وما هذا التزاحم الذي نراه اليوم إلا دليلاً واضحاً بيناً أن لهذا الدين رجالاً، وأن المستقبل لهذا الدين. إن الحملات المتتالية للتشويه وطمس هوية الشباب المسلم ستبوء بالفشل بإذن الله؛ لأن هذا الدين محفوظ بحفظ الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل يهيئ له شباباً صالحين ومن فتيات صالحات، من تندفع قلوبهم إلى مجالس العلم وتشتاق إلى هذه المحاضن الطيبة.

فبحمد الله سبحانه وتعالى اليوم نرسم ملمحاً جميلاً وصورة فائقة ومجتمعة، نحمد الله سبحانه وتعالى عليها: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]. الحمد لله على نعمة العلم، الحمد لله على نعمة الاجتماع في حلق العلم، وأسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمكم من هذه البركات. فكم من إنسان يشتاق إلى حلق العلم وكم من إنسان يود أن يكون بينكم ولكن حالت بينكم وبينه القواطع.

الحمد لله الذي صرف قلبك إلى الخير، فكم من إنسان حرم قلبه من الانصراف إلى الخير، فتراه في أيام الإجازات والعطل منشغلاً بدنياه، ملتفتاً إلى ملذاته وشهواته، وأنت صرفك الله إلى مجلس تعلم أنه مزدحم، وتعلم أنه فيه الكثير من العقبات، ولكن الله سبحانه وتعالى حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان. هذه نعمة عظيمة؛ أنك موحد في مثل هذه الأوقات، أنك ثابت عند هذه الفتن، أنك مستمر على طاعة الله سبحانه وتعالى، أنك تحب القرآن وتحب مجالس الصالحين وتحب أن تسمع كلاماً نافعاً يقودك إلى ربك سبحانه وتعالى.

نعم اللذة في هذا الازدحام؛ اللذة عندما يكون المنكب على المنكب والقدم على القدم، ونزاح في صناعة هذه الأمة وفي إثبات رسوخها وإقبالها على ربها سبحانه وتعالى. وفي هذا المقام أيضاً لا ننسى إخواناً لنا في أراضي غزة، حل بهم من البلاء ما حل، وطالت بهم الآلام، ويدعون الله سبحانه وتعالى أن يرفع بهم ما نزل من البلية. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون ببركة هذا المجلس وببركة هذا الاجتماع الصالح فرجاً على إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها، وفي غزة خاصة.

اجعل هذا اليوم يوم بركة ونصر بهذه الوجوه المتوضئة وبهذه الأعمال الصالحة. استحضِر وأنت تتعب في هذا المجلس وتزاحم الساعات، استحضِر لعل ثباتك وإخلاصك في هذا المجلس يكون سبباً في التفريج عن إخوانك. استحضِر نية صالحة، من الآن وإياك أن يكون حظك من هذا المجلس التعب والسهر وآلام الركب. حاول أن يكون لك دافع جميل ونية صالحة، وحاول أيضاً أن تكون من النيات التي تستحضرها في هذا التعب ومع هذا الزحام أن يكون هذا المجلس أيضاً عبادة، وأن يكون كفارة لذنوبك وخطاياك؛ فكم زاحمت خواطرنا على الذنوب والخطايا، وكم زاحمت أبصارنا على المنكرات والمحرمات، وكم عرضنا أنفسنا لمواطن الشبهات والشهوات.

اليوم أنت تعرض قلبك لنفحات من نفحات الله، لمجلس علمي في يوم من أيام الله المباركة التي لا تدري إن طال بك زمان؛ هل تراه في سنوات من السنوات أو يكون هذا آخر مجلس علم تحضر فيه في حياتك، إما لتقادم أو لتزاحم الانشغالات. فحاول أن تترك أثراً طيباً في هذا المجلس، نسأله سبحانه وتعالى أن يبارك في الخطوات وفي السعي، وأن يبارك في هذه الساعات، وأن تمر علينا غيثاً هنيئاً مريئاً.

إنه سبحانه وتعالى المثبت، واستعن في هذا المجلس بقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» دائماً أيها الكرام؛ إنما يثبت الإنسان على الطاعة باستعانته بربه ومولاه، فأكثر من «لا حول ولا قوة إلا بالله». إذا شعرت بالملل، إذا شعرت بالسمت، إذا شعرت بالزحام قل: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، فإن فيها سراً من أسرار القوة لا يعلمه إلا من جربه.

وهذا المجلس طويل أيها الكرام، ومعلوم أن مثل هذه المجالس الطويلة الإنسان قد يفقد التركيز، ثم يعود، ثم يفقد، ثم يعود؛ لا إشكال، حصل ما يمكن أن تحصله، 20% أو 30% أو 40%، ليس كل شيء ستفهمه، خاصة مع تباين الأعمار وتباين الاهتمامات. لا شك أن بعض الكلمات ستكون مفهومة، وبعض الكلمات ستكون جديدة وغريبة، لا إشكال، المهم أنك حصلت ببركة المجلس، وأننهلت وانتفعت. أسأل الله أن يبارك لك في هذه الأوقات.

نشر أيها الكرام في قراءة الكتاب الأول من مجالسنا في رحاب القرآن، وهو كتاب «فضائل القرآن» للإمام النسائي صاحب السنن. وهذا الكتاب هو جزء -كما ذكر كثير من أهل العلم- من كتاب «السنن الكبرى» للإمام النسائي، والسنن الكبرى للإمام النسائي وردت من طريق ابن الأحمر وابن سيار، وهذه أشهر الروايات التي وردت للسنن الكبرى ومنها كتاب «فضائل القرآن». وهو من أعظم وأنفع الكتب في هذا الباب؛ لأن الإمام النسائي كان حريصاً جداً أن ينتقي الأحاديث الصحيحة. كثير من الكتب التي عنونت بفضائل القرآن يجمع فيها الغث والسمين، لكن هذا الكتاب مبارك، فجل أحاديثه من الصحاح والحسان، وقل أن تجد فيها أثراً ضعيفاً غاية الضعف.

فلذلك ينبغي للإنسان أن يدرس هذا الكتاب وأن يتعلمه، ثم لأصحاب المراكز ولأصحاب المشاريع القرآنية بعد أن تجيزوا بهذا الكتاب علموه لتلاميذكم، علموه للناس؛ فإن مثل هذه الأحاديث تقوي قلب حافظ القرآن، وحامد القرآن، والمنشغل بالمشروع القرآني. وحتى لا أطيل والوقت قصير، نبدأ مستعينين بالله، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولجميع المسلمين، ونجِّ المستضعفين من المؤمنين.

قال رحمه الله تعالى وسلم تسليماً: «وباب القرآن كيف نزول الوحي». قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن النسائي رحمه الله تعالى عليه، بذكر كيف نزل الوحي على النبي ﷺ؛ لأن مبدأ المعلومات المتعلقة بالقرآن أن تعلم كيف نزل وكيف وصل إلى هذه الأرض.

قال رحمه الله: أخبرنا أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي قراءة عليه، قال: أخبرنا محمد بن رافع، قال: حدثنا حسين بن محمد، قال: حدثنا شيبان، عن يحيى، قال: أخبرني أبو سلمة، عن عائشة وابن عباس: «أن رسول الله ﷺ لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة سنة». وفي هذا الحديث ورد أنه مكث عشر سنين.

وهذه طريقة للعرب أنهم يحذفون الكسور، يعني الـ 13 يقربونها إلى العشرة، وما كان فوق الـ 15 يقربونه إلى الـ... وهذا ربما أخذتموه في الرياضيات، فكان من طريقتهم أنهم يحذفون ويقربون إلى أقرب عشر.

فمقدار عمر النبي ﷺ كانت 23 عامًا، 13 منها في مكة و10 في المدينة، لكنه لم يقل 13 و10 في مكة، ماذا قال في الحديث: «عش سنين»؟ فقد يشكل هذا على طالب العلم وعلى المسلم، أن المعروف أنه مكث 13 عامًا، فنقول حذف الكسر وقربه إلى أقرب عدد صحيح، فإذا هي عشر سنين بمكة، يعني 13 عامًا.

قال رحمه الله: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث، عن سعيد المقبور، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما مثله، أُمن عليه، وإنما كان ما مثله أُمن عليه البشر». أضيف كلمة البشر؛ لأن هذه الرواية المشهورة للحديث: «ما مثله أُمن عليه البشر».

قال رحمه الله عن النبي ﷺ: «وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة». يقول النبي ﷺ عن الأنبياء الذين سبقوه، إن جنس معجزاتهم طبيعة المعجزات السابقة ماذا كانت أيها الكرام؟ معجزات حسية؛ إما عصا تنقلب إلى حية، أو أنه يبرئ الأكمه والأبرص، أو ناقة صالح وما شابه ذلك. فيقول: «ما من نبي من الأنبياء قد أعطي من الآيات ما مثله»، يعني ما جنسه أُمن عليه البشر، والمراد المعجزات الحسية.

بخلاف معجزة النبي ﷺ، فإنها لي معجزة تكاد بالحس، قالوا: وإنما معجزته العظمى ما هي؟ القرآن. وإعجاز القرآن يدرك بماذا؟ بالعقل، ولذلك أكثركم تؤمنون أن القرآن معجز، صحيح، لكن هل تعرفون لماذا هو معجز؟ أنتم لا تعرفون، صحيح؟ أنت لأنك لا تعرف العربية بأحكامها وإتقانها، أنت مؤمن أن القرآن معجز، أعرف ذلك، لكنك لا تعرف كيف هو الإعجاز في القرآن؟ لماذا؟ لأن طبيعة معجزة القرآن ليست معجزة حسية، يعني ناقة صالح كدت تدرك إعجازها بالبصر، عصا موسى انقلبت حية كيف عرفوا ذلك بالبصر؟ لكن القرآن كيف تعرف أنه معجز؟ أنت مؤمن أنه معجز، لكن كيف تعرف أنه معجز؟ لا بد أن تكون متقنًا للعربية ولسانها وذوقها، وهذا شيء ليس موجودًا.

فبالتالي قالوا: الفرق بين معجزة النبي ﷺ الأساسية وهي القرآن ومعجزة سائر الأنبياء، أن معجزات الأنبياء كانت معجزات حسية وتنقضي بانقضاء زمن النبوة، أليس كذلك؟ ومعجزة صالح انتهت ومعجزة موسى انتهت، وأما معجزة محمد ﷺ فهي معجزة عقلية، يعني تدرك بالعقول ومستمرة إلى أبد الآباد، إلى أن يرفع الله القرآن من الصدور. ولذلك لأن معجزته عقلية ومستمرة، لا تنتهي بوفاته ﷺ، رجا أن يكون أكثر الناس وأكثر الأنبياء اتباعًا يوم القيامة.

فهذا معنى قوله: «ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما مثله»، يعني من المعجزات ما مثله، يعني ما جنسه أُمن عليه البشر، والمراد بالمثل هنا المعجزات الحسية. «وإنما كان الذي أوتيت» يتكلم عن نفسه ﷺ، ماذا كانت آيته ومعجزته الكبرى؟ وحيًا أوحاه الله إليه، ويقصد القرآن، فلذلك لأنه معجزة عقلية ولا تنتهي بموته، «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة». الأنبياء يتنافسون أيهم أكثر تبعًا، ولذلك سيسبق نبينا محمد ﷺ موسى عليه السلام، لأن عدد أمته أكثر من عدد أمة موسى، ومن استجاب لمحمد ﷺ أكثر ممن استجاب لموسى عليه السلام، بل لكل الأنبياء. وهذا طبعًا لا يعني أن النبي ﷺ لم تكن له معجزات حسية، كان له معجزات حسية، فكان يسبح الحصى في يديه، ويسلم عليه الشجر والحجر، لكن ما أعظم معجزاته القرآن، فلذلك خصها بالذكر.

قال رحمه الله: وأخبرنا هدهد بن سري، عن عبيدة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يعالج من ذلك شدة». فكان ﷺ يتعب من نزول الوحي عليه، وهذا يدل على أن القرآن كلام ثقيل أيها الكرام، النبي ﷺ تعب من أجلك، تعب من أجل أن يستقبل لك رسالة السماء من الله سبحانه وتعالى، ويعالج من ذلك شدة تنهك جسده وبدنه الشريف، صلوات ربي وسلامه عليه، مقابل أن يستقبل لك القرآن ويضبط لك القرآن ويحفظ لك القرآن حتى يصل إليك هذا القرآن غدًا طريًا، فكيف اهتمامك بالقرآن؟ النبي ﷺ اهتم وتعب من أجل أن يوصل لك القرآن، فكيف أنت اهتمامك وكيف استقبلت ذلك في حياتك؟

قال رحمه الله: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: سأل الحارث بن هشام رسول الله ﷺ كيف يأتيك الوحي؟ قال: «في مثل صلصلة الجرس، فيفصم عني وقد وعيت». وهي من هيئات قدوم الوحي على النبي ﷺ، أنه كان يأتيه جبريل على صوت صلصلة الجرس، تعرفون الجرس عندما يضرب؟ فهذه كانت من أشد هيئات الوحي على النبي ﷺ، يأتيه جبريل لا يراه النبي ﷺ بعينه لكنه يسمع صوت صلصلة جرس، صوت ضجيج، وكانت هذه الحالة تتعبه، لذلك قال: «فيفصم عني»، يعني يغادرني وقد وعيت عنه، خلاص يغادره جبريل وقد ثبت القرآن في قلبه ﷺ، وهذه أشد الصور على النبي ﷺ.

قال: «وأحيانًا يأتيني في مثل صورة الفتى فينبه إلي»، وأحيانًا كان يأتي في صورة رجل، ومن هو الصحابي الذي كان جبريل يأتي على صورته؟ دحية بن خليفة الكلبي، وهذه صورة أخرى من صور الوحي أن يأتي على صورة فتى أو رجل كما جاء في بعض الروايات، فينبه أن يعطيه الوحي ويغادر.

قال رحمه الله: أخبرنا عمرو بن يزيد، قال: حدثنا سفيان بن عبيد الله، قال: حدثنا سوار، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله، عن عبادة بن الصامت قال: «كان نبي الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك»، يعني تعب. قال: «وتربد له وجهه»، أي انقلب وجهه إلى اللون الداكن، هذا معنى وتربد، يعني أصبح وجهه داكنًا، أنت تعرف الإنسان لما يتعب يبهت لونه، مثلاً أبيض محمر، كان عليه الصلاة والسلام إذا شعر بالإرهاق تجد وجهه...

قال رحمه الله: "فأنزل عليه يوما فلقي ذلك، فلما سُري عنه قال: خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا". وهذا لما نزلت الآية التي تبين حد الزنا، الله عز وجل في سورة النساء قال: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: 15].

فهذه نسخت بهذا الحديث؛ "جعل الله سبيلا" يعني في البداية لم يكن حد الزاني قد نزل، ثم أنزل الله عز وجل حد الزاني والتفريق بين الزاني إذا كان محصنا وإذا لم يكن محصنا، يعني متزوجا أو غير متزوج. فإذا زنى الشاب وهو غير متزوج ما حده في الإسلام؟ يجلد مئة جلدة وينفى سنة. وإذا زنى الإنسان وهو متزوج ما حده؟ الرجم حتى الموت، فهذا هو السبيل، وهذا معنى قوله: "قد جعل الله لهن سبيلا". هذا شرح للآية: "حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن"، ما هو السبيل؟ هو هذا الحد الشرعي الذي نزل.

قال عن النبي ﷺ: «الثيب بالثيب، والبكر بالبكر». الثيب بالثيب، أي إذا زنى متزوج بمتزوجة؛ الثيب هنا هو من سبق له الزواج. قال: «الثيب جلد مئة ثم رجم بالحجارة». وفي خلاف بين أهل العلم عن قضية هل هناك جلد قبل الرجم أم هو رجم فقط، وهذا بناء على هذا الحديث. وأما البكر، وهو الذي لم يتزوج، فإذا زنى بكر شاب لم يتزوج ببكر شابة لم تتزوج، فما هو الحد؟ قال: «والبكر جلد مئة ثم نفي سنة»، أي يجلد مئة ثم ينفى سنة من قريته وبلدته. إذا زنى متزوج بغير متزوج، المتزوج له عقوبة الرجم وغير المتزوج له عقوبة الجلد، فيُفصل في العقوبة.

قال رحمه الله: طبعا ليس هذا مناط الحديث، وإنما أراد أن يخبر، أراد الحديث هنا الإخبار أنه ﷺ كان يعاني شدة من نزول الوحي عليه. أخبرنا نوح بن حبيب، قال حدثنا يحيى بن سعيد، قال حدثنا ابن جريج، قال حدثني عطاء، قال حدثني صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه قال: ليتني أرى رسول الله ﷺ وهو ينزل عليه. شوف، الصحابة كانوا يتمنون أن يروا كيف يكون حال النبي ﷺ عند نزول الوحي.

قال: فبينا نحن بالجعران -والنبي ﷺ بالجعران، هذه تروى بالجعرانة بإسكان العين، ويجوز عند العراقيين أن تقول بالجعرانة هكذا، بعضهم يضبطها- قال: والنبي ﷺ في قبة، فأتاه الوحي وهو في قبة، يعني مثل قماش كان مضللا بقماش. قال: فأتاه الوحي، فأشار إلي عمر، تعال عمر؛ عمر كان يعرف أن يعلى بن أمية يريد أن يرى الوحي، فلما رأى عمر النبي ﷺ يتنزل عليه الوحي فقال: يا ابن أمية تعال، تعال، أنا أعرف أنك تريد أن ترى النبي ﷺ وهو يتنزل عليه الوحي، انظر الآن.

قال: فأدخلت رأسي القبة، فأتاه رجل، أدخل يعلى بن أمية رأسه تحت القماش الذي تحته النبي ﷺ. قال: أتاه رجل قد أحرم في جبة بعمرة، متضمخ بطيب. هذا رجل قد أحرم بالعمرة وقد لبس مخيطا ووضع طيبا. الجبة هي مثل الجلية التي تلبسونها الآن فوق الثياب، فهل يجوز للإنسان أن يحرم وعليه مخيط؟ لا يجوز أن تحرم وعليك مخيط، لا بد أن تنزع الثياب المخيطة وترتدي الإزار والرداء في العمرة والحج. ووضع طيبا وهو متضمخ بطيب، فقال ﷺ: «ما تقول في رجل؟»، فقال لرسول الله ﷺ: ما تقول في رجل أحرم في جبة، إذ أنزل عليه الوحي فجعل رسول الله ﷺ يغط لذلك، فسري عنه.

هذا الرجل سأل النبي ﷺ: يا رسول الله ماذا تقول في رجل -يعني ما الفتوى؟ ما الفتوى في رجل أحرم بعمرة وهو لابس للجبه؟- فالنبي ﷺ سكت. الآن في الحج كان معلوم عندهم عدم لبس المخيط، لكن في العمرة لم يكن الحكم قد نزل على النبي ﷺ إلا في ذاك الموقف، فالنبي ﷺ سكت. ولاحظوا أن الإنسان إذا كان النبي ﷺ يسكت عما لا يعلم، يسكت عما لا يعلم حتى يأتيه الوحي، فنزل عليه الوحي.

قال: فجعل رسول الله ﷺ يغط لذلك، والغطيط هو صوت تردد النفس، تعرف عندما إنسان يغط في النوم مثلا؟ تردد في النفس، فجاءه جبريل، فأصبح يتعب من شدة الوحي، ثم سري عنه، ذهب عنه جبريل، فقال: «أين الرجل الذي سألني آنفا عن لبس الجبة؟»، فأتوا بالرجل فقال: «أما الجبة فاخلع، وأما الطيب فاغسله».

طبعا، وأما الطيب فلماذا يغسله؟ قال أهل العلم: منسوخة. قال أهل العلم إن ماذا منسوخة؟ كان في بادئ الأمر أن المحرم إذا تطيب يجب عليه أن يغسل الطيب عن بدنه بعد الإحرام، ثم نسخ ذلك وأصبح إذا تطيب قبل إحرامه ثم أحرم والطيب عليه لا يلزمه أن يغسله. على هذا الحديث مشكلة، لكن قال أكثر أهل العلم إن هذا الحديث منسوخ في قضية الطيب؛ فكان في بادئ الأمر أن الإنسان إذا تطيب قبل إحرامه ثم شرع في الإحرام عليه أن يغسل الطيب عن بدنه، ثم نسخ ذلك بما جاء في حديث عائشة في حجة الوداع أنها طيبت النبي ﷺ قبل أن يحرم، فقضيت.

فنقول: هذا حكم منسوخ عند كثير من أهل العلم. وأما أثناء الإحرام أن تتطيب، فهذا لا يجوز، لا يجوز أن تتطيب أثناء الإحرام، هذا محظور. لكن الكلام أن هذا الرجل تطيب قبل أن يحرم، ومع ذلك النبي ﷺ أمره أن يغسل الطيب عنه. إذا أنا تطيبت قبل الإحرام ثم شرعت في الإحرام، فليس في بقاء الطيب مشكلة، فنقول هذا هو المنسوخ.

قال رحمه الله: أخبرنا عبد...

الجبار بن العلاء، ابن عبد الجبار، عن سفيان، عن عمر، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه قال: وددت أن أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه. طبعاً هذا الحديث هو تكرار للحديث السابق فلا أعلق عليه.

قال: فلما كنا بالجعران أتاه رجل وعليه مقطعات. المقطعات هي نفسها الجبة؛ لأن الجبة كانت تصنع من مجموعة قطع من الأقمشة، يجلبون أكثر من قطعة يخيطونها فتصبح عندهم جبهة، فلذلك سميت مقطعات لأنها تصنع من مجموعة من القطاع. قال: متضمخ بخلوق، والخلوق نوع من الطين. فقال: إني أهلُّ بالعمرة وعلى هذا فكيف أصنع؟ فقال له رسول الله ﷺ: «كيف تصنع في حجك؟». وانزل عليه، فسجد، وانزل الوحي على النبي ﷺ.

قال: فسيَّط بثوب، وهذه كانت عادة الصحابة؛ كانوا إذا رأوا النبي ﷺ نزل عليه الوحي يضعون فوقه ثوباً يظللون بثياب، سجيٌّ؛ يعني وضعوا ثوباً مباشرة عليه لأنهم يعرفون شدة حالته، فلا يريدون للناس أن يروا هذا التعب والعرق على وجهه. قال: فسجد، فدعاني عمر فكشف لي عن الثوب، فرأيت رسول الله ﷺ يغط محمراً وجهه، يغط كما قلنا وهو تردد النفس دلالة التعب، وكان وجهه محمراً. وفي الرواية السابقة كان وجهه يتربت، فهو احمرار مع تعب وإرهاق، يتربت قريب من الوجه الداكن.

أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: أنبأنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك أن الله عز وجل تابع الوحي على رسوله ﷺ قبل وفاته حتى توفي. أكثر ما كان الوحي يوم توفي رسول الله في الأيام الأخيرة من حياته ﷺ تابع الوحي، يعني كثر نزول جبريل عليه السلام. قال: وهذا ليؤنس.

قال رحمه الله: باب من كم أبواب نزل القرآن؟ قال: أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا ابن داود، قال: أنبأنا سفيان، عن الوليد بن قيس، عن القاسم بن حسان، عن فليفلة بن عبد الله الجعفي، قال: قال عبد الله -وهو ابن مسعود-: نزلت الكتب من باب واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف.

وهذا مر معنا في دورات كثيرة؛ أن القرآن أول ما نزل نزل على سبع لهجات، سبعة أحرف، يعني على سبع لهجات، وهذه لهجات العرب. ثم عثمان رضي الله عنه لما نسخ المصحف ألغى اللهجات الست وأبقى لهجة واحدة، وهي لهجة قريش. قال رحمه الله: وهذا طبعاً لماذا نزل القرآن على سبع لهجات ابتداءً؟ تيسيراً على العرب؛ مش كل العرب كانت تقول بلسان قريش، هناك قبائل جنوب الجزيرة العربية وقبائل في شمالها وشرقها، فلان ما كانوا كلهم يحسنون لغة قريش، تيسيراً على العرب ابتداءً أنزل الله القرآن بسبع لهجات. طبعاً مش المراد كل كلمة فيها سبع لهجات، لا، بل الكلمات التي يتفاوتون فيها، ثم جمعهم عثمان على حرف واحد.

قال رحمه الله: على كم نزل القرآن؟ قال: أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، قراءة عليه واللفظ له، عن ابن القاسم، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القادري، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها، وكان رسول الله ﷺ أقرأني إياها، فكنت أعجل عليه.

عمر رضي الله عنه عصب؛ سمع هشام بن حكيم يقرأ السورة بطريقة هو لا يقرأ بها، فقالوا: أنت بتقرأ القرآن غلط! قال: فكدت أعجل عليه، يعني كدت أن أضربه، لماذا تقرأ السورة بطريقة خاطئة؟ ثم أمهلت حتى انصرف، ثم لببته بردائه، ثم ألهته؛ لأنه كان هشام بن حكيم يصلي. أمهلته حتى قضى صلاته، يعني ما أراد أن يمسكه في الصلاة. ثم لببته بردائه فجئت به إلى رسول الله ﷺ.

مسكوا من خناق الشيخ عمر رضي الله عنه ومسكوه إلى النبي ﷺ، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأني إياها. فقال له رسول الله ﷺ: «اقرأ»، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأها، فقال رسول الله ﷺ: «هكذا أنزلت». فالنبي ﷺ قال للحارث لهشام بن حكيم: «اقرأ»، فقرأ كما قرأ هشام بن حكيم، ثم قال لعمر: «اقرأ»، فقرأ، فقال: «هكذا أنزلت». إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأ ما تيسر منها. فالنبي ﷺ سمع من كليهما ثم قال: «هكذا أنزلت وهكذا أنزلت». هشام قرأ على حرف من الأحرف السبعة على لهجة، وعمر قرأ على لهجة أخرى، فالنبي ﷺ أقره، لكن كما قلنا هذه اللهجات إخواني ذهبت، واليوم كلنا نقرأ القرآن على لهجة قريش فقط.

قال رحمه الله: وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا حميد، عن أنس، عن أبي بن كعب قال: ما حاك في صدري مذ أسلمت إلا أني قرأت آية، فقرأ رجل على غير قراءتي. فما حاك في صدري شيء، يعني ما دخلت عليّ شبهة في الإسلام منذ أسلمت إلا هذه الشبهة؛ شبهة أنه شعر أن القرآن فيه شيء غريب، أنه يقرأ بطريقة وصحابي آخر يقرأ بطريقة أخرى.

فهذا أشكل ابتداءً على أبي بن كعب؛ يعني كيف أنا أقرأ القرآن بلهجة وذاك يقرأ بطريقة أخرى؟ ما كان يعرف أن القرآن نزل على سبعة أحرف حتى أعلمه النبي ﷺ. إياك أن ترتاب، إياك أن تشك، فإن القرآن نزل على لهجات. يعني الإنسان سبحان الله حتى لو كان راسخاً قد تعرض له بعض الشبهات، ويحتاج إلى من هو أعلم منه حتى يحل له هذه الشبهات في الدين.

قال رحمه الله: قال: ما حاك في صدري مذ أسلمت إلا أني قرأت آية فقرأ رجل على غير قراءتي، فقال: أقرأها رسول الله ﷺ هكذا؟ فقلت: أقرأني النبي ﷺ هكذا، فأتینا رسول الله ﷺ فقلت: إني قرأت آية كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ: «نعم». فقال الرجل: أقرأني آية كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ: «نعم». يعني زيد يقول عفواً، أبي يقول للنبي ﷺ أنت...

قرأتني الآية كذا وكذا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: نعم، والرجل قال: يا رسول الله. وبرضه أنت قرأتني هذه الآية لكن قرأتني إياها طريقة أخرى كذا وكذا، قال أيضًا: نعم، هذه لهجة وهذه لهجة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن جبريل وميكائيل عليهما السلام...». شوف الآن من أين أتت قصة الأحرف السبعة؟ من جبريل وميكائيل. قال: «أتياني، فعمد جبريل فقعد عن يميني، وقعد ميكائيل عن شمالي، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزد».

الآن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ القرآن على حرف، يعني على لهجة، وهي لهجة قريش، وميكائيل يريد أن يخفف على هذه الأمة -وجزاه الله عنا خيرًا-. فميكائيل قال للنبي صلى الله عليه وسلم استزدت من جبريل أن يعطيك حرفًا ثانيًا، أي لهجة ثانية أيضًا. فقال ميكائيل: «استزد»، فقلت: «زدني»، فزادني.

فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرفين، أي على لهجتين، فالحرف بمعنى اللهجة هنا. فقال ميكائيل: «تزده»، فقلت: «زدني»، فقال جبريل: اقرأ القرآن على ثلاثة أحرف، حتى بلغ على سبعة أحرف. كل شوي ميكائيل يقول استزد حتى وصل إلى ماذا؟ إلى سبع لهجات. فقال ميكائيل: «أستزيد؟»، فقال: «اقرأ القرآن على سبعة أحرف». كل شيء شاف، وكلها تؤدي المعنى الذي يريده الله سبحانه وتعالى.

قال رحمه الله: باب كيف نزل القرآن. قال: أخبرنا يوسف بن سعيد، قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج، قال: أخبرني يوسف بن مهران، قال: إني لعند عائشة أم المؤمنين إذ جاءها عراقي فقال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك، قالت: لِمَ؟ قال: أريد أن أؤلف عليه القرآن، فأنا نقرأ عندنا غير مؤلف، أريد أن أؤلف عليه القرآن، يعني أريد أن أجعل ترتيب مصحفي كترتيب مصحفك، فأنا في العراق نقرأ غير مؤلف، يعني ليس مجموعًا على ترتيب معين.

قالت: «ويحك! وما يضرك؟ أي سورة قرأت قبلها؟». هنا عائشة ماذا قالت له؟ يا أخي اقرأ أي سورة ظهر لك أن تقرأها. هل أنت ملزم إذاً أن تقرأ القرآن تبدأ بالبقرة ثم بآل عمران ثم بالنساء، أم بإمكانك أن تقرأ القرآن من أي مكان؟ طبعًا هي عائشة لماذا رفضت ذلك؟ قالوا: عائشة عرفت أن هذا رجل عراقي جاء قد يسبب فتنة في العراق. لماذا؟ لأنه لما عثمان رضي الله عنه مع الصحابة جمعوا القرآن على تأليف معين، أوله البقرة وآخره الناس، في البداية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رفض هذا وكان عنده رأي خاص في أن يبقى على مصحفه الشخصي، ولم يكن كمصاحف عثمان، ففيأخذ مصحف عائشة فيسبب فتنة.

شوف بعد نظر عائشة الآن، عائشة تعرف أن ترتيب المصحف كما وضعه عثمان، وإن كان عبد الله بن مسعود في البداية لم يوافق على أن يلغي نسخته ثم وافق بعد ذلك. لكن شوف بعد نظر عائشة أنها لا تريد فتنة تقع في العراق؛ هذا رجل عراقي يريد أن يكتب المصحف على مصحف عائشة، ثم يرجع للعراق، فيقول: هذا مصحف عائشة! بماذا بمن سيصدم؟ عبد الله بن مسعود في العراق وتلاميذه في العراق، فسيحصل فتنة بين من يناصر عائشة ومن يناصر ابن مسعود.

عائشة أرادت أن تصرفه عن ذلك، قالت له: يا بني، اقرأ القرآن بأي طريقة وجدت، يعني اقرأ البقرة، اقرأ النساء، اقرأ ما في داعٍ تكتب على تأليفي، وإنما أرادت دفع الفتنة. قالت رضي الله عنها: «إنما نزل أول ما نزل سور المفصل فيها ذكر الجنة والنار». وأرادت أن تخبره أن أصلًا ترتيب القرآن الذي جمعه عثمان ليس هو ترتيب النزول.

هل ترتيب القرآن الموجود حاليًا من البقرة إلى الناس هو ترتيب النزول على النبي عليه الصلاة والسلام؟ كلا، بل أوائل ما نزل في مكة هي سور جزء عمه وجزء تبارك، التي تسمى المفصل، المفصل من قاف إلى الناس، هذا أول ما نزل. فأرادت أن تخبر أن في الأمر سعة، وأنك في قراءتك للقرآن لست ملزمًا بترتيب معين للصور، وإن كان على الصحيح أن ترتيب سور القرآن هو توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أنت تستطيع أن تقرأ القرآن من أي مكان.

قالت رضي الله عنها: «حتى إذا ثبت الناس للإسلام»، يعني استحكم الإيمان في قلوبهم، قالت: «نزل الحلال والحرام». وهذا من التدريج المطالب به المسلم؛ أنه أول ما نزل نزل أحكام العقائد، ثم بعد أن استحكم الإيمان في قلوب الناس أنزل الله عليهم: ﴿لَا تَزْنُوا﴾، ﴿لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ﴾، ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾، وهذا منهج أيضًا في قضية تربية النفوس.

قالت رضي الله عنها: «ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع شرب الخمر، ولو نزل أول شيء لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا». تخيل لو أن أول شيء نزل على النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لَا تَزْنُوا﴾، ﴿لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ﴾، لكان حتى الصحابة الكرام قالوا: والله صعبة يا رسول الله! ليه؟ لأنه الإيمان لم يستحكم من القلوب بعد. فالله سبحانه وتعالى في مكة قلل الأحكام التشريعية وكثر الأحكام العقدية، ثم لما هاجروا إلى المدينة وثبت الناس واستحكم الإيمان في قلوبهم بدأت الأحكام التكليفية كتحريم الخمر والربا وتكثر عليهم.

وهذا منهج في التربية؛ لما إنسان يتدين ويلتزم، صعب أن تطالب بمستوى إيماني عالي كما تطالب إنسان هو في طريق التدين والالتزام منذ سنوات، أليس كذلك؟ فعليك أن تكون رفيقًا وتتعلم من منهج نزول القرآن كيف تدعو الناس وكيف تتعامل معهم.

قالت رضي الله عنها: «وإنه أنزلت ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُ﴾ بمكة، وإني جارية والساعة أدهى وأمر». في أي سورة؟ يعني هذا تأكيد منه أنه أول ما نزل في القرآن الكلام في العقائد واليوم الآخر. هي تقول: من أوائل ما سمعت من القرآن سورة القمر، وهي ليس فيها أحكام تكليفية وإنما فيها أحكام عقدية وذكر الأمم السابقة والتخويف من مصيرهم. قالت بمكة: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُ﴾، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده. قال: «وما نزلت البقرة والنساء إلا وأنا عنده»، يعني بعد أن تزوجني، وأين تزوجها ودخل بها؟ في المدينة. هذا تأكيد على أن هذه السور وإن كانت أوائل السور ترتيبًا في المصحف، لكنها من أواخر السور نزولًا.

قال: «فأخرجت إليه المصحف، فأملت عليه مصحفًا»، يعني أملت عليه الآيات التي داخل السورة، وأما الترتيب فهي بذكائها عرفت أن هذا العراقي قد يسبب فتنة في العراق فدعونا لا نعطيه.

قال رحمه الله: باب بلسان من نزل القرآن. قال: أخبرنا الهيثم.

ابن أيوب، قال: أبان بن إبراهيم، يعني ابن سعد، قال: ابن شهاب، وأخبرني أنس بن مالك أن حذيفة قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام مع أهل العراق في فتح أرمينية وأذربيجان، يعني عثمان كان يبعث المجاهدين من الشام والمجاهدين مع العراق معا لفتح أذربيجان، وتعرفون أذربيجان بجانب تركيا.

قال: فأفزع حذيفة اختلافهم في القرآن، وحذيفة وهو في الغزوة سمع أهل الشام يختلفون مع أهل العراق في طريقة قراءة القرآن بسبب وجود الموالي والأعاجم، فكان في الشام والعراق كثير من الأعاجم، فسمع حذيفة أهل الشام والعراق يختلفون في طريقة قراءة القرآن؛ اختلاف غير صحيح، ليس اختلاف لهجات، لا، بل اختلاف تخطئه وتكفر به.

قال رحمه الله: فقال لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلفت اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، وحفصة ماذا كان عندها؟ كان عندها المصحف الذي جمعه أبو بكر الصديق.

قال: ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها إليه، فأمر زيد بن ثابت مباشرة، عثمان بن عفان شكل لجنة لنسخ المصاحف، وهي اللجنة التي ضمت زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن ينسخوا الصحف في المصاحف.

هذه اللجنة نسخت ستة مصاحف أو سبعة، وتم توزيع هذه المصاحف على الأمصار لتكون هي النسخ المعتمدة للقرآن، وأمر عثمان بإحراق سائر النسخ الأخرى. قال: «وإن اختلفتم يا زيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش».

شاهد من الحديث: قال عثمان لهذه اللجنة، وهذه اللجنة كلهم من قريش إلا زيد بن ثابت فإنه كان من الأنصار، فقال للجنة: إذا اختلفتم في كتابة آية فاكتبوها على لهجة قريش؛ لأن القرآن نزل بلسانهم. الآن قلنا القرآن نزل على سبعة أحرف، صحيح سبع لهجات، لكن ما هي اللهجة الأولى والأساسية؟ لهجة قريش، فهذا معنى بلسان من نزل القرآن، وليس بلسان من نزل منه. قال النسائي في التبويب: "بِلسانِ مَن نَزَلَ القُرآنُ"، فما هو الجواب؟ بلسان قريش. وباقي الأحرف السبعة هي لهجات تخفيف كان لها مصلحة معينة ثم ألغاها عثمان لما ذهبت فائدتها.

قال رحمه الله: ففعلوا ذلك حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، أي صحف أبي بكر، وطبعا مصحف أبي بكر يسمى صحفا باعتبار أنه مجموعة صحائف. قال: وأرسل إلى كل أفق مصحفا مما نسخوا، أي أرسل إلى كل أفق كالبصرة والحجاز.

قال رحمه الله: باب كم بين نزول أول القرآن وبين آخره. قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن داود -وهو ابن أبي هند- عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ﴿نَزَلَ الْقُرْآنُ فِي رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ﴾، فكان في السماء الدنيا، فكان إذا أراد الله أن يحدث شيئا نزل، فكان بين أوله وآخره عشرون سنة.

الآن تعرفون رأي ابن عباس، وهو رأي اختاره جماهير أهل العلم؛ أن نزول القرآن في رمضان ما معناه أنه نزل إلى بيت العزة في السماء الدنيا في رمضان. ابن عباس، وهو رأي جمهور أهل العلم، أن معنى "إنا أنزلناه في ليلة القدر" أن القرآن في ليلة القدر نزل كاملا إلى بيت اسمه بيت العزة في السماء الدنيا، ثم بعد ذلك خلال ثلاث سنين كان ينزل على النبي ﷺ وفق الأحداث والمجريات التي كانت تعرض له، فهذا معنى نزول القرآن في رمضان ليلة القدر، نزوله إلى السماء الدنيا إلى بيت العزة فيها.

قال رحمه الله: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: نزل القرآن جملة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، فكان إذا أراد الله أن يحدث منه شيئا أحدثه. ما معنى يحدث شيئا؟ يعني إذا صارت واقعة، صارت غزوة، صار سؤال، ينزل على حسب المشهد. وطبعا في الحديث السابق فكان بين أوله وآخره عشرون سنة، أنتم فهمتم الآن كم بين أوله وآخره؟ ثلاثة وعشرون، بس حذف الثلاث.

قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، قال: حدثنا الفريابي، قال: عن سفيان، عن الأعمش، عن حسان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا". وهذه مسألة غيبية، لا تسألني عنها أين هو بيت العزة وكيف شكله، لا أدري. قال: فجعل جبريل عليه السلام ينزل على النبي ﷺ ويرتل ترتيلا، سُرتله ترتيلا خلال ثلاث وعشرين سنة، سفيان يقول: خمس آيات ونحوها، يعني كان جبريل كل مرة ينزل بكم؟ خمس آيات، ست آيات، سبع آيات، على حسب الموقف والمشهد.

قال رحمه الله: باب عرض جبريل القرآن. قال: أخبرنا عمرو بن منصور، قال: حدثنا عاصب بن يوسف، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حسين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «كان رسول الله ﷺ يعرض عليه القرآن في كل رمضان». يعرض عليه يعني على جبريل.

قال: فلما كان العام الذي قبض فيه ﷺ عرض عليه مرتين، عليه الصلاة والسلام، وجبريل كان كل منهما يعرض القرآن على صاحبه في رمضان؛ رمضان كان موسم التقاء السماء والأرض، يلتقي الرسول الملائكي بالرسول البشري، فيعرض كل منهم القرآن على صاحبه من باب المراجعة، وتأكيد الآيات التي نسخت، وتثبيت الآيات التي لم تنسخ. في السنة التي توفي فيها النبي ﷺ عرض القرآن مرتين حتى يكون هذا آخر العرضات، وسمي هذه العرضة الأخيرة "العرضة الأخيرة"، فإذا سمعت هذا المصطلح فمعناه عرض جبريل على النبي ﷺ القرآن مرتين في آخر رمضان.

قال: فكان يعتكف العشر الأواخر، فلما كان العام الذي قبض فيه، اعتكف عشرين يوما. يعني كان النبي ﷺ في كل رمضان يعتكف عشر الأواخر لأنها عرضة واحدة، أما السنة التي مات فيها لأنه سيعرض القرآن مرتين، فاعتكف عشرين يوما.

قال: أخبرنا سليمان بن داوود، قال: عن ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن عباس كان يقول: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل عليه السلام، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من...»

رمضان في دراسة القرآن. قال رسول الله ﷺ: «حين يلقاه جبريل أجود من الريح المرسلة». سأسأل سؤالًا: لماذا النبي ﷺ حين يلقاه جبريل يزداد جودًا؟

الآن ماذا في الحديث؟ قال رسول الله ﷺ: «حين يلقاه جبريل أجود من الريح المرسلة». لماذا النبي ﷺ كان إذا رأى جبريل يزداد جودًا؟ يزداد صدقة وإنفاقًا على الناس. هل فهمتم السؤال؟ ما أثر جبريل في زيادة النفقة؟

جميل، زيادة قراءته تزيد أخلاقه، ومجالسة الصالحين تزيد الهمة على الخير. يعني لو كنت الآن جالسًا في بيتك، لست جالسًا هنا، أنا أبشرك من أول ساعة أني سأراك نائمًا على الجهة اليمين أو الشمال، لكن أنت هنا، فما الذي يثبتك على مجلس العلم؟ مخالطة هؤلاء الشباب الصالحين؛ فمخالطة الصالحين تزيد الهمة، سبحان الله. نحسبكم كذلك.

قال: أخبرنا نصر بن علي، عن معتمر، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي ضبيان، قال: قال لنا ابن عباس: «أي القراءتين تقرؤون؟». قلنا: أي قراءتين تقرؤون؟ قراءة زيد بن ثابت أو عبد الله بن مسعود؟ إن هناك قراءتين مشهورتين للعرضة الأخيرة. قال: قلنا: قراءة عبد الله. قلنا: نقرأ قراءة عبد الله بن مسعود.

قال: إن رسول الله ﷺ كان يعرض عليه القرآن في كل عام مرة، وإنه عرض عليه في العام الذي قبض فيه مرتين. فشهد عبد الله ما نُسخ. المشهور أن العرضة الأخيرة من حضرها زيد بن ثابت، لكن هذا الحديث يثبت أن عبد الله بن مسعود أيضًا حضر العرضة الأخيرة. هذا الحديث الذي قاله ابن عباس يثبت أن عبد الله بن مسعود أيضًا ممن حضر العرضة الأخيرة، ولذلك ابن عباس رأى أن البعض، بسبب الخلاف الذي وقع بين ابن مسعود وعثمان، أصبح يزدري قراءة ابن مسعود، فأراد ابن عباس أن يرفع من شأن ابن مسعود، وأنه لا تُستقل من قراءة ابن مسعود، فإنه أيضًا قد حضر العرض الأخير مع زيد بن ثابت، وهذه مسألة فيها خلاف.

قال رحمه الله تعالى: باب ذكر كتاب الوحي. قال: أخبرنا الهيثم بن أيوب، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت، قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فأتيتُه وعنده عمر، فقال: إن عمر أتاني فقال: إن القتل استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن.

فقلت: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر. أبو بكر كان متخوفًا أن يقدم على خطوة جمع القرآن في مصحف واحد كون النبي ﷺ لم يفعلها، فقال: فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر.

ثم قال: «إنك غلام شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ». وهذا موطن الشاهد أنه كان من كتاب الوحي؛ فإذن النبي ﷺ كان له كتاب يكتبون الوحي. قال: فتتبع القرآن فجمعه. حتى زيد بن ثابت كان متخوفًا من جمع المصحف، فقال أبو بكر: «هو والله خير»، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر.

«والله لو كلفاني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي من الذي كلفاني». يعني نقل جبل أسهل علي من أن أجمع المصحف. قال: ثم تتبعت القرآن أجمعه من العُسُب والرقاع، والعُسُب أوراق النخيل كانوا يكتبون القرآن على أوراق النخيل، والرقاع والصحف وصدور الرجال. فبدأ زيد بن ثابت عملية جمع المصحف في زمن أبي بكر.

قال رحمه الله: ذكر قراء القرآن. قال: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد، عن شعبة، عن عمر بن مرة، قال: سمعت إبراهيم يحدث عن مسروق، قال: ذُكر عبد الله بن مسعود عند عبد الله بن عمر، فقال: «ذلك رجل لا أزال أحبه، بعدما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «استقرئوا من أربعة». استقرئوا من أربعة، يعني تعلموا قراءة القرآن من هؤلاء الأربعة، فهم فرسان القراءة.

قال: عبد الله بن مسعود وهو أولهم، وسالم مولى أبي حذيفة، قال شعبة: بدأ بهذين، وابن أبي كعب ومعاذ بن جبل، قال: لا أدري بأيهما بدأ، يعني هل ذكر أُبي أولًا أو ذكر معاذ؟ لا أدري بأيهما بدأ.

قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أبان بن عبيد، قال: حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، قال: «لقد قرأت على رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة»، وقد علم أصحاب رسول الله ﷺ، هذا عبد الله بن مسعود. قال: «وقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحدًا أعلم به مني لرحلت إليه».

يدل هذا على سعة علم عبد الله بن مسعود بالقرآن؛ يقول: لو أعلم أحدًا يفهم في القرآن ويحسن أفضل مني لرحلت إليه. وانظر إلى حرصه على العلم أيضًا وتواضعه؛ ليس بمعنى «أنا فقط الذي أفهم»، بل بمعنى: «لو علمت أحدًا أعلم مني ذهبت وارتحلت للتعلم منه». قال شقيق: فجلست في حلق أصحاب رسول الله ﷺ فما سمعت أحدًا يعيب ذلك ولا يرده، يعني كل الصحابة كانوا يقرون لابن مسعود أنه أعلم الصحابة في القرآن، أو على الأقل من أعلمهم.

قال: أخبرنا محمد بن يحيى بن أيوب، قال: حدثنا سليمان بن عامر، قال: سمعت الربيع بن أنس يقول: قرأت القرآن.

عن أبي العالية، وقرأ أبو العالية على أبي بن كعب، وهو أحد الأربعة. قال أبي بن كعب: «قال لي رسول الله ﷺ: أمرت أن أقرأ عليك القرآن»، أي أن أقرأ عليك القرآن. طبعًا أُمر أن يُقرأ عليه أي سورة، فمن يعرف سورة البينة؟ قال: «قلت: أذكرت هناك؟»، قال: نعم، كعب مسرور، يقول: أو ذكرت هناك، يعني الله ذكرني باسمي يا محمد، أقرأ على أبي بن كعب. أبي بن كعب مسرور أن الله خصه أن يُقرأ عليه القرآن.

قال: فبكى أبي. فبكى أبي، ماذا يريد أفضل من هذا الجمال؟ قال: «فبكى أبي، فلا أدري أشوق أم بخوف». فلا أدري هل بكى شوقًا إلى الله أو خوفًا من الله؟ الآن فهمنا الشوق، ولكن لماذا قد يكون بكى خوفًا؟ لماذا أبي بكى؟ احتمال أن يكون بكى خوفًا، ألا تكون فتنة له؟ أحيانًا الإنسان قد تأتيه كرامة، فيقول شيخ الإسلام: قد تكون الكرامة فتنة لبعض الناس، فيقول: أنا خلصت، أنا وصلت، فيترك العمل، فخاف أن تكون هذه فتنة.

قال رحمه الله: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال حدثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا، قال حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال لأبي: «إن ربي أمرني أن أعرض عليك القرآن»، قال: أو سماني لك؟ قال رسول الله ﷺ، فبكى أبي.

قال رحمه الله: ذكر الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ. قال: أخبر من جمعوا القرآن، يعني حفظوه. والصحيح أن الذين جمعوا القرآن أكثر من ثلاثين شخصًا، لكن هؤلاء الأربعة الذين ذكرهم أنس بن مالك كانوا من الأنصار. لكن الصحيح أن الذين جمعوا القرآن، يعني حفظوا القرآن في عهد النبي ﷺ، كانوا أكثر من أربعة.

قال رحمه الله: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال حدثنا عبد الله بن إدريس، قال حدثنا شعبة، وقال أخبرنا محمد بن بشار، قال حدثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد، وأبو زيد، وأبو زيد هذا صحابي من الأنصار لا يعرف اسمه. قلت: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي.

قال: وأخبرنا بشر بن خالد، قال أنبأنا غندر، عن شعبة، عن سليمان، قال: سمعت أبا وائل، عن مسروق، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: «استقر القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب». ستلاحظون أن بعض الأحاديث فيها تكرار، لكن هذا التكرار لأن الحديث الواحد يمكن يؤخذ منه أكثر من فائدة، فيريد في أكثر من باب على حسب الفائدة التي يستنبطها منه.

قال رحمه الله: باب جمع القرآن. قال: أخبرنا الهيثم بن أيوب، قال حدثنا إبراهيم بن سعد، قال حدثنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن الصباح، عن زيد بن ثابت، قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة فأتيت، وعنده عمر، فقال: «إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن». هنا لماذا أتى بالحديث مرة أخرى؟ في أول مرة لماذا أتى بالحديث؟ للاستدلال على أن هناك كتابًا للوحي، ومنهم زيد بن ثابت. هنا ذكره مرة أخرى للاستدلال على مسألة جمع القرآن. وساق الحديث بطوله.

قال رحمه الله: باب سورة كذا، سورة كذا. قال: أخبرنا عمران بن موسى، قال حدثنا يزيد بن زريع، قال حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: ذكر لي عن أبي مسعود، فلقيته وهو يطوف بالبيت، فسألته، فقال: «رسول الله ﷺ: من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة...». ذكر لي عن أبي مسعود فائدة في آية من القرآن، لكنه اختصر، ذكر لي حديثًا عن أبي مسعود فأحببت أن أسمعه من أبي مسعود مباشرة، فلقيت أبا مسعود وهو يطوف بالبيت بالكعبة فسألته عن الحديث الذي بلغني، فإذا هو الحديث.

قال: «قال رسول الله ﷺ: من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة»، والصحيح: «من قرأ الآيتين» مفعول به، لكن هكذا وردت في الرواية. من آخر سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ...﴾ إلى آخر السورة. ما معنى «كفتاه»؟ يعني وقاه الله من شر شياطين الجن والإنس، كانت كفاية له من شر شياطين الجن والإنس في تلك الليلة.

قال رحمه الله: أخبرنا بشر بن خالد، قال أنبأنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن علقمة، عن أبي مسعود، أن النبي ﷺ قال: «من قرأ الآيتين الأخيرتين من البقرة في ليلة كفتاه». قال عبد الرحمن: فلقيت أبا مسعود فحدثني به. شوف حرصهم على العلم؛ هو أولًا عبد الرحمن سمع الحديث من علقمة، فأحب أن يحصل على سند عالي، وكان أبو مسعود على قيد الحياة، فقال: أذهب أسمع من أبي مسعود مباشرة، فذهب فسمعه من أبي مسعود مباشرة. هذا حرصهم على العلم.

قال: أخبرنا علي بن خشرم، قال أنبأنا عيسى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة وعبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «الآيتان الأخريان من آخر سورة البقرة»، وهي الأخيرتان، «من قرأهما في ليلة كفتاه».

قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا عبد بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ رجلًا يقرأ في المسجد ليلًا، فقال: «لقد أذكرني كذا وكذا من آية كنت قد أسقطته من سورة كذا وكذا». وهذا يدل أن النبي ﷺ بعد بلاغ الآيات كانت تطرأ عليه بعض الأحوال، يمكن ينسى كلمة ويتذكرها من أحد الصحابة الكرام؛ فقد نسي في بعض الصلوات، وقد نسي هنا في هذا الموطن وتذكر الكلمة من رجل سمعه يقرأ في المسجد.

قال رحمه الله تعالى: السورة التي يذكر فيها كذا. قال: أخبرنا محمد... هو موطن الشاهد: «كان قد أسقطه من سورة كذا وكذا»، هو ما موطن الشاهد؟ أن السور لها...

يقول: سورة كذا وسورة كذا، مش هذا هو التبويب؛ أراد النسائي أن يثبت أن قضية أن السور لها أسماء هذا ليس مما اجتهد فيه الصحابة، بل هذا أيضًا من فعل النبي ﷺ، أنه كان يسمي السور أسماءً، فقوله: «من سورة كذا وكذا» واضح أنه سمى اسم السورة بغض النظر ما هي.

قال رحمه الله: وهنا في الأحاديث السابقة أن النبي ﷺ من قرأ آخر آيتين من سورة البقرة، إذًا هو سماها سورة البقرة، فهذا طبعًا هو موضوع الباب؛ أن موضوع أن السور يوضع لها أسماء هذا ليس من اجتهاد الصحابة، بل هذا من فعل النبي ﷺ.

قال رحمه الله: السورة التي يذكر فيها كذا... أخبرنا محمد بن مثنى عن يحيى بن سعيد قال: حدثنا عوف قال: حدثنا يزيد الفارسي قال: قال لنا ابن عباس، قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين؟

أنتم تعرفون القرآن مقسم إلى أربعة أقسام: السبع الطوال، ثم بعدها المئين وهي السور التي آياتها مئة فصاعدًا ولكن لا تبلغ حجم السبع الطوال، ثم بعد ذلك المثاني وهي التي أقل من مئة، ثم بعد ذلك المفصل، وهو من سورة "ق" إلى سورة الناس.

الآن سورة الأنفال كم عدد آياتها؟ 76 تقريبًا، فإذا هي ليست من السبع الطوال ولا من المئين، هي من المثاني، هذا هو الأصل. وأما سورة براءة فالأصل أنها من المئين، حول المئة. قال: «وإلى براءة وهي من المئين، فقُرنت بينهما».

ما معنى قرن بينهما؟ أن عثمان لم يفصل بين سورة الأنفال والتوبة ببسم الله الرحمن الرحيم، لم يفصل بين سورة الأنفال والتوبة بسم الله الرحمن الرحيم، ورسمت في المصاحف كأنهما سورة واحدة. قال: «فقُرنت بينهما ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتهما في السبع الطوال».

كذلك السبع الطوال ما هي؟ البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، الأنفال زائد التوبة؛ هي كيف ستصبح سبعة؟ هي الأنفال زائد التوبة فجعلهم كأنهما سورة واحدة وكأنها هي السابعة. قال: «ووضعتهما في السبع الطوال».

قال: فما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: «إن رسول الله ﷺ كان إذا نزل عليه شيء ويدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا». وهذا موطن الشاهد، أن النبي ﷺ كان يسمي السورة بناءً على شيء وقع فيها؛ يعني سورة البقرة لماذا سميت سورة البقرة؟ لأنه ورد فيها قصة البقرة، وسورة الأنفال لماذا سميت سورة الأنفال؟ ورد فيها ذكر الأنفال، وسورة التوبة لورود قصة الثلاثة الذين خُلفوا فيها، وهكذا فهذه هي طريقة تسمية السور، أن تُسمى باعتبار شيء ذُكر فيها.

قال: «وتنزل عليه الآيات فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا». وكانت الأنفال من أوائل ما أنزل، وبراءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصة الأنفال. الأنفال من أوائل ما نزل، نزلت في أي غزوة؟ بدر، والتوبة من آخر ما نزل، نزلت في أي غزوة؟ تبوك، يعني بينهما تقريبًا ثمان سنوات، لكن قصتها شبيهة بقصتها. ما وجه الشبه بين قصة الأنفال وقصة التوبة؟ أن كل واحدة منهما تتكلم عن غزوة؛ هذه تتكلم عن بدر وهذه تتكلم عن تبوك، فهذا وجه الشبه، قال: «وكانت قصتها شبيهة بقصتها»، يعني أن كلاً منهما تتحدث عن غزوة ومعركة.

قال: «وقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها». توفي النبي ﷺ وكثير من الصحابة لم يكن يعرف هل التوبة هي تبع للأنفال وتكمل لها أم سورة مستقلة، فعثمان لتردده لم يكتب البسملة بينهما لأنه كان مترددًا هل هما سورتان أو سورة واحدة، قال: «فظننت أنها منها، فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما بسطر بسم الله الرحمن الرحيم».

قال رحمه الله: كتابه القرآن. أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا يزيد عن همام عن زيد بن أسلم، وأخبرنا الفضل بن العباس بن إبراهيم قال: حدثنا عفان قال: حدثنا همام قال: حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ، وقال محمد: قال رسول الله ﷺ: «لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن»، وقال محمد: «إلا القرآن، فمن كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه». إذًا في بادئ الأمر كان النبي ﷺ ينهى عن تدوين السنة ويأمر فقط بكتابة القرآن.

قال رحمه الله: فاتحة الكتاب. أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان عن الزهري عن محمد بن الربيع عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، لأنها ركن من أركان الصلاة.

قال: فضل فاتحة الكتاب. أخبرنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى قال: مر بي رسول الله ﷺ وأنا أصلي فدعاني فلم أته حتى صليت، ثم أتيته فقال لي: «ما منعك أن تأتيني؟» فقال: كنت أصلي. فقال: «ألم يقل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 24]؟».

فهذا الصحابي أخطأ أنه لم يقطع الصلاة، كان المفروض بمجرد أن دعاه النبي ﷺ وهو يصلي أن يقطع الصلاة، خاصة أنها كانت صلاة نفل كما ذكر كثير من أهل العلم؛ لذلك النبي ﷺ أنبه وقال له: الله يقول لك استجيبوا لله وللرسول، كان المفروض ما أنهيت الصلاة مباشرة، ما دمت دعيتك تقطع الصلاة.

قال: «ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟» فأراد أن يعلمه هذه الفائدة. النبي ﷺ ما هي أعظم سورة في القرآن؟ سورة الفاتحة. قال: «فذهب ليخرج فذكرته، فقال: الحمد لله رب العالمين»، فذهب ليخرج، ولم يعطه الإجابة ابتداءً ثم أراد.

«أن يخرج من المسجد»، فقلت: يا رسول الله، ستعطيني فائدة، ما هي أعظم سورة في القرآن؟ أخبرني ما هي؟ فقال: «هي، والحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته».

أخبرنا عبيد الله بن عبد الكريم قال: حدثنا علي بن عبد الحميد المعاني قال: حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ في مسير له فنزل، ونزل رجل إلى جانبه، فالتفت إليه النبي ﷺ فقال: «ألا أخبرك بأفضل القرآن؟» قال: فتل عليه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، إذ هي أفضل سورة، وأما أعظم آية في القرآن فهي آية الكرسي.

أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج»، يعني ناقصة. قال: هي كاملة؟ قال: هي خداج، غير تامة.

فقلت: يا أبا هريرة، إني أحيانا أكون وراء الإمام، فهل يلزم المأموم أن يقرأ الفاتحة وراء الإمام؟ قال: فغمز الذراع وقال: «اقرأ بها في نفسك»، اقرأ بها في نفسك أثناء سكتات الإمام إذا كان الإمام ساكتًا لا يقرأ، أو في صلاة سرية، اقرأ بها، أما إذا كان الإمام يقرأ بصوت علني فالذي عليه مذهبنا ومذهب كثير من أهل العلم أنك لا تقرأها معه حتى لا تشوش على نفسك وعلى ما حولك.

قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله عز وجل: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين»، قال: فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل. والمراد بالصلاة هنا سورة الفاتحة، قسمت سورة الفاتحة بين العبد وبين ربه. كيف؟ قال رسول الله ﷺ: «قرأوا»، يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول الله: حمدني عبدي، هذه الآية لله ثناء على الله. يقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقول الله: أثنى علي عبدي، هذه لله أيضًا. يقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يقول الله: مجدني عبدي، وهذه أيضًا لله.

وهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. يقول الله: «ولعبدي ما سأل»، وهذه الآية تظهر أنها سقطت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، هذه الآية بيني وبين عبدي؛ لأن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لله، و﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هي حاجتك أنت، فهذه بينك وبين الله. يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فمن قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها، فهذه كلها دعاء لمصلحتك، ففعلاً نصف الفاتحة لله ثناء وتمجيد، ونصفها للعبد سؤال ورشاد.

خالفه سفيان بن عيينة، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا سفيان وهو ابن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج»، قال: يا أبا هريرة، إني أحيانا أكون وراء الإمام، قال: «يا فارسي، اقرأ بها في نفسك»، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله عز وجل: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل».

قال العلماء: إن سورة الفاتحة تسمى سورة الصلاة، من أسماء سورة الفاتحة "آية الصلاة"، واستدلوا بهذا الحديث أن النبي ﷺ قال: «قسمت الصلاة»، فجعل الصلاة اسمًا من أسماء سورة الفاتحة، ولماذا سميت سورة الفاتحة الصلاة؟ لأنها أحد أركان الصلاة.

قال سفيان: دخلت على العلاء بن عبد الرحمن في بيته وهو مريض فسألته عن هذا الحديث فحدثني به. أخبرنا عمرو بن منصور قال: حدثنا الحسن بن الربيع قال: حدثنا أبو الأحوص عن عمار بن رزيق، عن عبد الله بن عيسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: بينما جبريل عليه السلام قاعد عند النبي ﷺ سمع صوتًا نقيضًا من فوقه، فقال: سمعت صوت شيء يفتح فوقه، فقال: «هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم»، فنزل منه ملك فقال: «هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم»، فسلم وقال: «أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة».

وهذا يدل على فضل سورة الفاتحة، وأيضًا أنها نور من الله، وكذلك خواتيم سورة البقرة. لم تقرأ بحرف منها إلا أعطيت، والمراد بالحرف هنا الجملة، لأن سورة الفاتحة وآخر آيات سورة البقرة أكثرها دعاء، مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا * رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾، وكذلك الفاتحة نصفها دعاء، فمعنى لم تقرأ بحرف أي بجملة إلا أعطيته، أي استجاب الله دعاءك.

أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا يعقوب عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». كثير من الناس يصاب بشيء من الجن أو المس أو ما شابه من ذلك، وهذا يكون عادة لقلة قراءة سورة البقرة في البيت. أي إنسان يعاني من حسد أو عين أو مس أو أشياء من ذلك، أو تعرفون من أحبابكم، اعلموا أن هناك خللًا في العادة في قراءة سورة البقرة، فعليه أن يكثر من قراءتها في البيت. طبعًا قضية أن يشغل الشاشة وتكون الشاشة شغالة على سورة البقرة أمر جيد، ولكن ليس هذا هو المراد الأساسي، المراد أن تقرأ أنت.

أن تقرأ أنت وعائلتك. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب، قال أخبرنا الليث، قال أخبرنا خالد عن ابن عن ابن أبي هلال عن يزيد بن عبد الله بن أسامة عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري عن أسيد بن حضير، وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن.

قال: قرأت الليلة بسورة البقرة وفرسي مربوط، ويحيى ابني مضجع قريب مني وهو غلام كان يقرأ في الليل، وكان فرسه مربوطًا وكان ابنه طفلًا نائمًا بجانبه. قال: فجالت جولة، يعني الفرس صارت تتحرك وتضطرب، قال: فقمت ليس لي هم إلا يحيى ابني، يعني خاف أن الفرس يطأ ابنه لأن الفرس بدأت تضطرب.

قال: فسكنت الفرس، ثم قرأت فجالت الفرس، فقمت ليس لي هم إلا ابني، ثم قرأت فجالت الفرس، فرفعت رأسي فإذا بشيء كهيئة الظلة في مثل المصابيح، كهيئة السحابة، رأى سحابة في السماء فيها مصابيح، قال: كهيئة الظلة في مثل المصابيح مقبل من السماء، فهالني، فسكنت.

قال: فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: «اقرأ يا أبا يحيى، اقرأ يا أبا يحيى». قلت: قد قرأت يا رسول الله، فجالت الفرس وليس لي هم إلا ابني، يعني أنا خائف على ابني أن الفرس تدوسه. فقال: «اقرأ يا ابن حضير»، قال: قد قرأت، فرفعت رأسي فإذا كهيئة الظلة فيها مصابيح فهالني. فقال: «ذلك الملائكة دنوا لصوتك، ولو قرأت لأصبح الناس ينظرون إليهم». سبحان الله، لو استمررت في القراءة لرأتهم الناس.

قال رحمه الله: هذا يدل على فضل سورة البقرة من جهة نزول الملائكة لسماعها بالصوت الحسن الجميل.

قال رحمه الله: آية الكرسي. قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبيد الله، قال حدثنا شعيب بن حرب، قال حدثنا إسماعيل بن مسلم عن أبي المتوكل عن أبي هريرة، أنه كان على تمر الصدقة فوجد أثر كف، كأنه قد أخذ. أبو هريرة كان مسؤولًا عن بيت مال المسلمين عن تمر الصدقات، حارس موضوع عليه.

فوجد أنه كان هناك شيء سرق من التمر في ليلة من الليالي، أثر كف، يعني كأنه واحد سارق، أبو هريرة لم يعرف من الذي سرق. قال: فوجد أثر كف كأنه قد أخذ منه، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال: «تريد أن تأخذه؟» قال: قل، فالنبي ﷺ يقول لأبي هريرة: حابب تمسكه لهذا السارق؟ تريد أن تأخذه؟ قال: قل: «سبحان من سخرك لمحمد ﷺ».

قال أبو هريرة: فقلت، فإذا جني، أبو هريرة ذهب إلى مكان الحراسة فقال: «سبحان من سخرك لمحمد ﷺ»، فإذا جني يخرج، قال: فإذا جني قائم بين يدي، فأخذته، وكان قائمًا بصورة رجل وليس بصورة الجن، قال: فأخذته لأذهب به إلى النبي ﷺ، فقال: مسكه، استطاع أن يسقطه أبو هريرة. قال: فقال: «إنما أخذته لأهل بيت فقراء من الجن»، فهذا الجن يقول: يا أبا هريرة، والله بدي آخذ تمر أطعم فيه أهل بيت فقراء من الجن، قال: ولن أعود.

قال: فعاد، قال: أعادها، خلص مرة أخرى. قال: فعاد فذكرت ذلك، قال: اليوم الثاني ولا هو راجع يسرق، طيب اتفقنا في الشر، رجع، يعني شو اللي رجعك؟ قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «تريد أن تأخذه؟» فقلت: نعم. فقال: «قل: سبحان من سخرك لمحمد ﷺ». فقلت: «سبحان من سخرك لمحمد ﷺ»، فإذا أنا به، فإردت أن أذهب به أيضًا إلى النبي ﷺ، فعادني ألا يعود، فتركته.

ثم قال لي: خلاص آخر مرة، وعد يعني ما برجع، فتركته. قال: ثم عاد، فذكرت للنبي ﷺ، ورجع عاد مرة ثانية، يعني هذا الجني مش ملتزم. قال: فذكرت للنبي ﷺ فقال: «تريد أن تأخذه؟» فقلت: نعم. فقال: «قل: سبحان من سخرك لمحمد ﷺ»، فقلت: «سبحان من سخرك لمحمد ﷺ»، فإذا أنا به، فقلت: عاهدتني فكذبت، وعدت لأذهبن بك إلى النبي ﷺ.

فقال: «خل عني، أعلمك كلمات إذا قلتهن لم يقربك ذي ولا أنثى من الجن». قلت: وما هؤلاء الكلمات؟ قال: «آية الكرسي، اقرأها عند كل صباح ومساء». قال: الجني ناصح، قال له: بدك الجنة؟ قربك يا أبا هريرة، اقرأ آية الكرسي عند كل صباح ومساء. لذلك من أهم أذكار الصباح والمساء آية الكرسي يا شباب، الذي لا يحرص عليها هو عرضة لأن يتلبسه أو يصبح معه قرين أو شيء من ذلك، الذي يحافظ على أذكار الصباح والمساء تكون حصنًا له، يقرأ سورة آل عمران أو آية آل عمران.

قال: فخليت عنه، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «أوما علمت أنه كذلك؟»، يعني أنت ما بتعرف هذه المعلومة يا أبا هريرة التي علمك إياها الجني، أن النبي ﷺ ظن أن أبا هريرة يعرفها.

قال رحمه الله: باب الآيتين من آخر سورة البقرة. قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن إسحاق عن جرير عن منصور عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه».

قال: أخبرنا إسحاق بن منصور، قال أخبرنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبي مسعود عن النبي ﷺ قال: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه». طيب، ستقول لماذا كرر الحديث مرة أخرى؟ نقول قبل قليل كان يستدل بالحديث على ماذا؟

على جواز تسمية السور، هنا استدل بها على فضل آخر آيتين من سورة البقرة. لاحظ أن الحديث الواحد يورد في أكثر من باب، أنه كل مرة يستنبط منه فائدة أخرى.

قال أخبرنا محمد بن منصور، قال حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، أخبره علقمة، عن أبي مسعود الأنصاري، أن النبي ﷺ قال: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه». قال عبد الرحمن بن يزيد: فلقي أبا مسعود في الطواف فسألته فحدثني به.

قال أخبرنا محمد بن عبد الله بن البار، قال حدثنا يحيى بن آدم، قال حدثنا أبو الأحوص، عن عمار بن رزيق، عن عبد الله بن عيسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: بين رسول الله ﷺ وعنده جبريل عليه السلام إذ سمع نقيضًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: «هذا الباب قد فتح من السماء ما فتح قط». قال: فنزل ملك فأتى النبي ﷺ فقال: «أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة».

قبل قليل استدل بهذا الحديث على فضل سورة البقرة، وهنا استدل به على فضل سورة الفاتحة، ثم عاد ليستدل به على فضل آخر آيتين. مهم جدًا تكون منتبه، بلشنا رحمان يا شيخ؟ ولا الأمور طيبة؟ لسه سنتنا أول ساعة، مشايخ، أنتم بعدين تحسبوا حساب الباص السريع صار يسكر على الـ 12، بدأ من واحد واحد، فأنتم هي الأمور بدك تصير تتعودوا عليها معي.

قال أخبرنا عمرو بن منصور، قال حدثنا آدم بن أبي إياس، قال حدثنا أبو عوانة، قال حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «وفضلنا على الناس بثلاث: جعلت الأرض كلها لنا مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورًا». فهذه من خواص النبي ﷺ أنه يجوز أن يصلي في أي مكان من الأرض، يعني خواصه وخواص أمته، الأمم السابقة كانت لا تصح صلواتهم إلا في الصوامع والدير، أما أمة الإسلام فيصح أن تصلي في أي مكان في الأرض، وتستطيع أن تتيمم بأي تربة في الأرض.

قال: «وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعط منه أحد قبلي ولا يعطى منه أحد بعده». قال أخبرنا محمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن زبيد، قال عن مرّة، قال قال عبد الله: خواتيم سورة البقرة، قال عبد الله بن مسعود: خواتيم سورة البقرة أنزلت من كنز تحت العرش.

قال باب الكهف، قال أخبرنا سورة الكهف فضلها، قال أخبرنا علي بن حجر، قال حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن يحيى بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفيل الحضرمي، عن أبيه، عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال، قال: «من رآه منكم فليقرأ فواتح سورة الكهف». من رأى الدجال فعليه أن يقرأ فواتح سورة الكهف فإنها تقيه من عصمته، هذا إذا رأيته بعينيك، يعني إذا أدركت زمنه.

قال أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: «من قرأ عشر آيات من الكهف عُصم من فتنة الدجال». وهناك رواية مقيدة: «من قرأ أول عشر آيات من سورة الكهف»، فهذه الرواية المطلقة ينبغي أن تُحمل على الرواية المقيدة، أنها الآيات العشر الأولى.

قال رحمه الله: المسبحات، قال: المسبحات هي السور التي تبتدئ بسبح لله، والمراد بها هنا سورة الحشر، ونبدأ بسورة الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن، إلى سورة التغابن. الآن سورة الأعلى، البعض قال هي ليست مقصودة هنا وإن كانت مبتدئة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، لا، هنا المراد بها سيأتي ذكره.

قال رحمه الله أخبرنا علي بن حجر، قال حدثنا بقية بن الوليد، عن بجير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن أبي بلال، عن العرْباض بن سارية أن النبي ﷺ كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد، ويقول: هذا من هديه ﷺ، أنه قبل أن ينام كان يقرأ السور المسبحات، وبدها وقت، لكن الإنسان الحريص على القرآن لا يلتفت كم يأخذ ذلك من الوقت.

ويقول إن فيهن آية أفضل من ألف آية، قيل هذه الآية التي أفضل من ألف آية هي آخر آيات في سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ...﴾ إلى آخرها، فهي ليست آية واحدة، هي آخر ثلاث آيات، هذا ذكره البعض وليس جزماً.

قال رحمه الله سورة إذا زلزلت، قال أخبرني عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم، عن عبد الله، قال حدثنا سعيد، قال حدثني عياش بن عباس القتباني، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمر بن العاص، قال: أتى رجل رسول الله ﷺ وقال: اقرأ يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «اقرأ ثلاثًا من ذات ألف لام را». فقال الرجل: اقرأ ثلاث سور من ألف لام را؟ أي السور المبتدئة بألف لام را؟ يونس ويوسف وهود، وأيضًا الحجر وإبراهيم، يعني هذه السور المبتدئة بألف لام را.

فقال الرجل: كبرت سني واشتد قلبي وغلظ لساني، إنه يا رسول الله هي سور طويلة وأنا إنسان كبير في السن، يعني لا أحسن قراءتها. قال: «اقرأ ثلاثًا من ذات الحمي»، مثل فصلت والشورى. فقال مثل مقالته الأولى، فقال: يا رسول الله أنا رجل كبير وهي سور كبيرة علي. قال: «اقرأ ثلاثًا من المسبحات». فقال: المسبحات عرفنا ما هي؟ فقال مثل مقالته، ثم قال: يا رسول الله أنا رجل...

ثم قال الرجل: ولكن اقرئي سورة جامعة. الرجل كان يريد سورة خمس آيات وخلاص، لا يريد "الم" ولا "حم" ولا "سبحات"، يريد سورة قصيرة على قد حجمه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿اقْرَأْ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1]، حتى فرغ منها. قاله يقرأ سورة الزلزلة لأنها تذكرك بلقاء الله.

فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها شيئًا أبدًا. ثم ادبر الرجل، أي والله ما بزيد عليها يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح الرويجل، أفلح الرويجل، أفلح». لأنه هو ماشي ما راح يزيد لكنه سيتمسك، وأحيانًا قليل دائم إخواني ترى خير من كثير منقطع. مش دائماً لازم الكثرة، أحيانًا النوعية والجودة مطلوبة، وأن تؤمن بسورة وتعمل بها وتؤثر في حياتك أفضل منك تقرأ كل القرآن وأنت لا تعمل بشيء منه، أليس كذلك؟

قال رحمه الله: سورة يا أيها الكافرون. قال أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا أبو عوانة، عن مهاجر أبي الحسن، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كنت أسير مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع رجلاً يقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى ختمها، قال: «قد برئ هذا من الشرك». ثم سرنا فسمع آخر يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فقال: «أما هذا فقد غفر له».

قال رحمه الله: سورة الإخلاص. قال أخبرنا العباس، لأن سورة الكافرون تتكلم عن البراءة من الشرك: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]. قال أخبرنا العباس بن عبد العظيم، قال حدثنا محمد بن جهضم، قال حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن مالك بن أنس، ثم ذكر كلمة معناها، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال: أخبرني قتادة بن النعمان، قال: قام رجل من الليل فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة يرددها لا يزال لا يزيد عليها. فلما أصبحنا، أي طول قيام الليل وهو يقرأ هذه السورة فقط، طول صلاة قيام الليل يقرأ هذه السورة، فلما أصبحنا قال رجل: يا رسول الله، إن رجلاً قام الليلة من السحر فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا يزيد عليها. كان الرجل يقل لها، هذا الرجل يقول: يا رسول الله، ليش فعل كذا؟ يعني لو قرأ آيات أخرى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن». ثلث القرآن، لأن القرآن إما كلام عن التوحيد، وإما قصص، وإما تكاليف، فسورة الإخلاص هي خلاصة التوحيد فهي ثلث القرآن.

قال: فضل المعوذتين. قال أخبرنا يوسف بن عيسى، عن الفضل بن موسى، قال أنبأ إسماعيل، عن قيس، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإنزلت عليَّ آيات لم يُرَ مثلهن قط: المعوذتين، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾».

قال رحمه الله: أهل القرآن. قال أخبرنا عبيد الله بن سعيد، عن عبد الرحمن، قال حدثني عبد الرحمن بن بديل بن ميسرة، عن أبيه، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله أهلين من خلقه»، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته». نسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن. وأهل القرآن، أنت لا تنال هذه الرتبة إلا إذا أصبح القرآن ليلك ونهارك، يعني ليس فقط الإنسان الذي يحفظ القرآن ويهدر هراً، لا تحصل هذه المرتبة إلا إذا كان القرآن ليلك ونهارك، لأنه من أهلك؟ أنت لو سألتك في الحياة من هم أهلك الذين دائماً تجالسهم؟ أمك، أبوك، إخوانك الذين دائماً أنت معهم، فأنت لن تنال مرتبة أهل القرآن إلا إذا كنت دائماً معه.

قال رحمه الله: الأمر بتعلم القرآن واتباع ما فيه. قال أخبرنا محمد بن عثمان، قال حدثنا ابن أسد، قال حدثنا سليمان بن المغيرة، قال حدثنا حميد بن هلال، قال حدثنا نصر بن عاصم، قال: أتيت اليشكري وخالد اليشكري في رهط من بني ليث، فقال: من القوم؟ قلنا: بنو ليث. فسألنا، ثم قلنا: أتيناك نسألك عن حديث حذيفة. قال: أقبلنا مع أبي موسى، وعلت الدواب بالكوفة. هذا اليشكري جاؤوا ليسألوا عن حديث يعرفونه عن حذيفة، وهو حديث الفتن. قال: وعلت الدواب بالكوفة، يعني بلغنا أن سعر الدواب في الكوفة ارتفع، فاستأذنتها ننزل بالكوفة، بدنا نروح نشتري ونبيع لأنه واضح أن سعر الدواب غلي في الكوفة.

فرحنا، ذهب اليشكري مع صاحب له إلى الكوفة، قال: فأذن لنا فقدمنا الكوفة. فقلت لصاحبي: إني داخل المسجد، فإذا قامت السوق خرجت إليه. دخل اليشكري المسجد وقال لصاحبه: إذا اشتغلت السوق خبرني ننزل نشتري ونبيع. قال: فدخلت المسجد فإذا فيه حلقة يستمعون إلى حديث رجل، فقمت عليهم فجاء رجل فقام إلى جنبي، فقلت له: من هذا؟ فقال: أصغي للحلقة. جاء واحد جلس جنبي فقلت لمن جلس جانبي: من هذا الشاب الذي يدرس؟ فقال لي: شكلك بصري مش كوفي صح؟ يعني مش من أهل القرية، قلت: نعم أنا بصري. قال: هذا حذيفة بن اليمان. يعني أنت ما بتعرف هذا الشيخ؟ هذا حذيفة أحد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: بصري؟ قلت: نعم. قال: قد عرفت، لو كنت كوفياً لم تسأل عن هذا لأنه شيخ معروف، هذا حذيفة بن اليمان.

فدنوت منه فسمعته يقول، وهذا هو حديث حذيفة: كان الناس يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر. لماذا؟ قال: خفت أن يدركني. أما الخير فقال: «ملحقين به»، وعرفت أن الخير لن يسبقني، يعني أصادف ملحقين عليه، لكن المشكلة الشر لازم تسأل عنه. والمراد بالشر هنا ما هو يا إخواني؟ المراد بالشر هنا الفتن التي على الأمة. قال: قلت: يا رسول الله، بعد...

