دخولتسجيل الدخول

التعليق على كتاب اقتضاء الصراط المستقيم | برنامج المُدارسة | المجلس الرابع عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في برنامج المدارسة، ونحن نتدارس كلام أهل العلم الأكابر، نجول في هذه الرياض ونحاول أن نقطف من أزهارها، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا فهمها وتدبرها والعمل بها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ما زال حديثنا مستمرا في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام أبي العباس بن تيمية رحمه الله تعالى عليه، وهو كتاب نافع عظيم للطلاب لفهم كثير من تأصيل المسائل وتقييدها. وقد وصل بنا الحديث في كلامه عن أنواع الأيام التي عظمها الناس. بين شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأزمنة التي عظمها الناس على ثلاثة أنواع:

أزمنة عظموها مع أنه لا يوجد فيها أي مناسبة حصلت عبر تاريخ المسلمين، لم يقع فيها لا غزوة بدر ولا غزوة أحد ولا مولد ولا شيء من ذلك، مثل الخميس الأول من رجب، قال: هذا يوم عظمه الناس وأحدث فيه عيدا، مع أنه لا يوجد فيه حادثة تذكر عبر تاريخ الإسلام، فهذا يعتبر من أشد أنواع البدع المتعلقة بالأعياد أن تحدث عيدا في يوم أصلا لا يوجد فيه أي مناسبة.

النوع الثاني: أيام عظمها الناس وأحدث فيها أعيادا بدعية لكن على الأقل هي فيها مناسبة عموما، مثل يوم واقعة بدر أو يوم غزوة أحد، ولكن هذا الموقف لا يقتضي أن يتخذ هذا اليوم عيدا، مثل المولد النبوي الذي أطلنا النفس فيه، هو يوم وقع فيه حادث عظيم لنا بالتأكيد، لكن هذا لا يقتضي أن يتخذ هذا اليوم عيدا يمارس فيه شعائر العيد، وما يمارس في الأعياد من الاجتماع وتوزيع الحفلات وما شابه ذلك. وهذا اليوم الثاني وإن كان بدعة لكن بدعته أخف من الأول، لأن الأول أصلا يوم لا مناسبة فيه، فإذا اليوم الأول لا مناسبة فيه واتخذه الناس عيدا كأول خميس من رجب، والثاني يوم له حادثة في الإسلام وله قيمة لكن لا يشرع أن يتخذ فيه عيد، فاتخذه الناس عيدا كالمولد النبوي.

الآن سنكمل في هذا النوع الثاني وسننتقل إلى النوع الثالث، وهو يوم لم تعظمه الشريعة ولم تجعل فيه خصائص في العبادة ولكن الناس زادت فيه أشكالا أخرى من العبادات غير مشروعة. هذا النوع الثالث الذي هو يوم خصصته الشريعة وذكرت فضيلة له وخصصته بأنواع من العبادات، لكن أين حصل الابتداع؟ في زيادة أنواع أخرى من العبادات ليست مشروعة، كما ابتدع الناس بعض الأمور في يوم عرفة وفي يوم عاشوراء وما شابه ذلك من الأيام التي لها منزلة وخصائص وعبادات، لكن تم استحداث أنماط أخرى من العبادات لا تشرع.

لكن قبل أن نصل إلى النوع الثالث وصلنا إلى قول ابن تيمية: فالمراتب ثلاث، أليس كذلك؟ فالمراتب ثلاث بالنسبة لأعمال الناس من حيث السنة والبدعة. هو يريد أن يقسم أعمال الناس من حيث السنية والبدعة، وهذا موطن هذا التقسيم.

قال: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف والحاضرين والسامعين، اللهم نج المستضعفين المؤمنين آمين. قال رحمه الله تعالى: «فأما مراتب المعروف والمنكر، ومراتب الدليل بحيث يقدم عند التزاحم أعرف المعروفين، وينكر أنكر المنكرين، ويرجح أقوى الدليلين، فإنه هو خاصة العلماء بهذا الدين».

