دخولتسجيل الدخول

إحكام الأحكام | مجلس 14 | (الحديث الحادي والثاني عشر) | معهد ملكة |

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصل وسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التاريخ على كتاب أحكام الأحكام للإمام الحافظ المحقق ابن دقيق العيد عليه رحمة الله تعالى. واليوم نشرع في باب من أبواب الطهارة، وهو باب الاستطابة.

والاستطابة أيها الكرام هي مرادفة في هذا المقام للاستنجاء. هي مرادفة للاستنجاء، فكأنه قال: باب الاستنجاء، يعني باب أحكام الاستنجاء. فالاستنجاء يسمى استطابة، لأن الاستطابة الألف والسين والتاء هي للطلب. فكان المعنى: باب الاستطابة، باب طلب الطيب، والمراد بالطيب هنا النزاهة من الأقذار تماما، يعني طلب طيب المكان؛ أي نظافته ونقاؤه ونزاهته من الأقذار.

وهذا الباب لاحظتم أن الحافظ عبد الغني المقدسي ذكره بعد ذكره لمجموعة من أحاديث الوضوء والمتعلقة بأحكامه، مع أن الأصل أن تقول الاستنجاء ينبغي أن يكون قبل أحكام الوضوء. لكنه مشى في هذا على صنيع البخاري عليه رحمة الله، فالبخاري ذكر أحاديث الوضوء ثم ذكر بعدها الأحاديث المتعلقة بالاستنجاء، وكانه بدأ بالأشرف. هكذا قال بعضهم، وكان هذا من باب البدء بالأشرف. وليس مقاصد العلماء في طريقة ترتيب المصنفات حقيقة تختلف؛ منهم من يقول: أبدأ بالوسيلة قبل الغاية، فيذكر الاستنجاء قبل أحكام الوضوء. ومنهم من يقول: لا، أنا أرید أن أبدأ بالأشرف ثم بالطريقة، فيبدأ بذكر أحاديث الوضوء مثلا قبل ذكر الاستنجاء والاستطابة. فهذه قضايا تصنيفية، وكل واحد قد ينظر إلى زاوية معينة أو طريقة معينة لا ينظر إليها الطرف الآخر. وما دام الموضوع اصطلاحيا فالباب سهل إن شاء الله.

هذا ذكر مجموعة من الأحاديث؛ الحديث الأول في هذا الباب هو حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». هذا أول حديث ذكره الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي في باب الاستطابة، وهو دعاء الدخول إلى الخلاء. ولاحظ اهتمام العلماء حتى في باب الفقهيات في باب الأذكار؛ ما لاحظ أن هذه القضية قضية ثانويّة، لا، يلاحظون حتى في عمدة الأحكام التي المفروض أن تذكر فيها أساس بناء الأحكام الفقهية، رأوا أن حديث دخول الخلاء أو دعاء دخول الخلاء من الأمور الأساسية، وليس من الأمور الهامشية كما يمكن أن يتوهم البعض أن قضايا الأذكار لا تنادي القضية. اهتمام الفقهاء رضوان الله عليهم؛ بدأنا كالعادة بذكر راوي الحديث.

طبعا هنا الحافظ عبد الغني المقدسي أيضا للفائده، الحافظ عبد الغني المقدسي أحيانا يذكر معاني الكلمات الغريبة أحيانا، يذكر معاني الكلمات الغريبة فلذلك هنا ذكر معنى الخبث قال: بضم الخاء والباء، وهو جمع خبيث. والخبائث قال: جمع خبيثة، استعاذ من ذكران الشياطين وإناثيهم، هذه سيكون لنا عودة إليها إن شاء الله.

نبدا الآن بقضية الصحابي كالعادة لأنه أول مرة يمر معنا، فهو أنس بن مالك أبو حمزة. أنس بن مالك وكنية أبو حمزة، وحمزه كما أنه يشعر أنه اسم من أسماء الأسد، لكنها أيضا اسم بقلة. حمزة اسم بقلة كان فيها لذعة، لما يذكر أنس بن مالك لماذا من الأمور التي كانت العرب تسمي الشخص حمزة أحيانا؟ يقول: ليس ملاحظة فقط معنى الأسد، أحيانا قد يكنى بأبي حمزة نسبة إلى هذه البقلة التي في طعمها نوع من الحدة. كيف نحن اليوم في عندنا بعض البقول اللي في طعمها حدة ممكن مثلا جرجير أو شيء، بتلاقي فيها نوع من اللذعة لما تأكلها، أو البقلة أو الجرجير ممكن يكون قريبة منها. المهم، فهو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام، بفتح الحاء والراء المهملتين. ولاحظ أنه ضبطه تفصيليا بفتح الحاء والراء المهملتين خشية من أن يلتبس باسم حزام، وهذا كان قبل التنقيط؛ فقبل التنقيط كان يخشى، بل حتى بعد التنقيط كما قلت الخوف من تغير شكل النقاط كان يخشى أن تختلط حزام بحرام، كون الفرق هو فقط النقطة من حيث الظاهر، النقطة التي على حرف الزاي. لكن يقولون حرام مشتهر في الأنصار، وحزام مشتهر في المهاجرين، هذه من الفروق التي ذكرها بعضهم. المهم أنصاري نجاري، أنصاري نسبة إلى الأنصار، وهو نجاري من بني النجار، وهم من الخزرج من بني النجار.

خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين. ونعم الخدمة أي والله التي خدمها هذا الصحابي الجليل النبي عليه الصلاة والسلام. خدم النبي عليه الصلاة والسلام عشر سنين وعمر، وولد له أولاد كثيرون، يقال ولد له ثمانون، ويقال ولد له ثمانية وسبعون ذكرا وابنتان، ما شاء الله. وكانت وفاته بالبصرة سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، وقيل سنة خمس وتسعين من الهجرة، وقيل كان سنة يوم مات سبعا بعد المئة. طبعا ابن عبد البر في الاستيعاب تكلم عن خمسة أقوال في سنه حين مات؛ فقيل كان عمره خمس بعد المئة، وقيل كان عمره سبع بعد المئة، وقيل غير ذلك، وقيل هي سبع بعد المئة، وقيل ثلاث بعد المئة، وقيل واحد بعد المئة، وقيل مئة واثنتان، وقيل تسع وتسعون يعني سنة مئة إلا واحد يعني تسع وتسعون سنة. فهذه الاقوال كلها ذكرها الحافظ ابن عبد البر عليه رحمه الله.

ثم قال: وقال أنس: أخبرتني ابنتي أمينة، له ابنة اسمها أمينة بالتصغير أنه دفن لصلبه إلى مقدم الحجاج، يعني إلى زمن قدوم الحجاج إلى البصرة، دفن لأنس بن مالك بضع وعشرون ومائة. الأولاد والاحفاد اللي لحق أنس بن مالك دفنهم منه كم؟ بضع وعشرون ومائة، يعني قرابه مئة وعشرة، مئة وخمسة عشر، عدد بهذه التقريبية ممن دفن من صلبه قبل أن يموت أنس، دفن أكثر من مئة من أولاده وأحفاده، ما شاء الله. وهذه بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا له بطول العمر والبركة فيه، ودعا له بالبركة في المال والولد.

طبعا أمه، أمه هي أم سليم الصحابية الجليلة المشهوره صاحبة الفقه والشجاعة والجراة والغيرة على دين الله سبحانه وتعالى. أم سليم كانت زوجة لوالده مالك بن النضر، انس بن مالك بن النضر، كانت زوجة لوالده ثم طلقت أو مات عنها والده فتزوجت من أبي طلحه. فكان أنس يعيش في جوار أبي طلحة. أبو طلحة إذا رايته في الاحاديث ليس والد أنس، لكن هو الذي ربى أنس بن مالك في حجره، وهو من فقهاء الصحابه رضوان الله عليه.

الان نعود نعلق على كلمة الخبث ولا نتركها إلى حين يأتي إليها، أتركها إلى حين يأتي إليها المصنف في الفائدة الرابعة. فنعلق على معناها مع ابن دقيق العيد يقول عليه رحمه الله: الكلام على هذا الحديث من وجوه. الوجه الأول: الاستطابة. الاستطابة هي ماذا هنا في هذا المفهوم؟ قلنا هي الاستنجاء، وبالتالي مفهومها الفقهي: إزالة الأذى عن المخرجين اللي هو القبل أو الدبر بحجر أو ماء. إزالة الأذى عن المخرجين بحجر أو ماء. وهذه العبارة كما يقول المناطقة هي مانعة خلو لا مانعة جمع. ايش يعني مانعة خلو لا مانعة جمع؟ يعني لا يجوز أن يخلو الاستنجاء من استعمال الماء أو الحجارة؛ طبعا الحجارة أو ما يقوم مقامها، لا يجوز أن يخلو الاستنجاء من استعمال إما هذا وإما هذا. لكن هل يجوز الجمع بينهما؟ إي نعم، بل هو الأولى، وهو أن تستعمل الحجارة أو ما قام مقامها ثم تستعمل بعد ذلك الماء. فهنا نقول: هذه عبارة مانعة خلو، لكنها لا تمنع من الجمع، لأن الجمع هو الأولى. وقال: وهو مأخوذ من الطيب، يقال: استطاب الرجل فهو مستطيب، وأطاب من السداس هنا، وأطاب ماذا؟ الرباعي فهو مطيب، فكلاهما يؤدي نفس المعنى وإن كانت الألف والسين والتاء تدل على معنى الطلب.

الفائدة الثانية: كلمة الخلاء. أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل الخلاء؛ الخلاء بالمد ممدود بالهمز، هو في الأصل ماذا؟ أصل كلمة الخلاء هو المكان الخالي، لذلك أن يطلق على الصحراء والفضاء والاماكن المفتوحة تسمى خلاء، وكانوا قديما يقصدونه للحاجه، ثم كثر حتى تجوز به عن غير ذلك، فحتى أصبح يطلق الخلاء حتى على الأماكن التي في البيوت ودورات المياه التي في بيوتنا والتي تستعمل لقضاء الحاجة. إذا هو في الأصل الخلاء هو المكان والفضاء الواسع في الصحاري، وكانوا في العادة يقصدونه لإخراج ما فيهم، ثم أصبح مجازا يطلق على كل مكان تقضى فيه الحاجة. فهذا معنى قوله: ثم كثر حتى تجوز به عن غير ذلك، وهذا يكون من باب إطلاق الخاص وإرادة العام؛ يعني الخلاء كان هو أحد الأماكن التي تقضى فيها الحاجات وهو في الفضاء، ثم أصبح يطلق الخلاء على كل مكان تقضى فيه الحاجة. فنقول: هذا من باب إطلاق الخاص وإرادة العام، أنه كان يطلق على مكان معين، ثم أصبح يطلق على كل الأماكن التي تقضى فيها. حال يسمونها خلاء على سبيل التجوز.

الفائدة الثالثة: قوله إذا دخل. الآن هذا يحتمل أن يراد بقوله: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء، يحتمل أن المراد: إذا أراد الدخول، فأطلق الدخول وأراد إرادته. كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: 98]. الآن هذه العبارة إذا أخذتها على ظاهرها، مثلا: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله، ماذا تفهم من ظاهرها بدون تقدير؟ أنه بعد أن تقرا القرآن استعذ بالله. فحتى ونحن معلوم لدينا أن الاستعاذة تكون قبل قراءة القرآن، فاحتجنا أن نقدر كلمة محذوفه دلالة اقتضاء حتى يصح اللفظ شرعا، فقدرنا كلمة: إذا أردت قرائة القرآن فاستعذ بالله، كلمة الإرادة.

فالاحتمال الأول أن هذا أيضا من هذا القبيل، وأن المراد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل يعني إذا كان إذا أراد دخول الخلاء. وهذا الاحتمال من الذي يذهب إليه؟ من يرى أن الدعاء دعاء دخول الخلاء لا يكون بعد دخوله، وإنما ينبغي أن يكون قبل الدخول أو على الأقل عنده. كما في قوله تعالى: إذا قرات القرآن.

قال: ويحتمل احتمال آخر أن يراد به إذا قرات القرآن، إذا دخلت الخلاء عند ابتداء دخولك، ويحتمل أن يراد به عند ابتداء الدخول، فإنك تقوله. وذكر الله سبحانه مستحب في ابتداء قضاء الحاجة، هو ذكر الله اللي هو يقصد بها هذا الدعاء: اللهم إني أعوذ بك والخبث والخبائث. هذا الذكر أو هذا الدعاء مستحب في ابتداء قضاء الحاجة، فإن كان المحل الذي تقضى فيه الحاجة غير معد لذلك، يعني مثلا إذا كنت في الصحراء وبدك تقضي الحاجة، فإنك يشرع أيضا أن تقول هذا الدعاء. قالوا: يقوله إذا وضع قدمه في المكان الذي سيقضي فيه حاجته. إذا كنت أنت في رحلة أو في صحراء أو في غابة وأردت أن تقضي الحاجة، هل يقال هذا الدعاء؟ أم هذا الدعاء خاص بالأماكن المعدة؟ هذه فائدة فقهية: هذا الدعاء ليس خاص بالأماكن المعدة دورات المياه اللي في المعدة لقضاء الحاجة اللي فيها مراحيض، بل أي مكان ستقضي فيه الحاجة حتى في الفضاء، فإنك تذكر فيه هذا الدعاء.

فقالوا: إذا كان الإنسان في صحراء وأراد أن يقضي حاجته، فيذكر هذا الدعاء إذا وضع قدمه في المكان الذي سيقضي فيه حاجته، لذلك قال: وذكر الله مستحب في ابتداء قضاء الحاجة. الآن سيقسم لك الأحوال: فإن كان المحل الذي تقضى فيه الحاجة غير معد لذلك؛ فضاء، صحراء، غابات، جاز ذكر الله في ذلك المكان لما تضع قدمك في ذلك المكان.

وإن كان معدا لذلك كالكنف، والكنف جمع كنيف، ويطلق على اليوم هي دورات المياه بمفهومها المعاصر؛ هنا المشكلة، قال: يعني الاشكال في قضية متى أذكر هذا الدعاء؟ قبل الدخول ولا أثناء الدخول ولا بعد الدخول؟ هذا ربما في الأماكن المفتوحة قد يعني لا يرد هذا الاشكال، وإنما خلاص تقول لما تضع قدمك في المكان الذي ستقضي فيه الحاجة، اذكر. الإشكال سياتي في الأماكن المعدة لقضاء الحاجة.

فقال: وإن كان معدا كالكنف، ففي جواز الذكر فيه خلاف بين الفقهاء. نعود إلى مسألة ذكر الله في الخلاء ما حكمه؟ أصحابنا الحنابلة معلوم الذين أنهم يقولون: يكره ذكر الله في الخلاء بلا حاجة، أليست هكذا ينصون؟ فهو يقول لك قال: فمن كرهه ومنهم الحنابلة، فهو محتاج إلى أن يؤول هذا الحديث: كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك، أن المراد به: كان إذا أراد الدخول، حتى يكون هذا الدعاء مذكورا قبل أن تلج إلى الدورة، لأنك أنت ترى أن الذكر داخل الخلاء مكروه، وبالتالي هذا الدعاء متى سيقال عندك؟ عند إرادة الدخول وليس بعد الدخول. قال: لماذا؟ لأن لفظ دخل أقوى في الدلالة على الكنف المبنية منها على المكان البراح. جميل هذا الكلام؛ شوف هو لاحظ كلمة دخل، أنت لما تروح تقضي حاجتك في صحراء أو في غابة، ما بروح أقول: فلان دخل ليقضي حاجته، شو بنحكي؟ فلان راح يقضي حاجته، صح؟ فيقول: كلمة دخل هنا تشعر أن الحديث يتكلم أساسا عن أي حالة؟ عن حالة الكنف، وأن قياس الفضاء عليها هو قياس.