قال يا حذيفة: «تعلم كتاب الله واتبع ما فيه»، ثلاث مرار، وهذا موطن الشاهد. حذيفة كان يسأل عن الفتن، والنبي ﷺ في البداية ما كان يحب أن يخبره، وكان يوجهه لنصيحة واحدة: ما هي؟ تعلم القرآن. إخواني، من تعلم القرآن وعمل به لن تضره فتنة بإذن الله من هنا إلى آخر الزمان، لذلك هذا توجيه النبي: «يا حذيفة تعلم القرآن». لذلك ليش تقول مجالس القرآن، حلق القرآن، تدبر القرآن؟ من عاش مع القرآن لا تضره فتنة، لكن المشكلة في من هو بعيد عن القرآن فهما وتدبرا، نعم تضره الفتن وتشغل قلبه وحياته بل تهلكه.

قال رحمه الله: قال: «يا حذيفة تعلم كتاب الله واتبع ما فيه» ثلاث مرار، قال: قلت: يا رسول الله، أبعد هذا الخير شر؟ قال: «هدنة»، إذًا البداية سيكون... قال: بعد الخلافة الراشدة سيكون لك شر وخلاف بين الصحابة وبعض التابعين. ثم قال: يا رسول الله، أبعد هذا الخير شر؟ قال: «يا حذيفة تعلم كتاب الله». فقلت: أبعد هذا الشر خير؟ قال: «هدنة». يعني بعد الخلافات التي صارت في نهاية زمن الصحابة، هل سيأتي بعدها خير؟ قال: يأتي خير لكنه خير ليس صافيًا، قال: «هدنة على دخن»، يعني القلوب ليست صافية، في هدنة يحسن حال المسلمين لكن القلوب خلاص لا تعود على ذاك الصفاء الذي كانت فيه زمن الصحابة.

قال: «هدنة على دخن وجماعة على أقذام»، فيها قلت: وجماعة على أقذام؟ شحناء وبغضاء. قال: قلت: يا رسول الله، أبعد هذا الخير شر؟ قال: بعد هذا الخير الذي فيه دخن، هل سيكون شر يعني فتن ممحقة؟ نعم، قال: «يا حذيفة تعلم كتاب الله واتبع ما فيه» ثلاث مرار. النبي ﷺ يحاول يقول: يا حذيفة خلص لا تسأل، بس تعلم القرآن تنجو. حذيفة مصرّ يريد أن يعرف، قال: قلت: يا رسول الله، أبعد هذا الخير شر؟ قال: «فتنة عمياء صماء». قال: نعم، قال: تريد أن تعرف؟ فتنة عمياء صماء، هذه كناية عنها أن النجاة منها صعبة، يعني لا ترى ولا تسمع، كناية عن فتنة شديدة. قال: «عليها دعاة على أبواب النار، وإن تموت يا حذيفة وأنت عاض على جذل خير لك»، جذل يعني على أصل شجرة، قال: «خير لك من أن تتبع أحدًا منهم»، وهؤلاء دعاة على أبواب جهنم.

قال رحمه الله: الأمر بتعلم القرآن والعمل به. قال أخبرنا أحمد بن حرب، قال حدثنا سعيد بن عامر عن صالح بن رستم عن حميد بن هلال عن عبد الرحمن بن قرط قال: دخلنا على مسجد الكوفة فإذا حلقة وفيهم رجل يحدثهم فقال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر كي ما أعرفه فأتقيه، وعلمت أن الخير لا يفوتني. قلت: يا رسول الله، هل بعد الخير من شر؟ قال: «يا حذيفة تعلم كتاب الله واعمل بما فيه»، فأعدت عليه القول ثلاثًا، فقال في الثالثة: «فتنة واختلاف». قلت: يا رسول الله، هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «يا حذيفة تعلم كتاب الله واعمل بما فيه» ثلاثًا، ثم قال في الثالثة: «هدنة على دخن وجماعة على أقذام». فيها قلت: يا رسول الله، جماعة يعني الناس يكونون مجتمعين لكن على أقذام؟ شو يعني أقذام؟ يعني القلوب ليست صافية، كيف تكون القلوب ليست صافية وهم مجتمعون؟ وهذا الذي كان حقيقة زمن الخلافة الأموية والعباسية والمماليك، يعني الناس ساكتة بس القلوب ليست مائة بالمائة على بعضها.

قال: قلت: يا رسول الله، هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «يا حذيفة تعلم كتاب الله واعمل بما فيه» ثلاثًا، ثم قال في الثالثة: «فتنة على أبوابها دعاة إلى النار، فإن تموت وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدًا منهم»، وهؤلاء دعاة إلى النار، دعاة الشهوات والشبهات يدعونك إلى النار، دعاة الشبهات والشهوات، ونحن في شيء من هذا الزمان، ترى نحن في شيء من دعاة على أبواب النار.

قال رحمه الله: أخبرنا القاسم بن زكريا، قال حدثنا زيد بن حباب، قال حدثنا موسى بن علي، قال سمعت أبي يقول، سمعت عقبة بن عامر يقول: قال رسول الله ﷺ: «تعلموا القرآن وتغنوا به واقتنوا، والذي نفسي بيده له أشد تفلتًا من المخاض في العقل». والمخاض هي الإبل الحامل، الإبل الحامل عندما تكون مربوطة في عقلها، الإبل الحامل خاصة لما تكون مربوطة تظل تتفلت، فيقول القرآن أشد تفلتًا من المخاض أي من الإبل الحوامل لما تكون مربوطة، وهذا دلالة على ضرورة حفظ القرآن ومراجعته، ليس بس حفظه، مراجعته.

قال رحمه الله: أخبرنا أحمد بن نصر، عن عبد الله بن يزيد المقري، قال حدثنا قباث بن رزين أبو هاشم اللخمي من أهل مصر، قال سمعت علي بن رباح اللخمي يقول، سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول: كنا جلوسًا في المسجد نقرأ القرآن فدخل علينا رسول الله ﷺ فسلم فرددنا عليه السلام، فقال: «تعلموا كتاب الله واقتنوا، والذي نفس محمد بيده له أشد تفلتًا من العشار في العقل». والعشار أيضًا هي الإبل الحوامل في شهرها العاشر، ما يأتينا بآية في القرآن فيها ذكرها: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: 4]، العشار هي الإبل عندما تكون حامل في الشهر العاشر، هم يقولون الإبل تحمل سنة، خلاف المرأة، المرأة تحمل في الغالب تسعة أشهر أما الإبل تحمل في العادة سنة كاملة.

قال رحمه الله: فضل من علم القرآن. قال أخبرنا محمد، فضل معلم القرآن. قال أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال حدثنا خالد عن شعبة، قال أخبرني علقمة بن مرثد، قال سمعت سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن عثمان عن النبي ﷺ قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». أفضل الناس خيركم، هو من علم القرآن وعلمه. قال: فضل من تعلم القرآن. قال أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال حدثنا يحيى عن شعبة وسفيان، قال وسفيان حدثنا علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن عثمان عن النبي ﷺ قال: «خيركم...».

من تعلم القرآن وعلمه، وقال سفيان: أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه من طريق شعبة، خيركم من تعلم من طريق سفيان برواية، أفضلكم من تعلم القرآن، وكلاهما نفس المؤدى.

قال أخبرنا سويد بن نصر، قال أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان، عن النبي ﷺ قال: «أفضلكم من علم القرآن ثم علمه». ولاحظوا هنا هذه الرواية فيها زيادة «ثم»، لأن الإنسان لا يتصدر لتعليم القرآن إلا بعد أن يحكمه. للأسف بعض الشباب اليوم يتصدر، يصير أستاذ في مركز قرآن وهو لا يحسن القراءة بعد؛ لا، أنت أولاً تعلم ثم علم، أما أن تتصدر للتعليم وأنت لست أهلاً فلا يصح.

قال رحمه الله: الأمر باستذكار القرآن. قال أخبرنا عمران، في أمر بضرورة مراجعة القرآن. ما معنى الاستذكار؟ المراجعة، ولا يجوز أن تتغافل عن المراجعة يا صاحب القرآن.

قال أخبرنا عمران بن موسى، قال حدثنا يزيد بن زريع، قال حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «بئسما لأحدهم أن يقول نسيت آية كذا»، لآحاد ابن مسعود. طبعاً النبي ﷺ يقول: «بئس حامل القرآن الذي يقول والله نسيت الآيات هذه أو نسيت هذه السورة». بئس حامل القرآن! والله لماذا؟ قال: استذكروا القرآن، ليش ما تراجع؟ راجع حفظك، تعاهد، هذا أولى من الدينار والدرهم ومتابعة المباريات والسوشيال ميديا والكلام الفارغ.

قال: استذكروا القرآن فإنه أشد تفلتاً من صدور الرجال من النعم. النعم تكون مربوطة في العقل، ما هي؟ العقل الحبال. القرآن أشد تفلتاً من قلوب الرجال من النعم عندما تتفلت من حبالها.

قال: وقف جرير، قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال أخبرنا جرير. وقف جرير، يعني جرير روى هذا الحديث موقوفاً من كلام ابن مسعود، وليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ. قال أخبرنا جرير عن منصور، هذه هي رواية جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: استذكر القرآن فإنه أشد تفلتاً من صدور الرجال من النعم من عقله. ولا يقولن أحدكم نسيت آية كذا وكذا؛ لماذا؟ لا يجوز أن تقول نسيت آية كذا وكذا، وإنما تقول نسيت، دلالة على أنك أنت المهمل على الأقل. إذا نسيت آية من القرآن لا تقل نسيت، قل: «إيش نسيت؟»، هذه أكثر أدباً، أما نسيت فمعناها أنت المقصر، أنت المهمل الذي لا يراجع. فإذا نسيت مع الله قل: نسيت، وكأنك تنسب سبب النسيان إلى غيرك، أن الشيطان أنساك.

قال رسول الله ﷺ: «بل هو نسي».

قال أخبرنا قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة». المعقلة يعني المربوطة بعقال بحبالها؛ قال: «إذا عاهد عليها أمسكها». الآن إذا كان إنسان رابط سيارة أو رابط ناقة أو رابط شيئاً في مكان، كيف يحافظ عليها؟ كل شوي يتفقد الدابة، هل العقال لسه ماسك؟ هل في أحد لعب؟ بعدين يرجع، لازم يضل يتفقد، إذا ما تفقد ماذا سيحدث؟ الجمل لشدة احتكاكه ومحاولته أن يهرب، يرخي الحبل شوي شوي إلى أن يخرج. كذلك القرآن، بدك تتفقده كل شهر على الأقل، بدك تتفقد حفظك، إذا تفقدت حفظك اطمأننت عليه، وإما إذا تركته مع الدهر سيذهب. قال: «إذا عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقتها ذهبت». وإن أطلقتها يعني نسيها وتغافل عنها ستذهب.

قال رحمه الله: نسيان القرآن. أخبرنا محمد بن منصور، قال حدثنا سفيان، قال سمعت منصورا، وأخبرنا محمود بن غيلان، قال حدثنا أبو نعيم ومعاوية، قال حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كذا وكذا، بل هو نسي».

قال أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا يعقوب، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «إنما مثل القرآن كمثل الإبل المعقلة»، إذا عاهدها صاحبها على عقولها أمسكها، وإذا أغفلها ذهبت. «إذا قام صاحب القرآن فقرأ بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقرأه نسيه». إذاً كيف يكون تعاهد القرآن حتى لا يفلت؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إذا قام صاحب القرآن فقرأ بالليل والنهار». بدك تقرأ ليلاً ونهاراً، تواظب على القراءة في صلواتك، في جلساتك، في خلواتك.

قال رحمه الله: باب من استعجم القرآن على لسانه. قال أخبرنا محمد بن حاتم بن نعيم، قال أخبرنا حبان، قال أخبرنا عبد الله، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه». استعجم يعني لم يستطع أن يقرأ القرآن لشدة التعب أو النعاس. ما معنى استعجم؟ حاول يقرأ وليس معه، لماذا؟ لشدة التعب أو النعاس من عمل الصباح أو قلة النوم. فإذا كان الإنسان يحاول يقرأ لكنه تعبان وغير قادر على التركيز في القراءة، اذهب فنم، لأننا لا نريد قراءة بدون تركيز، لا فائدة منها. عن النبي ﷺ قال: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما يقول فليضجع»، يعني يذهب ليرتاح ويصحى مصحصحاً أفضل.

قال رحمه الله: الماهر بالقرآن. قال أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، وأخبرنا عمران بن موسى، قال حدثنا يزيد بن زريع، قال حدثنا شعبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: «الماهر بالقرآن مع السفرة». السفرة هم جمع سافر، وهم الرسل، الرسل من الملائكة، السفر هو الرسول، اليوم نسميهم سفير، يعني رسول إلى دولة كذا، فالسفرة هم الملائكة الذين يرسلهم الله بالرسائل، «السفرة الكرام البررة». «والذي يتعتع فيه له أجران». يتعتع يعني يتردد من شدة المشقة التي يعانيها في حفظ القرآن.

يتلعثم، يعني يجد مشقة، ليس كل الناس عنده القدرة على الحفظ بسهولة، أليس كذلك؟ وبعض الناس أيضًا قد تكون عنده مشاكل في النطق، عنده أتعاب كثيرة، فحتى هذا الشخص النبي عليه الصلاة والسلام يؤمله، يقول لك: «أجران»، أجر القراءة وأجر التعب، لك أجر القراءة وأجر التعب، لكن لا يعني أن مرتبته أعلى من مرتبة الماهر، لا يعني هذا أن مرتبته ستكون أعلى من مرتبة الماهر.

قال عمران: «اثنان»، قال رحمه الله باب الماهر، قال عمران، يعني هذه زيادة في الرواية: «والذي يتلعثم فيه له أجران»، اثنان، يعني هناك من زاد في هذه الرواية عن طريق عمران: «والذي يتلعثم فيه له أجران اثنان»، وتكون "اثنان" تأكيد لأجران، اسم وصف تأكيدي.

قال رحمه الله: المتتالي هارون بن إسحاق عن عبده، هذا في خطأ في التحريك، ضبطوها، صحيحة: عن عبده، قال عن عبده عن سعيد عن قتادة عن ابن أوفى عن ابن هشام عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ وهو يتلعثم فيه وهو شاق عليه له أجران».

قال أخبرنا عبيد الله بن سعد، قال حدثنا معاذ بن هشام، قال حدثني أبي عن قتادة عن زرارة بن هشام عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق فله أجران»، وهذه رواية تفسيرية، يعني: «وهو عليه شاق»، وتفسير لمعنى "أي شيء يتلعثم"، فلذلك ذكر هذه الروايات المتعددة.

النسائي قال رحمه الله: التغني بالقرآن، قال أخبرنا قتيبة، التغني بالقرآن يعني أن تحسن صوتك وتجمّله، تتغنى أنت تقرأ القرآن وليس فقط قراءة جافة. قال أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أذن الله لشيء»، يعني ما أنصت، ما أنصت الله لشيء، إذ أذن لنبي، أذن أذنًا، فرح فرحًا، أذنته يعني أنصت له لنبي يتغنى بالقرآن.

ما أنصت الله لشيء، وهذا يدل على أن من صفات الله أنه يستمع، من صفات الله العلى الاستماع، وأنه يستمع، وأعظم استماعات الله استماعه لنبي يتغنى بالقرآن، يحب الله هذا الاستماع. قال: «ما أذن الله لشيء»، يعني أذن لنبي يتغنى بالقرآن. قال أخبرنا محمد، ضبطوها بفتح الذال: «أذنه»، يعني أنصته مصدر.

قال رحمه الله تعالى: أخبرنا محمد بن حاتم، قال أنبأ عبد الله عن قباث بن رزين، قال عن علي بن رباح عن عقبة نحوه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعلموا كتاب الله وتعاهدوه وتغنوا به، فهو الذي نفس محمد بيده له أشد تفلتًا من المخاض». هذا موطن الشاهد، هذا أمر بالتغني بالقرآن.

طبعًا هنا التغني إخواني ليس من الغناء والموسيقى، يعني أنتم فاهمين، الغناء يعني تحسين الصوت وتجميله. قال: «فهو الذي نفس محمد بيده له أشد تفلتًا من المخاض»، ما معنى كلمة المخاض يا شيخ؟ قرأناها قبل شوي، هي الإبل الحامل، بنت مخاض، في الفقه الإسلامي بنت مخاض، المخاض هي الناقة الحامل.

قال: تزيين الصوت بالقرآن، قال أخبرنا علي بن حجر، قال أنبأ جرير عن الأعمش، وذكر آخر عن طلحة بن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم». ما معنى زينوا القرآن بأصواتكم؟ هل القرآن سيتزين بصوتي أم صوتي الذي سيتزين بالقرآن؟ أنتم مركزين فيها؟ من الذي سيتزين بالآخر؟ هل القرآن سيتزين بصوتي أم صوتي أزينه بالقرآن؟

الثانية هي المرادة عند جمهور أهل العلم في شرح الحديث، يعني اجعل صوتك، بدل ما لسانك فقط في الغيبة والنميمة والكلام الفارغ وتضييع الأوقات، اجعل لسانك وصوتك يتزين بالقرآن، فيكون القرآن زينة له، هذا هو المعنى. لذلك قال النسائي: تزيين الصوت بالقرآن، مع أن الحديث: «زينوا القرآن بأصواتكم»، إذا أردت أن تمشي على ظاهر الحديث: «زينوا القرآن بأصواتكم»، ظاهر الحديث أن الصوت هو الذي يزين القرآن، لكن قال الخطابي: "وهذا من المقلوب، والمراد أن تزين صوتك بالقرآن وليس أن تزين القرآن بصوتك"، فالباء تكون مع القرآن، القرآن هو الذي سيزين لسانك وحياتك وكل شيء فيك، أما أنك أنت بلسانك تزين القرآن، قالوا هذا معنى ضعيف البلاغة، من جهة ماذا؟ أن القرآن مزيون ليس محتاجًا لصوتك، القرآن مزيون بذاته، لكن أنت من تتشرف بأن تجعل لسانك وصوتك ينشغل بالقرآن.

قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن رافع، قال حدثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري وهو يقرأ، قال: «لقد أوتي أبو موسى من مزامير آل داود». قال: حسن الصوت بالقرآن، مزامير آل داود عن أصواتهم الحسنة، قواص أن داود عليه السلام وآله كانت أصواتهم حسنة بالقرآن، يعني بالقرآن الذي عندهم، ما الكتاب الذي أنزل عليهم.

قال أخبرنا أبو صالح المكي، قال حدثنا ابن أبي حازم عن يزيد بن عبد الله عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أذن الله لشيء، ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر»، يجهر بالفتح، الياء، يعني ما أنصت الله لشيء، أنصت له لنبي حسن الصوت وهو يجهر بالقرآن.

قال أخبرنا محمد بن رافع، وهذا يدل على أن الله يحب الإنصات للصوت الحسن، الله يحب الإنصات للصوت الحسن، هذا موطن الشاهد. قال حدثنا عبد الرزاق، قال حدثنا معمر عن الزهري عن أبي سلامة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أذن الله لشيء، ما أذن للنبي أن يتغنى بالقرآن»، يعني لغنائه بالقرآن، أن يتغنى بمعنى "أن" المصدرية، فهناك مصدر، وأول ما أذن الله لشيء، ما أذن لنبي لغنائه بالقرآن.

قال رحمه الله: الترجيع، الترجيع هو أن تردد الصوت صوت الحرف أثناء قراءته، هذا يسمى قراءة الترجيع، مثلاً لما يقرأ "إن" تشعر أن النون فيها نوع من الترجيع، هذا يسمى ترجيحًا، نفس الشيء بعض الناس مع المدات، تشعر أن الألف أنت تعطيها أكثر من درجة.

تشعر أن الألف تعطيها أكثر من درجة، لا تقرأها «يا» أو «يا»، فيها ترجيع، لكن لو قلت «يا ياي» تشعر أنه جعلت رتبة في الألف، هذا اسمه ترجيع، وربما يهتم به أصحاب المقامات. هل قرأ النبي ﷺ بهذا الترجيع؟

قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، قال: حدثني أبو إياس، قال: سمعت عبد الله بن مغفل، قال: كان النبي ﷺ على ناقته فقرأ فرجع، فرجع أبو إياس في قراءته، فذكر عن ابن مغفل أن النبي ﷺ رجع في قراءته. الرواية مختلطة في بعضها؛ أبو إياس هو الراوي للحديث عن عبد الله بن مغفل، فكان النبي ﷺ يرجع في قراءة سورة الفتح، فعبد الله بن مغفل يمثل كيف كان النبي ﷺ يرجع، وأبو إياس عندما يروي الحديث يمثل كيف كان النبي ﷺ يرجع، وأنا عندما أروي لكم الحديث أمثل لكم حتى تفهموا؛ لأن مشكلة الترجيع لا تُفهم إلا بالتطبيق.

قال رحمه الله: أخبرنا عبد الله بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عن أبي إياس، عن عبد الله بن مغفل، قال: قرأ رسول الله ﷺ يوم فتح مكة بسورة الفتح، فما سمعت قراءة أحسن منها.

رجع، إذاً ثبت الترجيع، لكن اختلفوا: هل كان ترجيعه مقصودًا؟ لأنه كان راكبًا للناقة وكانت الناقة تصعد وتنزل، فالإنسان إذا كنت أنت راكب سيارة وتقرأ القرآن وطلعت على مطب، ماذا سيحدث لك؟ ستشعر أن الحرف غصبًا عنه سيطلع وينزل. فالبعض قال: سبب الترجيع ليس أنه تقصد ذلك، بل لأن الناقة كانت تصعد وتنزل، فكان الترجيع جبرًا. والبعض قال: لا، هو تقصد الترجيع ﷺ، فهذا خلاف بين العلماء.

قال: باب الترتيل. قال: أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن عمر، عن زر بن حبيش؛ طبعًا هذا عن عبد الله بن عمر بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ: «يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها». وهذا يدل على فضل الترتيل. قال: كما كنت ترتل في الدنيا؛ فالذي لم يكن يرتل في الدنيا بل يقرأ القرآن هذرًا، سيقول له الملك: «كما كنت ترتل»، لن يقول له: «كما كنت تقرأ هذرًا»، فلا أحد يفهم ماذا تقرأ.

قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ليث بن سعد، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله ﷺ وصلاته، فقالت: «ما لكم وصلاته؟». يعني أنتم لا تستطيعون أن تصلوا إلى طريقة أداء النبي ﷺ في حسنها وتمامها وجمالها. فقالت: «ما لكم وصلاته؟»، ثم نعتت له قراءته، فإذا هي تنعت قراءته مفسرة جملة جملة، فكان ﷺ يقف على رؤوس الآيات: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، هذه ليست قراءته، بل كان يقرأ مقطعًا مقطعًا ويقف على رؤوس الجمل؛ هكذا يتدبر القرآن.

قال رحمه الله: تحبير القرآن. قال: تحبير القرآن يعني تزيينه بالصوت أيضًا. قال: أخبرنا طليق بن محمد بن السكن، قال: أخبرنا معاوية، قال: أخبرنا مالك بن مغول، عن عبد الرحمن بن بريدة، عن أبيه، قال: مر النبي ﷺ على أبي موسى ذات ليلة وهو يقرأ، فقال: «لقد أعطي من مزامير آل داود». فلما أصبح ذكروا ذلك له، فقال: «لو كنت أعلم أني محبر لَحبرته لك». يعني زينته لك يا رسول الله تزيينًا، وهو لم يكن أبو موسى يعلم أن النبي ﷺ يسمعه.

قال: مد الصوت. قال: أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن قتادة، قال: سألت أنسًا: كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ؟ قال: «يمد صوته مدًا في حروف المد»، تعرفون المد المتصل والمنفصل وأحرف المد، وهذا تدرسونه في علم التجويد.

قال رحمه الله: السفر بالقرآن إلى أرض العدو. قال: هل يجوز أن تسافر بالقرآن إلى بلاد الكفار إذا خشيت أن أحدًا يمتهن المصحف؟ لا يجوز. قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ يخاف أن يناله العدو، أي يأخذه العدو منك ويهين المصحف، فالأصل أن القرآن لا يسافر به إلى بلاد الأعداء إلا إذا أمنت عليه.

قال: اقرأه عن ظهر قلب. قال: أخبرنا قتيبة بن سعد، قال: حدثنا يعقوب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن امرأة جاءت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي. فنظر إليها رسول الله ﷺ؛ هذه المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ، وهذه من خصائصه أنه يجوز أن يتزوج المرأة إذا وهبت نفسها بدون مهر. فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعد النظر إليها وصوبها، يعني النبي ﷺ نظر إليها النظرة الشرعية كما يسمى؛ هل تلائمه أو لا تلائمه؟ ثم طأطأ رأسه فعرف أنه لا حاجة له في الزواج منها.

قال: ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقضِ فيها شيئًا جلست، فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك فيها حاجة فزوجها. فقال: «هل عندك من شيء؟»، يعني هل عندك مهر تعطيها لهذه المرأة؟ قال: لا والله ما وجدت شيئًا. قال: «انظر ولو خاتمًا من حديد»، هذه الرواية المشهورة؛ «ولو خاتمًا»، يعني حاول أن تبحث عن خاتم من حديد تعطيها إياه أي مهر ولو كان قليلاً. قال: فذهب ثم رجع، قال: لا والله ولا خاتم من حديد.

هذا أزاره كان عليه إزار، تعرفون الإزار؟ يعني أنا سأعطيها هذا الإزار، فالنبي ﷺ قال: «ما له رداء». من شدة فقر هذا الرجل، متخيلين جالس بين يدي النبي ﷺ فقط ساتر عورته المنطقة العلوية، ما عنده شيء يستر به بدنه من شدة فقره.

قال سهل: «ما له رداء»، أي ليس معه رداء أصلاً. فقال: «فلها نصفه»، يعني الرجل قال: يا رسول الله، اقسم أزاري بيني وبينها. فقال رسول الله ﷺ: «ما تصنع بإزاركم الذي أعطيتها؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء». له إذا قطع نصفين، لست أنت من سيستر عورتك وليس هي من ستستر عورتها، ما استفدنا شيئاً.

فجلس الرجل حتى طال جلوسه، عجز عن الإتيان بالمطلب. ثم قام، فرآه رسول الله ﷺ مولياً، انظروا إلى النبي ﷺ وكيف يجبر الخواطر، بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، شعر أن الشاب انكسر في نفسه، فأراد أن يجبر خاطره فأعطاه حلاً. قال الحنابلة: استثنائية له لذلك نسخت.

قال: فأمر به فدعي، فلما جاء قال: «ماذا معك من القرآن؟» قال: معي سورة كذا وسورة كذا. قال: «عددهما، هل تقرأهما عن ظهر قلب؟» وهذا موطن الشاهد من الترجمة، تقرأه عن ظهر قلب. إذاً النبي ﷺ يعلي من قيمة حافظ القرآن الذي يقرأ غيباً. قال: «قد ملكتكها بما معك من القرآن»، يعني زوجتكها، وجعل مهرك ما هو كما جاء في بعض الروايات: أن تعلمها القرآن الذي في صدرك. لكن هل هذا يصلح مهرنا اليوم؟ أن الشخص يجعل مهر الفتاة أن يعلمها القرآن؟ فيه خلاف بين أهل العلم، لكن أكثر أهل العلم على أن هذا منسوخ بحديث آخر، ولا يجوز أن يجعل اليوم تعليم القرآن مهراً.

قال رحمه الله: القراءة على الدابة. قال أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا يحيى، قال حدثنا شعبة، قال حدثني أبو إياس، قال سمعت عبد الله بن مغفر، قال: رأيت النبي ﷺ يوم الفتح يسير على ناقته فقرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1]. فرجع أبو إياس في قراءته، وذكر عن ابن مغفر عن النبي ﷺ، فرجع في قراءته. طبعاً ذكرنا الترجيع قبل قليل، وإنما ذكر الحديث مرة أخرى ليبين جواز أن يقرأ الإنسان القرآن وهو يقود السيارة. يعني لو كنت تذهب إلى العمل، هل يجوز أن تقرأ القرآن في السيارة أم لابد إذا قرأت القرآن أن تقرأ في مسجد فقط؟ الأمر في سعة، فإذا كنت في سيارتك وفي طريق الذهاب والعودة اقرأ القرآن، فإن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن على دابته.

قال رحمه الله تعالى: قراءة الماشي. قال أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن عقبة بن عامر، قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ فقال: «يا عقبة قل»، قلت: ماذا أقول؟ قال: «يا عقبة قل»، فقلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ فسكت، ثم قال: «يا عقبة قل»، قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ فسكت عني، فقلت: اللهم رده إلي. عقبة صار عنده فضول وحب أن يرجع النبي ﷺ يسأله مرة ثالثة، فقال: «يا عقبة قل»، قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال: «قل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾»، فقرأتها حتى أتيت على آخرها. ثم قال: «قل»، قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال: «قل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾»، فقرأتها حتى أتيت على آخرها.

ثم قال صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «ما سأل سائل بمثلهما، ولا استعاذ مستعيد بمثلهما». أين موطن الشاهد من الحديث؟ كنت أمشي مع رسول الله، أنه علمه قراءة القرآن وهما يمشيان. سورة الفلق والناس؛ لأنها تقيك من الشر الظاهر في سورة الفلق، ومن الشر الباطن في سورة الناس. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ هذه الشرور الظاهرة، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ﴾ هي الشرور التي من داخلك، فهذه أفضل الدعاء.

قال: في كم يقرأ القرآن؟ قال أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا المفضل بن سهير، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن يحيى بن حكيم بن صفوان، عن عبد الله بن عمر، قال: جمعت القرآن فقرأت به في كل ليلة. جمعت القرآن يعني حفظت القرآن، المراد ما نزل على النبي ﷺ. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال له: «اقرأ به في كل شهر». فكان عبد الله بن عمر شاباً هماماً، كان يختم في كل ليلة القرآن، فالنبي ﷺ أراد أن يعلمه أن خير الأعمال أدومها وإن قل، حتى لا يرهق نفسه.

فقلت: يا رسول الله، دعني أستمتع به، دعني أستمتع من قوتي وشبابي. قال: «اقرأ به في كل عشرين»، قلت: يا رسول الله، والله شهر كثير، أنا أريد أن أختم كل ليلة، أنا شاب في قوة وشباب وأستطيع أن أفعل ذلك. قال: «اقرأ به في كل عشر»، قلت: يا رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي. قال: «اقرأ به في كل سبع»، قلت: يا رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فأبى.

إلى أين انتهى في سبع؟ انظر الحديث الذي بعده. قال أخبرنا الحسن بن علي، قال أخبرنا الحسن بن إسماعيل بن سليمان بن مجالد، قال أحمد بن حرب، عن أسباط بن محمد، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن عبد الله بن عمر، قال: قلت: يا رسول الله، في كم أختم القرآن؟ قال: «اختمه في كل شهر».

قلت إني أطيق أفضل من ذلك، قال: اختمه في خمسة وعشرين. قلت إني أطيق أفضل من ذلك، قال: اختمه في خمس عشرة. قلت إني أطيق أفضل من ذلك، قال: اختمه في عشر. قلت إني أطيق أفضل من ذلك، قال: اختمه في خمس. قلت إني أطيق أفضل من ذلك، قال: فما رخص في هذا الحديث كم وقف معه على خمسة أيام يختم.

أخبرنا محمد بن بشار، قال حدثنا محمد، قال حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: «صوموا ثلاثة أيام من الشهر». قلت إني أطيق أكثر من ذلك، قال فما زال حتى قال: «صوم يوما وأفطر يوما». لأن عبد الله بن عمر كان يصوم طول السنة فنهاه عن ذلك.

قال: واقرأ القرآن في شهر، فقلت إني أطيق أكثر من ذلك، حتى قال: اقرأ القرآن في ثلاث. في هذا الحديث كم أوصله؟ ثلاث إلى ثلاث، أقل من ذلك ممنوع الختمة. لاحظ الحديث الأول سبعة، لم يرخص لا في أقل من ذلك. الحديث الثاني أعطاه أقل شيء خمسة، والحديث الثالث أعطاه ثلاث.

أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال حدثنا خالد، قال حدثنا شعبة، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث». الذي يختم القرآن في أقل من ثلاث يصعب عليه أن يفقه معاني القرآن، يفقد التدبر.

أخبرنا نوح بن حبيب، قال حدثنا رزق، عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن وهب بن منبه، عن عبد الله بن عمر، أنه سأل النبي ﷺ في كم يقرأ القرآن؟ قال: «في أربعين»، ثم قال: «في شهر»، ثم قال: «في عشرين»، ثم قال: «في خمس عشرة»، ثم قال: «في عشر»، ثم لم ينزل، يعني من سبع. وهب لم يسمعه من عبد الله بن عمر، إذاً هنا أيضاً رجعنا لقضية ماذا السبع؟ لكن هنا أعطى أعلى ختمة للقرآن تكون أربعين، يعني أعلى ختمة تكون في ماذا؟ في الأربعين.

أخبرنا زكريا بن يحيى، قال حدثنا محمد بن عبيد بن حساب، قال حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن سماك بن الفضل، عن وهب بن منبه، عن عمر بن شعيب، عن أبيه، حدث بحديث عبد الله بن عمر، قال: أمر النبي ﷺ أن يقرأ في أربعين، ثم في شهر، ثم في عشرين، ثم في خمس عشرة، وفي عشر، ثم في سبع، ثم انتهى إلى سبع. إذاً إخواني أكثر ما يقرأ القرآن أربعون، أكثر من هيك أنت مقصر. لابد في كل أربعين يوماً كحد أقصى يكون في ختمة؛ لأن هذا أكثر ما أعطاه النبي ﷺ، وأقل شيء كم؟ ثلاثة أيام، هذا أقل ما ورد في الروايات.

لماذا أحياناً كان سبعة، وأحياناً خمس، وأحياناً ثلاث؟ على حسب، هو نفسه السائل عبد الله بن عمر، الظاهر أنها أحوال متعددة لعبد الله بن عمر، مرة كان النبي ﷺ يوقف عند السبع، ثم مرة أخرى يشعر أن عنده فيعطيه للخمس، ثم أعلى درجات همه عبد الله بن عمر كان يعطيه ماذا؟ ثلاث. فهذا يدل على أن عبد الله بن عمر وقع في هذه المسألة أكثر من مرة، ومرة أعطاه سبعة، ومرة قالها خمسة، وأكثر شيء أعطاه ثلاث.

قراءة القرآن على كل الأحوال. أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله عز وجل أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا».

كان النبي ﷺ يخطب خطبة بأصحابه وقال: «إن الله أمرني أن أعلمكم هذه الأشياء التي علمني إياها اليوم». بماذا أمره الله أن يعلم الصحابة؟ قال: «إن الله قال لي: كل مال نحلته عبادي فهو حلال لهم، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم».

كل مال نحلته عبادي فهو حلال لهم؛ الأصل في الأموال الحل، هي أول معلومة، كل مال وصلك بطريقة مشروعة فهو حلال لك أن تتصرف فيه، ولا تحرموا ما أحل الله لكم. هذا فيه رد على الجاهليين الذين كادوا يحرمون ما أحل الله لهم مثل البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فنهي عن هذه التصرفات؛ كل شيء حلال أنتفع به ولا تحرم ما أحل الله عليك.

قال: «وإني خلقت عبادي حنفاء»، حنفاء يعني موحدين. الإنسان خلق على الفطرة، من الذي يصرف عن الفطرة؟ المؤثرات الخارجية والداخلية كالشياطين وأبواه وما شابه ذلك، فاجتالتهم يعني أبعدتهم عن التوحيد، الشياطين. قال: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً». فتحريم الحلال هذا من فعل من؟ إذاً إذا رزقك الله رزقاً حلالاً فحرمته، فاعلم أن هذا من وسوسة الشيطان.

قال: «وإني أمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله عز وجل نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، وإلا بقايا من أهل الكتاب». هذا كان قبل بعثة النبي ﷺ لما عمّ الشرك الأرض، نظر الله إلى أهل الأرض فمقتهم يعني أبغضهم، عربهم وعجمهم، لأن الشرك عم، إلا بقايا قليلة من أهل الكتاب ممن بقوا على التوحيد، ثم بعث الله محمداً ﷺ.

قال: «وإن الله عز وجل أمرني أن أحرق قريشاً». قالوا ليس المراد بالنار أن أحرقهم، يعني أن أغزو وأقاتل. قال: «وإن الله عز وجل أمرني أن أحرق قريشاً»، فقلت: يا رب، إذا يثلغ رأسي حتى يدعوه خبزة؟ قال النبي ﷺ: «من رب؟»، قلت: يا رب، لا طاقة لي بقتالهم، لو قاتلتهم يثلغوا يعني يشجوا رأسي. كيف أنت؟ في اللغة العامية بقول لك قاتل فلان بتقول لي بكسر رأسي، إيش يعني دلالة أنه أنا ما أستطيع له، قوي. فالله عز وجل ماذا قال لنبيه؟ قال: «إنما بعثتك لتبتلى وتبتلى بك»، قال: «أنا بعثتك لتبتلى أنت أولاً ثم أبتلي بك الناس، فما بين مؤمن بك وكافر».

قال: «وقد أنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء». هذا موطن الشاهد من الحديث وقد...

«أُنْزِلَ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ»، كناية عن ماذا؟ إنه محفوظ في الصدور، هذه عند العرب كناية؛ لما أقول كتاب لا يغسله الماء، عادة قديما كان إذا أرادوا أن يجعلوا كتابا ينسى، يغمسوه في الماء فيروح خلاص، فمعنى كتاب لا يغسله الماء كناية أنه محفوظ في الصدور، الله تكفل بحفظه.

قال: «لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَأُهُ فِي الْمَنَامِ وَالْيَقَظَةِ»، تقرأه في المنام واليقظة، يعني ليلا ونهارا؛ لأن المنام أي وقت ليل، واليقظة ما هو الوقت في النهار؟ والبعض قال معناه منامك واليقظة أي قبيل النوم تقرأ القرآن، وعند استيقاظك من النوم تقرأ القرآن، دلالة على أنه هناك من سيقرأ القرآن ليلا ونهارا وهم أهل القرآن، وبالتالي يحفظ القرآن من التبديل.

قال: «فَغُزْ نُغْزْكَ، وَأَنْفِقْ نُنْفِقْ عَلَيْكَ»، «فَغُزْ نُغْزْكَ» يعني توكل على الله يا محمد، اغزهم ونحن نغزك، يعني نعينك على غزوهم؛ لأن النبي ﷺ كان متخوفا ابتداء، وقال: «اغزهم نغزك» أي نعينك. وقال: «وَأَنْفِقْ نُنْفِقْ عَلَيْكَ»، ينفق عليك، وأنفق في الجهاد ينفق عليك، نخلف المال الذي أنفقته ويأتيك مال آخر تنفقه في الجهاد، لا تقلق.

قال: «وَابْعَثْ جَيْشًا نَمُدَّكَ بِخَمْسَةِ أَمْثَالِهِمْ»، بخمسة أمثالهم من الملائكة، بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، كما ورد في سورة آل عمران. قال: «وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ وَمَنْ عَصَاكَ»، يعني وقاتل بالمؤمنين الذين معك الكافرين المعاندين.

ثم قال: «أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: إِمَامٌ مُقْسِطٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ»، والمراد أن أهل الجنة ثلاثة، ليس فقط هؤلاء الثلاثة وإنما هؤلاء أبرزهم. الإمام المقسط يعني الإمام العادل، حاكم عادل مع رعيته. والاثنان: «وَرَجُلٌ رَحِيمٌ»، رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وإنسان رقيق القلب بإخوانه. قال: «وَرَجُلٌ غَنِيٌّ عَفِيفٌ مُتَصَدِّقٌ»، رجل قنوع النفس يتصدق بما آتاه الله، هؤلاء أبرز أهل الجنة.

قال: «وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زِبْرَ لَهُ، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا، الَّذِينَ لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا»، أول شيء من أهل النار الضعيف الذي لا زبر له، يعني لا عقل له ويتبع الظالمين والمجرمين وينفذ أوامرهم مع أنه لا يحصل منهم حتى منفعة دنيوية. تعرف بعض الناس الحمقى والمغفلين، شفتوا مثلا النظام الذي أباد الهالك في سوريا؟ أكثر الحمقى والمغفلين، هل حصلوا الدنيا من وراء إجرامهم؟ حتى الدنيا ما حصلوها من وراء إجرامهم، ولكنهم قتلوا السجناء وفعلوا المجازر المروعة، هؤلاء من أهل النار إذا لم يتوبوا قبل موتهم.

ضعيف، يعني هو ليس سيدا، هو ماذا؟ تابع للظالم، لا، يعني مش عم يشغل دماغه: هل اللي بعمله أنا تصرف صح أم خطأ؟ لا، مسلم عقله لذلك الظالم ويفعل ما يريده الظالم. «وَلَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا»، يعني لا يتوقعون من وراء هذه الخدمات التي يقدمونها للظالمين أنه يتحسن وضعهم المالي أو أنه يصبح كذا، لا، هو عارف أنه سيبقى ذليلا ويداس بالأقدام، لكنه رضي لنفسه أن يكون حذاء في أقدام الظالمين، فهؤلاء من أبرز أهل النار. المطلوب منك أن تمتنع عن الظلم، فلا تحصل دينا ولا دنيا.

قال: «وَرَجُلٌ إِذَا أَصْبَحَ يُخَادِعُ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ»، النوع الثاني من أهل النار؛ الرجل الذي يخون الناس في زوجاتهم ويخون الناس في أموالهم، والعياذ بالله، إنسان يرى امرأة متزوجة ويريد الوصول إليها بالحرام فيكون أخاه المسلم في عرضه، أو يرى له مالا فيريد أن يصل إلى ماله ويسرقه منه، هذا من «يُخَادِعُ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ».

قال: «وَرَجُلٌ لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلَّا ذَهَبَ بِهِ»، رجل لا يخفى له طمع، أي أدنى شيء فيه طمع يحصله، تعرف بعض الموظفين في الدوائر الحكومية أو الخاصة الذين مستعدون لو في قلم يقدر يأخذه يأخذه، لو في ورقة على هذا يستطيع فيها طمع يأخذها، دلالة الطمع والجشع، فيريد يأخذ أي شيء يمكن أن يحصله، إنسان عنده طمع وجشع لا يخفى عليه أدنى وأدق شيء من أشياء الدنيا إلا وله طمع فيها ونفسه تتوق إليها، وهذه نفس ذليلة دنيئة، لو وجد كأسا فارغة يحاول يأخذها، أو قلم حبر موضوع على طاولة يحاول أن يأخذه، وهذا دلالة النفس الدنيئة، فهؤلاء من صفات أهل النار.

قال: «وَالشَّنْظِيرُ الْفَاحِشُ، وَسَيِّءُ الْخُلُقِ الْفَاحِشُ»، الفاحش الذي لسانه سيء. قال وذكر البخل والكذب، وذكر البخل أو الكذب لأن هنا الخامس هو البخيل أو الكذاب، وذكر البخل أو الكذب لأنه هذا هو الخامس، شك الراوي.

قال: أخبرنا محمد بن بشار، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا عوف، قال حدثنا حكيم الأثرم، قال حدثنا الحسن، أنه حدثه مطرف بن عبد الله بن الشخير، قال حدثنا عياض بن حيمار، قال: قال رسول الله ﷺ في خطبة خطبها: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، وَإِنَّهُ قَالَ لِي: كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عِبَادِي فَهُوَ حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُوَّلًا فَأَكَلَ لَهُمْ، وَإِنَّهُ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرْتُ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَأَمَرْتُ أَنْ يُغَيِّرُوا خَلْقِي». وهذا فيه زيادة الحديث: «وَأَمَرْتُهُ أَنْ يُغَيِّرُوا خَلْقِي»، تغيير خلق الله، النساء والرجال الذين يعملون عمليات تجميل وأشياء في أجسادهم تريد أن تغير في جسدها ما خلقه الله عليها بدون مبرر.

قال: «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى الْمُخَنَّثِينَ وَالْمُثْلِيِّينَ»، اليوم أصبح للأسف عالما. قال: «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ نَبِيَّهُ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ»، إن الله عز وجل قال: ﴿إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِتُبْلِيَ وَتُبْلَى بِكَ﴾، «وَأَنْزَلْتَ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَأُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ»، هنا قال: «تَقْرَأُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ»، والذي يظهر لي تقرأه نائماً يعني قبل النوم أذكار النوم الإنسان يقرأ القرآن قبل النوم والنبي ﷺ كان يقرأ قبل النوم المسبحات، وتقرأه أيضاً عند الاستيقاظ.

قال: «وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا»، قلت: يثلغ رأسي فيدعه خبزاً؟ وإن الله قال: «اسْتَخْرِجْ كَمَا اسْتَخْرَجُوهَا»، استخرج يعني أخرجهم من مكة كما أخرجوك منها يا محمد ﷺ، «نُغْزْكَ وَنُنْفِقْ عَلَيْكَ وَنَمُدَّكَ بِخَمْسَةِ أَمْثَالِهِمْ وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ وَمَنْ عَصَاكَ».

قال: «اغْتِبَاطُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ»، ما هي الغبطة أيها الكرام؟ ما معنى الغبطة؟ أن تتمنى الخير الذي عند أخيك دون أن تتمنى زواله.

عنه، شوف أخوك عنده خير فتقول يا رب يصير عندي بدون ما يروح عليه.

قال رحمه الله: وأخبرنا قتيبة بن سعيد قال: هو شكل من أشكال الحسد لكنه حسد جائز. قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله قرآنًا فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار».

من الأمور التي تستحق الغبطة والمنافسة أن تنافس على القرآن. قال: أخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن سليمان عن ذكوان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فيهلكه في الحق، أي ينفقه في أوجه الحق، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم بالليل والنهار».

قال: أخبرنا علي بن محمد بن علي قال: حدث داوود بن منصور قال: حدثنا الليث عن خالد بن يزيد، وقال: وأخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب عن الليث، قال: أنبأ خالد بن يزيد عن أبي ابن أبي هلال عن يزيد بن عبد الله بن أسامة عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري عن أسيد بن حضير -وكان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن- قال: قرأت سورة البقرة وفرسي مربوط ويحيى ابني مضجع قريبًا مني وهو غلام، فجالت الفرس جولة فقمت ليس لي هم إلا ابني يحيى، فسكنت الفرس ثم قرأت فجالت الفرس فقمت ليس لي هم إلا ابني، ثم قرأت فجالت الفرس، فرفعت رأسي فإذا بشيء كهيئة الظلة في مثل المصابيح مقبل من السماء، فهالني فسكت.

فلما أصبحت غدوت على رسول الله ﷺ فأخبرت، فقال: «اقرأ يا أبا يحيى»، فقلت: قد قرأت فجالت الفرس فقمت ليس لي هم إلا ابني، قال: «اقرأ يا أبا يحيى»، قلت له: قد قرأت يا رسول الله فجالت الفرس وليس لي هم إلا ابني، قال: «اقرأ يا أبا يحيى»، قلت: قد قرأت يا رسول الله فجالت الفرس وليس لي هم إلا ابني، قال: «اقرأ يا أبا يحيى»، قلت: قد قرأت، فرفعت رأسي فإذا هيئة كهيئة الظلة فيها مص السحابة فيها مصابيح، فهالته.

إذًا تلك الملائكة دنوا لصوتك، ولو قرأت لأصبح الناس ينظرون إليهم. وهذا يدل على أن الإنسان صاحب الصوت الحسن والأداء الحسن يغبط؛ لأن الملائكة تتنافس في سماع صوته، فأنت عليك أن تنافس على هذه المراتب، ولذلك ذكر الحديث في هذا الباب أن مثل هذه الأشياء ينافس من أجل تحصيلها، أن الملائكة تسمع لك.

قال رحمه الله: من أحب أن يسمع القرآن من غيره، قال: أخبرنا محمد بن عبد العزيز بن غزوان قال: أنبأ حفص بن غياث عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «اقرأ علي سورة النساء»، قلت: أوليس عليك أنزل؟ قال: «بلى، ولكن أحب أن أسمعه من غيري».

كيف أقرأ عليك يا رسول الله وأنت الذي أنزل عليك؟ أنت الأصل تقرأ علينا نحن، أقل من أن نقرأ عليك. قال: «ولكن أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأت عليه حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]. فغمزني غامز، وهذه أظنها تصحيف؛ غمزني رجل كما في بعض الروايات، غمزني يعني واحد دغدغني أو نبهني أنه انتبه ترى النبي ﷺ يبكي، فتوقف عبد الله بن مسعود عن القراءة، فغمزني يعني قرصني أو ضرب على قدمي. قال: فرفعت رأسي فإذا عيناه تهملان عليه الصلاة والسلام.

قال رحمه الله: البكاء عند قراءة القرآن. قال: أخبرنا هناد بن سري قال: عن أبي الأحوص عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله -ومن عبد الله هنا عبد الله بن مسعود- قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ عليه -وهنا في خطأ في النسخة، سامحونا، أمرني أن أقرأ عليه وهو على المنبر، وهذه زيادة جيدة أنه كان على المنبر النبي ﷺ عندما طلب ذلك- قال: فقرأ عليه سورة النساء حتى إذا بلغ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، غمزني رسول الله ﷺ بيده فنظرت إليه وعيناه تدمعان. في هذه الرواية من الذي غمز؟ نفس النبي ﷺ.

قال: قول المقرئ للقارئ، حسبك، يعمل أربع تبويبات؛ أنت دائماً الشباب في المراكز لما تقرأ مع الشيخ ماذا يقول لك؟ الشيخ يقول: "حسبك"، تمام، فيجوز أن تقول: "حسبنا"، و"حسبك"، و"أمسك"، و"أحسنت"، كل هذه الألفاظ يجوز للشيخ أن يقولها لطالبه.

قال رحمه الله: أخبرنا عبده بن عبد الله قال: أنبأ حسين عن زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ -وكل هذه الأبواب الأربعة كلها على حديث واحد، تخيل على حديث ابن مسعود على رواياته المختلفة- قال: قال رسول الله ﷺ: «اقرأ»، فاستفتح النساء حتى انتهيت إلى قول الله عز وجل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 41-42]، قال: فدمعت عيناه وقال: «حسبنا»، وقال: «حسبنا». هذا موطن الشهد سريعًا.

قال: قول المقرئ للقارئ: "حسبك". قال: أخبرنا سعيد بن نصر قال: أنبأ عبد الله عن سفيان عن سليمان عن إبراهيم عن عبيدة -أنا إذا رأيتها في الإسناد معناها اختصار، "أخبرنا" و"أنا" في الإسناد هي اختصار لكلمة "أخبرنا" لكن يختصرها كتاب الحديث بـ "أنا"- عن عبيدة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «اقرأ عليه»، فقلت: أقرأ عليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري»، فافتتحت سورة النساء، فلما بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، قال: فرأيت عيناه تذرفان، فقال لي: «حسبك، حسبك».

يعقوب بن إبراهيم، قال حدثنا يحيى، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله، وبعض الحديث عن عمرو بن مرة، قال عمرو بن مرة أيضًا رواه عن عبيدة، روى الحديث إبراهيم النخعي وعمرو بن مرة.

قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ»، قلت: «أقرأ عليك؟»، قال: «وعليك أنزل»، قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأت حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]. قال: «أمسك»، وعيناه تذرفان. إذاً هنا الرواية: أمسك.

قال قول المقرئ للقارئ: «أحسنت». قال: أخبرنا علي بن خشرم، قال أنبأنا، قال أخبرنا عيسى، عن الأعمش، قال عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: بينما أنا بالشام بحمص، فقيل لي اقرأ سورة يوسف، فقرأتها، فقال رجل: ما كذا أنزلت! فقلت: والله لقد قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أحسنت». فقال الرجل لعبد الله بن مسعود: «أحسنت». فأقر عبد الله بن مسعود على قول «أحسنت» بما يدل على جوازه، لكن هذا الرجل للاسف طلع شخصًا بخمر قبل ما يتكلم مع عبد الله بن مسعود، لأنه عبد الله بن مسعود قرأ السورة، فالرجل قال: ما هكذا أنزلت، فعبد الله بن مسعود شايف واحد من جديد يعني عظم طري، ما هكذا أنزلت! يعني أنت ابن امبارح، كيف عرف ما هكذا أنزلت؟ أنا قرأتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الرجل: «أحسنت». حتى هذا تعجب منه عبد الله بن مسعود، الآن يقول ما هكذا أنزلت، الآن يقول الرجل: «أحسنت»، فعرف أن الرجل ليس فاصلًا.

قال: فبينما أنا أكلمه، إذ وجدت ريح الخمر، فقلت: تكذب بكتاب الله؟ من فمه رائحة خمر، فقال: «تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر؟ والله لا تبرح حتى أجلدك»، فجلد الحد.

قال: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن. قال: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال حدثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، طعمها طيب وريحها طيب». الأترجة طبعًا نبته من الحمضيات، تشبه البرتقال بس طبعًا هي طعمها مختلف، ونحن نتعامل معها، لذلك صعب أوصف لكم إياها، لكن طعمها طيب وريحها طيب.

وقال: «ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، طعمها طيب ولكن ليس لها ريح»، فالقرآن يعطيك رائحة طيبة. وقال: «ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر». وقال: «ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظل»، الحنظل ليس له ريح، بل بالعكس ريحها سيء في بعض الروايات كما في هذه الرواية، طعمها خبيث وريحها خبيث، لكن في الرواية الثانية ليس لها ريح.

قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر».

قال: من رأى بقراءته. رأى بمعنى رأى الرياء. قال: من رأى بقراءة القرآن. قال: أخبرنا عبد بن حميد، قال أخبرنا عبد بن حميد بن محمد، قال أخبرنا مخلد، قال حدثنا ابن جريج، عن يونس بن يوسف، عن سليمان بن يسار، قال: تفرق الناس عن أبي هريرة، فقال له قائل: أيها الشيخ حدثنا حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أول الناس يقضى فيه رجل استشهد فتباهى به، فعرفه الله نعمه، فقال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال فلان جريء، فقد قيل»، ثم أمر به فسحب حتى ألقي في النار.

«ورجل تعلم القرآن وعلمه وقرأ القرآن فتباهى به، فعرفه الله نعمه، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت فيك وعلمته وقرأت، الرجل قال: تعلمت القرآن من أجلك يا رب، تعلمت فيك، فقال: كذبت، ولكن تعلمت ليقال هو عالم، فقد قيل، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، الناس في الدنيا قالت عنك قارئ، وما شاء الله أواتك، لكن أنت تريد الدنيا، قد قيل في الدنيا قارئ، لكن عند الله أنت أول من تسعر به النار»، ثم أمر به فسحب على وجهه. المراد أول من تسعر به النار كما قال أهل العلم من عصاة الموحدين، وليس المراد أنه يكون قبل أبي جهل وما شابه ذلك.

«ورجل وسع الله عليه وأعطاه من المال أنواعًا فتباهى به، فعرفه الله نعمه، فقال: ما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت فيه، قال: كذبت، ولكن فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل»، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى يلقى في النار.

قال: رحمه الله، باب من قال في القرآن بغير علم. قال: باب من فسر القرآن من غير علم. قال: أخبرنا عبد الحميد بن محمد، قال أخبرنا عبد الحميد بن محمد، قال حدثنا مخلد، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا أحمد بن سليمان، قال حدثنا أبو نعيم ومحمد بن بشار، قال حدثنا سفيان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال مخلد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار»، يعني فليتبوأ مقعده كأنه يقول فليتحيز مقعده من النار، يعني كأن مقعدًا في النار جاهز ينتظرك.

قال: أخبرنا محمد بن بشار، قال حدثنا يحيى، قال حدثنا سفيان، قال حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال في القرآن برأيه، أو بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار».

قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام، عن يعقوب بن إسحاق الحضرمي، قال حدثني سهيل بن مهران القطعي، قال حدثنا أبو عمران الجوني، عن جندب، قال قال رسول الله ﷺ...

إذا قلت رأيت كلمة «ثنا»، فهي اختصار لـ «حدثنا»، لأن بعضهم يقول لك هناك غلط هنا، لكن هذا هو لفظاً وليس كتابة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في كتاب الله بغير علم فقد أخطأ». يعني من فسر آية في القرآن برأيه وكان كلامه صح، لكنه لم يرجع لكتب التفسير وليس من علماء التفسير، حتى لو أصبت فقد أخطأت؛ أخطأت أنك تجرأت على الكلام في آية بدون أن يكون لك فيها علم أو كتاب وتفسير تعود إليه، فلا تقول: «الحمد لله طلعت صح، ربك سترها»، لا، أنت آثم حتى لو طلع كلامك صح لأنك قلت بدون أن يكون لك علم، فالقرآن ليس كأي كلام.

قال رحمه الله تعالى: أخبرنا عيسى بن حماد، قال حدثنا الليث، عن يحيى بن سعيد، قال عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعران منصرفاً من حنين، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها ويعطي الناس، قال: «يا محمد، فض غنيمة كانت من الغنائم»، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ من الفضة ويعطي الناس، قال: «يا محمد، ويفئ قلوبهم؟»، قال: «يا محمد، اعدل»، قال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟»، قال: «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل».

قال عمر: «يا رسول الله، هذا الرجل...»، قال: «يا محمد، اعدل». انظر أول سوء الأدب والطريقة، أنه يقول: «ليش ما بتوزع علينا الفضة بالتساوي؟». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «خبت وخسرت إن لم أكن أعدل»، فمن الذي قال له إنني لا أعدل؟ لكن هذا العدل دائماً يقتضي المساواة، ولا أحياناً قد تكون المساواة هي الظلم.

فقال عمر: «يا رسول الله، دعني أقتل هذا المنافق»، وكان عمر رضي الله عنه من جماعة الحلول السريعة، أنه يقول: «يا رسول الله، اقتل هذا المنافق وخلاص ننتهي من الملف كله». النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أن هذا الرجل منافق، لكن قال: «إن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي»، صلى الله عليه وسلم، وهذه محافظة على الإعلام، شوف الحرص؛ أحياناً أنت لست مطلوباً منك أن تقتل كل إنسان كافر، بل يجب أن تنتبه للبعد الإعلامي.

قال: «إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». إنما ذُكر الخوارج في هذا الباب لأن الخوارج إنما أصبحوا خوارج لسبب سوء فهمهم للقرآن ولعدم تعلمهم على أيدي العلماء. متى يصبح الإنسان خارجياً؟ إذا استأثر برأيه وهو شاب ناشئ ولم يتعلم على العلماء وقال في القرآن بهواه، أصبح خارجياً. الخوارج إنما أتوا من أنهم يقولون في القرآن بغير علم، ويفسرون القرآن بغير علم، ويضربون المتشابهات بالمحكمات.

قال الحارث بن مسكين، قراءة عليه وأنا أسمع، عن يوسف بن عمر، عن ابن وهب، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، أنه سمع جابراً يقول: أبصرت عيناي وسمعت أذناي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجعران، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبضها للناس فيعطيهم، فقال رجل: «يا رسول الله، اعدل»، قال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟»، قال: «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل»، قال عمر: «دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي»، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية».

يعني الآن السهم إذا رميته في حمار وحشي أو شيء من الصيد، فإنه يدخل من جهة ويخرج من جهة أخرى، هكذا الخوارج، دخلوا في الإسلام من جهة وخرجوا من الجهة الأخرى. البعض استدل بهذا على أن الخوارج كفار، لأنه قال: «دخلوا من باب وخرجوا من الباب الآخر كما السهم يدخل من الأضحية من جهة ويخرج من جهة أخرى»، والبعض قال: هذا مبالغة في شدة بدعتهم وليس المراد أنهم كفار حقيقة.

قال أخبرنا محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك، عن الحارث بن مسكين، قراءة عليه، عن ابن القاسم، قال: حدثني مالك، قال حدثني يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، قال عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئاً»؛ النصل هي الحديدة المحددة في أعلى السهم، ينظر في النصل فلا يرى أي قطعة لحم علقت بالسهم، «ثم ينظر في القدح»؛ والقدح هو الخشبة التي يكون عليها النصل، ينظر في القدح فلا يجد أي قطعة لحم علقت، «ثم ينظر في الريش»؛ أنت تعرف السهم: نصل، عمود، ريش، ثم ينظر في الريش فلا يرى أي قطعة لحم.

يقول لك: ماذا استفدنا من هذا السهم؟ رميناه في الأضحية من هنا وخرج من الجهة الأخرى ولم يعلق شيء من اللحم، لا على النصل ولا على القدح ولا على الريش؛ كناية أنه خرج من الإسلام بالكلية. لكن ماذا قال في الأخير؟ قال: «ويتمر في الفوق». الفوق هو الخشبة الأخيرة في السهم التي توضع على الوتر، تكون خشبة توضع على الوتر حتى إذا رميت السهم ينطلق، هذه الخشبة الأخيرة يشك هل علق فيها شيء أم لا. بناءً على «ويتمر في الفوق»، قال كثير من أهل العلم إن الخوارج ليسوا كفاراً؛ لأن الفوق لسه فيه رائحة لحم، فقالوا هذا دلالة على أنهم من أضعف أهل الإسلام ديناً، لكن عندهم شوية دين.

قال أخبرنا محمد بن آدم، إن الغلو في دين الله ليس...

ليس مكسبًا كما يظن بعض الشباب، وأنه يحمي حِمى التوحيد، وتظن نفسك تحمي حِمى التوحيد وأنت قاربت أن تخرج منه، وأنت قاربت أن تخرج من الإسلام وأهل العلم يشكون هل أنت مسلم أو لا. فبعض الشباب يظن أن الغلو في التكفير مكسب، واسمعوها مني، والعياذ بالله، أنت على أسوار أن تكون كافراً؛ لأن الفهم إنما يُؤخذ من العلماء الربانيين، وليس من شاب يخرج على اليوتيوتيوب والأمثال، هؤلاء يخرجون على الناس بأحكام التكفير والبدع ويظن نفسه حامي حِمى التوحيد والسنة، وإنما هو من أجهل الناس في هذه الأمور. وخاصة عندما يرجع إلى كلام العلماء الأكابر والمحققين، يُعرف به جهل الأصاغر، ويُعرف بذلك جهل المتحمسين والمندفعين.

فدائماً المسلم يعود إلى العالم، وليس مكسباً أن تكفر وأن تشغل نفسك بهذا، وإنما هذا باب يُعاد في أغلبه إلى أهل العلم. الآن هناك معروف كفر اليهود والنصارى، لا أحد يناقش في هذا، لكم أن تعرفوا ماذا أقصد. المسائل التي فيها بدع والبعض يكفر بها، الأصل أن ينضبط الإنسان ولا يظن أن القضية بهذه السهولة، كما قال القرطبي: «فإن السلامة في هذا الباب لا يعدلها شيء».

قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن آدم بن سليمان، عن محمد بن فضيل، عن ابن إسحاق، عن يسير بن عمر قال: دخلت على سهل بن حنيف، قال: قلت له أخبرني ما سمعت من رسول الله ﷺ في الحرورية. والحرورية هم الخوارج، وخرجوا في حروراء وهي منطقة في العراق. قال: أخبرك ما سمعت من رسول الله ﷺ لا أزيد عليه، سمعت رسول الله ﷺ وضرب بيده نحو المشرق -وفي أكثر الروايات وضرب بيده نحو المشرق- يعني جهة العراق، وأما المغرب فهي الشام، ولذلك أكثر الروايات وضرب بيده نحو المشرق وليس المغرب؛ لأن المغرب في عرف النبوة هي الشام، والشام هي خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها الخيرة من عباده. وطبعاً أهل العراق وما شابه ذلك، العراق يقصد بها ما هو العراق وإيران وما بعد ذلك، ليس مراداً بها العراق بحد ذاته، فالعراق فيها كثير من الموحدين الصادقين الذين ينحازون إلى صف أهل الشام في آخر الزمان.

قال رحمه الله تعالى عن النبي ﷺ: سمعت رسول الله ﷺ وضرب بيده نحو المشرق قال: «يخرج من ها هنا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».

قال رحمه الله: ذكر قول النبي ﷺ: «لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن»، يعني لا ينبغي للإنسان إذا قرأ القرآن أن يشوش على أخيه إذا كان بجانبه يصلي أو يقرأ القرآن، لا ترفع صوتك بحيث تشوش على إخوانك.

قال: أخبرنا محمد بن سلمة، قال: أنبأنا ابن القاسم، عن مالك، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، قال: حدثني مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي حازم التمار، عن البياضي، قال: إن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: «إن المصلي يناجي ربه فلينظر ماذا يناجي به، ولا يجهر بعضكم على بعض في القرآن». يعني كانوا يصلون في المسجد متفرقين وكل واحد يصلي يرفع صوته على صوت من بجانبه فكان إزعاجاً، فالنبي ﷺ قال: أنت تناجي ربك، أنت لا تصرخ مع الناس في سوق، أنت لست في سوق، أنت تتكلم مع الله فاحفض صوتك.

قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري، قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة وهو في قبة، فكشف الستور وقال: «ألا إن كلكم مناجٍ ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة» أو قال في الصلاة.

قال: المراء في القرآن. قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أنس بن عياض، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «أنزل القرآن على سبعة أحرف». المراء في القرآن؛ النبي ﷺ لما نزل القرآن على سبع لهجات كما رأيتم في الأحاديث السابقة، كان بعض الصحابة يصير بينهم نزاع وخلاف، وهذا ينكر قراءة هذا، وهذا ينكر قراءة هذا، فالنبي ﷺ أصدر تعميماً: لا تماروا في القرآن، بمعنى لا تقل لصاحبك قراءتك خطأ وهو يقول لك لا أنت قراءتك خطأ؛ لأن القرآن نزل على أحرف، فإذا أنت أبطلت قراءة صاحبك وهو أبطل قراءتك قد تكون أبطل قرآناً.

قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد، قال: أخبرنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت النزال، قال: سمعت عبد الله، قال: سمعت رجلاً يقرأ آية، قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ غيرها، فأخذت بيده فأتيت به النبي ﷺ، فرأيت النبي ﷺ تغير وجهه، فقال: «ألا تغير وجهه؟». خاف النبي ﷺ أن الصحابة يصبحون يكفر بعضهم بعضاً على الاختلاف في القراءة، وهذا يقول أنت قرأت صح، لا أنا قرأت صح. القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال: «كلاكما محسن، لا تختلفوا فيه، لا تختلفوا في القرآن، فإن من كان قبلكم اختلفوا فيه». المراد طبعاً الاختلاف في إنكار الآيات، وهذا كان بشدة في زمن الصحابة لقضية الأحرف السبعة التي قلنا عنها.

قال: ذكر الاختلاف. قال: أخبرنا علي بن محمد بن علي، قال: حدثنا داود بن معاذ، قال: حدثنا حمد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، عن عبد الله بن عبر، قال: هجرت إلى رسول الله ﷺ، وهجرت في وقت الهجير، وهو هذا الوقت الذي نحن فيه الآن، أو قبله، يعني وقت شدة الحر. قال: فسمع رجلين يختلفان في آية من كتاب الله، فخرج والغضب يعرف عليه، يختلفان يعني كل واحد يقول أنت قرأت صح، لا أنا الذي قرأته صح. قال: فخرج والغضب يعرف في وجهه فقال: «إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب».

قال: أخبرنا هارون بن زيد بن يزيد، قال: حدثنا أبي، قال...

حدثنا سفيان عن حجاج بن فراس، قال عن أبي عمران الجوني، عن جندب، أن النبي ﷺ قال: «اجتمعوا على القرآن ما اتلفت عليه، وإذا اختلفتم عليه فقوموا».

قال: المراد بالاختلاف هنا الاختلاف المذموم؛ الاختلاف كما قلنا في تصحيح القراءات وعدم تصحيحها، أو حتى الخلاف في الفهم إذا كان يؤدي إلى النزاع والخصومة. أما الخلاف في تفسير الآية، هذا وقع بين العلماء لا إشكال فيه؛ الخلاف في تفسير الآيات، الخلاف الاجتهادي، لا إشكال فيه. المراد بالخلاف الخلاف في إنكار بعض الآيات، أو الخلاف الذي يؤدي إلى خصومة ونزاع، فهذا لا يجوز؛ ولذلك: ﴿إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقَوْمُوا﴾، يعني تفرّقوا حتى الشيطان لا يؤجج النزاع بينكم.

قال رحمه الله وأخبرنا به مرة أخرى ولم يرفع، قال: أخبرنا عمرو بن علي، قال حدثنا عبد الرحمن، قال حدثنا سلام بن أبي مطيع، عن أبي عمران الجوني، عن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ: «اقرأوا القرآن ما اتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم عليه فقوموا».

قال: أخبرني عبد الله بن علي، القرآن مع بعضكم البعض ما دمتم متحابين متواعدين، لا خصومة بينكم حول القرآن.

قال: حدثنا مسلم، قال حدثنا هارون بن موسى النحوي، قال حدثنا أبو عمران الجوني، عن جندب بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «اقرأوا القرآن ما اتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا عنه».

قال: أخبرني محمد بن إسماعيل. الأصل يا إخوان أن القرآن لا يكون سببًا في اختلافنا، الأصل أنه يكون سببًا في اجتماعنا؛ ولذلك لما يكون الخلاف بين أهل العلم ترى ما يقع نزاع، ما يقع نزاع وبمعنى تنافر للقلوب. لكن متى يصبح النزاع أو فهم القرآن يؤدي إلى نزاع وتنافر قلوب؟ عندما يكون من الجهلاء والمبتدئين والذين يأتون بمعانٍ ليست من المعاني الصحيحة، أما الراسخون في العلم لو اختلفوا في تفسير آية، فكل يعرف ما عند صاحبه من ظن الصواب.

قال: أخبرني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، قال حدثنا الأزرق، عن عبد الله بن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، قال: قال عمر: «اقرأوا القرآن ما اتفقتم عليه، فإذا اختلفتم فقوموا».

قال: أخبرنا سليمان بن عبيد الله، قال حدثنا أبو عابر، قال أخبرنا سليمان، عن عمارة بن غزية، عن عبد الله بن علي بن حسين، عن أبيه، عن النبي ﷺ. وحدثنا أحمد بن الخليل، قال حدثنا خالد، قال حدثني سليمان، قال حدثني عمارة بن غزية الأنصاري، قال سمعت عبد الله بن علي بن حسين يحدث عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليه».

هو أراد أن يختم بهذا، أنه ختام الكتاب: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليه»، اللهم صل وسلم وبارك عليه.

ونقرأ الحديث الأخير، قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن سلمة، قال حدثنا ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن علي، عن الحسن بن علي بن أبي طالب، أنه قال: علمني رسول الله ﷺ هذه الكلمات في الوتر، قال: «قل اللهم اهدني فيمن هديت، وبارك لي فيما أعطيت، وتولني فيمن توليت». الوتر يعني في دعاء قنوت الوتر تقول هذا الدعاء: «وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من توليت، وتباركت وتعاليت».

هذا كتابنا، تعليقنا على كتاب فضائل القرآن للإمام أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله تعالى، وجزاه خير الجزاء، وجزاكم به، إجازة السند المتصل للإمام أحمد بن شعيب النسائي من طريق ابن الأحمر بن سيار، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعله مجلسًا خالصًا لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مشايخنا الكرام بارك الله فيكم، أنتم ترون المكان مزدحم، نحن الآن نتكلم عن أكثر من 1200 شخص داخل المجمع في كل قاعاته، ونسأل الله عز وجل أن ييسر لنا مكانًا في دورات قادمة، والدورات تكون أوسع من هذا المكان. مثل هذه الدورات لو كانت في مسجد لاستوعبنا وزيادة ولم نحتج أن نضبط العدد برقم معين، لكن هذا قدرنا، فعلى أن نصبر. إن شاء الله في الدورات القادمة، إن كان أحد يعرف مركزًا أوسع، مجمعات أو قاعات أوسع نستوعب فيها هؤلاء الشباب، فيهم خير أهل البلد، هؤلاء المباركون مقبلون على العلم ولكن يحتاجون مساحات أيضًا تليق بهم. نحن هنا نستقبل 1200 ضمن مساحة محدودة، لكن نسأل الله سبحانه وتعالى أن ييسر لنا شيئًا في قادم الأيام.

توسعوا الله يكرمكم، ما تأخذ راحتك بالكرسي الذي جاء معك، بالوسادة التي جاءت معك، في إخوان لك في الخارج على الدرج، الأمور صعبة، أولئك يقفون منذ ساعات، حاول اختصر المسافة، الله يرفع قدرك.

بسم الله نبدأ، شيخ مؤيد.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم. الجلسة الثانية أيها الشباب ستكون في كتاب "الرسالة الشافية" لعبد القاهر الجرجاني في إعجاز القرآن؛ نحن نريد أن ننتهي من الدسم ونترك الخفيف إن شاء الله عندما تبدأون بالنوم في آخر ساعتين. لكن أنا أعتقد أنه برؤية السواد الأعظم سيشعر أن اللغة عالية، ووظيفتي هنا أن أختصر الكلام وأعطيكم الخلاصات، ولا تطلب من نفسك الآن في ساعتين أن تفهم كل حرف وكل كلمة قالها عبد القاهر. لعل هذه الرسالة نشرحها ببسط في دورات أخرى تكون مفصلة، لكن هنا أيها الشباب وظيفتنا كما قلت نفهم الكلام جملة.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسادة.

الفائقة كتب "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز" الضخم، وكتاب "عوامل المئة" وغيرها من الكتب والمصنفات الجليلة، ومن رسائله "الرسالة الشافية" التي أراد أن يعبر بها أو يجيب بها عن مجموعة من الشبهات أثارها الملاحدة في زمنه، وأثارها المعتزلة حول سر الإعجاز. ركزوا في هذه الفكرة لأنها فكرة الكتاب؛ أراد أن يجيب عن شبهات أثارها الملاحدة في زمنه وأثارها المعتزلة حول سر الإعجاز.

عندما نقول القرآن معجز، فمننا لكن أين هو سر الإعجاز في القرآن؟ هل هو أن نظم القرآن فعلاً أعلى من طاقة كفار قريش أن يأتوا بمثله، وهذا هو الصواب؟ أم أن هناك جهة أخرى من أوجه الإعجاز وليست هذه هي الجهة؟

القرآن، حتى من زمن الجرجاني وقبله، يتعرض لحرب شعواء من الملاحدة ومن بعض الفرق البدعية التي شوهت مفهوم إعجاز القرآن، وحاولت أن تصور أن القرآن في نظمه ليس خارج قدرة كفار قريش، لكن لسبب من الأسباب لم يستطيعوا أن يعارضوه. وسنعرف الآن ما هي الأسباب التي يدعونها، لكن نحن نريد أن نجيب عن هذه الشبهات؛ لأنه ممكن أنت اليوم تتعرض لها مع أي دكتور في الجامعة، أو أي إنسان في السوشيال ميديا يتكلم عن موضوع إعجاز القرآن.

الجرجاني أراد أن يجيب عن هذه الشبهات، ولن يدخل في التفصيل في وجهة نظره ووجهة النظر العامة للإعجاز. بسم الله، قال الحمد لله رب العالمين، حمد الشاكرين، وصلواته على النبي محمد وآله أجمعين.

قال: «اعلم أن لكل نوع من المعنى نوعاً من اللفظ هو به أخص وأولى وضروب، أي معنى من المعاني له ألفاظ تناسبه لتعبر به عنه، وضروب من العبارة هو بديهته أقوم، وهو فيه أجلى، ومآخذ إذا أخذ منه كان إلى الفهم أقرب وبقبول».

أي معنى في ذهنك، بإمكانك أن تعبر عنه بألفاظ مناسبة تجعله مقبولاً في ذهن السامعين، وبإمكانك أن تعبر عنه بألفاظ رديئة تجعله غير مقبولاً لدى السامعين.

قال: «وكان سمع له أوعى، والنفس إليه أميل، وإن كان الشيء متعلقاً بغيره ومقيس على ما سواه، كان من خير ما يستعان به على تقريبه من الإفهام وتقريره في النفوس أن يوضع له مثال».

ضع تحت كلمة "مثال" خطاً؛ ويقول: إن من أفضل أساليب الكلام أن المعنى إذا كان غامضاً، ولكن يمكنك أن تقربه إلى أذهان السامعين من خلال ضرب المثال له، اضرب له مثلاً صحيحاً. فأنت إذا رأيت وجهاً حسناً تقول: «هذا الوجه كالشمس»، لماذا هذا المثال؟ لكي يقرب وجه الحسن فيه. والله عز وجل كم استعمل الأمثال في القرآن؟ بل درسنا الثالث -إن شاء الله- في ماذا؟ في الأمثال، مثل: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. ما فائدة الأمثال؟ إن بعض المعاني لا تقرب من ذهن السامعين إلا إذا ضربت لها مثلاً محسوساً يشاهدونه، فإذاً المعنى حتى يؤدى بشكل جميل.

خلاصة ما يقول الجرجاني في هذه الفقرة: عليك أن تنتقي له الألفاظ الحسنة، وإذا استطعت أن تأتي بتشبيه أو مثال لتقرب من الأذهان فافعل. وهكذا أسلوب القرآن؛ أنه اختار للمعاني أفخم الألفاظ، واستعمل الأمثال كثيراً لتقريبها من الأذهان، وهذا سر الإعجاز في انتقائه للألفاظ المناسبة للمعاني، وفي أمثاله الباهرة المطابقة للواقع.

قال: «كان من خير ما يستعان به على تقريبه من الأفهام وتقريره في النفوس أن يوضع له مثال يكشف عن وجهه ويؤنس به، ويكون زماماً عليه يمسكه على المتفهم له والطالب علمه».

وهذه جمل من القول في بيان عجز العرب حين تحدوا إلى معارضة القرآن، وإذ عانهم وعلمهم أن الذي سمعوه فائت للقوى البشرية، الذي يتسع له ذرع المخلوقين. يعني قدرتهم؛ العرب عندما سمعت القرآن أدركت أن هذا النص خارج عن قدرتهم، عن ذرعهم. وفيما يتصل بذلك مما له اختصاص بعلم أحوال الشعراء والبلغاء ومراتبهم، وبعلم الأدب، جملة قد تحرى. طبعاً هذا يتعلق برسالة أخرى فيما يظهر لي، وليس بهذه الرسالة؛ إن هذه الرسالة تبع لرسائل أخرى ذكرها.

قال: «قد تحريت فيه الإيضاح والتبيين، وحذت الكلام حذواً هو بعرف علماء العربية أشبه، وفي طريقتهم أذهب، وإلى الأفهام أجرب، وأسأل الله التوفيق للصواب والعون عليه، والإرشاد إلى كل ما يضل لديه، إنه على ما يشاء قدير».

إلا أن يكون قصده ما سيشير إليه من بعض القضايا الشعرية والأدبية التي ضمنها لهذه الرسالة، فيمكن يكون يقصد بقوله: «فيما يتصل بذلك مما له علم بأحوال الشعراء»، أنه احتاج في بعض مواطن الرسالة أن يتطرق لذكر طبقات الشعراء واختلاف أحوالهم، وذكر شيء من الأدب؛ حتى يفهمك الفرق بين إعجاز القرآن والبلاغة العربية. في فرق بين إعجاز القرآن وبلاغة امرئ القيس؛ لأن القرآن هو أعلى أنواع البلاغة التي خرجت عن قدرة امرئ القيس ونحوه من الشعراء.

قال: «معلوم أن سبيل الكلام سبيل ما يدخله التفاضل». الآن سنبدأ القاعدة الأولى؛ أول قاعدة أن الكلام يقبل التفاضل. ما معنى يقبل التفاضل؟ يعني بإمكانك أن تقول: هذا الكلام أحسن من هذا الكلام، والله هذا الخطيب، والله كلامه أجمل من ذاك الخطيب، فهو يقبل التفاوت في الحكم، يقبل التفاضل.

قال: «وإن للتفاضل فيه غايات يئِي بعضها عن بعض». يعني في كلام يكون بعيداً في القوة، وكلاماً بعيداً في الرداءة. أنت في اليوم الواحد تحضر خطبتي جمعة، واحدة ما شاء الله فخمة، وواحدة رديئة. تقول: هذا ما شاء الله، وكيف استطعت أن يكون رديئاً؟ لا تعرف.

قال: «ومنازل يعلو بعضها بعضاً، وإن علم ذلك علم يخص أهله». مَن الذي يريد أن يعرف أن هذا رديء وهذا قوي؟ يخص أهله، أصحاب اللغة؛ يعني الذي يعرف اللغة وأساليبها هو الذي يفرق بين القوي والرديء.