وهذه من القواعد المهمة التي ختمنا بها الدرس الماضي، قلنا: إن معرفة الفرق بين المعروف والمنكر كجنس سهل، لكن الذي هو عمل العلماء الراسخين الذي يميز العالم عن طالب العلم، أن العالم لا يميز فقط بين المعروف والمنكر، بل يميز بين مراتب المعروف أيها أهم، وبين مراتب المنكر أيها أشد، فيشتغل بأمر الناس بما هو أشد معروفا، ويشتغل بالنهي عن المنكرات التي هي أشد منكرا. وهذا إنما هو خاصة العلماء بالدين، يعني هذا لا يتقنه على وجهه إلا العالم الراسخ الذي يعرف مراتب المنكرات وأيها أسوأ عاقبة، ومراتب المعروف وأيها أحمد عاقبة، فيأمر بأعلى المعروف قبل أن يأمر بأدناه، وينهاك عن أشد المنكرات قبل أن ينشغل بالنهي عن أدناه.

وهذا من أعظم ما يحتاج الناس إليه اليوم. تجد أناسا يشغلون طلاب العلم بتكفير الأعيان من العلماء والأئمة والسادة والفقهاء، ويتركون المهمات الواضحات أو يتغافلون عنها أو يحجمون، أو على الأقل يصبح الكلام فيها من الثانويات، وهي المنكر الأكبر الآن لأن الناس ضاعت وتاهت فيه، ويصبح كل شغل الإنسان الآن في تكفير عين أو تبديع عين، بغض النظر كلامك صحيح أو خطأ، أنا لا أناقش الآن أنه الكلام صح أو خطأ، أنا أناقش معرفتك بما هو المعروف الأخطر الذي تركه الناس، وما هو المنكر الأكبر الذي يقع فيه الناس اليوم.

وعندما تصبح خللا هنا تعرف من هو العالم الرباني ومن هو المتسلق والمتحدث الذي يحاول أن يمارس ممارسة العلماء وهو ليس منهم. المتسلق الذي يشغل طلاب العلم بمسائل لو فرضا تنزلا أن أراها صحيحة، هي ليست أكبر المنكرات الموجودة حاليا؛ اليوم هدمت الكليات وضاعت المبادئ وهدمت أصول الشريعة في حياة كثير من الناس، فالانشغال يكون بإعادة تعظيم التوحيد وحقيقته، وبيان المشاكل التي أو الشبهات التي يتعرض لها الإنسان، وبيان عقيدة أهل الحق، ونشر عقيدة أهل السنة. هذا هو الملف الذي ينبغي أن ينشغل به، وتأتي المسائل الأخرى النظر فيها تبعا على حسب أهميتها ومناطق نقاشها.

فلذلك ابن تيمية في كامل هذه القاعدة من أعظم القواعد التي ينبغي على الطالب أن يفهمها، أن تعرف ما هو المعروف الأهم ليشغل الناس به، وما هو المنكر الأهم ليحذر الناس منه. قال: هذا خاصة العلماء بالدين، فلذلك كثير من الشباب المتحمس تجده دائما يعترض على العلماء في مواقفهم أو اختياراتهم، أو كذا، يا أخي لماذا لا يتكلم في هذه المسألة؟ يا أخي والله هذا العالم ما عنده غيرة على دين الله. حضرتك أنت عندك الغيرة، وما هو ما عنده الغيرة؟ مش أن هذا العالم لأنه يعرف ما هو الأهم فيشغل الناس به، ويعرف أن تلك النقطة الإشغال بها الآن ليس على سلم الأولويات، قد يحدث الإشغال بها فتنة، ليس هذا ما تحتاجه الأمة في هذا الظرف.