ولكن أصل الحديث يتكلم عن دخول إذا نحن أصلاً نتكلم عن الكنف، طيب، لأن لفظ الدخل أقوى في الدلالة على الكنف المبنية منها على المكان البراح. طب هو لماذا أتى بهذه المقدمة؟ حتى يقول لك لماذا نحتاج أن نقدر كلمة إرادة؟ ما هو أنت الآن إذا قلت التقدير كان: إذا أراد دخول الخلاء، إرادة الدخول، أن تقول الدعاء عند إرادة الدخول وليس عند الدخول. هذا يتصور في الكنف، أما في الاماكن المفتوحة لا. ما هو كما قلنا فالعكس، أنت تقول هذا الدعاء لما تحط رجلك في المكان. ففهمتم الآن هو ماذا يبرر؟ هو يعني سيقال له: أنت لماذا ستقدر هذه الكلمة؟ كان: إذا أراد الدخول. طب ما هو الإنسان قد يقضي حاجته في الصحراء؟ أقول لك: أنا عارف أن الإنسان يقضي حاجته في الصحراء، وأنه في الصحراء إنما تقول الدعاء لما تحط رجلك في المكان. لكن هذا حديث الظاهر من سياقه أنه ما بيتكلم عن الصحراء، الظاهر من سياقه أنه يتكلم عن مكان معد لقضاء الحاجة بقرينه قوله: «إذا دخل». فما دام بيتكلم عن مكان معد لقضاء الحاجة، إذا لا مكان، لا إشكال أن أقُدر كلمة الإرادة، لا إشكال إذاً أن أقَدِم كلمة «إذا أراد الدخول»، ولا تقول لي طب في الصحراء أنت بتقوله مش إذا اردت الدخول بل تحط رجلك في المكان؟ نقول: الصحراء ليست هي مناط حديثه ابتداء، وإنما ستقاس قياساً، هذا ما يريد أن يقوله.

قال: أو لأنه قد تبين في حديث آخر المراد، حيث قال: «إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: بسم الله، اللهم نعوذ بك من الخبث والخبائث». آه، هو أخذ قرينة أخرى على أن المراد بالخلاء هنا المكان المعد لقضاء الحاجة. قال: يمكن ناخذها مش من قرينة الفعل دخل، ممكن ناخذ أن هذا الحديث يتكلم ابتداءً عن الكنف رواية أخرى أو حديث آخر يقول فيها عليه الصلاة والسلام: «إن هذه الحشوش» والحش اسم آخر للكنيف، الحش هو اسم آخر للكنيف. فيقول هناك النبي عليه الصلاة والسلام نص على ذكر الحشوش وأخبر أنها محظورة من الجن ومن شياطينهم، فلذلك أمرنا أن نقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. فهذا يدل على أن الكلام ابتداءً في الأماكن المعدة، وأن الكلام عن الصحراء والغابات ليس هو المقصود ابتداءً، وإنما يقاس قياساً، فلا يشكل علينا إذاً تقدير كلمة «إذا أراد الدخول»، لا تشكل عليك، طيب.

هذا كله من الذي سيحتاجه؟ من يرى أن ذكر الله في داخل الخلاء مكروه، ومنهم أصحابنا الحنابله. طيب، اي قال: واما من أجاز ذكر الله في هذا المكان الذي يرى أن ذكر الله داخل أي الكنف أو الحشوش هو مباح وليس مكروهاً فهذا لا يحتاج إلى تأويل، لأنه ماذا سيقول لك؟ سيقول لك: أنا أرى أن ذكر الله داخل الخلاء مباح، فهذا الحديث أحمله على ظاهره «إذا دخل» يعني عند الدخول أو بعد دخوله الخلاء يقول هذا الدعاء ولانه لا يرى مشكلة في ذكر الله في داخل الخلاء، هذا الطرف الآخر وسيحمل كلمة دخل على حقيقتها، يعني ليس على مجازها وهو احتياج كلمة مقدرة تقديرها أراده الدخول. طيب، لكن هنا يعني كأنه هناك نوع من الاعتراض الخفيف من الصنعاني على كلمة الحشوش، يقول الصنعاني: كلمة «إن هذه الحشوش محتضرة» يرى الصنعاني أن كلمة الحشوش هي ليست خاصة بالكنف، ليست مرادة في كلمة الكنف، بل يرى أن كلمة الحش هي كل مكان تقضي فيه الحاجة، سواء كان خلاء في صحراء أو كان مكان معد لقضاء الحاجة، فيقول: الاعتماد على كلمة الحش باعتبارها مرادفة لكلمه الكنف يعني ليست المعنى قوي، لأن الحش شامل للخلاء والفضاء وللكنيف المكان المعد، فلا يتبين في هذا الحديث أنه قطعا أَراد بها الكنف بالتحديد، يعني وهذا نوع من النقاش وإن كان كما يقول قد يكون كنوع من العرف أصبح أن الحش يطلق على المكان المعد لقضاء الحاجة يمكن.

الان، ماذا يقول في الفائدة التي بعدها؟ يقول: الرابع كلمة الخبث بضم الخاء والباء، أو ضم الباء والخاء، الخبث هي جمع ماذا؟ خبيث، تمام جمع خبيث، كما ذكر المصنف، من هو المصنف هنا؟ الحافظ عبد الغني المقدسي. وذكر الخطابي في أغاليط المحدثين روايتهم له بإسكان الباء خبث، الخطابي يعد هذا من أغلاط المحدثين، لكن ماذا يقول له ابن دقيق العيد؟ قال: ولا ينبغي أن يعد هذا خطا، لأن أي جمع على وزن فعل، فعال، يجوز تسكين عينه فيقال فعل على سبيل التخفيف، ولا يتعين أن يكون المراد بالخبث بسكون الباء ما لا يناسب المعنى، تمام، أن تحمل ساكن تمام على ما لا يناسب المعنى، بل يجوز أن يكون وهو ساكن الباء بمعناه وهو مضمون الباء، وإن خبث بضم بإسكان الباء هو نفس معنى خبوث بضمها والمعنى ذكران الشياطين، فيقول: بل يجوز أن يكون وهو ساكن الباء بمعناه وهو مضمون الباء. نعم، من حمله وهو ساكن الباء على ما لا يناسب فهو غالط في الحمل على هذا المعنى لا في اللفظ، لا في اللفظ. طب ما هو هذا المعنى الآخر الذي قد يكون مستقرا عند البعض؟ قالوا: الخبث أيضاً بإسكان الباء يجوز أن لا يكون تخفيف من خبث جمع، بل يجوز أن يكون الخبث هو مصدر والمراد به الشر، فيكون المعنى: اللهم إني أعوذك من الخبث، الخبث المراد به الشر أو المكروه، تمام، فبالتالي لا إشكال في هذا حقيقة، فقوله: ولا يتعين أن يكون المراد بالخبث بسكون الباء ما لا يناسب المعنى، هذا قد يكون اختيار من دقيق العيد أو لغيره، أن البعض يرى أن الخبث بإسكان الباء ذهبت إلى مصدر أصبحت مصدر وليس جمعاً ومعناها: أعوذ بك من الخبث يعني من الشر.

الآن هل هذا معنى غير مناسب؟ هو سؤال: هل هذا المعنى غير مناسب؟ هو حقيقة قد يراها البعض غير مناسب للسياق لكن البعض يراه مناسباً للسياق، فقوله: ولا يتعين أن يكون المراد بالخبث بسكون الباء ما لا يناسب المعنى هذا قد يكون اختيار من دقيق العيد أو لغيره أن البعض يرى أن الخبث باسكان الباء ذهبت إلى مصدر أصبحت مصدر وليس جمعا ومعناها اعوذ بك من الخبث يعني من الشر الآن هل هذا معنى غير مناسب هو سؤال هل هذا المعنى غير مناسب هو حقيقة قد يغراها البعض غير مناسب للسياق لكن البعض يراه مناسبا للسياق فقوله ولا يتعين أن يكون المراد بالخبث بسكون الباء ما لا يناسب المعنى نقول بل هو مناسب، بل هو مناسب. لذلك الحافظ ابن حجر يقول إنه يراد عند إرادة الأفراد بالخبث المكروه، أن يكون المراد به المكروه والشر. طيب، طبعا على وجهه نظري ابن دقيق هو ايش يقول له؟ يقول له: إذا قلنا أن هذا المعنى وهو أن نحمل الخبث على المعنى المصدري وهو الشر إذا كانت كنت ترى أن هذا المعنى غير مناسب للسياق فانت الغلط أنك حملت كلمة الخبث على هذا المعنى، لكن كلمة الخبث تحتمل المعنى الأول وهو معنى الجمعية وأنها مخففة من خبث فلذلك هذا معنى قوله: نعم من حمله وهو ساكن الباء على ما لا يناسب وهو معنى الشر مثلاً فهو غالط في الحمل على هذا المعنى لا في اللفظ، والا اللفظ هو صحيح ويكون خبث مخفف من خبث، بس نحن الآن كما تلاحظون أن هو ليس معنى خطا أصلا، معنى له وجاهة، وذكر الحافظ ابن حجر وجاهة هذا المعنى الآخر للخبث بإسكان الباء.

قال الخامس، المائدة الخامسة، قال أي طبعا الآن بدي أرجع لتفسير الخبث والخبيث اللي ذكرناه في أول الحديث الآن الخبث الخبث بضمتين، الخبث جمع خبيث قال وهو ذكران الشياطين، والخبائث على هذا جمع خبيثه وهم إناث الشياطين، فيكون استعاذة من ذكران الشياطين ومن إناثهم، يقولون: ولا يعلم تخصيص إناث الشياطين بالاستعاذه منهم إلا في هذا الحديث، يعني هل هناك حديث آخر استعيذ فيه من إناث الشياطين بالتحديد؟ قالوا: لا يعلم إلا في هذا الحديث والله أعلم. وأما على تسكين الخبث ونقول الخبث بالمعنى المصدري فيكون الخبث هو الشر والخبائث هي مطلق الأفعال المذمومة هكذا ذكر الحافظ ابن حجر، فيكون المعنى هنا: اللهم إني أعوذ بك من الخبث وهو الشر، ومن الخبائث وهي مطلق الأفعال المذمومة، مطلق الأفعال المذمومة تمام. والبعض يقول لا يقول الخبث هو الشر هذا قول آخر، والخبائث هم أهلها وهم ذكران الشياطين وإناثهم، فيكون استعاذة من الشر ومن أهله. إذاً من راى أن الخبث بإسكان الباء هي مصدر وأن معنى الشر اختلفوا في الخبائث، فمنهم من قال الخبائث هي الأفعال المذمومة، ومنهم من قال لا الخبائث هنا هم الدعاة إلى الشر وهذا يشمل ذكران الشياطين وإناثهم، فكانه استعاذ من ذكران الشياطين ومن إناثهم بكلمة الخبائث، فهذا إذاً استعاذة من الشر ومن أهله، استعاذة من الشر ومن أهله.

هنا الفائدة الختامية، قال الحديث الذي ذكرناه من قوله: «إن هذه الحشوش محتضرة»، الحديث الذي جعله قرينة قبل قليل نقول محتضرة من الجان والشياطين وهذا فيه بيان لمناسبه هذا الدعاء المخصوص لهذا المكان المخصوص. تمام، يعني هو في هناك نوع اختلاف بينهم، لماذا أمرنا بأن نقول هذا الدعاء؟ يعني ما هي العلة من قول لقول هذا الدعاء: اللهم نعوذ بك من الخبث والخبائث؟ الآن الظاهر من الرواية الأخرى أو من الحديث الآخر: «إن هذه الحشوش محتضرة»، كأن هذه العبارة: «إن هذه الحشوش محتضرة»، كأنها فيها إيماء إلى العلة أو نوع من التعليل غير، إذا قلنا أن تعليليه، تعليل غير صريح، ففيها نوع من التعليل غير الصريح، والمراد أن هذه الحشوش محتضرة فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل، أن مع الفاء، أن هذه الحشوش محتضرة، فإذاً الآن مع الفاء كان فيها إشارة إلى التعليل وهو تعليل بمسلك النص غير الصريح. ويمكن أن تجعله من مسلك الإيماء إذا قلنا إنه ذكر الوصف ثم أتبعه بالحكم، يمكن أن يجعل من هذا، فيفي إشارة أن هذه العلة هي الأظهر، أو أن علة هذا الذكر هو أن تحمي نفسك من ماذا؟ من الجن والشياطين التي تحضر في أماكن قضاء الحاجات، أن تحمي نفسك من أذاهم ومن شرهم.

يعني أظن أن لم يبق شيء يمكن أقوله الآن في هذا الحديث، المساحة الموجودة القضية أختم بها، وهي مناقشة مسألة ذكر الله في داخل الخلاء، نحن قلنا أنها مكروهة إلا لحاجة ومن هنا تاتي قضية ما يحصل في دورات المياه المعاصرة من أن تكون المغاسل التي فيها الوضوء هي داخل الكنيف، وهنا أنت بعد أن تقضي حاجتك وتستجمر تريد الوضوء، فهل يطلب من المتوضئ أو الذي يريد الوضوء أن يخرج من الغرفة أو من الكنيف فيقول بسم الله في الخارج ثم يلج، أم نقول أن هنا عمت البلوى بهذه القضية وكثرت المشقة بها، وقد يصبح في هناك نوع من الشعور بالاستهجان، إذا كان الشخص مثلاً كل شوي يخرج من دورة المياه مثلاً يدخل في أي دورة مياه خرج ثم يدخل ويغلق على نفسه الباب مرة أخرى، قد يكون مثلاً عند ضيوف، قد يكون في زيارات، قد يكون في أماكن عامة، فخروجه ثم ولوجه قد يكون شيء أيضاً فيه صعوبة على النفس. فهل نقول إن هنا للحاجة تزول الكراهة؟ فيقول: التسمية في داخل دورة المياه إذا أراد الوضوء.

الان أنت لاحظت بأنه في هناك أصلاً خلاف، البعض يقول: يكره ذكر الله في داخل الخلاء، والبعض يقول: مباح. من رأى كراهة ذكر الله وهم الحنابله بلا حاجة، قد نقول من الحاجة تكرار الوضوء صحيح، وكون المغاسل اليوم في داخل الكنف، فهذا من الحاجة المتكررة التي يصعب فيها أن تقول الإنسان دائماً اخرج في الخارج وقل بسم الله ثم ادخل، فقد يجوز استثناء أن نقول لك: لك أن تقول بسم الله في داخل الكنف للحاجة وعموم البلوى بهذه القضية.

نذهب الآن إلى الحديث الآخر. الحديث الآخر هو حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا». قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله.