قال: «وإن الأصل والقدوة فيه العرب، ومن عداهم تبع لهم وقاصر فيه عنهم». من عدا العرب هو تبع للعرب؛ فالعجمي في هذه الأماكن تبع للعرب.

قال: «وأنه لا يجوز أن يدعى للمتأخرين من الخطباء والبلغاء عن زمان النبي ﷺ الذي نزل فيه الوحي وكان فيه التحدي، أنهم زادوا على أولئك الأولين». هل يجوز أن يقال هذا؟ أول شبهة يرد عليها الجرجاني: هل يجوز أن يقال إن الشعراء والأدباء الذين كانوا بعد زمان الصحابة الكرام هم أعلى في اللغة من كفار قريش ومن كان في زمن النبوة؟ كلا، هذه شبهة اليوم ترى كثيراً ينادى بها، أن الشعراء المتأخرين كالمتنبي وامرئ القيس والجرير والفرزدق كانوا أكثر قوة في الشعر من امرئ القيس ومن شابهها. هؤلاء هذه دعوة خرجت على لسان الشعوبيين وليست على لسان صحيح. فالمتنبي وأبو تمام وأبو نواس والجاحظ وغيرهم من علماء اللغة الذين كانوا في القرن الثاني والثالث الهجري، مهما كانوا أقوياء، لكنهم أقل من مراتب العرب الذين كانوا زمن النبوة وقبلها.

قال: «أو كملوا في علم البلاغة أو تعاطيها لما لم يكملوا له». كيف؟ ونحن نراهم يخمل عنهم أنفسهم. ما معنى: «يرون أنفسهم أقل من السابقين»؟ فكيف يأتي شخص اليوم بعد 1500 سنة يقول لك: المتنبي والجاحظ أبلغ من امرئ القيس؟

والشعراء الأوائل، إذاً هو نفسه الجاحظ بقوله: «أنا لست أبلغ»، تروح أنت تقول له: «أنت أبلغ». هو نفسه يذلّ نفسه ويقول: أنا لست أبلغ ممن سبقني.

قال: «ويبر من دعوه المدانات معهم فضلاً عن الزيادة عليهم». هذا خالد بن صفوان يقول: «كيف نجاريه؟ وإنما نحكيه». شوف الكلام الجميل، خالد بن صفوان أحد الأدباء المتأخرين ماذا يقول: «كيف نجاريه؟» يعني كيف نزعم أننا نجارِي العرب الأوائل ونحن نحاكِي فقط؟ نحن فقط نتشبه بهم، المحاكاة هي المشابهة. «أم كيف نسابق؟ وإنما نجري على ما سبق إلينا من أعراق»، يعني مذاهبهم. «أم كيف نسابق؟» يعني كيف ندعي أننا نزاحم امرأ القيس والأوائل من العرب في قوة لسان، وإنما غاية ما عندنا أن نجري على مذاهبهم وعلى طرائقهم، فهم السادة الأوائل في اللغة ونحن أتباع لهم.

سنعرف ما فائدة هذه الفكرة بعد قليل، بس انتبه على هذه الفكرة: العرب الأوائل أقوى في اللغة والبيان من الذين جاؤوا بعد زمان النبوة، وبالتالي إعجاز القرآن كان ابتداءً لمن؟ للعرب الأوائل الذين هم أقوى. بالتالي من جاء بعدهم هم أولى أن يكونوا أضعف في مواجهة القرآن؛ لأنه إذا كان الأفخم في اللغة ما استطاع أن يتحدى القرآن، فهل يستطيع الجاحظ وأمثاله من المتأخرين في اللغة أن يتحدوا القرآن أو يُدعى أنهم يقدرون على ذلك؟ طبعاً الجاحظ لم يدعِ ذلك، بس أنا أقصد أن بعض الناس كان يزعم أن المتأخرين يستطيعون ذلك.

قال: «ونرى الجاحظ يدعي للعرب الفضل على الأمم كلها في الخطابة والبلاغة، ويناظر في ذلك الشعوبية». الشعوبية هم الأعاجم الذين أسلموا وأصبحوا يحطون من قدر العرب. كان في مشكلة في الدولة الأموية ظهور الفرقة الشعوبية، وهي فرقة ماذا كانت ترى؟ الحط من العرب، وهؤلاء أغلبهم كانوا من الفرس أسلموا بس لسه قلوبهم فيها عنصرية -نحن نسميها- كانوا يقولون: أنتم العرب مساكين، طلعتوا من جزيرة العرب، أسلمتم قبلنا مش مشكلة، بس أنتم لستم مثلنا في الفخامة والقدرات.

الشعوبية كانت تحاول أن تحط من قدر العرب الأوائل وتراهم أنما هم رعاة غنم وإبل، لكن هذه كذا منكر؛ فإن النبي ﷺ ذكر أن حب العرب من الإيمان. قال: «ويجهل ويسف أحلامهم في إنكارهم ذلك». الجاحظ كان ينكر على الشعوبيين ويجهل ويسف أحلامهم، يعني عقولهم؛ الأحلام هي العقول. أنتم أيها الشعبيون لا تعرفون قدر العرب الأوائل وفخامتهم في اللغة. قال: «ويقضي عليهم بالشقوق في العصبية ويطيل»، هي مجرد تعصب عصبية مقيتة.

ثم يقول: «ونحن أبقاك الله إذا ادعينا للعرب...». شوف ماذا يقول الجاحظ وهو أحد أئمة البيان، وإن كان معتزلياً -طبعاً أنا لا أمدحه من جهة اعتزاله لكن أمدحه من جهة تمكنه في اللغة-. لاحظ الجاحظ ماذا يقول عن العرب الأوائل: «ونحن أبقاك الله إذا ادعينا للعرب الفضل على الأمم كلها في أصناف البلاغة من قصيد وإرثاء، ومن منثور وإسجاع، العرب يفوقون غيرهم سواء في القصائد وفي المنثورات والإسجاع، ومن المزدوج وما لا يزدوج». طبعاً المزدوج والتجانس في الألفاظ.

قال: «فمعنا على أن ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة»، فنحن لدينا دليل على أن العرب الأوائل لنا شاهد صادق، يعني دليل واضح على تفوق العرب على غيرهم في البلاغة. قال: «شاهد صادق من الديباجة الكريمة والرونق العجيب والسبك والنحت الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم ولا أرفعهم في البيان أن يقول مثل ذلك إلا في اليسير والشيء القليل». الديباجة الكريمة يعني النصوص الشريفة التي وصلت عن العرب الأوائل التي فيها رونق وحسن وإبداع.

من يعرف المعلقات -أكيد سمعتموها- من يعرف المعلقات العشر ويدرسها ويقيس عليها غيرها يعرف تفوق الشعراء الأوائل على من بعدهم، وأن المتأخرين كما قال الجاحظ لا يستطيعون أن ينافسوا الأوائل إلا في اليسير والشيء القليل، وإلا فهناك بون شاسع بين شعر امرئ القيس والمتنبي، وبين شعر زهير بن أبي سلمى وأبي نواس؛ فرق هائل بينهما لا يعرف ذلك إلا من هو متفنن في العربية، والأمر في ذلك أظهر من أن يخفى أو أن ينكره إلا جاهل أو معاند.

وإذا ثبت أنهم الأصل والقدوة، فبالتالي «علينا أن ننظر». إذا ثبت لنا أن العرب الأوائل هم الأصل في اللغة العربية، فبالتالي علمهم في العربية هو العلم الذي يجب أن يُدرس ويُتبع، وكلامهم عن عدم قدرتهم على تحدي القرآن هو الكلام الذي يجب أن يُسمع، ولا ننظر في التحليلات التي جاءت بعد زمنهم.

فدعونا ننظر في دلائل أحوال العرب وفي دلائل أقوالهم التي ظهرت منهم، ودلت على أنهم فعلاً العرب الأوائل أئمة اللغة وسادتها كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل النص القرآني. سيأتي بأدلة من أحوالهم وأدلة من أقوالهم تدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل النص القرآني. قال: «فبنا أن ننظر في دلائل أحوالهم وأقوالهم حين تلي عليهم القرآن، وتُحد إليه، وملئت مسامعهم من المطالبة بأن يأتوا بمثله، ومن التقريع بالعجز عنهم، وبت الحُكم بأنهم لا يستطيعونه، ولا يخطرون عليه، وبت قطع الحكم».

وإذا نظرنا وجدناها تفصح بأنهم لم يشكوا في عجزهم عن معارضته، وجدنا دلائل الأحوال ودلائل الأقوال تدل على العجز؛ لم يشكوا في عجزهم عن معارضته والإتيان بمثله، ولم تحدثهم أنفسهم بأن لهم إلى ذلك سبيلاً على وجه من الوجوه. يعني حتى إنه لا يحدثوا أنفسهم بأنه بإمكاننا أن نعارض القرآن؛ أبو جهل وأبو سفيان ما حدثوا أنفسهم مجرد حديث بأن بإمكاننا أن نتحدى هذا الكتاب، مجرد أن سمعوا القرآن أدركوا أن هذا القرآن ببلاغته ونظمه يفوق بلاغتهم ولسانهم.

أما الأحوال فدلت، ومن حيث سنبدأ بدلائل الأحوال، هكذا سيقسم الجرجاني كتابه ابتداءً. نأتي الآن لدلائل الأحوال التي تؤكد لنا عجز العرب عن تحدي القرآن. قال: «فدلت من حيث كان المتعارف من عادات الناس التي لا تختلف، وطبائعهم التي لا تتبدل، أن لا يسلموا لخصومهم الفضيلة وهم يجدون سبيلاً إلى دفعها، ولا ينتحلوا العجز وهم يستطيعون قهرهم والظهور عليهم».

كيف؟ وإن الشاعر أو الخطيب أو الكاتب يبلغه أن بأقصى الإقليم الذي هو فيه من فخر بنفسه، قال: «ويدل بشعر يقوله»، يعني الإدلال هو إظهار التفوق والتميز، «أو خطبة يقوم بها أو رسالة يعملها، فيدخله من الأنفة والحمية ما يدعوه إلى معارضته». الفكرة الأولى من دلائل الأحوال أن الإنسان الطبيعي...

الطبيعية للإنسان إذا وجد شخصًا يفوق ويفضل عليه، وهو يعلم أنه يستطيع أن ينافسه، ماذا يفعل؟ ينافسه. أنت إذا وجدت شخصًا يعمل حاله أمام الناس "أباضاي" وأنه هو أبو اللغة أو أبو الشعر، وأنت عارف حالك أنك أقوى منه، في العادة الطبيعية بيجيك شعور داخلي أنك لا بد أن تبين له أنك أشطر منه، وهذا يتفنن أمام الناس ويقول: "لا أحد أشعر مني ولا أحد أبلغ مني". في الحالة الطبيعية أنك ستحاول أن تكسر خشمه -كما يقال في اللغة- لتقول له: "أنا أستطيع أن أفعل أكثر منك، شايفني ساكت بس لا تظن أنني ساكت على ضعفي".

هذه الحالة الطبيعية. طبعًا ماذا يريد أن يقول؟ النبي ﷺ ظهر أمام العرب وقال لكفار قريش: هذا القرآن، حاولوا أن تأتوا بسورة واحدة مثله. إذا كان في تحدٍ صحيح، هل يعقل أن العرب كان بإمكانهم أن يتحدوا القرآن مع وجود المنافسة ومع ذلك أعرضوا؟ هذا الوضع غير الطبيعي. النبي ﷺ يظهر فضله عليهم جميعًا ويتحدى بلغة ولهجة واضحة: ﴿أَتَأْتُونَهُ بِحَدِيثٍ أَحْدَثَهُ﴾ [الأعراف: 52]، وكلهم صامتون، ما أحد قادر. هذا وضع غير طبيعي، مع أنه يدعي الرسالة أيضًا، ولو كانوا يستطيعون تحدي القرآن بلسانهم لما سكتوا ولواجهوا.

ثم أعطاك مثال هذا الشخص الذي يسكن في آخر القرية وهو يظهر أمام الناس أنه "أباضاي" قوي، وأنت تحاول أن تثبت له أنك أقوى منه، هذا وضعك الطبيعي. نعم، قال: «وإلى أن يظهر ما عنده من الفضل ويبذل ما لديه من المنة»، يعني القدرة والقوة، حتى إنه يتوصل إلى أن يكتب إليه ويعرض كلامه عليه ببعض العلل وبنوع من التمحل. يقصد هذا الشخص الذي في أقصى القرية الذي يصنع نفسه بارزًا في الشعر وأنت تعرف أنك أقوى منه، فستحاول أن تكتب رسائل إليه لتظهر له: "أنا شايف ما تدعيه من الفضل، أنا أقوى منك"، فتعرض عليه كلامك وتعرض عليه شعرك حتى تؤكد له أنه أضعف منك في ذلك. فهذا معنى قوله: «حتى إنه لتتوصل إلى أن تكتب إلى هذا الشخص الذي يدعي الفضل وتعرض كلامك عليه ببعض العلل».

يكتب هو ليس عارفًا لماذا يكتب له، لكنه يكتب فقط من باب إظهار التميز. يقول: «وهو لم يرَ ذلك الإنسان قط، ولم يكن منه إليه ما يهيج ويحرك ويهيج على تلك المعارضة». كل هذا وأنت لم ترَ هذا الإنسان، هو فقط شخص في آخر القرية. مثل شخص يطلع لك على "السوشيال ميديا" اليوم، يكتب لك تغريدة ملفتة وشايف حاله أفضل شخص يكتب تغريدات، أنت تعرفه، لا هو تحداك بشيء، ومع ذلك تشعر أنك تريد أن تنافسه؛ لأنه يحاول أن يتصنع أنه الأفضل وأنت لا بد أن تنافسه لأن عندك قدرات أعلى من قدراته، هذا هو الوضع الطبيعي.

فما بالك إذا كان هو قد حداك وأعلن أمام الناس تحديك وأنت تعرفه؟ سيكون لديك دافع المنافسة، سيكون أقوى وأقوى. قال: «ويدعو إلى ذلك التعرض، وإن كان المدعي لذلك بمر منه ومسمع كان ذلك أدعى له إلى مباراته». إذا كنت ترى هذا الشخص الذي يدعي التميز، سيكون لك دافع أكبر إلى أن تتحداه وتُظهر ما عندك، ليعرف الناس أنك لا تقصر عنه أو أنك أفضل منه، يعني تريد أن يعرف الناس أنك لست أقل من فلان، بل ربما تكون أفضل منه.

قال: «فإن انضاف إلى ذلك أن يدعوه الرجل إلى الممانعة»، أي المعارضة. الآن هو يعطيك التطور؛ هناك شخص تراه أمامك بمر منه ومسمع وهو يدعوك إلى الممانعة، أي يدعوك إلى المعارضة ويتحداك تحديًا علنيًا أمام الجميع، فهل يعقل أن تظل جالسًا ولا تتحداه وأنت تعرف من نفسك أنك أقوى منه؟ ليست هذه الحالة الطبيعية. قال: «ويحركه لمقاولته»، يعني أن يرد القول بالقول والآية بالآية. قال: «فذلك الذي يسهر ليله القرار»، سوف تظل طوال الليل سهران وأنت تحك بيدك: "كيف غدًا سأعارض هذا الشخص؟ كيف سأظهر الغلبة عليه؟"، حتى يستفرغ مجهوده في جوابه ويبلغ أقصى الحد في مناقضته.

وقد عرفت قصة جرير والفرزدق، وهؤلاء شعراء كانوا في الدولة الأموية، وكان حالهم دائمًا مثل الديك والدجاجة كما يقال؛ هذا يرد عليه وهذا يرد عليه. لماذا التنافس؟ هكذا الفطرة، أي إنسان يحاول أن يتميز عليك يحاول هو أن ينافسه وأن يرد هذا التميز، "لا أنا أشطر، لا أنا أقوى". وقد عرفت قصة جرير والفرزدق، وكل شاعرين جمعهما عصر، مثل المتنبي والبحتري، كل شاعرين دائمًا بينهما تنافس. ثم عرض بينهما ما يهيج على المقاولة ويدعوهم إلى المفاخرة والمناورة، وكيف جدّ كل واحد منهما في مغالبة الآخر وكيف جعل ذلك همه، فصار مشروع الفرزدق أن يطحن جرير، ومشروع جرير أن يطحن الفرزدق، وعاشوا على هذه الفكرة في حياتهم.

قال: «وقصر عليه دهره»، يعني عاش على هذه الشغلة فقط. وليس به ولا يخشى إلا أن يقضى لصاحبه، مع أن كل الموضوع بين جرير والفرزدق هو أن الفرزدق كان يدعي النبوة أو جرير كان يدعي النبوة، كل المشكلة بينهم هي "أن لا يكون هذا أفضل مني"، هذا هو الذي يهيج التنافس بينهم.

طيب، كفار قريش كان في شيء أكثر يدفعهم إلى تهيج المنافسة، وهو أن النبي ﷺ كان يتحداهم ويدعوهم لدين جديد. كانت هناك أشياء أخرى كادت تدعوهم لإثبات عدم صدق النبي ﷺ -وحاشاه عن ذلك-، كان لهم دوافع كثيرة لو استطاعوا لبذلوا لها مهجهم وأرواحهم من اللغة والبيان، ومع ذلك لم يُنقل عن قرشي أنه تجرأ أن يحاكِي القرآن؛ لأنه عارف أنه سيفضح، يعلم أن القرآن أعلى من أساليب البلاغة التي تخصهم. قال: «وإن خاطره أحد وقوافيه أشرد»، أي مميزة لا نظير لها، قافية شاردة، بيت...

قافيته لا نظير لها، قال: لا ينازعه ملكًا، ولا يفتات عليه بغلبة حقًا. فالفرس ما كان ينازع جريرًا ملكًا، ولا كان يطلب عليه حقًا، بس الأمور تفاضل. قال: ولا يلزمه به آتاوة، ولا يضرب عليه، مش طالب أنه آتاوة، يعني مبلغ من المال أو ضريبة أو جمرك.

قال: وإذا كان هذا واجبًا بين نفسين، لا يروم أحدهما من مباهاة صاحبه إلا ما يجري على الألسن من ذكره بالفضل فقط، فكيف يجوز أن يظهر في صميم العرب، وفي مثل قريش ذوي الأنفس الأبية والهمم العالية والأنفة والحمية، من يدعي النبوة ويخبر أنه مبعوث من الله تعالى إلى الخلق كافة، وأنه بشير بالجنة ونذير بالنار، وأنه قد نسخ به كل شريعة تقدمته، ودين به الناس شرقًا وغربًا، وأنه خاتم النبيين وأنه لا نبي بعده، إلى سائر ما صدع به ﷺ؟

كل هذه الأمور صدع بها النبي ﷺ في وجه كفار قريش، وسفه دينهم وأصنامهم وأحلامهم وعقولهم، وقال لهم: «هذا القرآن، جيبوا لي مثله». الآن الوضع الطبيعي أن كفار قريش يأتون بخيلهم ورجلهم من أجل أنه، أيه، هينا بنقدر نحاك القرآن، لكن لم يفعلوا ذلك.

ثم يقول ﷺ: «وحجتي أن الله تعالى قد أنزل علي كتابًا عربيًا مبينًا، تعرفون ألفاظه وتفهمون معانيه، إلا أنكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله، ولا بعشر سور منه، ولا بسورة واحدة، ولو جهدتم جهدكم واجتمع معكم الجن والإنس، ثم لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضوه». معقول بعد كل هذا لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضوا القرآن؟ صعب، بس واضح أنهم كانوا بدهم بس ما قدروا، يعني كان بدهم يا ريت، لكن لم يستطيعوا.

قال: «إلى أن يعارضوه، ويبينوا سرفه في دعواه، مع إمكان ذلك، ومع أنهم لم يسمعوا إلا ما عندهم مثله أو قريب منه». هذا وقد بلغ بهم الغيظ من مقالته ومن الذي ادعاه حداً، تركوا معه أحلامهم الراجحة وخرجوا له.

أحلامهم الراجحة؛ يعني مما يؤكد أن قريشًا كان مهتمًا. ممكن واحد يقول لك: لا يا شيخ، ما كانوا مهتمين بكل هذا الملف، هذا مش صحيح. كيف ما كانوا مهتمين بهذا الملف؟ إذا قال شخص ربما قريش ما كانت مهتمة بمعارضة النبي ﷺ، تقول هذا غير صحيح. كيف نعرف أنه غير صحيح؟ أقول لك هم تركوا عقولهم ومسكوا سلاحهم وبدأوا يحاربونه في بدر، واحد والخندق، والمعارك الشرسة، وعم يباردوا الصحابة في الحبشة؛ بدك تقول لي إنه ما كانوا مهتمين؟ لماذا دخلوا كل هذه المعارك إذا كانوا مهتمين بإفشال الدعوة؟ لكنهم ما استطاعوا، ولو كان من حيلتهم أن يبطلوا حجة القرآن وإعجازه لفعلوا، لكنهم ما استطاعوا، فذهبوا إلى السيف عندما عجزوا عن البيان.

نرجع نكمل؛ إذا قلنا إن كفار قريش حاولوا أن يواجهوا النبي ﷺ عسكريًا بعد أن فشلوا في مواجهته بيانيًا، قال: «وخرجوا له عن طاعة عقولهم الفاضلة، حتى واجهوه بكل قبيح، ولقوه بكل أذى ومكروه، ووقفوا له بكل طريق، وكادوه وكل من تبعه بضرب المكيدة، وأرادوا بأنواع الشر». وهل سمع قط بذي عقل ومسكة استطاع أن يخرس خصمًا له قد اشتط في دعواه بكلمة يجيبه بها فترك ذلك؟ يعني هل سمعنا إنسانًا عاقلًا كان يستطيع أن ينهي خصمه بكلمة فترك هذه الكلمة واستعمل السلاح لمواجهته؟ إذا كان بإمكانك تقضي على خصمك بكلمة وتريح حالك من المواجهة العسكرية، كنت تقضيه عليه بكلمة، ولكان عرضتم القرآن وانتهى الموضوع، فذهاب إلى القوة العسكرية مما يدل على عدم قدرتهم على معارضة القرآن.

قال: «فترك ذلك إلى أمور يسفه فيها، وينسب معها إلى ضيق الذرع والعجز، وإلى أنه مغلوب قد عوزته الحيلة وعسر عليه المخلص، أم هل عرف في مجرى العادات وفي دواعي النفوس ومبنى الطبائع أن الرجل ذو اللب يدع حجته على خصمه لا، فلا يذكرها، ولا يفصح بها، ولا يجلي عن وجهها، ولا يريه الغلط فيما قال والكذب فيما ادعى، ولا يدعي أن ذلك عنده وأنه مستطيع له، بل يجعل...».

هل يعقل أن كفار قريش لم تدعِ أنها تستطيع أن تواجه القرآن؟ رح تقول لي هم الآن هذه شبهة كان يقولها بعض الملحدين، كان يقول إن قريش هي التي لم تواجه القرآن لكنها كانت تستطيع أن تفعل ذلك، يقول هذا لا يعقل في مجال العادات. يعني على الأقل كفار قريش قالت: «يا محمد ﷺ نحن نستطيع أن نأتي بمثل قولك لكن أننا لا نفعل ذلك»، حتى هذه الجملة ما صدرت منهم. هل عرفتم أن رجلًا من كفار قريش قال: «أنا أستطيع أتكلم بمثل القرآن في البلاغة»؟ ولا أحد منهم، حتى أبو جهل وغيرهم من زعماء الكفر.

قال: «بل جعل أول جوابه له معارضته إياه، بالتسرع إليه، والسفه عليه، والإقدام على قطع رحمه، وعلى الإفراط في أذاه». يعني قتل بعضهم بعضًا في أرحامهم. كفار قريش ماذا كان حلهم مع القرآن؟ مرة قالوا عنه شاعر، مرة قالوا إنه يأخذه من رجل رومي؛ حاولوا أن يؤلفوا قصة عن طبيعة القرآن، لكنهم تحاشوا تمامًا مواجهة القرآن في البلاغة. قال: «أم هل يجوز أن يخرج خارج من الناس...»

على قوم لهم رئاسة ولهم دين ونحلة، فيعلو عليهم الناس، ويدبر في إخراجهم من ديارهم وأموالهم، وفي قتل صناديد وكبارهم، وسبي ذراريهم وأولادهم، وعمدته التي يجد بها السبيل إلى تآلف من يتآلف إلى تآلف، من يدخل في دعوته، ودعاء من يدعوه؛ دعوة له، إذا هي أبطلت دعوة له.

هو مجرد دعوة أن هذا القرآن من عند الله، طبعًا هي صارت معجزة، بس أنا أقصد هو يصور لك الأمور بهذه الطريقة العامة. النبي ﷺ خرج على كفار قريش وهم أصحاب الرئاسة ولهم دين، فبأَلَ عليهم ودبر في محاربتهم عندما رفضوا دعوته، وسعى في قتلهم في بدر والمعارك، وكان كل عمدته في إثبات أنه مرسل من الله، وأساس ذلك ما هي دعوته؟ أن هذا القرآن من عند الله. طبعًا هي معجزة، بس هي هكذا تصويرها: هل أنتم تستطيعون رد هذه الدعوة ولم تفعلوا ذلك يا كفار قريش، مع أن هذا الرجل سيقتل وسيفرق جمعكم؟

قال: دعوة له، إذا هي أبطلت، بطل أمره كله وانتقض عليه تدبيره، ثم لا يُعرض له في تلك الدعوة، ولا يتعرض أحد لإسقاط هذه الدعوة وهي معجزة القرآن، ولا يشتغل في إبطالها مع إمكان ذلك، ومع أنه ليس بممتنع. وهل مثل هذا إلا مثل رجل عرض له خصم من حيث لم يحتسبه، فدعا عليه دعوة، إذا هي سُمعت كان منها على خطر في ماله ونفسه.

تخيل بقول لك: أنت الآن وجدت رسالة على التليفون تقول لك: أنت الآن تُطلب أن تُعرض على محكمة، لماذا؟ لأن هناك شخصًا رافعًا عليك دعوى، هذه الدعوى إذا حكم فيها القاضي سيفرق بينك وبين أهلك. في هذه الرسالة، هل تجلس في البيت، أم مباشرة ستحاول الذهاب إلى القاضي من أجل الدفاع عن نفسك؟ مباشرة ستذهب للدفاع عن نفسك وإبطال الدعوى؛ لأنك تعرف أن هذه الدعوة إذا بقيت، ما لها إلا ذهاب أهلك ومالك وفناء بيتك ودولتك.

وهذا حال كفار قريش، دعوة النبي ﷺ ما لها إلا أن يصبح هو ﷺ المتبوع، وأنه سيقاتل كل من سيقف في وجهه، وهذا سيؤدي إلى قتل رجال قريش وأخذ أموالهم وذهاب سيادتهم. فمعقول كفار قريش ما فكروا، مع كل هذه الدعوة العظيمة التي ستؤدي إلى مآلات مرعبة في حياتهم، أن يعارضوا القرآن ويبينوا أنه ليس معجزًا ولا شيء وينتهي الموضوع؟

ولماذا يشدد الجرجاني في هذه القضايا؟ ليؤكد أن هذه خلاصة ما يريد أن يقوله في كل هذه الصفحات: أن كفار قريش كانوا يملكون دافعًا كبيرًا لمواجهة القرآن، ودافعًا عظيمًا لإبطال معجزته لو استطاعوا ذلك، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، مما يؤكد على أنه فعلاً كان معجزًا؛ لأنك لما يكون عندك دافع كبير لإبطال الدعوة كدافع كفار قريش ولا تفعل ذلك، إذاً هذا يؤكد أن الدعوة صحيحة وأن القرآن معجز، وأنت من لا تستطيع أن تواجهه.

قال: فأحضر بينه على دعواه تلك، وعند هذا المدعى عليه ما يبطل تلك البينة أو يعارضها، وما يحول على الجملة بينه وبين تنفيذ دعواه، فيُدَع إظهار ذلك والاحتجاج به ويُضرب عنه جملة. قال: ويدعه وما يريد من إحكام أمره وإتمامه، ثم يصير الحال بينهما إلى المحاربة، وإلى الأخطار بالمهج والنفوس، فيطول الحرب ويقتل فيها أولاده وأعزته، وتنهك عشيرته وتغنم أمواله، ولا يقع له في أثناء تلك الحال أن يرجع إلى القاضي الذي قضى لخصمه بديه، ولا إلى القوم الذين سمعوا بديه في أول الأمر، ولا إلى القوم الذين سمعوا منه وتصوروا بصورة المحق، فيقول: لقد كانت عندي حين ادعى ما ادعى بينة على فساد دعواه وعلى كذب شهوده، قد تركتها تهاونًا بأمره، أو أُنسيت، أو منع مانع دون عرضها، وها هي هذه قد جئتكم بها فانظروا.

كفار قريش بعد معركة بدر، كان المفروض منهم بعد أن رأوا القتل قد استحر فيهم، إذا كانوا فعلاً يستطيعون تحدي القرآن، أن يرجعوا لأهل العرب ويقولون لهم: ترى نحن قلنا ابتداءً إن القرآن معجز، حقيقة هو ليس معجزًا ونحن سنثبت لكم الآن أننا نستطيع أن نواجهه، خذوا هذه السورة. هل هذا ورد شيء في السيرة؟ هل سمعتم أنهم عادوا ليواجهوا القرآن بالبيان؟ لم يواجهوا القرآن بالبيان.

«وها هي هذه قد جئتكم بها فانظروا فيها لتعلموا أنكم قد غررتموه». إن هذا الرجل لو كان من المجانين لما صح أن يفعل ذلك، فكيف بقوم هم أرجح أهل زمانهم عقولًا، وأكملهم معرفة، وأعزهم رأيًا، وأقواهم رأيًا، وأثقهم بصيرة؟ فهذه دلالة الأحوال. فهذه الدلالة الأولى من دلائل أحوال قريش هي دلالة حال، أنهم كانوا عاجزين تمامًا عن مواجهة القرآن في نظمه.

نأتي الآن إلى الأقوال؛ مش قلنا في دلائل الأحوال ودلائل الأقوال؟ نأتي الآن إلى أقوال كفار قريش التي تصرح عن عجزهم عن تحدي القرآن. قال: وأما الأقوال فكثيرة، منها حديث ابن المغيرة. الوليد بن المغيرة، من هو هذا الرجل؟ هذا أبو خالد بن الوليد، وكان من أكبر كفار قريش نسبًا ومكانة.

روي أنه جاء حتى أتى قريشًا فقال: إن الناس يجتمعون غدًا بالموسم، وقد فشا أمر هذا الرجل في الناس، فهم سائلونكم عنه، فماذا تردون عليهم؟ اجتمع الوليد بن المغيرة مع كفار قريش وقال: غدًا سيأتي موسم الحج وأمر محمد ﷺ انتشر بين الناس، إذا دخل الناس والقبائل إلى مكة ليحجوا، ماذا سنقول لهم عن محمد ﷺ؟ نقول عنه ساحر، نقول عنه مجنون، أقول عنه شاعر؟ احتاروا، حاولوا يتفقوا على جواب موحد لأن الإجابات المتضاربة ستؤدي أن الناس تقول هؤلاء مش متفقين على شيء واحد.

فقالوا: مجنون يخنق. «يخنق» يعني يصرع، العرب كانت تعرف الصرع، قالوا: نقول للناس هذا رجل مجنون يصرع، الجن يتكلم على لسانه، يأتون فيكلم فيجدونه صحيحًا فصيحًا عاقلاً فيكذبون. الوليد بن المغيرة قال: والله هذه إجابة ما بتضبط، لأنهم سيأتون يتكلمون مع محمد ﷺ فيجدونه لا مجنون ولا يصرع، رجل عاقل فصيح يحسن الكلام.

قالوا: نقول هو شاعر. قال: هم العرب وقد رووا الشعر وفيهم الشعراء، وقوله ليس يشبه الشعر فيكذبون، قال: ما راح تضبط، هم يعرفون بحور الشعر وأوزان، هذول العرب ما راح تمشي قضية القرآن ليس شعرًا. قالوا: نقول هو كاهن، قال: إنهم لقوا الكهان، فإذا سمعوا قوله...

يجدونه يشبه الكهنة فيكذبون، ثم صرف إلى منزله فلم يتفقوا على شيء. فعاد الوليد إلى منزله، فقالوا: صبأ الوليد، فالناس ماذا ظنت؟ أن الوليد بن المغيرة أسلم، قالوا: شكل الرجل ناوي يسلم، أنا أعطيناه عدة خيارات ولم يختر منها شيئًا، صبأ الوليد بن المغيرة.

قالوا: لا، إن صبأ لا يبقى أحد إلا صبأ، إذا أسلم سيسلم كل قريش، فخافوا أن يكون الوليد أسلم. فقال لهم ابن أخيه أبو جهل بن هشام: أنا أكفيكم. فأتاه محزونًا، فقال له الوليد: مالك يا ابن أخي؟ فدخل أبو جهل على الوليد بن المغيرة وهو في حالة حزن.

قال له الوليد: ليش أنت حزين يا أبا جهل؟ شافك هكذا مش على بعضك. جاء أبو جهل محزونًا على الوليد بن المغيرة، فقال له الوليد: مالك يا ابن أخي؟ قال: هذه قريش تجمع لك صدقة يتصدقون بها عليك تستعين بها على كبرك وحاجتك. وهو كيف يستعين؟ أبو جهل شيطان من يوم يومه.

قال له أبو جهل: يا وليد، هي كفار قريش ناوين يجمعوا لك صدقة، أنت رجل كبير، يريدون أن يعملوا لك صدقة تستطيع أن تمشي بها حالك، والآن أنت رجل كبير لا تستطيع أن تفعل شيئًا. طبعًا عندما تتكلم مع رجل شريف بهذا الكلام تحرق دمه، فقال: أولست أكثر قريش مالًا؟ قال: ليش يجمعوا لي صدقة؟ أنا أكثرهم مالًا. قال أبو جهل: بلى، ولكنهم يزعمون يا وليد أنك صبأت، أنك أسلمت حتى تصيب من فضل طعام محمد.

يزعمون أنك تريد أن تسلم حتى محمد وأصحابه ﷺ يتصدقوا عليك بفضل طعامهم، أي الزيادات من طعامهم. الوليد عرف أن هذا يريد استفزازه، فقال: والله ما يشبعون من الطعام، أصحاب محمد ﷺ فقراء مستضعفون، ما عندهم طعام يأكلونه، من أين تريدهم أن يتصدقوا علي بفضل طعامهم؟ أصلًا ما عندهم طعام، كانوا مستضعفين الصحابة.

ثم أتى قريشًا فقال: أتزعمون أني صبأت؟ الوليد فهم الرسالة، فخرج أمام قريش وقال: تظنون أنني صبأت؟ يعني أسلمت؟ قال: ولعمري ما صبأت، أقسم بعمري أنني ما صبأت، إنكم قلتم محمد مجنون وقد ولد بين أظهركم، لم يغب عنكم ليلة ولا يومًا، فهل رأيتموه يخنق قط؟ فكيف يكون مجنونًا ولم يخنق قط؟ وقلتم شاعر وأنتم شعراء، فهل أحد منكم يقول ما يقول؟ وقلتم كاهن، فهل حدثكم محمد في شيء يكون في غد إلا أن يقول إن شاء الله؟

محمد ﷺ لا يدعي علم الغيب، دائمًا يقول: إذا عندي معلومة إن شاء الله أخبركم، وإذا ما عندي معلومة، إذاً هو ليس كاهنًا، هو لا يدعي علم الغيب. قالوا: فكيف تقول يا أبا المغيرة؟ عرفوا أن الرجل لا يريد أن يسلم، ولكن لم تكن هناك إجابة مقنعة إلى الآن، فقال: أقول هو ساحر.

الوليد بن المغيرة وصل لقناعة أن يقول ساحر، وهذه أكثر شيء ممكن يصدقه الناس، لأنه يوجد شبهة يمكن يصدقها الناس، وهي أن محمد ﷺ لما أتى بالإسلام فرق بين الرجل وزوجته، وبين الأخ وأخيه، فالأخ مسلم والثاني كافر، والرجل مسلم وزوجته كافرة، فأدى إلى التفريق بين الأخ وأخيه والزوج وزوجته. ممكن تمشي على الناس قضية ساحر.

فقالوا: وأي شيء السحر؟ قال: شيء يكون ببابل من حذقه. بناءً على القرآن ماذا قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: 102]، وقيل إن هذا كان له علاقة ببابل، قال: من حذقه فرق بين رجل وامرأته، ورجل وأخيه، ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: 102]. قال: إنا لله، أفما تعلمون أن محمدًا فرق بين فلان وفلانة زوجته، وبين فلان وابنه، وبين فلان وأخيه، وبين فلان وماله، فلا ينفعهم ولا يلتفت إليهم ولا يأتيهم؟ قالوا: بلى. فاجتمع رأيهم على أن يقولوا إنه ساحر.

الوليد بن المغيرة قال: خلاص ساحر هذه مقنعة، لكن أوعكم تقولوا إنه شاعر، هذه دلالة على أن الوليد بن المغيرة يفهم اللسان العربي، ويعرف أن القرآن نمط مختلف وقدرة عالية، ومن العيب أن نتحدى بها الناس، لو قلنا إنه شاعر سيعرف الناس أن هذا كلام مختلف.

وانصرف، فمر بأصحاب النبي ﷺ وهم جلوس في المسجد، فقالوا: هلك يا أبا المغيرة، إلى خير؟ فرجع إليهم فقال: ما ذلك الخير؟ فقالوا: التوحيد. قال: ما يقول صاحبكم إلا سحرًا، وما هو إلا قول البشر يرويه عن غيره. وعبس في وجوههم وبسر ثم أدبر إلى أهله مكذبًا واستكبر عن حديثهم الذي قالوا له عن الإيمان، فإن زل الله تعالى أنه فكر وقدر فقتل. كيف قدر؟ آيات سورة المدثر نزلت في الوليد بن المغيرة: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: 18-19]. فكر ماذا يقول في النبي ﷺ، فقدر أن يقول إنه ساحر، فلعنه الله فقتل.

ومنه ما رواه محمد بن كعب، هذا أول أثر يدل على القضية التي يريدها الجرجاني، وهي ماذا؟ أن كفار قريش بألسنتهم يعرفون أن القرآن أعلى من قدراتهم، لما قال لهم: هذا ليس شعرًا، هذا كلام مخترَف تمامًا.

ومنه ما رواه محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة، وهذا الرجل الثاني عتبة بن ربيعة الذي قتل في غزوة بدر، ماذا كان يقول في مكة؟ قال: وكان سيدًا حليمًا، قال: لو أني أقوم إلى محمد فآكل، فعرض عليه أمورًا لعله أن يقبل منها بعضها فنعطيه إياها شاء، حاول أن يساوم النبي ﷺ على الدعوة، وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ورأوا أصحاب النبي ﷺ يكثرون.

قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام إليه وهو ﷺ جالس في المسجد وحده فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث علمت من السطوة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت بين جماعتهم وسفهت أحلامهم، وعبت آلهتهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فأسلم مني، أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك أن تقبل منها بعضها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كنت إنما تريد المال بما جئت به من هذا القول، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سدناك حتى لا يقطع امرؤ دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك، وإن كان هذا الذي بك رأيا لا تستطيع رده عن نفسك رأيا - يعني جن أو شيء - نجيب لك واحدا يعالجك، نعم، قال: طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرأ منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوم من التابع - يعني الجن - أو لعل هذا شعر جاش به صدرك، فإنكم لعمري بني عبد المطلب تقدرون من ذلك على ما لا نقدر عليه».

أو ممكن تكون عندك شعر يعني طلع من صدرك، أنتم ما شاء الله بنو عبد المطلب أقوياء في الشعر. قال حتى إذا فرغ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو قد فرغت؟». شوف أدب النبي عليه الصلاة والسلام حتى مع خصومه، وجاء وقد فرغت يا أبا الوليد، بهدوء، خلصت اللي عندك، خلصت عروضك اللي بتقدمها، اسمع مني الآن. قال: «بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿مِمَّنْ تَنزَلَ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: 1-5]».

ثم مضى فيما يقرأها، فلما سمعها عتبة، أنصت له وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليه ما يستمع منه، يعني وضع يديه هكذا؛ بتعرف واحد يكون جالسا هكذا وسمع، دلالة على أنه يريد أن يأخذ أريحه في السماع، لما وصل عند آية: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾، يقل: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود! قفز من مكانه وقال: «حسبك يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولا»، خاف من الآية: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾، قل: إنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، خاف.

حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد، ثم قال له: قد سمعت ما سمعت، فإنه وقفه عند ﴿فَأَعْرَضُوا﴾، لكن هنا في هذه الرواية الجرجاني أنه وصل إلى السجدة، السجدة في الصفحة الرابعة منها، في الصفحة الرابعة من سورة فصلت آيته.

فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض - سمع عتبة وقام عاد إلى كفار قريش فجلس مع كفار قريش - وقال بعضهم لبعض: لقد جاءكم أبو الوليد - اللي هو عتبة - بغير الوجه الذي ذهب به، والله وجهه متغير بعد هذه الجلسة. قال: لقد جاءكم أبو الوليد، شوف قديش كانوا خايفين، كل واحد يروح يرجع قالوا: صبأ الرجل! الله يستر، أسلم! لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس قالوا: ما وراءك؟ قال: ورائي إني سمعت قولا والله ما سمعت بمثله قط، وما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهان.

هذا هو موطن الشاهد: «سمعت قولا والله ما سمعت بمثله قط»، هذا اللي بده إياه الجرجاني، شو حكى عتبة؟ قال: ليس بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة. البين هو رُقِيّ لكنه ليس باتباع هواه، شوف شو نصحهم، نصيحة عاقلة لكنهم ضاعوا فـاتبعوا أهواءهم. قال لهم: هذا سيكون له نبأ في المستقبل، اتركوا الرجل يدعو، خلوه يدعو إلى الله، فإن تصبه العرب وتقتله فأنتم ارتحتم، وإن ظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، أنتم الكسبانين على كل الجهات. قال: فإن تصبه العرب فقد كفيتم بغيره، وإن يظهره على العرب فملكه ملككم. قالوا: سحرك بلسانه، قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم، قالوا: لا، سحرك يا أبا الوليد، قال: ما عاد أسوي، فاصنعوا ما بدا لكم، يعني أنتم حُرّون.

ومنه ما جاء في حديث أبي ذر في سبب إسلامه، روي عنه قال: قال لي أخي أنيس: إن لي حاجة إلى مكة، فانطلق أنيس، أبو ذر أخوه أنيس كان في مكة ذهب إلى مكة لحاجة، فتاجر قبل أن يعود، أبو ذر الغفاري هذا من قبيلة غفار، وهؤلاء ما كانوا سكان مكة، له أخ اسمه أنيس ذهب إلى مكة في تجارة فانطلق فتاجر، فلما عاد إلى أخيه قال له أبو ذر: ما حبسك؟ فقال أنيس: لقيت رجلا يقول إن الله تعالى أرسله، فقلت ماذا يقول؟ فقال الناس: يقولون شاعر، ساحر، كاهن. وكان أنيس أحد الشعراء، فأبو ذر قال له: طب أنت شو رأيك يا أنيس؟ هل رأيت كلامه شعرا أو سحرا؟ قال: والله لقد وضعت قوله على أوزان الشعر، فلم يلتئم على أوزان الشعر، يعني على أنماطه وأساليبه، أنيس يقول: والله أنا حاولت أضع القرآن على أساليب الشعر، ليس شعرا، فلم يلتئم على لسان أحد، ولقد سمعت قول الكهان، فما هو بقولهم، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.

ومن ذلك ما روي أن الوليد بن عقبة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال اقرأ، فقرأ عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فقال: أعد، فأعاد، فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمعرق، جميلة تثمر مثمر، يعني يعطيك أفكارا كثيرة، وما يقول هذا بشر، هذه الكلمة، وما يقول هذا من كلام مين؟ الوليد بن عقبة أحد كبار المشركين.

واعلم أنه لا يجوز أن يقال في هذا وشبهه إنه لا يكون دليلا حتى يكون من قول المشركين بعضهم لبعض حين خلوا بأنفسهم ففاض وتحاوروا وأفضى بعضهم بذات نفسه إلى بعض، وإن كان منه من كلام المؤمنين أو ممن قاله ثم آمن فإنه لا يصح الاحتجاج به في حكم الجدل. البعض هو الآن الجرجاني يريد أن يقول قاعدة: لو أن شخصا من المؤمنين مدح القرآن وأخبر أنه معجز، يعني لو أن أحد العرب الأوائل الذين أسلموا بعد أن أسلم مدح القرآن بأنه معجز، هل نقول والله لا يجوز أن نقبل دعواك أنه معجز لأنه أنت من هذا الفريق من فريق المؤمنين؟ وإنما الحق ما شهدت به الأعداء، فيقول لو قال بعضهم أو قال أحد الناس إنه لا يجوز.

أن يستدل بكلام العرب على إعجاز القرآن، إلا على كلام العرب المشركين؛ لأنهم أعداء للقرآن، ومع ذلك شهدوا بإعجازه. أما المؤمنون من العرب، فلا يجوز أن نقبل دعواهم بإعجاز القرآن؛ لأنك كأنك أنت صاحب الدعوة وأنت الدليل عليها، وهذا لا يصح، لازم الدليل يأتي من جهة مستقلة.

لو قال بعض هذا الكلام، هل يقبل؟ اعلم أنه لا يجوز أن يقال إننا لا نقبل دليلاً في مثل هذه الكلمات حتى يكون من قالها مشركاً؛ لأنه إذا قالها مسلم، فمن الصالح أن يروج هذه الفكرة لأنها تكون لصالح الإسلام الذي يتبناه، أما المشرك فهو له اهتمام أن يبطل الإسلام، ومع ذلك صرح بأن القرآن معجز، فهذه الدعوى لا تقبل إلا إذا صدرت من المشركين. وفعلاً هذا الذي وقع، أن الوليد بن المغيرة كان مشركاً، والوليد بن عتبة كانوا مشركين، اللهم إلا أبا ذر؛ يعني قصة أبي ذر هي الوحيدة التي يمكن أن يقع فيها إشكال.

المهم لكن هنا لاحظ ماذا سيقول الجرجاني، قال: «من حيث يصير كأنك تحتج على الخصم برأيك تراه أنت وبقولك أنت، وذلك أنه إنما يمتنع أن يدل إذا صدر القول من مصدر الدعوة والشيء يدفعه الخصم وينكره، فأما ما كان مخرجه مخرج به على أمر يعرفه ذوو الخبرة، وأطلقه قائله إطلاق الواثق بأنه معلوم للجميع، وأنه ليس من بصير يعرف مقادير الفضل والنقص إلا وهو يحوج إلى تسليمه والاعتراف به شاء أم أبى، فهو دليل بكل حال ومن قول كل قائل».

هنا ماذا يقول الجرجاني؟ إن العرب الأوائل، سواء مسلمهم أو كافرهم، كل من قال منهم إن القرآن معجز يقبل قوله ويعتبر دليلاً. حتى يا شيخ لو كان مسلماً، أليس هذا خطأ في الجدال؟ كيف أنت مثلاً إذا ادعيت دعوة، وطلع شخص من جماعتك يريد أن ينصرك في هذه الدعوة، هل يقبل هذا شاهد لك؟ طلع أخوك يريد أن ينصرك، هل القاضي يقبل شهادة أخيك لك؟ لا، في القضاء لا تقبل شهادة الأخ لأنه يريد أن يحابي.

هنا يقول: لو أن شخصاً قال لو خرج رجل من المسلمين الأوائل مثل أبي بكر الصديق أو عمر بن الخطاب وقال القرآن معجز، لا نقبل قول عمر وأبي بكر لأنهم أصلاً مسلمون، وإنما نقبل قول القائل من المشركين. فيقول الجرجاني: كلا، كل من قال القرآن معجز من العرب الأوائل سواء كان مسلماً أو كافراً يقبل دعواه؛ لأنه حتى المسلم الذي قال القرآن معجز هو لم يقل إن القرآن معجز، هو فقط لأنه من أنصار النبوة، هو يقول القرآن معجز لمعرفته بقواعد العربية. ومن هذه الجهة، قواعد العربية التي لا يختلف فيها مسلم عن مشرك، لا يستطيع أحد أن يردها لوضوحها وجلاءها.

كيف اليوم نظرية يتبناها شخص معين أو فئة معينة، وواحد من هؤلاء الفئة يتكلم عن هذه النظرية وينصرها، هل تقول والله أنت من أصحاب هذه النظرية لا تتكلم؟ لازم يأتي شخص خصم لك يقول لك لا، هي النظرية -وكنت أتبناها- لكن هي قاعدة يقينية، قاعدة يقينية الكل متوثق منها، فكوني أنا من أتباعها هذا لا يجعل قولي غير مقبول لأنني أتكلم بكلام يقبله العقلاء جميعاً. كيف الواحد نصف الاثنين؟ هل أحد يقول لك أنت من جماعة "الواحد نصف الاثنين"؟ طب هو الكل يحكي الواحد نصف الاثنين، صح؟ أنت فهمت الفكرة أنها قضية مشهورة، فسواء كنت من أنصارها أو من خصومها، لا إشكال في أنني قلت بذلك.

نعم، قال: «فهو دليل بكل حال ومن قول كل قائل وحجة من غير مثنوي من غير استثناء». "من غير مثنوي" هي حجة سواء صدر القول من مسلم أو كافر، لا نستثني أحداً، «من غير أن ينظر إلى قائله أم موافق أم مخالف»، ذاك لأن الدلالة ليست في نفس القول وذات الصفة، لأن دلالة الإعجاز ليس لها علاقة بأنه هذا مسلم وهذا كافر، بل إنهم كلهم عرب، وبالتالي كلهم يعرفون قواعد العربية سواء كان مسلماً أو كافراً، بل في مصدرهما، وفي أن أخراجه مخرج الإخبار عن أمر هو كالشيء البادي للعيون، لا يعمى أحد بصره إلا رآه، الكل عارف أن الواحد نصف الاثنين، فالكل عارف أن القرآن معجز.

وإذا رأينا الأحوال والأقوال، الخلاصة بعد أن أخذنا دليل الأحوال ودليل الأقوال من سنن العرب الجاهليين، وإذا رأينا دليل الأحوال والأقوال منهم قد شهدت، قال: «كالذي بان باستسلام للعجز، وعلمهم بالعظيم من الفضل والبائن من المزية، الذي إذا قيس إلى ما يستطيعونه ويقرون عليه في ضروب النظم وأنواع التصرف، فاته الفوت الذي لا ينال، وارتقى إلى حيث لا تطمع إليه الآمال، فقد وجب القطع بأنه معجز».

إذا عرفنا دلائل أحوال العرب التي سبقت ودلائل أقوالهم، عرفنا أن بين القرآن وبين شعرهم ونثرهم تفاوت عظيم باهر، فعرفنا بذلك وقطعنا بأنه معجز عندئذ؛ من أي جهة؟ عدم قدرتهم على الوصول إلى درجة بلاغة القرآن، هذا من لسانهم ومن أحوالهم عرفنا ذاك، لأنه ليس إلا أحد أمرين: فإما أن يكونوا قد علموا المزية التي ذكرنا أنهم علموها على الصحة، وإما أن يكونوا قد توهموها في نظم القرآن وليست هي فيه.

هو يقول لك الآن نحن أمام أحد احتمالين: يا إما كفار قريش علموا المزية التي بها تفوق القرآن على لسانهم، فهم فعلاً عرفوا المزية، هذا الاحتمال الأول، وإما أن يكونوا توهموا أن للقرآن مزية وهم مخطئون في توهمهم، هذا الاحتمال الثاني. طبعاً الثاني خطأ مئة بالمئة؛ هل هم ظنوا أن القرآن له مزية وهو في الواقع ليس له مزية؟ إذاً الاحتمال الأول هو الاحتمال الصحيح أنهم علموا المزية، فلذلك سكتوا، وليس أنهم توهموا المزية في نظم القرآن وهي ليست فيه.

لذلك قال: «ودعوى الثاني من الأمرين سخف». لو قال شخص بالحالة الثانية إنهم توهموا المزية والقرآن لا مزية فيه، لقلنا هذه دعوى سخيفة؛ معقول الوليد بن عتبة وكل هؤلاء توهموا المزية ولا مزية؟ هذا دعوى سخيفة. قال: «فإن ذلك لو ظن بالواحد منهم لا بعد ذلك؛ لأنه لا يتصور أن يتوهم العاقل في نظم كلام جلّ مناه ومنى أصحابه أن يستطيع معارضته، وأن يقدر على إسكات خصمه المباهي به، أنه قد بلغ في المزية هذا المبلغ العظيم غلطاً وسهواً». يعني لا يتصور في إنسان عاقل منا أن يبطل كلاماً معيناً، أن يتوهم أن هذا الكلام له مزية وهي ليست فيه.

فيه هذا غير صحيح، ويكون والله هذا توهماً على جهة الغلط والسهو. فكيف يشمل هذا الغلط كلهم، وهذا من واحد منهم؟ فما بالك أنه كل كفار قريش! معقول توهموا، ولا هم حقيقة كانوا يعرفون المزية وليس وهماً؟

أي عقل يرضى من صاحبه بأن يتوهم عليه مثل هذا؟ هذا من الغلط. وهم إذا ذاقوا الكلام عرفوا قائله من قبل أن يُذكر به. كفار قريش والعرب الأوائل، أي هم، بقول لك من الريحة، الكلام يعرفون من قائله. بمجرد ما يسمع بيت، يقول لك هذا فيه خطأ، وبمجرد ما يسمع نثراً يقول لك هذا لحن. هم يعرفون الكلام بمجرد أن يسمعوه، يعرفون قيمته وتميزه وعدم تميزه، ورديئه شعراً أو نثراً. فمع أنهم توهموا تميز القرآن وهو ليس متميزاً حقيقة، وكان توهمهم على وجه الغلط.

ولماذا يقول هذا؟ لأنه بعض الملحدين في زمن الجرجاني كان يقول هكذا؛ كان يقول إن قريشاً توهموا أن القرآن معجز وهو ليس كذلك. قال: ويسمع أحدهم البيت قد استرف الشاعر فأدخله في أثناء شعر، فيعرف موضعه. "استرف" يعني استعان به وينبه عليه، كما قال الفرزدق لذي الرمة: «أهذا شعرك أم شعر لاهٍ منك إلى...». فالفرزدق كان يقول لذي الرمة: والله هذا البيت ليس من شعرك، هذا شعر واحد أكبر سناً منك وأعلم منك.

انظر إلى درجات دقيق المعرفة؛ العرب كانوا يعرفون متى هذا الشاعر قال شعراً عن نفسه، ومتى أدخل شعراً من شعر غيره من خلال معرفتهم بأسلوبه. عندما أرى شاعراً معيناً أسلوبه كذا، وأرى بيتاً من أبيات قصيدته خلاف أسلوبه المتكرر، أعرف أنه أدخل بيتاً واستعان ببيت من قصيدة أخرى. شوف العرب وين درجاتهم العالية، يسمع قصيدة كاملة ويقول: هذا البيت في القصيدة ليس لك. كيف عرف؟ لأنه خبير. وصلوا إلى هذه الدرجة العالية من الدراية، فمعقول لم يعرفوا تميز القرآن على لغتهم؟ هذه دعوة سخيفة.

قال: وإذا لم يصح الغلط عليهم، ولم يجوز أن يدعى أنه كان معهم في زمانهم من كان بالأمر أعلم وبالذي وقع التحدي إليه، أقوم، فقد زالت الشبهة في كونه معجزاً له. وإن قالوا فإنها هنا أمر آخر، وهو ما علمنا من تقديمهم شعراء الجاهلية على أنفسهم، وإقرارهم لهم بالفضل، وإجماعهم على أن امرأ القيس وزهير والنابغة والأعشى أنهم أشعر العرب. وإذا كان ذلك كذلك، فمن أين لنا أن نعلم أنهم لم يكونوا بحيث لو تحدوا إلى معارضة القرآن لقاموا بها واستطاعوا؟

الآن هذه شبهة أخرى يطرحها البعض؛ ماذا يقول؟ يقول: كفار قريش كانوا هم عاجزين عن تحدي القرآن، ممكن، لكن لو عُرض القرآن على الشعراء الجاهليين الأوائل، مثل امرئ القيس وزهير، هؤلاء كانوا قبل النبي ﷺ بمئات السنين، فيقول هذا الملحد: القرآن ليس معجزاً، كفار قريش لغتهم كانت ضعيفة، ولو عُرض القرآن على امرئ القيس وشعراء المعلقات لاستطاعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن.

كيف نجيب عن هذا الكلام؟ قال: قيل لهم هذا الفصل على ما فيه لا يقدح في موضع الحجة، وذلك أنهم كانوا كما لا يخفى يرمون أشعر الجاهليين وخطبائهم ويعرفون مقاديرهم في الفصاحة معرفة من لا تشكل عليه جهات الفضل عليه. فيقول لهم الجرجاني: هذه سهلة الإجابة عنها أيها الملحدون. الآن كفار قريش، هل كانوا يعرفون شعر امرئ القيس والشعراء الأوائل؟ كانوا يعرفون، كانوا يروونه. هل سمعنا أحداً من كفار قريش قال: يا محمد ﷺ، ترى مستوى القرآن مستوى كلام امرئ القيس؟ لا، لم يقولوا: نحن كفار قريش لا نستطيع، ولكن لو كنت في زمن امرئ القيس لاستطعت أن تتكلم بمثل كلامك.

باختصار، أنت كأنك تستعلي علينا نحن جماعة قريش المساكين، ولكن لو كنت في زمان امرئ القيس، نحن نعرف شعر امرئ القيس ونعرف شعر زهير، لاستطاعوا أن يواجهوا ويأتوا بمثل هذا القرآن. هل سمعتم أحداً من كفار قريش تكلم بهذا النفس؟ إذاً كل هذه الدعوة التي تقولونها يا ملحدون بأن الجاهليين الأوائل قبل الإسلام كانوا قادرين على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، كفار قريش كانوا يعرفون كلام الجاهلية ولم يزعموا أن أحداً من الجاهليين الأوائل يستطيع أن يأتي بمثل القرآن.

قال: فلو كانوا يرون فيما رووا وحفظوا مزية على القرآن، أو رأوه قريباً منه، أو بحيث يجوز أن يُعرض بمثله، أو يقع لهم إذا قاسوا أو وازنوا أن هذا الذي تحدي به لو تحدي إليه من قبلهم لاستطاعوا أن يأتوا بمثله، لكانوا يدعون ذلك ويذكرونه، ولو ذكروه لذكر عنهم لنُقل. يعني لنُقل أن واحداً من كفار قريش قال: يا محمد ﷺ، امرؤ القيس يستطيع أن يأتي مثل القرآن، لم يُنقل هذا لنا.

قال: ومحال إذا رجعنا إلى أنفسنا واستشفعنا ونظمنا، ثم يتلى عليهم: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: 88]. شوف ربنا ماذا قال لكفار قريش: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ﴾. فكل هذا لم يستطيعوا مواجهة هذه الآية إلا بالصمت. لو كان امرؤ القيس يقدر على أن يأتي مثل القرآن، لماذا قال كفار قريش -والله هذه الآية غير صحيحة-؟ كيف؟ لأن اجتمعت الإنس والجن لا يستطيعون الإتيان بمثله، لحال امرئ القيس يستطيع أن يأتي بمثله، نحن مساكين ولكن امرأ القيس لا أحد تكلم بهذا الأسلوب.

يقول الجرجاني: مما يدل على أن قريشاً كانت تعرف أن حتى امرأ القيس وحتى زهير وأفخم الشعراء الذين قبلهم لا يستطيعون أن يأتوا مثل القرآن. قال: ولا يقولون لقد روينا لمن تقدم ما علمت وعلمنا أنه لا يقصر عما أتيت به. فمن أين استجزم؟ كان هذا حالهم في مواجهة النبي ﷺ. فإذا كان من المعلوم ضرورة أنهم لم يقولوا ذلك، ولا رأوا أن يقولوه، ولا على سبيل الدفع والتلبيس، يعني حتى ما فكروا، وكفار قريش ما فكروا أن يردوا على الآية مجرد تفكير، لعلمهم بضعفهم وعجزهم عن مواجهة القرآن.

بل كانوا بين أمرين: إما أن يخبروا عن أنفسهم بالعجز والقصور، وذلك حين يخلو بعضهم ببعض، كفار قريش كانوا هكذا، إذا خلا بعضهم ببعض يعترفون بعجزهم وقصورهم عن الإتيان بمثل القرآن، ولكن ما يصرحون بهذا في...

المجالس العامة حتى لا يؤخذ ذلك عليهم. قال: «وذلك حين يخلو بعضهم ببعض»، وكان الحال حال تصادق، يعني ماذا تصادق؟ اعتراف في حال صدق وإقرار.

وأما أن يتعلق بما لا يتعلق به إلا من أعوزه الحيلة ومن فل بالحجة من نسبته إلى سحر؛ تارة قال: «وأما أن يتعلق»، وإذا كانوا في العلن ماذا يقولون؟ يقول: هذا ساحر، هذا مجنون، هذا كاهن. هذا كان حال كفار قريش باختصار؛ إذا جلسوا في مجالسهم الخاصة قالوا: والله هذا الكلام معجز، وإذا خرجوا أمام الناس ماذا يقولون؟ ثم نكسوا على رؤوسهم قالوا: لا، هذا مجرد سحر أو مجرد شعر. لكن لم يستطع أحد أن يقول إنه يستطيع أن يأتي بمثل القرآن، أو أن حتى من سبقنا كانوا يستطيعون أن يأتوا بمثل القرآن لم ينقل هذا عن رجل منهم.

قال: وإلى أنه مأخوذ من فلان وفلان، ويسمون أقوامًا مجهولين لا يعرفون بعلم، ولا يظن بهم أن عندهم علمًا، ليس عند غيرهم؛ ثبت أنهم قد كانوا علموا أن صُورَة أولئك الأوائل صُورتهم، فكفار الأوائل كامرئ القيس، والكفار الأوائل كصُورته، يعني ما في فرق، هم عاجزون ونحن عاجزون. وإن تقديرًا فيهم أنهم لو كانوا في زمان النبي ﷺ ثم تحدوا بمعارضته لكانوا في مثل حال هؤلاء الكائنين في زمانهم.

وإذا كان هذا هكذا فقد انتفى الشك، وإذا كانت القضية بهذا الشكل فقد انتفى الشك وحصل اليقين الذي تسكن معه النفس ويطمئن عنده القلب، أنه معجز ناقض للعادة، وأنه في معنى «قل بالعصا حية»، يعني أن القرآن معجز مثل معجزة موسى كيف انقلبت العصا حية، كذلك القرآن معجز على نفس المستوى لا يمكن أن يأتي أحد بمثله.

قال: «وإحياء الموتى في ظهور الحجة به على الخلق كافة، وبأن قد سعد المؤمنون وخسر المبطلون». والحمد لله رب العالمين على أن هدانا لدينه، وأنار قلوبنا ببرهانه ودليله، وإياه جل وعزًا نسأل التثبيت على ما هدى له، وإتمام النعمة بإدام ما خوله بفضله ومنه.

قال رحمه الله: «فصل، واعلم أنها هنا باب من التلبيس، أن تجده يدور في أنفس قوم من الأشقياء وتراهم يؤمنون»، يقصد الملاحدة في زمنه، تجدهم يؤمنون إليه، يعني يشيرون إليه، هنا شبهة آثارها أيضًا على بعض الملاحدة حول إعجاز القرآن. قال: «وتراهم يؤمنون إليه ويهمز به ويستهين الغر الغبي بذكره»، يعني شبهة لا تنطوي إلا على غر غبي ممكن يتقبلها.

قال: «وهو قولهم قد جرت العادة بأن يبقى في الزمان من يفوت أهله حتى يسلموا له، وحتى لا يطمع أحد في مدانته، وحتى لا يقع الإجماع منهم أن الفرد الذي لا ينازع». ثم يذكرون امرأ القيس والشعراء الذين قدموا على من كان معهم في أعصارهم، ماذا يقولون؟ يقولون: محمد ﷺ هو مجرد إنسان تميز في عصره وليس ما أتى به معجزة، ففي كل عصر هناك إنسان يتميز عن أهل زمانه؛ يعني مثلا في عصر الجاهلية كان أشعر امرئ القيس، هو إنسان تميز، لكن هل يقول أحد إن كلام امرئ القيس معجزة؟ لا. فكذلك محمد ﷺ هو مجرد إنسان تميز على أهل عصره، لكن كلامه ليس معجزة، شبهة رديئة لكن هكذا قال البعض، يعني في كل زمان هناك مجددون، وليس إعجازًا.

الآن سيجيب عنها الجرجاني، قال: «وربما ذكروا الجاحظ»، وكل مذكور بأن، مثلا البعض يقول لك: الجاحظ كان فارس زمانه في البلاغة، إذا محمد ﷺ كان فارس زمانه في البلاغة وخلصنا، يعني ما في داعٍ ندعي الإعجاز ونكبر الموضوع، هكذا وجهة نظر الملاحدة في زمنهم. قال: «وكل مذكور بأنه كان أفضل من كان في عصره، ولهم في هذا الباب خبط وتخليط لا إلى غاية»، وهي نفس ما نفذ الشيطان فيهم، وإنما أوتوا من سوء تدبرهم لما يسمعون. هؤلاء الذين أثاروا هذه الشبهة هم قوم لا يركزون في الكلام وتسرع إلى الاعتراض قبل تمام العلم بالدليل.

وذلك أن الشرط في المزية الناقضة للعادة -والمزية الناقضة للعادة هي المعجزة لأن المعجزة هي نقض للعادة، خرق للعادة- أن يبلغ الأمر فيها إلى حيث يبهر ويقهر. الأصل في المعجزة أن يبلغ الأمر فيها مبلغًا بحيث يبهر ويقهر، بحيث لا يستطيع أحد أن يواجه أبدًا. قال: «حتى تنقطع الأطماع عن المعارضة وتخرس الألسن عن دعوى المدان».

صحيح، إذاً هذه طبيعة المعجزة أنه لا أحد يفكر أن يدانيها، لا أحد يفكر أنه يستطيع أن يأتي بمثلها، هي قاهرة مخرة للمعارضين، وحتى لا تحدث نفس صاحبها بأن يتصدى، ولا يجول في خلده أن الإتيان بمثله ممكن، وحتى يكون يأسهم منه وإحساسهم بالعجز منه في بعضه مثل ذلك في كله، يأسهم في الإتيان ببعض القرآن كيأسوا من الإتيان بكل القرآن، هم يائسون حتى من سورة واحدة أن يأتوا بمثلها، عجز تام، هذه طبيعة المعجزة.

ما الفرق إذن بين المعجزة والتميز؟ هذا باختصار، من فاهم ماذا يريد الجرجاني أن يقول؟ ما الفرق بين أن يكون الشخص أتى بمعجزة وبين أن يكون أتى بشيء مميز فقط؟ التميز ممكن شيء بسيط مشترك فيه، أما المعجزة فما من أي شيء منها. التميز يا إخواني ممكن شخص يحاول أن ينافس ذلك المتميز، أما المعجزة فلا يوجد شخص نافسه ولا يفكر أحد بنفسه.

أحسنت، إذاً الفرق بين الشخص المتميز في زمنه وبين الشخص الذي يأتي بمعجزة، أن المعجز لا أحد أصلًا يستطيع أن يدانيه ولا يدعي أنه ينافس، أما الشخص المتميز تجد من ينافسه وإن كان هو فعليًا لا يصل إليه. لذلك امرؤ القيس، هل وجد من ينافسه؟ نعم.

وسيأتي الآن بهذه البينة، قال: «وليت شعري، من هذا الذي سلم لهم؟ إنه كان في وقت من الأوقات، من بلغ أمره في المزية وفي العلو على أهل زمنه هذا المبلغ، وانتهى إلى هذا الحد أن قيل امرؤ القيس فقد كان في وقته من يباريه ويماثله». لنرى امرأ القيس، هل كان متميزًا تميز أهل زمانه؟ لنرى، فقد كان في وقته من يباريه، يعني يحاول أن يغلبه، بل لا.

يتحاشى من أن يدعي الفضل عليه، بل خصوم امرئ القيس كانوا يقولون: «نحن أقوى من امرئ القيس»، خصومه كانوا يقولون: «نحن أشعر منه». هل أحد جاء إلى النبي ﷺ فقالوا: «نحن أبلغ منه»؟ لا، أما امرؤ القيس فلديه عشرات الشعراء ادعوا أنهم أبلغ منه. إذاً نعم، امرؤ القيس متميز لكنه ليس معجزًا، وأما محمد ﷺ فهو معجز.

لقد عرفنا حديث علقمة الفحل، علقمة الفحل أحد الشعراء الذين نافسوا امرأ القيس، بل حُكم أنه أشعر منه؛ البعض حكم أن علقمة الفحل أشعر من امرئ القيس. وإنه لما قال امرؤ القيس -وقد تناشد أيهما أشعر- قال: «أنا غير مكترثٍ حقّه»، مبكٍ قوية، قال لي امرؤ القيس: «أنا أشعر منك»، يعني تحدٍ. قال: غير مكترث ولا مبالٍ، حتى قال امرؤ القيس: «فقل وانعت فرسك وناقتك»، وأقول: «وانعت فرسي وناقتك». قال امرؤ القيس: شو، نتحدى بعضنا؟ أنت تنعت فرسك بشعر وأنا أنعت فرسي بشعر ونشوف أي الشعرين أقوى. فقال علقمة: «إني فاعل، والحكم بيني وبينك المرأة»، يعني زوجتك التي تختبئ خلف الخيمة، قال: «زوجتك تحكم بيننا». قال: يعني أم جندب بن امرئ القيس. فقال امرؤ القيس:

«خليلي مر بي على أم جندبٍ ... نقضت لبانات الفؤاد المعذبة»

طبعًا هو لم يأتِ بالبيتين، هي البيتين في الحاشية. ما البيت الذي قاله امرؤ القيس في مدح الفرس؟ وما البيت الذي قاله علقمة في مدح الفرس؟ وزوجة امرئ القيس يعني قلبت عليه، للأسف حكمت لعلقمة الفحل أنه أشعر من امرئ القيس. وقال علقمة:

«ذهبت من الهجران في كل مذهبٍ ... ولم يكُ حقاً كل هذا التجنبِ»

اقرأوا البيتين، ما نريد الفائدة تحت، وتحكم إلى المرأة ففضلت علقمة، قالت علقمة أشعر من امرئ القيس.

تفضل في سيارة مشايخ مع الشيخ عبد الرحمن... لا الصوت ليس شغالًا. سيارة إيش هي؟ بريوس سوداء موديل 19، إخواني لا تشغلنا مع أهل المجمع. بريوس سوداء 19، ذكورًا أو إناثًا، ممكن تكون أخًا أو يمكن تكون أختًا، الله يكرمك. طيب، بسم الله، يلا خلاص لقينا الأخ، بسم الله، تساهم معه، بسم الله. اقرأ كمل كمل.

قال: وجرى بين امرئ القيس والحارث اليشكري في تتميم انصاف الأبيات، التي أولها نفس الشيء؛ حصلت منافسة بين امرئ القيس والحارث اليشكري في تتميم انصاف الأبيات، هي طريقة في التنافس عندهم؛ أنا أعطي نصف البيت، أنت لازم تكمل الشطر الثاني، أنا أعطي شطرًا أنت تعطي شطرًا، هذه كانت من المنافسات التي تدل على قوة الشاعر. قال: «أحارِ أريكَ برقًا هبَّ وهناً ... كأنه مَجوسٌ تستعرُ استعارةً». حتى قالوا امرؤ القيس حتى قال... حتى قال امرؤ القيس لا أتنك بعد هذا. يعني هذا الحادث، اليشكري أثبت ماذا؟ تميزه على امرئ القيس في هذا. إذاً حتى الأشخاص المميزون هو مميز في الجملة، لكن لا يمنع هذا من أن ينجح عليه بعض الأشخاص في بعض اللحظات.

الآن مثلاً أقول لك: من أكبر عداء في واقعنا المعاصر الذي ما شاء الله في الماراثونات تجده يجري؟ هو متميز، لكن هل يعني هذا أنه لا يمكن أن يُسبق؟ ممكن في يوم من الأيام يطلع شخص يسبقه. مين أكبر إنسان ملاكم؟ الملاكم الذي لا يقهر، مهما كان متميزًا يعني يطلع له واحد من تحت، وأي واحد متميز في عصره يمكن أن يغلب أو يمكن أن ينافس. أما محمد ﷺ فلم يقم أحد لمنافسته.

قال: ثم وجدنا الأخبار تدل على خلاف لم يزل بين الناس فيه وفي غيره، أي أشعر؟ وفي أي لم يستقر أمر في تقديمه قرارًا يرفع الشك. رووا أن أمير المؤمنين أصلاً الناس مختلفون، هل فعلاً امرؤ القيس هو أشعر أهل زمانه؟ عمر بن الخطاب كان يرى أن زهير بن أبي سلمى أقوى شعرًا من امرئ القيس. حتى من هو المتميز في خلاف ذلك؟ حتى في واقعنا المعاصر كثير من الناس الذين يقول الجمهور عنهم متميزون، يطلع مجموعة من الناس يقولون إنهم ليسوا كذلك، بل نحن شايفين فلان متميز أكثر منه. ممكن حتى المجددون؛ تجد المعتزلة عندهم مجدد، وأهل الحديث عندهم مجدد، والشيعة عندهم مجدد، ليسوا متفقين حتى على مجدد واحد.

قال: رووا أن أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه كان يفطر الناس في شهر رمضان، فإذا فرغ من العشاء تكلم فأقل وأوجز فأبلغ. قال: فاختصم الناس ليلة في أشعر الناس حتى ارتفعت أصواتهم، فقال رضي الله عنه لأبي الأسود الدؤلي: «قل يا أبا الأسود، علي بن أبي طالب»، قال: يا أبا الأسود، من أشعر الناس؟ فقال أبو الأسود الدؤلي -وكان يتعصب لأبي دؤاد- قال أبو الأسود الدؤلي: كان يرى أن أشعر الجاهليين شاعر اسمه أبو دؤاد الإيادي، كان يرى أن هذا أبو دؤاد الإيادي أفخم من امرئ القيس. لاحظ إذاً، هل امرؤ القيس شخصية متفق على تميزها؟ لا.

فقال: أشعرهم الذي يقول:

«ولقد أغتدي يدافع ركني ... أحوي ذو ميعه أدرج مخلط»

«مزيل مكر مفر منفحم ... طرح سبوح خروج ويصف فرسه»

«سلهب شرجب كان رماحًا ... حملته وفي السرات دمو دمج»

وهذا شعر أبي دؤاد الإيادي. فأقبل أمير المؤمنين رضي الله عنه على الناس فقال -شوف كلام علي بن أبي طالب في تقييم الشعراء، شوف ماذا يقول-: «كل شعراءكم محسن، ولو جمعهم زمان واحد وغاية مذهب واحد في القول لعلمنا أيهم أسبق».

علي رضي الله عنه كان عن وجهة نظر أنه صعب نفاضل بين الشعراء كثيرًا. قال: لو كانوا في حقبة واحدة، لأن أبو دؤاد الإيادي كان قبل امرئ القيس في الزمن، فيقول علي: لو كان الشعراء في حقبة واحدة لكان استطعنا أن نميز بينهم، لكن كلهم محسنون من حيث الأداء ومختلفون في الأزمنة، فصعب أن نحكم على تميز واحد معين.

قال: «وكلهم قد أصاب الذي أراد وأحسن فيه، وإن يكن أحدهم أفضل فالذي لم يقل رغبة ولا رهبة». امرؤ القيس ابن حجر، إذاً علي رضي الله عنه رأيه أنه من أشعر الشعراء، وأبو الأسود رأيه من؟ أبو دؤاد الإيادي. اختلاف.

قال: «كان أصحه بادراً وأجوده نادراً». ما معنى أنه لم يقل رغبة ولا رهبة؟ امرؤ القيس عندما يكون يقول شعرًا يقوله من قلبه، لا يقوله طلبًا لمال من السلطان ولا خوفًا من أحد، يقوله فقط لأنه يريد أن يقول، دلالة قوته الشعرية بخلاف...

قالوا عن ابن عباس إنه سأل الحطيئة: «من أشعر الناس؟»، فقال: «أم من الماضين أم من الباقين؟»، أي: أتريد من الشعراء الأوائل أو من الشعراء الحاضرين؟ فقال: «إذاً من الماضين».

ابن عباس سأله عن الماضي طبعاً، والحطيئة شاعر معروف، فقال الحطيئة: «أشعر الشعراء هو الذي يقول: ﴿وَمَنْ يَجْعَلِ الْمَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ يَفِرْهُ * وَمَنْ لَا يَتَّقِ الشَّتْمَ لَمْ يُشَمْ﴾». هذا شعر زهير، أحسنتم، هذا رأي الحطيئة أن زهير أشعر.

قال: وما الذي يقول: «ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمه على شعثٍ»، أي: أي الرجال المهذب؟ قال: بدون ذلك، يعني يقول الحطيئة، ولا أرى -وطبعاً هذا الشعر للنابغة الذبياني- فيقول الحطيئة بعد ذلك: «ولا أرى أن النابغة الذبياني بأقل مرتبة من زهير»، إلا أن النابغة كان يأكل بشعره، كما يقولون، أي يأخذ من الملوك أموالاً مقابل القصائد.

قال: وإن كان لي وجهة نظر في هذا، ولكن الضراعة أفسدته، أي التوسل للملوك أن يعطوه أموالاً، كما أفسدت جروه، أي نفسه، بسببه يشتم نفسه ويرى أنه أفسدته بأنه يطوف على الملوك يطلب منهم أموالاً مقابل قصائده.

قال: «والله يا ابن عباس لولا الجشع والطمع لكنت أشعر الماضين». شوفوا ماذا يقول الحطيئة عن نفسه: «لولا أني إنسان جشع وطماع لكنت أحسن الناس»، وهو واضح مع نفسه، قال: «لولا الجشع والطمع الذي فيّ لكنت أشعر حتى من امرئ القيس»، أما الباقون فلا أشك أني أشعر، أما المعاصرون في زماني فلا أشك أني أشطر واحد فيهم، واضح أن الرجل مأخذ راحته.

وقالوا: كان الأوائل لا يفضلون على زهير أحداً في شعر، ويقولون: «قد ظلمه حقه من جعله كالناضجين»، وعامة أهل الحجاز يرون أن زهير أفضل الشعراء. وعن ابن عباس أنه قال: سمرت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات ليلة، فقال: «أنشدني لأشعر الشعراء»، فعمر يقول لابن عباس: أنشدني لأشعر الشعراء في وجهة نظرك، فقلت: «ومن شاعر الشعراء؟»، قال: «زهير»، إذاً عمر يرى أن من أشعر الناس أيضاً زهير.

قلت: يا أمير المؤمنين، ولماذا هو شاعر الشعراء؟ قال: «لأنه لا يتتبع وحشي الكلام في شعره، ولا يعالج بكلمات غريبة وحشية في شعره، وتجد كلامه متناسقاً عذباً، ولا يعاظل بين القول». هذه أمور نحن نريد خلاصتها لذلك لا أعلق على كل التفاصيل.

وروي عن أبي عبيدة أنه قال: «أشعر الناس ثلاثة: امرؤ القيس بن حجر، وزهير بن أبي سلمى، والنابغة الذبياني»، ثم اختلفوا فيهم. فزورت لك لصاحبه أخباراً رفعوها إلى رسول الله ﷺ، من هؤلاء الثلاثة شاعر يمني؟ امرؤ القيس؛ لأنه من قبيلة كندة، فأهل اليمن وضعوا أحاديث مكذوبة إلى النبي ﷺ فيها تفضيل امرئ القيس لكي يضبطوا من هو شاعرهم، وقالوا إن النبي ﷺ قال: «امرؤ القيس أشعر الشعراء وقائدهم إلى النار»، كل هذه الأحاديث مكذوبة لتفضيل شاعرهم.

وروي عن يحيى بن سليمان الكاتب أنه قال: بعثني المنصور إلى حماد الراوية، لكي أسأله عن أشعر الناس، وحماد الراوية هذا الذي جمع المعلقات في زمن أبي جعفر المنصور، فأتيته وقلت: إن أمير المؤمنين يسألك عن أشعر الناس، فقال: «ذاك الأعشى صانع جها»، أي أن حماد الراوية كان يرى الأعشى المرقِّط هو أشعر الشعراء.