فلذلك للاسف كنا نجده في كثير من الشباب المتحمس في الإنكار على العلماء الربانيين في مواقفهم التي يتخذونها، طبعا أنا أتكلم عن عالم رباني، وتحت كلمة رباني ألف خط، أنتم عارفين ماذا أقصد، مش العلماء الذين باعوا دينهم بعرض من الدنيا بخس. فهؤلاء العلماء زوايا النظر عندهم تختلف عن الطالب المبتدئ، والطالب المبتدئ إذا لم يتعلم الأدب مع العلماء ولم يتعرف أن يعرف مقامه ويلتزم بهذا الحد سيبقى شغله الشاغل في مجالسه الخاصة مع زملائه: ترى الشيخ الفلاني مواقفه ضعيفة، ترى الشيخ الفلاني ما يعجبني طريقته في حل الأمور، ترى الشيخ يترك أصول الدين. هو ما هو تارك أصول الدين، تارك المسألة التي هو هذا طالب العلم يريد جعلها من أصول الدين.

فاحذروا من مخالطة هذا الجنس من طلاب العلم الذين يقيمون مواقف العلماء الربانيين، وشغلهم الشاغل لماذا تكلم ولماذا لم يتكلم، لأن هذا لا يعرف هذه القاعدة التي تكلم عنها ابن تيمية، أن العالم يعرف أهم المنكرات فيبدأ به، وأما أنت فأنت شايف بعينك المحدودة منكرا معينا تريد أن تلزم العلماء أن ينكروه الآن وهم لا يرون هذا أهم منكر، فضلا أنه بيطلع بعدين أصلا كلامك خطأ وأنه مش منكر، ويطلع معروف وتطلع مشاكل كثيرة في خطابك، هذه كلها من الإشكالات الكبيرة التي يعاني منها طلاب العلم اليوم.

المهم، فالمراتب ثلاث، قال رحمه الله: «فالمراتب ثلاث: أحدها العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه، والثاني العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها، إما لحسن القصد أو لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع، قال: والثالث ما ليس فيه صلاح أصلا، إما لكونه تركا للعمل الصالح مطلقا، أو لكونه عملا فاسدا محضا».

تمام، هذه يقول ابن تيمية مراتب أعمال الناس ثلاث: أن يكون عملهم عملا مشروعا خالصا لا كراهة فيه بشكل من الأشكال من الأعمال السنية المقبولة عند الله سبحانه وتعالى التي دلت الشريعة عليها، فهذا هو أنفع الأعمال، هذه هي أنفع الأعمال.

النوع الثاني من الأعمال التي يمارسها الناس: أعمال صالحة من بعض الوجوه أو أكثرها، إما لحسن قصد صاحبها أو لاشتمالها على بعض الأنواع من المشروع، وفيها عمل غير صالح من جهات أخرى لكونها مبتدعة. الآن الحالة الثانية: عمل صالح من بعض الوجوه ومبتدع من بعض الوجوه، اختلط، ففيه صلاح من جهة ما فيه من الأعمال المشروعة، وفيه فساد لأنه بدعة وحادث؛ لأنه أصلا هذا السياق الذي يتكلم عنه مثل المولد النبوي، فهو فيه إشكال وفساد من جهة أنه بدعة، لكن فيه صلاح إذا ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم وقرئت سيرته، وأذن الناس بأخباره وأحواله، فهذا العمل خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، خلينا نسميها الحالة الثالثة.

لا، عمل هو ليس فيه أي شكل من أشكال الصلاح بوجه من الوجوه، تمام؟ اللي هو إما عمل فاسد ابتداء كالزنا والخمر وارتكاب المنكرات وهدم الشريعة وما شابه ذلك، أو دراسة العقائد الفاسدة وتدريسها، أو أن يكون الإنسان تاركا للعمل الصالح مطلقا. لاحظ الحالة الثالثة الذي صنفها، قال ما ليس فيه صلاح أبدا جعله على صورتين، ما ليس فيه صلاح أبدا قال: إما أن يترك الإنسان كل الأعمال الصالحة ولا يفعل أي عمل صالح، وهذا من جملة الفساد، أو لا يمارس ممارسة فاسدة حقيقية أيضا، كمعاقرة المعاصي والذنوب، أو دراسة العقائد البدعية وتدريسها للناس وما شابه ذلك.