الان يعني نبدأ تعريف الراوي قبل أن نعود الغائط، لأن هنا سنجد أيضاً أن الحافظ عبد الغني المقدسي أيضاً ذكر بعض المفردات معنى كلمة الغائط وهو المطمئن من الأرض ينتابونه للحاجة فكَنوا به عن نفس الحدث، يعني عن نفس الخارج من الإنسان، هنا الحدث بمعنى الخارج كراهية لذكره أي لذكر الخارج باسمه الخاص أنه اسمه مثلاً عذرة أو براز أو شيء من ذلك والمراحيض جمع مرحاض وهو المغتسل في الأصل ثم أصبح يطلق أيضاً على سبيل الكناية على موضع التخلي، طبعا كلمة الكناية هنا يحتاج إلى النظر ما الذي قصد بها؟ لأنه قد يستعمل البعض كلمة الكناية يقصد بها المجاز وليست الكناية بالمعنى البلاغي الدقيق، لأنه الكناية في المعنى البلاغي الدقيق تختلف عن معنى كلمة المجاز، فقد يكون أطلق الكناية هنا وأراد المجاز، يطلق كناية يعني مجازاً. راوي الحديث هو أبو أيوب الأنصاري واسمه خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة النجاري، إذا هو أيضاً نجاري، يعني مر معنا الآن اليوم صحابيان من بني النجار: أنس بن مالك من بني النجار، وأبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد من بني النجار، وهو الذي نزل النبي صلى الله عليه وسلم

الله عليه وسلم في منزله لما أراد أن يبني المسجد النبوي عندما نزلت ناقته في مربد لغلامين يتيمين من النجار، فرح أبو أيوب، فمباشرة ذهب إلى ناقة النبي عليه الصلاة والسلام وأخذ ما عليها من الأمتعة وأدخلها إلى بيته، فاغتبط بماذا؟ بضيافة النبي عليه الصلاة والسلام طوال فترة بناء المسجد وتعميره.

قال: شهد بدراً ومات في زمن يزيد بن معوية، طبعا هنا في خلاف حقيقة في موته. يعني البعض قال: مات في زمن يزيد بن معوية، وبالتالي يكون مات -طبعا هو مات في أرض الروم، وأرض الروم هنا إخواني هي تركيا المعاصرة- تركيا المعاصرة هي التي كانت تسمى قديماً أرض الروم، وفيها القسطنطينية. أبو أيوب الأنصاري أين مات؟ مات على أبواب القسطنطينية، لم تفتح طبعا في تلك الفترة، لكنه مات على أبوابها ودفن فيها، وكانت تسمى أرض الروم حتى في إلى آخر مئة سنة وهي تسمى أرض الروم، فلذلك كانوا يقولون وهو عالم جاء من أرض الروم، يقول: أرض الروم أنقرة إستانبول وما شابه ذلك، فكانت تسمى عندهم أرض الروم.

الآن، هل مات في زمن يزيد بن معوية أو مات في زمن معوية بن أبي سفيان نفسه بقيادة يزيد لما بعث معوية ابنه يزيد بجيش إلى القسطنطينية ليفتحها؟ تمام، هنا النقاش، ففي خلاف؛ قال خليفة بن خياط أحد المؤرخين: مات بأرض الروم سنة خمسين. الآن سنة خمسين يعني مشكل أن نقول: مات بأرض الروم سنة خمسين، ويكون ذلك في ماذا؟ في خلافة يزيد. يزيد لأنه وفاة معوية كانت سنة ستين هجري، وفاة معوية كانت سنة ستين هجري، فكيف تقول: ومات في زمن يزيد؟! لكن كلمة "زمن يزيد" ما المتبادر منها؟ زمن خلافته هذا المتبادر، زمن يزيد. طب بقول لك وتقول لي لما يأتي خليفة بن خياط يقول لك: مات بأرض الروم سنة خمسين، إذا هو إذا ذلك في زمن معوية، إذا قال ايش بعدها خليفة بن خياط؟ قال: وذلك في زمن معوية. هذا مش زمن يزيد، تمام! وقيل في سنة اثنتين وخسين، برضه هذا ما زال في زمن معوية بالقسطنطينية، وهي أرض الروم المقصود بها.

فاذا قلنا: مات في زمن يزيد، إذا أنت تتكلم عن تاريخ آخر لموت أبي أيوب، تتكلم أنه مات في تاريخ آخر، بده يكون مات بعد زمن ستين هجري، إذا في نوع من الخلاف، في هناك نوع من الخلاف. لكن الذي يظهر أن القضية تحتاج إلى إعادة تحرير، وأن الأشهر أنه مات في زمن معوية، وفي الجيش الذي أرسله معوية بقيادة يزيد لمحاولة فتح القسطنطينية. أقول: فلعل الذي قال مات في زمن يزيد لعله قصد مات تحت إمرة يزيد، شيء من هذا التأويل، وليس المراد زمن يزيد؛ يعني إيه في خلافة يزيد بن معوية.

ثم الكلام عليه من وجوه، قال: أبو أيوب الأنصاري اسمه خالد بن زيد بن كليب النجاري، شهد بدراً ومات في زمن -ناقشناها- نذهب إلى الكلمة الثانية أن نشرح في شرح الحديث، قال: «إذا أتيتم الغائط». الآن إخواني، الغائط هي مثله مثل كلمة الخلاء، كان لها مدلول ثم تطورت إلى مدلول آخر مع كثرة الاستعمال، وأصبح لها حقيقة عرفية.

نحن قبل قليل في الحديث السابق قلنا: الخلاء كان يطلق على ماذا في أصل الحقيقة اللغوية؟ المكان الواسع، وكانوا عادة ما يقصدونه لقضاء الحاجات، ثم أصبح يطلق الخلاء كحقيقة عرفية على ماذا؟ على كل مكان لقضاء الحاجة، سواء في البيوت أو في خارجها، من تمام إطلاق الخاص وإرادة العام.

الآن، كلمة الغائط، ما التطور الذي حصل في مدلولها؟ الأصل في كلمة الغائط أنها المكان المطمئن من الأرض، تمام، أصلها تطلق على المكان المطمئن من الأرض، وكان المراد بالمطمئن يعني كما قال هنا المكان الذي فيه نوع من السهولة والخفاء، بحيث يستطيع الإنسان أن يستتر فيه، ليس فقط دلالة المطمئن من الأرض دلالة الاستواء، لا، كأنه أيضا مكان فيه نوع من الانحدار بحيث يمكن الإنسان أن ينزل تحته ويستتر عن الناس، والله أعلم. كانوا ينتبذون لقضاء الحاجة، ثم بعد ذلك أصبح الغائط يطلق على ماذا؟ ثم أصبح الغائط يطلق بعد ذلك على النفس الخارج من الإنسان لمجاز علاقته المجاورة.

لكن الغائط يطلق على أي خارج؟ على البراز والبول ولا البراز فقط؟ الأشهر أنه يطلق على البراز فقط، صحيح! ولعل هذا الحديث يشهد لهذا، لأنه ماذا قال؟ «لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول»، إذا جعل البول مقابل للغائط، إذاً الغائط هو لا يطلق على كل خارج من القبل أو الدبر، لا، بل هو إنما يطلق حقيقة عرفية على ماذا؟ على الخارج من الدبر بالتحديد.

الآن، على سبيل التغليب هل يمكن أن يطلق على الخارج من القبل والدبر؟ يمكن، البعض استدل بقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6] قال: فإن المراد في آية الوضوء جاء من الغائط، سواء أخرج برازاً أو أخرج بولاً، لأنه هناك العودة من الغائط هي قد تكون من البراز أو البول وكلاهما توجب الوضوء. فهل نقول في آية المائدة لما أطلق الغائط، أطلق على سبيل التغليب، الغائط الذي هو البراز، وقصد به البول تَبَعاً على سبيل التغليب، فقوله أو جاء أحدكم من الغائط أي جاء من قضاء حاجته؟

أو قد يقول شخص في اعتقادي أن أو جاء منكم من الغائط، أن كلمة الغائط هي المعنى الحقيقي، وما هو المعنى الحقيقي للغائط؟ المطمئن من الأرض، فهنا يكون قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ أي عاد من المكان المطمئن، وفهم بالكناية أنه عاد من هذا المكان المطمئن بمعنى آه إذا هو قضى حاجته، فتكون كلمة الغائط هنا مش هي بمعنى البراز والبول، لا، هي بمعنى المكان المطمئن، وكني بها كناية عن ماذا؟ عن أنه قضى الحاجه فأخرج برازاً أو بولاً.

فهنا فعلا ستكون كناية حقيقية، أطلق المكان وأراد أثره. ما الفرق بين المجاز والكناية؟ هي فقط فائدة سريعة؛ في المجاز أنت تريد المعنى المجازي ولا يجوز أن تقصد المعنى الحقيقي، في الكناية أنت تقصد المعنى المجازي مع إرادة المعنى الحقيقي أو صحة إرادة المعنى الحقيقي. فهنا لو قلنا: أو جاء أحد منكم من الغائط، هل يجوز إرادة المعنى الحقيقي؟ نحن فاهمون أن المراد المعنى الذي بعد ذلك -يعني قضى حاجته- لكن هل هناك مانع أن يراد المعنى الحقيقي؟ لا مانع، فهذا نعم، هذا كناية، وتكون كلمة الغائط أريد بها معناها الحقيقي وهو المطمئن من الأرض، وكني بها بعد ذلك عن ايش؟ عن قضاء الحاجة. وقضاء الحاجة قد يكون ببراز أو بول، وإن كان العرب عموماً أيها الكرام يقولون: كانت إنما تذهب إلى المكان المطمئن في الأرض وتبتعد إليه للبراز، وأما بالنسبة للبول فكانوا يتساهلون فيه، فالنبي عليه الصلاة والسلام بال عند سباطة قوم، يعني كانوا يتخففون في البول ما لا يتخففون في البراز. فعادة ليش أصبح الغائط اللي هو المطمئن من الأرض حقيقة عرفية في البراز فقط؟ ليش يعني ما استعملناه للاثنين؟ تقول: لأن عادة العرب إنما كانت تذهب إلى المكان المطمئن للبراز، وأما البول فكان الأمر أسهل فيه وأخف، فكانوا يتنحى أحدهم عند منطقة معينة أو سباطة أو كذا، ما يحتاج أن يبعد فيقضي حاجته عندها، وهذا حصل مع النبي عليه الصلاة والسلام في أكثر من منطقة وأكثر من حديث، أنه جابر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يبول قائماً، هذا يدل على أن التشدد في الغائط البراز كان أكثر من الغائط البول، وبالتالي كانوا يذهبون إلى الغائط، فاصبحت كلمة الغائط مرتبطة في الذهن العربي بايش؟ بالبراز، فبالتالي اصبحت حقيقة عرفية في البراز، ويقابل بين الغائط وبين البول، اصبح يقابل بعد ذلك بين الغائط وبين البول، فمن الجيد أن تعرف هذه الانتقالات.

هذا الحديث قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول». كلمة الغائط تكررت مرتين، صحيح، ماذا يقول ابن دقيق العيد في الفائدة الثانية؟ يقول: إذا أتيتم الغائط، يقول: استعمل الغائط في قضاء الحاجة، كيف كان؟ لأن هذا الحكم عام في جميع صور قضاء الحاجة. هذا الحكم ماذا يقصد الحكم؟ النهي عن استقبال القبرة وعن استدبارها، هذا الحكم الوارد في الحديث، النهي عن استقبال القبلة واستدبارها يعم جميع صور قضاء الحاجة سواء كان براز ولا كان بول، يعني لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، هل هو خاص بالغائط بالبراز ولا يشمل البراز والبول؟ يشمل البراز والبول، فيقول: هذا الحكم عام في جميع صور قضاء الحاجة، إذاً قوله: إذا أتيتم الغائط المراد بالغائط قضاء الحاجة كيف كان، ايش يعني كيف كان؟ برازاً أو بولاً. قال: وهو إشارة إلى ما قدمناه من استعمال هذه اللفظة مجازاً.

لكن هنا الصنعاني حقيقة كان لديه نوع من المناقشة، يقول: كلمة الغائط هنا لا حاجة أصلاً لأن تقول إنها مجاز، لحال أن هنا كان ابن دقيق العيد ماذا يفهم؟ ابن دقيق العيد كأنه بيقول لك: إذا أتيتم الغائط، الأصل في الغائط هو قضاء الحاجة بالبراز، لكنها هنا أطلق الغائط على سبيل التغليب، المراد به البراز والبول. طيب لماذا حملت الغائط الأولى على المعنيين؟ يقول: لأن هذا الحكم المذكور هو للمعنيين، فلا بد أن أفسر كلمة الغائط الأولى بما يشمل البراز والبول.

فهنا يقول له الصنعاني: وأصلاً نحن لماذا نذهب إلى أن نقول كلمة الغائط هنا بمعناها المجازي؟ لماذا لا تبقى على معناها الحقيقي: إذا أتيتم الغائط، والغائط هو المكان المطمئن من الأرض؟ ممتاز، وهنا يعني أنا سأجاوب شوية الصنعاني إذا سمحتم لي وأقول: ما المانع أن تكون كلمة الغائط هنا استعملت استعمال كلمة الخلاء؟ وهو أن الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، ثم أصبح يطلق في هذا السياق على أي مكان تقضي فيه الحاجة، فهي هنا اسم مكان، وهذا المكان ليس هو في شرط أن يكون معناه الحقيقي وهو المطمئن من الأرض، بل يشمل الكنف، يشمل كما حصل في الخلاء، هسا الخلاء ايش كان؟ المكان الذي لا شيء فيه في الفضاء، ثم أصبح يطلق على كل مكان تقضى فيه الحاجة، فأقول: ما المانع أن نقول كلمة الغائط هنا هي الأصل صحيح المكان المطمئن من الأرض، لكنها أطلقها على أي مكان تقضى فيه الحاجة، فعاملها معاملة كلمة الخلاء كما حصل في الخلاء؟ هذا استعمال آخر، سيصبح كلمة الغائط من إطلاق الخاص وإرادة العام زي ما قلنا في الخلاء قبل.

وأما الغائط الذي هو بمعنى قضاء الحاجة الذي يطلق على الخارج وهو البراز، فهذا بقي على استعماله الحقيقة العرفية، لأنه قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط، فإن يكون الغائط الأولى المراد بها الخارج نفسه، بعيد! يعني إطلاق الغائط الأولى بمعنى الخارج نفسه البراز والبول، نفسه بعيد، صار في تكرار إذا أتيتم، وأصلاً يعني لا يقبله السياق، فلا بد أن تحمل كلمة الغائط هنا على ماذا؟ على المكان. ولكن المجاز الذي سأوافق عليه ابن دقيق العيد ليس المجاز وهو إطلاق الغائط اللي هو المكان ثم أصبح يطلق على الخارج، المجاز يجب أن يكون إطلاق الغائط على كل مكان تقضى فيه الحاجة ولو كان داخل البيوت والمنازل، مع أن الغائط هو في الأصل المكان المطمئن في الصحراء والذي كانوا يذهبون إليه ليغوطوا أو ليخرجوا الخارج.

فتفكر بطريقة أخرى، فقد أتفق مع أنه هنا في مجاز، بس مش المجاز اللي هو إطلاق الغائط على نفس الخارج، المجاز هو إطلاق الغائط على كل مكان تقضى فيه الحاجة. لكن ماذا سيعكر على صفو هذا المعنى؟ إطلاق الغائط على كل مكان تقضى فيه الحاجة فقه الحديث الذي سياتي معنا، الحكم أنه سيأتي معنا أن هذا الحكم: لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، عند أكثر أهل العلم حملوه فقط على ماذا؟ على المكان المفتوح وإذا لم يجد سترة كمان، صح؟ بالتالي نقل الغائط إلى معنى عام يشمل حتى الكنف لن يخدم هذا الرأي، سيخدم رأي فقهي آخر، بالتالي قد تقول: لا شيخ، خلي كلمة الغائط على معناها الحقيقي: مكان مطمئن من الأرض بعيد، وليس شاملاً للأماكن المعدة لقضاء الحاجة حتى نخرج من الإشكالات الفقهية التي سرد علينا، واضح؟

طيب، يعني أنا فقط أضع الاحتمالات ثم أنقض، ثم نضع ثم ننقض حتى تفكر كيف يمكن فعلاً أن تأتي أقوال وأنت تختار وما هو أنسب وأليق بالمقام.