فقد علمنا أن امرأ القيس كان أشعرهم عندهم، وأن تفضيل غيره عليه إنما كان على سبيل المبالغة وعلى جهة الاستحسان لشيء يتمثل به في الوقت ويقع في النفس، وما أشبه ذلك من الأسباب التي يُعطى بها الشاعر أكثر مما يستحق. هو يرى الجرجاني في النهاية أن عموماً امرأ القيس كان هو الفضل، وأن تفضيل غيره عليه إنما كان لشيء من الاستحسان الشخصي في بعض الأشعار وليس كقاعدة عامة، فبشكل عام امرؤ القيس هو الأكثر فحولة.

أليس فيه أنه مما لا يبعد في القياس، وأنه مما يتسع له الاحتمال، وأنه ليس بالقول الذي يُعاب؟ الخلاصة: هل في عيب أن أحد يدعي أن شاعراً أفضل من امرئ القيس؟ لا، هذا يدل على أن المتميز يمكن أن يُدعى أن هناك من هو أفضل منه، لكن في القرآن لا يوجد أحد من العرب ادعى أن هناك ما هو أفضل من القرآن.

والحكم الذي يزري بصاحبه، وأن فضله عليهم لم يكن بالفضل الذي يمنع أن يكونوا أكفاء له ونظراء، يسوغ للواحد منهم ويسوغ لنفسه دعوى مساواته وتصدي مباراته. وفي هذا حاجة المنصور إلى أن يسأل عن أشعر الشعراء وقد مضى الدهر بعد الدهر، مما يدل على أن القضية قضية خلافية تقبل الاجتهاد، وإلا لو كانت قضية محسومة لما سأل ولما بحث من الأدباء المعروفين.

دليل على أن لم يكن الذي روي من تفضيله قولاً مجمعاً عليه من أصله، وأنه كان رأياً يراه قوم وينكره آخرون، وأن الصورة كانت كصورة جرير والفرزدق؛ كيف اختلف الناس في جرير والفرزدق أيهما أشعر؟ وكذلك اختلفوا هل امرؤ القيس أشعر من علقمة أو من أبي ذؤيب؟

ذلك أنه لو كان القول بأنه أشعر الناس قولاً صدر من مصدر الإجماع في أوله، وحكماً أطبق عليه الكافة حين حكم به حتى لم يوجد مخالف، ثم استمر كذلك إلى زمن المنصور، لكان محالاً أن يخفى عليه حتى يحتاج فيه إلى سؤال حماد، تخيل إلى زمان المنصور وهم ما زالوا يناقشون أي شعراء الجاهليين أقوى، مما يدل على أن المسألة هي من البداية مسألة ليست اتفاقية.

وكان يكون كذلك بعيداً من حماد أن يبعث إليه مثل المنصور في هيبته وسلطانه ودقة نظره وشدة مؤاخذته، يسأله فيجاز له في الجواب ويقول: «لم يقله أحد»، ثم يطلق. وذا كثير، مثلاً يأتيك شخص اليوم يقول لك: «من أعلم أهل الأرض؟»، وهذا سؤال يعني من أعلم أهل الأرض؟

وهذا أقول لك شيخ، جماعتي كل واحد بصدر شيخ جماعته أعلم، أهل الأرض وبيصير يذم الطرف الآخر. الآن حتى تفهم أنه قضية أنه هناك شخص متميز لا أحد ينافسه، هذه ما هي موجودة، وأن إطباق الناس شرقًا وغربًا على شخص ولا ينافسه فيها نوع من الدلالة على الإعجاز؛ لذلك لم تحصل هذه إلا في حق الأنبياء.

ثم يطلقه إطلاق الشيء الموثوق بصحته المتقدم في شهرته، فتدبر ذلك. ويزيد أمرًا بيانًا، أنا رأيناهم حين طبقوا الشعراء؛ لما كتبوا في طبقات الشعراء مثل ابن سلام الجمحي، وضع طبقات للشعراء، ووضعوا في الطبقة الأولى امرأ القيس وحده، لا وضع امرأ القيس بجانب زهير والنابغة والأعشى، قال: هذول طبقة واحدة.

قال: فاعلم بذلك أنهم أكفاء ونظرًا، أن هذول متناظرين وليسوا متفاوتين كثيرًا، وإن فضلًا إن كان لواحد منهم فليس بالذي يئس الباقين عنه. يعني لو قلنا إن امرأ القيس أعلى من الثلاثة الباقين، بس هم متقاربون نوعًا ما، ومن يستطيعون التعلق به والجري في ميدانه، ويمنعهم أن يدعوا لأنفسهم أو يدعى لهم أنهم ساؤوه في كثير مما قالوه أو دنوا منه، وأنهم جروا إلى غايته أو كادوا.

وإذا كان هذا صورة الأمر، كان من العمل تعلق به، ومن الخسار الوقوع في الشبهة بسببه. في النهاية يقول لك: إذا من العمى أن تقارن بين محمد ﷺ وبين امرئ القيس، فتقول كل شخص متميز في زمنه ذاك تميز، أما تميز محمد ﷺ فتميز قهر وبهر.

قال وطريقة أخرى في ذلك، وتقرير له على ترتيب آخر، وهي إجابة أخرى عن هذه الشبهة، وهو أن الفضل يجب والتقديم إما لمعنى غريب؛ أن الفضل والتقديم لشخص على غيره من الناس يجب بسبب ماذا؟ قال: إما لمعنى غريب يسبق إليه الشاعر فيستخرج أو يستعير بديعة يفطن لها، أو لطريقة في النظم يخترعها. ومعلوم ما أسباب التفضيل بين الشعراء؛ قال: إما لمعنى غريب أتى به شاعر وسبق غيره إليه، أو استعارة بعيدة تفطن لها، أو لطريقة من النظم اخترعها شاعر لم توجد عند غيره، هذه أسباب التفاضل بين الشعراء.

قال ومعلوم أن المعول عليه في دليل الإعجاز على النظم ليس معنى معينًا استخرجه أو كلمة معينة سبق غيره إليها، ما المعول على إعجاز القرآن؟ نظم القرآن من ألفه إلى يائه كله في أعلى، تكلم عن آية واحدة لفت الانتباه أو آية واحدة مميزة فقط، كله مميز، كله في أعلى درجات الإتقان، إذا هذا يختلف عن طريقة تفاضل الشعراء.

قال ومعلوم كذلك أن ليس الدليل في المجيء بنظم لم يوجد من قبل فقط، بل في ذلك مضمومًا إلى أن يبين ذلك النظم من سائر ما عرف ويعرف؛ ليس إعجاز القرآن أنه جاء بنظم لم يوجد قبله فقط، بل هناك قضية أخرى وهي أن هذا النظم يبين، ينفصل ويبتعد عن سائر أنظمة العرب -والمراد بالنظم أسلوب الكلام- عن سائر أساليبهم بينونة شاسعة.

قال وما يعرف أهل العصر من أنفسهم أنهم يستطيعونه، البينونة التي لا يعرض معها شك لواحد منهم أنه لا يستطيعه ولا يهتدي إليه. لكن كيف جاء هذا النظم بهذه الطريقة من ألفه إلى يائه، من البقرة إلى الناس، لا خلل، لا إشكال، لا توجد آية أضعف من آية، كل كلمة في مكانها، هذا التماسك في النظم هو الذي أبهرهم، حتى يكون في استشعار اليأس من أن يقدروا على مثله، وما يجري مجرى المثل، حتى وإن يدانوه.

قال: وحتى كانت قلوبهم في ذلك قد أفرغت في قالب واحد، ولاحظ أن الجميع متفق على نفس الكلمة، كان قلوبهم في قالب واحد؛ أي أن الجميع متفق على أننا لا نستطيع أن نواجه. بخلاف امرئ القيس، هل الجميع اتفق في قالب واحد على عدم القدرة على المواجهة؟ لا، هم متفاوتون؛ البعض قال أستطيع أن أواجه امرأ القيس، أما القرآن فما أحد استطاع المواجهة. طبعًا لا تقول لمسيلمة الكذاب وقصص هذه التافهة، لأن مسيلمة كان يعرف نفسه أنه كذاب، لذلك سمي مسيلمة الكذاب، كان يحاول أن يحاكي القرآن في "الفيل والميل"، هذه ليست محاكاة، هو يعرف نفسه أنه يستغفل قومًا استخف قومه فأطاعوه.

قال وإذا كان الأمر كذلك، لم يصح لهم تعلق بشأن امرئ القيس حتى يدعوا أنه سبق إلى نظم بأن من كل نظم عرف لمن قبله ولمن كان معه في زمانه، البينونة التي ذكرنا أمرها. فالقرآن بينونه ليست كتميز امرئ القيس على أهل زمانه؛ تميز القرآن تميز شاسع لا يدانى، بخلاف امرئ القيس فإنه فاق بعض الشعراء في بعض المعاني ولو في بعض الأبيات.

وهم إذا فعلوا ذلك ورطوا أنفسهم في أعظم ما يكون من الجهالة، من حيث إنه يفضي بهم إلى أن يدعوا على من كان في زمان النبي ﷺ من الشعراء والبلغاء، قضبة الجهل بمقادير البلاغة والنقصان في علمها، وأن أنفسهم الزيادة عليهم، وأن يكونوا قد استدركوا في نظم امرئ القيس مزية لم تعلمها قريش والعرب قاطبة، وذلك لما مضى آنفًا من أنه محال أن يكون معهم وبين أيديهم نظم يعرفون من حاله أنه مساوٍ في شرف نظم القرآن ثم لا يذكرونه ولا يحتاجون به على النبي ﷺ.

وهم الذين يقولون إن امرأ القيس كان يستطيع أن يأتي بمثل القرآن من الملاحدة، في زمن الجرجاني يقول للجرجاني: إذا أنتم أعرف من العرب بقيمة امرئ القيس، أنتم أعرف من كفار قريش بقيمة امرئ القيس! إن كفار قريش ما قالوا إن امرأ القيس يستطيع أن يتحدى القرآن، فإنتم يا أيها الملاحدة في زمني كيف عرفتم أن القرآن لو عرض على امرئ القيس لاستطاع أن يأتي بمثله؟ إذا أنتم تنادون أن شعراء زمن الإسلام كانوا ضعافًا لدرجة أنهم لم يعرفوا قدرة امرئ القيس على محاكاة القرآن، وأنتم عرفتم ذلك في القرن الرابع أو الخامس الهجري، وهذه دعوة جاهلة.

قال وهو يخبرهم أن الذي أتى به خارج عن طوق البشر ويتجاوز قواهم، ومن يسلم بأمر امرئ القيس زاد في البلاغة.

وشرف النظم على نظم من كان قبله، ما إذا اعتبر كان في مزية قدر القرآن على نظم من كان في عصر النبي ﷺ؟ من أين لهم هذه الدعوة؟ الشيء الذي علموه هم في شيء؟ أصلاً قضية أن امرأ القيس هو أعلم أهل زمانه، من أين لكم هذه الدعوة حتى تواجهوا القرآن بامرئ القيس؟

من قال ومن يسلم بأن امرأ القيس زاد في البلاغة وشرف النظم على نظم من كان قبله من الشعراء، ما إذا اعتبر كان في مزية قدر القرآن؟ البعض يقول إن أسلوب امرئ القيس يستطيع أن يكون مضاهياً لأسلوب القرآن، السؤال: من أين لكم أن امرأ القيس كان متميزاً؟ هذا التميز أصلاً كيف وصلتم إلى هذه المعلومة؟ من أين لهم هذه الدعوة؟ شيء أنتم علمتموه في شعر امرئ القيس لم يعرفه الشعراء في زمن النبوة؟ أيها المتأخرون، هل علمتم شيئاً في شعر امرئ القيس يجعله ينافس القرآن لم يعرفه الشعراء في زمن النبوة؟

قال: أي شيء علموه في شعره بأن لهم عند قياسه إلى شعر من كان قبله كأبي دؤاد؟ هذا كان قبل امرئ القيس، والأوفى والأودي وغيرهما. نعم، الخبر أتاهم فليون مكانه وليس لهم إلى ذلك سبيل، بل قد أتى الخبر بما يجهلهم في هذه الدعوة ويكذبها، وهو الذي تقدم من قول أبي الأسود وتفضيله أبا دؤاد بحضرة أمير المؤمنين.

أؤكد أن امرأ القيس ليس محل اتفاق؛ قصة علي بن أبي طالب السابقة مع أبي الأسود، وأن أبا الأسود يرى أن أبا دؤاد أفضل منه، أو أن أبا دؤاد أفضل منه. وبعد أن قال له: قل يا أبا الأسود، أفيكون -أن يكونوا قد عرفوا لامرئ القيس المزية التي ذكروها وكان فضله على من تقدمه الفضل- أيكون هو الآن؟ لاحظ، هو يخاطب من الملاحدة في زمنه: هل أنتم تعرفون من تفوق امرؤ القيس شيء لم يعرفه الشعراء في زمن النبوة؟

ثم يقول أمير المؤمنين لأبي الأسود: قل بحضرة العرب وبعقد أن يتشاجروا في أشعر الناس، فيؤخر ويقدم أبا دؤاد، ثم لا يسمع نكيراً كالذي يجب في من قال شيئاً الظاهر بطلانه. أبو الأسود الدؤلي قال إن أبا دؤاد أفضل من امرئ القيس، هل أحد أنكر؟ قالوا: استغفر الله يا أبا الأسود كيف قلت إن أبا دؤاد؟ ما أحد اعترض، في النهاية رأيك وممكن يكون صح؛ يعني مسألة امرئ القيس هي أصلاً مسألة اجتهادية، هل هو أفضل أم لا؟ ليست مسألة حتمية قاهرة.

قال: وذهب مذهباً لا مساغ له، وليست تذكر أمثال هذه الزيادة. ويتكلف الجواب عنها أنها تأخذ موضعاً من قلب... ماذا يقول الجرجاني؟ يقول: «وهذه شبهتان فيها سخيفة، وليست تذكر أمثال هذه الزيادة ويتكلف الجواب عن مثل هذه الشبه إلا خشية أن تكون قد دخلت على قلب البعض، ولكن حقيقة لا تستحق كثيراً من الرد؛ قضية المقارنة بين محمد ﷺ في بلاغته وبين امرئ القيس في بلاغته. ولكن الاحتياط بذكر ما يتوهم أن يستروح إليه الغوي ويغالط به؛ فإنما أجبت عن هذه الشبه احتياطاً حتى ما أحد يحاول المقارنة بينهما، وإذا كانت شبهة في أصل الدين كانت كالداء الذي يخشى منه على الروح».

جميل، هذه فائدة، استطراد جميل. شوف ماذا يقول الجرجاني: لما تكون شبهة تتعلق بعقائد الناس، لازم أنت كطالب علم أو داعية تجيب عنها حتى لو أنت تراها شبهة تافهة؛ لأنه يعطيك فائدة عامة، أن طالب العلم المطلوب منه أن يجيب عن جميع الشبه التي تؤثر على عقائد الناس حتى لو أنت تراها شبهة تافهة أو سخيفة، أجب عنها؛ لأنك لا تعرف، فقد تجد إنساناً جاهلاً قد تَعرق هذه الشبهة في قلبه فتفسد إيمانه.

قال: «وإذا كانت الشبهة في أصل الدين كانت كالداء الذي يخشى منه على الروح، ويخاف منه على النفس، فلا يستقل قليله». لا تستقل شبهة تقول هي شبهة قليلة، أجب؛ لأن بعض الناس يحتاج هذا الجواب، ولا يتهاون باليسير منها، ولا يتوهم مكان حركة له إلا استقصى النظر فيه وأعاد الكي على نواحيه.

ماذا يعني هذا الكلام؟ أي مكان أنت تتوهم أنه سيحرك شبهة عليك أن تستقصي النظر في هذه الشبهة وتُعالجها وتكويها كي مرتين وثلاث وأربع، حتى تتأكد أنك أزلت الشبهة من قلب هذا الطالب المبتدئ، ولو كنت أنت تراها بسيطة. لأنه أحياناً ماذا يحصل؟ تقول لبعض العلماء: ترى في شبهة عند الناس كذا وكذا، فيقول يا أخي شبهة تافهة، فيقول: لا شيخ، أنت في وجهة نظرك شبهة تافهة لكنها قد تكون أثرت على فئام من طلاب العلم وأفسدت عليهم دينهم. هذه فائدة جميلة من الجرجاني: لا تستهن بالرد على الشبه.

قال: «وكالحيوان ذي السم يعاد الحجر على رأسه». عندك حية، لو كان عندك حية سامة ماذا تفعل؟ دائماً تبقى ضاغطاً على رأسها حتى تمنع السم من الخروج. قال: «ما دام يرى به حسن وإن وإن والله لي العصمة والمسؤول...».

قال: فاعلم أنهم إذا ذكروا في تعلقهم بالتوابع ومحاولتهم أن يمنعوا من الاستدلال مع تسليم عجز العرب عن معارضة القرآن من تراخى زمانه عن زمان النبي ﷺ. أنت تقرأها هكذا: فاعلم أنهم إذا ذكروا من تراخى زمنه... الآن بعض الملاحدة كانوا أسوأ من بعض الملاحدة السابقين؛ قالوا: شوفوا، يجوز العرب الذين كانوا في زمن النبي ﷺ لغتهم ضعيفة، لكن بعد زمن النبوة نشأ ناس قمة في البلاغة مثل الجاحظ وأمثاله، هؤلاء لو كانوا في زمن النبوة لاستطاعوا أن يأتوا بمثل القرآن.

هؤلاء لسه أسوأ من الجماعة الماضيين؛ الجماعة الماضيون كانوا يقولون إن امرأ القيس كان ممكن ينافس القرآن، هؤلاء جهلهم أولاً من أي جهة؟ من يحكي لي من أي جهة؟ ابتداء جهلهم أنهم لا يعرفون أفضلية العرب السابقين على العرب اللاحقين، فكيف يظن أن امرأ القيس لا ينافس القرآن بينما الجاحظ الذي جاء بعد الإسلام بعد النبوة بثلاثمائة سنة ينافس القرآن؟ قال: هؤلاء لسه أسوأ.

قال: «وكانوا في ذلك أجهل، وكان نقض عليهم أسهل، وذلك أن الشرط في نقد العادة أن يعم الأزمان كلها، وأن يظهر على مدعي البلاغة». وذلك أن الشرط في نقد...

الشرط في المعجزة حتى تسمى معجزة، ما هو إخواني؟ أن تكون هذه المعجزة قاهرة لكل الأزمان. ما يصير نقول إن القرآن معجزة في زمن النبي ﷺ، لكن ليس معجزة فيما بعده.

عصا موسى، هل هي معجزة في زمن موسى وليست معجزة في من بعده؟ معجزة موسى لما سميت معجزة؛ لأنها في كل الأزمان. كذلك القرآن، لا يمكن أن يسمى معجزة إلا إذا كان على طول الأزمان إلى قيام الساعة، وأن يظهر على مدعي النبوة ما لم يستطعه مَلِكٌ قط في أي زمن من الأزمان.

وأما تقدم واحد من أهل العصر على سائرهم، ففي معنى تقدم واحد من أهل مصر على غيره من الأمصار لا فضل في ذلك بين الأمصار. تقدم وتميز شخص في عصر من الأعصار على غيره، هو مثل تقدم شخص في بلد من البلدان على غيره، وكلاهما لا يعني إعجازًا. قال: «لا فضل في ذلك بين الأمصار والأعصار إذا حققت النظر».

إذ ليس بأكثر من أن واحدًا زاد على جماعة معدودين في نوع من الأنواع؛ فكان أعلمهم أو أكتبهم أو أشعرهم أو أحذق في صنعه وأبهر في عمل من الأعمال، وليس ذلك من الإعجاز في شيء. إنما المعجز ما علم أنه فوق قوى البشر وقدرهم إن كان من جنس ما يقع التفاضل فيه من جهة القدر، أو فوق علومهم إن كان من قبيل المعجزة، وأن يكون الشخص يأتي بشيء فوق البشر وقدرهم.

إذا كانت معجزة تتعلق بالقوة، مثل خلق صالح أو إخراج ناقة صالح من الصخر، أو تكون طبيعة المعجزة علمًا فوق علومهم إن كانت المعجزة علمية. وهذا مر معنا قبل قليل؛ أن طبيعة معجزات الأنبياء السابقين معجزات تتعلق بالقدرة والحس، بخلاف معجزة محمد ﷺ، فهي معجزة تتعلق بالعلم والعقل. ولذلك كما قلت، أكثركم هو مش فاهم ليش القرآن معجز بس مامن فيه إيمان؛ هي معجزة ليست حسية، هي معجزة بالعقل، وأنت عقلك في إدراك اللغة ضعيف. بالتالي لما تيجي تقول لي: أنا بدي أفهم إعجاز القرآن، بقول لك: وراك مشوار سيدي، في حافلة طويلة حتى تفهم إعجاز القرآن، بس جزاك الله خير أنك مؤمن به، هذا يكفيني.

وإذا كنا نعلم أن استمداد الجاحظ وأشباه الجاحظ من كلام العرب والبلغاء الذين قدروا الجاحظ وأشكاله، من أين أخذوا بلاغتهم؟ من العرب الأوائل، مشوا على مضمارهم. قال: «وإنهم فجروا لهم ينابيع القول فاستقى منه الذي فجر». العرب الأوائل والجاهلية إنما ينهل فقط، ومثلوا لهم مثلًا في البلاغة فاحتجوا. إذا لم يبلغ شأنهم ما بلغ، ولم يدر لهم من ضرع القول ما در؛ لو أن طباع الجاحظ لم تشرب من ماء العرب الأوائل لما استطاع الجاحظ أن يقول كلمة.

«ولم تغذَّ بجنى»؛ الجاحظ لو لم يأكل من جنى ثمار الأوائل ويتغذى على كلامهم لم يستطع أن يكتب كتابًا. قال: «ولم يكن حالهم في الاكتساب منهم والاستمداد من ثمر قرائحهم»، والحال أن الجاحظ يكتسب من كلام الأوائل ويستمد لغته من ثمار عقول الأوائل. وتشم الذي فاح من روائحهم، ويشم روائحهم الزكية العطرة، روائح الشعر الجاهلي وما شابهه؛ حال النحل التي تغتذي بأريج الأنوار وطيب الأزهار، وتمج مثل النحلة. كيف النحلة بتروح على الأزهار تأخذ منها ثم تخرج عسلاً؟ هكذا الجاحظ أتى لكلام العرب القديم وأشعار العرب القديمة، أخذ منها وأنتج كتبه، فالفضل للأزهار وليس للنحل، هو له فضل النحل بس فضل التطوير، لكن ليس فضل التأسيس.

قال: «وتملا أجوفها من تلك اللطائف، ثم تمج أريًا وتقذف أريًا»، يعني عسلاً وتقذف ماذيًا. إذاً لكان الجاحظ وغير الجاحظ في عداد عامة زمانهم الذين لم يرووا ولم يحفظوا ولم يتتبعوا كلام الأولين من لدن ظهر الشعر وكانت الخطابة إلى وقتهم، ولم يعرفوا إلا ما يتكلم به آباؤهم وإخوانهم ومساكنهم في الدار والمحلات. لولا فضل الله عليه أنه اطلع على كلام العرب، أو كانوا لا يزيدون عليهم إن زادوا إلا بمقدار معلوم.

فمن أعظم الجهل وأشد الغباوة أن يجعل تقدم أحدهم لأهل زمانه من باب نقد العادة، وأن يعده معجزًا. يعني من الجهل أن تظن أن الجاحظ كان معجزة، أو أنه كان يستطيع أن يأتي بمثل القرآن بالإعجاز، هذا جهل. قال: «فمثل هذه الطبقة إذا ما صُدِّر الأول، وقياس هؤلاء الخلف مع أولئك». هذه الطبقة، طبقة المتأخرين من العرب، قياسها مع الصدر الأول، وكذلك هؤلاء الخلف مع السلف، إنما هم كقول الشعراء.

قال ما جرى بين ابن ميادة وعقال؛ قال ابن ميادة: «فجرنا ينابيع الكلام وبحره ... فأصبح فيه ذو الرواية يسبح»

ابن ميادة شاعر يمني، أصوله يمنية، فهو يفخر ويقول: نحن اليمنيون نحن فجرنا ينابيع الكلام. وقال: «وما الشعر إلا شعر قيس وخندف ... سواهم كلام كلف وتملح»

ماذا يقول ابن ميادة؟ الشعر شعر قيس وخندف، وكل شعر غير شعرنا كلام فارغ، كلف وتملح. فماذا رد عليه عقال؟ «ألا أبلغ الرماح نقض مقاله ... بها خطل الرماح»

أو كان يمزح، قال: بلغوا هذا ابن ميادة هذا الشعر عني لأنه أخطأ خطأ كبير. «لقد خرق الحي اليماني قبلهم ... بحور الكلام تستقى وهي طفاح» «وقد علموا من بعدهم فتعلموا ... وهم أعربوا»

إذن ابن ميادة هو ينصر قومه لكن ليسوا يمنيين، اليماني هو عقال لأنه قال: «لقد خرق الحي اليمانيون قبلهم بحور الكلام تستقى وهي طفاح، وقد علموا من بعدهم فتعلموا»، وهم أعربوا هذا الكلام وأوضحوا. فالسابقون الفضل. ابن ميادة يقول لعقال: جماعة قيس وخندف تعلموا علينا وصاروا بعدين شعراء، وأنتم ما عرفتوا الشعر قبل اليمنيين. فهذا حال الجاحظ مع السلف، هكذا هي الفكرة؛ أن حال الجاحظ وهو من المتأخرين.

مع السلف الأوائل من اللغويين أنه عالٍ عليهم، وأنه تعلم على موائدهم ليس أكثر. لذلك جاب الجرجاني هذا البيت هنا: أن حال الجاحظ مع الصدر الأول كحال قبائل قيس وخندق مع الشعراء الأوائل من اليمنيين؛ أن قيس وخندق إنما دخل عليهم الشعر وتعلموا من قبلهم، فللسابقين الفضل لا تنكرون، وليس بمخلوق عليهم تبجح. ما أحد يتبجح ويفتخر على السابقين من العرب.

وفي الذي قدمت في أول الجزء، مفتتح هذه الرسالة من قول خالد بن صفوان: «كيف نجاريه وإنما نحكيه؟»، تذكر كلام خالد بن صفوان لما قال في بداية الرسالة: «نحن كيف نجارِي العرب؟ وإنما قصار أمرنا أن نحاكيه، وكيف نسبق؟ وإنما نجري على عروقهم». وما اتبعته من قول الجاحظ في شأن العرب، وفي أن الاقتداء بهم والأخذ عنهم والتسليم لهم.

حتى الجاحظ، المشكلة أنه هؤلاء الجماعة يحكون أن الجاحظ أقوى من غيره، طب هو الجاحظ نفسه ماذا يقول؟ يعترف أنه: «لست أقوى من غيري من العرب الأوائل، أنا تربيت على موائدهم، وإنهم لا يستطيع أشعر الناس وأرفعهم في البيان أن يضاهيه ويقول مثل الذي قالوه في جودة السبك والنحت وكثرة الماء والرونق، إلا اليسير للعاقل وكفاية، اللهم إلا أن يتجاهل متجاهل».

فيدعي في الجاحظ وأمثاله، فضلاً لم يدعوه لأنفسهم أو يزعم أنهم ضاموا أنفسهم تعصباً للعرب، إلا أنه يطلع لنا واحد جديد يقول لك: لا، هو الجاحظ صح، قال العرب أحسن مني، بس هو كان متواضعاً. يضام أنفسهم؟ كيف أنت تكون أعلم أهل بلدك، بس ماذا تقول؟ لا، غيري أحسن مني. أنت ماذا قصدك؟ أنك تهضم نفسك؟ قال هذا الجاحظ، لكن الواقع أن العرب أفضل منه من حيث اللغة ولم يهضم نفسه.

قال: «فتشاهد لها بأكثر مما عرفوا، وتواصوا بما لم يعلموا، فيفتح بذلك باباً من الركاكة». والجرجاني يقول: هذه أيضاً دعوة سخيفة أن يقال إن الجاحظ تواضع ولم يرد أن يقول إنه أفضل من العرب الأوائل، بل هو في الحقيقة أفضل. يقول الجرجاني: هذا كلام سخيف، فالجرجاني يعرف قدره مقابلة امرئ القيس، ولا يشترط الإصغاء إليه فضلاً عن الكلام عليه.

واعلم أنه إن خيل إلى قوم من جهال الملحدة -وإذا هو يرد على من؟ على ملحدة يحاولون التشكيك في إعجاز القرآن- قال إنه كان في المتأخرين من البلغاء كالجاحظ وأشباه الجاحظ من استطاع معارضة القرآن فترك خوفاً، أو أنهم فعلوا ذلك ثم أخفوه. لم يتصور تخيّلهم ذلك حتى يقتحموا هذه الجهالة التي ذكرتها، أعني أن يزعموا أنهم كانوا عند أنفسهم أفصح وأبلغ من بلغاء العرب.

فالملحدة لن يستطيعوا أن يقولوا إن الجاحظ يستطيع أن يأتي بمثل القرآن إلا إذا تصوروا أن الجاحظ أبلغ من المتقدمين من العرب. قال: «وإن خطيبهم كان أخطب من قس وسحبان، وشعرهم أشعر من امرئ القيس ومن كل شاعر كان في العرب، إلا أنهم صانعوا الناس فمنعوا أنفسهم الفضيلة». ونحلو العرب، وهي فكرة أن الجاحظ وأمثاله منعوا أنفسهم الفضيلة تواضعاً، وذلك أن محالاً أن يعتقدوا فيهم ما اعتقده الناس في العرب، وما أفصحوا به من القصور عن مدانتهم وشدة الانحطاط عنهم، ثم أن يستطيعوا ما لم يستطعه العرب ويكملوا ما لم يكملوه.

ومن هذا الذي يشك في بطلان دعواه: «من بلغ بالمصلي غاية، فقد انقطع السابِق». والمصلي هو الفرس الذي يكون بعد الفرس السابق في ميادين السباق؛ الفرس الأول الذي يسبق يسمى السابق، والذي يأتي رقم اثنين يسمى المصلي. فيقول: هذا الذي يظن أن المصلي بلغ غاية لم يبلغها السابق. ماذا تقول عنه؟ تقول جاهل؛ لأن المصلي دائماً رقم اثنين، فكيف ستجعله رقم واحد؟

والشيء نفسه الجاحظ مع الأوائل، الجاحظ رقم اثنين، يعني هو الجيل المتأخر، كيف تريد أن تجعله رقم واحد وتجعله أعلى من السابق؟ كذلك يأتي الشخص اليوم يقول: نحن أعلم من السلف في العقائد، تقوله: السلف رقم واحد، أنت كيف تريد أن تكون؟ أنت رقم اثنين، هل تصبح رقم واحد؟ لا، عمرك ما تصير رقم واحد. نفس الشيء الذي يريد جعل الجاحظ أعلى من امرئ القيس، أنت جئت رقم اثنين، غصباً عنه تريد أن تجعله رقم واحد، عمره ما يصير واحد. المصلي ما سمي مصلياً إلا لأنه رقم اثنين، فلا يمكن أن يكون رقم واحد ما دام مصلياً.

قال: «وزعم في الناقص الحذق أنه استقل بشيء عيا به المشهود له بالحذق». والحذق هو المهارة، والناقص الحذق هو الجاحظ، هل يمكن أن يكون أعلى من امرئ القيس الذي اكتمل في الحذق؟ قال: «هذا ما لا يدور في خلد عاقل ولا تنعقد صورته في وهم». فعرف ذلك.

ثم يأتي فصل في فن آخر من السؤال، وهو أن يقولوا: «إنما علمنا من عادات الناس أن الواحد تواتيه العبارة في معنى من المعاني، لكن يضعف في معنى آخر». هذه الرسالة كلها تقوم على فكرة شبهات كثيرة وهو يحاول يعالجها معالجة علمية. طبعاً نحن الآن نقرؤها قراءة سريعة، لكن أنصحك: عُد إلى الكتاب ولخص الفوائد التي ذُكرت هنا، فحقيقة الرسالة فخمة وإن كانت عباراتها عالية، لابد من المعاني.

ثم يقول: «ويمتنع عليه مثل تلك العبارة، وذلك واللفظ في صنف آخر». هذه شبهة أخرى، قالوا: الإنسان ممكن ربه يفتح عليه في معنى من المعاني فيعبر عنه بشكل مميز، لكن في معنى آخر ممكن لا يعبر عنه بشكل مميز، وهذا عادي. مثلاً، في شاعر كان معروفاً أنه في باب التشبيب والغزل أستاذ، لكن إذا جاء يتكلم في المراثي لا يعرف يتكلم. حتى اليوم، في خطيب، أعطه خطبة حماسية ما شاء الله أستاذ، لكن أطلعه يتكلم مثلاً عن التزكية والرقائق، لا يعرف. أو شيخ أستاذ في مجالس العلم، وضعه في مكان مناظرة لا يعرف.

فماذا يقول هؤلاء؟ يقولون إن من عادات الناس أن الواحد تواتيه العبارة في معنى من المعاني لكن يضعف في معنى آخر، وهذا حال كفار قريش مع القرآن؛ المعاني التي جاء فيها القرآن كفار قريش ليست مبدعة فيها، لكنها تستطيع أن تبدع في معاني أخرى مثل إبداع القرآن. فهمتوا وجهة نظرهم؟ أن القرآن أتى...

بمعانٍ معينة في العقيدة والدار الآخرة، ألفاظ القرآن هي التي تستطيع أن تتكلم في هذا المقام، لكن قريش لو عُرض عليهم الكلام في معنى آخر لاستطاعوا أن يأتوا بمثل القرآن وأعلى في البلاغة.

فهمتم هذه الشبهة ما مقامها؟ فانظروا كيف الجرجاني سيجيب عنها. قال: «فقد يكون الرجل -كما لا يخفى- في المديح أشعر منه في المراه وفي الغزل، وفي اللهو أنفذ منه في الحكم والآداب». الشخص قد يتكلم في الغزل واللهو كلامه أعلى من كلامه في الحكم والآداب، وتراه يستطيع في الأوصاف والتشبيهات ما لا يستطيع مثله في سائر المعاني، وتراه يستطيع أن يأتي بأوصاف وتشبيهات لا يستطيع أن يأتي بمثلها في مكان آخر.

وترى الكاتب وهو في الإخوانيات أبلغ منه في السلطانيات؛ الكاتب إذا كتب لإخوانه أبلغ من لو كتب إلى سلطان، وهناك كاتب إذا كتب إلى السلاطين أبلغ من لو كتب رسالة إلى إخوانه. قال: «وبالعكس هذا أمر معروف ظاهر لا يشتبه».

وإذا كان كذلك، فلعل العجز الذي ظهر -شوف الشبهة الآن هنا، هذا نضع تحته خط: فلعل العجز- الذي ظهر عند العرب عن معارضة القرآن لم يظهر لأنهم لا يستطيعون مثل نظم القرآن، لكنهم لا يستطيعون مثل معاني القرآن. يعني هم غير مبدعين في معاني القرآن أن يأتوا بكلام يليق بها، لكنهم مبدعون في معاني أخرى تحاكي القرآن، فالعرب في الغزل أساتذة، بس في معاني التوحيد والعقيدة ما بيعرفوا يحكوا. هذه قصة الإعجاز التي أنتم تدعونها.

فماذا قال؟ قال: «واعلم أن هذا السؤال يجيء لهم على وجه آخر وفي صورة أخرى، وإني لأستقصي حتى إذا وقع الجواب عنه وقع عن جملته». وهذا السؤال يمكن يطرح بطريقة أخرى سيطرحها الجرجاني حتى يقوم بالإجابة عن كل الشبه. قال: «وكان الحسم في الذاء كله، وذاك أن يقولوا إنه لا تصح المطالبة إلا بما يتصور وجوده وما يدخل في حيز الممكن». أنت لا تستطيع تطالب شخصاً وتتحداه إلا بشيء يكون ضمن سقف الممكن بالنسبة له.

قال: «وإننا نعلم من حال المعاني أن الشاعر يسبق في الكثير منها إلى عبارة يعلم ضرورة أنها لا يجيء في ذلك المعنى إلا ما هو دونها ومنحط عنها». الشاعر قد يسبق إلى معنى من المعاني يفوق به غيره من الشعراء، ويعلم لو أن شاعراً أراد أن ينافسه في هذا المعنى لما استطاع أن يأتي إلا بشيء دونه. مثلاً امرؤ القيس في وصف المرأة بأنها بيضة، يعرف أن هذا أبلغ شيء، وأنه من حاول أن يصف المرأة بأبلغ من ذلك... قال: «حتى يقضى له بأنه قد غلب عليه واستبد به كما قضى الجاحظ لبشار في قوله: كان مثار النقع».

قال الجاحظ: بشار بن برد هو أفخم من قال هذا المعنى. قال: «كان مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه». يعني شبه المعركة بما فيها من الغبار وتلاطم السيوف بأنه ليل تتهاوى فيه الشهب يميناً وشمالاً. قال: «فهذا المعنى في تصوير الحرب لم يسبق أحد بشار بن برد»، ثم قال: «وهذا المعنى قد غلب عليه بشار»، أي تفوق فيه بشار ولم ينافسه فيه أحد.

كما غلب عنترة على قوله: وخل الذباب بها فليس ببارح ... غريداً كفعل الشارب المترنم هزجاً يحك ذراعه بذراعيه قدح ... المكب على الزناد الأجذم

كان يصف عنترة حديقة غناء وفيها الذباب مستريح، لدرجة أن الذباب من شدة فضاوه يلعب برجليه؛ بتعرف الذبان لما يكون جالس يلعب برجليه هكذا؟ يقول من شدة جمال هذه الحديقة وهدوئها الذباب يلعب بأصابعه، ما عنده شغلة يعملها. قال: «هذا النوع من التشبيه فاق به عنترة غيره من الشعراء». قال: «فلو أن امرأ القيس عرض لمذهب عنترة في هذا إلا فضح»، يعني امرؤ القيس لا يستطيع أن يأتي بمثل هذا المعنى لعنترة، خلص عنترة فاق في هذا المعنى غيره.

قال: «وليس ذلك لأن بشاراً وعنترة قد أوتيا في علم النظم جملة»، ما هل هذا التميز لبشار وعنترة لأنهما أعطيا في علم النظم جملة لم يعطها امرؤ القيس؟ نصيبهم أنهم متميزون في هذا الصنف من المعاني، نصيبهم أنهم تميزوا في هذا الصنف ما لم يتميز فيه امرؤ القيس. هم يحاولون ينقلوا هذه القضية للقرآن؛ أن القرآن معانيه كانت تناسب هذا النظم، ولو أن العرب لا تستطيع أن تتكلم في معاني القرآن وتنافس فيها، لكنها تستطيع أن تنافس في معاني أخرى كما نافس عنترة امرأ القيس في معاني، وكما نافس بشار بن برد امرأ القيس في معاني.

قال: «ولكن لأنه إذا كان في مكان خبيء فعثر عليه إنسان...». لو أنا خبيت شيء في هذا المكان وأنت عثرت عليه، هل هذا يعني أنك متميز أكثر مني؟ لا، هذا يعني أن نصيبك أنك وجدت هذا الشيء الذي خبيته قبل غيرك. قال: «لم يبق لغيره مرام في ذاك المكان، وإذا لم يكن في الصدفة إلا جوهرة واحدة فعمد إليها عامل فشق عنا صدفة فيها إلا جوهرة واحدة». أجا واحد أخذ هذه الجوهرة، هل يستطيع أحد أن يأخذ من الصدفة جوهرة أخرى؟ لا، ما هي جوهرة واحدة. هكذا المعاني، أجا شخص أخذ أفخم معنى وراح فيه، خلص ما رح يجي شخص آخر يأتي بمعنى أجود منه، طبعاً أنت أصلاً بدك تدعي أنه بلغ فعلاً أفخم الأداء في هذا المعنى.

قال: «وما هذا سبيله في الشعر كثير». كثير أن الشاعر يصل إلى معنى لم يصل إليه غيره، فيكون مثلاً أفضل من قال المراثي فلان، وأفضل من قال في الغزل فلان، وأفضل من قال في الرثاء فلان، فهذا موجود. قال: «لا يخفى على من مرّ بهذا الشأن، فمن المبين في ذلك قول القطامي: فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي».

وقول ابن حازم من أجمل الأبيات مثلاً في وصف الغزل والنساء: «كفاك بالشيب ذنباً عند غانية ... وبالشبب عن الشباب يفعل لك». يعني إذا كنت عند امرأة جميلة ورأت الشيب فيك، أنت مذنب عندها، وإذا رأتك شاباً فإنها تفرح بك؛ يقول كفاك بالشيب ذنباً عند فتاة غانية جميلة، وبالشبب عن الشباب يفعل لك، يعني ممكن تحكي معك وتضحك لك وتعمل لك شغلة، بس إذا شافتك شايب، يلا يا حجب الله الله يسهل عليك.

قال وقول عبد الرحمن بن حسان: «لم تفتها شمس النهار بشيء غير أن الشباب ليس...».

يصف امرأة بقول ما في فرق بينها وبين شمس السماء إلا أنه الشمس تظل كما هي، والبنت الشابة آخرتها تذهب شيخة.

قال: وقول البحتري: عريقٌ في الأفضالِ يؤتي ندىً ... لناشئٍ من حيثُ يؤتي النَّدى يعني يبدأ الكرم منذ نعومة أطفالهم، أي يقول هذه القبيلة عريقة في الفضل، يبدأ الفضل منذ نشوئه ومنذ نعومة أظفاره. قال: "يؤتي الندى لناشئ"، نعم. قال: لا ينظر في هذا وأشباهه إلا عالم، أنه لا يوجد في المعنى الذي يرى مثله. الذي يقرأ هذه الأبيات يعرف أن هذه الأبيات هي أفضل ما قيل في الافتخار، وأفضل ما قيل في الغزل، وأفضل ما قيل في تشبيه المرأة وهكذا.

قال: وإن الأمر قد بلغ غايته، وإن لم يبقَ للطالب مطلب. قال: وكذلك السبيل في المنثور، حتى في المنثور، يعني هذا ليس فقط في النظم بل حتى في المنثور. أنت ممكن تقول جملة تكون أفضل جملة قيلت في هذا الزمان في وصف هذا المعنى. أحياناً في بعض المسابقات يقولون لك: هذا معنى، من أفضل شخص يعبر عنه؟ يكون هذا نمطها، من الذي يأتي بأفضل تعبير عن هذا؟ فتأتي ما شاء الله وتفوز بالمسابقة، أنت أفضل من عبرت عن هذا المعنى.

قال: فإنك تجد فيه متى شئت فصولاً، تعلم أنه لن يستطاع في معانيها مثلها. لما لا يخفى أنه كذلك قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضوان الله تعالى عليه-: «قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنه». يعني الآن هي الجملة مثلاً لعلي بن أبي طالب، قالوا لم يسبق لمثلها. قوله: "قيمة كل امرئ"، أنت شو قيمتك عند الناس؟ ما تحسنه. إذا أنت لا تحسن شيئاً فقيمتك صفر. تحسن الطب قيمتك طب، تحسن الهندسة قيمتك هندسة، تحسن الشريعة؛ قيمة الشخص في المجتمع هي ما يحسن. هذه من جوامع الكلم لعلي بن أبي طالب الرائعة.

قال: وقول الحسن -رحمه الله عليه-: «ما رأيت يقيناً لا شك فيه، أشبه بشك لا يقين فيه من الموت». يعني الموت يقين لا شك فيه، لكن كل الناس تتعامل معه كأنه شك لا يقين فيه.

قال: ولن تعدم ذلك إذا تأملت كلام البلغاء ونظرت في الرسائل، ومن أخص شيء؟ قال: ومن أخص شيء أن يطلب ذلك في الكتب المبتدأة الموضوعة في العلوم المستخرجة. فإن كتاباً وُضع في علم أصول الفقه، أو أول كتاب وُضع في النحو، تجد أن فيه كلمات رنانة، خلص، من بعد هذا المصنف لم يستطع أن يحاكيه فيها.

قال: فإن نجد أربابها قد سبقوا في فصول منها إلى ضرب من اللفظ والنظم أعيا من بعدهم أن يطلب مثله. مثلاً كتاب "الرسالة" للشافعي فيه كلمات لم تُنقل عن أحد بعده، أنه أتى بمثلها في الفخامة، خلاص هو أول من وضع في أصول الفقه وهو من سبق إلى هذا التعبير. قال: أو يجيء بشبيه له، فجعلوا لا يزيدون على أن يحفظوا تلك الفصول على وجوهها ويؤدوا ألفاظهم فيها على نظامها وكما هي. فصار الذين يأتون بعد الشافعي فقط يكررون كلام الشافعي. مثلاً من العبارات الرشيقة قولهم: "المذاهب لا تموت بموت أصحابها"، تبقى هي عبارة رشيقة يتناقلها العلماء جيلاً بعد جيل، عبارة مميزة.

قال: وذلك ما كان مثلاً في كتب النحو من عبارات سيبويه الرشيقة الجميلة. لما أراد أن يبين أن الأفعال تنقسم إلى ماضٍ ومضارع ومستقبل، ماذا قال سيبويه في التعبير عن هذه الفكرة؟ قال: «وأما الفعل فإنه أُخذ من لفظ إحداث الأسماء»، يقول سيبويه الفعل أخذ من إحداث الأسماء، يعني من المصادر. قال: «وبُنيت لما مضى، وما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع». بنيت لما مضى وهو الفعل الماضي، وما يكون وهو الآن، وما هو كائن لم ينقطع وهو المستقبل. قال: «لا نعلم أحداً أتى في معنى هذا الكلام بما يوازنه أو يدانيه، أو يقع قريباً منه»، ولا يقع في الوهم أيضاً أن ذلك يستطاع.

ألا ترى أنه الكل عندما ينظر في طريقة تعبير سيبويه عن الفعل الماضي والمضارع والمستقبل، يعرف أن هذه الطريقة في التعبير ما أحد استطاع أن يأتي بها بعد سيبويه. قال: «أفلا ترى أنه إنما جاء في معناه قولهم: والفعل ينقسم بأقسام الزمان: ماض وحاضر». لو نظرت في كل كتب النحو بعد سيبويه ماذا يقولون؟ الفعل ماضٍ وحال ومستقبل، بس عبارة سيبويه أفخم، يعني عبارة سيبويه في التعبير عن هذا المعنى أفخم وأقوى.

قال: وليس يخفى ضعف هذا في جنبه وقصوره عنه. ومثله قول سيبويه: «كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم». سيبويه أراد أن يبين أن العرب إنما تبتدئ في كلامها بما هو الأهم بالنسبة لهم، فكيف عبر عن هذه القضية؟ كأنهم -أي العرب- يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم بشأنه، أعني، وإن كان جميع المتقدم والمتأخر يهمان. باختصار، أنت يهمك التفاصيل وكلماته عذبة وجميلة.

قال: وإذا كان الأمر كذلك، لم يمتنع أن يكون سبيل اللفظ والقرآن ونظمه هذا السبيل. هذه هي الخلاصة إذاً؛ لا يمتنع في النهاية أن يكون القرآن إنما تميز في أنه سبق إلى معاني لم توجد عند القرشيين، ليس أن نظمه بحد ذاته معجز، كما سبق سيبويه إلى ألفاظ لم يسبق إليها أحد، وكما سبق امرؤ القيس إلى ألفاظ لم يسبق إليه أحد. القرآن بالنسبة إلى المعاني التي أتى بها لم يسبقه أحد، لكن العرب تتفوق على القرآن في معاني أخرى.

قال: وإن يكون عجزهم عن أن يأتوا بمثله في طريق العجز كما ذكرنا ومثلنا، فهذا جملته ما يجيء لهم في هذا الضرب. هي خلاصة الشبهة؛ هو لسه ما بيجيب، هو عم يطرح كيف الخصم يفكر: إذا القرآن هو فقط تميز أنه أتى بمعاني لم تعرفها العرب، لكن العرب تستطيع أن تتفوق على القرآن في معاني أخرى، هل هذا الكلام صحيح؟ هذا سيجيب.

قال: وإذ قد عرفته فاسمع الجواب عنه، فإنه يسقطه عنك دفعة ويحسم عنك حسماً. قال: واعلم أنهم في هذا كرام قد أضل الهدف، وبان قد زال عن القاعدة. وذاك أنه سؤال لا يتجه، حتى يقدر أن التحدي كان إلى أن يعبروا عن معاني القرآن أنفسها، وبألفاظ تشبه لفظه ونظم يوازي نظمه، وهذا تقدير باطل. ما معنى وذلك أنه؟

سؤال لا يتجه أصلاً من البداية، لا يمكن هذا السؤال أن يكون صحيحاً، وهذا التفكير أن يكون صحيحاً إلا على حالة واحدة: ما هي هذه الشبهة التي طرحوها، وكيف بناءً عليها يتصور إعجاز القرآن؟

أحسنت، هذا السؤال لا يتجه إلا إذا قلنا إن النبي ﷺ تحدّاهم أن يأتوا بمثل معاني القرآن لكن بتعبيرات أخرى، وهم لم يستطيعوا أن يأتوا بمعاني القرآن بتعبيرات أخرى. هل النبي ﷺ قال لهم: أريد نفس معنى سورة العاديات بس بتعبير آخر؟ ولا قال لهم: يا عمي جيبوا أي معنى في الحب، في الغزل، في المراثي، أي معنى وعبروا عنه بأي لفظ وخليه ينافس القرآن؟ أي الإعجاز وقع؟

هل كان المطلوب من كفار قريش أن يعمدوا إلى نفس معاني القرآن ويعبروا عنها بطريقة أخرى، أو المطلوب أن يأتوا إلى أي معنى في العقل البشري ويعبروا عنه بأي لفظ لكن يكون منافساً للقرآن؟ أظن الثاني صحيح. نعم، قال فإن التحدي كان إلى أن يجيئوا في أي معنى شاءوا من المعاني، التحدي كان إلى أن يجيئوا في أي معنى؛ جيبوا أي معنى، ما بدنا حتى معاني القرآن، اخترعوا لنا أي سورة من عندكم على أي معنى، تدون في الغزل في الحب في العشق.

قال: «بنظم يبلغ نظم القرآن في الشرف». نحن بدنا شيء يبلغ في نفس أسلوب القرآن في الشرف والبلاغة والاستعارات. قال: يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: 13]. كلمة «مفتريات»؛ الافتراء يكون للفظ ولا للمعنى، للمعنى؛ فإذاً هذا دليل على أن الله قال لهم ائتوا بعشر سور مفتريات في المعاني، قال: «أي مثله في النظم وليكن المعنى مفترى كما قلتم، فلا إلى المعنى دعيتم ولكن إلى النظم».

وإذا كان كذلك، كان بياناً أنه بناء على غير أساس ورمي من غير مادة، وإذا كان كذلك إذا عرفنا أنه أنتم مش فاهمين شو الإعجاز أصلاً، كل كلامكم تظنون أن النبي ﷺ تحدّاهم أن يأتوا بنفس المعنى بس بألفاظ أخرى، وقال لهم أي معنى بأي لفظ بس المهم أنه يكون بشرف نظم القرآن، فهذا يدل على أن هؤلاء الذين اعترضوا بهذا الاعتراض لم يعرفوا مكان الإعجاز.

قال: «لأنه قياس ما امتنعت فيه المعارضة من جهة، وفي شيء مخصوص، على ما امتنعت المعارضة من الجهات كلها وفي الأشياء أجمعها». فالآن هم أرادوا أن يقيسوا إعجاز القرآن على إعجاز أو على أن العرب مثلاً لم تستطع أن تأتي بمثل كلام شاعر معين في معنى معين، فنقول لهم: هذا معنى معين في مكان معين لم يستطع أحد أن يأتي بمثله، لكن القرآن هو معجز من كل جهاته، إن من حاول أن يأتي حتى بأي معنى على أسلوب القرآن لم يستطع.

فهذا قال: لأنهم أرادوا قياس ما امتنعت فيه المعارضة -أي من الأشعار السابقة امتنعت فيها المعارضة من جهة هذا المعنى بالتحديد وفي شيء مخصوص- أرادوا أن يقيسوا هذه الصورة على ما امتنعت فيه المعارضة من كل الجهات وبأي نظم وبأي معنى من المعاني، فلا يجوز أن تقاس هذه الحالة على هذه الحالة.

قال: «فلو كان إذ سبق الخليل وسيبويه في معاني النحو إلى ما سبق إليه من اللفظ والنظم، لم يسبق الجاحظ في معانيه التي وضع كتبه لها إلى ما يوازي ذلك يضاهيه، أو كان بشار إذ سبق في معناه إلى ما سبق إليه لم يجد مثل نظمه فيه لشعر في شيء من المعاني». يعني لو قلنا إنه بشار -مش قلنا بشار ابن برد سبق غيره في ذلك البيت، أليس كذلك في وصفه للحرب: «كأن مثار النقع فوق رؤوسنا .. وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه»؟ لو كان بشار إذ سبق في هذا المعنى إلى ما سبق إليه لم يوجد أي بيت يوازي في القوة لبيت بشار في أي معنى من المعاني، لقلنا والله إيه، تشبيههم هذا بهذا صحيح.

لكن بشار ما فاق غيره في هذا المعنى بالتحديد، عن ترى سبق امرأ القيس في ذاك المعنى بالتحديد؟ أما القرآن فقد سبق كلام العربي في معنى معين، ولا في جميع المعاني وفي جميع الأساليب، في أي معنى شئتم وفي أي أسلوب القرآن يفوق.

قال: «لكان لهم في ذلك متعلق، فما هو من نظم يقال إنه لم يسبق إليه في معنى إلا ويوجد أمثاله أفضل منه في معاني أخرى». يعني كلام بشار ابن برد في وصف الحرب يوجد أعلى منه، لامرئ القيس في وصف المرأة يوجد أعلى منه، لامرئ القيس في وصف شيء آخر يوجد أعلى منه، فتفوق بشار ابن برد كان في معنى واحد فقط، أما القرآن تفوقه من جميع الجهات.

قال: «واعلم أن لو سلمنا لهم الذي ظنوه على بطلانه، من أن التحدي كان إلى أن يعبروا عن أنفس معاني القرآن بما يشبه لفظه ونظمه، لم نعدم الحجاج معهم وأن يكون لنا عليهم كلام في الذي تعلقوا به ودفعوا له». الآن نتنزل تنزلاً: بدنا نفرض أنه كلامكم صحيح وأن التحدي كان أن يأتوا إلى معاني القرآن فيعبروا عنها بألفاظ تفوق تعبيرات القرآن، كيف سنجيب لو سلمنا هذا تنزلاً؟

قال: «إنما أثّروا أن يكون الجواب من الوجه الذي ذكرت». إذ كان وفق ما نص عليه، يعني العلماء بشكل عام لا يفضلون النزول إلى هذا التنزيل، بل يقولون يجب أن نجيب عن هذه الشبهة بأن نقول المعجزة للعرب، هذا معنى استفيدوه، حتى لو نسيتم الكتاب كله استفيدوا هذا المعنى؛ تحدي العرب لم يكن أن يأتوا إلى مثل معاني القرآن فيعبروا عنها بألفاظ أخرى، بل القرآن قال لهم تعالوا بأي معنى عبروا عنه بالألفاظ التي شئتم المهم أن يكون أسلوبها ورقيها كأسلوب القرآن.

لكن لو نزلنا تنزلاً وقلنا إن المطلوب من العرب كانوا أن يحاجوا بمثل معاني القرآن، قال: «وكان فيه سد الباب وحسم الشبهة جملة». دائماً إذا عندك جواب قوي لا تنزل للجواب الأضعف، بس الجرجاني إيش يقول؟ لا، أنا بدي أنزل للجواب الأضعف مع أن الجواب الأول هو الأقوى أن نفهمهم وين مكان الإعجاز.

قال: «ومن ضعف الرأي أن تسلك طريقاً يغمض، وقد وجدت السنن اللاحب». ومعنى «السنن اللاحب» أي المطروق الواسع. هذه فكرة دائماً في الجدال، يقول الجرجاني إذا كنت تجادل شخصاً في مسألة وعندك جوابان: واحد قوي وواحد ضعيف، أيهما أَوْلى؟ القوي. فبقول ما بدأت به هو القوي.

نبيّن أن مكان الإعجاز ليس هو نفس المعاني، بس بدي الآن أجيب الجواب الضعيف حتى أقطع الشك باليقين. قال: «وإن تطاول المريض في علاجك ومعك الدواء الذي يشفي من كثب، وإن ترخي في من خناق الخصم وفي قدرتك ألا يملك نفساً ولا يستطيع نطقا». يعني إذا تقدر تخنق خصمك من البداية، اخنقه، لا تخلي له نفس؛ فالإجابة الضعيفة بتخلي لخصمك نفس، أما الجواب الأقوى بيهدم من البداية.

قال: «ثم إن أردت أن تكلمهم على تسليم ذلك، فطريق فيه أن يقال». الآن بدنا نسلم أنه معجزة القرآن أنه نفس المعنى، مطالبون أن يأتوا بتعبير أفضل منه؛ بدنا تنزلاً. قال الطريق فيه أن يقال لهم على أول كلامهم حيث قالوا: «إنا رأينا الرجل يكون في نوع أشعر، وعلى جودة اللفظ والنظم أخدر منه في غيره».

إنه ينبغي أن تعلموا أول شيء أنكم حرفتم كلام الناس في هذا عن موضعه؛ فإن إذا تأملنا الحال في تقديمهم الشاعر في فن من الفنون، وجدناهم قد فعلوا ذلك على معنى أنه قد خرج في معاني ذلك الفن ما لم يخرجه غيره، واتسع لما لم يتسع له من سواه. فإذا قالوا هو أنسب الناس، فالمعنى أنه قد فطن في معاني الغزل، نقول هذا الشاعر أنسب الناس، يعني أكثرهم شعراً في باب الغزل.

فما معنى أن الشاعر هذا أنسب الناس؟ المعنى أنه قد فطن في معاني الغزل، وما يدل على شدة الوجد وفرط الحب، وتفطن في باب الهجاء إلى ما من المسبات والشتائم ما لم يتفطن لها غيره. فالمعنى أنه قد اهتدى في معاني الزين والشين، وفي التحسين والتهجين، ما لم يدر إليه نظراؤه، ولو كانوا في اللفظ والنظم يذهبون لكان محالاً أن يقولوا هو أنسب؛ لأن ذلك في صفة اللفظ. فإذا قلنا فلان أنسب الناس، هل هو من جهة الألفاظ فقط، أم من جهة معاني الألفاظ؟ بل من جهة معاني الألفاظ.

قال: «لأن ذلك في صفة اللفظ والنظم محال، ومن هذا الذي يشك أن لم يكن قول جرير...». ومن هذا الذي يشك أن لم يكن الفضل في قول جرير: «ألستم خير من ركب المطايا... وأندى العالمين بطون راح»، نعم دلالة على الجود. أمدح بيتاً عند من قال ذلك من أجل لفظه ونظمه؟ هل هذا البيت الذي قاله الفرزدق لما قال: «ألستم خير من ركب المطايا»، هذا قيل أكثر بيت في المدح بالكرم لأنه قال: «وأندى العالمين بطون راح»؟ هل هذا البيت جماله فقط أنه استعمل لفظة «ألستم» و«خير» ومن و«ركب»، أم أن المعنى النهائي للبيت تفوقه في المعنى وليس فقط أنه اختار الألفاظ؟ العبرة ليست في الألفاظ.

قال: «فإن قالوا وإن ذلك إنما كان من أجل معناه، هذا أكيد واضح لا أحد يخالف فيه من العقلاء». فإن قالوا نعم، هم وإن كانوا قد أرادوا المعنى في قولهم هذا «أمدح» و«ذاك أهج» و«هذا أنسب» و«ذاك أوصف»، فإنه لم تتسع المعاني حتى تتسع الألفاظ، فماذا يقولوا؟ يقولوا كلامك صح، يعني لما نقول فلان أنسب الناس وأشعر الناس في الحرب، إنما نقصد باعتبار المعاني، لكن عبر عنها بالألفاظ باعتبار أن المعاني إنما يؤخذ فضلها باتساع الألفاظ التي تعبر عنها، ولن تقع مواقعها المؤثرة حتى يحسن النظم، وإن النظم مهم لتحسين المعنى.

قال: «وإذا كان كذلك فموضع منه بحاله، ثم ليس بمنكر ولا مجهول أن يكون لفظ الشاعر ونظمه إذا تعرض للمدح أحسن وأفضل منه إذا هجا أو نسب». قيل: إنا ندع النزاع في هذا ونسلمه لكم. يقول لهم الجرجاني: انظروا، أنا لن أناقش في قضية اللفظ والمعنى، أين الجمال؟ المهم، انظروا إلى هذا الجواب الجميل الراقي من الجرجاني.

سؤال: هل القرآن تكلم في معنى واحد أم في جمع المعاني على الأقل؟ نستطيع أن نقول تكلم في جل المعاني. يعني إذا كنتم تقولون أنه لا... هم كانوا مطالبين أن يأتوا بمثل معاني القرآن، نقول: ما هي معاني القرآن؟ هل القرآن تكلم في التوحيد فقط؟ لا، تكلم في التوحيد، تكلم في القصص، تكلم في الأوامر، تكلم في النواهي، تكلم حتى في النفوس البشرية. يعني القرآن في ستين موضوعاً، يا أخي جيبوا على موضوع واحد من هذه المواضيع.

قال: «أهي صنف واحد أم أصناف؟ فإن قلتم صنف واحد تجاهلتم؛ لأن القرآن ليس صنفاً واحداً، القرآن تكلم في فنون شتى». بل حتى الإعجاز العلمي اليوم يطلع لك أموراً علمية من القرآن. قال: «قد علمنا الحجج والبراهين والحكمة والآداب... والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، والوصف والتشبيه والأمثال، وذكر الأمم والقرون واختصاص أحوالهم، ونبأ عما جرى بينهم وبين الأنبياء عليهم السلام، وما لا يحصى ولا يعد».

وإن قلتم هي أصناف، كما لا بد من ذلك، فإنه لازم تعترفوا أن القرآن أصلاً معانيه كثيرة. يا كفار قريش، اجئوا أتوا بتعبير في أي معنى من معاني القرآن؟ القرآن ليس فقط في النسيب، القرآن ليس يتكلم في المدح فقط، هو يتكلم في كل الأبواب والمعاني. قيل لكم: فقد كان ينبغي لشعراء العرب وبلغائهم أن يعمد كل منهم إلى الصنف الذي تنفذ قريحته فيه. يعني مثلاً، أنت شاطر في ماذا؟ أنا شاطر في القصص، تعال نافس القرآن في القصة. أنت شاطر في الحرب، يلا نافس القرآن في الحرب. ليس كل شاعر متميزاً في باب من الأبواب، خليه ينافس القرآن في الموضوع الذي تكلم عنه القرآن، وهذا لم يحصل.

قال: «وإن يجعلوا الأمر في ذلك قسمة بينهم، كل شاعر يأخذ من القرآن موضوعاً ويتحدث في الموضوع الذي يتقنه، وفي هذا كفاية لمن عقل». وهذه جواهر جواب يكفي. وأما قولهم إنه قد يكون أن يسبق الشاعر في المعنى إلى ضرب من اللفظ والنظم، يعلم أنه لا يجيء في ذلك المعنى أبداً إلى ما هو منحط، إلا ما أكتب بدلاً من «إلى»؛ الفكرة التي قالوها سابقاً أن الشاعر إذا سبق إلى معنى يسبق إليه.

لمستوى أنه يعرف أن كل من سيأتي بعده لن يتكلم إلا بما هو منحط عن ذاك الأسلوب، فإنه ينبغي أن يقال لهم: قد سلمنا أن الأمر كما قلتم علمتم، افعل المتم شاعراً أو غير شاعر، عمد إلى ما لا يحصى كثيرة من المعاني، فتأتي له في جميعها لفظ أو نظم أعيى الناس أن يستطيعوا مثله أو يجدوه لمن تقدمهم.

الشاعر في النهاية يتفوق في كم باب، في معنى أو معنيين، ما في شاعر تفوق في كل المعاني، وأما القرآن فتفوق كان في كل المعاني؛ إذا قص القرآن قصة تفوق في الأداء، إذا تكلم في العقيدة تفوق، إذا تكلم في الحكم تفوق، إذا تكلم... هل هناك شاعر تفوق في كل المعاني؟ القرآن متفوق في كل الجهات نعم. قال: أم ذاك شيء يتفق للشاعر من كل مائة بيت يقولها في بيت؟ يعني الشاعر لما نقول متفوق، في كل مائة بيت تطلع له قصيدة متفوقة أو بيت، والقرآن من ألفه إلى يائه كله متفوق.

قال: ولعل غير الشاعر على قياس ذلك، وإذا كان لابد من الاعتراف غير الشاعر، يعني مثل الكاتب، وإذا كان لابد من الاعتراف بالثاني من الأمرين وهو أن لا يكون الشاعر يتميز إلا في جانب واحد أو جانبين، وهو أن لا يكون إلا نادراً وفي القليل، فقد ثبت إعجاز القرآن بنفس ما راموا به دفعه، من حيث كان النظم الذي لا يقدر على مثله قد جاء منه فيما لا يحصى كثيرة من المعاني؛ يعني القرآن هو نظم لا يقدر على مثله عبر به عن معاني مختلفة، فهذا يرد عليكم.

قال: وهكذا القول في الفصوص التي ذكروا أنه لم يوجد أمثالها في معانيها، لأنها لا تستمر ولا تكثر، ولكنك تجدها كالفصوص الثمينة، أي الأحجار الكريمة والوسائط النفيسة وأفراد الجواهر، تعد كثيراً حتى ترى واحدة. أنت تسمع للشاعر ألف بيت حتى تقول والله تفوق في بيت واحد، أنت أما القرآن هل تقرأ السورة كلها حتى تجد آية متميزة؟ بل كلها متميزة.

فهذا شبه من القول في دفعهم مع تسليم ما ظنوه من أن التحدي كان إلى أن يعبر عن معاني القرآن أنفسها، ممكن غير متعذر، إلا أن الأولى أن يلزم الجدد الظاهر، وأن لا يُجاب إلى ما قالوه من أن التحدي كان إلى أن يؤتى في أنفس معانيه بنظم ولفظ يشابهه ويساويه ويجزم له.

الجواب الذي يرى الجرجاني أنه أولى، وأنا أرى، أن لا يُجابوا إلى ما قالوه من أن التحدي كان إلى أنفس المعاني، بل هم مطالبون بأي معنى. قال: بنظم ولفظ يشابه ويسويه ويجزم لهم القول بأنهم تحدوا إلى أن يجيئوا في أي معنى أرادوه مطلقاً، غير مقيد وموسع عليهم، غير مضيق بما يشبه نظم القرآن أو يقرب من ذلك.

ومما يحيل أن يكون التحدي قد كان إلى ما ذكروه وما الشرط الذي توهموه، أن العرب قد كانت تعرف المعارضة ما هي وما شرطها؛ فلو كان النبي ﷺ قد عدل بهم في تحديه لهم إلى ما لا يطالبوا بمثله، العرب ما كانت تعرف شروط المعارضة. لو كان النبي ﷺ قال لهم: أتوا بمثل معاني القرآن بأسلوبهم، لكان لكفار قريش أن يقولوا: ماذا؟ والله مع عن القرآن نحن لا نحسن، نافسنا يا محمد ﷺ في معاني أخرى. لكن الواقع أنه لم ينافسهم في معاني القرآن في أي معنى.

قال: لكان ينبغي أن يقولوا إنك قد ظلمتنا، وشرط في معارضته الذي جئت به ما ليس بواجب أن يشترط، أو أن يكون النظم الذي نعرض به في أنفس المعاني التي أنت تريدها؛ نحن أعطينا معاني أخرى، ابدأوا تكلموا في الحب ما عندنا مشكلة، تكلموا في الوطن، أعطوني أي معنى بس نافسوني، أشعروني أن كلامكم يصل في أسلوبه إلى أسلوب القرآن في أنفس معاني هذا الذي تحديت إلى معارضته، فدعنا هذا الشرط ثم اطلب، فأنا نريك حينئذ مما قاله الأولون.

قال: مما قاله الأولون وقلناه، وما نقوله في المستأنف، يعني في المستقبل، ما يوازي نظم ما جئت به في الشرف والفضل، ويضاهي ولا يقصر عنه، وفي هذا كفاية لمن، هل العرب قالت ذلك للنبي ﷺ؟ كلا، لأنهم يعرفون أن النبي ﷺ لم يطالبهم بأن يحاكوا نفس المعاني، بل في أي معنى شاؤوا. وفي هذه كفاية لمن كانت له أذن تعي وقلب يعقل.

قد تم الذي أردته في جواب سؤالهم، وبان بطلانه بياناً لا يبقى معه إن شاء الله شك لناظر، إذ هو نصح نفسه وأذكى حسه ونظر نظر من يريد الدين ويرجو مما عند الله، ويريد فيما يقول ويعمل وجهه، وتقدس اسمه، وإليه تعالى نرغب في أن يجعلنا ممن كانت هذه صفته في كل ما نتحرى وننظر فيه بفضله ومنه ورحمته، إنه على ما يشاء قدير.

الحمد لله حق حمده، وسيختم هنا بالرد على المعتزلة في رأيهم؛ ماذا كانوا يرون أن المعجزة في القرآن؟ كانوا يقولون بالصرفة، ويرون أن معجزة القرآن ليس أن نظمه يعجز عنه العرب، بل العرب سلبه الله منهم القدرة على معارضة القرآن، وإلا فهم في الحقيقة كانوا يقدرون على ذلك. شوف ما هو مذهب المعتزلة، أو أكثر المعتزلة في إعجاز القرآن، ماذا يرون؟ يقولون بالصرفة أو الصرف، ما هو الصرف عندهم؟ أن الله سلبهم القدرة على معارضة القرآن، وإلا فهم كانوا يقدرون.

على ذلك، فعند المعتزلة معجزة القرآن في ماذا؟ في سحب القدرة منهم، وليس أن نظم القرآن نفسه معجز وهم لا يقدرون عليه، لا؛ إنه سحب القدرة، هذه معجزة، مع أنهم لو لم تسحب القدرة منهم لكانوا يستطيعون أن يأتوا بمثل القرآن. فمحل الإعجاز عندهم في القرآن هو سحب القدرة، وهذا كلام فاحش الخطأ، بل محل المعجزة في القرآن أنهم كانوا يعجزون عن أن يحاكوه، وليس أنهم كانوا يستطيعون ثم سُحب منهم، هم من البداية لا يستطيعون محاكاته.

قال رحمه الله: «اعلم أن الذي يقع في الظن من حديث القول بالصرفة، أن يكون الذي ابتدأ القول بها ابتداه...». الجرجاني يقول في أكثر من احتمال في فهم عقيدة الصرفة: الاحتمال الأول هو الاحتمال السابق، وهو أن يكون الذي ابتدأ القول بها ابتداه على توهم أن التحدي كان إلى أن يعبروا عن أنفس معاني القرآن بمثل نظمه وديباجته، دون أن يكون قد أطلق لهم وخير في المعاني كلها. نقول إن الذين قالوا بالصرفة في الاحتمال الأول هم الذين يرون أنهم طلبوا بأن يأتوا بمعاني القرآن فيحاكوها بألفاظ جديدة. هذا القول الأول في معنى الصرفة: أن يكون توهم أن الإعجاز هو أنهم طلبوا بنفس معاني القرآن فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثلها، لكن لو عبروا في مكان آخر استطاعوا أن يعبروا بشكل ينافس القرآن.

هذا أحد احتمالات لمعاني الصرفة، لكن ليس هو المعنى المشهور. المعنى المشهور أن الصرفة هي أن هؤلاء قوم يرون أن العرب كانوا يستطيعون أن يأتوا بمثل القرآن، لكن الله سحب منهم القدرة فقط لا غير، وهذا كلام شنيع، وسيبين الجرجاني شناعة هذا القول في تفسير الصرفة، فقال: «وذاك لأن في القول بها على غير هذا الوجه أمورًا شنيعة».

يعني القول بالصرفة على غير هذا الوجه؛ الوجه الأول الذي هو إذا قلنا إن الصرفة هي فقط أنهم طلبوا بنفس معاني القرآن فعجزوا عنها، هذا كلام باطل لكنه يبقى أفضل من أن تقول بالصرفة على المعنى الآخر، وهو أنهم سُلبوا القدرة ابتداءً من الله سبحانه وتعالى. نعم، يبعد أن يرتكبها العاقل، ويدخل فيها أنه يلزم عليه أن تكون العرب -إذا قلنا بالصرف على المعنى الثاني- ماذا يلزم؟ قال: يلزم أن تكون العرب قد تراجعت حالها في البلاغة والبيان وفي جودة النظم وشرف اللفظ.

إذا قلنا إن العرب عجزت على قول المعتزلة الآن، بدنا نمشي أن الصرف أنهم سُلبوا القدرة، ما معنى أنهم سُلبوا القدرة؟ إذا ضعفت قدراتهم البيانية وضعفت قرائحهم فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثل نظم القرآن على أي معنى من المعاني. المعتزلة الذين يقولون بالصرفة على المعنى الثاني يقولون إن العرب لم تستطع أن تحاكي القرآن حتى في المعاني المخترعة التي يخترعونها، لماذا؟ حتى في الحب والغزل لا يستطيعون أن يحاكوا القرآن، سُلبوا القدرة البيانية في كل المعاني.

إذاً هذا على ماذا يدل؟ يدل على أن مستواهم -على رأي المعتزلة- أن المستوى البلاغي للعرب تدنى في زمن النبوة. طيب، هذا من أين جئتم به؟ كيف عرفتم أن المستوى البلاغي للعرب تدنى في زمن النبوة حتى سُحبوا القدرة على التعبير بأي معنى من المعاني وبأي لفظ من الألفاظ؟ من أين أتيتم بهذه القضية؟ قال: إذاً هذه لوازم قول المعتزلة، وذلك أنه يلزم عليهم: «وأن يكونوا قد نقصوا في قرائحهم، وأُعدموا كثيرًا مما كانوا يستطيعون، وأن تكون أشعارهم التي قالوها، والخطب التي قاموا بها، وكل كلام احتفلوا به من بعد أن أُحيي إليه النبي ﷺ وتحدّوا في معرضه القرآن، قاصرة عما سُمِع منهم من قبل ذلك».

فبالتالي ما كان قبل محمد ﷺ كان فخمًا قويًا، وبلاغتهم عالية، لما جاء زمن محمد ﷺ فجأة ضعفت قدراتهم اللغوية وعجزوا، ما صارت قرائحهم ضعيفة جدًا. طيب، هذا السيناريو كيف اقترحته؟ ما الدليل على أنه هكذا كان الحال؟ كانت لغتهم عالية فجأة في زمن محمد ﷺ سُحب القدرة؟ طبعًا وجهة نظرهم أنه هي سحب القدرة هي المعجزة فقط، وهذا نزول مفاجئ لا يعرف له سبب، لا نقول والله العرب اختلطت بالعجم، لا؛ هو نزول مفاجئ على وجهة نظر المعتزلة لا يعرف له سبب إلا أنه معجزة.

قال: «وأن يكون قد ضاق عليهم في الجملة مجال قد كان يتسع لهم، ونضبت عنه مواد قد كانت تغزر، وخذلته قوى قد كانوا يصولون بها، وأن تكون أشعار شعراء النبي ﷺ التي قالوها في مدحه عليه السلام وفي الرد على المشركين ناقصة متقصّرة عن شعرهم في الجاهلية، وأن يُشك في الذي روي في شعر حسان بن ثابت بعد الإسلام على أنه سيكون أسوأ من شعره قبل الإسلام».

إنه قبل مجيء محمد ﷺ كان شعره عاليًا، وبمجيء محمد ﷺ ضعفت بلاغة العرب عمومًا، مسلمهم وكافرهم، فبالتالي أصبح شعره بعد الإسلام أسوأ من شعره من حيث البلاغة، أي أضعف. طيب، قال من نحو قوله عليه السلام: «قل وروح القدس معك»، لأنه لا يكون معًا مؤيدًا من عند الله وهو يُعدم مما كان يجده قبلًا كثيرًا، يعني حسان بن ثابت لما يقال له: «قل وروح القدس معك»، الآن فعليًا قدرات الشعرية بعد الإسلام أضعف.

طيب، لماذا ضعفت؟ ما أحد فاهم، لماذا؟ هي قضية تفكير المعتزلة أنهم سحبوا القدرة التي كانت لديهم سابقًا، وقاصرة حالهم عن السالف منها تصرفًا شديدًا. فإن قالوا إنه نقصان حدث في فصاحته من غير أن يشعروا به؛ الآن إذا المعتزلة قالت نقصان الفصاحة عند العرب بعد الإسلام حصل من غير أن يشعروا به، يعني هو هبوط مفاجئ في الفصاحة لم يشعروا بوقوعه في حياتهم، فيُقال لهم: إذا كان الأمر كذلك، إذا كان فعلاً هو هبوط مفاجئ في البلاغة من غير أن يشعروا به، فإنه يصبح القرآن ليس معجزة عليهم، لماذا؟

يقول لهم الجرجاني: إذاً على كلامكم يصبح القرآن ليس معجزة؛ لأنه لا فرق بين أن يكونوا قد عدموا شيئًا من الفصاحة التي كانوا يعرفونها لأنفسهم قبل التحدي بالقرآن والدعوة إلى معرضه، وبين أن يكونوا قد عدموا ذاك ثم لم يعلموا أنهم قد عدموه، لأن الآن تصبح قضية أنهم عدموا هذه القدرات وهم لا يشعرون بهذا الانعدام مشكلة لأن...

سيأتي القرآن ويتحداهم، فبماذا يقولون؟ نحن كنا قادرين، وهم مش شاعرين أنهم فقدوا القدرة، كيف سيصبح ذلك؟

ذلك لأن الآية -بزعم المعتزلة- أن المعجزة ما هي إلا المنع من نظم ولفظ قد كان ممكناً قبل أن يتحدوا. فكرة المعجزة عند المعتزلة أنهم منعوا من أداء نظم ولفظ قد كان لهم ممكناً قبل أن يأتي التحدي بالقرآن، وهي سحب القدرات.

ولكن، لا يكون منعاً حتى يُرام الممنوع؛ لا يكون هناك منع وأنت لا تعرف أنك ممنوع. كيف تعرف أنك ممنوع من أن تطلب أو تفعل الشيء وأنت كنت تقدر على فعله؟ الآن تحاول أن تفعله فتقول: "مش قادر". أنت اليوم ما شاء الله جاي على المجلس ومرتاح، تصحى بكره الصبح -لا سمح الله- تحاول تقوم فلا تستطيع، ماذا سيحدث معك؟ بما أنك تعرف أنك كنت بالأمس تمشي، فلماذا اليوم لا تستطيع المشي؟ لابد أن تشعر أن شيئاً قد حدث. أما قضية أنك لا تشعر بشيء، فهذا لا يتصور.

قال: «ولا يكون منع حتى يرام»، أي يطلب الشيء الممنوع. ولا يتصور أن يروم الإنسان الشيء؛ كيف تريد أن تطلب الشيء الممنوع وأنت تريد الوصول لشيء كنت تعرف أنك تفعله، ثم فجأة وجدت نفسك عاجزاً عنه؟ فكيف تقول إن فصاحتهم نزلت وهم لم يشعروا؟ هذا كلام متناقض. كيف تقول إن الفصاحة نزلت وهم لم يشعروا؟ لا بد أن يشعروا بنزولها؛ لأنه كيف سيعرفون أنها نزلت إلا إذا كانوا يعرفون أن لديهم مستوى معيناً، والآن هم غير قادرين على فعل مثله؟ هكذا يعرفون أن القرآن قد تحدّاهم.

على سيناريو المعتزلة، القرآن كان بإمكانهم أن يأتوا بمثله، ولكن الآن بدأ أبو جهل يحاول أن يأتي بمثله فشعر بالعجز. كان يحاول ويقول: "يا أخي أنا كنت أستطيع أن آتي بمثله، ما بالي الآن غير قادر؟". هذا المنطق يقتضي أن يقولوا إنهم شعروا بنزول قدرتهم، أما إذا قلت إنهم لم يشعروا بنزول قدرتهم، فكيف سيتحدى القرآن؟ وكيف ستكون المعجزة على طريقة تصورك؟

قال ويقصد في قوله: «وفعل» إلى أن يجيء به على وصف هو لا يعرف ذلك الوصف ولا يتصوره بحال من الأحوال. لابد أنهم متصورون مدى إعجاز القرآن حتى يحاولوا تحديه فيجدوا أنهم لا يستطيعون، ويشعروا أن قدرتهم الفائقة قد نزلت. لابد من الشعور بنقصان الفصاحة إذا قلنا إن فصاحتهم قد نزلت وفق هذا السيناريو.