طيب، بناء على هذا إذا الأعمال ثلاثة، ماذا سينبني على كل قسم منها؟ قال: «فأما الأول فهو سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم باطنها وظاهرها، قولها وعملها في الأمور العلمية والعملية مطلقا». قال: أما الحالة الأولى وهو العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه، فهو ماذا يمثل؟ سنة النبي عليه الصلاه والسلام وطريقته في القول والعمل في العلميات والعمليات، الأمور العلمية الاعتقادية والأمور العملية اللي هي الفقه وما شابه ذلك، الأمور التي تتعلق بأفعال المكلفين. قال: فهذا هو الذي يجب تعلمه وتعليمه، هذا الذي يجب أن يشغل الإنسان نفسه به والأمر به، فهذا الذي يجب تعلمه وتعليمه والأمر به وفعله على حسب مقتضى الشريعة، إذا كان إيجابا إيجابا، إذا كان مستحبا مستحبا.

قال: «والغالب على هذا الضرب هو أعمال السابقين الأولين». وهذا يعني جله إنما هو أعمال السلف الصالح. لماذا قال والغالب وما قال والكل؟ من يقول لي ليش قال والغالب على هذا الضرب هو أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ ليش قال والغالب؟ طيب، وفي شيء لن يكون من أعمال السابقين الأولين ويكون داخلا في هذا القسم الأول؟ هل هناك أعمال حدثت بعد السابقين الأولين في القرن الثالث والرابع والخامس وتكون داخلة في القسم الأول الذي هو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه؟ نعم، أحسنت، اللي هي المصالح المرسلة، اللي حكينا عنها أنه في هناك أعمال هي مصالح مرسلة ما وردت عن السلف الصالح لكنها داخلة تحت كليات الشريعة، فتعتبر من سنتهم في الجملة باعتبار أنها مقيسة على المصالح المرسلة.

قال والغالب على هذا الضرب، المرتبة الثانية قال: «المرتبة الثانية فهي كثيرة جدا في طرق المتأخرين». وهذه المرتبة الثانية هي التي من أجلها ذكر ابن تيمية هذا التقسيم، حتى يعلم طالب العلم التوازن. هذه المرتبة الثانية هي المقصودة هنا في هذا السياق، أنه يريد ابن تيمية أن يعرفك التوازن في تعاملك مع من يقع في البدع العملية خصوصا، وحتى الاعتقادية. أن هؤلاء كثير من المتأخرين، حتى من الفقهاء والعلماء، حتى من علماء المذاهب وما شابه ذلك ممن وقعوا في ماذا؟ في عمل صالح مشروع مختلط بشيء من البدعة. عمل صالح مشروع كصلاة وذكر وخطبة وشابوه بشيء من ماذا من البدع الفاسدة، فهنا ما موقف طالب العلم من هذا القسم الثاني؟

قال: «وأما المرتبة الثانية فهي كثيرة جدا في طرق المتأخرين من المنتسبين إلى علم أو عبادة، ومن العامة أيضا، وهؤلاء خير ممن لا يعمل عملا صالحا مشروعا ولا غير مشروع، أو من يكون عمله من جنس محرم كالكفر والكذب والخيانة والجهل». هذه أول شيء بدك تفهمه في فلسفة ابن تيمية أو ماذا يرى ابن تيمية. يرى ابن تيمية أن هؤلاء الذين يفعلون أعمالا مشروعة مختلطة بشيء من البدع، كمن يفعل المولد النبوي وشيء من هذه الأعياد البدعية التي تكون مقترنة بصلاة وذكر، هؤلاء عند ابن تيمية أفضل ممن لا يعمل عملا صالحا مشروعا ولا غير مشروع، يعني أفضل من الجالس في حياته بطالا لا يفعل أي شكل من أشكال الإنتاج الديني والصلاح في حياته، ممن لا ينشغل بصلاة ولا قرآن ولا كذا، كالشباب اللاهين.