يقول الثالث، نذهب إلى الحكم الثالث: الحديث دليل على المنع من استقبال القبلة واستدبارها، والفقهاء اختلفوا في هذا الحكم الحكم على مذاهب. الفقهاء اختلفوا في هذا الحكم على مذاهب، فمنهم من منع ذلك مطلقاً -سيتبدأ مناقشة الآن- الفكرة العامة للحديث أنها ينهى فيها عن ماذا؟ عن استقبال القبلة واستدبارها، لكن كيف تعامل الفقهاء مع هذا الحكم، استقبال القبلة واستدبارها داخل الغائط؟ قال: منهم من منع ذلك مطلقاً، هذا القول الفقهي الأول، مطلقاً أي سواء في الفضاء أو في الأماكن المعدة البنيان. وهؤلاء مشوا على ماذا؟ على مقتضى ظاهر هذا الحديث.

الآن نرجع نقول: إذا قلت مقتضى ظاهر هذا الحديث أنه يشمل البنيان والفضاء، سنقول: عن أي ظاهر تتحدث يا ابن دقيق العيد؟ الآن هو الآن عندنا إشكال احنا وياك في

مناقشة كلمة الغائط الأولى. فإذا حملنا، إذا أتيتم الغائط: الأماكن المطمئنة من الأرض في الفضاء، سيكون الحديث بظاهره لا يشمل البنيان إلا بنوع قياس. كان الحديث يقودك إلى: إذا أتيتم الغائط؛ وهي الأماكن المطمئنة من الأرض التي ترتادونها، وهذه في الصحاري والأماكن المفتوحة، فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا تستدبروها ولكن شرفوا. فهل يكون الحديث قد دل على البنيان بلفظه وظاهره؟ لا يدل على البنيان إلا بالقياس، أما لفظياً ما دل.

أما إذا فسرنا الغائط بأنها كل مكان تقضى فيه الحاجة، زيها زي الخلاء، سواء كان في الفضاء أو أماكن معدة لقضاء الحاجة، عندئذ نعم ممكن نوافقك أنه خلاص، إذا أتيتم الغائط، يعني إذا أتيتم أي مكان تقضون فيه حاجتكم، سواء في داخل البيوت أو في خارجها، فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها. صحيح، إذاً أنا في اعتقادي النقاش هو في تحديد دلالة كلمة الغائط. يعني هذه أمور أضيفها من باب أن يعرف الإنسان من أين تأتي الاحتمالات. هي كلمة الغائط هنا: أما أن تفسرها بمعناها الحقيقي البحت، وهو الأماكن المطمئنة من الأرض في الصحاري والفيافي والتي كانوا يقضون فيها الحاجات، فيكون في اعتقاد ظاهر الحديث بالعكس يتكلم فقط عن الأماكن الخارجية، وادخال البنيان سيكون بالقياس عليها، أن يقول شخص بنفي الفارق، القياس بنفي الفارق.

أما إذا تريد أن تقول لا، إن كلمة الغائط هنا فيها مجاز، بمعنى أن المراد بها كل مكان تقضى فيه الحاجة على سبيل المجاز، فيها سعة. إذا وافقتك على هذا المجاز، سيكون الحديث يدل على ماذا؟ على أنه في أي مكان تقضي الحاجة لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، وهذا سيؤيد أصحاب القول الأول، وهم الذين يرون أن هذا الحديث على اطلاقه في البنيان وفي غير البنيان يحرم استقبال القبلة واستدبارها. هذا القول الأول ذهب إليه جماعة.

طيب، أعود إلى مكاني. القول الثاني ماذا يقول؟ قال ومنهم بالعكس: من أجاز استقبال القبلة واستدبارها مطلقاً في البنيان وفي غيره، ورأى أن هذا الحديث منسوخ، ورأى أن هذا الحديث ايش؟ منسوخ. وزعم أن ناسخه من حديث مجاهد عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها. يستقبلها. فاعتبروا، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها، اعتبره ناسخاً لهذا الحديث.

طبعا حديث جابر هذا البعض يضعف سنده، البعض يضاعفه من حيث الإسناد. قالوا: ومن نقل عنه الترخيص في ذلك مطلقاً عروة بن الزبير الصحابي الجليل. هذا مذهب عروة بن الزبير من التابعين ومذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمن ربيعة الراي شيخ مالك بن أنس. فاعتبروا خلاص طريقتهم كانت في الجمع بين الأحاديث الحديث المعارضة، ما هي؟ النسخ.

القول الثالث: وهو المشهور من فرق بين الصحاري والبنيان. هو مشهور، لكن ابن تيمية وابن القيم على الرأي الأول مثلاً على المنع مطلقاً، لكن هذا القول الثالث مشهور مذهبنا، مذهب الشافعية وغيرهم من أهل العلم. منهم من فرق بين الصحاري والبنيان، فمنع في الصحاري وأجاز في البنيان. طب هؤلاء ما علتُهم؟ قال: بناء على أن ابن عمر روى حديثاً عن النبي عليه الصلاة والسلام يأتي ذكره بعد هذا الحديث، ذكره الحافظ عبد الغني المقدسي في عمدة الأحكام بعد هذا الحديث مباشرة. وكان الحافظ عبد الغني المقدسي يريد أن يعطيك يعني أوجه الجمع بين هذا الحديث وحديث ابن عمر؛ أنه رقى على بيت حفصة فرى النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة.

فالان ظاهر حديث ابن عمر يدل على ايش؟ على أن النبي عليه الصلاة والسلام في داخل البنيان، في دورة مياه، في خلاء داخل بيت حفصة، قدراً ابن عمر رآه يقضي حاجته وقد استدبر الكعبة. طبعا أنت ستقول لي هذا يدل على جواز الاستدبار بس ما يدل على جواز الاستقبال داخل البنيان؟ نقول حنا ومن وافقهم قاسوا الاستقبال على الاستدبار، فقالوا لا فرق بين الاستقبال وبين الاستدبار، وما دام ابن عمر شاهده يقضي حاجته في داخل البنيان مستدبر الكعبة، إذاً سيحمل هذا الحديث، حديث أبي أيوب الأنصاري هنا على الفضاء، ويحمل حديث ابن عمر على المكان المعد لقضاء الحاجة داخل البيوت على البنيان. يعني فحمل هؤلاء حديث أبي أيوب وما في معناه على الصحاري والأماكن المفتوحة، وحملوا حديث ابن عمر على البنيان.

وقد روي أيضاً، روى الحسن بن ذكوان عن مروان الأصفر قال: رايت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة. كان في السفر، نزل راحلته ووضع راحلته إيه وين؟ مستقبل بها القبلة حتى يعمل سترة بينه وبين القبلة، ثم جلس يبول إليها. يعني جاء تجاه راحلته. كيف حط جملة؟ كأنه نوع سترة بينه وبين القبلة وبول تجاه الراحلة، إذاً بول تجاه القبلة لكن مع وجود ساتر. فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ إذا مروان الأصفر بلغه حديث أبي أيوب أنه لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، فاستشكل أنه كيف أنت يا ابن عمر استقبلت القبلة؟ استقبلت؟ وهذا أحد أسباب أيضاً قياس الاستقبال على الاستدبار. يعني رواية حديث: رقيت يوماً على بيت حفصة فرأيت النبي عليه الصلاة والسلام يقضي حاجته مستدبر الكعبة.

يعني هي ليست فقط قياس للاستقبال على الاستدبار، بل هناك ما يؤيد أيضاً من فعل ابن عمر أنه استقبل. وهذا يدل على.. بس هنا هو السؤال، يعني هنا الإشكالية قضية مين اللي استقبل؟ هل النبي عليه الصلاة والسلام ولا ابن عمر؟ ابن عمر. ألا يمكن أن يكون هذا اجتهاد من ابن عمر أنه قاس الاستقبال على الاستدبار؟ فرجعنا نفس المربع، أنه هذا فهم ابن عمر أنه قاس الاستقبال على الاستدبار. فلما سأله مروان الأصفر: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإن كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا باس. اخرجه أبو داود.

وهذا ما رسى عليه مذهبنا: أن الإنسان إذا كان في بنيان أو ما هو في حكم البنيان.. ما الذي هو في حكم البنيان؟ أن تكون في الفضاء وأمامك سترة كما فعل ابن عمر، هذا يجعلك في حكم البنيان. فأصحابنا الحنابله اخذوا بحديث ابن عمر: رقيت على بيت حفصة ورأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة. أخذوا بحديث جابر: فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها، الحديث السابق أخذوه أيضاً بفهم ابن عمر للحديث هذا، وأن ابن عمر كان بلغه هذا الحديث، لكن ابن عمر حمل هذا الحديث على الفضاء عند عدم وجود ساتر، وحمل ما شاهده من فعل النبي عليه الصلاة والسلام على ماذا؟ على البنيان، وقاس الاستقبال على الاستدبار.

ستأتي مسألة أيها الكرام، ربما ناقشناها سابقاً، وهو أنه وهل يجوز.. هل يجوز أن نقبل تفسير الصحابي للحديث؟ تذكر ابن دقيق العيد ناقشها في شرح الإمام وقال: تفسير الصحابي للحديث على نوعين. النوع الأول: أن يعطي شرحاً للحديث يكون أحد محتملات اللفظ؛ زي ما مر معنا في حديث: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»، وفسر ابن عمر التفرق بالأبدان، فهذا لا إشكال أن يعتمد فيه على تفسير الراوي.

لكن إذا كان تفسير الصحابي لحديث عمل نسخ له أو تخصيص لعمومه، فهنا ابن دقيق العيد اختار الرفض. قال: أما إذا كان الراوي سينسخ الحديث أو يخصص، لا يقبل. لكن حقيقة تخصيص العموم بقول الصحابي هذا مذهب الحنابله ومذهب طائفة كبيرة من أهل العلم. يعني صحيح ابن دقيق العيد يرفضه، لكن نحن كحنابلة معتمد مذهبنا أن عموم الأحاديث، عموم الأحاديث يخصصه قول الصحابي. بس طبعا بقي أن تضبط ما معنى قول الصحابي؟ قول الصحابي هو ما قاله ولا يعرف له مخالف. ما قاله الصحابي ولا يعرف له.. ما وصل لدرجة إجماع سكوتي، لكن لا يعرف له مخالف.

فهل نقول إن ما فعله الحنابلة هنا أن ابن عمر خصص عموم هذا الحديث بإيه في حالة الصحراء؟ قال: هذا الحديث أحملوه فقط على الصحراء عند عدم وجود ساتر. وأما حديث: أنني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستدبر الكعبة، هذا أحملوه على حالة البنيان. كأن ابن عمر عمل لي تخصيص لهذا الحديث، فهل أقبل تخصيصه؟ علي أن أتأكد حتى أقبل تخصيصه: عدم وجود مخالف له من الصحابة. وهنا أقول: أخشى أن يكون فهم أبي أيوب الأنصاري يخالف فهم ابن عمر؛ لأنه أبو أيوب ماذا حصل؟ قال: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله. هنا بتشعر أنه أبو أيوب بالعكس، أبو أيوب حمل الحديث على عمومه؛ لأن المراحيض تكون في في البنيان وفي الأماكن المعدة لقضاء الحاجة. فأصبح عندي هنا فهمان متعارضان: فهم يخصص العموم، وهو فهم ابن عمر، وفهم يحافظ على العموم، وهو فهم أبي أيوب.

بالتالي أن تقول مستعجلاً أن هنا يحمل الحديث.. عموم الحديث يخص بقول الصحابي، نقول: قول الصحابي حتى يعمل به يشترط أن لا يعرف له مخالف، لأنه إذا عرف له مخالف، خلاص ساعتها يرجح بين أقوال الصحابة. فإذاً هنا أنت ستجد عندك إشكالاً؛ نقول: ظاهر ما فعله أبو أيوب أنه يرى التعميم ومشى عليه، وظاهر ما فعله ابن عمر أنه رأى التخصيص. بالتالي صعب أن تلزمني بالأن تقول أنا أخصص العم بقول الصحابي، نقول: حتى على مذهبك لا يصلح هذا، عليك أن ترى هنا خلاص صحابيان اختلفا، فعليك عليك أن ترى وتجتهد أيهما أوفق.

فهنا قد يقول البعض: ابن عمر يحمل كلامه أن عنده زيادة علم؛ عمر أنه ابن عمر واضح أنه عارف هذا الحديث، لكن عنده زيادة علم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة يقضي حاجته مستدبر الكعبة. تمام، فما دام ابن عمر عنده زيادة علم، قد نرجح فهم ابن عمر نرجح فهم ابن عمر على فهم أبي أيوب الأنصاري. ها، نرجح فهمه على فهم أبي أيوب وليس مباشرة نقول والله أخذنا بماذا؟ أن قول الصحابي يخصص العموم. هنا الصحابي الظاهر أن خالفه غيره، فليس فهم ابن عمر مقدم على فهم أبي أيوب من المحافظة على العموم.

فالقضية ستصبح ترجيحاً، فنقول هنا قد يرجح فهم ابن عمر لفهم أبي أيوب من خلال ما ورد لنا من أن ابن عمر لعل عنده زيادة علم لم تصل إلى أبي أيوب الأنصاري رحمه الله. لكن يبقى إشكال أيضاً أنه ابن عمر يعني لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام هو مجرد رأى، فقد يقول قائل: النبي عليه الصلاة والسلام لم يتقصد أن يري ابن عمر هذه الصورة؛ يعني ابن عمر رأى النبي عليه الصلاة والسلام قدراً وهو في بيت حفصة يقضي حاجته مستدبر، ولكن هل النبي عليه الصلاة والسلام كان مبرز نفسه قصدا؟ هل كان.. طب لو كان يريد أن يعلم الصحابه لفعل ذلك في مكان مفتوح ظاهر حتى ياخذوا.. هي الفكرة.

فأنت يا ابن عمر الله يرضى عنك، أنت أخذتها قدراً مع أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يتقصد إظهارها، فهنا تبدأ احتمالية وجود الخصائص: أن هذا من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام باعتبار أنه عليه الصلاة والسلام نقي مطاع، يعني تبدأ فكرة الخصائص واحتمالية دخولها. فهذه كلها إشكالات جعلت كما قلت لك كبار من المحققين يرون أنه ليس بالضرورة أن يكونوا هذا المذهب الصحيح. يعني دائماً بشوف ابن تيمية وابن القيم وكذا اختاروا طريقة أخرى، فاعلم أنه هناك يعني عقبات وأمور في استدلالك بدك تحلها؛ أن هؤلاء محققون فأخذهم، فترك ابن تيمية المعتمد من الرواية المعتمدة وأخذوا الرواية الأخرى. هي رواية أخرى في المذهب قضية المنع مطلقاً، هي رواية أخرى عند الحنابلة. إذاً دلالة أنه يراها أقوى من حيث الاستدلال، وأن كل ما وصل إليه ابن عمر لا يعدو أن يكون نوع من الاجتهاد الذي يصادمه اجتهاد آخر وهو اجتهاد أبي أيوب الأنصاري. فالمحافظة على ظاهر اللفظ، مثلاً إذا قلنا أن كلمة الغائط تشمل كل أماكن قضاء الحاجة وظاهر اللفظ يدل على المنع مطلقاً ويعضده فهم أبي أيوب، يراه طائفة هو الأولى والأقل أو الالزم، بل هو الألزم والأولى اتباعه.