قال: «وإذا جعلناهم لا يعلمون أن كلامهم الذي يتكلمون به اليوم قاصر عن الذي تكلم به أمس، وأن قد امتنع عليهم في النظم شيء كان يواتيه»، أي كان بإمكانهم فعله، وسُلب منهم، فقد كان حاصلاً لهم. استحال أن يعلموا أن لنظم القرآن فضلاً على كلامهم الذي يُسمع منهم وعلى نظمهم الواهن الباقي لهم، فلا بد أن يعرفوا مستوى نظم القرآن ويعرفوا أنهم كانوا قادرين عليه، ثم سُحبت منهم القدرة. لابد أن يشعروا بسحب القدرة حتى على السيناريو الذي تقدمونه يا معتزلة، أما قضية أنهم لا يشعرون بسحب القدرة، فأين حصل الإعجاز على طريقتكم وتصوركم؟ لابد أن يشعر أنه كان قادراً ثم سُحبت منه القدرة.

هذا على فرض أن هذا هو محل الإعجاز؛ لأن عذر القائل بالصرفة أن كلامهم قبل أن يتحدوا قد كان مثل نظم القرآن ومميزاً له وفي مبلغه. هذا رأي المعتزلة، أنهم كانوا يقولون إن مستوى كلامهم قبل الصرفة كان مساوياً لمستوى نظم القرآن. وطبعاً هذا الكلام كله باطل.

وإذا كان كذلك، فإنه لم يتصور أن يعلموا أن للقرآن مزية على كلامهم، وعندهم أن كلامهم باقٍ على ما كان عليه في القديم، لم ينقص ولم يدخله خلل. وإذا لم يتصوروا أن يعلموا أن للقرآن مزية على ما يقولونه ويحاولون عليه في الوقت نفسه، فكيف يتصور أن يحاولوا تلك المزية؟ وإذا لم يحاولوا -أي لم يعرفوا تفوق القرآن- فلن يذهبوا إلى تحديه ابتداءً.

قال: «وإذا لم يحاولوا لم يحسوا بالمنع منها والعجز من نيلها، وإذا لم يحسوا بالعجز والمنع لم تقم عليهم حجة». هذه الخلاصة؛ فإذا لم يحسوا بالعجز والمنع لن يكون القرآن معجزة في حقهم، فلا بد أن يحسوا بالعجز والمنع، والإحساس بالعجز والمنع ناشئ عن معرفتهم بكلامهم القديم، ومعرفتهم أن أسلوب القرآن -على فرضنا- هو بمستوى كلامهم القديم، ثم يحاولون فيشعرون بالعجز التام.

فالسيناريو الذي طرحوه -أنه نقصت فصاحتهم من غير أن يشعروا- هذا كلام لا يصح عقلاً. فالذي يعقل مع هذه الحال أن يعتقدوا أنهم قد عارضوا القرآن وتكلموا بما يوازيه ويجري مجرى المثل له، وهو أن يكون عندهم أن كلامهم باقٍ على ما كان عليه في الأصل قبل نزول القرآن، وكان كلامهم آنذاك في حد المثل والمساوي للقرآن؛ فكيف مع هذا الاعتقاد أن يعتقدوا أن في جملة ما يقولونه في الوقت ويقدرون عليه ما يشبه القرآن ويوازي القرآن، ثم يحاولون أن يأتوا بمثله فيشعرون بعجز غير مفهوم؟ هذا يكون مكان الإعجاز على رأي المعتزلة.

لكن كل هذا الكلام خطأ؛ ليس أنهم كانوا يستطيعون الكلام بمثل القرآن ثم شعروا بالعجز، لا؛ هم من البداية يعرفون أنه لا يوجد كلام لأي عربي يوازي كلام القرآن. يجب أن تفهم الفرق بين قول أهل السنة وقول المعتزلة؛ المعتزلة يرون أن القرآن كان بإمكانهم أن يأتوا بمثله لكنهم سُحبوا القدرة، أما أهل السنة فيقولون: لا، هو من البداية لا يوجد نظم عربي يوازي القرآن بشكل من الأشكال، وهم كانوا يعرفون ذلك.

واعلم أنه يلزمهم أن يقضوا في النبي ﷺ بما قضوا في العرب من دخول النقص على فصاحتهم وتراجع الحال بهم. وانظر إلى مساوئ هذا الكلام؛ لو قلنا أيها الكرام إن العرب نزلت فصاحتها في زمن النبي ﷺ، سيسري ذلك الحكم حتى على النبي ﷺ، سنقول إن فصاحته أيضاً نزلت بسبب نزول فصاحة الزمان كاملة، وهذا لا يصح، بل هو أفصح العرب ﷺ.

وأن تكون النبوة قد أوجبت أن يُمنع شطر من بيانه، وكثيراً ما تكون نبوته قد أوجبت عليه أن يقل بيانه، وكثيراً مما عُرف له قبلها من شرف اللفظ وحسن النظم، لكي لا يكون عليه السلام قلاً عليهم؛ ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ...﴾.

﴿إِنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾. ولو كان بعضهم لبعض ظهرا في حال هو يستطيع فيها أن يجيء بمثل القرآن ويقدر عليه، ويتكلم ببعض ما يوازيه في شرف اللفظ وعلو النظم.

إلا أن يقتحموا جهالة أخرى فيزعم أنه عليه السلام قد كان في الأصل دونهم في الفصاحة، وأن الفضل والمزايا التي بها كان كلامهم قبل نزول القرآن في مثل نظمه وفي مثل لفظه، وقد كان لبلغاء العرب دون النبي ﷺ في مقامه. وإذا قالوا ذلك، كانوا قد خرجوا من قبيح القول إلى مثله؛ فلم يشك أحد أنه ﷺ لم يكن منقوصاً في الفصاحة، بل الذي أتت به الأخبار أنه ﷺ كان أفصح العرب.

ومما يلزمهم على أصل المقالة أنه كان ينبغي لهم، لو أن العرب كانت منزلة من الفصاحة، أن يعرفوا ذلك من أنفسهم كما قدمت؛ لازم يشعروا بنزول مستواهم، لا يكون النزول بدون شعور به. أنت تكون ما شاء الله مميزاً في العلم، تصحو الصبح تلاقي حالك في علم تقول ليش أنا مش الشاعر؟ لا، مو أنت شاعر، إنما كنت مميزاً وبطلت مميزاً. كيف ينزل بدون أن يشعروا به؟ هذا كلام لا يقبله عاقل.

ولو عرفوه لكان قد جاء عنهم ذكر ذلك، ولكانوا قالوا لو عرفوا أنهم سُلبوا القدرة. وصحي أبو جهل في يوم من الأيام قال: يا جماعة أنا كنت بقدر أحكي مثل القرآن، ما بستطيع الآن. لكان على الأقل نُقل أنهم قالوا ذلك، لكانوا قالوا: نحن كنا نستطيع أن نقول، لكننا سُلبنا القدرة. هل أحد فيهم قال ذلك؟ لم ينقل ذلك على رجل توفرت الدواعي على نقل ذلك لو صح، ولكان قد قالوا للنبي ﷺ: إن كنا نستطيع قبل هذا الذي جئتنا به، ولكنك قد سحرتنا يا محمد ﷺ فما عدنا نستطيع أن نقول كلاماً كنا في السابق نقوله.

قال: «وتلت في شيء حال بيننا وبينه»، فقد نسبه إلى السحر في كثير من الأسباب. وكان الأقل يجب ذلك أن يتذكروه فيما بينهم، الأقل أن يقعد بعضهم مع بعض: "أبو جهل أنت كنت تحكي زيه، ليش مش قادر تحكي الآن؟". فيحكي عليه أمية بن خلف: "والله ما أنا عارف، كأن ما كنت بحكي، مش بطلت أقدر أحكي". لو كانت هذه القضية زي ما يحكوا المعتزلة، لكانوا حكوا فيما بينهم في مجالسهم الخاصة: "شو الموضوع؟ نحن كنا نستطيع أن نفعل، لماذا الآن لا نستطيع؟"، بس ما حدا حكى في مجالسه الخاصة هذا الكلام.

قال: ويشكو البعض إلى البعض ويقول: "ما لنا قد نقصنا في قرائح، وقد حدث كلول في أذهاننا". وفي أن لم يُرَ ولم يُذكر أنه قد كان منهم قول في هذا المعنى، ما أحد شكى من هذه القضية؛ دليل على أنه قول فاسد ورأي ليس من آراء أصحاب العقول.

وفي سياق آية التحدي ما يدل على فساد هذا القول، وذلك أنه لا يقال في الشيء يمنعه الإنسان بعد القدرة عليه وبعد أن كان يكثر مثله: ﴿أَنْ جِئْتُكُمْ بِمَا لَا تُقْرِنُونَ عَلَى مِثْلِهِ﴾، ولو احتشم لهم ودعوتهم الإنس والجن إلى نصرتكم فيه. فالآيات تدل على رد كلام المعتزلة؛ وذلك أنه لا يقال عن الشيء يمنعه الإنسان بعد أن كان قادراً عليه وبعد أن كان يكثر من مثله، تأتي تقول له: ترى أنا يا فلان جئتك بشيء لو اجتمعت أنت مع الإنس والجن لن تستطيع أن تفعل مثله. وبماذا يجيب علي؟ ويقول لي: "أنا كنت أستطيع أفعل مثله، بس أنتم اللي منعتوني، أنت سحرتني".

فلما قال لهم: ﴿قُلْ لَوْ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾، لو كانت المشكلة أنهم سُلبوا القدرة، ماذا اعترضوا على الآية؟ نحن كنا نستطيع نأتي بمثله يا محمد ﷺ بس أنت عملت شغلة سحبت قدرتنا، فكيف تقول إن لا نستطيع؟ نحن نستطيع لكن في شيء صار في قدرتنا هو الذي يمنعنا من ذلك. لكن ما اعترضوا على الآية بهذا الاعتراض.

قال: وإنما يقال: "إني أعطيت أن أحول بينكم وبين..." لكن على قول المعتزلة كان ينبغي أن تكون الآية هكذا: "إني أعطيت أن أحول بينكم وبين كلام كنتم تستطيعون"، أعطيت قدرة أن أمنع من قدرة كنتم تفعلون. هكذا كان يجب أن يكون نظم الآية. قال: "وأن أمنع إياهم، وأن أفحمهم عن القول البليغ، وأعدم إفحامهم عن القول البليغ بعد أن كنتم تستطيعون". لكان ينبغي أن يكون سياق الآية هكذا.

قال: وإعجاز لفظه الشريف وما شاكل هذا ونظيره، أن يقال للأشداء وذوي الأيد: إن المعجزة هي أن تعجزوا عن رفع ما كان يسهل عليكم رفعه، وما كان لا يثقل عليكم. ونظير أن تقول للناس الأشداء: واحد "أبضاي" طلع اليوم الثاني مش قادر يحمل، شو رح تقول له؟ إن الآية هي أنني أعجزك يا أيها الرجل القوي، إنك كنت تستطيع أن ترفع كل الأشياء واليوم أنت لا تستطيع أن ترفع بصلة. لكان هكذا ينبغي أن يقول لهم النبي ﷺ: "إن معجزتي أنكم كنتم تستطيعون أن تقولوا مثل هذا الكلام لكنكم الآن لا تستطيعون أن تقولوا مثله". هل هكذا كان التحدي؟ لا، قال: "أنتم من البداية لا تستطيعون أن تأتوا بمثله"، وليس أنكم كانت عندكم القدرة ثم سُلبتم.

ثم إنه ليس في العرف ولا في المعقول أن يقال: لو تعرضتم واجتمعت جميعكم لم تقدروا عليه، في شيء قد كان الواحد منهم يقدر على مثله ويسهل عليهم ويستقل به ثم يُمنعون. يعني إذا كان الواحد يستطيع أن يأتي بمثل هذا القرآن ثم سُلب منه، ليس من المنطق أن تقول له: لو تعاضدت الجن والإنس لم تستطيعوا أن تأتوا بمثله؛ لأنهم سيقولون: ماذا؟ نحن يا محمد ﷺ الواحد يقدر كان يأتي بمثله بس أنتم سحبتم القدرة، فكيف تقول جميعنا لا نستطيع؟ بل كنا نستطيع لكنكم أنتم من سحرتونا. كان هكذا ينبغي أن يجيبوا. قال: وإنما يقال ذلك.

حيث يراد أن يقال إنكم لم تستطيعوا مثله قط، ولا تستطيعون البته، وعلى وجه من الوجوه، حتى إنكم لو استضفتم إلى قواكم وقدركم التي لكم، وقدره الذي قد استمد من غيركم، لم تستطيعوا أيضًا. هذا لا يقال إلا إذا كانوا هم عاجزين ابتداءً، وليس أن القدرة صاحبت منه.

من حيث إنه لا معنى للمعدة والمظاهرة والمعونة إلا أن تضم قدرة إلى قدرة صاحبك، حتى يحصل باجتماع قدرتك ما لم يكن يحصل؛ فقد بان إذاً أن لا مساغ لحمل الآية على ما ذهبوا إليه، وأن لا محتمل فيها لذلك على وجه من الوجوه. وظهر به وسائر ما تقدم، أن القول بالصرفة على هذا الوجه قول في غاية البعد والتهافت.

الصرفة لها وجهان: الوجه الأول الذي ذكرناه سابقًا، والوجه الثاني وهو أفسد من الأول كما قلنا، وأنه من جنس ما لا يعذر العاقل في اعتقاده. ولم أقل "ولا مساغ" في هذا الوجه، وأنا أعني أن للقول بها على الوجه الأول أن التحدي كان أن يأتوا بمثل معاني القرآن فقط، لكني أردت أن فساد الوجه الثاني لتفسير الصرفة أظهر من فساد الوجه الأول لشدة اللوازم الباطلة على هذا التفسير الثاني؛ وهو أنهم سلبوا القدرة على جميع المعاني بعد أن كانوا قادرين على جميع المعاني.

القول الأول للصرفة أنهم سُلبوا القدرة في معنى واحد فقط، والقول الثاني في الصرفة أنهم سُلبوا القدرة في جميع المعاني، وهذا أسوأ طبعًا. قال: «وأشنع عليه أكثر»، وإلا فما هما؟ إن أردت البطلان. وإلا فما هما القول الأول والثاني إلا رديئان باطلان بالنهاية.

فإن قلت: كيف الكلام عليهم إذا ذهبوا في الصرفة إلى الوجه الآخر؟ فزعموا أن التحدي كان -وهو الوجه الآخر- أنهم إنما صُرِفوا وعجزوا عن معنى القرآن فقط، لكنهم كانوا يستطيعون على المعاني الأخرى؟ نقول لهم كما أجبنا: إن القرآن ما تحدّاهم في معنى واحد، بل قالوا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: 13].

فزعموا أن التحدي كان أن يأتوا في أنفس المعاني، أي نفس معاني القرآن بمثل النظم وليس في أي معنى. وما الذي دل على فساده؟ لقد أجبنا عن هذا بتكرار حقيقة الكلام، فإن على فساد ذلك أدلة، منها قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: 13]. وذلك أن نعلم أن المعنى: "فاتوا بعشر سور تفترون أنتم". وإذا كان المعنى على ذلك، فبنا أن ننظر في الافتراء؛ هل يكون في الوصف ولا في المعنى؟ قلنا: الافتراء يكون في المعنى.

إلى المعنى يرجع أم إلى اللفظ والنظم؟ وقد عرفنا أنه لا يرجع إلا إلى المعنى. وإذا لم يرجع إلا إلى المعنى، وجب أن يكون المراد: "إن كنتم تزعمون أني قد وضعت القرآن وافتريت وجئت به من عند نفسي ثم زعمت أنه وحي من الله، فضعوا أنتم أيضًا عشر سور وافتروا معانيها كما زعمتم أني افتريت معاني القرآن". فإذا كان المراد كذلك، كان تقديرهم أن التحدي كان أن يعمدوا في أنفسهم إلى ذات معاني القرآن فيعبر عنها بلفظ ونظم يشبه نظم القرآن خروجًا عن نص التنزيل.

لو كان هكذا الموضوع، لكانوا قد خالفوا القرآن. الله عز وجل ماذا قال الكفار؟ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: 13]، أي أي معنى؟ فلما كنت تقول لا، كانوا مطالبين بنفس معاني القرآن، أنت بترد على ربنا! ربنا يقول لهم "مفتريات"، أنت تقول لا، هم كانوا مطالبين بأنفس معاني القرآن، أي نفس معاني القرآن يأتوا بألفاظ تحاكيها، أنت تعارض النص القرآني وذلك في اللفظ.

إذا كان المعنى ما قالوه، أي يقال: إن زعمتم أني افتريته، فكان ينبغي أن تكون هذه الآية -والجرجاني رجل رائع، والله رجل رائع، أنا عارف المتن صعب شوي بس بدي إياك تأخذ كيف الكلام الفخم والعالي للعلماء يقول- كان ينبغي أن تكون الآية ليست هكذا: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾، لو كان الكلام أنهم تحدوا بنفس معاني القرآن لكان ينبغي أن يكون نص الآية كالتالي: "ما هو، قال إن يقال إن زعمتم أني افتريته، فاتوا أنتم في معاني هذا المفترى بمثل ما تأتون في نفس هذه المعاني التي افتريت بألفاظ تشابهها". ها، كان ينبغي أن تكون هكذا: "فاتوا أنتم في نفس المعاني التي افتريت بألفاظ تشابهها في القوة والجزالة".

هذا يبين أنه لو قال رجل شعرًا فأحسن في لفظه ونظمه وكان بليغًا، وكان له خصم، فعلم الخصم أنه لا يجد عليه مغمزًا في النظم واللفظ، فترك ذلك جانبًا وتشاغل عنه وجعل يقول: "إني رأيتك سرقت معاني شعرك وانتحلتها وأخذتها". يعني واحد حكى شعر مميز، فجاء صاحبه له غيظًا منه، ماذا قال له؟ "يا أخي أنت كل معانيك سارقها من غيرك". بتلاقي وتعرف هذول أعداء النجاح، بلاقي واحد نجح في شغلة معينة بيطلع لك واحد بقول لك: "إيش يا أخي أنت هذه وضعتها ما أخذتها من جوجل ولا من جماعة فلان؟". فأنت ماذا ستقول له؟ "يا أخي اعتبرني ما أخذتها من جوجل، اعمل زيها، مش أنت بدك تتعامل بهذه الطريقة؟ اعتبرني أني أنا سارقها، اعمل زي إبداعي في هذه السرقة"، هنا أنت حطيته في الزاوية كما يقولون، أنه حتى في السرقة مش شاطر مثلك.

ثم قال: فقال له رجل في جواب هذا الكلام: "إن كنت قد سرقت معاني شعري، فقل أنت شعرًا مثله". سرق المعاني لم يعقل منه إلا أن يقول: "فقل أنت شعرًا في معاني أخرى تسرقها كما سرقت معاني بزعمك"، ولم يحتمل أن يريد: "اعمد إلى معانيه فقل فيها شعرًا مثل شعري". وإنما يعقل ذلك إذا هو قال: "إن كنت قد سرقت معاني شعري، فقل أنت في هذه المعاني المسروقة نفسها كلامًا مشابهًا لكلامي، خلينا نشوف من أينا أكثر إبداعًا حتى في هذه".

نعم شيخ، بس خليني أخلص النظم هذا أو هذا الكتاب، يا رب هانت. هانت مشايخ، أنا عارف كلكم صاروا واقفين، بس هذا الجرجاني شوي بغلب معنا هون. يلا، ﴿وَانْظُمْ فِيهَا كَلَامًا مِّثْلَ كَلَامِي وَحَبِّرْهُ تَحْبِيرًا﴾، هذه جملة لا تخفى على من عرف مخارج الكلام وعلم حق المعنى من اللفظ وما يحتمل. مما لا يعني أن الذي يفسر القرآن يعرف تفسيرات القرآن؛ فالذي يفهم تدبر القرآن يعرف ضعف قول المعتزلة، وما هو التفسير الصحيح لهذه الآية.

ومنها ما تقدم من أنه لا يقال في الشيء قد كان يكثر مثله من الإنسان ثم مُنع منه، أي بمثله: ﴿وَجَهِدْ جَهْدَكَ وَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُهُ وَلَوْ اجْتَمَعَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء: 88]. هي نفس الفكرة السابقة؛ لو كان الإنسان يستطيع شيئًا ثم مُنع منه، أنت لا تقول له: «اجتهد جهدك فإنك لن تستطيع أنت وجماعتك أن تفعل مثله أصلًا»، هذا التحدي تحدٍ غير صحيح، هو سيقول لك مباشر: «أنا كنت أستطيع مثله، هذا شيء طارئ علي».

وإنما يقال ذلك في البديع المبتدأ، أو الذي لم يسبق إليه ولم يوجد مثله قط. وهذا المعنى -وإن كان يلزمهم في الوجهين- فإنه لهم في هذا الوجه الذي نحن فيه، وذاك وهو الوجه الثاني، وهو قولهم إن الصرف كانت في جميع المعاني.

إن قولك للرجل: يقدر على مثل الشيء اليوم في كثير من الأحوال والأمور، ويعوقه عنه عائق في حالة واحدة وأمر واحد، لو اجتمع الإنس والجن فما قدرت على مثله؛ أبعد وأقبح من قولك كذلك وقد كان يقدر عليه في سالف الأزمان ثم منعه؟ أيما أقبح: إنسان كان يستطيع أن يقول كلامًا عاليًا جدًا ثم مُنع منه في معنى معين، فتجيء أنت تقول له: «لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بهذا القرآن لا يأتون مثله»، أن تعارضه بهذه الآية مع عجزه عن معنى معين؟ أم الأقبح أن تعارضه مع أنه عجز عن جميع المعاني وليس عن معنى معين؟ فيقول عن جميع المعاني، أن تواجهه بهذه الآية يكون أقبح وأقبح.

ومنها الأخبار التي جاءت عن العرب في تعظيم شيء القرآن وفي وصفه بما وصفوه به، من نحو: «أن عليه لطلاوة، وأن له لحلاوة، وأن أسفله لمعلٍ، وأعلاه لمثمر». وذاك أن محالًا أن يعظموه وأن يبهت عند سمعه ويستكين له، وهم يرون فيما قالوه وما قاله الأولون.

هل يمكن يكون قالها الوليد بن عتبة وهو يعرف أنه كان يستطيع أن يقول لما قال: «أن علاه لم...»؟ هو يعرف أن هذا الكلام من البداية نحن لا نستطيعه، ويعلمون أنه لم يتعذر عليهم لأنهم لا يستطيعون مثله، ولكن وجدوا في أنفسهم شبهة؛ شبهة العارض، والعارض يعرض فيمنعه بعض ما كان سهلاً عليه. هذا لا يمكن أن يكون، بل الواجب في مثل هذه الحال أن يقول الوليد بن المغيرة بدل أن يقول: «إن عليه لطلاوة، وإن له لحلاوة»، ماذا كان ينبغي أن يقول؟

لو كان الأمر كما تزعمون يا معتزلة أنه كان -إن كنت لا يتهيأ لنا أن نقول في معاني ما جئت به ما يشبهه- أنا لأتيت في غيره من المعاني بما شئت وكيف شئت. لو كان تحديهم في معاني القرآن فقط، لكان الوليد بدل ما يقول: «إن عليه لحلاوة»، يقول: «نحن يا محمد صلى الله عليه وسلم لسنا شاطرين في المعاني التي أتيت بها، لكن نحن أذكى وأشطر في معاني أخرى»، بدل ما يأتي بهذا الوصف العالي الذي يبين عجزه التام عن معارضة القرآن.

وجملة الأمر، أن علم النبوة -أي دلالة النبوة والمعجزة- إنما كان يكون في الصرف والمنع عن الإتيان بمثل نظم القرآن، لا في نسف المعاني. هذه خلاصة المشكلة بين أهل السنة والمعتزلة؛ ما هي؟ المعتزلة عندهم معجزة القرآن هي أنهم مُنعوا من الإتيان بالقرآن مع أنهم كانوا قادرين على ذلك، وأما عند أهل السنة فالمعجزة هي أنهم من البداية لا يستطيعون الإتيان بمثل القرآن، وليس أنهم كانوا قادرين ثم مُنعوا. احفظ هذه الجملة.

وإذا كان كذلك، فينبغي إذا تعجب المتعجب وأكبر المكبر أن يقصد بتعجبه الإشارة إلى المنع الذي فيه الآيات والبرهان، لا إلى الممنوع منه، وهذا واضح لا إشكال فيه. فإن قالوا: لا يكون أن يستحسن الشاعر الشعر الذي يقوله غيره ويكبر شأنه ويرى فيه فضلًا ومزية على ما قاله هو من قبل ثم هو لا يستطيع أن يقدر على مثله إذا هو جهد نفسه وتعلم له، فنحن نجعل لفظ القرآن ونظمه على هذا السبيل، ونقول إنهم سمعوا منه ما بهرم وعظم في نفوسهم، وإنهم كانوا على حال أنسوا من أنفسهم بأنهم يأتون بمثله، إذا هم اجتهدوا فحيل بينهم وبين ذلك الاجتهاد، وأخذوا في طريقهم ومنعوا فضل المنى التي طمعوا معها أن يبلغوا ذاك الذي أرادوا؛ أي القدرة ومنعوا فضل المنى أي القدرة.

وإن كنا نعلم أن شعر المفلق ربما أعطس القول عليه حتى يعيا بقافية، وحتى تنسد عليه المذاهب، وأن الخطيب أو الخطيبة المصقع الممتاز يرتج عليه أي يغلق عليه حتى لا يجد مقالًا، هؤلاء المعتزلة ماذا يقولون؟ العرب لما سمعوا القرآن كانوا في مجال أن يعارضوه ويأتوا بمثله، لكن أحيانًا الشاعر مهما بلغ من الخبرة قد يغلق عليه، فالمعتزلة يقولون إنهم كانوا يستطيعون نظم القرآن، لكن سبحان الله كان لسانهم تلبك لما نزل القرآن فشعروا بهيبته وجماله، فبقي لا يفيض بكلمة.

لكن الذي قلناه بعيد عن أن يكون أو أن يسعه الجواز ويحتمل الإمكان. قيل لهم: أنتم الآن كأنكم أردتم أن تحسنوا أمركم، وأن تغطوا على بعض العوار، وأن تتملصوا من الالزامات التي ألزمتكم، وليس لكم في ذلك كبير جدوى، إذ إن حقق الأمر وإنما هو خداع وضرب من التزويق، وأول ضرب من اللف والدوران التزويق. وأول ما يدل على بطلان ما قلتم هو ما عرفناه من حال الناس فيما سلكتموه؛ التضجر والشكوى، وأن يقولوا: «ما بالنا؟ ومن أين دهينا؟ وكيف الصعوبة؟». لو كان الأمر كما قلتم لكان كفار قريش قالوا: «يا أخي ما بالنا نعجز؟ طب ترى كنا نستطيع أن نقول ذلك».

لكأنهم شعروا بماذا؟ إنه في عجز طارئ، بس هم ما تعجبوا، هم مش إنه في عجز طارئ، هم من البداية بول هذا مش مستوانا يا جماعة.

قال: «وإن كنا نسمع قولاً له فضل، ومزّى على ما قلناه، فإنه ليس بالذي ينبغي أن نعجز عنه هكذا حتى لا نستطيع في معارضته، ما نرضى، فلا ندري سحرنا أم ماذا حصل». فإنه إن لم يروَ عنهم شيء من هذا الجنس على وجه من الوجوه، دليل على أنه لا أصل لما يتوهموه، وأنه تلفيق باطل.

ثم إنه ليس في العادة أن يدعن الرجل لخصمه ويستكين له، ويلقي بيده ويستسلم، ويسكت على تقريعه له بالعجز وترديده القول في ذلك. وقدر ما ظهر من المزية، قدر قد يطمع الإنسان في مثله، ويرى أنه يناله إذا هو اجتهد وتعمد. بل العادة في مثل هذا أن يدفع العجز عن نفسه؛ عادة الإنسان إذا رأى شيئاً من العجز أن يبقى مستمراً لدفعه، لو كانت قضية مجرد عجز، وهم لم يسعوا لدفع ذلك أصلاً.

وأن يجحد الذي عرف لصاحبه من المزية ويتشدد، كما فعل حسان؛ فيدعي في مساواته، وأنه إن كان جرى إلى غاية لنفسه بها تقدماً، فإنه ليجري إلى مثلها. وإن يقول -وطبعاً قضية حسان هذه قالوا مش معروف ماذا قصد بها الجرجاني، بس للفائدة- وإن يقول: «لا تغلُ ولا تفرط ولا تشتط في دعواك، فلان كنت قد نلت بعض السبق، إنك لم تبعد المدى». يعني لكان واحد من كفار قريش قال: «يا محمد ﷺ، لا تبالغ كثيراً في إعجاز كتابك، فإنا ترى كنا قادرين، بس اصبروا علينا شوي، بس خلينا نعيد توازننا ومنرجع نواجه كل هذه».

لاحظ الجرجاني على ماذا يعتمد؟ يعتمد على النقول التي نُقلت عنهم في هذا المساق. «واعلم أنهم بمحولهم هذا قد وقعوا في أمر يوهي قاعدتهم ويقدح في أصل مقالتهم». يعني هذا المعتزلة لما قالوا هذا السيناريو، أنهم كانوا يستطيعون، ولحظة ضعف وإبهار، هم أصلاً أضعفوا قاعدتهم ومقالتهم من وجه، وتركوا النظر لها من آخر وجه، فضعف قولهم.

وذاك أن من حق المنع، إذا كان آية وبرهاناً ودليلاً من أعلام النبوة، أن يكون من أظهر الأمور وأكثرها وجوداً، وأسهل على الناس وأخلَق بأن تبين لكل واجدها، يعني بأن تبين لكل راءٍ وسامع، أن قد كان منعاً. لا أن يكون المنع خفياً لا يُعرف إلا بالنظر، وإلا بعد الفكر؛ لأنكم على طريقتكم هنا ماذا ترون؟ أنهم حاولوا أن يبدأوا معارضة القرآن شوي شوي، فهموا أنهم ما بيقدروا. لا، هو بقول لك المعجزة بطبيعتها من البداية تكون باهرة، قاطعة، تقسمك، مش أنك عم بتحاول وتشعر بالعجز بعد ذلك؛ فأنتم على طريقتكم هذه ليست معجزة، لأنه كان في إمكان لمحاكاتها، ثم مع الوقت والعقل شعروا أن الموضوع صعب شوي. فقط هكذا موضوع المعجزة عندكم هذا لا يصح.

ومن شيء لم يوجد قط، وتالياً أن المعجزة إخواني لا بد تكون دليلاً على صدق النبي أنه مرسل من الله، فلازم تكون قاطعة، باهرة، حاسمة من البداية، مش في وقت وتفكير للتصديق بها، وإنما يُظن ظناً أنه يجوز أن يكون له مدخل في الإمكان إذا اجتهد المجتهد. وهل سمع قط أن نبياً أتى قومه فقال: «حجتي عليكم، والآية في أني نبي إليكم، أن تمنعوا من أمر لم يكن منكم قط، وليس يظهر في بادئ الرأي وظاهر الأمر أنكم تستطيعون، ولكنه موهوم جوازه منكم»؟ إذا أنتم كدتم أنفسكم، وجمعت مالكم، واستفرغت مجهودكم، وعودت الاجتهاد فيه مرة، هل سمع قط أن نبياً أتى قومه فقال: «حجتي عليكم ومعجزته عليكم أن تمنعوا من أمر لم يكن منكم قط»؟ أي لم يوجد منكم، وليس يظهر في بادئ الرأي وظاهر الأمر أنكم تستطيعون، ولكنكم ستتهمون ابتداء أنكم تطيعونه.

يعني مثلاً صالح، لما خرجت ناقته من الصخر، هل قال لقومه: «شوفوا يا جماعة، أنا راح أجيب لكم معجزة أنتم عمركم ما شفتوها، وفي بادئ الرأي أنتم راح تقولوا هي ما بقدر عليها، بس لو فكرتم شوي، آه ممكن يرجع توازن وتقولوا آه، بس إحنا ما نقدر نخرج ناقة من الصخر»؟ ولكنه موهوم جوازه منكم إذا أنتم تعبتوا شوي على حالكم، وجمعت مالكم، واستفرغت مجهودكم.

الآن هل هكذا كانت طبيعة المعجزات؟ أم المعجزات من البداية لا يتوهم المقابل القدرة عليها؟ المعجزة حتى تكون إخواني معجزة باهرة، لازم الطرف الذي أمامك من البداية تقهره وتبهر، ويعرف أنه حتى لو فكر ما راح يستطيع، وأنه شيء أعلى من القدرات قطعا وحسما. أما إذا كان لسه بده يفكر: «هي معجزة ولا مش معجزة؟ خليني بس أرجع للبيت وأفكر في الموضوع بعدين، آه والله طلعت معجزة»، فما عادت معجزة بها الطريقة.

قال: «أما ذلك، فما لا يقوله عقل، ولا يخدم عليه إلا مجازف لا يدري ما يقول. وإذا كان كذلك، وكان الذي قالوه من أن المنع كان من نظم لم يوجد منهم قط، إلا أنهم أحسوا في أنفسهم أنهم يستطيعونه، إذا هم اجتهدوا وأفروا الوسع، فيذهب المنزلة ويدخل في هذه القضية، فقد بان أنهم بذلك قد أوهوا قاعدتهم؛ أنهم جعلوا الأمر أن المعجزة ما عادت معجزة قوية، أصبح في مجال للتفكير، ثم بعد ذلك الله أعلم نستطيع ولا لا نستطيع، مش قاطعة من البداية». فهذا أوهى قاعدة الإعجاز؛ لأنه الإعجاز لازم يكون باهراً، وقدح في أصل المقالة من حيث جعلوا الآية والبرهان، وعلم الرسالة، والأمر المعجز للخلق، في المنع من شيء لم يوجد قط ولم يعلم أنه كان في حال من الأحوال، وليس بأكثر من أن ظنوا ظناً أنه مما يحتمله الجواز ويدخل في الإمكان إذا اجتهدت وتعبت فيه.

فهكذا عند المعتزلة، يمكن لو تعبوا أكثر ممكن يفتح عليهم، وهذه مشكلة؛ استنزفت قوة الاجتهاد وأوصلت الأفكار في كل طريق وحشدت إليه الخواطر من كل جهة، لكان يمكننا أن نفعل وكذا. بهذا ضعف رأي وقلة تحصيل، لأنه ينسف فكرة المعجزة أصلاً.

وهذا فصل أختم به، قال رحمه الله: «ينبغي أن يقال لهم: ما هذا الذي أخذتم به أنفسكم؟ وما هذا التأويل منكم في عجز العرب عن معارضة القرآن؟ وما دعاكم إليه؟ وما أردتم منه؟ أأن يكون لكم قول يحكى، وتكون أمة على حده؟». يعني أنت شوف، قولوا أنتم يا معتزلة: ليش رحتوا لهذا الفهم للمعجزة؟ يعني بس بدكم تكونوا جماعة ولكم رأي؟ يعني هذه الفكرة وهذا الكلام.

بعض الناس يذهبون إلى رأي شاذ، تمامًا، لكي يكون له رأي يحكى وشيء يقال إنه فلان كذا. طيب، ما الهدف من فكرتك؟ هل فقط أن يقال إنه فلان حكى شيئًا يخالف أهل زمانه؟ بتعرفوا بعض الناس أراد أن يتميز قديمًا فوجد أنه لا يوجد شيء يتميز به، فقال أروح أبحث في بئر زمزم فيقال فلان بـ بئر زمزم، فيشتهر.

الجرجاني هكذا يقول للمعتزلة: أنتم لماذا خرجتم بهذه الفكرة في الإعجاز وما أحد قالها قبلكم؟ هل فقط ليكون لكم رأي وأنكم جماعة مخالفون لغيركم؟ ترى بعض الناس يحب التميز، زي ما قال أخونا: «خالف تعرف»، أو يقول لك: «إذا ما خالفت ما أحد سيعرفني». فهو ينكر عليهم مثل هذه المقولة.

قال: «أَمْ قَدْ أَتَاكُمْ فِي هَذَا الْبَابِ عِلْمٌ لَمْ يَأْتِ النَّاسُ بِهِ»؛ فإن قالوا: أتانا فيه علم، قيل: أفمن نظر ذلك العلم أم خبر؟ طيب، هي فكرتكم في المعجزة: من نظر؟ أخذتموه استنباطًا أم في حديث يقرر أن هذا مفهوم المعجزة؟ فقالوا: لا، من نظر عقولنا. قيل لهم: فكأنكم تعنون أنكم نظرتم في نظم القرآن ونظم كلام العربي، ووزنتم فوجدتم لا يزيد إلا بالقدر الذي لو خلوا بالاجتهاد وأعمال الفكر، ولم تفرق عنهم الخواطر عن القصد إليه والصمد له، لا يتفاوتون.

باختصار: أنكم استقرأتم أساليب العرب، ووصلتم إلى أن الجاهليين، والصحابة، وكفار قريش كانوا يستطيعون لو اجتهدوا أن يأتوا بمثله، ولكن فقط خارت قواهم ولم يعرفوا سبب عدم القدرة على ذلك. هذا أنتم أخذتموه بناءً على أنكم فهمتم لسان العربي ونظم الكلام، وأن نظم كلام العرب والله في قوة القرآن. يعني أنت بتتخيل أن المعتزلة استقرأوا كلام العرب فوصلوا لقناعة أن كلام العرب موازٍ للقرآن؟ إذاً القضية هي فقط قضية عجز، هل أنتم تفهمون لسان العرب كما كان كفار قريش يفهمونه وأكثر منهم؟ أظن القضية فيها تجاوز كثير.

فإن قالوا كذلك، نقول: أه والله، نحن استقرأنا كلام العرب ووجدنا أن القرآن يوازي كلام العرب لا أكثر منه، بس القضية قضية سحب القدرة لا أكثر من ذلك. قيل لهم: فإنكم تعنون الآن أن نظركم في الفصاحة نظر لا يغيب عنه شيء من أمرها، وأنكم قد أحطتم علمًا بأسرار الفصاحة، وأصبحتم ولكم فيها فهم وعلم لم يكن حتى للعرب الذين كانوا قبلكم. وإن قالوا: لا، عرفنا أن هذا الإعجاز بالخبر، قلنا: فهاتوا ذلك الخبر، وإن لهم تعريف ما لم يقل؛ لأنه ليس هناك خبر يؤكد كلامهم.

ولو كان للناس إذا عنا لواحد منهم قول يشذ به عن أهل زمانه، فالنصيحة هي لكم جميعًا بما يقولها الجرجاني: لو أن الواحد لما يطلع بقول غريب وشاذ عن أمة، لو هدى شوي على حاله وفكر في مآل قوله وماذا يؤدي في حياة الناس. ولو كان للناس إذا عنا لواحد منهم قول يشذ به عن أهل زمانه، نظر في مؤدى قوله وتبين عاقبة قوله، وتذكروا وصية الحكماء حين نهوا أن يرد الإنسان شيئًا حتى يعرف الصدر على ماذا سيخرج منه، وحذروا أن تجيء أعجاز الأمور بغير ما أوهمت الصدور.

أحيانًا أنت بتفكر أنك بتعمل خير، لكن في المحصلة النهائية أنت بتعمل شرًا في الأمة، وهذا لا يدركه إلا العلماء الراسخون. لو أن الناس إذا تفكروا في مآلات أقوالهم الشاذة لكف البلاء، ولعدم هذا وأشباهه من فاسد الآراء. ولكن يأبى الذي في طباع الإنسان؛ فما مشكلة الآراء الشاذة؟ إنها نتيجة التسرع، ثم حسن الظن بنفسه، وأن يظن نفسه هو أستاذ الزمان وأنه لا أحد ينازعه في هذه المسائل، ثم حسن الظن بذكائه والشغف بأن يكون متبوعًا في رأيه.

هذه ثلاث نقاط تهدم كل طالب علم: تسرعك وأنت شاب صغير، ثانيا: حسن الظن بقدراتك وأنه أنا أشطر من غيري، وثالثا: الشغف أن تكون سيدًا رئيسًا. وكأن وسائل التواصل الاجتماعي قد تخدعه وتنسيه هذه النقاط، وما وصى به الحكماء قبل ذلك من ضرورة النظر في مآلات الأقوال والمحذر من سوء المغبة، وهي آفة لا يسلم منها ومن جنايتها إلا من عصم الله. هذا التصرف سبحان الله، وإليه عز اسمه الرغبة، سبحانه في أن يوفق للتي هي أهدى، ويعصم من كل ما يفسد الدين.

أي يفسده. ويقول من قال إنه يجوز أن يقدر الواحد من الناس، من بعد انقضاء زمن النبوة ومضي وقت التحدي، على أن يأتي بما يشبه القرآن ويكون مثله؛ لأن ذلك لا يخرج عن أن يكون قد كان معجزًا في زمن النبوة وحين تحدي العرب إليه. هذه الشبهة الختامية.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وصلنا إلى قوله: قال الجرجاني: «قول من قال إنه يجوز أن يقتدر الواحد من الناس من بعد انقضاء زمن النبي ﷺ ومضي وقت التحدي على أن يأتي بما يشبه القرآن ويكون مثله». هذه شبهة يطرحها البعض: هل معجزة النبي ﷺ كانت خاصة بزمنه بحيث بعد انقضاء زمن النبوة يمكن أن يأتي الجاحظ أو يطلع لنا اليوم أديب معاصر يقول: أنا سأستطيع أن آتي لكم بمثل القرآن؟ أم هذه معجزة خالدة خلود الأبد؟

هذه معجزة خالدة، فلا يصح لأحد أن يقول إن هذا العجز كان فقط في زمن النبوة ثم بعده يمكن أن يؤتى بمثل القرآن. بس الفكرة لأن ذلك لا يخرج عن أن يكون قد كان معجزًا في زمن النبي ﷺ وحين تحدي العرب إليه، هذا قوله لا يصح إلا لمن لا يجعل القرآن معجزًا في نفسه ويذهب فيه إلى الصرفة. كل من يقول إن القرآن كان معجزًا في زمن النبوة فقط، اعلموا أنه يقول بمذهب المعتزلة في الصرفة، حتى من المعاصرين ولو لم يصرح أنه معتزلي؛ كل من يقول إن القرآن هو فقط معجزة في زمن النبوة وأنه يمكن في واقعنا المعاصر أن نأتي بمثل أسلوبه، هذا على طريقة الصرفة.

من يقول لي: لماذا هذا لا يصح إلا على طريقة الصرفة؟ لأن الفكرة في الصرفة تقوم على أنهم سحبوا القدرة في زمن النبوة، وبعد زمن النبوة لا داعي لأن يسحبوا القدرة، فبالتالي عادت قوة العرب إلى ما كانت عليه ونستطيع الآن.

إن نأتي بمثل نظم القرآن، فلا بد أن من يقول بأن القرآن معجزة خاصة في زمن النبوة، أن يكون ساريا على طريقة الصرفة المبتدعة. أما الذي عليه العلماء من أنه معجز في نفسه، وأنه في نظمه وتأليفه على وصف لا يهتدي الخلق إلى الإتيان بكلام في نظمه وتأليفه على ذلك الوصف، فلا يصح البتت ذاك؛ لأنه معجز على جميع طبقات الأزمان، ولا يستطيع عربي قديمًا أو حديثًا أن يحاكي نظم القرآن ولفظه.

لا فرق بين أن يكون الفعل معجزًا في جنسه كإحياء الموتى، وبين أن يكون معجزًا لوقوعه على وصف. وإذا كان كذلك، فقد لاحظت فائدة جميلة في المعجزات؛ هناك معجزات هي معجزة في جنسها، أي لم يؤتَ مثلها أصلًا، وليست متعلقة بصنع البشر ابتداء، مثل إحياء الموتى التي أعطيها عيسى، هذه معجزة من حيث الجنس. وأما القرآن فهو معجز من حيث الوصف؛ اللسان والتكلم باللسان العربي هذا موجود، ولكن أين المعجزة في وصف هذا اللسان؟ المعجزة أن يكون على خارج أساليبهم وبيانهم.

فإذاً، هناك معجزات من حيث الجنس، وهل هناك مثلاً بشر يستطيعون أن يحيوا الموتى؟ لكن عيسى بن مريم أتى بطريقة جديدة بإحياء الموتى، أو هي من البداية أصلاً ليست من عالم البشر. أما القرآن فهو كلام عربي، والكلام العربي ابتداءً من عالم البشر، لكن أين الإعجاز فيه؟ في وصفه. فالمعجزات هناك معجزات في جنسها، وهناك معجزات في وصفها، والقرآن من النوع الثاني.

وإذا كان كذلك، فكما أنه محال أن يكون هنا إحياء ميت ليس من فعل الله، كذلك محال أن يكون هنا نظم مثل نظم القرآن ليس من فعل الله تعالى. إذاً فالمعجزة، سواء كانت من حيث الجنس أو من حيث الوصف، هي إلى أبد الآباد لا يستطيع أحد أن يحاكيها؛ فكما أن إحياء الموتى لا يستطيع أحد أن يحاكي فيه عيسى بن مريم في الأصل، فكذلك ما وقع.

ثم إنه قول إذا نُقر عنه كشف عن أمر منكر، وهو أن يكون وحيًا من الله، يكون النبي ﷺ قد تلقاه عن جبريل عليه السلام. وذهبوا إلى أن يكون قد كان على سبيل الإلهام، وكأنك إذا قلت يستطيع أحد أن يأتي بمثل القرآن، إذاً القرآن ليس خاصًا أنه نازل من الله، لأنني أنا أستطيع في الوقت المعاصر أن أتكلم بمثله، فأصبحت على طريقة الفلاسفة. هنا أيضًا ترى أن القرآن هو مجرد إلهام نفسي وقع في جسد النبي ﷺ، أنا أستطيع اليوم محاكاته، وذهبت خاصيته الشريفة أنه من الله.

قال: وكأن يلقى في نفس الإنسان ويهدى له من طريق الخاطر والهاجس الذي يهجس بالقلب، وذلك مما استعاذ بالله منه، أن يتطرق هذا القول؛ يستعاذ بالله منه أن يقال إن القرآن مجرد إلهام.

بسم الله الرحمن الرحيم. فصل، قال: اعلم أن البلاء والعياء أن ليس علم خلاص خلص الجرجاني من الرد على كل الشبهات والأقوال الفاسدة في فهم إعجاز القرآن، فسيق له في الختام. أنت رديت على كل الشبهات وكل المذاهب، أعطنا يا جرجاني: إذاً ما تصور إعجاز القرآن لديك؟ أعطنا هذا التصور حتى نفهمه. فماذا رأى الجرجاني؟

الجرجاني قال: شوفوا، أكون صادقًا معكم يا جماعة، إني أحكي لكم وأنتم عوام في اللغة العربية ما هو إعجاز القرآن، راح أتعب حالي وتعبكم، فروحوا بقول لكم: روح تعلموا لغة عربية وصيروا أساتذة في البلاغة مثلي، بعدين بنعرف نوصل لكم الفكرة. وهذا كلام صحيح؛ يعني لو جرست أنا وإياكم من هنا هذا الفجر وأن أشرح لكم إعجاز القرآن في بلاغته، حتقول لي: شيخ بالله، عملنا يوم همة ثاني أحسن ليه؟ لأنه نحن مش فاهمين شو بتتك تكلّم. يعني تتكلم عن أساليب الإيجاز والإطناب والفصل والوصل والتشبيه والاستعارة ونحن لم ندرس البلاغة ولا أساسياتها، فلن تستطيع أن توصل الفكرة إلينا.

وهذا ما عقله الجرجاني، لذلك هو كأنه يقول لك بعد ختم هذه الرسالة، إذا بدك تفهم إعجاز القرآن في نظمه، كيف أتى؟ روح اقرأ كتابي الكبير «دلائل الإعجاز»، هو كتاب ضخم خمسمئة ورقة، اسمه ماذا؟ وهو كتاب في البلاغة أصلاً، ادرسوا وتعلموا راح تفهموا. أما هذه الرسالة، أنا فقط رديت فيها على الأقوال الباطلة في فهم الإعجاز.

لاحظ ماذا قال: قال، أليس علم الفصاحة وتمييز بعض الكلام من بعض بالذي تستطيع أن تفهمه من شئت ومتى شئت؟ يعني مش را تقدر تفهم من شئت ومتى شئت؛ أغلب الناس عوام ولست تملك من أمرك شيئًا حتى تظفر بمن له طبع. إذا قدحت وريت، وقلب إذا أريته رأى. أنت تحتاج إلى طالب علم نبيه، إذا قدحت ذهن شغال وقلب إذا أريته رأى، يعني طالب علم متمكن يفهم كيف سُورد عليه صور الإعجاز.

فأما صاحبك من لا يرى ما تراه، ولا يهتدي للذي تهدي، وأما الطالب الذي أمامك هو لا يرى هذه المسائل العلمية التي تراها، ولا يهتدي إلى فهمها كما أنت تفهمها لتمكنك، فأنت معه كالنافخة في النار، وهذا اللي بيشرح الإعجاز لناس هم لا يعرفون العربية، بينفخ بس هو مش حاط النار، مش حاط الفتيلة. وكاللمتس الشم من أخشم، وكما لا يلتمس الشم من رجل أخشم، يعني عفواً ذهبت حاسة الشم له، بتقول له شم، ما شم طبعًا؛ لأنه فيش حاسة شم. وهكذا من لا يعرف العربية، بتقول له شم إعجاز القرآن، يحاول يشم بس هو أصلاً فاقد حاسة الشم، أعطه حاسة الشم حتى يشم إعجاز القرآن، أي يدرس العربية.

وكما لا تقيم الشعر في نفس من لا ذوق له، كذلك لا يفهم هذا الباب من لم يؤت الإلهة التي بها يفهم. إلا أنه إنما يكون، لو أعطيتكم الآن معلقات العرب الجاهليين، هل رح تشرحون وتفهمون؟ لا، ليه؟ لأنه نحن بعاد جدًا عن اللغة، بيننا وبينها مسافات، وهذه أشعار العرب التي هي أقل وليست إعجازًا، فما بالك بالإعجاز؟ الموضوع بينك وبينه مسافات طويلة حقيقة.

قال: إلا أنه إنما يكون البلاء إذا ظن العادم لها أنه قد أوتيها. ولكن وين البلاء الأصعب؟ أنه يكون شخص هو لا يدرس العربية ويظن نفسه أهلاً لفهم الإعجاز، أو أنه أهل لفهم. هذا البلاء، يكون إنسان، شوف الإنسان الذي لا يعرف ويقرّ أنه لا يعرف، ما عندنا مشكلة معه، لكن مشكلتنا في من لا يعرف ويزعم أنه يعرف، هذا بغلب الدنيا. وأنه ممن يكمل للحكم ويصح منه القضاء، فجعل يخبط ويخلط ويقول القول.

علم غبه ليستحي منه لو علم غبه، يعني ماله استحى وسكت ابتداء. وأما الذي يحس بالنقص في نفسه، ويعلم أنه قد عُدِم علماً قد أوتيه من سواه، فإنه يرى نفسه في مقام الحجم الطبيعي، فيقول لك: أنا لا أتكلم إلا فيما أعلم، وهو رجل عاقل قد همّ به عقله أن يعدو طوره. والمرء الشاب الذي لا يعرف شيئاً فيقف، نعم، الرجل الذي إذا لم يعرف شيئاً سكت وأراح الأمة من الخلاف.

وإذا كانت العلوم التي لها أصول معروفة وقوانين مضبوطة، قد اشترك الناس في العلم بها واتفقوا على أن البناء عليها والرد إليها إذا أخطأ فيها المخطئ، ثم أعجب برأيه؛ لم تستطع رده عن هواه وصرفه عن الرأي الذي رآه إلا بعد الجهد، وبعد أن يكون دائمًا الإنسان إذا رأى رأياً في باب من الأبواب صعب أن ترجعه عن هذا الرأي الذي تعلم أنت أنه خاطئ. لماذا؟ لأن للهوى في كثير من الناس في العقيدة أو في الفقه أو في الأخلاق آراءً خاطئة، صحيح في واقعنا المعاصر وفي القديم، صعب جداً أن ترد الإنسان عن قول تبناه وأصبح يدافع عنه ويناظر عليه.

ليه صعب جداً ترده؟ صاحب البدعة لماذا صعب أن يهتدي؟ لأنه تشرب البدعة وتشرب القول الخاطئ وأصبح ينافح عنه. قال: «وألا أن يكون حصيفاً، عاقلاً، ثبتاً»، إذا نبه انتبه، وإذا قيل له: «إن عليك بقية من النظر»، وقف وأصغى، وخشي أن يكون قد غرف فاستعجل فحطّ، ويرجع كوابح يثبّت بها على نفسه قبل أن يتكلم. هؤلاء طلاب علم عقلاء، وأنف من أن يلج من غير بينة، ويستطيل بغير حجة، وكان من هذا وصفه يعز ويقل.

فكيف بأن ترد الناس عن رأيهم في أمر الفصاحة وأصلك الذي يردهم إليه وتعول في محاجته عليه استشهاد القرائح؟ هي مشكلة الفصاحة والبلاغة؛ طبيعة الفصاحة والبلاغة معتمدة على درجة عالية، على ماذا؟ على القرائح والذوق الأدبي، وهذا لا يأتي إلا بعد ممارسة طويلة وحفظ آلاف الأبيات الشعرية والتعامل مع كتب الأدب. فأنت لما تريد أن تفهم فصاحة الكلام القرآني، أنت تتكلم عن قرائح وهذه ملكات، وهذه مش موجودة إلا عند أساتذة.

استشهاد القرائح وسبر النفوس، وما يعرض فيها من الأريحية، عندما تسمع -وهو الذوق الأدبي- الأريحية يعني أنها تستعذب هذا الكلام وتنفر بناءً على ملكة موجودة، هذا لا يحصل إلا بعد طول زمن. وهم لا يضعون أنفسهم موضع من يرى الرأي ويفتي ويقضي، إلا وعندهم أنهم ممن صفت قريحته وصح ذوقه وتمت أداته. فإذا قلت لهم: «إنكم أتيتم من أنفسكم، وإنكم لا تفطنون»، ردوا مثله عليك وعابوك ووقعوا فيك.

الجرجاني يقول: أنا مشكلتي مع أهل زماني، إذا قلت لهم يا جماعة: «أنتم لستم من فرسان اللغة ولا من أهلها ولسه عليكم مشوار طويل»، عابوا عليك، وأنت شايف نفسك علينا، ونحن جماعة بنفهم. قال: «لا، بل قرائح هنا أصح، ونظرنا أصدق». قالوا للجرجاني: «إنا عقولنا أصح من عقلك، ونظرنا أصدق، وحسنا أذكى، وإنما الآفة فيكم، فإنكم جئتم فخيّل إليكم إلى أنفسكم أموراً لا حصل لها، وأوهمكم الهوى والميل أن توجب لأحد النظمين المتساويين فضلاً على الآخر».

أنتم أتيتم إلى نظم متساويين، اخترعت أن هذا فيه بلاغة أفضل من ذاك، وهم متساوون، وكل هذا علم البلاغة اختراعك يا جرجاني. قال: «فتبقى في أيديهم حسيراً لا تملك غير التعجب». أنت تقول له، فتبقى عند إذ تتعجب، كيف سترد على إنسان لا يعرف الذوق الأدبي؟ قال: «فليس الكلام إذاً بمغنٍ عنك، ولا القول بنافع، ولا الحجة مسموعة، حتى تجد من فيه عون لك». إذاً أنت تحتاج إلى إنسان متمرس في اللغة، قريحته قوية، حتى تستطيع أن تريه إعجاز القرآن وتضع يده على الجرح، هذا سيفهمك. أما الإنسان الضعيف في اللغة فلن يستطيع أن يفهم ما تقول، فالإكتفاء بالسكوت أحياناً يكون نعمة.

قال: «ومن إذا أبى عليك إباء ذاك طبعه، فردّه إليك، وفتح سمعة لك، ورفع الحجاب بينه وبينك، وأخذ به إلى حيث أنت، وصرفه ناظره إلى الجهة التي إليها». أو مات فاستبدل النفار إنساناً. وأراك بعد الإباء طالب العلم الهادئ المتزن، إذا ظفرت به والله تأنس به؛ لأنك تشعر أنك تحكي مع إنسان يفهم، إنسان جاء ليتعلم ويرتقي رويداً رويداً يبني نفسه في مجالس العلم، فهذا يؤنسك وتسر معه، رويداً الرويد سيفهم ما معنى الإعجاز وأين مواطنه. بخلاف الذي يظن نفسه عالماً وهو جاهل، هذا لن تستطيع أن تعلمه شيئاً. فاستبدل الشيخ بالنفار بعد أن كان نافراً من الطلاب لما وجد طالباً ذكياً، يستبدل به إنساناً. وأراك بعد الإباء الناس كلها تأبى كلامك، يأتيك طالب فهمان يقبل كلامك، وبالله التوفيق.

وهذه نهاية تعليقنا على الكتاب الثاني بإسناده المتصل للإمام الجرجاني رحمه الله تعالى عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. الحمد لله على نعمه وفضله، نُشرع الآن إن شاء الله في التعليق على الرسالة الثالثة، وهي "رسالة الأمثال في القرآن". وهذه الرسالة أيها الكرام ليست كتاباً مستقلاً، وإنما هي تطبع اليوم وهي في الأصل قسم من كتاب "إعلام الموقعين" -أو إعلام الموقعين على اختلاف في اسم الكتاب- للإمام ابن قيم الجوزية.

عقد فصلاً في ذكر أمثال القرآن، وهذا فصل بديع ينبغي لمن ينشغل بالقرآن أن يفهم معنى أمثال القرآن. القرآن فيه أكثر من أربعين مثلاً أيها الشباب، كثير منا يقرأ القرآن وهو لا يفهم لماذا ضرب الله هذه الأمثال أو ما هي الرسالة المطلوب أن يُعَم بها من هذه الأمثال، فالاهمام بهذا الجانب هو جانب من تقوية فهمك لكلام ربك سبحانه وتعالى. وابن القيم رحمه الله جزاه الله خيراً جمع لك جل هذه الأمثال في هذا الموطن في كتاب إعلام الموقعين، وتم إفراده فأصبح يطبع بعد ذلك تحت عنوان "الأمثال في القرآن"، فهو فن لطيف بديع خفيف ستجدونه سهلاً ميسراً بإذن الله.

نبدأ التعليق عليه لنعرف معنى كثير من الأمثال الواردة في كلام ربنا. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسائلين.

الناس تلاحظ أن الكتاب لم يبتدئ ببسم الله أو شيء من ذلك، لماذا؟ حتى هناك سطران قبله، لأنه جزء من كتاب، فنحن نبتدئ مباشرة من القسم الذي تكلم فيه في الأمثال، وليس هو مطلع كتاب.

قال رحمه الله تعالى: «ومن هذا ما وقع في القرآن من الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون». الله عز وجل ذكر الأمثال، فقال: ﴿لَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [البقرة: 264]. إنسان ربنا آتاه علماً هو الذي يفهم رسالة الله من هذا المثل، أما الإنسان الذي لا يتدبر القرآن فإنه لن يعي معنى الأمثال الواردة فيه.

قال: «فإنها تشبه شيئاً بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوس من الآخر». هذه فكرة الأمثال في اللغة العربية أصلاً؛ هو أنه يكون هناك شيء معقول ذهني، إذا أردت أن تقربه إلى الناس فإنك تضرب له مثلاً حسياً، أو يكون شيئاً محسوساً لكنه بعيد عن واقعك، فإذا أردت أن تشبهه لك تقيسه وتشبّهه بشيء محسوس تتعامل معه بشكل كثير.

لو أنك عدت إلى رجل قبل ألف سنة وأردت أن تكلمه عن التلفاز، التلفاز شيء محسوس صحيح، لكن هو لم يره، فكيف ستشرح له فكرة التلفاز؟ ستشبهه بشيء قريب في حياته، تقول: شخص يجلس في غرفة مظلمة ويخرج أمامه شاشة. فكرة الأمثال هي تقريب الأشياء المعقولة من الأشياء المحسوسة، أو شيء محسوس أنت لا تتعامل معه تقربه إلى السامع من خلال شيء محسوس ويكثر التعامل معه. وهكذا سنتعامل الآن مع الأمثال في القرآن.

قال رحمه الله: «واعتبار أحدهما بالآخر، كقوله تعالى في حق المنافقين: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: 17]». النفاق شيء ذهني، تصرف عقلي، كيف أراد الله أن يشبهه لك؟ صوره بصورة حسية؛ فصوره كإنسان جاء فأشعل ناراً، فلما أضاءت النار ما حوله فجأة ذهب النور وبقي في الظلام. الآن دوري أفهم ما علاقة هذه الصورة التشبيهية بماذا؟ هذه الصورة بماذا تشبه النفاق حتى شبه الله المنافق بهذا المثل؟

﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18-19]. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: 19] إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20]. فضرب للمنافقين بحسب حالهم مثلين، مثلاً نارياً ومثلاً مائياً؛ أما في النار والماء من الإضاءة والإشراق والحياة، فإن النار مادة للنور، والماء مادة للحياة.

إذن هذا أول مثل سنتدبره وهو في مطلع سورة البقرة. الله عز وجل صور المنافقين بمثلين: المثل الأول: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: 17]. المثل الثاني مباشرة بعدها: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 19]. هذا تشبيه وهذا تشبيه، التشبيه الأول يسميه ابن القيم تشبيهاً نارياً، والتشبيه الثاني تشبيهاً مائياً؛ لأنهم في الحالة الأولى شبهوا بإنسان يتعامل مع نار، وفي الحالة الثانية شبهوا بإنسان يمشي في المطر، فجعل الأول تشبيهاً نارياً والثاني تشبيهاً مائياً، وعلينا أن نفهم هذه الأمثال.

قال رحمه الله: «وقد جعل الله سبحانه الوحي الذي أنزله من السماء متضمناً لحياة، ولهذا سماه روحاً ونوراً، وجعل...». لماذا ضرب الله للمنافقين مثلاً نارياً ومثلاً مائياً؟ قال: «لأن في النار ما يعطينا الضوء والحرارة أحياناً، ولما في النار والماء من الإضاءة والإشراق والحياة». فالنار تعطيك الإضاءة والإشراق، والماء يعطيك الحياة.

قال: «فإن النار مادة للنور، والماء مادة للحياة، وقد جعل الله سبحانه الوحي الذي أنزله من السماء متضمناً لحياة القلوب». والوحي الإلهي هو نور وحياة، القرآن نور فيؤدي مفعول النار، وحياة فيؤدي مفعول الماء. كيف تعامل المنافق مع الوحي الإلهي؟ الوحي يشبه النار في أنه يعطي نوراً، والوحي يشبه الماء في أنه يعطي حياة. فالمنافق كيف تعامل مع الوحي الذي هو نور وماء؟

قال رحمه الله: «لهذا سماه روحاً ونوراً، وجعل قابلية الإحياء في النور روحاً، ومن لم يرفع به رأساً أمواتاً في الظلمات». فالذي يقبل الوحي هو حي في نور، والمنافق الذي لم يقبل الوحي هو ميت في ظلمات. انظر إلى هذه المقابلة: الذي قبل الوحي هو حياة مع نور، والذي لا يؤمن بالوحي وينافق فيه هو موت مع ظلمات، فقد النار والماء.

قال رحمه الله: «وأخبر عن حال المنافقين بالنسبة إلى حظهم من الوحي، وأنهم بمنزلة من استوقد ناراً لتضيء له وينتفع بها». وهذا لأنهم دخلوا في الإسلام فاستضاءوا به وانتفعوا به وآمنوا به وخالطوا المسلمين. بشرح المثل الناري: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، لما دخل في الإسلام كأنه أضاء حياته، ثم ماذا فعل؟ ﴿وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ تَكُنْ تَصْحَبُهُمْ مَادَّةٌ مِنْ قُلُوبِهِمْ مِنْ نُورِ الْإِسْلَامِ﴾، ولكن لما لم تكن تصحبهم مادة من قلوبهم من نور الإسلام، ونور الإسلام هو القرآن والوحي كما قلنا، فهم أسلموا كمن أشعل مصباحاً، لكن هل عندهم مادة النور وهو الوحي؟ لا.

﴿فَانْطَفَأَتْ بِنَارِهِمْ﴾، ولم يقل ذهب الله بنورهم، لأن النار فيها فائدة أخرى وهي الإحراق، فبقي عليهم دينهم وإسلامهم الذي نافقوا فيه ناراً تحرقهم. فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنَارِهِمْ﴾، ولم يقل بنورهم. أين ذهبت النار؟ النار انقلبت عليهم وأحرقت أجسادهم في نار جهنم. قال: «فذهب الله بما فيها من الإضاءة وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق».

قال: «وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ». فهذا حال من أبصر ثم عمي وعرف ثم أنكر، ودخل في الإسلام ثم فارقه بقلبه، فهو لا يرجع إليه، نسأل الله العفو والعافية. قال: «ولهذا قال: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾». هذا هو المثل الناري.

نأتي الآن إلى المثل المائي: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾. هنا شبه الله المنافق وهو يسمع القرآن، والقرآن فيه ظلمات ورعد وبرق؛ الرعد والبرق هو الترغيب والترهيب والوعد والوعيد. كيف تعامل المنافق مع هذه الحالة القرآنية؟ القرآن مطر وفيه رعد وبرق، وبدل أن ينتفع المنافق بهذه...

جعلوا أصابعهم في آذانهم فلم ينتفعوا بما في القرآن من الوعد والوعيد والروح والحياة. قال رحمه الله ثم ذكر حالهم بالنسبة للمثل المائي، فشبههم بأصحاب صيب، وهو المطر الذي يصوب أي ينزل من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق، فلض بصائرهم وعقولهم، واشتدت عليهم زواجر القرآن ووعيده وتهديده وأوامره. الرعد والبرق هو الوعد والوعيد في القرآن، قال: وأوامره ونواهيه وخطابه الذي يشبه الصواعق، فحالهم كحال من أصابه مطر في ظلمة ورعد وبرق فلض بصره وخوفه، فجعل أصبعيه في أذنيه؛ يعني بدلاً من أن يستفيد من الرعد والبرق والمطر، حاول للأسف أن يحمي نفسه منه، لكنه يحمي نفسه من وحي الله فخاب وخسر.

قال: فجعل أصبعيه في أذنيه وغمض عينيه خشية من صاعقة تصيبه. وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيراً من تلاميذ الجهمية والمبتدعة، إذا سمعوا شيئاً من آيات الصفات وأحاديث الصفات المنافية لبدعتهم رأيتهم عنها معرضين. هذا أيضاً يوجد في المبتدعة الذين ينفون صفات الله سبحانه وتعالى، فهذا فيه شبه نفاق. قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ﴾ [المدثر: 50]، فيقول إن الذين ينفون الصفات من الجهمية بمجرد أن يسمعوا آيات الصفات ينفرون منها ولا يريدون سماع أي آية فيها ذكر لصفة من صفات الله، حالهم حال المنافقين الذين إذا سمعوا آية من القرآن لا توافق أهواءهم وضعوا أصابعهم في آذانهم لا يريدون الانتفاع منها.

طبعاً عادة ابن القيم يتكلم أحياناً في مشاكل فكرية في زمنه، لذلك استطرد بذكر الجهمية ومن نحوهم، لكن الكلام أصلاً عن المنافقين. قال رحمه الله ويقول: "مخنثة سدوا عنا هذا الباب واقرأوا شيئاً غير هذا"، وترغى قلوبهم مولية؛ لأن الجهمية لا يحبون سماع آيات الصفات لأنها تخالف منهجهم، الجهمية ينفون صفات الله، فأي آية تثبت أن الله رحمن رحيم، ملك قدوس، لا يحبون سماعها كالمنافق الذي يضع إصبعه في أذنيه من الصواعق.

قال رحمه الله: "ترى قلوبهم مولية وهم يجمحون"، بثقل معرفة الرب تعالى وأسمائه وصفاته على عقولهم وقلوبهم. وكذلك المشركون على اختلاف شركهم، إذا جرد لهم التوحيد وتليت عليهم نصوصه المبطلة لشركهم اشمازت قلوبهم وثقل عليهم، ولو وجدوا السبيل إلى سد آذانهم لفعلوا. وكذلك تجد أعداء أصحاب رسول الله ﷺ إذا سمعوا نصوص الثناء على الخلفاء الراشدين والصحابة، منهم أعداء أصحاب رسول الله الرافضة؛ إذا سمعوا أي نص في المدح للصحابة والخلفاء الراشدين أعرضوا عنها يجعلون أصابعهم في آذانهم.

قال رحمه الله: "ثقل ذلك عليهم جداً وأنكرت قلوبهم"، وهذا كله شبه ظاهر. وهذا حال كثير من العلمانيين والليبراليين اليوم، إذا قيل لهم تعالوا نقول: ما قال الله ورسوله، فيقول أخي: ما بدنا هذا، جيب لنا شيء جديد معاصر، يجعلون أصابعهم في آذانهم، فالليبرالية قلوبهم تشابهت أعمالهم، سبحان الله، المنافقون قديماً وحديثاً تشابهت قلوبهم فتشابهت أفعالهم وأعمالهم.

قال رحمه الله تعالى: "فصل"، وقد ذكر الله المثلين المائي والناري في سورة الرعد، الآن نذهب إلى مثل آخر في سورة الرعد، ضرب الله أيضاً مثلاً مائياً ومثلاً نارياً، لكن في صفة المؤمن، قبل قليل كان المثل المائي والناري في صفة المنافق، الآن خلينا نأخذ في صفة المؤمن. فقال تعالى: ﴿وَلَٰكِن فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَتِ السَّيْلَ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقَدُ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17].

كذلك يضرب الله الأمثال؛ من يعطي المثل المائي؟ «أنزل من السماء ماء»، وأين المثل الناري؟ «ومما يوقدون عليه في النار». قال رحمه الله: شبه الوحي الذي أنزله لحياة القلوب والأسماع والأبصار بالماء الذي ينزله لحياة الأرض بالنبات، وشبه القلوب بالأودية، فالقلوب هي الأودية؛ قلوب المؤمنين هي الأودية التي تستقبل ماء السماء. قال: «فقلب كبير يسع علماً عظيماً كواد كبير يسع ماء كثيراً، وقلب صغير إنما يسع بحسبه كواد صغير»، فقلب المؤمن الصغير يسع كمية صغيرة من الوحي، وطالب العلم الذي كبر عقله وقلبه يسع كمية كبيرة من الوحي فهماً وتدبراً.

قال: «فسالت أودية بقدرها واحتمت قلوب من الهدى والعلم بقدرها»، فكل قلب على حسب سعته استقبل من ماء السماء وهو الوحي. قال رحمه الله: وكما أن السيل إذا خلط الأرض ومر عليها احتمل غثاء وزبداً، والزبدة هي الأغصان الصغيرة والأوساخ، قال: «فكذلك الهدى والعلم إذا خالط القلوب أثار ما فيها من الشهوات والشبهات»، شوف الكلام الجميل، كذلك العلم وهو الوحي إذا دخل في وادي قلبك أزاح ما في قلبك من الشبهات والشهوات، فأصبحت الشبهات والشهوات عندما يأتي سيل الماء، سيل الوحي، إلى قلبك كأنه يجرف كل ما عندك من الشبهات والشهوات ليحل محلها الماء النافع.

قال: «يقلعها ويذهبها كما يثير الدواء وقت شربه من البدن أخلاطاً»، يعني الأشياء السيئة، الأخلاط هي الأشياء التي تكون في الأمعاء من الأمور الرديئة، قال: «فيتكدر بها شاربه»، وهي من تمام نفع الدواء، فإنه يثير آثارها ليذهب بها، فإنه لا يجامعها ولا يساكن، وهكذا يضرب الله الحق بالباطل. وهكذا إذا الماء ينزل على قلبك وقلبك هو الوادي، فسالت أودية بقدرها لما نزل الماء وهو الوحي على قلبك جرف ما فيه من الشبهات والشهوات ليلقيها.

ثم ذكر المثل الناري فقال تعالى: ﴿وَمِمَّا يُوقَدُ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾، وهو الخبث الذي يخرج عند سبك الذهب والفضة والنحاس والمعادن التي تستخلص من الأرض، كيف يقومون بتصفيتها؟ يعرضونها على النار، فالنار تزيل ما عليها من الخبث ليصبح المعدن خالصاً نقياً. وكذلك قلبك عندما تعرضه على القرآن يزيل ما فيه من الشبهات والشهوات، فيبقى معدن قلبك خالصاً نقياً، فشبه الله قلبك بالمعدن الذي يستخلص من الأرض، فيعرض على النار لينقى، والنار هنا هي الوحي الإلهي أيضاً.

قال رحمه الله: «فتخرج النار وتميزه وتفصله عن الجوهر الذي ينتفع به، فيرمى ويطرح ويذهب جفاءه»، فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلب المؤمن ويطرحها ويجفها، كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد والغث والخبث، ويستقر في قرار الوادي الماء الصافي الذي يستقي منه الناس ويزرعون ويسقون. كلا، إن الله سبحانه في كلا الموضعين، في البقرة وفي الرعد، شبه الوحي الإلهي بالماء وبالنار سواء للمنافق أو للمؤمن. قال رحمه الله: كذلك يستقر في...

قرار القلب وجذري الإيمان الخالص الصافي الذي ينفع صاحبه وينتفع به غيره، ومن لم يفقه هذين المثلين ولم يتدبرهما ويعرف ما يراد منهما فليس من أهلهما، والله الموفق.

يقول رحمه الله: هذه الأمثال لابد أن تفهمها وتفهم ما لها؛ حتى تستطيع أن تنتفع بالوحي، وتعرف قدر الوحي على إصلاح قلبك أيها المؤمن وجرف ما فيه من الغثاء.

قال رحمه الله تعالى: المثل الثالث. ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24].

شبه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر فتروق بزينتها وتعجبه، فيميل إليها ويهواه اغترارًا منه بها، حتى إذا ظن أنه مالك لها وقادر عليها سلبها بغتة أحوج ما كان إليها. الدنيا تظن أنك قادر على الدنيا، فجأة تجد الدنيا تنقلب بك وتتغير أحوالك؛ من غنى إلى فقر، ومن صحة إلى مرض، ومن عافية إلى بلاء وكرب، هكذا الدنيا.

قال: سلبها بغتة أحوج ما كان إليها وحيل بينه وبينها، فشبهها بالأرض التي ينزل الغيث عليها فتخضر ويحسن نباتها، ويروق منظرها للناظر فيغتر به ويظن أنه قادر على الحصاد، فيأتيها أمر الله فتدرك نباتها بغتة، فتصبح كأن لم تكن قبل، فيخيب ظنه وتصبح يداه صفرًا منها. فهكذا حال الدنيا، والواثق بها سواء؛ الذي يثق بالدنيا هكذا حاله. إنسان له مزروعات، إذا بدأ يحصدها فجأة طاف عليها وهم نائمون، كذلك الدنيا؛ تشتغل لها وتتعب من أجلها، فجأة تفقد كل شيء. لا تثق بالدنيا، وإنما ثقة المؤمن بما عند الله.

قال: وهذا من أبلغ التشبيه والقياس، ولما كانت الدنيا عرضة لهذه الآفات والجنة سليمة منها، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: 25]. والآية التي بعدها مباشرة: ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. لماذا سميت الجنة دار السلام؟ لأنها سليمة من الزوال بخلاف الدنيا. فسماها هنا دار السلام لسلامتها من هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا، فعم بالدعوة إليها وخص بالهداية من يشاء؛ فذاك عدله وهذا فضله. والله يدعو إلى دار السلام، ولكنه يهدي من يشاء، فالدعوة للجميع لكن الهداية لأهل الإيمان.

قال رحمه الله: فصل. ومنها قوله تعالى: ﴿فَذَٰلِكَ عَدْلُهُ﴾؛ يعني أنه دعا الجميع، ومعنى فذاك عدله أنه دعا المؤمن والكافر هداية الإرشاد، ولكن ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ هذا هو فضله؛ لأن من يهدي الله فهو المهتدي.

قال رحمه الله: ومنها قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 50]. فإنه سبحانه ذكر الكفار ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون سمعًا وما كانوا يبصرون، ثم ذكر المؤمنين ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح والإنابة إلى ربهم، فوصفهم ببصيرة الظاهر والباطن. جعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق وأصم عن سماعه، فلا ينتفع به. فشبهه بمن بصره أعمى عن رؤية الأشياء وسمعه أصم عن سماع الأصوات، والفريق الآخر بصير القلب سميع، وهم المؤمنون.

قال: بصير القلب سميع، كبصمة منهم، يعني مسكين الإنسان؛ الإنسان إذا كان ضعيفًا يلتجئ إلى شخص قوي، لكن الكفار لخساسة نفوسهم وضعفها، التجأوا إلى من هو أضعف منهم؛ إلى أصنام لا تضر ولا تنفع. فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت؛ اتخذت بيتاً وهو أوهن البيوت. العنكبوت أرادت أن تحمي نفسها، الإنسان لماذا يأخذ بيتًا؟ من أجل أن يحمي نفسه، العنكبوت ضعيفة تريد أن تحمي نفسها فاتخذت بيتًا، لكن ما بيتها؟ بيتها من أوهن البيوت.

قال رحمه الله: وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء، فلم يستفيدوا. الإنسان ضعيف، لكن أضعف ما يكون في اللحظة التي يتخلى عن الاستعانة بالله ويلجأ إلى غير الله؛ أي أضعف مراحل حياتك. قال: ﴿فَلَمْ يَسْتَنصِرُوا مَنِ اتَّخَذُوهُ أَوْلِيَاءَ إِلَّا ضَعْفًا﴾، لم تزد هذه الولاية إلا ضعفًا، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 81-82]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾ [يس: 22-23]. وقال بعد أن ذكر إهلاك آل المشركين: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [يس: 24-26].

فهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على أن من اتخذ من دون الله وليًا ليعتز به ويستنصر به، فإن مقصوده من العز والانتصار يكون ضدًا؛ وذلك من يركن إلى الظالمين ويعتز بهم على الموحدين، في يوم من الأيام سينقلب الظالمون عليه، فتذكر هذا جيدًا.

وفي القرآن أكثر من ذلك، وهذا من أحسن الأمثال وأدلة على بطلان الشرك وخسارة صاحبه وحصوله على ضد مقصوده. فإن قيل: هم يعلمون أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، فكيف نفعهم علم ذلك؟ بقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. فالجواب أنه سبحانه لم ينفعهم علمهم بوهن بيت العنكبوت، وإنما نفعهم علمهم بأن اتخاذهم أولياء من دونه كالعنكبوت التي اتخذت بيتها، فلو علموا ذلك لما فعلوه، ولكن ظنوا أن اتخاذهم الأولياء من دونه يفيدهم عزة وقوة، فكان الأمر بخلاف ما ظنوه، هذا الذي لا يعلمونه.

قال رحمه الله تعالى: فصل. ومنها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: 39].

﴿فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: 40].

قال رحمه الله: ذكر سبحانه للكافرين مثلين؛ مثلا بالسراب ومثلا بالظلمات المتراكمة، وذلك لأن هذه الآية فيها مثلا؛ المثل الأول شبههم بإنسان رأى سرابا ظنه شيئا، والآية الثانية بإنسان في ظلمات بعضها فوق بعض.

ما الفرق بين المثل الأول والثاني؟ قال: وذلك لأن المعرضين عن الهدى والحق نوعان: أحدهما من يظن أنه على شيء فتبين له عند انكشاف الحقائق خلاف ما كان يظنه، وهذا صاحب الجهل المركب الذي يظن نفسه على شيء، الكافر الذي عنده جهل مركب يظن نفسه على هدى وهو ليس على شيء، هذا كمثل إنسان رأى سرابا فظنه شيئا نافعا، فلما اقترب منها عرف أنه رأى سرابا لا قيمة له.

قال رحمه الله: وهذه حال أهل الجهل وأهل البدع والأهواء الذين يظنون أنهم على هدى وعلم، فإذا انكشفت الحقائق وتبين لهم أنهم لم يكونوا على شيء، وأن عقائدهم وأعمالهم التي ترتبت عليها كانت كسراب يرى في عين الناظر ماءه ولا حقيقة له، وهكذا الأعمال التي لغير الله وعلى غير أمره، يحسبها العامل نافعة له وليس كذلك، هكذا الأعمال التي لا يقصد فيها وجه الله أو على غير أمره تكون بدعة على غير شرعه، يحسبها العامل نافعة لكنها ليست كذلك.

قال: وهذه هي الأعمال التي قال الله عز وجل فيها: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]. وتأمل؛ جعل سبحانه السراب بالقيح، وهي الأرض القفر الخالية من البناء والشجر والنبات، والعالم مايعه هي الأرض التي لا زرع فيها ولا بناء.