الذين يعيشون في المقاهي وعلى فيسبوك والسوشيال ميديا، ولا يقدمون أي عمل مشروع ولا غير مشروع، هؤلاء أيضاً الذين يبتدعون بدعاً مختلطة بأعمال صالحة، هم أفضل ممن يعمل جنس المحرمات من باب أولى. يعني إذا كانوا هم أفضل ممن لا يعمل شيئاً، الذي حاله النيوترون لا هو صالح ولا فاسد، إذاً هم أفضل من باب أولى ممن يفعل المحرمات كالكفر والكذب والخيانة والجهل. تمام؟ فهذه نظرة ابن تيمية، يقول لك ابن تيمية: لما ترى رجلاً يقع في بدع، ولكن بدعته مختلطة بشيء من الأعمال المشروعة، لا تنظر إليه كما تنظر لإنسان جالس في مقهى. فبعض الشباب تجد ايش يقول؟ يا أخي والله هؤلاء الشباب اللي في المقاهي حالهم أحسن من هؤلاء الذين يحتفلون بالمولد، شو رأيك في هذه العبارة يا شيخ؟

أستاذ، فهمت بالاطلاقات الحادة شوي التي تصير عند بعض إخواننا، خصوصاً ممن ينتسب إلى السلف، بتجد عنده هذه الحدية في التعامل. والله إني أجلس في مقهى وأقضيها من النهار لليل على مقهى وكذا مع شباب، أفضل من أني أكون من هؤلاء الناس الذين يحتفلون ببدعة المولد النبوي وجالسين في المسجد! ابن تيمية يرى إشكالاً في هذا الإطلاق. هو لا يرى أن هذا الذي ابتدع بدعة المولد -وقس عليها ما كان مثلها مما هو بدعة- لكنه فيه ممارسات مشروعة كذكر الله أو الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، حاله أفضل من حال من لا يفعل أي شيء في الحياة، أو جالس في المقهى ينظر إلى النساء، أو قاعد على الأراجيل والدخان. قال: هذه المقارنة غير دقيقة وهذه مجازفة في الإطلاق. فهمتم الآن كيف يرى ابن تيمية الأمر؟

طيب، خلونا نكمل، قال: ويندرج في هذا أنواع كثيرة؛ فمن تعبد ببعض هذه العبادات المشتملة على نوع من الكراهة كالوصال وترك جنس الشهوات ونحو ذلك. شوف قال: فمن تعبد ببعض هذه التعبدات المشتملة على نوع من الكراهة، نوع من الكراهة يعني بدعة مثلاً كالوصال في الصيام. الوصال في الصيام ايش حكمه؟ طبعاً الوصال في الصيام ما هو أنك يومين ثلاثة تصوم ما تفطر، هذا منهي عنه في الإسلام، ما بين مكروه عند الحنابلة وما بين محرم. طيب لو شخص وصل الصيام مع أنه منهي عنه، أو ترك جنس الشهوات اللي هو مثل الثلاثة الصحابة الذين دخلوا بيت النبي عليه الصلاة والسلام فقال بعضهم: لا آكل لحماً، وقال الآخر: لا أتزوج النساء، فلو قال شخص: أنا خلص سأترك الزواج واللحم.. هس هذه حالة بدعية تشبه حالة النصارى، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم، هي بدعة لكنه قصد بترك جنس الشهوات التفرغ للعبادات. أنت ملاحظ أنه هو عمل شيئاً خطأ، بس في شيء صح في الموضوع الخطأ، هي البدعة، لكن الشيء الصواب أن مثلاً في الوصال أنه في صيام، والصيام بحد ذاته مشروع ولا لا؟ كصيام مشروع. ترك جنس الشهوات بقصد التفرغ للعبادة، الخطأ هو ترك الجنس، لكن كتعبر ستفعل خلال الترك والله هذا شيء جيد.

فيقول أو قصد مثلاً قال: إحياء ليالٍ لا خصوص لها، مثل شخص يخص ليلة النصف من شعبان بإحياء، أو شخص يخص أول خميس من رجب بإحياء وصلاة الرغائب. هس هي فيها بدعة من جهة أن هذا بدعة تخصيص هذا اليوم بقيام دون غيره وتخصيص صلاة الرغائب، لكن في جانب مشروع أن الصلاة هي بحد ذاتها مشروعة. ابن تيمية يحاول أن يخليك تنظر للزاويتين معاً. فأمثلة قال كأول ليلة من رجب ونحو ذلك، قال: أيوه، قال: ونحو ذلك قد يكون حاله خيراً من حال البطال الذي ليس فيه حرص على عبادة الله وطاعته. فهذا الشخص وهو في بدعته يمارس هذه الأعمال، قد يكون حاله خيراً من حال البطال، البطال اللي جالس في البيت نائم لا يصلي قيام الليل ولا يفعل شيئاً في حياته، الذي ليس فيه حرص على عبادة الله وطاعته.