لذلك ماذا قالوها؟ قال: واعلم أن حمل حديث أبي أيوب على الصحاري فقط دون البنيان هو مخالف لما حمله عليه أبو أيوب نفسه من العموم؛ فانه قال: فاتينا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة فننحرف عنها. فراى النهي عاما. إذاً هو نفسه رأى ماذا؟ عاماً أبو أيوب. فإذاً هنا صحابي فهمه يقابل فهم صحابي آخر.

هناك يعني نقاشات أكثر، وهو أن ابن عمر أيضاً كأن عنده نوع من التوسع أكثر في فهم الحديث. يعني نلاحظ أن ابن عمر في التعليل السابق لما قيل له مروان الأصفر أنه أنت لماذا قضيت حاجتك مستقبل في الصحراء؟ قال: أن ذلك في البنيان، أن ابن عمر طور الدلالة أكثر وأكثر ورأى أنه حتى في الصحاري إذا كان هناك حاجز فإن هذا في حكم البنيان. وهذا أيضاً من اجتهادات ابن عمر، يعني نحن لا نملك حديثاً واضحاً عن النبي عليه الصلاة والسلام يؤكد هذه الفكرة.

ممتاز، فإذاً ابن عمر الله يرضى عنه له فهم لهذا الحديث خصص به عمومه بناءً على ما رآه بعينه. ثانيا: وسع هذه الدلالة حتى تشمل أيضاً ماذا؟ صورة الصحاري والفضاء إذا كان هناك حاجز، وكأن رأى أن العبرة بالبنيان ليس أنه بنيان متكامل، العبرة وجود الحاجز المصنوع بينك وبين القبلة. فإذا وضعت حاجز ولو في الصحراء حققت المطلوب، وهذا نوع كانه نوع من تحقيق مناط، كأنه عفو تنقيح مناط.

مش تنقيح مناط، له ما هي العلة؟ هي العلة البنيان باعتبارها بنيان ولا باعتباره حاجزا؟

فابن عمر باجتهاده رأى أن العلة وجود الحاجزية، وهذه يمكن تحقيقها في الصحراء بأن أضع حاجزا. فعمل نوع من تنقيح المناط ليصل إلى العلة التي تكون أنسب في هذا السياق.

يقول هنا في الفائدة الرابعة: اختلفوا في علة هذا النهي من حيث المعنى. والظاهر أنه لإظهار الاحترام والتعظيم للقبلة؛ لأنه معنى مناسب، ورد الحكم على وفقه، فيكون علة له.

الان ايش هو يقول لك؟ لو أردنا أن نأخذ ما هي العلة هنا؟ إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ما علة النهي؟ الان بغض النظر أنا بغض النظر هل النهي في الصحراء والبنيان أو داخل البنيان فقط؟ بغض النظر هذا الحديث كله ما علته؟ ما علته؟ قال: علته هو تعظيم جهة القبلة، لذلك نهي عن استقبالها واستدبارها. من أين أخذت هذا المعنى؟ يقول لك: هذا أولا معنى مناسب، والحديث أوما إليه هنا في مسلك إيماء.

ما هو مسلك الإيماء؟ أنه علق الحكم على القبلة، لما أقول لك أنا أكرم الفقراء، شو بتفهم؟ لماذا أكرمهم؟ أو أعطي الفقراء، لماذا أعطيهم؟ لفقرهم، صح؟ تعليق الحكم على وصف يصلح أن يكون مناسبا للتعليل، فلما قال: «لا تستقبلوا القبلة»، القبلة هنا فيها معنى الوصف أو شبه الوصف المناسب للتعليل؛ صحيح؟ لأنه علق النهي عن الاستقبال على ماذا؟ على القبلة. لا تستقبل القبلة، تعليق النهي عن الاستقبال والاستدبار عليها يدل على أنه هي الوصف المناسب، وهي أنها جهة معظمة. فلذلك ماذا قال؟ قال: لأنه معنى مناسب، ورد الحكم على وفقه فيكون علة له.

وأقوى من هذا في الدلالة على هذا التعليل ما روي من حديث عن سراقة بن مالك: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله فلا يستقبل القبلة». قال: وهذا ظاهر قوي في التعليل بما ذكرناه أنه ايش يقول؟ فليكرم قبلة الله. إذا هذا بالعكس، هذا يقوي ويؤكد أن المقصود هو ماذا؟ تعظيم القبلة من أن يتم استقبالها بهذه الأمور غير المحببة.

قال: ومنهم من علل بعلة بأمر آخر، أنه مش الموضوع لا تعظيم القبلة بحد ذاتها؛ فذكر عيسى بن أبي عيسى قال: قلت للشعبي، وفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة: عجبت لقول أبي هريرة ونافع عن ابن عمر. قال: وما قال؟ قلت: قال أبو هريرة: لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها. وقال نافع عن ابن عمر: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ذهب مذهبا مواجه القبلة. ذهب مذهبا يعني قضى حاجته، ذهب مذهبا أي ذهب ليقضي حاجته مواجه القبلة، هكذا يرى ابن عمر.

قال: أما قول أبي هريرة فالآن يعني كان الشعبي يحاول أن يجمع لعيسى بن أبي عيسى بين أبو هريرة الذي يروي لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، وفي بعض الروايات أنه حديث لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها كما روي عن أبي أيوب، رواه أيضا مين؟ أبو هريرة، هذا الحديث رواه أبو هريرة أيضا: لا تستقبلوا ولا تستدبروها. لكن ابن عمر ما زال مصر على ماذا؟ على ما راى في بيت حفصة: النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة.

فهنا الشعبي ماذا يقول؟ يقول: أما قول أبي هريرة ففي الصحراء. ليه؟ هذا موطن الشاهد. قال: لأن الله خلق من عباده يصلون في الصحراء، فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم. إذا على هذا ايش علة عدم استقبال القبلة واستدبارها؟ مش تعظيم القبلة، على هذا العلة هي احترام هؤلاء الذين يصلون لله في الصحراء من الجن المؤمن، تمام، من الجن المؤمن، وقد يكون من صالح الملائكة، الله أعلم. فهو إذا ليس من جهة تعظيم جهة القبلة بالتحديد، بل من جهة توقير واحترام الذين يصلون باتجاه القبلة من مؤمني الجن وغيرهم من المخلوقات التي لا يعلم بها إلا الله. أصبحت فكرة أخرى!

إذا على التحليل الأول النهي هو من أجل تعظيم عين القبلة. على التحليل الثاني النهي من أجل احترام المصلين الذين يصلون تجاهها من صالح الجن والمخلوقات الأخرى. فقالوا: أما بيوتكم هذه التي تتخذونها للنتن فإنها لا قبلة لها. لا قبلة لها يعني باعتبار أنها ايش؟ في حواجز وفي ستور، فليس لها يعني هي ليس لها في حكم القبلة، يعني لا يعتبر لها أحكام القبلة كما تعتبر أحكام القبلة في الصحاري والأماكن المفتوحة.

طبعا المشكلة أن عيسى بن أبي عيسى هذا ضعيف، وغايته في النهاية أن الشعبي حلل واجتهد، قد يكون في هذا الاجتهاد. فان قيل: هذا ليس من مساحات الاجتهاد، والشعبي إذا كان تابعيا هذا ليس من مساحات الاجتهاد، من أين أتى الشعبي بأن لله في الأرض ناس تصلي؟ فالبعض يقول: إما من اجتهاده، وقد يكون هذا من ماذا؟ قال: وقد يكون هذا مما أخذه الشعبي عن أهل الكتاب، لأنه في النهاية الشعبي ليس صحابيا حتى نعطي الموقوف حكما مرفوعا، والصحيح أن التابعي إذا قال ما ليس فيه اجتهاد فالأصل أن نعطي حكم المرفوع، بل نقول: لعله أخذه من أهل الكتاب وشيء من ذلك، أما الصحابي فالأمر فيه أنه إذا قال شيئا لا مجال للاجتهاد فيه ولم يكن يأخذ من أهل الكتاب يأخذ حكم مرفوع.

إذا ظهر لنا أنه في هناك اختلاف في ماذا؟ في التعليل. قال: وينبني على هذا الخلاف، ينبني على هذا الخلاف في التعليل اختلافهم فيما إذا كان في الصحراء فاستتر بساتر بشيء، هل يجوز الاستقبال والاستدبار أم لا؟ فالتعليل باحترام القبلة إذا قلنا التعليل هو احترام القبلة فهذا يقتضي المنع من أن تستقبل وتستدبر حتى في الصحراء، ليه؟ لأنه في النهاية حتى لو وضعت ساترا، يعني إذا قلنا عله هذا الحكم كله هو احترام القبلة، فحتى لو وضعت ساترا في الصحراء المشكلة ما زالت قائمة وهي أنك استقبلت القبلة واستدبرتها، يعني وضع حاجز لا ينهي قضية تعظيم جهة القبلة، وهؤلاء هم الذين يرون الأصل أنه حتى البنيان ما بزبط، أنه حتى لو في بنيان أنت ما زلت مستقبل ومستدبر.

وأما التعليل برؤية المصلين أو احترام المصلين، أنه أنت لما تكون في الصحراء ومكان مفتوح وما حطيت حاجز، فإذا لم تضع حاجز ممكن أنت الآن عم تبول باتجاه القبلة وفي أمامك أو خلفك رجل من صالحي الجن يصلي، فانت ما احترمته للرجل، أنت شايف الجن؟ لا. فلما تكون في الصحراء مش حاط حاجز وهذا الحال بده يكون نوعا ما قريب، زي ما قلنا لأنه قال: قد يكون احتمال أن هناك أحد من صالح الجن أمامك أو وراك عم يكشفك، وهو عم بصلي فانت لم تحترمه وأعطيته مساحة أن يراك. بالتالي إذا قلنا التعليل هي برؤية المصلين من صالح الجن فهنا نقول: إذا وضعت ساترا في الصحراء حليت المشكلة، طبعا هذا الساتر بيكون أمامك إذا كنت مستقبل القبلة، وهذا الساتر بده يكون وراك إذا كنت مستدبر القبلة، صح؟ يعني إذا كانت أنا مستدبر القبلة معطيها ظهري الساتر شو الفائدة يكون أمامي؟ وأنا بدي إياه بيني وبين القبلة، فإذا كنت أنت الكعبة وراك أنت بدك بتحط الساتر وراء، وإذا كانت الكعبة أمامك بده يكون الساتر أمامك، تمام. أما يكون الساتر أمامي والكعبة وراي ومع هيك استدبرت ما استفدت حاجة.

الفائدة الخامسة: إذا تحديد ما هي العلة، هل هي احترام المصلين ولا احترام القبلة؟ سيؤثر في فهم قضية التعليل، هل وضع الحاجز سيؤثر ولا لا؟

خامسا: قول إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا... الحديث يقتضي أمرين؛ أحدهما ممنوع منه، والثاني علة لذلك المنع. وقد تكلمنا على العلة التي هي هل هي تعظيم القبلة ولا تعظيم المصلين أو احترام المصلين، والكلام الآن على محل العلة، الذي هو نوع من تحقيق المناط. العلة هي العلة، وهي أي تعظيم القبلة أو احترام المصلين، أين محلها؟ هل محلها في البول والغائط، ولا محلها ومشكلتها في كشف العورة؟

يعني أنت الآن عم تنقلنا من مربع لمربع، الآن إذا قلنا أن العلة –ها خلينا نطلع نرسمها على الشاشة حتى الأخوة يكونوا مركزين معنا– الآن نقول: العلة هل هي تعظيم القبلة ولا احترام المصلين من الجن وغيرهم؟ هذا نقاش في العلة نفسها هي هي ولا هي، الآن نقاش في محل العلة. يعني تعظيم القبلة وعدم تعظيمها هل هو يكون في موضوع الخارج منك البول أو البراز أنه من عدم تعظيمها أن يكون بول أو براز تجاهها، أو قضية تعظيم القبلة في قضية انكشاف العورة تجاهها حتى لو ما طلع منك حاجة؟ أنه عيب وليس من الأدب ولا من الأخلاق أن تنكشف العورة تجاه القبلة من القبل والدبر. ونفس الشيء هنا بالنسبة لاحترام المصلين: هل هي المشكلة في البول أو البراز أنه ليس من الاحترام أن يظهر بول أو براز أمامهم، ولا قضية ماذا؟ انكشاف العورة أمامهم. فهمتم إذن ما هو محل العلة؟

إذا النقاش أولا كان في العلة، أولا نحددها. بعد ما نحدد العلة سنناقش هي وين مشكلة؟ أين يكون عدم الاحترام أو التعظيم؟ وين بيكون؟ هل يكون في قضية المواجهة بالبراز والبول ولا بقضية انكشاف العورات؟ سواء هنا أو هنا ستناقش في نفس البعد، واضح؟

فيقول ماذا هنا؟ فيقول: تكلمنا عن العلة والكلام الآن على محلها، أين يتحقق تحقيق مناط العلة هنا في هذه الصور؟ والحديث دل على المنع من استقبالها لغائط أو بول، وهذه الحالة تتضمن أمرين لما قال لك: «لا تستقبلوا بغائط أو بول»: تتضمن خروج الخارج المستقذر، اللي هو البراز أو البول، وتتضمن ثانيا: كشف العورة. فمن الناس من قال: المنع أو الإشكال هو بسبب الخارج نفسه لمناسبته لتعظيم القبلة، يعني أن نصون القبلة عنه، نصون القبلة من أن يكون في بول أو براز تجاهها. فمن علل بالخارج، أو عف، عفوا، كأن, ومنهم من قال: لا، العلة هي محل العلة هو المنع من انكشاف العورة تجاه القبلة.

قال: وينبني على هذا الخلاف فوائد، مثلا منها: خلافهم في جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة. هل يباح للإنسان أن يطا زوجته باتجاه القبلة؟ إذا قلنا المشكلة هي انكشاف العورة مش الخارج نفسه، فرح نقول لك أيضا ما بيصير أنك تطا زوجتك وأنت عاري مكشوف تجاه القبلة؛ لأنه علة انكشاف العورة كما هي موجودة هنا موجودة في من يطا زوجته وهو منكشف تجاه القبلة، أساس يكون حراما. قال: إذ لا خارج في الوطء، هو في شيء يخرج منك من بول أو غائط؟

ومن علل بالعوره منعه. ها، من علل بالخارج، من قال: العلة هي الخارج، اللي هو البول أو البراز؟ قال: إذا في مشكلة أن يطا الإنسان زوجته في اتجاه القبلة، ممكن يكون أدبيا فقط يتجنبها ليس أكثر، بس ما في أي تحريم، ليه؟ لأنه هي المشكلة هنا في هذا الحديث هي فقط وجود البول أو البراز وليس انكشاف العورات، بالتالي لك أن تطا زوجتك تجاه القبلة وإن كان أدبيا يفضل عدم ذلك.

ومن علل الإشكالية هنا بانكشاف العورة، فاذا قال بالحرمة بسبب انكشاف العورة تجاه القبلة سيقول إذا بحرمة الوطء للزوجة عاريا تجاه القبلة مستقبلا لها ومستدبرا، حتى تضطرد الأقوال. شفتم كيف إخواني؟ كيف كل قضية تحتاج أنك تضطرد فيها حتى يكون كلامك متناسقا.