قال: فمحل السراب أرض قفر لا شيء بها، والسراب لا حقيقة له، وذلك مطابق لأعمالهم وقلوبهم التي أكثرت من الإيمان والهدى. وتأمل ما تحت قوله: "يحسبه الظمآن ماءه"، والظمآن الذي قد اشتد عطشه فرأى السراب فظنه ماءه فتبعه فلم يجده شيئا، بل خانه أحوج ما كان إليه، فكذلك هؤلاء لما كانت أعمالهم على غير طاعة الرسل ولغير الله جعلت كالسراب، فرفعت لهم أضمر ما كانوا أحوج ما كانوا إليه فلم يجدوا شيئا، ووجدوا الله سبحانه.

ثم فاجأهم بأعمال... وجدوا الله سبحانه، ثم فاجأهم، أي هناك في يوم القيامة، بدل أن يجدوا أعمالهم النافعة تنفعهم يجدون الله، فجأة يحاسبهم على كل تقصيرهم.

قال: فاجأهم بأعمالهم وفاجأهم حسابهم. وفي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ في حديث التجلي يوم القيامة: «ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها السراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم. ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال لهم: اشربوا، فيتساقطون».

وذكر الحديث: وهذه حال كل صاحب باطل، فإنه يخونه باطله أحوج ما كان إليه، فإن الباطل لا حقيقة له وهو كاسمه باطل، فإذا كان الاعتقاد غير مطابق ولا حق كان متعلقه باطلا، وكذلك إذا كانت غاية العمل باطلة كالعمل لغير الله أو على غير أمره، بطل العمل ببطلان غايته، وتضرر عامله ببطلانه وبحصول ضد ما كان يؤمله، فلم يذهب عليه عمله واعتقاده لا له ولا عليه، بل صار معذبا بفوات نفعه وبحصول ضده.

أي؛ يا ريت أنه طلع لا له ولا عليك، بل بالعكس سيكون عليك؛ اعتقادك البطل، قال: بل صار معذبا بفوات نفعه وبحصول ضده، الذي لم يجد سرابا خلص، يعني طلع لا له ولا عليه، لكن هذا الرجل وجد الله عنده، يا ريته بس وجد سرابا، وجد حسابا عسيرا ينتظره.

قال: فلهذا قال تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهُ عِندَهُ فَأَوْفَاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [إبراهيم: 52]. فهذا مثل الضال الذي يحسب أنه على هدى، {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}. هذا هو السراب.

قال رحمه الله: فصل، والنوع الثاني أصحاب مثل الظلمات، هذا كما يصدق على الكفار، يصدق على المبتدعة من أهل الإسلام. قال: والنوع الثاني أصحاب مثل الظلمات المتراكمة، وهم الذين عرفوا الحق والهدى وأثر على هؤلاء قوم... لا، شوف الفرق، الذين في ظلمات متراكمة قوم عرفوا الحق وعرفوا الهدى وعرفوا السنة، لكنهم أثروا الهوى والشهوات والبدعة وأهواءهم، فليس هؤلاء هم الأول، الأول هو جهل مركب، ظن أنه يعرف لكنه لا يعرف، أما هؤلاء فمثل اليهود الذين عرفوا الحق لكنهم لم يعملوا به.

قال رحمه الله: وأثر عليهم ظلمات الباطل والضلال، فتراكمت عليهم ظلمة الطبع وظلمة النفوس وظلمة الجهل حيث لم يعملوا بعلمهم؛ ظلمة الطبع السيئ، وظلمة النفوس الأمّارة، وظلمة الجهل، حيث لم يعملوا بعلمهم فصاروا جاهلين، أو يمكن يكون مراد الطبع أنه طبع الله على قلوبهم، والعياذ بالله.

قال: فصاروا جاهلين وظلمة اتباع الغي والهوى، فحالهم كحال من كان في بحر لجي لا ساحل له، وقد غشيه موج من فوقه موج ومن فوقه سحاب. قال: وظلمة الجهل طبعاً أي جهل، نقول هؤلاء يعرفون، ماذا أقصد بالجهل؟ أنهم لم يعملوا بعلمهم، هذا هو الجهل المراد هنا، وليس الجهل عدم المعرفة، ما نحن قلنا ابتداء هم عارفين لكنهم أعرضوا.

قال: فهو في ظلمة البحر وظلمة الموج وظلمة السحاب، وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجهم الله منها إلى نور الإيمان. وهذان المثلان؛ بالسراب الذي ظنه مادة الحياة وهو الماء، والظلمات المضادة للنور، نظير المثلين الذين ضربهما الله للمنافقين والمؤمنين، وهما المثل المائي والمثل الناري، وجعل حظ المؤمنين منهما الحياة والإشراق، وحظ المنافقين منه الظلم والمضادة للنور والموت والمضادة للحياة.

فكذلك الكفار في هذين المثلين، حظهم من الماء السراب الذي يغري الناظر ولا حقيقة له، وحظهم الظلمات المتراكمة. وهذا يجوز أن يكون المراد به حال كل طائفة من طوائف الكفار، وأنهم عدموا مادة الحياة والإضاءة بإعراضهم عن الوحي، فيكون المثلان صفتين لموصوف واحد، ويجوز أن يكون المراد به تنويع أحوال الكفار، وأن أصحاب المثل الأول... أن هذان المثلان يتكلمان عن نفس الطائفة، أم كل مثل لطائفة؟ يقول ابن القيم: يجوز أن تجعلهما صفتان لطائفة واحدة، عندهم بدع وعندهم إعراض عن...

العمل، ويجوز أن تجعلهما هذه لطائفة وهذا لطائفة من باب التنويع. قال: «وإن أصحاب المثل الأول هم الذين عملوا على غير علم ولا بصيرة، بل على جهل وحسن ظن بالأسلاف؛ فكانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. وأصحاب المثل الثاني هم الذين استحبوا الضلالة على الهدى، وآثروا الباطل على الحق، وعموا مع علمهم بالحق، وآثروا الباطل على الحق وعموا عنه بعد أن أبصروا، وجدوه بعد أن عرفوه».

فهذا حال المغضوب عليهم، والأول حال الضالين. وحال الطائفتين مخالف لحال المنعم عليهم المذكورين في قوله تعالى: ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: 35] إلى قوله تعالى: ﴿يَجْزِيهِمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: 38]. فتضمنت الآيات أوصاف الفرق الثلاث: المنعم عليهم وهم أهل النور، والضالين وهم أصحاب السراب، والمغضوب عليهم وهم أهل الظلمات المتراكمة، والله أعلم.

فالمثل الأول من المثلين لأصحاب العمل الباطل الذي لا ينفع، والمثل الثاني لأصحاب العلوم والنظر والأبحاث التي لا تنفع؛ فأولئك أصحاب العمل الباطل، وهؤلاء أصحاب العلم الذي لا ينفع والاعتقادات الباطلة، وكلاهما مضاد للهدى ودين الحق. ولهذا مثل حال الفريق الثاني في تلاطم أمواج الشكوك والشبهات والعلوم الفاسدة في قلوبهم بتلاطم أمواج البحر، وإنها أمواج متراكمة من فوقها سحاب مظلم، وهكذا أمواج الشكوك والشبه في قلوبهم المظلمة التي قد تراكمت عليها سحب الغي والهوى والباطل.

فليتدبر اللبيب أحوال الفريقين، ويطابق بينهما وبين المثلين، يعرف عظمة القرآن وجلالته، وأنه تنزيل من حكيم حميد سبحانه. وأخبر سبحانه أن الموجب لذلك أنه لم يجعل لهم نورًا، بل تركهم على الظلمة التي خلقوا فيها فلم يخرجهم منها؛ فقال في ختام الآية: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: 40]. بل تركهم على الظلمات التي خلقوا فيها فلم يتعلموا بالقرآن، قال: «فلم يخرجهم منها إلى النور»، فإنه سبحانه ولي الذين آمنوا، يخرجهم من الظلمات إلى النور.

وفي المسند من حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليه من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل». فلذا أقول: الإنسان في أصله ظلوم جهول، وإنما يستفيد العلم من نور الله سبحانه وتعالى ووحيه.

قال: فلذلك يقول: جف القلم على علم الله. فالله سبحانه خلق الخلق في ظلمة، فمن أراد هدايته جعل له نورًا وجوديًا يحيي به قلبه وروحه كما يحيي بدنه الروح التي ينفخها فيه؛ فهما حياتان: حياة البدن بالروح، وحياة الروح والقلب بالنور. ولهذا سمى سبحانه الوحي روحًا؛ لتوقف الحياة الحقيقية عليه، كما قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: 2]. وقال: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: 52]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52]. ما كمن سمى الله الوحي روحًا إلا لأنه يعطيك حياة.

قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: 52]. فجعل وحيه روحًا ونورًا، فمن لم يحيَ بهذا الروح فهو ميت، ومن لم يجعل له نورًا منه فهو في الظلمات ما له من نور.

قال رحمه الله: فصل، ومنها قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44]. قال: فشبه أكثر الناس بالأنعام، والجامع بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والانقياد له. وجعل الأكثرين أضل سبيلًا من الأنعام؛ لأن البهيمة يهديها سائقها فتهتدي وتتبع الطريق فلا تحيد عنها يمينًا ولا شمالًا، والأكثر يدعوهم الرسل ويهدون السبيل فلا يستجيبون ولا يهتدون، ولا يفرقون بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم، والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات والطريق فتجنبه، وما ينفعها فتؤثره. والله تعالى لم يخلق للأنعام قلوبًا تعقل بها ولا ألسنة تنطق بها، وأعطى ذلك لهؤلاء ثم لم ينتفعوا بما جعل لهم من العقول والقلوب والألسنة والأسمع والأبصار، فهم أضل من البهائم؛ فإن من لا يهتدي إلى الرشد وإلى الطريق مع الدليل إليه أضل وأسوأ حالًا ممن لا يهتدي حيث دليل معه.

قال رحمه الله: فصل، ومنها قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ ۖ هَل لَّكُم مِّمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: 28].

قال رحمه الله: وهذا دليل قياسي احتج الله سبحانه به على المشركين حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فقام عليهم حجة يعرفون صحتها من نفوسهم، لا يحتاجون فيها إلى غيرهم. وأبلغ الحجاج أن يأخذ الإنسان من نفسه ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عن رضاه، أن يقيم التوحيد ويجعل تشبيه التوحيد بشيء يعملونه في حياتهم، فضرب لهم مثلًا هو من عادتهم في الحياة.

فقال: «هل لكم مما ملكت أيمانكم من عبيدكم وأمائكم شركاء في المال والأهل؟» يعني إذا كان عندك عبد، هل عبدك يشاركك في مالك وأهلك، أم عبدك فقط خادم مطيع؟ ولا ترضى أن يشاركك في شيء من أموالك، هكذا طبيعة العبودية، فكيف ترضون لله الواحد القهار، وهو ملك الملوك، أن يشاركه شيء من الأصنام وهي مخلوقاته، في تدبير شيء من أمور العالم العلوية أو السفلية؟ فهمتم كيف قايس الأمور لهم.

قال رحمه الله: أي هل يشارككم عبيدكم في أموالكم وأهلكم؟ فأنتم وهم في ذلك سواء، تخافون أن يقاسمكم أموالكم ويشاطرها إياكم. وهل أنت تخاف من عبدك أن يشاركك في مالك؟ لا، لأن العبد لا يملك. قال: «يستأثر ببعضها عليكم كما يخاف الشريك شريكه». وقال ابن عباس: «تخافونهم أن يرثوا كما يرث بعضكم بعضًا». والمعنى: هل يرضى أحد منكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك؟ لا يقبل أحد ذلك أن يكون عبده شريكًا له. فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرف فيه كما يخاف غيره من الشركاء والأحرار. فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم، فلمَ ترضون لله؟ كما لا ترضى لنفسك أن يكون عبدك شريكًا لك، فلا ترضوا لله أن تكون...

الأصنام شريك له؟ نعم، قال: ﴿فَلِمَ عَدَلْتُم بِهِ﴾، من هو؟ مملوك لي. فإذا كان هذا الحكم باطلاً في فطركم وعقولكم، مع أنه جائز عليكم؛ فمن الممكن في حقكم أن يكون عبدكم يشارككم، ولكن في العادة لا يشارككم. فكيف والله عز وجل لا يمكن عقلاً أن يشاركه أحد، وأنتم تجعلون له شركاء؟

قال رحمه الله: إذ ليس عبيدكم ملكاً لكم حقيقة، وإنما هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم وأنتم وهم عباد لي، فكيف تستوي؟ أما نحن فنحن عبيد لله حقاً، وملك لله حقاً وليس مجازاً. فكيف تستوي هذه الأحكام في حق من جعلتموه لي شركاء، وهو عبيد وملكي وخلقي حقيقة؟ فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي العقول.

قال رحمه الله تعالى: فصل. ومنها قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ عِبْءٌ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَ مَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 75-76].

هنا مثلاً في سورة النحل، ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، ومن رزقناه منا رزقاً حسناً، ثم قال في الآية الثانية: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ عِبْءٌ عَلَىٰ مَوْلَاهُ﴾، ثم قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾.

قال رحمه الله: هذان مثلان متضمنان قياسين من قياس العكس، وهو نفي الحكم لنفي علته وموجبه. فإن القياس نوعان: قياس طرد يقتضي إثبات الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه، وقياس عكس يقتضي نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه.

فالمثل الأول ما ضربه الله سبحانه لنفسه ولأوثانه؛ إذاً المثل الأول مقارنة بين الله والأوثان. فالله سبحانه والمالك لكل شيء ينفق كيف يشاء على عباده، سرا وجهرا، وليلاً ونهاراً، نَفَقَتُهُ لا تغلها سحاء الليل والنهار. والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء، فكيف تجعلون شركاء لي وتعبدون من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين؟ هذا قول مجاهد وغيره.

إذاً إن ضرب الله عبداً مثلاً: ﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ هذه الأصنام، ﴿وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ هذا الإنسان الذي عنده قدرة على البذل. فالله عز وجل يقول: هل يستوي عبد لا يملك شيئاً بمن عنده القدرة على الإنفاق ليلاً ونهاراً لا يخشى فَقراً؟ فكذلك الله والأصنام؛ أصنامكم لا تسمع ولا تنفع، وأما الله فيعطي ليلاً ونهاراً، فكيف سويت بين هذا وهذا؟ هذه قسمة ضيزى.

قال رحمه الله: وقال ابن عباس: «هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر». ابن عباس يرى أن هنا ليس مقارنة بين الله والأوثان، بل له رأي آخر، وهي أن الآية الأولى مقارنة بين العبد المؤمن والكافر. فيقول ابن عباس رضي الله عنه: «هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، ومثل المؤمن في الخير الذي عنده بمن رزقه منه رزقاً حسناً فهو ينفق منه على نفسه وعلى غيره سراً وجهراً، والكافر بمنزلة عبد مملوك عاجز لا يقدر على شيء لأنه لا خير عنده، فهل يستوي الرجلان عند أحد من العقلاء؟ المؤمن عنده خير يستطيع أن يقدمه بينما الكافر لا يوجد عنده شيء يقدم لآخرته».

فهذا يعني أحد الاحتمالات في التفسير، لكن يقول ابن القيم: «والأول أشبه، أنه مقارنة بين الله والأوثان وليس بين المؤمن والكافر». قال رحمه الله: «والقول الأول أشبه بالمراد؛ فإنه أظهر في بطلان الشرك، وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة، وأقرب نسباً بقوله في أول الآيات: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ * فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾».

قال رحمه الله: ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه الله منه رزقاً حسناً، والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء. فهو يرى أن تفسير ابن عباس هو فرع عن تفسير مجاهد؛ فالأصل أن نقول إنها مقارنة بين الله وبين الأوثان، ثم الله عز وجل الذي يعطي العطاء هو للعبد المؤمن الموحد لأنه أعطي عطاءً من الله وهو الإيمان، فحاله ليس كالكافر الذي اتبع الأصنام ولم يحصل على ذلك العطاء.

قال رحمه الله: فهذا مما نبه عليه المثل وأرشد إليه، فذكره ابن عباس منبهاً على إرادته لا أن الآية اختصت به. فما ذكره ابن عباس كأنه تنبيه، وليس على أن الآية تتكلم عنه. فإنك تجده كثيراً في كلام ابن عباس وغيره من السلف في القرآن، فيظن الظان أن ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره، فيحكيه قولاً لابن عباس، وإنما أراد ابن عباس إعطاء إضافة أخرى في الآية وليس أن ذلك تفسير الآية، وإلا فـأصل هذا المثل: ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً مقارنة بين الله والأوثان.

قال رحمه الله تعالى: فصل. وأما المثل الثاني فهو مثل ضرب الله فيه لنفسه ولما يعبد من دونه أيضاً؛ فصنم الذي يعبد من دونه بمنزلة رجل أبكم. أيضاً مثل في مقارنة بين الله وبين الأصنام؛ فالصنم الذي يعبد من دونه بمنزلة رجل أبكم لا يعقل ولا ينطق، بل هو أبكم القلب واللسان، قد عدم النطق القلبي واللساني. ومع هذا فهو عاجز لا يقدر على شيء البتة، وهو عبء على مولاه، ثقيل لا ينفع بشيء، هل هناك أحد يرضى أن يكون هذا إنساناً يساعده؟ لا يرضى به أحد. ومع هذا فأينما أرسلته لا يأتيك بخير ولا يقضي.

الله تعالى حي، قادر، متكلم، يأمر بالعدل، وهو على الثاني الذي يطيع، الذي ينتفع به سيده. هذا فيه فائدة؛ طبعاً ليس المراد -والعياذ بالله- أن الله كالعبد الذي تنتفع منه، لكن المراد أنه في الحياة الدنيا إلى من تلتجئ؟ إلى عبد أبكم لا ينفع في شيء؟ أم أن يكون لك عبد ينفعك؟ فكذلك يا أيها العاقل، الأصل ألا تلتجئ إلى الأصنام التي لا تنفعك، وإنما إذا أردت شيئاً ينفعك أن تلتجئ إلى من يقدر، إلى من يستطيع، إلى من عنده حياة.

قال رحمه الله: وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد، فإن أمره بالعدل وهو الحق تضمن أنه -يختم الآية يستوي- هو من يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم. قال رحمه الله: فإن أمره بالعدل وهو الحق تضمن أنه سبحانه عالم به، معلم له، راضٍ به، آمر لعباده به، محب لأهله، لا يأمر بسواه، بل تنزه عن ضده الذي هو الجور والظلم والسفه والباطل، بل أمره وشرعه عدل كله، وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه، وهم المجاورون له عن يمينه على منابر من نور.

وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي الديني والأمر القدرِي الكوني؛ فالله عادل في شرعه وعادل في قدره، فالله عز وجل لا يأمر إلا بالعدل. قال: وكلاهما عدل لا جور فيه بوجه ما، كما في الحديث الصحيح: «اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضائك». فقضاؤه الكوني فإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، فلا يأمر إلا بحق وعدل، وقضاؤه وقدره القائم به حق وعدل، وإن كان في المقضي المقدر ما هو جور وظلم، فالقضاء غير المقضي، والقدر غير المقدر.

يعني قد يكون هناك بالنسبة لفلان جور وظلم وقع عليه، لكن حتى ما يقع عليك من الظلم فالله عادل، إن سلط عليك من يظلمك، يعني حتى لو ظُلمت في الدنيا فالله عادل لما أراد أن تحصل هذه النتيجة لك، فأنت لا تعرف لماذا وقعت لك، يمكن تكون كفارة لذنوبك، ممكن تكون لأنك فعلت هذا بغيرك، فعليك أن تفرق بين فعل الله وما حصل في المخلوق.

قال رحمه الله: ثم أخبر سبحانه أنه على صراط مستقيم، وهذا نظير قول رسوله شعيب: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [هود: 56]. ما معنى أن الله على صراط مستقيم؟ الآن سيبين لك. قال: وهذا نظير قول رسوله شعيب: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: 56]. هل هذا كلام شعيب؟ ولا أخطأ ابن القيم؟ هذا كلام هود، هذا ليس من كلام شعيب، هذا خطأ إلا أن يكون نسخ من النساخ الخطأ.

قال: فقوله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ نظير قوله: «ناصيتي بيدك»، وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ نظير قوله: «عدل في قضائك»، فالأول ملكه والثاني حمده، سبحانه له الملك وله الحمد. قال: وكونه سبحانه على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا الحق، ولا يمر إلا بالحق، أي أن الله على الصراط المستقيم أي أنه لا يقول إلا الحق ولا يفعل إلا الحق ولا يأمر إلا بالحق.

قال: ولا يفعل إلا ما هو مصلحة ورحمة وحكمة وعدل، فهو على الحق في أقواله وأفعاله، فلا يقضي على العبد ما يكون ظالماً له به، ولا يأخذه بغير ذنب، ولا ينقصه من حسناته شيئاً، ولا يحمل عليه من سيئات غيره التي لم يعملها ولم يتسبب إليها شيء؛ ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: 15]. قال: ولا يؤخذ أحداً بذنب غيره، يفعل قط ما لا يحمد عليه ويثنى به عليه ويكون له فيه العواقب الحميدة والغايات المطلوبة، فإن كونه على صراط مستقيم يأبى ذلك كله.

قال محمد بن جرير الطبري: وقوله ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يقول إن ربي على طريق الحق، يجازي المحسن من خلقه بإحسانه، والمسيء بسوءته، لا يظلم أحداً منهم شيئاً، ولا يقبل منهم إلا الإسلام له والإيمان به. ثم حكى عن مجاهد من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عنه: أن ربي على صراط مستقيم، قال: الحق، وكذلك رواه ابن جرير عنه.

قال: وقالت فرقة: هي مثل قوله ﴿إِنَّ رَبِّي لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14]، يعني على الحق. وقالت فرقة: هي مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْقَةً مِنْهُمْ تُقُولُ﴾، أن معنى ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أن ربي لبالمرصاد، قالوا هي تشبه الآية الثانية، طبعاً سيختلف المعنى هنا. قال: وهذا اختلاف عبارة، فإن ابن القيم يرى أن الخلاف خلاف عبارة فقط، خلاف لفظي وليس حقيقياً. قال: فإن كونه بالمرصاد هو مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، هذا معنى أنها بالمرصاد.

وقالت فرقة: في الكلام حذف تقديره أن ربي يحثك على الصراط المستقيم، يعني أن ربي يحث على الالتزام بالصراط، وهذا يسمى دلالة اقتضاء عند الأصوليين، لكن لا حاجة إليها لأن المعنى يصح بدونها. قال: يحثك على صراط مستقيم ويحض عليه، وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية الذي أريد بها فليس كما زعموا، ولا دليل على هذا المقدر، وقد فرق سبحانه بين كونه أمراً بالعدل وبين كونه على صراط مستقيم، وإن أراد أن حثه على الصراط المستقيم من جملة كونه على الصراط المستقيم فقد أصاب، أما إن أراد أن حثه على الصراط المستقيم متفرع من كونه هو على صراط مستقيم فهذا تفسير باللازم وليس هو معنى الآية الأصلي، وإن كان معنىً صحيحاً.

قال رحمه الله: وقالت فرقة أخرى: الإنسان الذي ليس دغري دائماً يقول لك بأمر غيره أن يكونوا مثله، فإذا كان الله على صراط مستقيم فهو يحث الناس جميعاً أن يكونوا على صراط مستقيم، لكن هذا من لوازم الآية وليس من أصل معناها. قال: معنى كونه على صراط مستقيم أن مرد العباد والأمور كلها إلى الله لا يفوتُه شيء منها، وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية فليس كذلك، وإن أرادوا أن هذا من لوازم البعض فقد أصابوا. قال: صراط مستقيم أي أن كل الأمور بقدر الله.

معنى الآية أن كل الأمور بقدر الله. يقول ابن القيم: «هذا من لوازمها لكن ليس هو معناها ابتداء»، قال: «وإن أراد أن هذا من لوازم كونه على صراط مستقيم، ومن مقتضاه وموجبه فهو حق وصواب». وقال رحمه الله: «وقالت فرقة أخرى: معناه كل شيء تحت قدرته وقهرِه وفي ملكه وقبضته، وهذا وإن كان حقًا فليس هو معنى الآية»، وهذا قريب من معنى الفرقة السابقة.

وقد فرق شعيب بين قوله: ﴿مَا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، وبين قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. فهو إذاً: ﴿مَا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ هذا قدر، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، هذا إذاً يكون معنى آخر، فهو يكون ما هو أوسع من القدر. قال: «فهما معنيان مستقلان، قال هذا معنى وهذا معنى».

قول مجاهد، وهو قول أئمة التفسير، ولا تحتمل العربية غيره إلا قول مجاهد؛ إذاً معنى ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ هو ما ذكره مجاهد ابتداءً، ومر معنا من البداية، قال: «ولا تحتمل العربية غيره إلا على استكراه». قال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين: «على صراطٍ أذع وج الموارد مستقيمه». ما هو قول مجاهد: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾؟ أي على حق في أقواله وأفعاله.

وقد قال: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾، وإذا كان سبحانه هو الذي جعل رسله وأتباعه على الصراط المستقيم في أقوالهم وأفعالهم، فهو سبحانه حق يكون على الصراط المستقيم في قوله، وهذا من قياس الأولى؛ إذا كان رسله والمؤمنون به على صراط مستقيم، فالأولى من باب الأولى أن يكون هو سبحانه على صراط مستقيم في أقواله وأفعاله، يسمى هذا قياس الأولى في الصفات. قال: «وإن كان صراط الرسل وأتباعهم هو موافقة أمره، فصراط الذي هو سبحانه عليه هو ما يقتضيه حمده وكماله ومجده من قول الحق وفعله، وبالله التوفيق».

قال رحمه الله تعالى: «فصل، وفي الآية قول ثاني مثل الآية الأولى، سواء أنه مثل ضربه الله في آية، وضرب الله مثل الرجلين أحدهما أبكم... قول آخر: إنها ليست مثل للمقارنة بين الله وبين الصنم، بل هي مقارنة بين المؤمن والكافر كما ورد في الآية التي قبلها: ﴿مِن رَّزَقْنَاهُم مِّنْهَا رِزْقًا حَسَنًا﴾، إنها مثل للمؤمن والكافر». قال: «إنه مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، وقد تقدم ما في هذا القول، والله الموفق».

ماذا تقدم في هذا القول؟ أن الصواب لا، هنا جاءت للمقارنة بين الله وبين الأصنام، وأن يتفرع عن هذه المقارنة بين المؤمن الموحد لله وبين الكافر التابع للأصنام، وليس ذكر المؤمن والكافر للمقابلة بينهما أصل هذا السياق.

قال رحمه الله: «فاصل، ومنها قوله تعالى: فتشبيه من أعرض عن كلامه وتدبره». نأخذ مثلًا آخر، قال: ﴿فَمَالَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾. وشبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر وحشية مستنفرة. وفي قراءة: «مستنفرة فرت من قسورة»، والقسورة هو الأسد أو الصياد، قال: «ففرت منه، هذا من بديع القياس؛ قوم في جهلهم بما يبعث الله به رسوله كالحمر»، فهي تفر من حيث الجهل بما يبعث به، فالحمار جاهل. ثم قال: «فهي لا تعقل»، فالأسد والرامي نفرت منه أشد النفور، وهذا غاية الذم لهؤلاء؛ فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم، كنفور الحمر عما يهلكها ويعقر. فالحمر تنفر من الشيء الذي يهلكها وفيه مماتها، وهذا دلالة على غاية جهلهم؛ أن واحدًا يهرب من شيء بنفعه لأنه حمار.

قال رحمه الله: «و"مستنفرة" معنى أبلغ من "النافره"؛ لماذا؟ قال: حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَة ولم يقل حُمُرٌ نَافِرَة؛ لأن "المستنفر" فيها معنى أبلغ». شوف الجمال، إنها ليست فقط تهرب بل تحث إخوانها على الهروب؛ لأن الألف والسين والتاء تدل على الطلب. قال: «فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضًا وحضّت على النفور، فإن في الاستفعال من الطلب قدرًا زائدًا على الفعل المجرد، فكأنها تواص بالنفور وتواطؤ». فالمعنى أن القسورة استنفر وحملها، وهناك من قرأها "مستنفرة" قال: «استنفر وحملها على النفور ببأس وشدة».

قال رحمه الله تعالى: «فصل، ومنها قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۗ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾». فقسى من حمل من حمله سبحانه كتابه ليؤمن به ويتدبر ويعمل به، ثم خالف ذلك ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءته بغير تدبر ولا تفهم؛ وهذا المَثَل لمن حفظ القرآن ولم يعمل به، شبهه بالحمار يحمل أسفاره كالذين حملوا التوراة ولم يعملوا بها.

قال رحمه الله: «في قراءته بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع له وتحكيم له بموجبه، كحمار على ظهره زَمِلة أسفار لا يدري ما فيها، على ظهره شنت فيها أمتعة لكنه لا ينتفع بها، هكذا من يحمل القرآن في قلبه ولا ينتفع به». وقال: «وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا، فحظ من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره». فهذا المثل وإن كان قد ضُرب لليهود، فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به ولم يؤدِّ حقًا ولم يرعَ حق رعايته.

قال رحمه الله: «فصل، ومنها قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾».

قال رحمه الله: «فشبه سبحانه من آتاه كتابه هذا -مثل لعالم السوء الذي كان بإمكانه أن يتميز في علمه ويصعد- لكنه رضي أن يكون كالكلب: ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾». لماذا شبه الله عالم السوء بالكلب؟ قال رحمه الله: «فشبه سبحانه من آتاه كتابه وعلمه العلم الذي ميزه غيره، فترك العمل به واتبع هواه، وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق، بالكلب؛ الذي هو من أخبث الحيوانات وأضعفها قدرًا وأخسّها نفسًا، وهمته لا تتعدى بطنه». الكلب همته لا تتعدى بطنه وشهوته، وكذلك عالم السوء همته لا تتعدى الدنانير التي يقبضها.

قال: «وأشدها شرًا وحرصًا»، ومن حرصه أنه كالكلب، معروف بشدة الشره والحرص، وهكذا عالم السوء؛ شرهه وحرصه على الدنيا صرفه عن الانتفاع بعلمه.

قال: «ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطه في الأرض يتشمم يستروح»، كقولك الكلب كيف يمشي؟ دائمًا تلاقيه أنفه على الأرض يشم، صحيح؛ كذلك عالم السوء، يمشم عند السلاطين.

قال: «والروح حرصًا وشرًا، ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزائه، وإذا رميت إليه بحجر رجع إليه ليعض من فرط نهمته، وهو من أمهن الحيوانات وأحملها للهوان، وأرضاها بالدنا»، يعني هو يرضى الهوان والذل، وكذلك عالم السوء، يهان ويذل ويستعبد من قبل مستخدميه وهو يرضى لذلك لنفسه.

قال: «وأرضاها بالجيف القذرة المروحة أحب إليه من اللحم الطري، والعذراء أحب إليه من الحلوى، وإذا ظفر بميتة تكفي مئة كلب لم يدع كلبًا يتناول معها منها شيئًا»، يعني هو ذكر كل أوصاف الكلب بعددها، يقول لك حطها على عالم السوء.

قال: «لم يدع كلبًا يتناول معه منها شيئًا إلا عن غلبة وقهر لحرصه وبخله وشره»، ومن عجيب أمره وحرصه أنه إذا رأى ذا هيئة رثة وثياب دنية وحال زرية نبحه وحمل عليه، كأنه يتصور مشاركته له ومنازعاته في قوته، ويذر ذا هيئة حسنة وثياب جميلة ورياسة، وضع له خطمه بالأرض وخضع له ولم يرفع إليه رأسه.

وفيه تشبيه، يعني الكلب يحترم الأزياء الخارجية لكن لا يحترم المضمون، كذلك عالم السوء؛ إذا رأى إنسانًا معه سيارة فخمة وكذا وكذا يصير يحترمه ويجله من أجل أن يقبض، وإذا رأى إنسانًا من العلماء لكن ثيابه رثة وأحواله المالية رديئة لم يلتفت إليه، يقول لك هذا ما بيجيب مصاري.

قال رحمه الله: وفي تشبيه من أثر الدنيا وعجلها على الله والدار الآخرة مع وفور علمه بالكلب في حال لهفه سر بديع، وهو: أن هذا الذي حاله حال ما ذكره الله من انسلاخ من آياته واتباعه هواه، إنما كان لشدة لهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة، فهو شديد اللهف عليها، ولهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه، واللهفة دائمًا عند الكلب، لذلك دائمًا يلهث، لذلك دائمًا مطلع لسانه، وكذلك عالم السوء دائمًا يخرج لسانه ويلهث من أجل الدنيا.

قال: «واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللَّهَف»، واللهف شقيق هذا؛ لهف على الدنيا، وذاك لهث للكلب. قال ابن جرير: «الكلب منقطع الفؤاد، لا فؤاد له، إن حملت عليه يلهث، وإن تركته يلهث»، شوف ما معنى كلام ابن جرير؟ الكلب منقطع الفؤاد معناه أنه مستعجل ما بيعرف يصبر، كذلك عالم السوء مستعجل، يريد مباشرة الطمع ولا يريد أن يصبر للدار الآخرة.

قال: «فهو مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له، إنما فؤاده منقطع»، قلت مراده بانقطاع فؤاده أنه ليس له فؤاد يحمله على الصبر وترك اللهث. وهكذا هذا الذي انسلخ من آيات الله لم يبقَ معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف عليها، فهذا يلهف عن الدنيا من قلة صبره عنها، وهذا يلهث من قلة صبره عن الماء؛ فالكلب من أقل الحيوانات صبرًا عن الماء، وإذا عطش أكل الثرى من العطش، وإن كان فيه صبر على الجوع، وعلى كل حال فهو من أشد الحيوانات لهثًا، يلهث قائمًا وقاعدًا وماشيًا وواقفًا، وذلك لشدة حرصه، فحرارة الحرص في كبده توجب له دوام اللهث، فهكذا مشبه به، وهو العالم السيئ.

قال: «شدة حرارة الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهف»، شدة الشهوة في قلب العالم السيئ دائمًا يلهف خلف دنيا غيره. قال: «فإن حملت عليه بالموعظة والنصيحة فهو يلهف، وإن تركته ولم تعظه فهو يلهف»، دائمًا يلهف عالم السوء.

قال مجاهد رحمه الله: «وذلك مثل الذي أوتي الكتاب ولا يعمل به»، الله يعافينا. وقال ابن عباس: «إن حملت عليه بالحكمة لم يحملها، وإن تركته لم يهتدِ إلى خير، كالكلب؛ إن كان رابضًا لهث، ورابضًا جالسًا يلهث، وإذا طرد يلهث». وقال الحسن: «هو المنافق، لا يثبت على الحق دعيّ أو لم يدّعِ، ووعظ أو لم يوعظ، كالكلب يلهث طردًا أو تركًا». وقال عطاء: «ينبح إن حملت عليه أو لم تحمل عليه».

وقال أبو محمد بن قتيبة: «كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب؛ فإنه يلهث في حال الكلال وفي حال الراحة»، ويقول لك الشيء أعاده، الأشياء التي تلهث من الحيوانات إنما في حال تعب إلا الكلب؛ هو مرتاح يلهث وهو تعبان يلهث، فلذلك شبّه عالم السوء بأسوأ وأقبح الحيوانات صفات، والعياذ بالله.

قال: «وحال الصحة وحال المرض والعطش»، فضرب الله مثلًا لمن كذب بآياته، فقال: ﴿فَإِنْ عُظْتَ فَهُوَ ضَالٌّ وَإِنْ تُرِكْتَ فَهُوَ ضَالٌّ كَالْكَلْبِ إِنْ طَرَدْتَهُ لَهِثْ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَهِثْ﴾ [الأعراف: 176]، ونظيره قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُونَكَ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ لَمْ تَدْعُوهُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأنعام: 110].

وتأمل ما في هذا المثل من الحكم والمعنى، فمنها قوله: ﴿آتَيْنَاهُ﴾، فأخبر سبحانه أنه هو الذي أتاه آياته، فإن الله هو الذي أعطى هذا العالم العلم، ﴿آتَيْنَاهُ﴾ نحن آياتنا، الله هو الذي علم، ﴿فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ﴾، والله هو الذي أنعم بها عليه.

وكأن هذا العالم كان محفوظًا بآيات الله، محمي الجانب بها من الشيطان، لا ينال منه شيء إلا على غرة وخطفة، يعني طالب العلم لما يكون يعمل بعلمه يكون محفوظًا بالعلم، محفوظًا بالوحي، بخلاف الذي يتبع الشهوات بعد أن أتاه الله علمًا، ﴿انْسَلَخَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، فاتبعه الشيطان، يعني ظفر به الشيطان، كأنك خرجت من حصنك عندما تتبع شهواتك، فإلى الشيطان اتبعه الشيطان، يعني استطاع أن يتبعه ويظفر به.

قال: ﴿فَلَمَّا انْسَلَخَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ظَفَرَ بِهِ الشَّيْطَانُ﴾، ظفر به كالأسد بفريسته، فكان من الغاوين، بخلاف العلماء الذين يعرفون الحق ويعملون به، ومنها أنه سبحانه قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾، فأخبر سبحانه أن الرفعة عنده ليست بمجرد العلم، فإن هذا كان من العلماء، وإنما هي باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاته، فإن هذا كان من أعلم أهل زمانه، وهو بلعام بن باعورا، الذي نزلت الآية فيه، كان من علماء بني إسرائيل كبارًا، بل قيل إن بلعام كان يعرف اسم الله الأعظم، أنتم متخيلين كم درجة هذا الرجل وكيف انسلخ؟

قال: ﴿وَلَمْ يَرْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَنْفَعْهُ بِهِ﴾، فنعوذ بالله من علم لا ينفع، وأخبر سبحانه أنه هو الذي يرفع عبده.

إذا شاء بما آتاه من العلم، وإن لم يرفعه الله فهو موضوع لا يرفع أحد به رأسا. وهذا يدل على إثبات المشيئة لله، وأن عليك أن تعرف أن كل شيء في الكون أيضًا بمشيئته؛ فعليك أن تفتقر إلى الله لتطلب منه أن يختار لك الخير ويتجه بك نحو الخير. فإذا شاء الله رفعك، وإذا شاء خفض -والعياذ بالله-.

قال: فإن الخافض الرافع سبحانه خفضه ولم يرفعه. والمعنى: لو شئنا فضلنا وشرفنا ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه. قال ابن عباس: «ولو شئنا لرفعناه بعلمه بها». وقالت طائفة: الضمير في قوله «لرفعناه» عائد على الكفر، والمعنى: لو شئنا لرفعناه عن الكفر. وقال البعض: «لو شئنا لرفعناه» أي لرفعناه عنه بما معه من آياتنا وأعدناه إلى الإسلام، لكن هذا المعنى بعيد حقيقة.

قال مجاهد وعطاء: «رفعنا عنه الكفر بالإيمان وعصمنا»، وهذا المعنى حق، والأول هو مراد الآية. هذا المعنى كمعنى ما عندنا مشكلة فيه، لكن ليست الآية تدل عليه؛ المراد لرفعناه بالعلم الذي معه وليس المراد لرفعناه عن الكفر.

قال: وهذا من لوازم المراد، وقد تقدم أن السلف كثيرًا ما ينبهون على لازم معنى الآية فيظن الظن أن ذلك هو المراد منها، وهذا يحتاج بحد ذاته إلى جلسة في قواعد التفسير.

وقوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾، قال سعيد بن جبير: ركن إلى الأرض، ركن إلى السفول. وقال مجاهد: سكن. وقال مقاتل: أخذ بمعنى سكن إلى الشيء. وقال مقاتل: رضي بالدنيا. وقال أبو عبيدة: لزمها وأبطأ، والمخلد من الرجال هو الذي يبطئ مشيبه، وهو الذي يتأخر مشيبه، ومن الدواب التي تبقى ثناياها إلى أن تخرج رباعيتها؛ فالثنايا موجودة إلى أن تخرج الرباعية، يعني هذا هو المخلد من الرجال والمخلد من الدواب.

وقال الزجاج: «خلد» و«أخلد» واحد، وأصله من الخلود وهو الدوام والبقاء. يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به. ومنه قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: 17]، أي قد خلقوا للبقاء؛ لذلك لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم على سن واحد أبدًا. وقيل: هم المقرطون في آذانهم والمصورون في أيديهم، وأصحاب هذا القول فسروا اللفظ ببعض لوازمها، وهذا الكلام غير صحيح.

قول أصحاب اللفظ الذين قالوا إن الولدان المخلدين لما لقبوا بالمخلدين بأنهم مقرطون في آذانهم؛ أخذوها من معنى آخر، وهو «خلد الجارية» إذا حلّاها وجملها. فكلمة «خلد» كما تأتي بمعنى الخلود الأبدي، لها معنى آخر في اللغة وهو خلد الجارية بمعنى زينها ولبسها. فليس المعنى الثاني أنهم مقرطون في آذانهم هو لازم من المعنى الأول وهو الخلود للبقاء، بل يظهر أنه معنى أُخذ من خلد الجارية بمعنى قرطها، وهو معنى مختلف تمامًا.

قال: وأصحاب هذا القول فسروا اللفظ ببعض لوازمها، وذلك إمارة التخليد على ذلك السن، فلا تنافي، يعني أظن يحتاج إلى إعادة النظر في قضية التلازم التي ذكرها هنا.

وقوله: ﴿وَتَبِعَ هَوَاهُ﴾، قال الكلبي: تبع مسالك الأمور وترك معاليها. وقال أبو روق: اختار الدنيا على الآخرة. وقال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه. وقال ابن زيد: كان هواه القوم الذين حاربوا موسى وقومه. وقال يمان: اتبع امرأته لأنها هي التي حملته على ما فعل. شايفين الرد على السؤال؟ ماذا سيصير معه؟ قالوا من معانيه: اتبع امرأته التي حملته على ما فعل، وقيل: أراد الدنيا، وكل هذه المعاني يمكن أن تكون مقبولة. وخلاصتها كما ذكر الكلبي: اتبع هواه أي اتبع مسالك الأمور بعد أن كان يطلب أعلاها.

نعلق بعض الصلاة على قوله: ﴿وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ إن شاء الله، لكن حتى لا نؤخر الوقت، أقم الصلاة.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

نبدأ إن شاء الله، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال المصنف رحمه الله تعالى: فإن قيل: الاستدراك بـ«لكن» يقتضي أن يثبت بعدها ما نُفي قبلها أو ينفي ما أُثبت، كما تقول: «لو شئت لأعطيتك لكني لم أعطِ».

هنا شبهة بقيت عليه أن يعالجها في التعامل مع الآية؛ لأنه قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا * وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾، فلماذا استدرك بـ«لكن»؟ فالأصل أن يقول: «ولو شئنا لرفعناه بها لكننا لم نشأ»، لكنه ما قال: «لكننا لم نشأ»، ماذا قال؟ قال: ﴿وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾.

قال رحمه الله: «ولو شئت لما فعلت كذا لكني فعلته»، فالاستدراك يقتضي: «ولو شئنا لرفعناه بها ولكنا لم نشأ»، هكذا كان ينبغي أن يقال، لكن لم يقل هكذا، لماذا؟

قال رحمه الله: «أو لم نرفع، ولكنه أخلد»، فكيف استدرك بقوله: ﴿وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ بعد قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾؟ قيل: هذا من الكلام الملحوظ فيه جانب المعنى، المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني. يعني هنا يقول: عليك أن تلمح الملامح وتعدل عن ظاهر اللفظ إلى عمق المعنى.

قالوا: ذلك أن مضمون قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أنه لم يتعاطَ الأسباب التي تقتضي رفعه بالآيات من إيثار الله. فمن حيث الدلالة الذهنية، ماذا يدل على أن هذا الرجل لم يتعاط الأسباب التي تقتضي أن يرفعه الله؟ لم يفعل أمورًا تقتضي أن يرفعه الله بالعلم.

قال: ولكنه آثر الدنيا وأخلد إلى الأرض واتبع هواه. فقال الزمخشري: المعنى «ولو لزم آياتنا لرفعناه بها، فلذلك لكنه أخلد إلى الدنيا». فالشر هو بسببه؛ صحيح دائمًا أن تصيبك حسنة فمن الله، وإن تصبك سيئة فهو كل شيء بقدر الله، لكن السيئة تكون أنت سببًا في وقوعها عليك. ولذلك قال: ﴿وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾، هذه سيئة هو من فعلها فجنى على نفسه، وإن كانت كل شيء بمشيئة الله. لكن لما ذكر الشيء الحسن قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ﴾، ولكنه تسبب في أنه لم يُرفع، فنسب السبب إليه. ﴿وَإِن تُصِبْكَ سَيِّئَةٌ فَمِن نَّفْسِكَ﴾.

وقال الزمخشري: المعنى «ولو لزم آياتنا...».

«لرفعناه بها»، فذكر المشيئة، والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه. طبعاً هنا أراد أن يذكر كلام الزمخشري ليرد عليه؛ لأن الزمخشري معتزلي، والمعتزلة ينفون مشيئة الله، ويرون أن كل أفعال العبد من خير أو شر الله لا يتدخل فيها.

فسر الزمخشري المشيئة في قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾، يعني ولو لزم الإنسان آيات الله لرفعناه بها، فسر المشيئة بماذا؟ بلزوم العالم لآيات الله؛ لو لزم آيات الله رفعناه، وهذا تفسير للمشيئة بالفعل نسب إليه. فقال إذاً ما قبل الاستدراك يجب أن ينسب إلى العبد أيضاً.

فقال له ابن القيم: والله هذه نعرفها منك يا زمخشري! فأنت معتزلي تريد أن تنفي مشيئة الله. قال: فوجب أن يكون ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ في معنى ما هو فعله، ولو كان الكلام على فعله؛ أي في معنى ما هو فعل للعبد، ففسر مشيئة الله بفعل العبد، وهذا من أعجب ما يقال! كيف تفسر مشيئة الله بأنها فعل العبد؟

قال: ﴿وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ لَوْ شِئْنَا رَفَعْنَاهُ وَلَكِنْ لَمْ نَشَأْ﴾. هذا استشكال ابن القيم، لكن ابن القيم أحسن توظيف هذا، وأما الزمخشري فاستغله لنصرة عقيدته الباطلة. قال رحمه الله: «وهذه منه شنشنة نعرفها من قد»، يعني هو يقول ابن القيم للزمخشري: ها شنشنة نعرفها يا زمخشري، لا تلعب هذه اللعبة؛ لأننا نعرف أنك تقصد نفي مشيئة الله على طريقة المعتزلة.

قال: نعرفها من قدري نافل للمشيئة العامة، مبعد للنج في جعل كلام الله معتزلياً قدرياً؛ أراد أن يجعل كلام الله على طريقة المعتزلة القدرية. قال: فأين قوله ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ من قوله ﴿وَلَوْ لَزِمَهَا﴾؟ يعني أيش علاقة ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ﴾ بـ ﴿وَلَوْ لَزِمَ الْعَبْدُ آيَاتِ اللَّهِ لَرَفَعْنَاهُ﴾؟ أيش علاقة هذا المعنى بهذا المعنى؟ المشيئة فعل الله، واللزوم فعل العبد.

قال: ثم إذا كان اللزوم لها موقوفاً على مشيئة الله -وهو الحق- بطل أصله وقوله. إن مشيئة الله -إذا كان اللزوم أصلاً جدلاً لو كان لزوم العالم لآيات الله وعملوا بها أصلاً هو متوقف على مشيئة الله- يعني أنت ما الذي يجعلك تلزم الآيات؟ الصالحة أيضاً تحتاج إلى أن يشاء الله لك ذلك ويقدر لك ذلك، فكله في النهاية حتى لزوم العالم لآيات الله هو بمشيئة الله، فيبطل أصلكم يا معتزلة في نفي مشيئة الله.

قال: وقوله إن مشيئة الله تابعة للزومه الآيات من أفسد الكلام وأبطله؛ لزومه للآيات تابع لمشيئته. أحسنت، مشيئة الله ليست هي التابعة لإرادة الإنسان، بل إرادة الإنسان هي التابعة لإرادة الله. قال: «فمشيئتك لا مقتضى، فما شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ امتنع وجوده».

قال رحمه الله تعالى: فصل، ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12].

انظر كيف شبه الله غيبة الشخص بأكل لحم أخيك ميتاً. قال: «واتقوا الله إن الله تواب رحيم». قال رحمه الله: وهذا من أحسن القياس التمثيلي؛ فإنه شبه تمزيق عرض الأخ بتمزيق لحمه، ولما كان المغتاب يمزق عرض أخيه في غيبته، كان بمنزلة من يقطع لحمه في حال غيبة روحه عنه بالموت.

ولما كان المغتاب عاجزاً عن دفعه عن نفسه لكونه غائباً، كان بمنزلة الميت الذي يقطع لحمه؛ الآن الميت يقدر يدافع عن نفسه، وأخوك الذي تغتابه مش قادر يدافع عن نفسه لأنه مش موجود في المجلس، مات الغيبة كون أخوك مش موجود فهو مثل الميت.

قال: ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ولما كان مقتضى الأخوة التراحم والتواصل والتناصر، فعلق عليها المغتاب ضد مقتضاها من الذم والعيب والطعن، كان ذلك نظير تقطيع لحم أخيه؛ فالأصل في الأخوة أن تتواصل مع أخيك، أنت كأنك تأكل لحم أخوك وتفعل خلاف المقصود من الأخوة.

كان ذلك نظير تقطيعه لحم أخيه، والأخوة تقتضي حفظه وصيانته والذب عنه. ولما كان المغتاب متفكهاً بعرض أخيه، متمتعاً بغيبته، ومتحلياً بذلك، شبهه بأكل لحم أخيه بعد تقطيعه. ولما كان ألذ شيء لدى الإنسان هو الأكل، جعل الغيبة كذلك؛ لأن الغيبة يتفكه بها الإنسان، فجعل الذي يغتاب كأنه يأكل لحم أخيه، ولم يقل يقطع أو يشوي، بل قال يأكل لأن الأكل شهوة.

ولما كان المغتاب محباً لذلك ومعجباً به، شبه بمن يحب أكل لحم أخيه ميتاً، ومحبته لذلك قدر زائد على مجرد أكله، كما أن أكله قدر زائد على تمزيقه. فتأمل هذا التشبيه والتمثيل وحسن موقعه ومطابقة المعقول فيه المحسوس، وتأمل إخباره عنهم بكراهة أكل لحم الأخ ميتاً، ووصفهم بذلك في آخر الآية، والإنكار عليهم في أولها أن يحب أحدهم ذلك.

قال تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾، ما أحد يحب أن تكرهوا هذه الحالة الحسية، فعليكم أن تكرهوا تلك الحالة الذهنية أو المعنوية التي هي الغيبة. فكما أن هذا مكروه في طباعهم، فكيف يحبون ما هو مثله ونظيره؟ فاحتج عليهم بما كرهوه على ما أحبوه، وشبه لهم ما يحبونه بما هو أكره شيء إليهم وهم أشد شيء نفوراً عنه. فلهذا يوجب العقل والفطرة والحكمة أن يكونوا أشد شيء نفوراً عما هو نظيره ومشبه، وبالله التوفيق. يعني إذا كان أكل لحم الميت أكثر شيء تنفر منه أنت، فيجب أن يكون نظيره في الميزان الإلهي وهو الغيبة، هو أكثر شيء أنت تنفر عنه؛ كما تنفر عن هذا حساً، عليك أن تنفر عن الغيبة ذهناً ومعنى.

قال رحمه الله تعالى: فصل، ومنها قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: 18].

قال رحمه الله: فشبه تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح شديدة في يوم عاصف. أعمال الكفار الصالحة؛ لما يعملوا جمعيات إنسانية وخدمات إنسانية وأبحاث أممية وحقوق إنسان، هذه أفعال منيفة لكنها لكفار، ماذا يفعل الله بها يوم القيامة؟ كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا ينتفعون بشيء منها.

وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه باءً منتناً. أعظم حسنة في الوجود ما هي؟ التوحيد، بها تصح كل الحسنات. وأعظم سيئة ما هي؟ الشرك، بها تبطل كل الحسنات. قال رحمه الله: فشبه سبحانه أعمالهم في حبوطها وذهابها كالهباء المنثور، لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان، وكونها على غير...

أساس من الإيمان التوحيد. قال: وكونها لغير الله عز وجل، وعلى غير أمره، برَمادٍ طيرته الريح العاصف، فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته إليه؛ فلذلك قال تعالى: ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ [الانفطار: 17]، أي لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء، فلا يرون له أثرًا من ثواب ولا فائدة نافعة؛ فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، موافقًا لما جاء به الشرع، وهي الإخلاص والاتباع.

قال رحمه الله: والأعمال أربعة؛ فواحد مقبول وثلاثة مردودة. فالمقبول الصواب الخالص الذي يكون فيه اتباع، وأما المردود فهو: إما الذي ليس خالصًا، وإما الذي ليس على السنة، وإما ما جمع بين أنه ليس خالصًا ولا على السنة؛ فأصبحت المردودة ثلاثة والمقبولة واحدة: ما جمع بين أنه خالص وصائب.

قال رحمه الله: فالخالص أن يكون لله لا لغيره، والصواب أن يكون مما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، والثلاثة المردودة ما خالف ذلك. وفي تشبيهها بالرماد سر بديع، وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد في إحراق النار وإذهاب الأصل، فكانت الأعمال التي لغير الله وعلى غير مراده طعمة للنار، وبها تسعر النار على أصحابها، فذلك الرماد هو طعمة النار.

وينشئ الله سبحانه لهم من أعمالهم الباطلة نارًا وعذابًا، كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره ونهيه، التي هي خالصة لوجهه، من أعمالهم نعيماً وروحًا. فآثرت النار في أعمال أولئك حتى جعلتهم رمادًا، فهم أعمالهم وما يعبدون من دون الله وقود للنار، فكفار أعمالهم يعذبون بها في نار جهنم.

قال رحمه الله تعالى: فصل، ومنها قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: 24-25].

فشبه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، وما هي الكلمة الطيبة يا مشايخ التوحيد وما يكون من توابعها؟ قال رحمه الله: لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع، وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة؛ فكل عمل صالح يرضي الله ثمرة هذه الكلمة.

وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: "الكلمة الطيبة شهادة أن لا إله إلا الله كشجرة طيبة وهو المؤمن"، أصلها ثابت، هو قول لا إله إلا الله في قلب المؤمن، وفرعها في السماء، يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء. وقال الربيع بن أنس: "كلمة طيبة، هذا مثل الإيمان، فالإيمان الشجرة الطيبة، وأصلها الثابت الذي لا يزول الإخلاص فيه، وفرعها الطيبة هو الإيمان".

قال: وفرعها في السماء خشية الله، والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن؛ فإنه سبحانه جعل الشجرة الطيبة هي مثل الإيمان، أفضل من جعلها مثلًا للمؤمن؛ فأنت إذا قلت لا إله إلا الله زرعت شجرة الإيمان وهذا الإيمان يكبر ويثمر.

قال رحمه الله: فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة، ثابتة الأصل، باسقة الفرع في السماء، التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل حين. وإذا تأملت هذا التشبيه رأيت مطابقًا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب، التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء، ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت بحسب ثباتها في القلب ومحبة القلب لها وإخلاصه ومعرفته بحقيقتها وقيامه بحقها ومراعاتها حق رعايتها.

قال رحمه الله: فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها، واتصف قلبه بها، وانصبغ بها بصبغة الله -ولا أحسن صبغة منها صبغة التوحيد- عرف حقيقة الإلهية التي يثبتها قلبه لله ويشهد بها لسانه وتصدقها جوارحه، ونفى تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله، وطابق قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة، سالكة سبل ربه ذللاً، غير ناكبة عنها ولا باغية سواها بدلاً، كما لا يبغي القلب سوى معبوده الحق بدلاً.

فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الله كل وقت؛ فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل الصالح إلى الرب تعالى، وهذه الكلمة الطيبة تثمر كلما كثيراً طيباً يقارنه عمل صالح، فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب؛ كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]. فأخبر سبحانه أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملاً صالحاً كل وقت؛ إذاً الكلمة الطيبة تثمر عملاً صالحاً، والعمل الصالح يوصل الكلم الطيب إلى الله.

قال رحمه الله: والمقصود أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفا بمعناها وحقيقتها نفياً وإثباتاً، متصفاً بموجبها، قائماً قلبه ولسانه وجوارحه بشهادتها، فهذه الكلمة من هذا الشاهد أصلها ثابت راسخ في قلبه، وفروعها متصلة بالسماء، وهي مخرجة لثمارها كل وقت.

ومن السلف من قال إن الشجرة الطيبة هي النخلة، ويدل عليه حديث ابن عمر الصحيح، ومنهم من قال هي المؤمن نفسه؛ فالنبي ﷺ لما ضرب مثلاً شجرة طيبة، كان هي النخلة، لكن المراد بها هنا في هذا المقام الإيمان كما قلنا. ومنهم من قال هي المؤمن نفسه، كما قال محمد بن سعد: حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ يعني المؤمن. وهذا نفس الذي ذكرناه قبل قليل عن الربيع بن أنس، يعني بالشجرة الطيبة المؤمن، ويعني بالأصل الثابت في الأرض والفرع في السماء يكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلم فيبلغ قوله السماء وهو في الأرض.

وقال عطاء العوفي: "ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة، قال: ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيب وعمل صالح يصعد إلى الله". والصحيح أن الأقرب أنها مثل للإيمان، ولكن من لوازم ذلك أن تكون فيها كلام عن المؤمن. وقال الربيع بن أنس: "أصلها ثابت وفرعها في السماء، قال: ذلك المؤمن، ضُرب مثله في الإخلاص لله وحده وعبادته وحده لا شريك له، أصلها ثابت"؛ قال: أصله عمله ثابت في...

الأرض وفرعها في السماء؛ قال: ذكره في السماء. المؤمن يعمل في الأرض، ولكن كما جاء في الحديث: «لكل إنسان صيت، ولكل مؤمن صيت عند الله سبحانه وتعالى»، وهو السمعة الحسنة، فعليك أن تعرف ما صيتك عند الله.

والاختلاف بين القولين: فالمقصود بالمثل المؤمن والنخلة مشبه به، وهو مشبه بها. وإذا كانت النخلة شجرة طيبة، فالمؤمن المشبه بها أولى أن يكون كذلك. ومن قال من السلف إنها شجرة في الجنة، فنخلة من أشرف أشجار الجنة.

وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق به ويقتضيه علم الذي تكلم به وحكمته، فمن ذلك أن الشجرة لا بد لها من عروق وساق وفروع وورق وثمر، فكذلك شجرة الإيمان والإسلام؛ ليطابق المشبه المشبه به. فعروق شجرة الإيمان هي العلم النافع الذي نحن فيه الآن، وساقها الإخلاص، وفروعها الأعمال الصالحة التي تفعلونها بعد العلم والإخلاص.

وثمرتها ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، من الآثار الحميدة والصفات الممدوحة والأخلاق الزكية والسمت الصالح والهدي والمدل المرضي. فيستدل على غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور؛ فإذا كان العلم صحيحاً، أنت كيف تعرف أن هذه الشجرة جذورها عميقة؟ من خلال ثمارها، فالثمار تدل على عمق الجذور.

فإذا كان العلم صحيحاً مطابقاً لمعلوم الله الذي أنزل، وكان الاعتقاد مطابقاً لما أخبر به عن نفسه وأخبرت به رسله، والإخلاص قائماً في القلب، والأعمال موافقة للأمر والهدي والسمت مشابهة لهذه الأصول، علم أن شجرة الإيمان في القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء. وإذا كان الأمر بالعكس، علم أن الإيمان الصحيح لا يثبت إلا بأعمال صحيحة، والإيمان الذي فيه دخن في جذوره يثمر بدعاً ومعتقدات وشبهات فاسدة؛ إذ علم أن القائمة إنما هي الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض، وما لها من نسغ.

ومنها أن الشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها، فإذا قطع عنها السقي أوشكت أن تيبس. وشجرة الإيمان ما الذي يسقيها؟ هو الوحي الإلهي الذي تتعلمه. فهكذا شجرة الإسلام في القلب، إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، والعود بالتذكر على التفكر، والتفكر على التذكر، وإلا أوشكت أن تيبس.

وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الإيمان ليخلق في القلب كما يخلق الثوب، فجددوا إيمانكم». وبالجملة فالقلب أوشك أن يهلك، ومن هنا تعلم شدة حاجة العباد إلى أمر الله به من العبادات على تعاقب الأوقات، وعظيم رحمته وتمام نعمته؛ إذ أمرنا الله أن نصلي في اليوم خمس صلوات وأن نتعهد العبادات عموماً؛ لأن هذه العبادات هي التي تحفظ شجرة الإيمان من أن تيبس.

ورحمة الله وعظيم رحمته وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده بأن وظفها عليهم وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم؛ أي ألزمنا بالتكاليف الشرعية وجعلها كالوظائف الراتبة.

ومنها أن الغرس والزرع النافع قد أجري الله سبحانه العادة أنه لا بد أن يخالطه دغل ونبت غير غريب، ليس من جنس أي شجرة؛ فتلاقي حولها أعشاب ضارة. فإن تعهدها رب الشجر بالحشائش الضارة النابتة حول شجرة الإيمان تبقى الشجرة قوية، أما إذا خُلّيت للحشائش الضارة تنمو حول شجرة الإيمان، تأكل شجرة الإيمان وأنت لا تشعر.

فأنت تعاهد ربها وتنقيه وتقلع ما حول الغرس والزرع، فإذا استوى وتم نباته كان أوفر لثمته وأطيب وأزكى، وإن تركه أوشك أن يغلب على الغراس والزرع ويكون الحكم له، فيصبح هو الذي يشرب الشراب بدل الشجرة، أو يضعف الأصل ويجعل ثمر الشجرة الأصلية ذميماً ناقصاً بحسب كثرته وقلته.

ومن لم يكن له فقه نفس في هذا ومعرفة به فاته ربح كثير وهو لا يشعر. فالمؤمن دائماً سعيه في شيئين: سقي هذه الشجرة، وتنقيتها مما حولها. فالشبهات والشهوات التي تكون حول هذه الحشائش هي التي يجب اقتلاعها حتى تستطيع شجرة الإيمان أن ترسخ. فالمؤمن دائماً سعيه في سقي هذه الشجرة وتنقيتها مما حولها؛ فبسقيها تبقى وتدوم، وبتنقيتها مما حولها تكتمل وتتم، والله المستعان عليه والتكلان.

فهذا بعض ما تضمنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم، ولعلها قطرة من بحر بحسب أذهاننا الواقفة وقلوبنا المخبطة وعلومنا القاصرة وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار. وإلا فلو طهرت منا القلوب وصفت وزكت النفوس وخلصت الأعمال وتجردت الهمم للتلقي عن الله ورسوله، لشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره وحكمه ما تضمحل عنده العلوم وتتلاشى عنده معارف الخلق. وبهذا يعرف قدر علوم الصحابة ومعارفهم، وأن التفاوت الذي بين علومهم وعلوم من بعدهم كتفاوت الفضل بينهم. والله أعلم حيث يجعل مواقع فضله، ومن يختص برحمته.

ثم ذكر سبحانه مثل الكلمة الخبيثة، فشبهها بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض فلا عرق ثابت لها، ولا فرع عالٍ، ولا ثمرة زكية، فلا ظل ولا جني، ولا ساق قائم، ولا عرق في الأرض ثابت، ولا أسفلها مغدق ولا أعلاها راسخ في الأرض، ولا أعلاها مونق ولا جني لها ولا تعلو بل تُعلى.

وإذا تأمل اللبيب أكثر كلام هذا الخلق في خطابهم وكتبهم، وجد أن أكثر هذا الخلق الذي يتأمل كلام الخلق في مصنفاتهم وفلسفاتهم يعرف أن أكثر الفلاسفة، سواء من الإسلام ومن غيرهم، هو فعلاً إيمانهم كشجرة اجتثت من فوق الأرض، إيمان هزيل ضعيف. فالخسران كل الخسران الوقوف معه والاشتغال به عن أفضل...

الكلام ونفعه. قال الضحاك: ضرب الله مثل الكافر بشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، يقول: ليس لها أصل ولا فرع، وليس لها ثمرة ولا فيها منفعة. كذلك الكافر ليس يعمل خيرا ولا يقوله، ولا يجعل الله فيه بركة ولا منفعة.

وقال ابن عباس: ومثل الكلمة الخبيثة وهي الشرك، الكلمة الخبيثة هي الشرك مقابل الكلمة الطيبة كشجرة خبيثة، يعني الكافر أو الكفر إذا قلنا إن الشجرة الطيبة هي الإيمان، ستكون الكفر مقابلها. قال: اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، يقول: الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر ولا برهان، ولا يقبل الله مع الشرك عملاً، فلا يقبل الله عمل المشرك ولا يصعد إلى الله، فليس له أصل ثابت في الأرض ولا فرع في السماء، يقول: ليس له عمل صالح في السماء ولا في الأرض.

وقال الربيع بن أناس: مثل الشجرة الخبيثة مثل الكافر، ليس لقوله ولا لعمله أصل ولا فرع، ولا يستقر قوله ولا عمله على الأرض ولا يصعد إلى السماء. وقال سعيد عن قتادة في هذه الآية: إن رجلاً لقي رجلاً من أهل العلم فقال له: ما تقول في الكلمة الخبيثة؟ قال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً إلا أن تلتزم عنق صاحبها حتى يوافي بها القيامة. تبقى في عنقه يلقى بها ربه؛ هذه كلمة الشرك والعياذ بالله، ليس لها نفع في الأرض ولا نفع في السماء، وإنما تبقى في عنق صاحبها حتى يلقى بها ربه.

قال رحمه الله تعالى: وقوله ﴿ٱجْتُثَّتْ﴾ أي استؤصلت من فوق الأرض، ثم أخبر سبحانه عن فضله وعدله في الفريقين أصحاب الكلم الطيب والكلم الخبيث، فأخبر أنه يثبت الذين آمنوا بإيمانهم بالقول الثابت أحوج ما يكونون إليه في الدنيا والآخرة، وأنه يضل الظالمين وهم المشركون عن القول الثابت، فأضل هؤلاء بعدله لظلمهم، وثبت المؤمنين بفضله لإيمانهم.

وتحت قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ في الحياة الدنيا وفي الآخرة كنز عظيم، من وفق لمظنته يعني لفهمه وأحسن استخراجه وأغناه وأنفق منه فقد غنم، ومن حرمه فقد حرم، وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين، فإن لم يثبته وأزالت سماؤه إيمانه وأرضه عن مكانهما.

وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وفي الصحيحين من حديث التجلي قال: وهو يسألهم ويثبتهم. وقال تعالى لرسوله: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾.

فالخلق كلهم قسمان: موفق بالتثبيت، ومخذول بترك التثبيت. ومادة التثبيت أصله ومنشأه من القول الثابت وفعل ما أمر به العبد، فبهما يثبت الله عبده؛ فكل من كان على أعمالك الصالحة وإيمانك هو سبب أن يثبتك الله. فهذه الشجرة تحتاج إلى تثبيت، شجرة الإيمان؛ فلذلك أعقب ذلك بقوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.

قال رحمه الله: فبهما يثبت الله عبده، فكل من كان أثبت قولاً وأحسن فعلاً كان أعظم تثبيتاً. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾. فأثبتوا الناس قلباً أثبتم قولا، والقول الثابت هو القول الحق والصدق وهو ضد القول الباطل الكذب، فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له. وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها، فهي أعظم ما يثبت الله بها عبده في الدنيا والآخرة.

ولهذا ترى الصادقة من أثبت الناس وأشجعهم قلباً، والكاذبة من أمهن الناس وأجبنهم وأكثرهم تلوناً وأقلهم ثباتاً، وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الاختبار وشجعته. وكيف تعرف أن هذا الإنسان صادق؟ بثبات قلبه في وقت المحن، تعرف أن إيمانه إيمان متجذر، مع أنه قد يكون نحيل الجسم رث الهيئة، لكن يظهر من الصلابة ما لا يضره، إنسان سين قوي، فتعرف الفرق بين الإيمان والكفر.

قال: ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك، ولا يخفى ذلك إلا على ضد ذلك أي من الجبن والخور. قال: ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة. وسئل بعضهم عن كلام سمعه من متكلم به فقال: والله ما فهمت منه شيئاً إلا أني رأيت لكلامه صولة ليست بصولة مبطل. فما مُنح العبد منحة أفضل من منحة القول الثابت، ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج ما يكونون إليه في قبورهم ويوم معادهم. وقوله: والله ما فهمت شيئاً من كلامه إلا أنني عرفت أنه إنسان قوي الإيمان؛ يعني أحياناً تجلس مع شيخ يتحدث كلاماً عالياً، فتقول: شوف، أنا كلامه ما فهمت لكنني أعرف من حاله أنه ثابت، بغض النظر عن المضمون.

قال كما في صحيح مسلم من حديث براء بن عازب عن النبي ﷺ أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر، وقد جاء هذا مبيناً في أحاديث صحاح، فمنها ما في المسند من حديث داوود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة فقال: «يا أيها الناس، إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه أصحابه جاء ملك بيده مطراق أقع، فقال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمناً قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول له: صدقت، فيفتح له باب إلى الجنة فيقال له: هذا منزلك لو كفرت بربك، فأما إذا آمنت فإن الله أبدلك به هذا، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض له فيقال له: اسكن، ثم يفسح له في قبره».

«وأما الكافر والمنافق، فيقال له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا تدريت، قال: ولا اهتديت، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقال له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذا كفرت فإن الله أبدلك به هذا، ثم يفتح له باب إلى النار، ثم يقمع الملك بالمطراق». سمع خَلق الله كلهم إلا الثقلين. قال بعض أصحابه: يا رسول الله، ما منا من أحد يقوم.

على رأسه ملك بيده مطراق إلا هيل، عند ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت». ما معنى ذلك؟ يعني خاف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27].

وفي المسند نحوه من حديث البراء بن عازم، وروى المنهال بن عمر عن زاذان عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -وذكر قبض روح المؤمن- فقال: «يأتيه في قبره فيقول: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، ديني الإسلام، ونبي محمد صلى الله عليه وسلم». فينتهرانه، وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حيث يقول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27]. آخر الفتن هذه الفتنة؛ لذلك سمي فتنة القبر، سؤال الملكين، ماذا يسمى؟ هذه آخر فتنة، بعدين خلص؛ لأنك إذا أجبت عنها فما بعدها أسهل.

قال: فيقول: «ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد صلى الله عليه وسلم»، فيقال له: «صدقت»، وهذا حديث صحيح. وقال أحمد بن سلمة عن محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27]. قال: «إذا قيل له في القبر: من ربك؟ وما دينك؟ فيقول: ربي الله، ديني الإسلام، ونبي محمد صلى الله عليه وسلم، جاءا بالبينات من عند الله فآمنت به وصدقت، فيقال له: صدقت، على هذا عشت، وعليه مت، وعليه تبعث».

وقال رحمه الله: وقال عَمش عن المنهال بن عمر عن زاذان عن البراء بن عازم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -وذكر قبض روح المؤمن- قال: «فترجع روحه في جسده، ويبعث إليه ملكان شديدان الانتهار، فيجلسانه وينتهرانه ويقولان: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وما دينك؟ فيقول: الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل أو النبي الذي بعث فيكم؟ فيقول: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27]. رواه ابن حبان في صحيحه والآمدي».

والقبر أول منازل الآخرة، فهذا معنى يثبتهم في الآخرة. قال وفي صحيحه أيضًا من حديث أبي هريرة يرفعه قال: «إن الميت ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه مدبرين»، فإذا كان الميت يسمع خفق نعال أهله وهم يغادرون المقبرة، قال: «فإذا كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، وكان الصيام عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه. فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى عن يمينه فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى عن يساره فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، فيؤتى من عند رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قبلي مدخل. فيقال له: اجلس، فيجلس، قد مثلت له الشمس قد دنت للغروب، فيقال له: أخبرنا عما نسألك عنه، فيقول: أعوني حتى أصلي، فيقال: إنك ستفعل، فأخبرنا عما نسألك، فيقول: وعما تسألونني؟ فيقال له: رأيت هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد به عليه؟ محمد صلى الله عليه وسلم، فيقال: نعم، فيقول: أشهد أنه رسول الله، وأنه جاء بالبينات من عند الله فصدقته، فيقال له: هل على ذلك حييت؟ وعلى ذلك مت؟ وعلى ذلك تبعث إن شاء الله؟ ثم يفسح له في قبره سبعًا ذراعًا، وينور له فيه، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى ما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسرورًا، ثم تجعل نسمته في النسم الطيب، وهي طير خضر تعلق بشجر الجنة، ويعاد الجسد إلى ما بدأ منه من التراب، وذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27]».

كل الأحاديث التي تتكلم أن تثبيت الإنسان في قبره هو معنى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27]. ثم ماذا قال لك؟ قال رحمه الله: «ولا تستطل هذا الفصل المعترض»، يعني صحيح هذا استطراد مني بقولي لك، لكن لا تستطل، هذه الأحاديث. قال: «فالمفتي والشاهد والحاكم، بل وكل مسلم، أشد ضرورة إليه من الطعام والشراب والنفس، كل إنسان يحتاج إلى أن يثبته الله في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن كل سعادة بتثبيت الله لك، وكل شقاء في خذلان الله لك».

قال رحمه الله تعالى: فصل، ومنها قوله تعالى عودة إلى الأمثال الأخرى، قال: ومنها قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 30-31]. لماذا شبهه الله بهذه الحالة؟ قال: فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلق بغيره، ويجوز لك في هذا التشبيه أمران: هذا التشبيه إما أن تجعله تشبيهًا مركبًا أو تجعله تشبيهًا مفرقًا.

كيف هذا؟ قال: أحدهما أن تجعله تشبيهًا مركبًا، ويكون قد شبهه من أشرك بالله وعبد معه غيره برجل قد تسبب إلى هلاك نفسه هلاكًا لا يرجى معه نجاة، فصور حاله بصورة حال من خر من السماء فتخطفه الطير في الهواء فتفرق مزعًا في حواصل المزع، صار قطع لحم في أجواف النسور والصقور، وعصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة. وعلى هذا لا ينظر إلى كل فرد من أفراد المشبه والمشبه به؛ إذ المعنى الأول أن نقول: شبه الكافر في أنه أهلك نفسه هلاكًا لا نجاة فيه، بالإنسان الذي عرض نفسه لهلاك لا نجاة فيه، إنسان سقط من ارتفاع كبير، فكذلك الكافر لما كفر عرض نفسه لهلاك لا نجاة فيه، فالمراد هو الصورة النهائية؛ لذلك قال: شبه من أشرك بالله بمن تسبب إلى هلاك نفسه هلاكًا لا يرجى معه نجاة، والمشرك هل يرجى له نجاة إذا مات على الشرك؟ انتهت.

قال رحمه الله: والثاني أن يكون من التشبيه المفرغ، فيقابل كل واحد من أجزاء الممَثَّل بالمُمَثَّل به، وعلى هذا فيكون قد شبه الإيمان والتوحيد في علوه وسعته وشرفه بالسماء، التي هي ممثل به. تأخذ كل جزء من أجزاء التشبيه وتجعلها مقارنة بالمشبه به، فتقول: السماء هي ماذا؟ هي الإيمان. طيب، فمنها...

يهبط إلى الأرض وإليه يصعد منها، والأرض هي الشرك مثلا. قال: وشبه تارك الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين، حيث التضييق الشديد والآلام المتراكمة. قال: والطير التي تتخطف أعضاءه؛ هذه الشياطين، قال: وتمزقه كل ممزق بالشياطين التي يرسلها الله سبحانه وتعالى، وتجعل كل عنصر في المشبه به له ما يقابله في المشبه، هذا اسمه تشبيه مفرق.

قال: بالشياطين التي يرسلها الله سبحانه وتعالى عليه، تزهيه وتزعجه وتغلقه إلى مضان هلاكه، فكل شيطان له مزعة من دينه وقلبه، كما أن لكل طير مزعة من لحمه وأعضائه. والريح التي تهوي به في مكان سحق، هو هواه الذي يحمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السماء، ونجعل الريح هواه الذي يلقيه في الشهوات ووديان الشبهات.

قال رحمه الله تعالى: فصل، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 74]. قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: 73].

قال رحمه الله: حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل وتدبره حق تدبره؛ فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه. وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضر؛ أي شيء تعبده لازم يكون قادرًا على أن يحقق لك أقل درجات النفع، أليس كذلك؟

قال: والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على الأصنام التي يعبدها المشركون؛ لن تستطيع أن تخلق ذبابة وهي من أصغر المخلوقات. قال: ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف بما هو أكبر منه؟ ولا يقدرون على الانتصار، فكيف بخلق ما هو أكبر من الذبابة؟ قال: ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه، فلا يستنقذوه منه، فلهم قادرون؟ لو جاءت الذبابة أخذت شيئًا عن الصنم، هل الصنم يستطيع أن يستنقذوه؟

قال: فلهم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوانات، ولا على الانتصار، ولا قادرون على الانتصار على الذباب، ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله؟

وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله سبحانه وتعالى في بطلان الشرك وتجهيل أهله وتقبيح عقولهم، والشهادة على أن الشياطين قد تلاعب بهم، أعظم من تلاعب الصبيان بالكرة؛ حيث أعطوا الإلهية التي من بعض لوازمها القدرة على جميع المقدورات، والإحاطة بجميع المعلومات، والغنى عن جميع المخلوقات، وأن يُصمد إليه في جميع الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإجابة الدعوات، فأعطوه صورًا وتماثيل يمتنع عليها هذه أهم الأشياء المطلوبة من الإله. صحيح، كل هذه الأشياء أعطوها لأصناف لا تملك لنفسها ضرًا ولا نفعًا.

قال: فتوها صورًا وتماثيل يمتنع عليها القدرة على أقل مخلوقات الإله الحق، وأصغرها وأقلها، ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه؛ ودل من ذلك على عجزهم وانتفاء ألوهيتهم؛ أن هذا الخلق الأقل الأذل العاجز الضعيف لو اختطف منهم شيئًا يسيرًا -وهذا الخلق الأقل وهو الذباب- فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه لعجزوا عن ذلك ولم يقدروا عليه.

قال: ثم سوى بين العابد والمعبود في الضعف والعجز بقوله: «ضعف الطالب والمطلوب»؛ قيل: الطالب العابد والمطلوب المعبود، فهو عاجز متعلق بعاجز. وقيل: هو تسوية بين السالب والمسلوب، وهو تسوية بين الإله والذباب في الضعف والعجز، وعلى هذا فقيل: الطالب الإله الباطل والمطلوب الذباب يطلب منه ما استنقذ منه. وقيل: الطالب الذباب والمطلوب الإله.

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 171]. فتضمن هذا المثل ناعقًا، أي موعقًا بالغنم وغيرها، وموعقًا به وهو الدواب. لكن اختلفوا: من هو الناعق ومن هو المنعوت؟

فقيل: الناعق العابد وهو الداعي للصنم، فقيل: الناعق هو العابد الذي يعبد الصنم، والصنم هو المنعوت به المدعو. وإن حال الكافر في دعائه كحال من ينعق بما لا يسمعه، هذا قول طائفة منهم كعبد الرحمن بن زيد وغيره. واستشكل صاحب الكشاف وجماعة معه هذا القول، وقالوا: قوله «إلا دعاء ونداء» لا يساعد عليه، إلا دعاء ونداء يدل على أن الصنم يسمع دعاء ونداء، ولكن الصنم لا يسمع؛ لابد أن يكون الدعاء والنداء لشيء آخر.

وقد أجيب عن هذا الاستشكال بثلاثة أجوبة: أحدها أن «إلا» زائدة، والمعنى: بما لا يسمع دعاء ونداء، قالوا: وقد ذكر ذلك، يكون المعنى أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء ونداء، على أن «إلا» زائدة للتوكيد. قال: وقد ذكر ذلك الأصمعي في قول الشاعر: «حراجي ما تنفك إلا مناخه»، ويصف جمالًا، أنها لا تنفك إذا أنخت، لكن هنا «إلا» زائدة، أي ما تنفك مناخه. وهذا جواب فاسد؛ لأن «إلا» لا تزداد، هذا الجواب كله غلط.