بل نعم، قال: بل كثير من هؤلاء الذين ينكرون هذه الأشياء زاهدون في جنس عبادة الله من العلم النافع والعمل الصالح، أو في أحدهما، لا يحبونها ولا يرغبون فيها. وقف، بل شوفوا أين يوصل. يقول بل ابن تيمية يقول: هذا كلام صحيح تراه في الواقع، كثير ممن ينكرون على الذين يحتفلون بالمولد، كثير ممن ينتسب إلى السلف ويزعم أنه على طريقة السلف وينكرون على من يحتفل بالمولد، قال: كثير من هؤلاء الذين ينكرون هذه البدع هو أصلاً في حياته زاهد في جنس عبادة الله، هو لا يقوم الليل ولا يصوم اثنين وخميس ولا يحافظ على أذكار الصباح والمساء والسنن الرواتب. بيعملها هو بس شغال، بس يجي المولد ينزل "بوست" أو مقطع: يا أخي هذه بدعة! يا أخي ماشي بدعة، أنت شو بتعمل؟ أنا ما عندي مشكلة أن تحكم أنها بدعة وتنبه الناس، لكن ابن تيمية يقول لك: برضه أنت عم تغالط نفسك، أنت شغال تحذر من بدعة، ولكنك أنت زاهد أصلاً في جنس عبادة الله، لا نراك مع أهل الصيام ولا القيام ولا الذكر.

فيقول: هؤلاء الذين ينكرون هذه البدع، كثير منهم زاهد في جنس العبادة من العلم النافع والعمل الصالح أو في أحدهما -يعني لا يحضر دروس علم نافع ولا يعمل عملاً صالحاً- فيصرفون قوتهم إلى هذه الأشياء. فهم بأحوالهم منكرون للمشروع وغير المشروع، وباقي لهم لا يمكنهم إلا إنكار غير المشروع. قال: لا يمكنهم ذلك في المشروع. اه، فهمت أحسنت، لكن لا يمكنهم ذلك في المشروع نعم. يعني هم أصلاً كـ"الطبيعي" في التعبد لله، فلا يمكنهم أن ينكروا على الناس التعبد لله بالمشروع، لأنهم إذا أنكروا التعبد بالمشروع كفروا، صح؟ أنت تنكر التعبد بالمشروع يصل بصاحبه إلى الكفر. لأنه أصلاً عندهم فتور عن محبة الله وطاعة الله، لا يمكنهم أن ينكروا على الناس التعبد لله في المشروع فيصرفون قوتهم إلى هذه الأشياء. ايش هذه الأشياء؟ وهو أن ينكروا على الناس البدع.

شوف هذا التحليل العميق الخطير، أنه هو أصلاً إنسان ما عنده أي همة لطاعة رب العالمين، لكنه ما يستطيع ينكر على الناس ممارستهم للعبادات المشروعة؛ لأنه لو فعل ذلك لكفر، فينشغل بالإنكار: ايش العبادات غير المشروعة؟ يصير هذا شغله، أنه بس بده يتصيد البدع حتى ينكرها، فيصرفون قوتهم إلى هذه الأشياء -يعني إلى إنكار العبادات غير المشروعة- فهذا الصنف بأحوالهم -يعني بصورته- فهم بأحوالهم وممارساتهم هم منكرون للمشروع ولغير المشروع، يعني إذا نظرت في سيرة حياته هو أصلاً حياته سيرته لا بتشجعك لا لعمل مشروع ولا لعمل غير مشروع، دائماً نائم تمام، وإن كان قوله يقتصر فقط على إنكار غير المشروع.