الفائدة السادسة: ماذا يقول؟ قال: الغائط في الأصل هو المكان المطمئن من الأرض، كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة، ثم استعمل في نفس الخارج. نحن عرفنا طبعا أن الخارج هنا يجب أن يكون هو فقط البراز مش البول، وغلب هذا الاستعمال على الحقيقة الوضعية، فصار حقيقة عرفية، وهذا من المجازات التي تحولت لحقيقة عرفية، زي ما حكينا في القواعد الفقهية: إطلاق الغائط على البراز هذا من المجازات التي لم تطق بقي مجاز، بل تطور حتى أصبح حقيقة عرفية. والحديث يقتضي أن اسم الغائط لا ينطلق على البول، وهذا الصواب حقيقة، أنه قال: «لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول»، فجعلهما متقابلين لتففرقته بينهما.

وقد تكلموا في أن قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6]، هل يتناول الريح مثلا أو البول أم لا؟ بناء على أنه يخصص لفظ الغائط بما كانت العادة أن يقصد لأجله، وهو الخارج من الدبر البراز، ولم يكونوا يقصدون الغائط، يعني العرب ما كانت تذهب للمكان المطمئن من الأرض مشان يخرج ريح مثلا، أو حتى كما قلت، أو حتى البول ما كان يذهب للمكان المطمئن يبعد من أجل يبول، بالتالي إطلاق الغائط على البراز هو الأقرب إلى صنيعهم، أو يقال إنه مستعمل في ما كان يقع عند قصدكم الغائط من الخارج من القبر أو الدبر كيف كان.

كما قلت لك، يعني هو يقول لك: هل نحمل الآية هنا على الغائط باطلاقها؟ كما قلت، الذي يظهر أن هذه الآية نفسها فيها نوع كناية، وأنه أطلق الغائط على المكان وأريد به، ها، وأريد به ما يخرج في هذا المكان من البراز ابتداء، ومن البول على سبيل التغليب، كأنه: نعم، أو جاء أحد منكم من الغائط. قصد بالغائط المكان المطمئن، ويمكن أن تقول إنه قصد بالغائط كل مكان تقضى فيه الحاجة على ما فهمناه في هذا الحديث: أو جاء أحد منكم من الغائط، إما المكان المطمئن، أو ما هو أعم: كل مكان تقضى فيه الحاجة، وقصد بقضاء الحاجة هنا ما يشمل.

البراز والبول، وليس فقط البراز، فهذا قد يكون فيه نوع من التغذية في هذه القضية، وإلا يهمني أن تعرف أن الأصل في الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، وأصبح يطلق على البراز بالتحديد؛ لأن البراز هو الذي كان يفعل عادة في الغائط.

قوله ولكن شرقوا أو غربوا، هذه العبارة قالوا هذه محمولة ليس لكل الناس؛ لأن التشريق أو التغريب هذا لمن كانت قبلته ليست في جهة الشرق ولا في جهة الغرب، أما لو كان شخص يقيم بيته شرق مكة فهذا إذا شرق أو غرب فهذا سيستقبل القبلة ويستدبرها، فهذا الحديث كان مخاطبة للصحابة بالمدينة، والمدينة تقع شمال مكة، فالتشريق أو التغريب لا يجعلك مستقبل القبلة ولا مستدبرها، وأما من كان يسكن في شرق مكة أو غربها فهذا ماذا ستنقول له؟ شملوا أو جنبوا توجه جهة الشمال أو الجنوب هكذا ستنقول له.

فهذا شوف يدل لك على فهم العلماء لهذه القضايا، وأنه هي اللفظة ليست مقصودة لذاتها هنا، فهمك للحديث خلاك تدرك أن هي اللفظة ليست مقصودة لذاتها هنا، قال محمول على محل يكون التشريق والتغريب فيه مخالفا لاستقبال القبلة واستدبارها، كالمدينة النبوية التي هي مسكن النبي عليه الصلاة والسلام يعني كانت تقع شمال مكة وما في معناها من البلد، ولا يدخل تحته ما كانت القبلة فيه إلى المشرق أو المغرب، فهذا نقول له اذهب إلى جهة الشمال أو الجنوب حتى لا تقع في المحذور.

طيب الفائدة الثامنة، قول أبي أيوب الأنصاري فقدمنا الشام إلى آخره، فيه ما قدمنا من حمله على العموم بالنسبة إلى البنيان والصحراء؛ لأنه حديث عام، وفيه دليل على أن للعموم، شوف هنا كيف الكبار من المحققين إخواني ينتزعون القواعد الأصولية من أقوال الصحابة ومن أفعالهم.

هنا شوف المسألة، استدل بفعل أبي أيوب على قاعدة أصولية وهي أن العموم له صيغة موضوعة له عند العرب، وهذا فيه رد على مين؟ لما درسنا بلغة الأصول قلت لكم هناك تيار أصولي قاده الباقلاني اسمه تيار الواقفية، وهؤلاء هم الذين يقولون لا يوجد الفاظ وضعت للأمر ابتداء، ولا للنهي ابتداء، ولا للعموم ابتداء، ولا للإطلاق ابتداء، وإنما كل الأمور تفهم من القرائن.

فهذا رد عليهم العلماء، وقالوا لتيار الباقلاني أن هذا الكلام ما هو صحيح، وأن هناك ألفاظ وضعت بغض النظر من الواضع هل هو الله أو بالاصطلاح إلى غير ذلك، هناك ألفاظ وضعت للأمر، وألفاظ وضعت للنهي، وألفاظ وضعت للعام، وألفاظ وضعت للخاص، وألفاظ وضعت للمطلق، وألفاظ وضعت للمقيد.

وهنا يأتي دورك للاستقراء لتعرف ما هي الألفاظ التي وضعت لذلك، ومتى تخرج عن ذلك بالقرائن، كيف انتزع ابن دقيق العيد هذه القاعدة الأصولية من خلال فعل أبي أيوب؟

قال وفيه دليل على أن للعموم صيغة عند العرب وأهل الشرع على خلاف ما ذهب إليه بعض الأصوليين، وهذا يعني استعمال صيغة العموم فرد من الأفراد، وهذا يعني وهذا الحديث يعني هذا الحديث حديث وفعل أبي أيوب هي صورة من صور وفرد من أفراد ماذا؟ اعتماد الصحابة على عمومات النص وفهمهم العمومات، وله نظائر أخرى لا تحصى في فعل غيره من الصحابة أنهم فهموا من هذه الألفاظ العموم، هو إيش يريد أن يقول لك أبو أيوب الأنصاري ماذا فعل؟ لما سمع هذا الحديث لما راح على الشام أصبح ينحرف عن المراحيض ويستغفر الله، هذا دلالة على ماذا؟ على أنه أبو أيوب إيش فهم من ﴿لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا﴾؟ فهم العموم في البنيان وفي غير البنيان.

من أين اخذت هذا الفهم يا أبا أيوب؟ من وين؟ مع أنه أنت ما عندك قرائن إلا هذا الحديث، يكون أخذ من العموم نفسه لا تستقبلوا القبلة، تمام.

فالفعل فيه نكرة صحيح وهي في سياق نهي لا استقبال، نهى عن جميع أشكال استقبال القبلة، تمام طبعا القبلة هنا ال لا يعني صعب أن نقول هنا ال العموم ليه حتى تقول والله العموم في القبلة ليه؟ لأنه ال القبلة هي ال العهد الذهني، تمام؛ لأنه هي قبله واحدة في غيرها، تمام فالفاء فيها العهد الذهني القبلة اللي بتعرفين أنها القبلة يعني، فالعموم من أين أتى في النص كما قلت لك من الفعل بما فيه من النكرة؛ لأنه الفعل يتضمن مصدر، والمصدر مش قلنا إذا كان في سياق النفي أو النهي يعامل معاملة النكرات، فيعامل أنه في فهو لا استقبال بأي شكل من أشكال الاستقبال وهذا يشمل سواء في البنيان ولا في غير البنيان صح لهذه القبلة التي عاهدتموها، فأبو أيوب فهم العموم فمشى عليه.

إذا هذا يدل أن العموم له صيغة يفهمها العرب، والصحابة عرفهم العموم، وابن عمر لما سئل لماذا خالفت العموم ما قال الحديث لا عموم له، وإنما اعتمد على ماذا؟ على ما شاهده هو في بيت حفصة، وعلى ما فهمه من هذا الصنيع الذي رآه في بيت حفصة، وإلا فالأصل هو لم يعترض على عموم الحديث، فإذا هذا يدل على أن العموم له صيغة، وهذا وفعل أبي أيوب يدل عليه، وفعل أبي أيوب هو كما قال لك هو فرد من الأفراد، وإذا استقريت أفعال الصحابة ستجد نماذج لا تحصى من الصحابة أخذوا بالعمومات ورفضوا الاجتهادات والتاويلات.

طيب وإنما نبهنا عليه على سبيل ضرب المثال، فمن أراد أن يقطع بذلك وأن العموم له صيغ فليتتبع نظائره في أفعال الصحابة وتصرفاتهم يجدها الآن في بعض الآثار، يعني لا اريد أن أشقيك الآن بموضوعها، نذهب إلى الفائدة التي تليها.

هنا بس يعني كان عندي فقط نظر في قضية يعني أبو أيوب الأنصاري ما الذي حصل معه؟ قال لما ذهبنا إلى الشام وجدنا طبيعة المراحيض المبنية في الشام استقبل الشام مستدبر الكعبة، قال فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها؛ لأن هو يعني هذه المراحيض بدنا نعتبر أنها بنيت تجاه الكعبة، هسا أبو أيوب لما يكون في الشام هو في الشمال والكعبة تحت، فهو إذا تبرز تبرز فسيكون وجهه تجاه الكعبة، إذا بدنا نحملها على صورة المراحيض المعاصرة، إذا تبرز سيكون وجهه تجاه الكعبة، وإذا بال سيكون ظهره تجاه الكعبة.

فالذي كان يفعله قال ننحرف عنها ونستغفر الله، يستغفر الله من ماذا؟ خشية أن يكون قد حقق الانحراف اللازم، يعني هو كان يميل عنه ويرى أن الميلان هو الحل الذي بين يديه، فيستغفر إذا كان هذا الميلان لا يكفي يا رب يعني إذا كان هذا الميلان لا يكفي وما زلنا فنحن نستغفرك يا رب ونتوب إليك، هذه طبيعة هذه المراحيض التي وجدناها، فإذا هو يحاول أن يحقق عدم الاستقبال والاستدبار على حسب طاقته ويستغفر الله من باب الاحتياط؛ لأنه لعل قصرت في الانحراف ولعل المطلوب ما هو أكثر من ذلك.

طيب هذا فقط حتى نفهم أنه انحرف، إذا هو بذل جهده، مش زي بعض الناس اليوم بشوف الشغلة غلط جاهزة أمامه شو بقول لك يا اخي خلص في طريق خلص استغفر الله ونعملها، لا يا اخي أنت ابذل جهدك في محاولة أن تتقي وابذل غاية وسعك، ليس لأن الشيء فعله غيرك ووجدته خطا فتقول خلص أنا أعمله، هذا حال كثير من الناس يجد حرام أو شيء فعله أجداده وآباؤه يقول لك أنا إيش مشكلتي خلص انتفع به، إذا استطعت أنك تميل مل واستغفر الله لعلك لم تمل على القدر الكافي.

هنا الآن نقاش في مسألة حقيقة كبيرة أي في هذا الباب، وهي مسألة خلافية بين ابن دقيق العيد وبين القرافي عليه رحمه الله، وتطرقنا إلى أصلها سابقا لكن الآن سيناقشها نقاش أدق، يقول المسألة التاسعة: أولع بعض أهل العصر وما يقرب منه، لأن قال قيل إنه قصد بذلك القرافي، أولع بعض أهل العصر يقصد صديق القرافي ما هو كلاهما تتلمذ على هذا وكان بينهم مرارة يعني في رفض من ابن دقيق العيد لهذه الفكرة وما يقرب منه، ولعل هذه الفكرة كانت موجودة قبل القرافي، أنه قال بعض أهل العصر وما يقرب منه إلا إذا أراد نوع من التعمية يعني الله أعلم بأن قالوا إن صيغة العموم إذا وردت على الذوات مثلا أو على الأفعال كانت عامة في ذلك، لكنها في نفس الوقت مطلقة في الزمان والمكان والأحوال والمتعلقات، وهذه ناقشناها في حديث إذا شرب كلب في إناء أحدكم، تمام وهل العموم في الذوات يشمل العموم في جميع الأحوال سواء كان الكلب ممن يجوز اقتناؤه أو لا يجوز اقتنائه أو أو؟ ثم يقال المطلق يكفي في العمل به صورة واحدة فلا يكون حجة فيما عداه، وأكثر من هذا السؤال فيما لا يعصى من ألفاظ الكتاب والسنة وصار ذلك ديدا لهم في الجدل.

الآن عموما خلينا نفهم ما هو رأي القرافي أولا؟ رأي القرافي يقوم على ماذا؟ أن العموم في الذوات، أي لفظ عام من ألفاظ العموم لا رجل في المنزل إن الإنسان لفي خسر أي لفظة من ألفاظ العموم هي ماذا؟ هي مطلق في نفس الوقت من جهة ماذا؟ من جهة الأزمنة، ومن جهة المكان، ومن جهة الأحوال، ومن جهة المتعلقات، تمام يعني هذه مقدمة أولى وهذه مقدمة ثانية.

فمثلا في الحديث السابق إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، مش قلنا إناء مفرد مضاف إلى معرفة يفيد العموم، عموم في الذوات في كل إناء، لكن شو بقول لك القرافي؟ صحيح هي معناها في كل إناء لكن هذه الآنية الكل آنية هي مطلقة في الزمان، طيب هذا في أي زمان من الأزمنة؟ هل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ولا اللي بعده ولا اللي بعده ولا اللي بعد بعده؟ طب هل هي في أي مكان؟ هل هذا خاص بالآنية اللي في البيئة المدينة والحجاز ولا مثلا برضه يشمل الآنية في بيئة الشام والمغرب الإسلامي؟ الأحوال، أنه هل هذا يشمل الإناء إذا ولغ فيه الكلب حالة كونه مما لا يجوز اقتناؤه ولا الإناء إذا ولغ فيه الكلب مطلقا سواء مما يجوز اقتناؤه أو مما لا يجوز اقتنائه إلى غير ذلك من المتعلقات؟

وبناء على هذا ما دام أي عموم في الذوات يصاحب إطلاق في الأزمنة والأمكنة والأحوال والمتعلقات، فأنت إذا عملت بالعموم في زمان ومكان وحال واحدة أنت أديت مفهوم مطلق وارتفع عنك دلالة العموم، فيقول لك هذا العموم إذا عملت به في زمان معين ومكان معين وحالة معينة أنت أديت حق العموم وأديت حق المطلق، ممتاز.

الان حقيقة جماهير العلماء رفضوا هذه الفكرة وقالوا بتعرف شو مؤدى كلامك؟ مؤدى كلامك كانك الغيت لفظة العموم ورجحت عليها المطلق ورجعتنا بتقول إنه اعملوا مرة واحدة بدي الغلط، فصار معنا كلامك إنه إذا قلت لك من دخل داري فأعطه درهما، من دخل داري فأعطه درهما، مثلا من اسم موصول أو اسم شرط، على كلام القرافي في إذا دخل شخص واحد وأعطيته درهم أنا خلص عملت اللي علي مش لازم أعطي اللي بعديه، إلا أن القرافي يقول لك لا بس هون في قرينة تشاء، بس الأصل على كلامك إنه أي لفظ عام إذا عملت به مرة واحدة في زمان معين ومكان معين وصورة معينة أنا خلص عملت اللي علي مش لازم أعم كل الذوات الأخرى.