الجواب الثاني: أن التشبيه وقع في مطلق الدعاء لا في خصوصيات المدعو؛ البعض قال: ليس مشكلة أن يكون المراد «إلا دعاء ونداء» الأصنام وإن كانت لا تسمع شيئًا، فليس المراد هنا إلا الصورة العامة؛ أن الكافر لما يدعو صنمًا يدعو شيئًا لا ينفعه بغض النظر عن «إلا دعاء ونداء»، لكن الجواب هذا حقيقة ليس قويًا.

الجواب الثالث: أن المعنى أن مثل هؤلاء في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم، كمثل الناعق بغنمه، فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنه في دعاء ونداء، وكذا المشرك وليس له إلا دعاء ونداء؛ إذ هي لا ترجع إلى الأصنام بل إلى الداعي، أنه يتعب نفسه بالدعاء والنداء ولا أحد يرد عليه. وكذا المشرك ليس له من دعائه وعبادته إلا العناء، وهذا معنى جيد، هذا الوجه الثالث جيد.

وقيل المعنى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَالْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَفْقَهُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾؛ فالراعي هو داعي الكفار، والكفار هم الراعي هنا، الذي ينعق هو داعي الكفار وهم الموحدون وأهل الإيمان، والكفار هم الدواب على هذا المعنى. إذاً القول الأول أن الداعي هو الكفار والدواب هي الأصنام، والقول الثاني أن الداعي هو الموحدون بالدعاء إلى الله والدواب هي الكفار.

قال رحمه الله: قال سيبويه...

المعنى: «ومثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمعوق به». وعلى قوله: «فيكون المعنى ومثل الذين كفروا وداعيه كمثل الغنم والناعس المركب».

وإن جعلته من التشبيه المفرق، فإن جعلته من المركب كان تشبيهًا للكفار في عدم فقههم واندفاعهم بالغنم التي ينعق بها الراعي، فلا تفقه من قوله شيئًا غير الصوت المجرد الذي هو الدعاء والنداء. وإن جعلته من التشبيه المفرق؛ فالذين كفروا بمنزلة البهائم، وداعيه إلى الطريق والهدى بمنزلة الناعق بها، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعيق. ودائمًا في التشبيه المفرق تحاول كل عنصر من عناصر المشبه به تجعل له مقابلًا في عناصر المشبه.

قال: «وإدراكه مجرد الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرد صوت الناعق»، والله أعلم.

قال رحمه الله تعالى: فصل، ومنها قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261].

قال رحمه الله تعالى: شبه سبحانه نفقة المنفق في سبيله، سواء كان المراد به الجهاد أو جميع سبل الخير من كل بر، بمن بذر بذرة فأنبتت كل حبة منه سبع سنابل، أجملت كل سنبلة على مائة حبة، والله يضاعف فوق ذلك لمن يشاء بحسب حال المنفق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه؛ مضاعفة الحسنات بحسب حالك في الإخلاص والإحسان والإتقان.

قال: «ونفع نفقته وقدر وقوعها على حسب قدر انتفاع الناس بنفقته». قال: «فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان والإخلاص والتثبيت عند النفقة»، وهو إخراج المال بقلب ثابت قد انشرح صدره بإخراجه، وسمحت به نفسه، وخرج من قلبه قبل خروجه من يده، فهو ثابت القلب عند إخراجه غير جازع ولا هلع ولا متبع. في ناس تتصدق لكنها تأسف على الصدقة، وفي ناس تتصدق وهي مسرورة.

قال رحمه الله: «ولا متبعة نفسه ترجف يده وفؤاده، ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق ومصارفه لمواقعه، وبحسب طيب المنفق وزكاته». وتحت هذا المثل من النفقة أنه سبحانه شبه الإنفاق بالبذر، فالمنفق ماله طيب لله لا لغيره، باذر ما له في أرض ذكية، فغلة ماله تكون بحسب بذره.

قال: «فبحسب بذره وطيب أرضه وتعهد البذر بالسقي ونفي الدغل والنبات»، والدغل يعني الحشرات والنباتات. قال: «فإذا اجتمعت هذه الأمور ولم تحرق الزرع نار، لقته جائحة جاء أمثال الجبال من الكميات الكبيرة من القمح والشعير».

قال: «وكان مثله كمثل جنة بربوة»، وهي المكان المرتفع الذي تكون الجنة فيه نصب الشمس والرياح فتربى الأشجار هنالك، ثم تربت فنزل عليها من السماء مطر عظيم القطر متتابع فرواها ونما، فأتت كلها ضعفي ما تؤتيه غيرها بسبب ذلك الوابل. فإن لم يصبها وابل فطل، والطل هو المطر الخفيف. قال: «مطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها»، فتسقى على الطل في بعض الأراضي لطيبها، مطر خفيف يكفيها لا تحت بطر شليل حتى تخرج غلتها.

مع أن في ذكر نوعي الوابل والطل إشارة إلى نوعي الإنفاق؛ الكثير والقليل. في إنسان ينفق نفقة كثيرة فتخرج، وفي إنسان ممكن ينفق دينارًا مثل الطل لكن الله يبارك فيه فيخرج خيرًا كبيرًا يوم القيامة لصدق صاحبه. قال: «فمن الناس من يكون إنفاقه وابلًا ومنهم من يكون إنفاقه طلًا، ولا يضيع مثقال ذرة». كلام جميل في حجم الإنفاق.

قال: «فإن عرض لهذا العامل ما يغرق أعماله ويبطل حسناته»، كان بمنزلة رجل له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار، له فيها من كل الثمرات، وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء، فأصاب هواء إعصار فيه نار فاحترقت. فإذا كان في يوم استيفاء الأعمال وإحراز الأجور، وجد هذا العامل عمله قد أصابه ما أصاب صاحب هذه الجنة، فحزن حينئذ أشد من حسرة هذا. أعماله احترقت كما تحترق جنة الدنيا عنده.

قال: «فهذا مثل ضربه الله سبحانه في الحسرة بسلب النعمة عند شدة الحاجة إليها مع عظم قدرها ومنفعتها». والتي ذهبت عنده، تخيل إنسانًا عنده مزروعات ضخمة وإنتاج ضخم، في اللحظة الأخيرة تأتي نار تحرقه، ماذا سيصير به؟ تتحطم. كذلك هذا الرجل عنده أعمال كثيرة في الدنيا، لكن يأتي يوم القيامة يجعلها الله هباءً منثورًا وتتحطم.

قال رحمه الله: «والذي ذهبت عنه قد أصابه الكبر والضعف فهو أحوج ما كان إلى نعمته، ومع هذا فله ذرية هم ضعفاء لا يقدرون على نفعه والقيام بمصالحه، بل هم في عياله، فحاجته إلى نعمته حينئذ أشد ما كانت، وضعف ذريته كذلك». الكافر حاجته للأعمال الصالحة يوم القيامة أشد من حاجة هذا الرجل المسن إلى مزروعاته.

قال: «فكيف يكون حال هذا إذا كان له بستان عظيم فيه من جميع الفواكه والثمر، وسلطان ثمره أجل الفواكه وأنفع وهو ثمر النخيل والأعناب، فملء يقوم بكفايته وكفاية ذريته، فأصبح يومًا وقد وجده محترقًا كله كالصريم؟ فأي حسرة أعظم من حسرته؟».

قال ابن عباس: «هذا مثل الذي يختم له بالفساد في آخر عمره»، العفو والعافية. وقال مجاهد: «هذا مثل مفرط في طاعة الله حتى يموت». وقال السدي: «هذا مثل المرائي في نفقته، الذي ينفق لغير الله ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليه»، وهذا من أنفع الكلام كلام السدي لأنه يتناسب مع السياق العام أنه سياق مزروعات.

قال رحمه الله: وسأل عمر بن الخطاب الصحابة يومًا عن هذه الآية، فقالوا: «والله أعلم»، فغضب عمر وقال: «قولوا نعلم أو لا نعلم؟». فقالوا: «يا عمر، قالوا الله أعلم»، قال: «اسمعوا، يا تقولوا نعلم يا لا نعلم تقولوا الله أعلم؟». هو غضب عليهم لأنه أرادهم أن يوضحوا له: أتعرفون أم لا تعرفون؟

فقال ابن عباس: «في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين»، قال: «قل يا ابن أخي ولا تحقر نفسك». قال: «ضرب مثلًا لعمل؟»، قال: «لأي عمل؟»، قال: «لرجل غني يعمل بالحسنات، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها». قال الحسن: «هذا مثل». قل والله، ومن يعقله من الناس؟ شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه، أفقر ما كان إلى جنته، وإن أحدكم...

والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا.

قال رحمه الله تعالى: فصل، فإن عرض لهذه الأعمال من الصدقة ما يبطلها من المن والأذى والرياء؛ فالرياء يمنع انعقادها سبباً للثواب، والمن والأذى يبطل الثواب الذي كانت سبباً له، فمثل صاحبها وبطلان عمله كمثل صفوان، وهو الحجر الأملس عليه تراب فأصابه وابل، وهو المطر الشديد، فتركه صلداً لا شيء عليه.

وتأمل أجزاء هذا المثل البليغ وانطباقها على أجزاء الممثل به، تعرف عظمة القرآن وجلالته؛ فإن الحجر في مقابله قلب هذا المرائي والمان والمؤذي، فقلبه في قسوته عن الإيمان والإخلاص والإحسان بمنزلة الحجر، والعمل الذي عامله لغير الله بمنزلة التراب الذي على ذلك الحجر، فقسوة ما تحته وصلابته تمنعه من النبات والثبات عند نزول الوابل، فليس له مادة متصلة بالذي يقبل الماء وينبت الزرع. وكذلك قلب المرائي ليس له ثبات عند وابل الأمر والنهي والقضاء والقدر، فإذا نزل عليه وابل الوحي انكشف عنه ذلك التراب اليسير، أي مطر الوحي، فبرز ما تحته حجراً صلداً لا نبات فيه. وهذا مثل ضربه الله سبحانه لعمل المرائي ونفقته، لا يقدر يوم القيامة على ثواب شيء منه، وهو أحوج ما كان إليه، وبالله التوفيق.

قال رحمه الله تعالى: فصل، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: 117]. مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صرٌّ أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم، فأهلكته، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57].

قال رحمه الله تعالى: هذا مثل ضربه الله تعالى لمن أنفق ماله في غير طاعته ومرضاته، فشبه سبحانه ما ينفق هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر، لا يبتغون به وجه الله، وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله واتباع رسله، بالزرع الذي زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره، فأصابت ريح شديدة البرد جداً يحرق بردها ما يمر عليه من الزروع والثمار ذلك الزرع فأهلكته.

واختلف في الصر؛ فقيل: البرد الشديد، وقيل: النار. قال ابن الأنباري: وإنما وصفت النار بأنها صرّ لتصويتها عند الالتهاب، وقيل الصر: الصوت الذي يصحب الريح من شدة هبوبها، والأقوال الثلاثة متلازمة؛ فهو برد شديد محرق بيبسه للحرث كما تحرقه النار، وفيه صوت شديد. وفي قوله: ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ تنبيه على أن سبب إصابتها للحرث هو ظلمهم، فهو الذي سلط عليهم الريح المذكورة حتى أهلكت زرعهم وأفسدته، فالظلم هو الريح التي أهلكت أعمالهم ونفقاتهم وأتلفته.

قال رحمه الله تعالى: فصل، ومنها قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 29]. هذا مثل ضربه الله سبحانه وتعالى للمشرك والموحد؛ فالمشركون تنازعوا واختلفوا، المشرك الذي يعبد أكثر من إله كعبد يملكه أكثر من سيد، يوم هذا بناديه، ويوم كذا بناديه، هو غير مستقر، بخلاف العبد الذي يملكه سيد واحد، تجده مستقراً مطمئناً لأنه يأخذ أوامره من سيد واحد.

قال رحمه الله: ورجل سلم لرجل، أي ضيق الخلق، فالمشرك شركاء متشاكسون، يعني مشكلجية، كل واحد يريد مصلحته، فالمشرك في خدمته لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين. والموحد لما كان يعبد الله وحده، فمثله كمثل عبد لرجل واحد قد سلّم، فهو مستريح في خدمة سيد واحد، قد سلم له علم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع، مع رعاية مالكه به ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليه لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟

قال: وهذا من أبلغ الأمثال، فإن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحق صاحب الشركاء المتشاكسين. الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون.

قال رحمه الله تعالى: فصل، ومنها قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحِينَ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: 10]. وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: 11]، ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها، ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: 12].

قال رحمه الله: فاشتملت هذه الآية على ثلاثة أمثال؛ مثل للكفار، ومثلين للمؤمنين؛ المثل الأول امرأة فرعون، والثاني امرأة مريم.

قال رحمه الله: فتضمن مثل الكفار أن الكافر يعاقب على كفره وعداوته لله ورسوله وأوليائه، ولا ينفعه مع كفره ما كان بينه وبين المؤمنين من لحمة نسب أو وصلة صهر أو سبب من أسباب الاتصال؛ فإن الأسباب لو نفعها، فأنباء لوط هل نفعها أنها زوجة لوط؟ ما نفعها. قال: فإن الأسباب كلها تنقطع يوم القيامة إلا ما كان منها متصلاً بالله وحده على يد رسوله. فلو نفعت وصلة القرابة أو المصاهرة أو النكاح مع عدم الإيمان، لنفعت الوصلة التي كانت بين نوح ولوط وأمراؤهما، فلما لم يغنيا عنهما من الله شيئاً، وقيل: ادخلا النار مع الداخلين، قطعت الآية حينئذ طمع من ركب معصية الله وخالف أمره ورجا أن ينفعه صلاح غيره من قريب أو أجنبي؛ صلاح قريبك وصلاح والدك ما راح ينفعك أنت يوم القيامة، لابد أنت تعمل.

قال: ولو كان بينهما في الدنيا أشد الاتصال، فلا اتصال فوق اتصال البنوة والأبوة والزوجية، ولم يغنِ نوح عن ابنه، ولم يستفد منه ابنه، وإبراهيم لم يستفد من أبوه، ونوح ولوط لم تستفد منهما زوجاتهما؛ لا الأقارب ينفعونك إذا لم تعمل. قال تعالى: ﴿لَا تَنفَعُكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ۖ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [المجادلة: 6]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الأعراف: 89]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48]. وقال تعالى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: 33]. إن وعد الله حق.

قال رحمه الله: وهذا كله تكذيب لأطماع المشركين الباطلة، أن من تعلقوا به من دون الله من قرابة أو صهر أو نكاح أو صحبة ينفعهم يوم القيامة أو يجيرهم من عذاب الله أو يشفع لهم عند الله، وهذا أصل ضلال بني آدم وشركهم، وهو الشرك الذي لا يغفره الله.

وهو الذي بعث الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه، وأفحم بها جميع أهل الزيغ والطغيان، وجعلها ربيعًا لقلوب أهل الإيمان.

قال رحمه الله تعالى: فصل، وأما المثلان اللذان ضربهما الله للمؤمنين، فآما امرأة فرعون. ووجه المثل أن اتصال المؤمن بالكافر لا يضره شيئًا إذا فارقه في كفره، وكذلك العكس؛ لو أن مؤمنًا متصل بكافر لا يستطيع مفارقته لا يضره كفر الكافر. فامرأة فرعون كانت متصلة بأفجر رجل على الأرض، ومع ذلك لم يضرها ذلك.

قال رحمه الله تعالى: «فعصي المعصية لا تضر المطيع شيئًا في الآخرة، وإن تضرر بها في الدنيا بسبب العقوبة التي تحل بأهل الأرض إذا أضاعوا أمر الله». تأتي عامة، حتى لو أن الله أهلك أهل الأرض بما فيهم من المؤمنين، لكن أنت في يوم القيامة ما عليك ذنب، أنت مصلح وإنسان، لكن جاءت عقوبة عامة للصالح والطالح من الله سبحانه؛ خسف وزلزال، أنت في النهاية دخلت في عقوبة في الدنيا، لكنك يوم القيامة لا يضرك ذلك.

قال رحمه الله: «فلم يضر امرأة فرعون اتصالها به وهو من أكثر الكافرين، ولم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما وهما رسولا رب العالمين». المثل الثاني للمؤمنين مريم التي لا زوج لها، لا مؤمن ولا كافر. أما مريم فهو مثل للمرأة التي لا قرابة لها أصلًا، لا من زوج مؤمن ولا من زوج كافر.

قال رحمه الله: فذكر ثلاثة أصناف للنساء: المرأة الكافرة التي لها وصلة بالرجل الصالح، والمرأة الصالحة التي لها وصلة بالكافر، والمرأة العزباء. قال: «والمرأة العزب التي لا وصلة بينها وبين أحد». فالأولى لا ينفعها وصلتها وسببها، والثانية لا يضرها وصلتها وسببها، والثالثة لا يضرها أن لا يوجد لها أقارب أصلًا.

ثم في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة؛ فإنها سيقت في ذكر أزواج النبي ﷺ والتحذير من تظاهرهن عليه، وأنهن إن لم يطعن الله ورسوله ويردن الدار الآخرة لم ينفعهن أصالة برسول الله ﷺ، فكان فيه رسالة لزوجات النبي ﷺ.

قال رحمه الله: «كما لم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما، ولهذا إنما ضرب في هذه السورة صورة اتصال النكاح دون سائر أنواع القرابة، لأن النكاح هو موضوعها من البداية، وهي مشكلة عائشة وحفصة مع النبي ﷺ».

قال رحمه الله: قال يحيى بن سلام: ضرب الله المثل الأول يحذر عائشة وحفصة، ثم ضرب لهما المثل الثاني يحرضهما على التمسك بالطاعة. وفي ضرب المثل للمؤمنين بمريم أيضًا اعتبار آخر، وهو أنها لم يضرها عند الله شيئًا قذف أعداء الله اليهود لها، ونسبتهم إياها وابنها إلى ما برأ الله عنه، مع كونها الصديقة؛ نسبة مريم إلى الزنا -والعياذ بالله- لا يضرها عند الله شيئًا، وإن كان اليهود نسبوها إلى أنها زنت لما أتت بعيسى -والعياذ بالله-.

قال: «مع كونها الصديقة الكبرى المصطفى على نساء العالمين، فلا يضر الرجل الصالح قدح الفجار والفساق فيه». جميل، لا يضر الرجل الصالح أن يقدح الفساق فيه، إذا أنت واثق من صلاحك توكل على الله.

قال رحمه الله: في هذا تسلية لعائشة أم المؤمنين إن كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك، وتوطئة لنفسها على ما قال فيها الكاذبون، إن كانت قبلها كما في الذكر. قد يكون هذا تسلية لعائشة عما قاله فيها أهل الإفك.

قال رحمه الله: كما في ذكر التمثيل بامرأة نوح ولوط تحذير لها ولحفصة مما اعتمدته في حق النبي ﷺ على ما شرحناه في تفسير سورة التحريم. فتضمنت هذه الأمثال التحذير لهن، والتخويف، والتحريض لهن على الطاعة والتوحيد، والتسلية، وتوطين النفس لمن أوذي منهن وكذب عليه، وأسر التنزيل فوق هذا وأجل منه، ولا سيما أسر الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون.

بارك الله فيك. انتهينا من مختصر التبيان في آداب حملة القرآن، وهو كتاب أصله ومختصره من وضع الإمام النووي رحمه الله تعالى عليه، وجيد أننا عدلنا إلى المختصر بدلاً من الأصل حتى نخفف عليكم الوقت؛ فالنووي رحمه الله وضع أصله ثم اختصره لأمثالكم من أهل القرآن لتأخذوا الآداب العامة والأحكام العامة. وأردت أن يكون هذا الكتاب هو آخر الكتب؛ لأنه سهل في جلّه، ونختم به إن شاء الله في آداب معلم القرآن وطلاب القرآن والمنشقين بحلقات القرآن، لعل الله عز وجل يجعلنا من العاملين بهذه الآداب المقتفي أثرها، وسيكون التعليق مختصراً؛ فركزوا واسمعوا لأن الكلام في أغلبه سهل.

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولمسامعينا ولإخواننا المستضعفين في كل مكان.

قال المصنف رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. الحمد لله الكريم المنان، ذي الطول والفضل والإحسان، الذي هدانا للإيمان، وفضل ديننا على سائر الأديان، ومنّ علينا بإرساله إلينا خير خلقه محمد ﷺ، فأفحم به عباده الأوثان، وكرمه ﷺ وإيانا بالقرآن المعجزة المستمرة على تعاقب الأزمان، التي تحدى بها الجن والإنس بإجماع.

قال رحمه الله تعالى: وأفحم بها جميع أهل الزيغ والطغيان، وجعلها ربيعًا لقلوب أهل...

البصائر والعرفان، ولا يخلق على كثرة الرد وتغاير الأحيان، ولا يبلى ولا يتلف. قال: «ويسره للذكر حتى استظهره صغار الولدان»، وضعف الأجر في تلاوته، وأعظم به في الامتنان، أحمده أبلغ الحمد على ذلك وغيره من نعمه التي أسبقها علينا في كل حين وأوان، وأسأله من علي وعلى جميع أحبائي الرضوان، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة محصلة للغفران، منقذة صاحبها من النيران، موصلة لها إلى سكن الجنان.

قال: أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى من على هذه الأمة، زادها الله شرفًا بالدين الذي ارتضاه، دين الإسلام، وأرسل إليها خيرته من خلقه محمدًا سيد الأنام، عليه من أفضل الصلوات والبركات والسلام. وأكرمها بكتابه القرآن، أفضل الكلام، وجمع فيه جميع ما تحتاج إليه من أخبار الأولين والآخرين، والمواعظ والأمثال والآداب، وأصناف الأحكام والحجج القطعيات الظاهرات في الدلالات على وحدانيته، وغيرها مما جاءت به رسله صلوات الله وسلامه عليهم، الدامغة لأهل الإلحاد والضلال الطغام.

وحث على تلاوته والاعتناء به والتعظيم وملازمة الأدب معه، وبذل الوسع في اغتنامه، كما قال عندكم. قال: «ورأيت أهل بلدتنا دمشق حماها الله تعالى». لماذا وضع النووي هذا الكتاب؟ لأن أهل دمشق في زمنه كانوا مشغولا بالقرآن تعلمًا وتعليمًا، نسأل الله أن يعيد لدمشق هذه المعاني في هذه الأيام، اللهم آمين.

قال رحمه الله تعالى: «ورأيت أهل بلدتنا دمشق حماها الله تعالى وصانها وسائر بلاد الإسلام وأهله، مكثرين من الاعتناء بتلاوة القرآن العزيز، تعلمًا وتعليمًا ودراسة في جماعات وفراد، مجتهدين في ذلك بالليالي والأيام، زادهم الله حرصًا عليه وعلى سائر الطاعات، مريدين به وجه ذي الجلال والإكرام، فدعاني ذلك إلى جمع مختصر في آداب حملته وأوصاف حفاظه وطلبته، فجمعت ذلك وأوضحته وبينته وأتقنته وسميته كتاب التبيان في آداب حملة القرآن، وذكرت فيه نفائس يحتاج حافظه إلى معرفتها ويقبح به جهلها وتفويت خبرتها».

ثم رأى المصلحة في اختصاره تيسيرًا لحفظه، فإذا هو وضع أولًا كتاب التبيان، والكتاب التبيان في مئتي صفحة تقريبًا، فرأى أنه طويل، فعاد فاختصره في هذا المختصر. قال: «ثم رأيت المصلحة في اختصاره تيسيرًا لحفظه وانتشاره، فشرعت في ذلك قاصدًا المبالغة في الاختصار مع إيضاح العبارة والرمز إلى الأدلة وبعض الأحكام التي يحصل الفهم منها بالإشارة». يعني اختصر ذكر بعض أحكام سجود التلاوة وما سيأتي معنا.

قال: «فمن أشكل عليه شيء مما أذكره هنا أو أراد زيادة في بسطه فليطلبه من التبيان»، يعني إذا أردت زيادة بسط فعليك بالأصل وهو كتاب التبيان، يجده إن شاء الله تعالى واضحًا في حكمه وضبطه. وعلى الله الكريم الاعتماد، وإليه التفويض والاستناد، حسبنا الله ونعم الوكيل.

هذه فهرسة أبوابه: الباب الأول في فضيلة تلاوة القرآن وحملته، الثاني في ترجيح القراءة والقارئ على غيرهما، الثالث في إكرام أهل القرآن، الرابع في آداب معلمه ومتعلمه، الخامس في آداب حامله، السادس في آداب القراءة وهو معظم الكتاب ومقصوده، السابع في آداب جميع الناس مع القرآن، الثامن في الآيات والسور المستحبة في أوقات مخصوصة، التاسع في كتابة القرآن وإكرام المصحف.

قال رحمه الله تعالى: الباب الأول في أطراف من فضيلة تلاوة القرآن وحملته. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: 29-30]. وثبت في صحيح البخاري ومسلم رحمهم الله تعالى عن عثمان رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران». وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم».

وفي الصحيحين عن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار». ورويناه في الصحيحين من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها».

وفي صحيح مسلم عن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه». وفيه عن عمر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين». وفي كتاب هذا القرآن يكون سببًا في رفع أقوام ويكون سببًا في شقاء آخرين، سبحان الله.

وفي كتاب الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب». قال: الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب الهالك، كيف؟ البيت الذي تعشعش فيه العناكب وما شابه ذلك، فلا بد للإنسان أن يحفظ قصًا من القرآن على الأقل. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

قال رحمه الله تعالى: الباب الثاني في ترجيح القراءة والقارئ على غيرهما. قال: ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «يا أُمَّ القومِ اقرأُهم بكتابِ اللهِ». وفي صحيح البخاري عن ابن عباس، كأنه يدل على أن حامل القرآن مقدم على غيره: «يا أُمَّ القومِ اقرأُهم بكتابِ اللهِ».

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس، كان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنهما كذلك في المشورة والسياسة، كان عمر يستشير قراء القرآن حتى في أمور الدولة والسياسة، بشرط طبعًا أن يكون صاحب بصر نافذ. قال: «ومشورته كهولًا كانوا أو شبانًا». وفيها أنه ﷺ كان يأمر بقتلى أحد أن يقدم إلى القبلة، اقرأهم لما دفنوا شهداء أحد، كان يقدم في اللحد أكثرهم قرآناً، هذا يدل على أن صاحب القرآن يقدم في الأمور العامة والخاصة.

رحمه الله تعالى، واعلم أن المذهب المختار الذي عليه الشافعي ومن لا يحصى من العلماء، أن قراءة القرآن أفضل من سائر الأذكار، وقد ظاهرت الأدلة على ذلك.

قال رحمه الله تعالى: الباب الثالث في إكرام أهل القرآن والنهي عن أذاهم. قال: لابد وأن تكرموا أهل القرآن والنهي عن إيذاء حملة القرآن. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. ومن تعظيم شعائر الله أن تعظم حامل القرآن. وقال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾، وحامل القرآن له حرمة، فعليك أن تعظم علماء القرآن وأهل التفسير وحملة القرآن إذا كانوا عاملين به، هذا المراد.

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾، وحافظ القرآن العامل به من أعلى المؤمنين. قال: وفي الباب الأحاديث السابقة في الباب قبله. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين».

وقال ﷺ: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه». وإكرام من إجلال الله أن تُجل حامل القرآن بشرط أن لا يكون غاليًا في فهم معانيه كالخوارج، وأن لا يكون جافيًا مقصرًا فيه. وقال: «وإكرام ذي السلطان المقسط»، رواه أبو داود وهو حديث، وكذلك إكرام ولي الأمر المقسط العادل.

وفي صحيح البخاري عنه ﷺ: «أن الله عز وجل قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب»، وأهل القرآن هم أولياء الله. وقال الإمامان الجليلان أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله: إن لم تكن العلماء أولياء الله فليس لله أولياء، والعلماء هم علماء القرآن ابتداء.

قال رحمه الله تعالى: الباب الرابع في آداب معلم القرآن ومتعلمه. قال: لكل واحد منهما أن يقصد به رضى الله تعالى، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5]. وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى». وروينا عن ابن عباس: «إنما يحفظ الرجل على قدر نيته». وقال العارفون: الإخلاص، إنما يحفظ الرجل القرآن على قدر نيته؛ كلما صدقت نيتك كلما أعانك الله على الحفظ أكثر وأكثر.

قال رحمه الله تعالى: قال العارفون: الإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقات، وقيل هو استواء أفعال العبد ظاهرًا وباطنًا بحيث لا يلحظ المخلوقات وإنما يلحظ الخالق.

قال رحمه الله تعالى: فصل في الأعراض عن أعراض الدنيا. قال: ولا يقصد بتعلمه أعراض الدنيا، أي أطماعها. قال: ولا يقصد بتعلمه ولا تعليمه توصلاً إلى عرض من أعراض الدنيا من مال أو رئاسة أو وجاهة أو ارتفاع على أقرانه أو ثناء عند الناس أو صرف وجوه الناس إليه أو نحو ذلك. قال الله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ الْحَرْثَ فِي الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: 20]. وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: 64].

قال رحمه الله تعالى: فصل في محذورات نية التعليم. قال: ولا يشين المقر إقرأه بطمع. سيتكلم عن آداب معلم القرآن. قال: ولا يشين المقر إقرأه بطمع في رفق يحصل له من بعد من طلابك، وأنت تقصد أن تحصل على منافع دنيوية منهم، أن يصبحوا يخدموك، وهذا يجيب لك هدية وهذا يهدي لك عطرًا، لا تكن هذه النية هي النية التي تدفعك لتعليم الناس القرآن.

قال رحمه الله تعالى: سواء كان الرفق مالًا أو خدمة وإن قل. ممكن الرفق ليس مالًا، ممكن يخدمك، هذا يشتغل في مكان وهذا كذا، فانت تنتفع من طلابك. قال: وإن كان على صورة الهدية التي لولا قراءته عليه لما أهداها إليه؛ حتى الهدايا حاول لا تتقبلها إلا إذا شعرت أنك تجبر خاطره، حتى لا يصير عندك ديدن في قبول الهدايا من طلابك وطمع في ذلك.

قال رحمه الله: وليحذر كل الحذر من قصده التكثر بكثرة المشتغلين عليه، ومترددين لقصده، أن يجمع جمهورًا وأنا حوله يحتفي بهم. قال: وليحذر من كراهته قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفعون بقراءته، ولا يجوز لك أن تغضب إذا ذهب طلابك فتعلموا من غيرك، تقبل الأمر بصدر رحب، كن مخلصًا لله.

وهذه معصية يبتلى بها بعض المعلمين الجاهلين، وهي دلالة بينة من فاعلها على سوء نيته وفساد طويته؛ ألا يرد لطلابه أن ينتفعوا من غيره. وقال: وعدم إرادته بتعليمه وجه الله الكريم. وقد روينا في مسند الدارمي عن علي رضي الله عنه قال: «يا أحمد العلم اعملوا به، فإنما العالم من عمل بما علم ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم نيتهم، يجلسون حلقًا يباهي بعضهم بعضًا، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يرى أن حلقته أعلى من حلقة غيره وأجود من حلقة غيره، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويتركه». وهذا مطن الشاهد، حتى إن الرجل ليغضب على طالبه إذا جلس في حلقة أخرى أو عند عالم آخر يريد أن يستحوذ عليهم، هذه دلالة الرياء والعياذ بالله. قال: أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم، تلك الأعمال إلى الله تعالى، نسأل الله العافية، آمين.

قال رحمه الله تعالى: فصل في أخلاق معلم القرآن. قال: وينبغي للمعلم أن يتخلق بآداب الشرع من الخصال الحميدة والشيم المرضية، والزهد في الدنيا والتقلل منها وعدم الالتفات إليها وإلى أهلها، والسخاء والجود ومكارم الأخلاق وطلاقة الوجه والحلم والصبر، والتنزه عن دنيء الاكتساب وملازمة الورع والخشوع والسكينة والوقار والتواضع والخضوع، وجنب الضحك والإكثار من المزح.

قال: ويعتني بإزالة الأوساخ والشعور التي ورد الشرع بإزالتها. يعني حتى المعلم لما تأتي أمام طلابك يكون أزال الأشياء القذرة كالآفات الطويلة والرائحة وما شابه ذلك. قال: والشعور التي ورد الشرع بإزالتها كقص الشعر، يعني كشعر العانة والإبط والشارب. قال: «قص الشارب وتقليم الأظفار». ويتبرد بتسريحة على أذكار الصباح والمساء، تسبيحات ودعوات؛ يكون قدوة، أليس كذلك؟ مش يقول لطلاب أذكار الصباح والمساء وهو نائم عنها؟

قال رحمه الله تعالى: فصل في الحذر من أمراض القلوب. وليحذر كل الحذر من أمراض القلوب.

كالحسد والعجب والرياء، واحتقار الناس والارتفاع عليهم وإن كانوا دونه، وعليه أن لا يرى نفسه خيرا من أحد.

قال رحمه الله تعالى: فصل في إحسان المعلم ونصحه للطالب. وينبغي أن يرفق بالذين يقرئهم، ويرحب بهم، ويحسن إليهم. المعلم يكون رفيقًا يرحب بطلابه، قال: ويحسن إليهم بحسب حاله وحالهم، ويبذل لهم نصيحة ما استطاع؛ فإن نصيحة غيرهم واجبة فهم أولى، ولا يتعظم عليهم، وأن يكون سمحًا بتعليمهم.

إن كنت تنصح غير طلابك، فيلزمك ذلك، فمن باب أولى أن تنصح طلابك؛ فمن تنصح غير طلابك من عوام الناس، هذا يلزم الإنسان أن ينصح الناس، فما بالك بطلابك وهم أنت أحق الناس بنصيحتك.

قال رحمه الله تعالى: وأن يكون سمحًا بتعليمهم في رفق وتلطف، ويحرضهم على التعلم، ويتألف عليهم، ويعرفهم أن العلماء ورثة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. إن منصب التدريس في حلقات القرآن ليس منصبًا سهلًا؛ بعض الناس يظن: خلاص، يلا الشباب بدنا واحد يدرس حلقات القرآن تفضل، لا، ما هو قد يكون غير مؤهل أخلاقيًا وسلوكيًا حتى ولو كان حافظًا للقرآن. معلم القرآن هذا له صفات، عليها النووي رحمه الله صفات سلوكية وأخلاقية؛ لأنه ممكن معلم القرآن ينفر الطالب من القرآن بأسلوبه وسوء خلقه، أليس كذلك؟

قال رحمه الله تعالى: ويحنوا عليهم ويعتني بمصالحهم. حنون، شوف العبارة: حنون. قال: ويعتني بمصالحهم كاعتنائه بمصالح نفسه وولده، ويجري المتعلم منه مجرى ولده في الشفقة عليه والاهتمام بمصالحه، والصبر على جفائه وسوء أدبه، ويعذر في قلة أدبه في بعض الأحيان. حتى الطالب قد يجهل على المعلم، ممكن الطالب يسيء للمعلم أدبًا، يصبر المعلم، بدك تصبر ولا تكون إنسان سيئًا أو أنه خلاص تطرده مباشرة من الحلقة؛ هذا طفل صغير أو شاب ناشئ يحتاج إلى أن تصبر على أخلاقه حتى تصلح.

قال رحمه الله: ويعرفه قبح ذلك بتلطف لئلا يعود إلى مثله. قال: وينبغي أن يحب له من الخير ما يحب لنفسه، ويكره له من النقص ما يكره لنفسه.

قال رحمه الله تعالى: فصل في ترغيب المعلم وحرصه على تعلم طلابه. قال: وينبغي أن يذكر للمتعلم فضيلة التعلم ليكون سببًا لنشاطه وزيادة رغبته. المعلم الناجح هو الذي يرغب طلابه في العلم ويحثهم عليه. قال: وزهده في الدنيا ويرغبه في التأهب للآخرة، ويكون حريصًا على تعليمهم، مؤثرًا لذلك على مصالح نفسه الدنيوية التي ليست بضرورية، ويكون حريصًا على تفهيمهم.

ما معنى أن يكون مؤثرًا لذلك على مصالح الدنيوية؟ يجب أن تعطي الطلاب وقتًا. المعلم الناجح يعطي الطلاب وقتًا، وليس كلما عرض له طمع من أطماع الدنيا ألغى الدرس. والله الشيخ ألغى الدرس لأنه عنده عزومة عند فلان اليوم مثلاً، أو عنده مناسبة، ثم بعدين يا شيخ بدنا نستفيد؛ فالشيخ يجب أن يعطي للطلاب الوقت حتى ينبت الطلاب وينضج.

قال رحمه الله: وأن يعطي كل إنسان منهم ما يليق به، فلا يكثر على من لا يحتمل الإكثار، ولا يقتصر لمن يحتمل الزيادة، ويفرق قلبه في حال جلوسه، لا قرأته من الأسباب الشاغلة. كلها يعني في طلاب لا يستطيع أن يثبت على حفظ آيتين خلاص، وفي طالب يستطيع أن يحفظ صفحتين، يعطي كل إنسان على حسب.

قال رحمه الله تعالى: فصل في تأديب المتعلمين بالآداب السامية والأخلاق الحميدة. قال: وينبغي أن يكون مؤدبًا لهم على التدريج بالآداب السنية، والشيء المرضي، ورياضة النفس بدقائق الخفي، ويعوده الصيانه في جميع أمورهم الباطنية. معلم القرآن أنت مش وظيفتك بس تحفظ القرآن، أنت وظيفتك أن تؤدي واجبًا، وأن تصنع نفسًا سوية للمجتمع. هذه وظيفة معلم القرآن حقيقة، بعض الناس يظن أن الوظيفة فقط: يلا ردد وراي، حفظت الآية؟ طيب أخلاق الطالب؟ آداب الطالب؟ هيئة الطالب؟ ولذلك أصبح للأسف نرى إنسانًا حافظًا للقرآن لكن ليس له من القرآن أي خلق، لأنك ركزت فقط على الحفظ، وأظن ما هو أهم من الحفظ الأخلاق والنفس السوية.

قال رحمه الله تعالى: حرضهم بأقواله وأفعاله متكررًا على الإخلاص والصدق وحسن النيات ومراقبة الله تعالى في جميع اللحظات، وعرفهم أن بذلك ستنفتح عليهم أنوار المعارف، وتنشرح صدورهم، وتتفجر من قلوبهم ينابيع الحكم واللطائف، ويبارك لهم في علمهم وأحوالهم، ويوفق في أفعالهم وأقوالهم.

قال رحمه الله تعالى في متابعة المعلم لطلابه ونيتهم وترتيبهم: يأخذهم بإعادة محفوظاته، ويثني على من ظهرت نجابته ما لم يخشَ عليه فتنة بإعجابه، بتكرار المراجعة. قال: ما لم يخشَ عليه فتنة بإعجابه ونحوه، ويعنف من قصر تعنيفًا لطيفًا ما لم يخشَ عليه فتنة.

قال: ويقدم أحسنهم، فالمدح يكون بالقدر المناسب، والتقريع يكون بالقدر المناسب. يقدم في تعليمهم إذا ازدحموا الأول فالأول، ولا يمكن السابق؛ يعني من أتى أولًا إلى الحلقة يستحق أن يقدم في وقته. قال: ولا يمكن السابق من إيثاره بنوبة إلا لمصلحة شرعية، وإذا جاء شخص وسبق غيره يمنعه أن يؤثر غيره؛ لماذا لا يصلح الإيثار هنا؟ لأنه لا إيثار في الطاعات إلا لمصلحة، قال: فإن الإيثار في القرب مكروه.

وينبغي أن يتفقد أحوالهم، ويسأل عن من غاب منهم، ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية؛ فقد قال سفيان وغيره: طلبهم للعلم نية. قد يأتيك طالب نيته فيها دُخْن، اصبر عليه وعلمه مع عدم صحة نيته؛ فمجرد طلب للعلم هو شكل من أشكال النية الصالحة.

قال رحمه الله: فصل في آداب المعلم وعدم إذلال العلم. قال: ويصون يديه عن حال الإقراء عن العبث، وعينيه عن تفريق النظر من غير حاجة شرعية. معلم القرآن لا يعبث بيديه وجواله وهو يسمع للطلاب، صحيح بعض المعلمين -شوف- ماسك الجوال يتصفح الفيسبوك، هذا ليس تسمعًا. الأصل أن تعظم القرآن وأنت تسمع لطلابك، مش ماسك السوشيال ميديا والفيسبوك وكل شيء وتقول لي والله أنا عم بسمع قرآن؛ الطالب سيأخذ منك هذه الأخلاق.

قال: وعينيه عن تفريق النظر من غير حاجة شرعية، وأذنيه عن الاستماع لغير القارئ، ويقعد على طهارة مستقبل القبلة بوقار، في ثياب بيض نظيفة. وإذا وصل إلى موضع جلوسه صلى ركعتين قبل الجلوس سواء كان الموضع مسجدًا أو غيره، حتى لو في غير المسجد تصلي ركعتين، يعني من باب طلب البركة بهما؛ فإن كان مسجدًا كان أكد، فإنه يكره له ركتا تكون تحية المسجد، وطيب، فإنه يكره الجلوس فيه قبل الصلاة، ويجلس متربعًا إن شاء وغير متربع، ولو جلس جاثيًا على ركبتيه كما روي عن عبد.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «أما أن يجلس متربعًا كجلستكم، أو جاثيًا على ركبتيه». تعرفون ما معنى جاثيًا على ركبتيه؟ مثل ما يكون الأخ جالسًا. قال كما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كان مجلسه واسعًا يتمكن جلساؤه فيه.

قال رحمه الله تعالى: ومما يتاكد الاعتناء به، أن لا يذل العلم فيذهب إلى موضع ينسب إلى من يتعلم ليعلمه فيه، وإن كان المتعلم خليفة المعلم، لا يذهب إلى الطالب، الطالب هو الذي يأتي إلى المعلم، هذا الوضع الطبيعي. وإن كان المتعلم خليفة فمن دونه، حتى لو كان المتعلم خليفة وحاكم هو يأتي. قال: بل يصونه عن ذلك كما صانه السلف رضي الله عنهم.

قال رحمه الله تعالى: فصل في حكم التعليم، قال: تعليم المتعلمين فرض كفاية، فإن لم يكن من يصلح له إلا واحد تعين عليه، وإن كان هناك جماعة يحصل التعليم ببعضهم. أن تعلم القرآن للناس، بعض الناس يظن أنه مستحب له، هو فرض كفاية، إلا إذا قال لا يوجد غيرك في القرية يقرأ القرآن فيصبح أن تعلمهم فرض عين.

قال: وإن كان هناك جماعة يحصل التعليم ببعضهم، فقام به بعضهم سقط الحرج عن الباقين، وأما إذا قام هناك أناس بفرض الكفاية وأدوا ما عليهم، أصبح في حقك سنة. قال: وإن امتنعوا كلهم أثموا إن لم يكن لهم عذر شرعي.

قال: فصل في آداب المتعلم، قال: جميع ما ذكرناه من آداب المعلم في نفسه هي آداب للمتعلم. الآن سينتقل إلى آداب الطالب. قال رحمه الله تعالى: ومن آدابه أن يجتنب الأسباب الشاغلة عن تحصيل كمال التعلم إلا سببًا لا بد منه للحاجة. قال: وينبغي يقلل من اللعب والعبث والزيارات العائلية والعوائق والعلائق، لأنها تحرمك من كمال التعلم، إلا ما تحتاج منه من الرزق الذي تحتاج إليه.

قال: ينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول القرآن، والأدناس هي الشهوات والمعاصي والذنوب، قال: ليصلح لقبول القرآن واستثماره. ويتواضع للعلم، شوف العبارة: «ليصلح حتى أن تستثمر القرآن في حياتك». قال: ويتواضع للعلم، فبتواضعه يدركه. وقد قالوا: «العلم حرب للفتى المتعالي، كالسيل حرب للمكان العالي». هل يمكن يكون سيل في مكان مرتفع؟ لا، السيل يكون دائمًا في الأماكن المنخفضة، كذلك العلم لا يكون في المتكبر وإنما يكون في المتواضع.

قال: ويتواضع لمعلمه ويتأدب معه، وإن كان أصغر سنًا منه، حتى لو كان شيخك أصغر سنًا منك، تريد أن تتواضع. قال: وأقل شهرة ونسبًا وصلاحًا، حتى ولو كان شيخك أقل شهرة منك وأنت حاكم أو سلطان، أو أقل نسبًا، وإن كنت أنت ابن عشيرة والشيخ ليس كذلك، أو أقل صلاحًا. قال: وأن يقاد له ويشاور في أموره ويقبل قوله، كالمريض العاقل يقبل قول الطبيب الناصح الحاذق، وهذا أولى.

قال رحمه الله تعالى: فصل في أهلية المعلم واحترام الطالب له. قال: ولا يتعلم إلا ممن كملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته. هذا الإصرار أنك تقصد معلمًا ناجحًا حتى تنتفع من التعلم. قال: واشتهرت صيانته، فقد قال السلف: «هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم». واشتهرت صيانته أنه يصون نفسه عن خوارم المروءة والمعاصي.

قال: وعليه أن ينظر لمعلمه بعين الاحترام ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على طبقته، إذا نظرت إلى المعلم أنه ليس متمكنًا سقط من قلبك، ولا بد أن تنظر إلى المعلم بعين الاحترام والتقدير، وأنه أفضل من تتعلم منه في هذه المرحلة. قال: ويدخل عليه كامل الحال، ليس ضروريًا يكون أفضل واحد في العالم، لكن أفضل من تتعلم منه في هذه المرحلة وفي هذا الظرف. قال: ويدخل عليه كامل الحال متنظفًا بما ذكرنا، بما ذكرناه في المعلم، متطهرًا، مستعملًا للسواك، فارغ القلب من الأمور الشاغلة.

قال رحمه الله تعالى: ولا يدخل بغير استئذان، إلا إذا كان المعلم في موضع لا يحتاج فيه إلى استئذان، ويسلم على الحاضرين إذا دخل، ويخصه بزيادة تود. إذا دخلت إلى المجلس وفيه شيخ، تسلم على الحاضرين ثم تسلم على الشيخ خصوصًا، هذا هو الأدب. قال: ويسلم عليه وعليهم إذا انصرف، ولا يتخطى رقاب الناس، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس، إلا أن يأذن له المعلم في التقدم، أو يعلم من حالهم إيثار ذلك. ولا يقيم أحدًا من موضعه، ولا يجلس في وسط الحلقة، إذا دخل طالب إلى الحلقة لا يجوز أن يقيم زميله ليجلس مكانه.

قال: ولا يجلس بين صاحبين بغير إذنهما، فإذا كان اثنان متلاصقان لا تحشر حالك إلا بعد أن تستأذنهما، فإذا فسح له قعد وضم نفسه. بعض الشباب يجد شخصين متلاصقين يستأذنهما، فيقول له: تفضل، ثم يذهب ويفرد رجليه مثل الذي يجلب وسادة، لا، بل ضم نفسك حتى تتسع لإخوانك.

قال رحمه الله تعالى: وروينا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «من حق العالم عليك أن تسلم على الناس عامة وتخصه دونهم بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيدك، ولا تغمز بعينيك». ما يصير في مجلس العلم أن يغمز طالب صديقه بعينه أو يشير له بيده، في احترام لمجالس العلم يجب أن يكون هذا حاضرًا.

قال: ولا تقل: «فلان خلافًا لقوله»، ومن أسوأ الأدب أن تقول للشيخ: «يا شيخ، فلان يخالفك»، هذا من سوء الأدب. قال: ولا تغتب في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلح عليه. بعض الناس يريد أن يسأل الشيخ فيذهب ويتناول الشيخ من شماغه أو من كذا. الأعرابي، تعرفوا الأعرابي الذي أخذ النبي ﷺ...

صلى الله عليه وسلم. قال: «ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تعرض»، أي إذا رأيت الشيخ متعبًا منهكًا فلا تلح عليه، وهذا مهم. قال: «ولا تعرض»، أي لا تشبع من طول صحبته.

الملازمة هي التي تثمر العلم، وليس للأسف كالدارسة الجامعية؛ فبتشوف دكتور فصل والسلام عليكم، الجامعة من مساوئها ما فيها ملازمة، فالعلم يقوم على الملازمة للمشايخ سنوات.

قال رحمه الله: «أن يرد غيبة شيخ»، غيبة شيخه إن قدر؛ فإذا شخص اغتاب شيخك أمامك لازم تدافع عن شيخك، وإذا ما استطعت تغادر المجلس مباشرة، «فإن تعذر عليه ردها فارق ذلك المجلس».

قال رحمه الله تعالى في آداب الطالب مع رفاقه وشيخه: «وينبغي أن يتأدب مع رفقته وحاضر مع زملائه فيقرأ حلقة القرآن»، «وحاضر مجلس شيخه، فإن ذلك أدب مع شيخه وصيانة لمجلسه».

قال: «ويقعد بين» -ومن توقير الشيخ توقر الحلقة وإن توقر إخوانك من توقير الشيخ- «ويقعد بين يدي الشيخ قعدة المتعلمين»، وهي أن يثني على ركبته.

قال: «ولا يرفع صوته رفعًا بليغًا من غير حاجة، ولا يضحك، ولا يكثر الكلام من غير حاجة، ولا يعبث بيده ولا غيرها، ولا يلتفت يمينًا وشمالًا من غير حاجة». وهذا يشمل الجوال، وهذا مهم؛ أن بعض الشباب ماسك الجوال، إذا كان الوقت ماشي لكن لا تنظر في الجوال كثيرًا في مجلس العلم.

قال: «بل يكون متوجهًا إلى الشيخ مصغيًا إلى كلامه»، «ولا يقرأ عليه في حال شغل قلب الشيخ وملله واستيفائه»، إذا الشيخ مثلاً مل أو تعب خلاص لا تقرأ، وقف. قال: «ومله واستيفائه، وغمه وفرحه، وجوعه وعطشه، ونعاسه وقلقه، ونحو ذلك مما يشق عليه أو يمنعه من كمال حضور القلب والنشاط ويغرم أوقات نشاطه حتفًا».

قال: «ويحتمل جفوة الشيخ»، ممكن الشيخ يسيء لك أحيانًا، بدك تتحمل؛ أما والله، أنا أسأل لي، أترك الشيخ والحلقة وكل شيء، هذا من أعمال الجاهلين. قال: «وسوء خلقه»، يعني ممكن الشيخ يكون عنده أخلاق صعبة، والله شيخك عصبي أو حاد الطباع، بدك تتحمل إذا بدك تنتفع.

قال: «ولا يصده ذلك عن ملازمته واعتقاد كماله، وتأويل أفعاله وأقواله المنكرة في الظاهر»، تأويلات شيخ فعل فعلًا منكرًا في الظاهر، تأول له؛ والله الشيخ لعله سهى أو لم ينتبه، ولا تبدأ تخطئ الشيخ وتقول إنه عصى الله عز وجل، إذا وجدت طريقة لتأويل له تأول.

قال: «وإذا جفاه الشيخ ابتدأ هو بالاعتذار وأظهر»، إذا الشيخ تركك لا تنتظر أنه يرجع يصادقك ويرسل لك رسالة: يا فلان تعال على الحلقة، أنت بدك تروح تصالح الشيخ؛ لو صار جفوة بينك وبين الشيخ، من المطلوب منه يعتذر؟ من المطلوب منه يقترب؟ الشيخ أم الطالب؟ الطالب. قال: «وأظهر أن الذنب له والعتب عليه»، أظهر أن الذنب له: "والله يا شيخ سامحنا الغلط مني"، حتى لو كان الشيخ غلطان تقول الغلط مني، يعني بدك تتحمل؛ لأن بعض الشباب عنده نفسية أنه لا، أنا لا، هذا شيخك وأستاذك.

قال رحمه الله تعالى في الحرص على العلم والتبكير في القراءة: «ومن آدابه المتأكد أن يكون حريصًا على التعلم مواظبًا عليه في جميع الأوقات التي يتمكن منه فيها، ولا يقنع بالقليل مع تمكنه من الكثير، ولا يحمل نفسه ما لا يطيق مخافة من الملال وضياع ما حصل»، وهذا يختلف باختلاف الناس والأحوال.

قال رحمه الله: «وإذا أتى إلى مجلس الشيخ فلم يجده انتظره ولازم بابه، ولا يفوت وظيفته إلا أن يخاف كراهة الشيخ لذلك»، بأن يعلم من حاله أنه يقرئ في وقت بعينه وأنه لا يقرئ في غيره. «وإذا وجد الشيخ نائمًا أو مشغولًا بمهمة انتظره ولا يزعجه بالاستئذان».

وينبغي أن يأخذ نفسه بالاجتهاد في التحصيل وقت الفراغ والنشاط وقوة البدن ونباهة الخاطر وقلة الشاغل، قبل عوارض البطالة وارتفاع السن والمنزلة؛ لأن الحياة مشغلة، إذا لم تشتغلوا بالشباب غدًا تزدحم عليكم الأعمال والزواج والمسؤوليات ويضيع سن الطلب، وأنتم في سن الطلب.

قال: «وينبغي أن يبكر بأخذ وظيفته أول النهار»، وظيفته التي هي نوبته، أي موعد تسميعه، لحديث النبي ﷺ: «اللهم بارك لأمتي في بكورها». وقد قدمنا أنه يكره الإتيان بنوبة، فإن رأى الشيخ الإتيان في بعض الأوقات لمعنى شرعي فأشار عليه بذلك، فاعطِ دورك لغيرك، ما تزعل، أكيد الشيخ له مصلحة في ذلك.

قال رحمه الله تعالى في نفي العجب والحسد والرياء عن المتعلم: «ومما يجب عليه ويتأكد الاعتناء به أن لا يحسد أحدًا من رفقته أو غيرهم، ولا يعجب بما حصله ولا يرائي به». وطريقته في نفي العجب أن يذكر نفسه أنه لم يحصل ما معه بحوله وقوته، وإنما هو فضل من الله تعالى، فلا ينبغي أن يفخر بما لم يصنع. وطريقته في نفي الحسد أن يعلم أن حكمة الله تعالى اقتضت.

جعل هذه الفضيلة في هذا، فلا يعترض عليها، ولا يكره ما أراده الله تعالى ولم يكره. قال: وطريقه في نفي الرياء؛ نفي الرياء أن يعلم أن الرياء يذهب فضل ما معه في الآخرة، وتذهب بركته في الدنيا، ويستحق الذم، فلا يبقى معه في التحقيق شيء يرائي به، عافانا الله من سخطه ووفقنا لمرضاته، آمين.

قال رحمه الله تعالى في آداب حامل القرآن: قال، قد تقدم جمل منه في الباب الرابع. ومن آدابه أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل، وأن يرفع أكمل الأحوال في الطاعة. قال: وأكرم الشمائل يعني الصفات. قال: وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه، وأن يكون يرفع نفسه عن سفاسف، قال: وأن يكون مصونًا عن دنيء الاكتساب، لا يكتسب الاكتساب الرديء.

قال: شريف النفس، مترفعًا على الجبابرة والجفا من أهل الدنيا، متواضعًا للصالحين. وحامل القرآن يترفع على الجبابرة ويتواضع للمؤمنين، قال: متواضعًا للصالحين وأهل الخير والمساكين. وأن يكون متخشعًا ذا سكينة ووقار.

فقد جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون».

قالوا عن الحسن البصري رحمه الله تعالى: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم». فكان هذا الكلام الجميل، أن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم؛ تعاملوا مع القرآن، ليس مجرد كتاب، بل رسائل إصلاحية من الله للنفس البشرية. قال: «فكانوا يتدبرون»، هذا الذي يبعث الإنسان على التدبر؛ أن ترى القرآن رسائل. قال: «فكانوا يتدبرون بالليل وينفذون بالنهار».

وعن فضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: «حامل القرآن حامل راية الإسلام»، حامل القرآن حامل راية الإسلام، أنت تحمل الراية، فأياك أن يؤتى الإسلام من قبلك يا حامل القرآن. قال: لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، تعظيمًا لحق القرآن؛ هو مشروع ريادي وقيادي في الأمة.

قال رحمه الله تعالى: فصل في التحذير من اتخاذ القرآن معيشة. أخذ الأجرة على تعليمه الآن قضية؛ أنت تأخذ أجرة على تعليم القرآن مسألة فيها خلاف، لكن لا ينبغي أن يكون أصل تعلمك للقرآن أن تصبح معلمًا تطلب الأجرة على ذلك. قال رحمه الله: ومن أهم ما يؤمر به أن يحذر كل الحذر من اتخاذ القرآن معيشة يكتسب بها، فقد جاء في النهي عن ذلك أشياء كثيرة مشهورة من أحاديث رسول الله ﷺ وأقاويل الصحابة والسلف.

وأما أخذ الأجرة على تعليم القرآن فقد اختلف العلماء في جوازه، فجوز عطاء ومالك والشافعي وآخرون؛ كثير من أهل العلم يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن إذا استأجره إجارة صحيحة. قال: ومنعه الزهري وأبو حنيفة وآخرون؛ أبو حنيفة وجماعة من أهل العلم يحرمون ذلك. قال: والأحاديث الصحيحة تقتضي الجواز، والنووي يرى أنه جائز. وأما الحديث الوارد بالمنع فله جوابان تعود إلى التبيان فتعرف الجواب عن هذه المسألة.

قال رحمه الله تعالى في المدة التي يختم فيها القرآن: «وينبغي أن يحافظ على تلاوته ويكثر منها». وقد كان للسلف رضي الله عنهم عادات في قدر ما يختمون فيه، فمنهم من كان يختم في كل شهرين ختمة، ومنهم من كان يختم في كل شهر، وكان بعضهم يختم في عشر ليال، وبعضهم في ثمان، وبعضهم في سبع، وبعضهم في ست، وبعضهم في خمس، وبعضهم في أربع، وبعضهم في ثلاث، وبعضهم في ليلتين، وبعضهم كان يختم في كل ليلة، وإن كان هذا خلاف المشهور عن النبي ﷺ.

قال: وختم بعضهم في كل يوم وليلة ختمتين، وبعضهم في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، هذه الأوائل لا تقيس نفسك عليها. قال: وبعضهم في كل يوم وليلة ثماني ختمات؛ أربعًا في الليل وأربعًا في النهار، وهذا شيء يحتاج إلى نظر؛ ثمان ختمات في يوم واحد يحتاج إلى نظر.

قال: وكان أكثرهم يختمون في كل سبع ليال، وكثيرون في كل ثلاث، وقد بينت من كل فرقة من هؤلاء جماعة في التبيان وذكرت دلالة، وذكرت أسماء من كان يفعل ذلك لمن يحب التوسع. قال: والمختار أن ذلك يختلف باختلاف الحال. هذا رأينا؛ والمختار أن مدة الختمة تختلف باختلاف حال الشخص من حيث انشغاله وحفظه وإتقانه وأمور حياته.

قال: فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف، فليقتصر على قدر يحصل له معه كمال فهم ما يقرأ. وكذا من كان مشغولًا بنشر العلم والحكم بين المسلمين، أو غير ذلك من المهمات الدينية والمصالح العامة، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه خلل بما هو مرصد له؛ فالتوازن مطلوب في عدد الختمات.

قال: ولا تفويت لكماله، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد يحصل به الملل. ومن لم يكن من هؤلاء، كنت إنسانًا ليس عندك شيء في الحياة، استكثر من ختمات القرآن على قدر ما أمكنك من غير خروج إلى حد يحصل به الملل والهذر في القراءة، والمهم أيضًا في النهاية أن تكون القراءة نافعة، الهذر أن تقرأ وأنت مش فاهم.

قال رحمه الله تعالى في وقت الختم: «وأما وقت الختم فالأفضل أن يكون أول النهار أو آخر الليل». الأفضل إذا ختمت أن تؤخر الختمة إما إلى أول النهار أو إلى أول الليل؛ لأن هذه بركة. قال: وقيل الأفضل أن يختم ختمة أول النهار وأخرى أول الليل، وأنه في شهر مثلاً تختم أول النهار والشهر الثاني تختم أول الليل من باب التنويع. قال: وإن كان أول النهار، ختم في ركعتي الفجر إذا ختمت أول النهار تختم في ركعتي الفجر.

ففي ركعتي سنة المغرب أو بعد ركعتي الفجر، يقصد سنة الفجر؛ فقد جاءت آثار كثيرة بأن الملائكة تصلي على من ختم أول النهار حتى يمسي، وعلى من ختم أول هذا، وهذا ورد عند الدارمي، ولكن أحاديثه فيها ضعف، ولكن في فضائل الأعمال يُؤخذ بالحديث الضعيف.

قال رحمه الله تعالى: فصل في المحافظة على قراءة القرآن بالليل. قال: ينبغي أن يحافظ على قراءة القرآن في الليل، ويكون اعتناؤه بها فيه أكثر، وفي صلاة الليل أكثر؛ لأن الليل أجمع للقلب، وأبعد عن الشواغل والمهل والتصرف في الحاجات، وأصون من تطرق الرياء وغيره من المحبطات؛ لأنك تكون وحدك في بيتك.

قال: مع ما جاء في الشرع من إيجاد الخيرات في الليل كالإسراء والمعراج متى كان، ونزول الإله متى يكون، فأكثر البركات في الليل وليست في النهار. قال: وفي الليل ساعة يستجاب فيها الدعاء كل ليلة. وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة على فضيلة القراءة والقيام بالليل والحث عليه، وذلك يحصل بالكثير والقليل، وما كثر أفضل، إلا أن يستوعب الليل كله؛ فإنه يكره الدوام عليه.

قال: إلا أن يستوعب الليل كله فإنه يكره الدوام على هذه الحالة؛ لأنها تؤدي إلى ضرر بالبدن، ولجسدك عليك حقا، ولزوجك عليك حقا. قال: وكذا يكره أن يضر بنفسه ما دون الجميع. وقد روى أبو داود في سننه أن رسول الله ﷺ قال: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمئة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين». قال: وإن المقنطرين يعني أصحاب الحسنات العظيمة.

قال: وإن فاتته وظيفته بالليل فليحرص على قراءتها في أول النهار، خاصة في أوله قبل الظهر؛ كما جاء في الحديث. قال: في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه، فقرأ ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل».

قال رحمه الله في التحذير من تعريضه للنسيان: قال: وليحذر كل الحذر من نسيانه ونسيان بعضه ومن تعريضه للنسيان. فقد روى أبو داود وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها». وقال ﷺ: «من قرأ القرآن ثم نسيه، لقي الله تعالى يوم القيامة أجذم». قال رحمه الله: أجذم يعني مثل الذي فيه مرض الجذم، وهو نوع من المرض.

قال رحمه الله تعالى في آداب القراءة: قال: أول ذلك أنه يجب على القارئ الإخلاص كما قدمناه، ومراعاة الأدب مع القرآن، فينبغي أن نستحضر في ذهني أنه يناجي الله تعالى، ويقرأ على حال من يرى الله تعالى، ويقرأ على حال الإحسان، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.

قال رحمه الله تعالى في استحباب السواك لقراءة القرآن: قال: ينبغي إذا أراد القراءة أن ينظف فمه بالسواك وغيره، ويختار في السواك الأراك، ويجوز بكل ما ينظف. قال: كالخرقة، وهذا لا يصح على مذهبنا؛ لأن في مذهبنا لا بد أن يكون بالعود، ولا يصح بالخرقة عند الحنابلة، لكن عند الشافعية يصح. قال: فلا يحصل بالإصبع الخشنة على الأصح، وقيل يحصل إن لم يجد غيرها. عموما المسائل المذهبية إخواني لا نعلق عليها كثيرا، اختلاف المذاهب فيها، فأنا أحسن في مقام أن نصحح للشافعية شيئا وللحنابلة شيئا، فنترك الأمور كما هي.

قال: ويستاك عرضا وليس طولا، مبتدئا بالجانب الأيمن من الأضراس إلى الأضراس. قال: وينوي الإتيان بالسنة، ويمر بالسواك على ظاهر الأسنان وباطنها، حتى على باطنها من الداخل؛ هذا في كمال التنظيف، ويمر على سقف حلقه مرارا لطيفا. قال: ويستاك بعود متوسط بين اليابس والرطب، ولا بأس باستعمال سواك غيره بإذنه. قال: فإن كان فمه نجسا فينبغي أن يغسله؛ إذا كان في فم الإنسان دم فينبغي أن يغسله، فإذا قرأ القرآن قبل غسل فمه من النجاسة فهو مكروه، إذا كان في عندك مثلا قيء في فمك أو نجاسة في فمك ينبغي أن تزيلها.

قال رحمه الله تعالى في حكم قراءة القرآن بغير طهارة: قال: يستحب أن يقرأ متطهرا، فيقرأ محدثا جاز بإجماع المسلمين إذا كان حدثا أصغر، ولا يقال إنه مكروه، بل يقال تارك للأفضل. قال: فإن لم يجد الماء تيمم. وأما المستحاضة في الزمن المحكوم بأنه طهر، فحكمها حكم المحدث؛ تستطيع أن تقرأ القرآن بكل أريحية.

قال: وأما الجنب والحائض فيحرم عليهما قراءة القرآن على المذاهب الأربعة، وإن كان المالكية استثنوا حالة من تخشى على حفظها النسيان فقط، وأما الأصل أن الجنب والحائض لا تقرأ القرآن أبدا، سواء كانت آية أو أقل من آية. قال: ويجوز لهما إجراء القرآن على قلوبهما من غير لفظ. فيجوز للحائض أن تمرر الآية على قلبها.

تقلبها بس لا تتلفظ به، أو تفتح المصحف وتتأمل بعينها بدون تلفظ، طبعاً تفتح المصحف ليس باللمس المباشر، لكن لو فتحت مصحف ونظرت بعينيها ما في مشكلة، لكن المهم ألا تتلفظ. هذه حلول بديلة مساعدة.

قال: ويجوز لهم النظر في المصحف وإمرار على القلب، وأجمع المسلمون على جواز التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله محمد ﷺ وغير ذلك من الأذكار للجنب والحائض، ما في عندنا مشكلة.

قال: ويجوز أن يقول لغيره: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ وكذا ما أشبهه إذا لم يقصد القرآن. هل يجوز للجنب أن يقول لشخص أمامه: ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ إذا لم يقصد أن يجعلها آية وإنما قصد الاقتباس؟ ما في مشكلة، وإن كان أن يجعل القرآن كلاماً يتكلم به في أمر الحياة محرم على مذهب الحنابلة؛ ما يصير تستعمل آيات القرآن حتى يعني مثلاً يدخل شباب: "ادخلوها بسلام آمنين"، لا ما يصير تجيب القرآن وتستعمله في الكلام العام لحياة الناس إلا إذا احتجت إلى ذلك.

قال رحمه الله تعالى: ويجوز أن يقول عند المصيبة عموماً، الحائض والجنب يجوز أن يذكر الأذكار التي في القرآن إذا نوى بها الذكر وليس القرآن. يعني يجوز أن يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون» مع أنها في الأصل آية، بس يقصد بها هنا الدعاء، ما لو قال: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا» ما في مشكلة، دعاء، أما إذا قصد القرآن فلا يجوز. لذلك الجنب والحائض لا يقرأ في أذكار الصباح والمساء، آية الكرسي ولا المعوذات ولا أحد، لا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يتطهر.

قال: وكذا يقول عند ركوب الدابة: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين»، وعند الدعاء: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، ويجوز أن يقول: «بسم الله والحمد لله» إذا لم يقصد القراءة في الجميع. قال: فإن قصدها في شيء من هذا أثم. ويجوز للجنب والحائض قراءة ما لم تُنسخ تلاوته، كالشيخ والشيخة إذا علم أن هذه ليست آية أصلاً كما قلنا، وإن الشيخ والشيخة هذه نسخت فهذه ليست آية وإنما هذه بالمعنى. قال رحمه الله: ذلك يجوز لهم أن يقرأها ليست آية من القرآن.

قال رحمه الله تعالى في التيمم لقراءة القرآن: إذا لم يجد الجنب أو الحائض ماءً تيمم. طيب، في جنب بده يقرأ قرآن وفيش ماء، شو بدنا نقول له؟ تيمم. قال: وتباحث وغيرهما، فإن أحدث إذا تيمم، يعني قال: فإن أحدث حرمت عليه الصلاة، فإن أحدث حدثاً أصغر حرمت عليه الصلاة لكن لا يحرم عليه قراءة القرآن. قال: سواء تيمم في الحضر أو في السفر، وقيل إن تيمم في الحضر لم تحل له القراءة خارج الصلاة، والصواب الأول، هذه خلافات داخل المذهب الشافعي.

قال: ولو تيمم وصلى وقرأ ثم رأى ماءً يلزمه استعماله حرمت القراءة، وجميع ما يحرم على فاقد الطهورين. لو تيمم وصلى وقرأ القرآن فجأة رأى الماء، خلص ممنوع يكمل قراءة قرآن أو صلاة حتى يتوضأ بالماء أو يغتسل به.

قال رحمه الله تعالى: أما إذا لم يجد ماءً ولا تراباً فيصلي وتحرم عليه القراءة؛ الإنسان ما عنده لا ماء ولا تراب، فهذا يستطيع أن يصلي فقط، الجنب والحائض إذا لم تجد ماءً ولا تراباً تستطيع الصلاة لكن لا تستطيع قراءة القرآن خلاص. قال: ويحرم أن يقرأ في الصلاة ما زاد على الفاتحة، حتى في الصلاة في هذه الحالة، صلاة فاقد الطهورين يقتصر فقط على القراءة الفرضية الفاتحة فقط. قال: وتجب قراءة الفاتحة على المذهب الصحيح المختار، وقيل يحرم بل يأتي بدلها بالأذكار، والصواب الأول؛ يقرأ الفاتحة فاقد الطهورين.

قال رحمه الله في أماكن قراءة القرآن: يستحب أن تكون القراءة في موضع نظيف، واستحب العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعاً للنظافة وشرف البقعة، ومحصله لفضيلة أخرى وهي الاعتكاف. أنت إذا قرأت القرآن في المسجد حصلت أيضاً الاعتكاف إذا نويت الاعتكاف. قال: فإنه ينبغي لكل جالس في المسجد أن ينوي الاعتكاف، سواء ما أقل الاعتكاف عند الحنابلة والشافعية ساعة، أقل مدة في اللبث لا تحتاج إلى يوم وليلة، سواء قل لبثه أو كثر، وينبغي أن ينويه عند أول دخوله إلى المسجد.

قال: وأما القراءة في الحمام فليس الحمام المراد به الخلاء، الحمام المراد به عند الفقهاء الحمامات الشامية، حمامات الاغتسال التي هي فقط دشات يعني ما فيها مرحاض، فهذه يجوز أن تقرأ فيها القرآن لأنها ليست خلاء وإنما هي فقط أماكن الاستحمام، مثل ما تكون مثلاً في أماكن لعبة أثقال والشورات، هي بسموها حمام فقط خاص للاستحمام وليس فيه مرحاض لقضاء الحاجة، وهذا قديماً كان في الأسواق، اليوم مثلاً في البلد حمامات تركية وغيرها هذه تسمى حمامات الاستحمام ليست قضاء حاجة، هذه لا إشكال أن تقرأ القرآن وأنت تستحم فيها.

قال رحمه الله تعالى: فليست مكروهة عند أصحابنا، وبه قال عطاء ونخعي ومالك، وذهب أبو حنيفة وطائفة من العلماء إلى كراهتها. وقال الشعبي: يكره قراءة القرآن في ثلاث مواضع: الحمام، والحش، وبيت الرحى. قال: وبيت الرحى وهي الرحى التي تطحن القمح، فلماذا يكره قراءة الحمام؟ يحتاج إلى دليل حقيقة. قال: وأما القراءة في الطريق فالمختار أنها ليست مكروهة. هذا غريب، وأما القراءة في الطريق فالمختار أنها ليست مكروهة للقراءة أثناء المشي، مر معنا قبل قليل في فضائل القرآن للنسائي، قال: إذا لم يلتهِ صاحبها، وروي نحوها. الشرط أنه إذا بدك تقرأ القرآن وأنت ماشي ما يكون جوال في يدك أو ملتهي بأشياء الدنيا. وروي نحو هذا عن أبي الدرداء وعمر بن عبد العزيز، وكرهها مالك باعتبار أن المشي يشغل الإنسان، لكن الصواب الإباحة.

قال رحمه الله في كيفية الجلوس لقراءة القرآن: يستحب للقارئ في غير الصلاة أن يستقبل القبلة ويجلس متخشعاً مسكيناً ووقاراً مطرقاً رأسه، ويكون جلوسه وحده في تحسين أدبه كجلوسه بين يدي معلمه، فهذا هو الأكمل؛ يعني حتى لو جلست وحدك تكون كما تجلس بين يدي معلمك كل أدب واحترام. قال: ولو قرأ قائماً أو مضجعاً أو في فراشه أو على غير ذلك من الأحوال جاز له وله أجر، ولكن دون الأول. يعني لو واحد يقرأ وهو نائم، هو مثلاً رجليه فوق.

ورأسه تحت، جائز، ما حدا بيقول لك حرام، لكنه دون الأول وخلاف الأولى.

قال رحمه الله تعالى في استحباب الاستعاذة قبل القراءة: «إذا أراد القارئ أن يستعيذ فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإن قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فلا بأس»، فإن هذه الشدة غلط مشايخ. قال: «ولكن المختار الذي عليه الجمهور هو الأول، والتعوذ ليس بواجب»، يعني أفضل أن تقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، هذه أولى.

قال: «والتعوذ ليس بواجب بل هو مستحب لكل قارئ سواء كان في الصلاة أو خارجها». حتى في داخل الصلاة الاستعاذة ليست واجبة بل مستحبة. قال: «يستحب في الصلاة في كل ركعة على الأصح»، وقيل: «إنما يستحب في الأولى»، فعلى هذا أن تركه هذا هو المشهور عند الحنابلة، أن الاستحباب في الركعة الأولى، إلا إذا لم يقرأها في الأولى فيعيدها في الثانية.

قال: «فإن فعل هذا أن تركه في الأولى أتى به في الثانية»، ويستحب التعوذ عقب التكبيرة الأولى من صلاة الجنازة، وحتى في صلاة الجنازة تقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، فصلاة الجنازة ما فيها دعاء استفتاح لكن فيها تعوذ.

قال: «ويجهر بالتعوذ إذا قرأ خارج الصلاة»، وهل يجهر به في الصلاة التي يجهر بها بالقراءة؟ الصحيح أنك لا تجهر بالاستعاذة وإنما تقولها بصوت منخفض، أما خارج الصلاة فتجهر بها. قال: «وهل يجهر به في الصلاة التي يجهر بها بالقراءة؟»، فيه وجهان، قال رحمه الله تعالى: «فيه وجهان عند الشافعية»، لكن عند الحنابلة كما قلنا لا يجهر.

قال رحمه الله تعالى في المحافظة على البسملة: «وينبغي أن يحافظ على قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في أول كل سورة سوى سورة التوبة، فإن سورة التوبة لا بسملة فيها». قال: «فإن أكثر العلماء قالوا إنها آية، حيث كتبت وقد كتبت البسملة آية من كتاب الله أنزلها الله للفصل بين السور»، قال: «وقد كتبت في المصحف في أوائل السور سوى براءة»، فإذا قرأها كان متيقناً أنه قرأ الختمة أو السورة التي قرأها، وإذا تركها كان تاركاً لبعض القرآن عند الأكثرين.

أنت تخيل إذا أنت لا تقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، أنت عند أكثر أهل العلم تارك لآية من القرآن، يعني حتى ختمتك للقرآن لا تصح إذا أنت ما بتقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، حتى ختمتك للقرآن لا تصح عند الأكثرين ممن يرونها آية.

قال: «فإن كانت القراءة في وظيفة، عليها جعل كالسَّباع والأجزاء التي عليها»، كان هناك قديماً كانوا يضعون هناك مقرئين يقرأون القرآن في المدارس العامة ويجعلون لهم مرتباً، فيجب إذا كان لك مرتب على قراءة القرآن أن تقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حتى يصح لك مرتبك؛ لأن هذا كان في زمن قديم، يكون هناك شخص يقول: أنا بدي أعطي ٥٠٠ دينار لشخص بس وظيفته يقرأ قرآن في هذا المسجد، فعليك أن تقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حتى تصح لك هذا الراتب، لماذا؟ لأن بسم الله الرحمن الرحيم آية من الآيات.

قال رحمه الله: «كان الاعتناء بالبسملة لِيَشْتَدَّ لِيَسْتَحِقَّ مَا يَأْخُذُهُ يَقِينًا»، ليستحق الراتب يقيناً. قال: «فإنه إذا أخل بها لم يستحق شيئاً من الوقف عند القائلين بأنها آية»، وهم الأكثرون. قال: «وهذه دقيقة يتساهل فيها بعض الناس، فينبغي الاعتناء بها»، وهذا في زمنهم، ينبغي الاعتناء بها، اليوم ما فيش حدا موقف مصاري لحتى يظل يختم في المسجد، هذه ذهبت القضية.

قال رحمه الله في تدبر القرآن والخشوع عند القراءة: «فإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر والخضوع، فهو المقصود والمطلوب، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب». قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]. والأحاديث والآثار في هذا كثيرة.

قال: «وقد كان من السلف خلائق لا يحصون، يبيت أحدهم يردد الآية جميع الليل أو معظمه تدبراً»، وقد صعق جماعات من السلف عند قراءة القرآن، وبعض الناس كان يصيبهم الصعق، وإن كان الأفضل أن لا يصيب كذلك، وهذا حال النبي ﷺ أنه لم يصعق. قال: «ومات جماعات»، صعق وإغماء، بعضهم كان يموت من سماع آية، هذا دلالة شدة الخشوع، لكن الحال الأفضل حال النبي ﷺ لم يصعق ولم يمت.

قال: «وقد ذكرت في التبيان جملة من أخبار هؤلاء رضي الله عنهم»، وقد قال إبراهيم الخواص رضي الله عنه: «دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين».

قال رحمه الله تعالى في فصل في البكاء عند القراءة: «اعلم أن البكاء عند القراءة مستحب»، ووصف البكاء عند قراءة القرآن ما حكمه؟ مستحب وسنة. قال: «وهو صفة العارفين وشعار عباد الله»، صفة العارفين بالله. قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109].

قال: «والأحاديث والآثار فيه كثيرة أشرت إلى بعضها في التبيان»، وطريقة في تحصيل البكاء، السؤال: كيف أبكي؟ قال: «وطريقته في تحصيل البكاء أن يتأمل ما يقرأه من التهديد والوعيد والوثائق والعهود، ثم يفكر في تقصيره فيها، فإن لم يحضره حزن وبكاء فليبكِ على ما فقد ذلك، فإنه من ذنب إذا لم تبكِ عند قراءة القرآن فابكِ على نفسك لأنك حرمت البكاء عند القرآن».

قال رحمه الله تعالى في استحباب ترتيل القرآن: «ينبغي أن يرتل قراءته، وقد اتفق العلماء على استحباب الترتيل»، قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]. وثبت في الأحاديث الصحيحة أن قراءة النبي ﷺ كانت مرتلة مفسرة، وكذا كانت قراءة السلف، وقد نُهي عن الإفراط في الإسراع ويسمى الهذ.

قال: «وقالوا: وقراءة جزء بترتيل أفضل من جزئين في ذلك الزمن بغير ترتيل»، يعني أيهما أفضل: تقرأ جزئين بالهذ أم جزء واحد بترتيل؟ جزء واحد بترتيل أفضل. قال العلماء: «والترتيل مستحب للتدبر، ولكونه أقرب إلى الإجلال والتوقير، وأشد تأثيراً في القلب»، ولهذا يستحب الترتيل للعجمي الذي لا يفهم معناه، الإنسان العجمي الذي لا يحسن العربية يكون الترتيل في حقه أولى وأولى.

إنه ما زال ضعيفًا في فهم اللسان العربي. قال رحمه الله تعالى في فصل في استحباب السؤال والاستعاذة والتسبيح في القراءة إذا قرأ بما يناسب ذلك: يستحب إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ من العذاب أو من الشر، أو يقول اللهم أسألك العافية أو نحو ذلك، وإذا مر بآية تنزيه لله تعالى نزهه، فقال سبحانه وتعالى، أو تبارك، أو تبارك الله، أو جلت عظمة ربنا.

وهذا مستحب لكل قارئ، سواء كان في الصلاة أو خارجها، وسواء كان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا. وقد ثبت ذلك في صحيح مسلم من فعل رسول الله ﷺ، سواء في صلاة الفرض أو صلاة النفل؛ إذا مرت آية رحمة أن تسأل الله من رحمته، وإذا مرت آية عذاب أن تستعيذ. نعم، قال رحمه الله تعالى: فصل في حكم قراءة القرآن بغير العربية وما يجوز من الانتقال إلى قراءة أخرى.