قالوا له أنت بهذه الطريقة كأنك ماذا فعلت؟ كأنك رجحت الإطلاق على العموم، فالجمهور ماذا يقولون؟ قالوا له لا، أي عموم في الذوات، وجهة النظر الأخرى ماذا تقول؟ العموم في الذوات يستلزم العموم في جميع الأزمنة والأمكنة والأحوال والمتعلقات حتى ياتي المخصص.

الجمهور الأصوليين يقولون هكذا، يقولون أي عموم في الذوات لا يمكن أن نعمل بمدلوله حتى نعمم في جميع الأزمنة والأمكنة والأحوال والمتعلقات إلا أن يأتي مخصص، طبعا هم يتفقون مع القرافي في ماذا؟ يتفقون مع القرافي أن من حيث الوضع اللفظي العموم في الذوات لما أقول لك إذا شرب الكلب في إناء أحدكم من حيث الوضع اللفظي هو فعلا مطلق في الأزمنة والأمكنة أنه لم يحدد زمانا معين ولا مكان معين ولا حالة معينة، لكن الأخذ بدلالة العموم تستلزم مني تعميم الأزمنة والأمكنة، فهنا لاحظ أن العموم في الأزمنة والأمكنة مش من حيث الوضع اللغوي من حيث الاستلزام، من حيث دلالة الالتزام وليس من حيث الوضع، فهم يقولون نعم بدنا نفرض أن العموم في الذوات ولا يدل على من حيث الوضع اللفظي على عموم الزمان والمكان، فإذا كنت هذا الذي تنفيه ما عندنا مشكلة، لكن يجب أن يستلزم عموم الزمان والمكان من جهة ماذا؟ أنه إذا لم نقل بعموم الزمان والمكان فهذا سيؤدي أننا لن نقل بعموم الذات نفسها، ضربنا عموم الذات نفسها، تمام فهذا نقاش بينهم.

الآن ما لماذا أورد هذا النقاش في هذا الحديث؟ أنه على طريقته على طريقة القرافي، إذا قلنا لا تستقبل القبلة سيقول لك القرافي هنا نكرة في سياق النهي ماشي، لا تستقبل بأي شكل من أشكال الاستقبال ولا شكل من أشكال الاستدبار، هذا العموم إذا عملت به في حالة البنيان، عفوا إذا عملت به في حالة الفضاء خلص أنا أديت اللي عليه؛ ليه؟ لأنه هو نهى عن الاستقبال على وجه العموم، لكن هذا العموم مطلق على طريقته هو مطلق في الأزمنة والأمكنة والأحوال، خاصة كلمة الأحوال هي ركز عليها، بالتالي إذا عملت به في حال من الأحوال أنا أديت حق مفهوم العموم، قلنا له لا، يعني هو يعني القرافي ممكن يتكئ على قاعدته في جعل الحديث مباشرة متعلق بحالة الصحراء وليس في حالة البنيان؛ ليه؟ لأنه إذا عملت بالعموم في الصحراء أنا عملت به في حال من.

فابن دقيق العيد بده يقول له: لا، هذا العموم في الذوات لا يستقبل شك. نهى عن كل أشكال الاستقبال، يجب أن يكون في جميع الأزمنة والأمكنة والأحوال والمتعلقات. والذي يريد أن يخصها بالفضاء دون البنيان هو الذي بده يجيب دليل. اللي بده يخص هذا العموم بحال دون حال هو الذي عليه الدليل. فهمتم الآن؟ ونط النقاش بينهم.

وكلام الجمهور الحقيقه هو الصحيح هو الصواب. تمام، فالجمهور كأنهم -شوف هي فكرة هنا برضه دقيقة حتى تفهمها- أن الجمهور كما قلت يتفق مع القرافي في ماذا؟ في أن الأصل أننا نحن في مطلق الزمان والمكان، لكن حتى نوفي مفهوم عموم الذات لابد وأن نستلزم استلزاما عموم الزمن وليس وضعا. فهنا الصنعاني -سأعود إلى مكاني- الصنعاني يقول: وهذا نقاش يعني طرحه، يقول: أن هذا بيان أن المقدمة القائلة بأن المطلق تكفي فيه صورة واحدة ليست على إطلاقها، بل إذا لم يخالف ذلك مقتضى صيغة العموم، فإن خالفها كان الحكم العموم محافظة على مقتضى الصيغة.

طيب، الآن قبل أن ندخل في كلام الصنعاني، بدي أقرأ كلام ابن دقيق العيد ثم نعود، نعود نذهب إلى الأحكام. يقول ابن دقيق العيد بعد أن تكلم عن رأي القرافي: وهذا عندنا باطل -كلام القرافي- ليه؟ بل الواجب أن ما دل على العموم في الذوات مثلا يكون دالا على ثبوت الحكم في كل ذات يتناولها اللفظ، ولا يخرج عنها ذات لا في زمان ولا في مكان ولا في حال مهما كانت إلا بدليل يخصها. فمن أخرج شيئا من تلك الذوات فقد خالف مقتضى العموم، فهو الذي عليه الدليل. نعم، نحن نتفق معك يا قرافي على ماذا؟ قال: نعم، المطلق يكفي في العمل به مرة كما قالوه، أنا أوافق لك في هذا، لكن ونحن لا نقول بالعموم في هذه المواضع من حيث الإطلاق؛ يعني نحن كجمهور ما حكينا أن مطلق الزمان والمكان، أن الإطلاق نفسه هو عام. لا ندعي العموم في الزمان والمكان من جهة أنه مطلق، حتى تعترض علينا وتقول: المطلق يكفي بالعمل به مرة واحدة.

فهو يقول: ونحن لا نقول بالعموم في هذه المواضع -يعني في الزمان والمكان والأحوال- لا نقول بالعموم فيها، أو أن العموم فيها أخذ من جهة أنها مطلقة، وإنما قلنا بالعموم في الزمان والمكان والأحوال من أي جهة؟ قال: من حيث المحافظة على ما تقتضيه صيغة العموم في كل ذات، اللي هو حكيناه، أنه حكينا الزمان والمكان والأحوال عامة من جهة الالتزام، أنه حتى أحافظ على العموم في الذوات يستلزم ذلك أن نقول بالعموم في جميع الأمكنة والأزمنة. ولكن نحن بنقر لك أنه المطلق يكفي للعمل به مرة واحدة، وأنه العموم في الأزمنة والأمكنة لم ناخذه من جهة إطلاقها، بل أخذناه من جهة ضرورة المحافظة على دلالة العموم في الذات.

طيب، فان كان المطلق -ها هو بده يفترض افتراضين- لا يقتضي العمل به مرة واحدة مخالفة لمقتضى صيغة العموم، اكتفينا في العمل به مرة واحدة. يعني بدي أرجع للمثال قلته قبل قليل، لو قلت لك: من دخل دارك فأكرمه. من دخل دارك فأكرمه. هسا في عموم صح؟ مفهوم أنه أي واحد في أي زمان، في أي وقت طويل قصير، جاي بسيارة، جاي على رجليه، في أي حال، أي واحد بيدخل دارك أكرمه، مش هيك دلالتها؟ طيب، بدنا نفرض أنه في هذا اليوم لن يدخل داري إلا شخص واحد، أو في الأزمنة كلها لن يدخل داري إلا شخص واحد فرضا، نقول هنا: إذا أكرمت هذا الشخص الواحد، فأنت اخذت بمطلق الزمان والمكان، وفي نفس الوقت لم تخالف مقتضى صيغة العموم، ليه؟ لأنه قدرك في الحالة أنه ما انطبقت إلا على شخص واحد.

إذا قلت لك: من دخل دارك مجتهدا مطلقا فأكرمه، إذا دخل دارك واحد مجتهد مطلق فأكرمه، هسه هي تقتضي عمومها، بس حقيقه في كل عمرك بجوز إن شاء الله يجي واحد يدخل مجتهد مطلق، فهنا أنت اخذت بمطلقية الزمان، أنه في واحد طبقته على واحد، ولم أخالف مقتضى صيغة العموم، ليه؟ لأنه لم يدخل داري إلا هو، صح؟ فأخذت بمطلق ولم أخالف مقتضى صيغة العموم. لكن إن كان العمل به مرة واحدة سيخالف مقتضى صيغة العموم، بأنه أنا دخل داري أكثر من شخص.

ونفس الشيء في حديث أي إناء أحدكم في الكلب، إذا أخذت به في الكلب فقط الذي لا يجوز اقتناؤه، بالتالي أنا ما عملت به في الكلب الذي يجوز اقتناؤه، أو إذا كان أخذك بالمطلق سيؤدي إلى اصطدام مع مقتضى صيغة العموم، فماذا سنقدم؟ قلنا بالعموم. إذا حقيقة الجمهور ماذا فعلوا؟ رجحوا دلالة العموم على دلالة الإطلاق، والقرافي العكس: رجح دلالة الإطلاق على دلالة العموم. هذه خلاصه ما حصل: أن الجمهور ماذا فعلوا؟ قالوا: المحافظة على عموم الذوات مقدم على المحافظة على مطلقوية الزمان والمكان. القرافي عمل العكس، قال: أنا بدي أحافظ على مطلقوية الزمان والمكان والأحوال، وأنه يكتفى بالعمل بها مرة واحدة ولو أدى ذلك إلى إيش؟ إلى ضرب العموم.

فهناك من رجح تقديم العام على المطلق، وهناك من رجح تقديم المطلق على العام، وهذا هو السؤال الذي سينطلق منه بعد قليل الصنعاني بس نكمل المهم. قال مثال ذلك: قال محافظة على مقتضى صيغته، قلنا بالعموم محافظة على مقتضى صيغته لا من حيث -كما قلت- أن المطلق هو بحد ذاته عام بذاته.

مثال ذلك: إذا قلنا من دخل داري فأعطه درهما، هسا مقتضى صيغة العموم في ايش؟ في كل ذات صدق عليها أنها داخلة، فإذا بدنا نفرض في كل عمرك ما دخل إلا ذات واحدة، أنت عملت بالمطلق وبالعموم لأنه لم يتعارض، لكن إذا دخلت ذات ثانية وثالثة ورابعة لا تستطيع تقول لي: خلص عملت بها في زمان واحد، هي الجمله بدك تضلك تعمل فيها حتى نحافظ على مقتضى العموم عند الجمهور.

فان قال قائل: من دخل داري فأعطه درهما، هذه مطلقة في الزمان وليست عامة، فأعمل به في الذوات الداخله للدار مثلا في أول النهار، ما بدي اعمل بهذه الجمله لمن دخل داري اعطيه درهما في من يدخل داري آخر النهار. لو فرضا شخص قال هيك، قال: لأنها مطلقة في الزمان وقد عملت بها مرة في أول النهار، فلا يلزم أن اعمل بها مرة ثانية وثالثة؛ لأن الزمان لا يعم، الزمان هنا مطلق فلا يوجد عموم للمطلق.

قلنا له: لما دلت الصيغة على العموم في كل ذات بسبب كلمة من -من يعني كل شخص- لما دلت الصيغة على العموم في كل ذات بسبب كلمة من في كل ذات تدخل الدار، ومن جملة هذه الذوات التي ستدخل الدار من سيدخلها في آخر النهار كمن دخلها في أول النهار، فإذا أخرجت الذات التي ستدخل في آخر النهار وقلت: لن أعطيها، فقد أخرجت هذه الذات من عموم الصيغة، من صيغة من، فقد أخرجت ما دلت الصيغة على دخوله، فالصيغة دلت على دخول كل ذات، وهذا يشمل من سيدخل في النهار ومن سيدخل في الليل، فلا تقول أنا بدي اعمل بمطلق الزمان؛ لأن عملك بمطلق الزمان سيؤدي إلى ضرب العموم، سيضرب العموم، انتهى.

وهذا الحديث هو أحد ما يستدل به على ما قلناه. لماذا؟ يعني هنا أيضا انتزع من فعل أبي أيوب الأنصاري قاعدة أصولية أخرى، أن أبو أيوب هل فهم أن لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها يكفي للعمل بعموم هذا الحديث حمله على الصحراء؟ لا. مش هي مش الصحراء حال وهي مطلق في الأحوال؟ مطلق الأحوال والأزمنة والأمكنة. فيقول لك: هل أبو أيوب فهم من عموم لا تستقبلوا، هذا العموم في النهي عن الاستقبال هل عمل به في حالة واحدة وهي حالة الصحراء؟ ولنرى أن العموم هنا في الاستقبال يشمل كل الأحوال: صحراء وبنيان. فعله يتضح أنه فاهم أنه يشمل كل الأحوال، مع أن العموم في الأحوال ليس وضعيا هنا، وإنما استلزامي كما قلنا، وهذا الحديث أحد ما يستدل به على ما قلناه، فإن أيوب من أهل اللسان والشرع، وقد استعمل قوله فلا تستقبلوا عامة في الأماكن، ممكن نقول عموم مش في الأحوال في الأماكن هنا باعتبار صحراء وبنيان، عموم أماكن مع أنه في الأصل مطلق فيها، يعني الحديث هو مطلق في الأماكن، لكنه حتى يعمل بعموم النهي عن الاستقبال لابد وأن نحمل مطلق الأماكن على العموم، وسامحنا رح نقول للإطلاق: سامحني، وقف على جنب، أنا مضطر أقول بالعموم، أنا عارف أنك موجود بس أنا مضطر أقول بالعموم حتى أحافظ على عموم الذات وعوم ما دلت الصيغة على عمومه، مضطر أعمم أزمنة وأمكنة وأحوال.

فهمتم إخواني كيف النقاش؟ طبعا هنا يقول الإمام الصنعاني في مناقشة الجمهور والقرافي: قال، وإذا تعارض مقتضى كل واحد منهما -مش احنا قلنا الجمهور رجحوا العموم على المطلقوية والقرافي رجح المطلقوية على العموم- يقول الصنعاني: فلما رجح الشارح -وهو ابن دقيق- مقتضى العموم وجعله حاكما على الإطلاق فلماذا؟ ولماذا في المقابل رجح القرافي مقتضى الإطلاق وجعله حاكما على العموم؟

يعني الآن أنت بين تيارين: تيار قدم العموم على الإطلاق، وتيار قدم الإطلاق على العموم. فهو ماذا يقول؟ يقول الصنعاني: لا ترجيح إلا بمرجح، اللي بده يقدم العموم على المطلق بده يجيب لنا دليله، واللي بده يقدم المطلق على العموم بده يجيب لنا هو دليله؛ لأنه ما في ترجيح إلا بمرجح، قال: وهذا لم يتعرض له هؤلاء لأنه ظاهر -ما الصنعاني مستغرب أن هؤلاء لم يتكلم كل شخص منهم- يعني أنت ليش قدمت لمعان المطلق؟ وأنت ليه ماذا يعني؟ كل شخص لماذا قدم ما يراه هو؟

طيب، قال وهو بحث وارد. ايش رايكم؟ ماذا يمكن أن نقول؟ بسم الله. بسم الله، حقيقة يعني أنا لم أجد هو أجاب -الإجابة التي في ذهني وأنا عندي إجابة في ذهني عن هذا أرجع بها- قول الجمهور: الإجابة التي في ذهني وهي أن من قدم العموم هو فعليا هو لم يلغي الإطلاق، بل من اخذ بالعموم في الأزمنة والأمكنة هو عمل بمدلول المطلق وعمل بمدلول العموم، صحيح؛ لأنه المطلق وتقول يكفي فيه صورة واحدة بس إذا أنا زدت أنا ما خالفت الإطلاق؛ يعني أنا مش عامل مشكلة، يعني لما ربنا خالف تحرير رقبة طب أنا حررت رقبتين، جزاك الله خيرا، إلا إذا جاءت قرينة تطلب منك عدم الزياده.

فالأصل في المطلق، فالأصل في المطلق أنه من اخذ بالعموم فقد اخذ بالمطلق وزيادة، لكن من اخذ بالمطلق فقد إلغى العموم، يعني إذا أنا عملت بدلالة العموم وعممتها في الأزمنة والأمكنة أنا ساعتها أنا عملت بعموم الذات وأيضا حققت المطلقوية وزيادة، صحيح. لكن الذي سيعمل بالمطلق وهو القرافي، لا أنت فعليا إلغيت بعض صور العموم، فأنت اخذت الصورة الواحدة وضيقت العموم فلم تعمل بدلالته، فهذا أعتقد أحد الأجوبة المهمة، ولذلك يعني لعلهم لم يذكروا لوضوحها، وأن المشكلة أن الصنعاني هو افترض أن الجمهور ماذا فعلوا؟ أن فعليا الجمهور قدموا المعموم على المطلق بمعنى أنهم إلغوا مفهوم الإطلاق.

لا، أنا في اعتقادي أنهم ما إلغوا مفهوم الإطلاق بل اخذوا به وزيادة، لأنه أنا لما اعمل بالشيء مرة واحدة أنا عملت مرتين وثلاث وأربعة وخمسة في العموم، فأنا هيك حافظت على دلالة العموم وحققت الإطلاق والزيادة، أما الطولة الأخرى هي التي عندها المشكلة لأنها إلغت دلالة العموم، فهذا أعتقد أنه جواب جيد في هذا المقام.

طبعا هناك إشكال وقع عن جلال الدين المحلي في هذه القضية، وراى أن القول بعموم الزمان والمكان والأحوال هذا متفرع على القول بأن الأمر يقتضي التكرار. تذكروا هي المسألة أخذناها في أصول الفقه، أن هل مطلق الامر يستلزم التكرار؟ فهو راى أن من قال بأن عموم الذوات يستلزم عموم الأزمنة والأمكنة والأحوال راى قال: أن هذا متفرع عن القول بأن الأمر يقتضي التكرار.

فهو يقول له الصنعان: واين الشمول من التكرار؟ يعني هذا ما لو علاقة بهذا، نحن نقاشنا هنا مش قضية أن الأمر يقتضي التكرار ولا لا، نقاشنا أن هناك عموم في الذات، هل عموم الذات يستلزم عموم الأزمنة والأمكنة؟ أنا ايش علاقتي بأن الأمر يقتضى التكرار ولا ما يقتضي التكرار؟ هذه قضية أخرى مختلفة تماما عن سياقنا، نحن نناقش في عموم الذات كيف يتحقق في الواقع الخارجي بأن نعممه في الأزمنة والأمكنة والأحوال، بس هذه نقاشنا، قضية أن الأمر إذا أطلق مرة يقتضي التكرار ولا لا يقتضي التكرار هذه مسألة مختلفة عن موضوعنا الذي نحن فيه، فرط بين أن الأمر يقتضي التكرار -يعني مش تعميمي في الذوات للأزمنة والأمكنة هو ناتج عن أن الأمر يقتضي التكرار- بل هو ناتج عن نفس الصيغة، الأخذ بمقتضى العموم فيها يقتضي عموم الزمان والمكان. هذا هو مأخذها وليس ذلك المأخذ.

ثم يعني ختم الصنعاني يقول: ولو لم تشتمل هذه الحواشي إلا على هذا البحث وإبراز أنوار تحقيقه، وقد افترقت فيه أذهان الفحول وما زالت حول تحقيقه تجول. بس هيك، هو رأى أن هذه من أفضل ما كتبه في حاشيته على الأحكام؛ أنه استطاع أن يأتي ببعض الأبحاث التي يحاول فيها معرفة لماذا الجمهور قدموا العام على المطلق -هيك اعتبر- ولماذا القرافي قدم المطلق على عام؟ عرفت؟

نقراها سريعا يعني من باب تكميل الفائدة؛ لأنه أنا يعني مش عارف أنه كثير بالإقناع، بس أنه برضه ممكن يكون فيها فائدة. قال والتحقيق: قال هذا لم يتعرض له هؤلاء النظار وهو بحث التحقيق أن العام في الأشخاص.

غير مطلق في الأحوال والأمكنة والأزمنة، بل هو مقيد بها عقلاً. هو يرى قضية أخرى أصلاً مختلفة تماماً؛ يرى الصنعاني أنه من الذي قال إن العموم في الذوات يقتضي إطلاقاً في الأزمنة والأمكنة والاحوال؟ قال: بل هو مقيد بها عقلاً، فانه لابد من حال يقع عليه أفراد العام، وزمان ومكان يقع فيهما ضرورة عقلية. يقول لك: أي فرد من أفراد العموم في الواقع الخارجي لا بد وأن يقع في زمان معين ومكان معين وحالة معينة، والتخصيص كما يقع بالعقل اتفاقاً يقع التقييد به، يعني كما أنه يجوز من المخصصات المنفصلة العقل، كذلك من التقييدات في باب المطلق أنه يجوز التقييد بالعقل، إذ هما من وادٍ واحد.

فكل فرد من أفراد العام -شوف كيف تحليله هو- كل فرد من أفراد العموم، كل فرد من أفراد العام هو مقيد بحال وزمان ومكان، يعني وقوعه في الخارج لا بد أن يتصور ضمن حالة معينة وزمان ومكان. على أي حال وفي أي مكان وفي أي زمان، فهو عام في أحوال الافراد وأزمنتها وأمكنتها. إذاً، هو كأنه يرى، قال: إن كل فرد من أفراد العام مقيد بحال وزمان ومكان، فلا يمكن أصلاً عقلاً -هيك بقول لك- لا يمكن عقلاً تصور عموم أفراد دون تصور عموم زمان ومكان وأحوال.

قال إنه عقلاً عقلاً، أي ذات موجودة في الخارج هي متصلة بزمان معين ومكان معين وحال معين، فلا يمكن تصور أصلاً عموم ذات، إنه تتصور عموم زيد وخالد وعثمان وبكر وموسى وعيسى، إلا تتصور أنه هو في معهم كل شخص زمانه ومكانه وحاله، تمام؟ فان ارادوا بقولهم إنه مستلزم لعموم الأحوال والأزمنة والأمكنة عقلاً، فهو ما اردناه وان اختلفت العبارة.

فبقول الجمهور الذين قدموا العموم على المطلق: إن قصدوا بأن العموم في الذوات يستلزم العموم في الأزمنة والأمكنة، إن قصدوا ما قصدته أنا فنحن متفقون، وعرفت لماذا رجحنا العموم؛ إنه طلع أصلاً ما فيش مطلق، طلع أصلاً ما في مطلق! بالتالي الاستلزام هنا إذا كان هو استلزام عقلي، فبقول أنا إذاً أنا والجمهور متفقون وعرفنا. إذاً إنه بس أظن إنه في النهاية رجع يعني لفكرة، كما قلنا أن الأخذ بمقتضى العموم العمل به، ها العمل بالعموم رجع يقول: يستلزم النظر في الأزمنة والأمكنة اللي هي اللي حكاها الجمهور، وأنت رجعت لنفس المربع ما طلعت عنه!

قال: ولكن قول الشارع نحن لا نقول بالعموم في هذه المواضع من حيث الإطلاق -وكأنه زعلان على هاي العبارة- قال: تسليم للقرافي ومن معه أن العام مطلق، ونحن لا نسلم، أو يعني هذا الفرق بيني وبين الجمهور أو بين ابن الدقيق، أنه أنا لا أُسلّمه، بل نقول إنه مقيد عقلاً بعموم أزمنة الأفراد وأحوالها. بس أنا أعتقد أنه الجمهور لما يتكلموا بالإطلاق هنا هم مش عم ينظروا الآن إلا من جهة عامة، أنه هو اللفظ لم يتطرق للزمان والمكان من جهة الدلالة الوضعية، وإن كان يستلزمها من جهة ماذا؟ تحقيق عموم الأفراد، فأنت لا تعترض على ابن دقيق، لأنه ابن دقيق لما بيقول لك أنه هي من حيث الوضع الزمان والمكان مطلق، أي أنه لم يتم ذكر زمان معين ولا مكان معين، فالاصل أن الأزمنة والأمكنة هنا نعم مطلقة، لكن الذي جعلنا نقول بتعميمها والمحافظة على عموم الذات -هيك الفكرة- قال: وبه ينتفع معابورد من البحث؛ أنه ترجيح بلا مرجح، إذ مبناه على أن العام مطلق في غير الذوات كما قاله القرافي وسلمه الشارح، وقوله وهو مطلق فيها، وقد عرفت أنه غير ماشي مطلق في الذوات.

يعني هو يقول لك: مبنى إذاً الذين رجحوا العموم مبناهم أن القرافي يرى أن العام مطلق مطلق في غير الذوات، نقول: العام من حيث العام دون النظر إلى الذوات مطلق من حيث الزمان والمكان، لكن العام إذا نظرنا إلى الذوات ووجوده في الخارج يستحيل أن يكون مطلقاً، فبالتالي الاستحالة العقلية هي التي جعلتنا ناخذ بماذا؟ بعموم الأزمنة والأمكنة. يعني في اعتقادي هو حاول يعني يأتي بوجه، لكن أنا يعني ما في داعي لهذا التصور بهذه الطريقة، يعني نقول: الجمهور أولاً مشوا على المحافظة على مقتضى العموم، والمحافظة على مقتضى العموم هو أخذ بالمطلق وزيادة، خلص يعني أنت هنا الإطلاق جاء عارض، عفوا عفوا هنا حتى الإطلاق هو شيء عرضي في الزمان والمكان، ومش منصوص أنه لازم يكون مطلق، وشيء فهم عرضاً إطلاقية الزمان، فاذا كان المحافظة على المنصوص ستقتضي العمومية خلص هذا هو المرجح.

ذكر الإطلاق هنا عرضي، والإطلاق لا يتقصد أنه فقط افعل الشيء مرة واحدة، الإطلاق يقتضي أنك إذا فعلته مرة واحدة امتثلت، لكن إذا زدت على المرة الواحدة فهل أنا عاصي؟ ولا يمكن أن أزيد؟ يمكن أن أزيد حتى ياتي ما يدل على عدم الزيادة، وهذا الذي نقوله هنا؛ أنه في عندي عموم يقتضي أنه بدك تضلك مكمل، وبالتالي الإطلاق هنا لم يأتِ ما يدل على المحافظة على إطلاقيته، بالتالي الأصل أني أضل مكمل ولا أحافظ على الإطلاقية، وإذا بدي أحافظ على الإطلاقية وأعمل به مرة واحدة هذا بده قرينة يقول لي بس اعمل لي إياه مرة واحدة لا تزيد، كان يقول: «لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبرها» في الصحراء. اه خلص هنا جاء الإطلاق يعني فعلاً إطلاق الأمكنة وجد في صورة واحدة وهي صورة إطلاق الأمكنة، تم العمل به في صورة واحدة وهي صورة الفضاء، ولم يتم العمل به في صورة البنيان، هنا جاء ما يبين لي أنه اعمل به في مكان لا تعمل به في مكان آخر.

فإذا أنت عملت به في مكان دون مكان لأن النص هو الذي قادني إلى ذلك، واما أن يكون فقط مقتضى الحديث دون الأخذ بالاحاديث الأخرى هو الذي يقول: إنه يكفي أن أستقبل القبلة ولا أستدبرها فقط إذا عملت به في الصحراء أديت المطلوب؟ نقول: هذا غير صحيح، والصحابه الذين لم يأخذوا بعموم هذا الحديث لم يستدلوا بطريقة القرافي، وإنما استدلوا بما في جعبتهم من أحاديث أخرى: أنني رايت النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل الشام ويستدبر -يعني الأحاديث التي عندهم التي تنسخ أو تخصص- فهذا الجواب قد أجده أفضل، وان كان يعني جوابه جيد، لكن فيه نوع من الاستغراق أو قد يصل أحياناً إلى نوع من التكلف التي لا داعي لها.

نذهب الآن إلى الفكرة الأخيرة التي وردت في الحديث، يقول: قال وعلى ما قال هؤلاء المتاخرون -يعني القرافي وغيرهم- الحديث لا يلزم منه العموم في جميع الأحوال، وعلى ما قلناه يعم جميع الأحوال، لأنه إذا أخرج عنه بعض الاماكن -يعني القرافي إذا بده يعمل بالحديث في بعض الأماكن- فقد خالف صيغة العموم في النهي عن الاستقبال والاستدبار عامة. أما نعم فنبقيلها على عمومها، والذي يريد أن يقول هذا الحديث خاص بالصحراء دون البنيان، روح جيب لنا مخصص!

الفائدة العاشرة: قال قوله: ونستغفر الله، قيل يراد به ونستغفر الله لبان الكنيف على هذه الصفة الممنوعة عنده، وانما حملهم على هذا التأويل أنه إذا انحرف عنها لم يفعل ممنوعاً، فلا يحتاج إلى أن يستغفر لنفسه. لكن ما رايكم بهذه الطريقه في فهم الاستغفار؟ فاعتقادي طريقة بعيدة جداً؛ أنه نحن ننحرف عنها ونستغفر الله للي بناها بصوره خاطئه! طب هو الصحابه لما ذهبوا إلى الشام مين اللي كان بانيها بصورة خاطئة؟ ما هم النصارى اللي كانوا في الشام. قال: فقدمنا الشام، هو إشارة أنه مع الفتوحات الإسلامية وجدنا أن أهل الشام طريقتهم كانت أن مراحيضهم تبنى تجاه الكعبة. هل يقصد فوجدنا المراحيض يقصد مراحيض المسلمين في الشام؟ ممكن، لا امنح هذا الاحتمال، لكن أعتقد أنه شوي بعيد. وأعتقد أن الذي يظهر وجدنا قدمنا الشام فوجدنا طبيعة المراحيض التي يبنيها الروم في الأماكن التي ورثناها منهم غنيمة أنها بتكون تجاه القبلة، مش مهتمين أصلاً في موضوعنا، فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله لأنفسنا. فلذلك ايش قال هو؟ قال الأقرب أنه استغفار لنفسه، ولعل ذلك لسبب موافقته لمقتضى البناء غلطاً أو سهواً، أنه أحياناً ممكن بالغلط وأنت بتحاول تنحرف ممكن بالغلط أجا القبل أو الدبر تجاه القبلة أو جاء شيء من الغائط تجاه القبلة، أو بالعكس مرة بتكون أنت داخل وناسي، بعدين وأنت في نص قضاء حاجتك انتبهت، فقال: لعله استغفار عما يحصل من التقصير، فيتذكر وينحرف ويستغفر الله.

فإذا قلت: يا اخي طب الغالط أو الساهي لم يفعل إثماً حتى يستغفر رب العالمين؟ مش الله تجاوز عن امتي، أو رفيع عن امتي الخطأ والنسيان وما استكره عليه فلا حاجة إلى الاستغفار من الغلط أو النسيان؟ قلت: أهل الورع والمناصب العلية في التقوى قد يفعلون مثل هذا بناء على نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في التحفظ ابتداءً، يعني أهل الورع يرون حتى لو نحن كنا غير مؤاخذين، لكن نحن كان ينبغي أن نتحفظ أكثر وأكثر، وأنا كيف مثل هي تفوت عن ذهني وكذا؟ فيحاسبون أنفسهم على مقامات لا يحاسب عموم المسلمين أنفسهم عليها، وهذه مقامات أبي أيوب الأنصاري ومن كان في درجة أبي أيوب الأنصاري والله أعلم. نكتفي بهذا القدر، وصلَّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.