قال: لا تجوز قراءة القرآن بالعجمية سواء أحسن العربية أم لم يحسنها؛ لأن القرآن عربي فلا يقرأ إلا بالعربية، هذا هو الصحيح من كلام العلماء. قال: وسواء كان في الصلاة أو خارجًا عنها، فإن قرأ بها في الصلاة لم تصح صلاته؛ هذا مذهب مالك. فإذا قرأت الفاتحة باللغة الفارسية أو الإنجليزية لا تصح. قال: وأحمد وداود والجمهور جوزها، حتى ولو جوزها أبو حنيفة، لكن الكلام هذا غير صحيح. قال: وجوزها صاحبا أبو يوسف ومحمد لمن لم يحسن العربية.

وتجوز القراءة بالقراءات السبع المشهورة المجمع عليها، ولا تجوز القراءة بغير السبع. هذا كلام فيه نظر؛ قال النووي: «ولا تجوز القراءة بغير السبع»، وهذا في زمنه، هذا ما بلغه علمه، لكن الصواب أنها تقرأ بالقراءات العشر، ويصح حتى بغير العشر إذا صح سندها، فنحن هنا نناقش النووي في قوله: «ولا تجوز القراءة بغير السبع»، هذه عبارة فيها نظر.

قال: «ولا بالروايات الشاذة المنقولة عن القراء السبعة، فإن قرأ بالشاذ في الصلاة بطلت إن كان عالمًا بالشاذ لا يقرأ به، هذا متفقون عليهم». قال: «فإن كان جاهلًا لم تبطل ولم تصح قراءته». وإذا ابتدأ القارئ القراءة على قراءة أحد السبعة فينبغي أن يدوم عليها ما دام الكلام مرتبطًا.

هل يجوز وأنا في الصلاة أن أنوع في القراءة؟ يعني أول صفحة قرأتها على قراءة عاصم، الصفحة الثانية قرأت على قراءة نافع؟ إذا كان المأمومون فهموا عليك، الآن يقول يجوز، بس بشرط أن ينتهي المعنى؛ يعني إذا قرأت قراءة عاصم تمم المعنى، بعدين حبيت تنتقل لمقطع آخر بقراءة نافع فليس مشكلة، حتى في الركعة الواحدة أو حتى في حياتك العامة. قال: «فإذا انقطع ارتباطه فله أن يقرأ بقراءة آخر من السبعة»، والأولى دوامه على القراءة الأولى، وفي هذا المصلحة؛ الأولى أنك لا تشغل الناس ولا تشغلهم في هذه القضايا.

قال رحمه الله في ترتيب القراءة: قال العلماء رحمهم الله: الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف، فيقرأ الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران. الاختيار إذا أردت أن تختم القرآن أن تختم على ترتيب المصحف، قال: «ثم النساء إلى أن يختم بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾»، سواء قرأ في الصلاة أو خارجًا عنها. ويستحب أيضًا إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها السورة التي تليها؛ ولو قرأ في الركعة الأولى سورة، في الركعة الثانية تقرأ السورة التي تليها مباشرة، يعني قرأت في الركعة الأولى الفجر، في الركعة الثانية تقرأ البلد، قرأت في الركعة الأولى الشمس، في الثانية الليل؛ هذا هو الأفضل، بس مش لازم.

قال: ولو قرأ في الركعة الأولى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، شخص قرأ في الركعة الأولى الناس، ماذا نفعل معه في الركعة الثانية؟ ماذا يفعل؟ يرجع لأول القرآن، لأول الفاتحة؟ بده يقرأ بعديها يعني البقرة؟ أيوه. قال: «ودليل هذا الفصل أن ترتيب المصحف لحكمة، فينبغي أن يحافظ عليها إلا فيما ورد الشرع باستثنائه»، كصلاة الصبح يوم الجمعة يقرأ في الركعة الأولى ﴿الـم ۝ تَنزِيلُ﴾، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ﴾، هنا السور مختلفة، لكن اتباع السنة فيها مقدم. وكذلك صلاة العيد، ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ وغيره، هذا من مسائل ستأتي في الباب الثامن إن شاء الله تعالى.

ولو خالف الترتيب فقرأ سورة ثم قرأ التي قبلها، أو خالف الموالاة فقرأ بعدها ما لا يليها جاز، وكان تاركًا للأفضل. يعني في النهاية يطلع لك تقرأ السورة في الركعة الثانية اللي بعدها أو تقرأ اللي قبلها، لكننا ذكرنا الأفضل.

قال: «وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فمتفق على منعه». وهذا حرام، أن تقرأ السورة من آخرها إلى أولها، بالعكس هذا اسمه تنكيس للقرآن، وهذا حرام، أن تقرأ الناس من آخر آية إلى أول آية. قال: «فإنه يذهب بعض أنواع الإعجاز ويزيل حكمة الترتيب»، أكيد، لأن الإعجاز مبني على نظم القرآن، كما قلنا أنت بتخالف النظم.

قال: «وأما تعليم الصبيان من آخر المصحف إلى أوله فحسن». أما الصبيان، نحن نبدأ عادة بتعليمهم من أين؟ من جزء عم، هذا ما فيه مشكلة، هذا مقام تعليم وليس مقام ختمة قرآن. قلنا الختمة الأصل تبدأ من البقرة، لكن في التعليم نبدأ من جزء عم فإنه أسهل.

قال رحمه الله تعالى: فصل في تفضيل القراءة من المصحف. قال: قراءة من المصحف أفضل من القراءة عن ظهر قلب، هذا لمن يريد قراءة التدبر وليس قراءة مراجعة الورد. إذا كنت تريد قراءة تدبر فالأفضل تقرأ من المصحف وليس عن غيب؛ قال: «لأنه يجمع القراءة والنظر في المصحف وهو عبادة»، كذا قال أصحابنا والسلف، هنا عبادتان: عبادة القراءة وعبادة النظر في المصحف، فلك الثوابان.

نعم، قال: «ولم أر فيه خلافًا»، ولعلهم أرادوا بذلك في حق من يستوي حضوره وخشوعه في حالتي القراءة من المصحف وعن ظهر قلب. أما من يزيد خشوعه وتدبره وينجم فكره بالقراءة عن ظهر قلب فهي أفضل في حقه؛ لو شخص قال أنا يا شيخ إذا فتحت المصحف والله ما بركز، خلص، إذاً أقرأ عن ظهر قلب، حتى قراءة التعبد، لكن هذه حالة خاصة.

قال رحمه الله تعالى: فصل في استحباب قراءة الجماعة مجتمعين وفضل جامعهم لذلك. قال: «وحاضري مجلس القراءة من القارئين والسامعين اعلم أن قراءة المجتمعين مستحبة، وكذلك حضور أن نجتمع في حلقة واحدة ونقرأ».

معا، ما في مشكلة في ذلك. وكذلك حضور حلقتهم، وأما المتسبب في جمعهم لذلك فعظيم، وفضله جسيم؛ لأنه تسبب في جمع الناس على الخير.

قال: وفضله جسيم وهو من الساعين في نصيحة كتاب الله تعالى والقيام بحق من حقوقه، وكل هذا ثابت بالدلائل الظاهرة وأفعال السلف والخلف المتظاهرة. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسون بينه...». هذا هو الأصل العام في اجتماع الناس على القرآن؛ قوله: «اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله»، فهو اجتماع على قراءة القرآن.

قال ﷺ: «...يتلون كتاب الله ويتدارسون بينه، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». وقد ذكرت في التبيان جملة من الأحاديث والآثار في هذا الفصل.

ثم لهم في القراءة المجتمعين طريقة؛ إذا اجتمعنا للقراءة في المسجد فلنا أسلوبان: يجوز أن نقرأ كلنا دفعة واحدة مع بعضنا البعض بصوت مرتفع، ما في مشكلة، ليست من البدع باختصار، أو أن يقرأ كل واحد ويسمع الآخر، أيضًا هذا جائز. والثاني أن يقرأ بعضهم جزءًا أو غيره ويسكت بعضهم مستمعين، ثم يقرأ السامعون جزءًا ويستمع الأولون، وهذه الطريقة تسمى الإدارة؛ أنهم يقرأون على الدائرة.

قال رحمه الله تعالى في آداب القراء مجتمعين: قال الآداب التي يحتاجون إليها كثيرة لا يمكن حصرها في هذا الموضع، ولكن نشير إلى بعضها تنبيهًا على الباقي؛ فجميع آداب القارئ وحده آداب المجتمعين، سواء كنت تقرأ وحدك أو في حلقة مع الناس، لازم تلتزم بالآداب عمومًا.

قال: ونزيد في آدابه أشياء مما يتساهل فيه بعض الجاهلين؛ فمن ذلك أنه ينبغي لهم جنب الضحك واللغط والحديث في الحلقة، كون واحد يقرأ واثنين عم يسولفوا مع بعض يعني بيستنوا الدور، فبدلًا من أن ينتظروا هم يتكلموا مع بعضهم، هذا عيب.

قال: والحديث في حال القراءة إلا كلامًا يضطر إليه، ومن ذلك العبث باليد وغيرها، والنظر إلى ما يلهي أو يبدد الذهن، وأقبح من هذا كله النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه كالمرأة وغيرها؛ فإن النظر إلى الأمرد الحسن حرام، سواء كان بشهوة أم بغيرها، سواء أمن الفتنة أم لم يأمنها، هذا هو المذهب الصحيح المختار عند المحققين من العلماء.

طبعًا نبحث، نخالف، نقول: النظر إلى الشاب الأمرد حرام إن كان هناك شهوة، أما إذا لم يكن شهوة فلا إشكال، وإن كان الأولى. وحقيقة في معلمي القرآن، وهذا انتبهوا له يا شباب، الكبار؛ أن الإنسان يقلل النظر إلى المردان، فإن القلب له فيها حظ كما في النظر إلى النساء، فإن للقلب فيها حظ كما للنظر إلى النساء، وأنتم تعرفون خاصة المدرسين في المدارس يعرفون العجب والعجاب من هذا، لا أطيل في ذلك.

قال رحمه الله: وقد نص على تحريمه الإمام الشافعي ومن لا يحصى من العلماء؛ قال الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30]. ولأن الأمرد في معنى المرأة، بل كثير منهم أحسن من كثير من النساء؛ يعني يكون بعضهم أجمل من النساء.

قال: ويتسّم طرق الشر في حقه بما يتساهل في النساء؛ ليش؟ لأنه ذكر، فأنت تشعر بإمكان الأريحية معه، المرأة الأجنبية يجوز أن تشاهد في حادث بينك وبينها، لكن لما يكون شاب ذكر تشعر أن الحواجز أسهل أن تصل إليها، ولذلك كانوا يحذرون من العلاقة مع المردان أكثر من النساء في بعض الأحيان، فهم بالتحريم أولى. وقيل السلف في التنفير منهم أكثر مما حصر. واعلم أنه يجب على كل حاضر مجلس القراءة أن ينكر ما يراه من هذه المنكرات وغيرها؛ فينكر بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.

قال رحمه الله تعالى: فصل في رفع الصوت بالقراءة، هذا فصل مهم ينبغي الاعتناء به. اعلم أنه جاءت أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما دالة على استحباب رفع الصوت بالقراءة، وجاءت آثار دالة على استحباب الإخفاء وخفض الصوت، وكان هذا يدل على تعارض، ما هو الأصل؟ أن أرفع صوتي وإن أخفض صوتي؟

قال: وكان في السلف رضي الله عنهم من يختار الإخفاء ومن يختار الجهر. قال العلماء رضي الله عنهم: وطريق الجمع بين الآثار المختلفة في هذا الفصل أن الإسرار أبعد من الرياء، أكيد الإسرار بالقراءة أبعد عن الرياء؛ أنه لا أحد يسمعك، فهو أفضل في حق من يخاف الرياء. فإن لم يخف فالجهر ورفع الصوت إذا لم تخف الرياء على نفسك، فالجهر بالقراءة أفضل؛ لأن فيه عملًا أكثر ولأن فائدته تتعدى، والنفع المتعدي أفضل من اللازم، ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه.

سبحان الله، يقرأ القرآن بصوت مرتفع ليس كمن يقرأه بصوت منخفض، يكون أنشط، ويجمع همه إلى الفكر فيه، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد في النشاط، ويوقظ غيره من نائم أو غافل وينشطه. قالوا: فمهما حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل، فإن اجتمعت كلها تضاعف الأجر؛ هذا إذا لم يخف رياء ولا إعجابًا ولا غيرهما من القبائح، ولم يؤذِ جماعة بلبس صلاتهم وتخليط عليهم. فإن كانت القراءة من جماعة مجتمعين تأكد استحباب الجهر.

قال رحمه الله تعالى: وقد ذكرت في التبيان جملة من الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب. فصل في استحباب تحسين الصوت بالقراءة؛ قال: أجمع العلماء رضي الله عنهم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم على استحباب تحسين الصوت بالقراءة، وهذا مر معنا في كتاب فضائل القرآن: «زينوا أصواتكم بالقرآن». وأقوالهم وأفعالهم في هذا مشهورة، والأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ فيه مستفيضة عند الخاصة والعامة.

قال العلماء: فيستحب تحسين القراءة وتزيينها ما لم يخرج عن حد القراءة، لكن تحسين القراءة لا يعني أنك تشتغل بالمقامات اشتغالاً مؤذيًا ويصبح هذا شغلك الشاغل، هذا ليس من دأب الإنسان، حسن على قدر استطاعتك. فإن أفرط حتى زاد حرفًا أو أخفاه أو مد ما لا يجوز مده، فحينًا بعض القراءات تؤدي إلى زيادة حروف وهذا حرام، ما يصير تمطط الحرف حتى تزيد حرفًا أو تمطط القراءة، فحرام على فاعله وسامعه إن تمكن من إنكاره ولم ينكره، يعني حتى الذي يسمع لك لازم ينكر عليك، يقول لك: شيخ أنت قراءتك فيها تنطيط كثير.

عم بتزيد حروف نعم، قال: لأنه عدل به عن نهجه القويم من الاعوجاج. والله تعالى قال في القرآن، ومن هذا النوع ما يقرأه بعض الجهلة على الجنائز وفي محافل الوعاظ وغيرها، تلاقيهم في أماكن المآتم يجيبك واحد يعد قرآناً، وهذا كثير ما يكون فيه مثل هذه التمطيط، قال: وهي بدعة محرمة ظاهرة، هذه بدعة يقول النّاس القراءة في المآتم، نسأل الله الكريم تعجيل زوالها بخير المسلمين.

قال الشافعي وغيره: وأفضل القراءة ما كان حَدراً وحزيناً. أفضل القراءة قراءة الحدر، يعني قراءة سهلة وفيها نوع من الحزن لأنها تؤثر في القلب. قال: فالحدر درج القراء، صوت الشيخ ماهر المعيقلي عموماً حتى تفهمها. قال: فالحدر درج القراءة والتحسين، القراءة بالترقيق فيها ترقيق وهدوء. قال: وقرأ أبو هريرة رضي الله عنه تحزناً شبه الرثاء.

قال: وإذا لم يكن القارئ حسن الصوت فحَسّنه ما استطاع. إذا صوتك ردي يا أخي ابذل جهدك فحَسّنه ما استطاع. قال رحمه الله في استحباب طلب القراءة من حسن الصوت: «اعلم أن جماعات من السلف رضي الله عنهم كانوا يطلبون من القارئ الحسن الصوت أن يقرأ عليهم وهم يستمعون». ممكن تعمل حلقة وتقول لشخص اقرأ لنا بصوتك ونحن نستمع، هذا مما فعله السلف وليس بدعة في شيء، قال: وهذا متفق على استحباب هذا، وهو عادة الأخيار والمتعبدين وعباد الله الصالحين، وهو سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «اقرأ عليَّ القرآن»، فإني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ عليه من سورة النساء. ومع هذا الآثار فيه كثير ومشهورة.

قال رحمه الله: «وقد مات جماعة من الصالحين بسبب قراءة من سألوه القراءة»، واستحضر معنى الموت والصعق، لكن الأفضل الثبات. قال: واستحب العلماء افتتاح مجلس حديث النبي صلى الله عليه وسلم وختمه بقراءة قارئ حسن، حتى مجالس العلم جيد أن تفتتح بقراءة القرآن وتختتم به. قال: بقراءة قارئ حسن الصوت ما تيسر من القرآن، وينبغي أن يقرأ القارئ في هذه المواطن ما يتعلق بالمجلس.

إذا أنت مثلاً استدعيت لحفل أو لمجلس وقيل لك اقرأ القرآن، ماذا تختار؟ آيات الطلاق؟ لا، لأنك في النهاية لست جائياً لتختار ما يناسب المجلس، يقول: ينبغي أن يقرأ ما يتعلق بالمجلس. والله المجلس في أحكام البيع تقرأ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، أن يكون اختيارك للآيات يتناسب مع السياق، ويناسب الحال، وأن تكون قراءته في آيات المواعظ والزهد والترغيب والترهيب وقصر الأمل ومكارم الأخلاق.

قال رحمه الله في مراعاة المعنى في ابتداء القراءة ووقفها: قضية الابتداء والوقوف، وهذا مر معنا في إرواء، لما تقرأ آية عليك أن تعرف كيف تبتدئ وكيف تقف، لأن الوقف الخطأ يعطي معنى خاطئاً. قال: وينبغي للقارئ إذا ابتدأ من وسط السورة أو وقف على غير آخرها أن يبتدئ من أول الكلام المرتبط بعضه ببعض، وأن يقف على انتهاء المعنى، ولا يتقيد بالعشر والاجزاء، يعني حتى لو نهاية العشر في مكان لكن لا يتم المعنى به، ينتقل لبداية الجزء الذي يليه تماماً.

سيعطيك الآن أمثلة، قال: فإنها قد تكون في وسط الكلام المرتبط، ربع الحزب ونصف الحزب تكون في نصف الكلام المرتبط، فأنت لا تنهي القراءة عندها، أكمل الآية التي تليها ولو دخلت في جزء جديد. مثلاً في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، هذه الآية أول آية في الجزء الخامس وهي مرتبطة بآخر آية في الجزء الرابع: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، فما ينفع توقف القراءة عند الآية السابقة لأنك ما كملت المعنى.

وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، في سورة يوسف هي بداية جزء، وقبلها: ﴿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، تلك نهاية وهذه بداية، لا تقف عند نهاية الجزء. وفي قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ في بداية آخر صفحة من سورة فصلت، اقرأها مع ما قبلها. وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُسْرِفِينَ﴾، فكل هذا وشبهه ينبغي أن لا يوقف عليه ولا يبتدأ به.

مثلاً شخص يخفق، فويل للمصلين، فتقول له انتهت الآية، الله أكبر! ما ينفع تقول: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ ثم تركع، ما يضبط، لازم يكمل المعنى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال: ولا يغتر بكثرة الفاعلين له، ولهذا قال العلماء: قراءة سورة قصيرة أفضل من قراءة بعض سورة طويلة، يعني أيهما أفضل في الصلاة: تقرأ سورة قصيرة كاملة أو جزءاً من سورة طويلة؟ سورة قصيرة كاملة أفضل.

قال: فإنه قد يخفى الارتباط، وكان السلف يكرهون قراءة بعض الآية، والله أعلم، كان السلف يكرهون أن تقرأ نصف آية وتسكت في نصفها الآخر، مثل آية "الذي" مثلاً، تقرأ نصفها وتركع، لا، الأصل تختمها كاملة إذا كانت الآية طويلة حتى لو طويلة.

قال رحمه الله في أحوال تكره فيها القراءة: «اعلم أن القراءة محبوبة على الإطلاق إلا في أحوال مخصوصة جاء الشرع ببيانها»، وأنا أشير إلى ما حضرني الآن منها. قال: فتكره في حالة الركوع والسجود والتشهد وغيرها من أحوال الصلاة سوى القيام. وتكره في حال القعود في الخلاء، وفي حالة الذب عندنا ليست مكرهة بل تحرم في الخلاء على الصحيح.

قال: وفي حال النعاس، وإذا استعجم عليه القرآن -مر معنا إيش يعني استعجم عليه القرآن؟ ما استطاع بسبب التعب والنعاس-. قال: وفي حال الخطبة لمن يسمعها؛ إذا كان في خطبة جمعة وأنت سامع الخطيب لا تقرأ، لكن إذا انقطع صوت الخطيب فصِرت تسمع القراءة، اقرأ القرآن واشتغل بالقراءة، ولا تكره لمن لم يسمعها بل تستحب بسبب انفصال السماعة أو بعد الخطيب، بل تستحب له على المذهب الصحيح المختار. وقال: وتكره للمأموم قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة الجهرية إذا سمع قراءة الإمام، ويستحب له إن لم يسمعها، ولا تكره في حال الطواف.

القراءة في حال الطواف. قال: وقد تقدم بيان القراءة في الحمام والطريق، وقراءة من فمه مرت معنا المسألة.

قال رحمه الله تعالى: فصل في إنكار بعض البدع في القراءة. ومن البدع المنكرة ما يفعله جهلة المصلين بالناس بالتراويح من قراءة سورة الأنعام بكمالها في الركعة الأخيرة في الليلة السابعة، معتقدين هذه بدعة، الظاهر كانت في دمشق في زمن النووي رحمه الله عليه. قال: فيجمعون بهذا أنواعاً منكرة بينتها في التبيان.

ومن البدع المشابهة لهذه قراءة بعض جهالتهم في الصبح يوم الجمعة بسجدة غير سجدة "ألم"، يعني بعض الناس صبح يوم الجمعة يقرأ سورة غير سورة السجدة بس يكون فيها سجدة مثل سورة العلق، أقول: لا يصح، السجدة التي شرعت في صباح الجمعة سورة السجدة. قال قاصداً لذلك أن يسجد سجدة غير سجدة سورة السجدة.

قال: وإنما السنة قراءة "ألم تنزيل" بكمالها في الركعة الأولى، وفي الثانية بكمالها، يعني إذا قرأت بعضها ترى أنت ما حصلت السنة. بعض الناس اليوم يقول لك: أنا أقرأ أول صفحة من السجدة، والركعة الثانية آخر جزء من الإنسان، أنت ما حصلت السنة، جزاك الله خيراً.

قال رحمه الله: لكن في الحقيقة لا نظر في حال المصلين، يعني إذا كان في منطقة إذا قرأ السجدة والإنسان تروح نص ساعة أو ساعة ببطء وكذا، حقيقة يجب أن يراعى حال الناس؛ يعني إذا رأيت أن قراءتك للسجدة تثقل على الناس والناس لا تستحمل، بإمكانك تذهب إلى سور أخرى.

قال رحمه الله تعالى: فصل في آداب تدعو الحاجة إليها. قال: منها أنه إذا كان يقرأ وعرضت له ريح فينبغي أن يمسك عند القراءة حتى يتكامل خروجها ثم يعود إلى القراءة. إنسان قد يقرأ، افرض خرجت منك ريح أثناء القراءة، لا تقرأ أثناء خروج الريح بل توقف ثم تعود إلى القراءة، طبعاً المصحف ما يكون في يدك، هذا من الأدب مع القرآن.

قال: ومنها أنه إذا تثاءب، لا تكمل القراءة وأنت تتثاءب، فكر ثم تكمل، قال: أمسك عن القراءة حتى ينقضي التثاؤب ثم يقرأ. ومنها إذا قرأ قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ۖ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا﴾ [المائدة: 69، والحديد: 64]؛ هذه الآيات التي فيها نسبة النقص إلى الله، شوف الأدب، يستحب أن تقرأها بصوت منخفض حتى ولو كنت تقرأ في الصلاة أو في مكان عام بصوت مرتفع، لأن فيها نسبة السوء إلى الله، قال: يسر بها احتراماً لله. ونحو هذا من الآيات يستحسن له أن يخفض بها صوته، كذا كان إبراهيم النخعي يفعل.

قال: ومنها إذا قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56]، استحب أن يقول: «صلى الله عليه وسلم»، يعني يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عندما يسمع الآية.

قال: ومنها إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8]، ﴿أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ﴾ [القيامة: 40]، يستحب أن يقول: «بلى وأنا على ذلك من الشاهدين». وإذا قرأ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: 50]، قال: «آمنت بالله». وإذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، قال: «سبحان ربي الأعلى». وإذا قرأ: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: 111]، قال: «الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً»، وهذا كله مستحب أن يقوله القارئ في الصلاة وغيرها.

قال رحمه الله تعالى في قراءة القرآن يراد بها الكلام: اختلف في كراهة قراءة القرآن يراد بها الكلام. وأما إذا استأذن على المصلي إنسان، فقال المصلي: «ادخلوا بسلام»، أم أنت تصلي دخل عليك شخص دق الباب فقرأت في الصلاة: «ادخلوا بسلام» وأنت قصدت قراءة القرآن وأن يدخل الشخص، ينفع ماذا؟ قال: فقال أصحابنا: إن أراد التلاوة والأذن لم تبطل صلاته. إذا أراد الاثنين لا تبطل صلاته، لكن إذا قصد الأذن فقط بطلت صلاتك لأنك كأنك تكلمت بكلام خارج الصلاة. وإن أراد الأذن ولم تحضر النية بطلت صلاته، وكذلك لو لم تحضر أي نية، إذا سألتك: ما نيتك؟ وقلت: والله ما أنا عارف، بطلت صلاتك.

قال رحمه الله تعالى فيما تقطع القراءة لأجله وحكم القيام لأهل الفضل: إذا كان يقرأ ماشياً فمر على قوم سلم عليهم ثم رجع إلى القراءة، ولو أعاد التعوذ كان حسناً؛ لأنك انشغلت بأمر الدنيا قليلاً. ولو قرأ جالساً فمر عليه غيره، فالأظهر أنه يستحب له أن يسلم عليه، ولكن في مذهبنا لا يستحب السلام على من يقرأ القرآن.

قال: ويجب على القارئ الرد باللفظ، وقال الإمام الواحدي من أصحابنا: مذهبنا لا يجب عليك أن ترد على من سلم عليك وأنت تقرأ القرآن، خلافاً لما ذكره النووي. وقال الإمام الواحدي من أصحابنا: الأولى ترك السلام عليه، فإن سلم عليه رد بالإشارة. أما إذا عطس على القراءة فيستحب أن يقول: «الحمد لله»، وكذا لو كان في الصلاة، يعني تقف في القراءة وتقول: «الحمد لله»، تشمت نفسك. ولو عطس غيره وهو يقرأ في غير الصلاة وقال: «الحمد لله»، استحب للقارئ أن يقول: «يرحمك الله»، فيفصل القراءة ويشمت.

قال: ولو سمع المؤذن والمقيم قطع القراءة وردد مع المؤذن. ولو طلبت منه حاجة وأمكن الجواب بالإشارة المفهمة، ودخلت عليك زوجتك أو أهلك وأنت تقرأ القرآن وسألوك: أين الشاي؟ وما إلى ذلك، أن تشير إشارة مشايخ الكل يجلس، وعلم أنه لا يشق ذلك على سائل أن يجيبه بالإشارة ولا يقطع القراءة، فإن قطعها جاز، لكن الأولى ألا تقطع وتجيب بالإشارة باليد.

قال: وإذا ورد عليه من له فضيلة بعلم أو صلاح أو شرف أو سن أو ولاية، فلا بأس بالقيام للاحترام وأنت تقرأ القرآن؛ دخل عليك شيخ أو وزير أو مسؤول أو إنسان له شرف أو إنسان كبير في السن أو له ولاية؛ عليك جدك أو جد جدك، أي إنسان يستحق الاحترام، فلا بأس أن تقطع القراءة وتقوم تحترم ثم تعود لتقرأ القرآن. قال: فلا بأس بالقيام للاحترام لا للرياء.

قال رحمه الله تعالى في الجمع بين سور في ركعة وسكتات الإمام في الصلاة الجهرية: لا بأس بالجمع بين سور في ركعة واحدة، يجوز أن تقرأ أكثر من سورة في الركعة الواحدة. قال: يستحب للإمام في الصلاة الجهرية أن...

يسكت في القيام أربع سكتات، ما هي؟ قال: إحداها بعد تكبيرة الإحرام، وهي لدعاء الاستفتاح، ليقرأ دعاء التوجه والاستفتاح، ويحرم المأمومين.

والثانية سكتة لطيفة جداً بين آخر الفاتحة و«آمين»، لحتى يعرف أن «آمين» ليست من سورة الفاتحة، لئلا يتوهم أن «آمين» من القراءة. والثالثة بعد القراءة، يعني من الفاتحة، بعد «آمين» سكتة طويلة بحيث حتى يقرأ المأمومون الفاتحة وراءك. ورابعاً بعد الفراغ من السورة، بعد الفراغ من قراءة السورة، تسكت قبل أن تكبر للركوع.

قال رحمه الله تعالى: فصل في معاني «آمين» وأحكامها. قال: لكل قارئ في الصلاة وغيرها أن يقول عقب الفاتحة «آمين»، وفيها لغات: المد والقصر، «آمين» هذه على لغة المد، ويجوز أن تقول «آمين» بس، وهي تسمى لغة القصر. قال: والمد والقصر مع التخفيف فيهما. قال: والثالثة المد مع الإمالة، على قراءة الإمالة.

قال: حكاها الواحدي عن حمزة والكسائي. قال: والرابعة المد مع تشديد الميم، حكاها مع تشديد الميم «آمّين»، وهذه الصحيح أنها لا تقرأ وإن ذُكرت الرابعة، لكن الصحيح أنها لا تقرأ؛ لأنها تعطي معنى آخر، لأن معنى «آمين» قاصدين، وليس معناها المعنى المشهور: «اللهم استجب». قال: حكاها الواحدي عن الحسن البصري والحسين بن الفضل، وأنكر الجمهور التشديد؛ قال: وأنكر الجمهور هذه القراءة الرابعة، التشديد «آمّين»، هذه خطأ.

قال: ثم إن النون في آخرها ساكنة «آمين»، النون ساكنة، فإذا وصلتها بما بعدها فرضاً، ما سكت أنت وأردت أن تصلها بسورة بعدها، فإنها تفتح، مثل: «أين وكيف»، تفتح عند الوصل وتسكن عند الوقف.

قال: وفي معناها قريب من خمسة عشر قولاً، اختلف العلماء في معنى «آمين» على خمسة عشر قولاً، أشهرها أنها اسم فعل أمر بمعنى «اللهم استجب».

قال: ويستحب التأمين في الصلاة؛ الإمام والمأموم والمنفرد، يجهرون كلهم بالتأمين في الصلاة الجهرية، وقيل لا يجهر المأموم. ويستحب أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام، يجهر بها معاً؛ فلا يسبق الإمام، ولا يكون بعد الإمام، بل مع الإمام.

قال رحمه الله تعالى: فصل في سجود التلاوة. قال: هو مما يتأكد الاعتناء به، فقد أجمع العلماء على الأمر به، وإنما اختلفوا فيه: أهو إيجاب أم استحباب؟ صحيح أن التلاوة مستحب. فقال أبو حنيفة: هو واجب، وقال عمر بن الخطاب وابن عباس وسلمان الفارسي وعمران بن الحسين والأوزاعي، وعند الحنفية سجود التلاوة واجب، وعند الجمهور هو مستحب. وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداوود وغيرهم: هو سنة وليس بواجب.

قال: فصل في بيان عدد سجدات التلاوة ومحلها. قال: وسجدات التلاوة أربع عشرة سجدة؛ في الأعراف، والرعد، والنحل، وسبحان، ومريم، والحج سجدتان، والفرقان، والنمل، وفـ «الم تنزيل حاميم»، والسجدة، والنجم، والسماح هي سورة الإسراء. واقرأ، فهذه عزائم السجود. وأما سجدة «ص»، فسجدة «ص» ليست سجدة تلاوة، بل هي سجدة شكر؛ لذلك لا تسجد سجدة «ص» في أثناء الصلاة، انتبهوا، لا عند الشافعية ولا عند الحنابلة، سجدة شكر تسجد خارج الصلاة فقط. قال: ليست من عزائم السجود.

قال: ومحل هذه السجدات معروف، ولا خلاف في شيء منها إلا في التي في «حاميم»، فإن مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وجماعات من السلف أنها عقب قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُسْرِفُونَ﴾. موضع سجدة التلاوة في سورة فصل، فالأكثر على أنها عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَأُونَ﴾ [فصلت: 38]، ومذهب مالك وجماعات أنها عند الآية 37: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، وهو وجه لبعض أصحابنا. قال رحمه الله تعالى: والصحيح الأول، وهو أحوط.

وأما سجدة النمل، فالصواب المشهور المعروف أنها عقب قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ عند آية 26 من النمل. وقال العبدري من أصحابنا: أنها عقب قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾، جعلها عند آية 25، والأول المشهور، ودع هذا، فهذا مذهبنا ومذهب أكثر الفقهاء، وليس كما قال، وصواب ما قدمناه.

قال رحمه الله تعالى: فصل في حكم السجود عند قراءة السجدة "ص" في الصلاة وخارجها. قال: إذا قرأ سجدة "ص" خارج الصلاة استحب له السجود، وإن قرأها في الصلاة لم يسجد، فإن خالف وسجد وهو جاهل أو ناس، إذا سجدت في سجدة "ص" في الصلاة وأنت جاهل للحكم أو ناسيت الصلاة، لكن عليك سجود سهو، وأما إن كان عالماً بأنها تبطل الصلاة، بطلت صلاتك؛ قال: بطلت صلاته على الصحيح من الوجهين، ولا تبطل في الوجه الثاني. ولو سجد إمامه في "ص" لكونه يعتقدها من العزائم، والمأموم لو كان الإمام يعتقد أن "ص" سجدة تلاوة، وهذا رأي لبعض أهل العلم، وأنا مأموم لا أعتقدها سجدة التلاوة، إذا هو سجد، أنت ما تسجد، تظل واقفاً، أو تفارقه، ولكن تظل واقفاً أحسن حتى لا يزعلوا منك المصلي. قال: والمأموم لا يعتقدها فلا يتابعه، بل يفارقه أو ينتظره قائماً.

قال رحمه الله تعالى: فصل في حكم سجود التلاوة. حكم سجود التلاوة هو مثل صلاة النفل، يحتاج إلى وضوء، واستقبال قبلة، وستر عورة وما شابه ذلك. قال: فاشترط فيها الطهارة عن الحدث والنجس، واستقبال القبلة، وستر العورة.

قال: فصل في مسائل مختلفة من سجود التلاوة. قال: إحداها، لا يقوم الركوع مقام سجود التلاوة في حال الاختيار عند الشافعي والجماهير، وقال أبو حنيفة: يجوز أن أركع ركوع تلاوة بدل سجود تلاوة، لا، هو سجود وليس ركوعاً.

قال: الثانية، إذا قرأ السجدة على دابته في السفر سجد بالإيماء، ولو كان في الحضر لم يسجد؛ إذا كنت أنت في السيارة وفي السفر لك أن تسجد سجدة التلاوة إيماءً برأسك، أما إذا كنت في الحضر وفي بيتك جالس، ما ينفع أنك تسجد بالإيماء برأسك، بدك تسجد على الجبين على الأرض فقط.

قال: الثالثة، لو قرأ السجدة بالفارسية لم يسجد، وقال أبو حنيفة: يسجد، قال الراعي: مرة، مع أن القرآن لا يقرأ بلغة أخرى على الصحيح. قال: الرابعة، لا يكره سجود التلاوة في الأوقات التي نهي عن صلاة النافلة فيها، والمذهب عند الحنابلة أنها لا تسجد في أوقات النهي؛ وقت بعد الفجر وبعد...

قال: الخامسة، إذا سجد المستمع مع القارئ لا يرتبط به، فلا ينوي الاقتداء به، بل له الرفع قبله.

قال: السادسة، لا تكره عندنا قراءة السجدة للإمام في الصلاة الجهرية ولا في السرية، وقال مالك: تكره، وقال أبو حنيفة: تكره في السرية، وهذا مذهبنا مثل الحنفية؛ تكره في السرية.

قال: السابع، إذا قرأ آية السجدة في الصلاة قبل الفاتحة سجد، بخلاف ما لو قرأ شخص حب يقرأ قرآن قبل الفاتحة وقرأ شيئًا في سجدة تلاوة، ممكن شخص يقرأ القرآن قبل الفاتحة وإن كان هذا ليس السنة فسجد، فماذا يفعل؟ قال: إذا قرأ آية السجدة في الصلاة قبل أن يقرأ الفاتحة سجد، بخلاف ما لو قرأها في الركوع أو السجود، لو قرأ الإنسان قرآنًا وهو راكع أو ساجد، قلنا القراءة في الركوع والسجود ما حكمها؟ مكروهة، فلو قرأت فيها سجدة تلاوة لا تسجد؛ لأن أصلًا مكان القراءة خطأ. أما في حال القيام فإنك تسجد متى ما قرأت سجدة التلاوة، سواء قرأتها قبل الفاتحة -وهذا ليس هو الأفضل في العادة- أو بعدها، وهذا هو المعتمد.

قال: فإنه لا يجوز أن يسجد؛ لأن القيام محل القراءة، ولو قرأ السجدة فهو ليس في محلها ليسجد، ثم شك: هل قرأ الفاتحة؟ فإنه يسجد للتلاوة ثم يعود للقيام فيقرأ الفاتحة.

قال: الثامنة، اختلفوا في اختصار السجود، وهو أن الإنسان يأتي فيقرأ آية بالتحديد فيها سجدة، يعني هكذا قرأ في الصلاة واختصر، أي ذكر فقط الآية التي فيها سجدة تلاوة لأنه يريد أن يسجد ولم يقرأ شيئًا آخر غيرها. فقال: اختلفوا في اختصار السجود هل هو مكروه أو مباح؟ وهو أن يقرأ آية أو آيتين ثم يسجد سجود تلاوة فقط، هذا هدفه ثم يقوم ويركع. فحكى ابن المنذر عن الشعبي والحسن البصري ومحمد بن سيرين والنخعي وأحمد بن حنبل وإسحاق أنهم كرهوا ذلك، وعن أبي حنيفة ومحمد وأبي ثور أنه لا بأس به، وهو مقتضى مذهبنا.

قال: فصل في من يسن له سجود التلاوة. قال: اعلم أنه يسن لقارئ متطهر بالماء أو التراب حيث يجوز، سواء كان في الصلاة أو خارجها. قال: يسن للمستمع، ويسن أيضًا للسامع، غير المستمع. ما الفرق بين المستمع والسامع؟ المستمع هو الذي يتقصد السمع، والسامع هو مارّ الطريق. والمذهب عند الحنابلة أنه فقط للمستمع، وأما السامع فلا يسجد. قال الشافعي رحمه الله: «لا أكد في حقه كما أكد في حق المستمع»، لأن السامع أقل شأنًا من المستمع.

قال: وسواء كان القارئ في الصلاة أو خارجها، وسواء سجد أم لم يسجد، يسن للمستمع والسامع السجود. أما عند الحنابلة فلا يسجد المستمع إلا إذا سجد القارئ. وقيل: لا يسجد السامع أصلًا، وقيل: لا يسجد السامع ولا المستمع إلا أن يسجد القارئ، وهذا مذهبنا. وقيل: لا يسجدان لقراءة من في الصلاة، والصواب ما قدمناه.

وقيل: لا يسجدان لقراءة من في الصلاة، يعني أنا مررت من جانب شخص يقرأ في الصلاة، وهذا الذي يقرأ في الصلاة قرأ سجدة تلاوة، أنا الذي خارج الصلاة، أسجد معه؟ الآن إذا هو سجد وأنا كنت مستمعًا أسجد معه، وعند الشافعية كذلك لو كنت سامعًا.

قال: وسواء كان القارئ مسلمًا بالغًا متطهرًا، رجلًا أو كافرًا أو صبيًا أو محدثًا أو امرأة؛ عند الشافعية لا عبرة بالقارئ، سواء كان القارئ كافرًا أو صبيًا أو امرأة وقرأ سجدة تلاوة، أنت كمستمع أو سامع بتسجد، طبعًا عند الحنابلة لا تصلح هذه الأمور، وقيل لا لقراءة هؤلاء، وبهذا قال بعض أصحابنا في غير المرأة، والصواب أنه إذا قرأ السجدة وسمعها أخرم يطل سجود التلاوة ويكون مباشرة بعد قراءة السجدة.

ينبغي أن يقع سجود التلاوة عقب مباشرة قراءة السجدة التي قرأها هو أو سمعها، فإن أخّر ولم يطل الفصل سجد، وأما إن طال الفصل فات سجود التلاوة. والمشهور أنه إذا فاتك سجود التلاوة لا تقضيه، كما لا تقضى صلاة الكسوف إذا فات وقتها، وقيل يقضى، لكن الصواب هو الأول. ولو كان حال القراءة محدثًا ثم تطهر على القرب، يعني واحد كان يقرأ القرآن وهو محدث، مر على سجدة تلاوة، راح مباشرة توضأ ورجع، يعيد سجدة التلاوة؟ لا مشكلة. قال: وإن طال الفصل لم يسجد على الصحيح المشهور، وقيل يسجد، والاعتبار في طول الفصل بالعرف على المختار.

قال: فصل في حكم تكرار آية السجود. قال: إذا قرأ سجدات في مجلس سجد لكل واحدة بلا خلاف. إذا أنا في مجلس واحد قرأت أربع أو خمس آيات فيها سجدات تلاوة، تسجد لكل واحدة بلا خلاف. فإن كرر آية السجدة الواحدة في مجالس، فالسجدة لكل مرة بلا خلاف؛ إذا كان عندي عدة مجالس وفي كل مجلس قرأت سجدة تلاوة نفس الآية التي فيها سجدة تلاوة بسبب تعدد المجالس، في كل مجلس تسجد سجدة التلاوة.

لكن المشكلة إذا كررها في مجلس واحد، الفائدة هنا: شخص فيكم عم يحفظ قرآن، عم يحفظ آية في سورة فيها سجدة تلاوة وعم يعيدها وكررها، يقول لك شيخ: أنا كل ما بدي أعيدها أنا بدي أسجد سجدة تلاوة؟ أنا عم أحفظ الآن وممكن أكررها مئة مرة حتى أضبطها، هل كلما كررت الآية لأضبطها بدي أسجد سجدة تلاوة؟

قال: إذا تكررت سجدة التلاوة في آية واحدة في مجلس واحد، نظر؛ إن لم يسجد لما عدا المرة الأخيرة كفاه عن الجميع سجدة واحدة، بإمكانه أن يؤخر، يعيدها ثم في آخر مرة يعيدها يسجد معها. وإن سجد للأولى، فهل يسجد للثانية وما بعدها؟ فيه ثلاثة أوجه، أصحها أن يسجد لكل مرة، والحقيقة قوله: "الأصح أن يسجد لكل مرة" سيكون فيه صعوبة على حافظ القرآن الذي يحفظ، ولذلك القول الثاني: لا يسجد لما عدا الأولى أكثر سهولة. والثالث أن...

طال الفصل: السجدة، وإلا فلو كرر السجدة الواحدة في الصلاة، إن كان في ركعات فهي كالمجلس الواحد في كل ركعة في الصلاة. في الأربع ركعات قرأ سجدات تلاوة في كل ركعة، فإذا كان في كل ركعة يسجد سجدة تلاوة، قال: فيسجد لكل مرة بلا خلاف.

وإن كان في ركعة كالمجلس الواحد، ففيه الأوجه الثلاثة. أما واحد: في مثل من قرأ بالناس وكل شوي مثلاً يتأثر الإمام بآية سجدة تلاوة، وكل ما يقرأها يروح ويسجد، يعني الناس مع الوقت ماذا تقول لك؟ فيها صعوبة. تخيل الإمام تأثر بآية فيها سجدة التلاوة وعم يعيدها، وكل ما يعيدها يسجد للتلاوة، يرجع يقوم يعيدها، بعدين يرجع يسجد للتلاوة، بعدين يرجع يقوم؛ فبالتالي هو يقول لك فيها ثلاثة أوجه، لكن الأصوب والله أعلم أنه لا يثقل على الناس بذلك.

قال رحمه الله تعالى: فصل في أحكام تتعلق بسجود التلاوة في الصلاة. قال: إذا كان مصليًا منفردًا لسجود قراءة نفسه، فلو ترك سجود التلاوة وركع ثم أراد أن يسجد للتلاوة لم يجوز، فإن فعل مع العلم بالتحريم بطلت صلاته. وإن كان قد هوى إلى الركوع ولم يصل إلى حد الراكعين جاز أن يسجد للتلاوة. ولو هوى للسجود للتلاوة ثم بدل له ورجع إلى القيام جاز.

في سجود المنفرد لقراءة غيره لم يجز أن يسجد، فإن فعل مع العلم بطلت صلاته. أما المصلي في جماعة، فإن كان إمامًا فهو كالمنفرد. وإذا سجد الإمام لقراءة نفسه وجب على المأمومين أن يسجدوا معه، فإن تخلفوا بطلت صلاته. فإن لم يسجد الإمام لقراءة نفسه لم يجوز للمأموم السجود، فإن سجد بطلت صلاته، لكن يستحب إذا فرغ من الصلاة أن يسجد ولا يتأكد.

قال: ولو سجد الإمام ولم يعلم المأموم حتى رفع الإمام رأسه من السجدة، فهو معذور في تخلفه ولا يجوز أن يسجد. ولو علم والإمام بعد في السجود وجب السجود، فلو هوى ليسجد فرفع الإمام وهو في الهوي رفع معه ولم يجوز أن يسجد. وكذا المأموم الذي هو مع الإمام فرفع الإمام قبل بلوغ المأموم السجود، يرجع مع الإمام ولا يجوز له السجود.

أما المأموم فلا يجوز أن يسجد لقراءة نفسه ولا غير إمامه، فإن سجد بطلت صلاته، ويكره له قراءة السجدة والإصغاء إلى قراءة غير إمامه. المأموم لو قرأ سجدة التلاوة لا يسجد مع الإمام فقط.

قال: فصل في صفة السجود للتلاوة. هذا الفصل أحكامه كثيرة جدًا، ولكني أرمز إلى أصولها وأبالغ في اختصارها مع إيضاحها. قال: اعلم أن ساجد التلاوة له حالان: أحدهما أن يكون خارج الصلاة، والثاني أن يكون فيها.

أما الأول: فإذا أراد السجود نوى سجود التلاوة وكبر للإحرام ورفع يديه حذو منكبيه كما يفعل في تكبيرة الإحرام في الصلاة، ثم يكبر أخرى للهوي إلى السجود، ولا يرفع فيها تكبيرة للإحرام وتكبيرة للنزول. قال: ولا يرفع فيها اليد، وهذه التكبيرة الثانية مستحبة ليست بشرط. وأما الأولى ففيها ثلاثة أوجه: صحيح وقول جمهور أصحابنا أنها ركن لا يصح السجود إلا بها، والثانية أنها مستحبة ويصح السجود بدونها، وثالثًا ليست مستحبة.

ثم إن كان المريد للسجود قائمًا كبر للإحرام في قيامه، ثم كبر للسجود في انحطاطه إلى السجود. وإن كان قاعدًا فهل يستحب له القيام ليسجد؟ من القيام فيه وجهان: أحدهما يستحب به قطع جماعة من أئمة أصحابنا، منهم الشيخ أبو محمد الجويني والقاضي حسين وصاحباه وصاحبا التهذيب والتت، وقال الإمام المحقق أبو القاسم الرافعي. والوجه الثاني لا يستحب، وهذا اختيار إمام الحرمين، وهو ظاهر إطلاق الأكثرين، ولم يثبت في القيام هنا شيء عن النبي ﷺ ولا عن من يقتدى به، والله أعلم.

ثم إذا سجد ينبغي أن يراعي أدب السجود في الهيئة والتسبيح. وأما الهيئة: فيضع يديه حذو منكبيه على الأرض، ويضم أصابعها وينشرها إلى جهة القبلة، ويجافي مرفقيه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه إن كان رجلًا، وإن كانت امرأة أو خنثى لم يجافِ. ويرفع الساجد أسفله على رأسه، ويمكن جبهته وأنفه من مواضع السجود ويطمئن.

وأما التسبيح: فأي شيء سبح به حصل أصل التسبيح، ولو ترك التسبيح صح السجود ولكن يفوته الكمال، والأصل أن تحافظ على التسبيح في سجدة التلاوة. قال العلماء: يسبح بتسبيحة السجود في الصلاة وبغيرها، فيقول ثلاث مرات: «سبحان ربي الأعلى»، ثم يقول: «اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وبك آمنت، سجد وجهي الذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، تبارك الله أحسن الخالقين»، ويقول: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح»، ويقول: «اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع عني بها وزرًا، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود ﷺ»، ويقولون: «سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولًا». فيستحب أن يجمع بين هذه الأذكار كلها ويدعو معها بما شاء من أمور الدنيا والآخرة. ثم إذا فرغ من التسبيح رفع رأسه مكبرًا. وهل يفتقر إلى تسليم؟ هل لا بد أن يسلم في سجدة التلاوة؟ الصحيح أنه تحتاج إلى تسليمة واحدة، قال: فيه قولان للشافعي، أصحه ما عند جماهير أصحابه أنه يفتقر، والثاني لا يفتقر. فعلى الأول هل يفتقر إلى التشهد؟ فيه وجهان، الصحيح أنه لا يفتقر إلى تشهد فيها. هذا كله في السجود خارج الصلاة.

الحالة الثانية: السجود في الصلاة. فلا يكبر للإحرام، ويستحب أن يكبر للسجود لأنك أصلاً كبرت مع الصلاة تكبيرة الإحرام. قال: ولا يرفع يديه، ويكبر للرفع من السجود، وهذا هو الصحيح المشهور، وقيل لا يكبر للسجود ولا للرفع. وأما آداب السجود من الهيئة والتسبيح فكما تقدم، إلا أنه إذا كان إمامًا فلا يطول إلا برضا المأمومين. ثم إذا رفع من السجود قام، فلا يجلس للاستراحة بلا خلاف، لأن سجود التلاوة ليس فيه استراحة. ثم إذا رفع رأسه من سجود التلاوة فلا بد من الانتصاب قائمًا. والمستحب إذا انتصب أن يقرأ شيئًا، فإذا انتصب قائمًا من سجدة التلاوة هل يحق لك أن تركع مباشرة؟ يجوز، لكن الأفضل أن يقرأ شيئًا. فهو المستحب إذا انتصب أن يقرأ شيئًا ثم يركع، فإن انتصب فركع من غير أن يكمل قراءة شيء جديد جاز.

قال رحمه الله تعالى: في الأوقات المختارة للقراءة، أفضلها ما كان في الصلاة، ومذهب الشافعي وغيرها أن تطويل القيام في الصلاة أفضل من تطويل السجود.

للقراءة أفضلها ما كان في الصلاة.

مسألة جديدة، انتهينا من سجود التلاوة. قال: وأفضل الأوقات الليل والنصف الأخير، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة، وأما قراءة النهار فأفضلها بعد الصبح ولا كراهة في شيء منها. ونقل عن بعض السلف كراهة القراءة بعد العصر، وليس هذا بشيء، فلا كراهة أن تقرأ القرآن في أي وقت من أوقات النهار، وإن كان الأفضل أن تقرأ بعد الصبح.

قال: ويختار من الأيام الجمعة والاثنين والخميس ويوم عرفة. وقال: من الأعشار العشر الأخير من رمضان والأول من ذي الحجة. ومن الشهور رمضان؛ إذن أفضل أيام العشر تقرأ فيها القرآن العشر الأخيرة من رمضان والعشر الأوائل من ذي الحجة، ومن الشهور أفضلها رمضان.

قال: فصل في القارئ ماذا يفعل إذا ارتج عليه، وصيغة الاستدلال؛ إذا أغلق عليك أو نسيت آية كيف تطلب من الناس أن يعلموك إياها؟ قال: إذا وقف القارئ فلم يدري ما بعد الموضع الذي انتهى إليه وأراد أن يسأل عنه غيره، فيستحب أن يتأدب بما قاله عبد الله بن مسعود وغيره من السلف، وهو أنه لا يقول: كيف تقرأ كذا وكذا؟ بل يقرأ.

هذا كلام خارج الصلاة، أنت خارج الصلاة تقرأ مع شيخك ونسيت الآية، فيقول ورد عن عبد الله بن مسعود: «إنك لا تقل لشيخك كيف تقرأ هذه الآية»، بل يعيد قراءة الآية السابقة ثم يقول: أي شيء بعد هذه الآية؟ يعتبرون هذا هو الكمال. وإذا عاد الآية السابقة قد يُفتى عليه، ويربط بالمناسبة.

وقال: وإذا أراد أن يستدل بآية فله أن يقول: قال الله تعالى، وله أن يقول: الله تعالى يقول كذا، ولا كراهة في شيء من هذا. البعض بالغ فقال لا يجوز، إذا أردت أن تستدل بآية لا تقل الله يقول، قل قال الله باعتبار الفعل الماضي والفعل المضارع قد يكون. قال: هذا هو الصواب الذي عليه عمل السلف والخلف وجاءت به الآثار، وروي عن مطرف كراهة الثاني وليس بشيء، يعني حقيقة فيها مبالغة شوية.

قال رحمه الله تعالى: فصل في آداب الختم. إذا ختمت القرآن ما هي الآداب؟ يستحب أن يكون الختم أول النهار أو أول الليل، وإنه يستحب أن يكون ختمه أول النهار وآخرة. وإذا كان يقرأ وحده يستحب أن يختم في الصلاة. واستحب السلف الصيام يوم الختم، ويستحب حضور مجلس الختم استحبابًا مؤكدًا، فقد كان السلف من الصحابة وغيرهم يحرضون عليه ويقولون: يستجاب الدعاء عند الختم، ويقولون: تنزل الرحمة عند الختم. وكان أنس رضي الله تعالى عنه إذا أراد الختم يجمع أهله ويدعو.

ويستحب الدعاء عقيب الختم استحبابًا مؤكدًا، فقد جاء فيه آثار، وينبغي أن يلح في الدعاء، وأن يدعو بالأمور المهمة، وأن يكثر في ذلك من صلاح المسلمين وصلاح سلطانهم وسائر ولاة أمرهم، ويختار الدعوات الجامعة، ويكون فيها من دعوات الرسول ﷺ، وقد جمعت دعوات مختصرة جامعة في "التبيان". ويستحب إذا ختم أن يشرع في أخرى عقيب الختم، فقد استحبه السلف لحديث ورد فيه، والله أعلم.

قال رحمه الله تعالى: الباب السابع في آداب الناس كلهم مع القرآن. قال: ثبت في صحيح مسلم عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الْيَمَانُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ». قال العلماء: النصيحة لكتاب الله تعالى هي الإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله، لا يشبه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر الخلق على مثله، وتعظيمه وتلاوته وتحسينها والخشوع عندها وإقامة حروفه بتلاوته، والذب عنه لتعارض المحرفين وتعرض الملحدين، والتصديق بما فيه والوقوف مع أحكامه وتفهم علومه وأمثاله والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه والدعاء إليه وإلى جميع ما ذكرنا من نصيحته، والنصيحة هنا بمعنى الإخلاص.

قال: فصل في وجوب تعظيم القرآن. أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن على الإطلاق وتنزيهه وصيانته، وأجمعوا على أن من جحد منه حرفًا مجمعًا عليه أو زاد حرفًا لم يقرأ به أحد وهو عالم بذلك فهو كافر، وأجمعوا أن من استخف بالقرآن أو بشيء منه أو بالمصحف أو ألقاه في القاذورات أو كذب بشيء مما جاء به من حكم أو خبر أو نفى ما أثبته أو أثبت ما نفاه وهو عالم، أو شك في شيء من ذلك فهو كافر. وعالم بما نفاه أو شك في شيء من القرآن، يعني مجرد الشك كفر إذا شكيت في آية. وكذلك أن جحد شيئًا من كتب الله تعالى كالتوراة والإنجيل، وكذلك من جحد التوراة والإنجيل وأنكر أصل نزولها من عند الله، بخلاف من قال عن شيء في التوراة إنه ليس بثابت، لأنها تعرضت للتبديل والتحريف، قد يسامح، لكن لا يجد أن تنكر أصل نزول التوراة والإنجيل لأن هذا تكذيب لله.

قال رحمه الله: فصل في حكم تفسير القرآن. ويحرم تفسيره بغير علم، والكلام في معناه لمن ليس من أهله، وهذا مجمع عليه. وأما تفسير العلماء فجائز حسن بالإجماع، ويحرم المراء فيه والجدال بغير حق، ومن ذلك أن تظهر له دلالة الآية على شيء يخالف مذهبه، فيصير إلى خلاف ظاهرها اتباعًا لهواه ومذهبه ويناظر عليه. وأما من لا تظهر له مخالفة الآية لمذهبه كالعوام فهذا معذور.

قال رحمه الله تعالى: فصل في كراهة قوله نسيت آية كذا، وحكم نسبة القراءة للقراء. قال: يكره أن يقول نسيت آية كذا، بل يقول: أنسيته أو نسيتها كما مر معنا، أو أسقطتها. ويجوز أن يقول: هذه سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء، وكذا الباقي ولا كراهة في شيء من هذا، والحديث صحيح، يجوز أن تسمي السورة، ومر معنا أن تسمية السورة أيضًا هي سنة النبي ﷺ.

صلى الله عليه وسلم. والحديث الصحيحة في هذا كثيرة، وكان بعض السلف يكره هذا ويقولون: إنما يقال "السورة التي ذكر فيها البقرة"، وكان البعض قال: ما يصير تقول سورة البقرة، الأصل تقول السورة التي ذكرت فيها البقرة، يعني هذا هو الأدب أن تقول السورة التي ذكر فيها النساء.

لكن حقيقة الأمر فيه سعة، ومر معنا أن النبي ﷺ قال: ﴿آيَتَانِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ﴾، سماها سورة البقرة ولم يقل السورة التي فيها البقرة، كل ذلك جائز. نعم، قال: وكذا ما أشبهها، والصواب أن لا كرهه.

قال: ولا يكره أن يقال قراءة أبي عمرو وقراءة حمزة وغيرهما. البعض يقول يكره أن تقول قراءة عاصم، قراءة نافع، باعتبار أن هذه القراءة عن النبي ﷺ، فكيف تنسبها إلى عاصم ونافع؟ لكن الصحيح أن هذه الإضافة معروف المراد بها، فلا نشق على الناس في هذه الإضافات. قال: وكره ذلك بعض الصرف، والصواب الأول وعليه عمل السلف، والخلاف.

قال: فصل في النفث مع القرآن للرقية ونقش القرآن وكتابته. إذا كان مثلاً تريد أن ترقي بالقرآن، فعندك مثلا النفث في اليد أو تأتي بماء فتقرأ وتنفخ فيه بدون بصاق، هذا كله مشروع.

قال: لا يكره النفث مع القراءة للرقية، وهو نفخ لطيف بلا ريق، يعني بلا بصاق يخرج معه. وقال جماعة من السلف يكره، وهو مذهب أبي جحيفة الصحابي. قال رحمه الله تعالى: والحسن البصري والنخعي رضي الله عنهما، والمختار الأول أنه لا مشكلة في النفخ مع القراءة سواء على اليد أو الماء؛ فقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك.

ويكره نقش الحيطان والثياب بالقرآن وبأسماء الله تعالى، كتابة القرآن على الحيطان والثياب مكروهة في المساجد وفي غيرها. وقال عطاء: لا بأس بكتابة القرآن في قبلة المسجد. البعض يرى أنه لا يجوز، لكن لو كتب آية واحدة في قبلة المسجد، بعض السلف غض الطرف عنه.

قال: ولو كتب القرآن على حلوى أو طعام فلا بأس بأكلها، ولو كان مثلاً واحد عامل كيكة عليها آية قرآن، يصير أكل الكيكة؟ قال: ما في مشكلة، لأنه أصلاً أخطأ في وضع الآية في غير محلها، يعني لا يحرم الأكل هنا. قال: ولو كان على خشبة كره إحراقها. ولو كتبه في إناء ثم غسله وسقاه المريض، فقال الحسن ومجاهد وأبو قلابة: لا بأس به، وكرهه النخعي، وهذا نوع من الرقية حقيقة ما فيها مشكلة.

قال: أما الحروز المكتوبة من القرآن وغيره، إذا جعلت في قربة حديد أو جلد أو نحو ذلك فلا تحرم كتابتها. هل يجوز أن تعلق مثلاً حرز وتعليقات من القرآن، يعني تمائم من القرآن سواء في سيارتك أو في البيت؟ فيها خلاف بين السلف، حقيقة مسألة فيها خلاف، تعليق الحرز الذي فيه آيات قرآنية فقط سواء في السيارة أو البيت مسألة فيها خلاف. حتى هو قال النووي: وفي كتابها خلاف.

قال رحمه الله: فصل في حكم تعليم القرآن للكافر. قال: لا يمنع الكافر من سماع القرآن، ويمنع من مس المصحف. وهل يمنع من تعلم القرآن؟ فيه وجهان، ولا يجوز تعليمه القرآن إن كان لا يرجى إسلامه، وإن رجي فوجهان أصحها جوازه.

قال رحمه الله تعالى: الباب الثامن في الآيات والسور المستحبة في أوقات وأحوال مخصوصة. قال: اعلم أن هذا الباب واسع جداً، لا يمكن حصره لكثرة ما جاء فيه، ولكني أشير إلى كثير منه بعبارات وجيزة.

قال: فمن ذلك السنة كثرة الاعتناء بتلاوة القرآن في شهر رمضان، وفي العشر الأخير أكد، وفي العشر الأواخر أكد، وفي عشر ذي الحجة، ويوم عرفة، ويوم الجمعة، وفي الليل وبعد الصبح. ويحافظ على يس، والواقعة، وتبارك، وقل هو الله أحد، والمعوذتين، وآية الكرسي.

قال: ويقرأ الكهف يوم الجمعة وليلتها، وقيل يقرأ يوم الجمعة أيضاً سورة آل عمران وهود. ويقرأ بعد الفاتحة في ركعتي سنة الصبح، إلا في الأولى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. ويقرأ بهما في سنة المغرب وصلاة الاستخارة وركعتي الطواف. وإذا أوتر بثلاث ركعات قرأ في الأولى بسب، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين.

ويقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: ﴿الٓمٓ ۝ تَنزِيلُ الْكِتَابِ﴾ في الأولى، و﴿هَٰٓؤُلَاءِ﴾ التي هي سورة الإنسان في الثانية ويقرأها بتمامها. وقال: وفي الأولى من صلاة الجمعة سورة الجمعة، وفي الثانية المنافقون. وفي صلاة العيد الركعة الأولى تقرأ سورة الأعلى، وفي الثانية سورة القمر، وإن شاء قرأ في الجمعة والعيد: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، هذه بدائل أقصر فكلاهما صحيح عن النبي ﷺ.

قال: فيستحب. قال: في استحباب قراءة آية الكرسي والمعوذتين، وما يقرأ عند النوم والاستعاذة والمريض والميت. قال: يستحب الإكثار من آية الكرسي في كل موطن، ويقرأها كل ليلة إذا أوى إلى فراشه، أكثر آية تقرأها في حياتك آية الكرسي، أعظم آية في القرآن.

قال: ويقرأ المعوذتين عقيب كل صلاة، ويقرأ عند النوم مع آية الكرسي أواخر البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ...﴾ إلى آخرها، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين، و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، و﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ من سورة الإسراء، و﴿الزُّمَرُ﴾، فليفعل عند النوم. فقد صح عن النبي ﷺ أنه كان لا ينام حتى يقرأها، كان يقرأ عند النبي ﷺ أحياناً المسبحات عند النوم، وأحياناً يقرأ سورة الإسراء وهود، وأحياناً يقتصر على المعوذات، فهناك تنوع في أفعاله، وكثيراً ما يقرأ أيضاً تبارك.

والسنة إذا استيقظ من النوم أن يقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...﴾ إلى آخرها. ويقرأ عند المريض الفاتحة وقل هو الله أحد والمعوذتين مع النفث في اليدين للرقية ومسحه بهما؛ لأن هذه رقية وقد ثبت ذلك في الصحيحين عن النبي ﷺ. ويقرأ عند الميت سواء عند احتضاره أو بعد موته سورة يس، وجاء عن الشافعية أن الأنصار كانوا يقرؤون عند الميت سورة البقرة.

الباب التاسع والأخير، قال رحمه الله تعالى: في تعظيم القرآن وإكرام المصحف.

قال هذا الباب منتشر جداً، ومسائله منتشرة كثيرة، وقد ذكرت في التبيان مقاصده، وأنا هنا أختصره بأوجز العبارات الواضحة.

قال: أجمع العلماء على وجوب صيانة المصحف واحترامه، وأنه لو ألقاه في القدور -والعياذ بالله- كفر، كما يحرم توسده، أي أن تجعله وسادة وتنام عليه، هذا حرام، أو تحط فوقه كأساً من الشاي؛ فبعض الشباب في المجالس يكون واضعاً مصحفاً وكأساً فوقه، وهذا لا يجوز.

قال: بل يحرم توسد جميع كتب العلم، حتى كل كتب العلم لا يجوز أن تضع فوقها طعاماً أو شراباً. وقال: ويستحب أن يقوم للمصحف إذا قدم؛ أي إذا رأيت المصحف قادماً يستحب الوقوف، وهذه تحتاج إلى دليل.

قال: واتفق العلماء على استحباب كتابة المصاحف وتحسين كتابتها وتبيينها وإيضاحها وتحقيق الخط دون مشقة، وتعليقه. والأصل إذا كتبت القرآن أن تكتبه واضحاً ولا تجعل حروفه ملتصقة ببعضها، فالمشكلة أن تكون كل الحروف داخلة في بعضها.

قال: يستحب نقط المصحف وشكله؛ فإنه صيانة من اللحن والتحريف، ولا تجوز كتابته بشيء. وقال: ويحرم المسافرة بالمصحف إلى أرض العدو إذا خيف وقوعه في أيديهم. وقال: ويحرم بيع المصحف للذمي، فلا يجوز أن تبيع المصحف للكفار، فإن باعه ففي صحته قولان: أحدهما لا يصح، والثاني يصح لكنه يمر في الحال بإزالة الملك عنه، والصواب الأول أنه لا يصح.

ويمنع المجنون والمستتر والصبي الذي لا يميز؛ هؤلاء يمنعون من حمل المصحف حتى الصبي في سن أربع سنين، لكن ممكن تعطيه لوحاً يكتب عليه المصحف، أو اليوم أصبح لدينا ألعاب يكون فيها مصحف، فلا مشكلة، لكن مصحفاً تعطيه طفلاً عمره أربع سنوات فيه إهانة ورفع، وفيها إشكال.

قال: مخافة من انتهاك حرمته. قال: فصل في حكم مس المصحف وحمله للمحدث. قال: ويحرم على المحدث مس المصحف وحمله، سواء حمله بعلاقة أو مسك المصحف مباشرة، أو وضعته داخل محفظة، إلا إذا كانت شنطة المرأة التي فيها أغراض كثيرة ومنها المصحف فلا مشكلة، لكن أن تتقصد حمل المصحف مباشرة أو وضعه في غلاف وتحمله، فهذا كله لا يصح.

قال: سواء مس النص المكتوب، أو الورق، أو الجلد، أو الصندوق، أو الغلاف، أو الخريطة إذا كان فيها المصحف. وبعض المذاهب ترى أنه لا مشكلة إذا كان هناك حائل بينك وبين المصحف، وقيل لا يحرم هذه الثلاثة، والصحيح الأول.

ولو كتب القرآن في لوح فحكمه حكم المصحف؛ يعني لو كان معك ورقة فيها قرآن فقط، فهذه حكمها حكم المصحف، أنه لا يجوز أن تمسها وأنت محدث. قال: سواء قلّ المكتوب أو كثر، حتى لو كتب بعض آية للدراسة يحرم مس اللوح حتى لو كانت آية فقط على اللوح، ما تمسه مباشرة وأنت غير متطهر.

قال: ولو تصفح المحدث أو الجنب أو الحائض أوراق المصحف بعود ونحوه، ففيه وجه: تصفح أوراق بالعود ما فيه مشكلة. وقال: والصحيح أنه لا يجوز، ولو لفّ كمه على يده وتصفح بها، فالجمهور يقول يحرم بلا خلاف، وقيل لا يحرم وهو غلط.

قال: ولو كتب المحدث أو الجنب مصحفاً، إن كان يحمل الورقة أو يمسها حال الكتابة فهو حرام؛ فلو شخص وهو جنب يريد أن يكتب القرآن، إن كان سيحمل الورقة وهو يكتب فحرام، أما إذا كانت الورقة أمامه على الطاولة وهو فقط يكتب، فقالوا لا إشكال. وقال: وإن لم يحملها ولم يمسها ففيه ثلاثة أوجه، أصححها يجوز، والثاني لا يجوز، والثالث يجوز للمحدث لأن الكتابة ليست قراءة.

قال: فصل في حكم حمل المصحف بواسطة أو حائل. قال رحمه الله: إذا مس المحدث أو الجنب أو الحائض، أو حمل كتاباً من كتب الفقه أو غيره من العلوم وفيه آيات من القرآن، أو ثوباً مطرزاً بالقرآن، أو دراهم أو دنانير منقوشة به، أو حمل متاعاً في جملته مصحف، أو لمس الجدار أو الحلوى أو الخبز المنقوش بالقرآن، فالمذهب هو جواز هذا كله.

صراحةً أول مرة أعرف فيها خبزاً منقوشاً بالقرآن، شكله أهل دمشق كان عندكم قصص! قال: لأنه ليس بمصحف، وفيه وجه أنه حرام، وقيل إن كانت عمامة أو ثوباً حرم لبسها، والصواب الجواز.

أما كتب التفسير، فإن كان القرآن أكثر في كتاب التفسير، فإن كان القرآن أكثر من النص يجوز، وإن كان القرآن أقل من التفسير لا يجوز، أما إذا كانت كمية التفسير أكثر من القرآن فيعتبر كتاب تفسير فيجوز. وإن كان القرآن أكثر حرم مسها وحملها.

وإن كان التفسير أكثر ففيه ثلاثة أوجه أصححها: لا يحرم، والثاني يحرم، والثالث أن يكون القرآن متميزاً بخط غليظ أو حمرة أو نحوها فحرم، وإلا فلا. وكتب الحديث إن كان فيها قرآن فهي ككتب الفقه، وإن لم يكن جاز حملها للجنب، وإن لم يكن جاز مسها، والأولى أن يتطهر لها. ولا يحرم مس ما نسخت تلاوته كالشيخ والشيخة، وكذلك التوراة والإنجيل.

قال: فصل في حكم مس المصحف لمن عليه نجاسة. إذا كان على موضع من بدنه نجاسة غير معفو عنها حرم مس المصحف لذلك الموضع بلا خلاف؛ يعني لا يجوز إذا كان في مكان معين نجاسة من يدك أو ثوبك أن تضع المصحف على النجاسة مباشرة، بل تحمله بشرط ألا يكون في مكان النجاسة. وقال: ولا يحرم بغيره على الصحيح المشهور.

قال: فصل في حكم مس المصحف لفاقد الماء. من لم يجد الماء فتيمم، حيث يجوز له التيمم يجوز له مس المصحف، سواء تيمم للصلاة أو لغيرها. ومن لم يجد ماءً ولا تراباً يصلي على حاله ولا يمس المصحف. وإذا كان جنباً لا يقرأ. قال: ولو كان معه مصحف...

ولم يجد من يضعه إياه وعجز عن الوضوء، جاز له حمله للضرورة. قال القاضي: «أهذا مسه؟». ننتبه لها أحيانا، ممكن يكون يصير أمام ظرف أن المصحف ينتهك، تنتهك حرمته؛ والله ابنك داس عليه أو شيء وأنت محدث، إذا بتروح تتوضى وترجع، كون الموضوع انتهى هنا، قالوا هي ضرورات وحاجات يجوز أن تمس المصحف وأنت محدث فيها استنقاذًا للمصحف من التلف أو العبث، فيجوز أن تستنقذه ولو كنت محدثًا. قالوا: لأنه هذا مقدم على الطهارة في هذا حفظًا للمصحف.

نعم، قال القاضي أبو الطيب: «ولا يلزمه تيمم»، وفي قوله نظر، وينبغي أن يلزمه. قال: «ولو خاف حقيقة ينبغي أن يلزمه». أحيانًا قد لا يكون الظرف مساعدًا، يعني أنت مضطر لأن تعالج الموقف بشكل سريع، تريد أن تذهب لتتيمم فيُهان المصحف؛ فالذي يظهر أنه لا إشكال أن يستنقذوه.

قال: «ولو خاف على المصحف من حرق أو غرق أو نجاسة أو كافر أخذه مع الحدث للضرورة أخذه ولو كان محدثًا استنقاذًا له من التلف». فصل في حكم طهارة الصبي لمس المصحف: قال هل يجب على الولي والمعلم تكليف الصبي المميز طهارة المصحف واللوح؟ الذي قل: الصبي غير المميز ما يصير تعطيه مصحفًا، أما الصبي المميز سبع سنوات فصاعدًا يجوز أن تعطيه المصحف. طيب، هل يلزمني أن آمره بالوضوء؟ الصحيح أنه غير ملزم ولكن يوجه وينصح. نعم، قال فيه وجهان، نصحهما لا يلزمه.

قال رحمه الله تعالى: فصل في حكم بيع المصحف وشرائه. قال: لا يحرم عندنا بيع المصحف ولا شراؤه. مذهب الشافعية لا يحرم بيع المصحف ولا شراؤه، بخلاف مذهب الحنابلة؛ فعند الحنابلة يحرم بيع المصحف وشراؤه. وقال: «وقال بعض السلف يكره»، وقال بعضهم: «يكره البيع دون الشراء»، ونص الشافعي على كراهة البيع ووافقه بعض أصحابه. هو يقول لك خلافات طويلة، يعني بس اعرف أصل المسألة. وقال بعضهم لا يكره.

فهذا آخر ما قصدناه من هذا المختصر، والله الكريم أسأله أن يجعل النفع به من العلم الدائم المنتشر. وحسبي الله ونعم الوكيل، الحمد لله رب العالمين، وصلواته وسلامه الأكملان على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. آخر الكتاب، قال الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى: ابتدأ فيه يوم الخميس الثالث من شهر الربيع الآخر سنة ٦٦٠ هـ.

وهذا آخر مجلسنا لهذا اليوم، نحمد الله سبحانه وتعالى أن أعاننا على الجلوس إحدى عشرة ساعة متواصلة بحمد الله سبحانه وتعالى لقراءة هذه المصنفات. عليك أن تحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعم العظيمة، كما ابتدأ المجلس في صباح هذا اليوم الساعة العاشرة صباحًا، نختم قبيل الساعة العاشرة مساءً بحمد الله سبحانه وتعالى على نعمه وفضله.

وأدرك أن ربما كثيرًا من المعلومات قد فاتت بعضكم، وأدرك أن التركيز كان يتفاوت خلال المجلس، لكنني أردت أن أثبت لك أنك تستطيع أن تحضر مجالس العلم ولو لساعات طويلة، بغض النظر عن مستواك العلمي، بغض النظر عما آتاك الله من الساعة والوقت، أنت تستطيع، لكنك تحتاج إلى ماذا؟ تحتاج إلى البيئة الصالحة، وتحتاج إلى صناعة الدافع، وتحتاج إلى من يقودك إلى هذا الخير.

فدائمًا الإنسان أيها الشباب في زمن الفتن وبمثل هذه الأعاصير، إذا أراد أن يثبته الله على الدين فعليه بالبيئة الصالحة وبمجالس العلم النافع. أحيانًا قد يكون حضورك للمجلس من الناحية العلمية الفائدة محدودة، لكن لا تعرف كم هي البركات التي تنزلت على قلبك، وكم هو الثبات الذي آتاك الله إياه بعد حضور مجالس الهمم؛ فإن هذه المجالس فيها من البركات والطاعات. فلا يمكن أن يتركك الله عز وجل تخرج من هذا المجلس إذا صلحت نيتك بدون ثواب عظيم وبركة كبيرة تجدها في حياتك.

ولو بعد أن تخرج من هذا المجلس لأيام ستجد بركة هذا المجلس واستشعار كلما أتيت لتفعل خطأ أو معصية: «إنني فلان الذي جلس قبل يوم إحدى عشرة ساعة، معقول الآن أعصي الله سبحانه وتعالى على جوال أو أفعل شيئًا مما لا يرضيه عز وجل؟». فهذه المجالس أيها الكرام احرصوا على حضورها في حياتكم ولو لبركتها، فما بالك أنك حصلت على عشرين أو ثلاثين بالمئة؟ هذه المجالس كانت رحلة لأهل العلم يقصدونها ويبحثون عنها تبركًا بما فيها، فما بالك في مجلس يتكلم فيه عن القرآن وعن معاني القرآن وعن معالم القرآن؟ فهذه رحمة وبركة من بركات القرآن حلت علينا في هذا العام.

إن كان الناس يعصون الله عز وجل في مثل هذه المواسم، فنحن نتقرب إلى الله بطاعته، ونسأله سبحانه وتعالى أن يكون مجلسنا هذا فرجًا لقلوبنا من الذنوب والمعاصي، وأن يجعلها فرجًا لإخواننا من كرباتهم. وخير ما نختم به الدعاء في آخر هذا المجلس، فيدعو لنا الشيخ حسن إن شاء الله حتى نفترق على طاعة.

بالنسبة لموضوع الإجازات، الإجازات إخواني لمن أتم حضور المجالس كاملة، وأنا أعذر الأخوات اللواتي غادرن بعد السابعة والنصف لأن الخلل مني ليس منهن، لأني أعرف أن تأخر النساء لمثل هذه المواعيد صعب، فكل من غادر على السابعة والنصف وهذا كان سبب مغادرته، فنحن نجيز بإذن الله. أما ما قبل ذلك فنحن على الاتفاق، وإن شاء الله الشيخ عبد الرحمن يأتي بعد قليل ليعطي تعليمات الإجازة وكيف يتم توزيعها بسلاسة وهدوء.

لكن دعونا في الدقائق الأخيرة نخشع لربنا عز وجل، لعل الله عز وجل أن يجعل لقلوبنا فرجًا ومخرجًا من الفتن والشهوات والشبهات. بسم الله، بسم الله. اللهم لك الحمد، أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن. اللهم أنت الحق، ووعدك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق.

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يعز من عاديت، ولا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما قضيت، ولك الشكر على ما أنعمت به وأوليت.

نستغفرك اللهم من جميع الذنوب والخطايا ونتوب إليك. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبدا ما أبقيت، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا يا ربنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم إنا عبيدك، بنو عبيدك، بنو إماءك، نواصينا بيدك، ماض فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك.

نسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا. اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.

اللهم اغفر لشيخنا ولوالديه وارحمهما كما ربوه صغيرًا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولمن له حق علينا. اللهم انصر جندك الموحدين في غزة، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر حوزة الكافرين، اللهم عليك باليهود المجرمين، اللهم عليك بمن والاهم أجمعين، اللهم احصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تغادر منهم أحدًا.

اللهم أرنا في الظالمين عجائب قدرتك يا قوي يا متين، أرنا فيهم يومًا أسودًا تشف به صدور قوم مؤمنين. اللهم إنا نستودعك غزة؛ أرضها وسماءها، شيبها وشبابها، نساءها وأطفالها، أن تحفظهم بحفظك يا حفيظ، وأن تكلأهم برعايتك، اللهم احرسهم بعينك التي لا تنام.

اللهم اجعل بركة هذا المجلس فرجًا ونصرًا لأهلنا في غزة، اللهم انصر الموحدين من عبادك المسلمين في غزة، وفي السودان، وفي لبنان، وفي كل مكان يذكر فيه اسمك يا رب العالمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

لا يفوتني أن أشكر جميع من ساهم في إقامة هذا المجلس حقيقة من الإخوة والأخوات الأفاضل والفضليات، فإن هذه المجالس والاستمرار على هذه الحلقات العلمية بالتأكيد كان وراءه رجال مجهولون ونساء مجهولات ثوابهم عند الله سبحانه وتعالى لتجدوا هذا المكان بهذه الحلة.

أيضًا الإخوة الذين ساعدونا في الترتيب، الإخوة الذين على قسم التصوير: الشيخ حذيفة، الشيخ عبد الرحمن، الشيخ عمر. الإخوة الذين قرأوا: الشيخ أحمد، الشيخ سليمان، والشيخ عمر. كل الإخوة الذين وقفوا معنا حتى تجدوا هذه الحلة البهية وهذه الطلة الجميلة من أيام غراس، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزيهم عنا خير الجزاء، فإنما نحن بإخواننا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

ننتقل بالمايك للشيخ عبد الرحمن الحسن، والله يسهل دربهم إن شاء الله.