شوف هذا الكلام ودعونا نسقطه على واقعنا، وواقع كثير ممن ينتسب إلى السلف اليوم ممن هو بطال، وإنما شغله فقط التبديع والتجريح والإسقاط والبدع، وكذا. تنظر في حاله، طب أين أنت مع قيام الليل؟ والله أخونا نائم من الفجر. أين أنت مع أذكار الصباح والمساء؟ بذكرها، مو حتى أعرف أن إنكارك للبدع نابع حقيقة عن حبك للسنة يجب أن أرى فيك -يا شيخ محمد- تمسكاً بالسنة. يعني ايش المؤشر أن هذا الشخص الذي ينكر البدع، إنكاره للبدع نابع من حبه للسنة؟ أن تجده يعمل بالسنة متمسكاً بها. أما لا يعمل بالسنن ونائم، باب من أبواب الخير تجد فيه، وتجد بس شغله الشاغل بس تيجي بدعة يستيقظ من نومه ينكر على الناس بعدين بيرجع بينام، معناتها أنت أخي الكريم أنت مشكلتك مع كل جنس التعبد مش فقط مع البدعة كما تزعم.

طيب قال: ومع هذا فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر، ولا يمنعه من ذلك موافقة بعض المنافقين له ظاهراً في الأمر بذلك المعروف والنهي عن ذلك المنكر. آه، شوف هذه القاعدة الجميلة الآن، يعني هي التوازنات التي يعلمها ابن تيمية لطلاب العلم مهمة جداً إخواني. مع ذلك، يعني مع معرفتنا أن بعض من ينتسب إلى السلف هو بطال نائم ولا يستيقظ إلا عند مواسم البدع ينكرها، لكن هل هذا يخليني أنا كطالب علم على طريقة السنة فيما أزعم، أكون متحسساً بالتالي بدي أنكر البدعة حتى لا أوصم أنني من هذا النوع من أتباع السلف؟ عرفتوا هذا المشهد اللي بيصير مع البعض؟ أنه بصير هو ايش يقول: يا أخي والله كثير لما بينكر البدع أي هم والله ما بيصلوا قيام ليل ولا كذا ولا عنده سنة، فبصير هو إيه لأنه ينكر على هذا النوع ممن ينتسب إلى السلف زهده في التعبد، يصبح يستحي أمام الناس من إنكار البدع خشية أن يقال له: إيه أنت من هذا النوع من السلفية! من النوع اللي بس بيصحوا على مواسم البدع وطول السنة نائم.

فبصير هو ايش يقول لك: لا بدي أوصم أني معهم، خلص ما بدي أنكر المنكر، أخي خلي الناس تحتفل بالمولد ولا حدا يقول لي أنك مع هذا النمط من أنماط السلف. فابن تيمية يقول لك: لا، قال: والمؤمن -ها شو بقول لك- أنا كمؤمن أعرف السنة وأعرف البدعة. المؤمن أولاً يتمسك بالسنة في حياته الشخصية، ويحاول أن يجاهد عليها من جهة، ولا ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حتى ولو كان بعض المنافقين -سمى هؤلاء النوع من السلفية الذين بس يستيقظون في مواسم البدع سماهم إيه؟ منافقين- قال: حتى ولو كان بعض المنافقين يوافقونه في الأمر بهذا المعروف أو في النهي عن هذا المنكر، يعني لا تصير عندك حالة من الإحراج إني ما بدي أنكر هذه البدعة لأني بعرف في ناس على خطأ بينكروا هذه البدعة. كوني أنا وهذا الشخص بننكر نفس البدعة، هل هذا يعني أنا وهذا الشخص متفقين على نفس الأسلوب؟ لا، أنا ممكن أتفق مع شخص على أن هذا بدعة، بس أنا طريقة عملي مختلفة عن طريقة عمله. هو أنكر أنها بدعة وحط رأسه ونام، لكن أنا الأصل أنكر أنها بدعة وأقوم أشتغل بالسنة. فأنا كوني يوافقني في إنكار هذه البدعة ما يجعلني أشعر بالإحراج والحياء، لا خليك قوياً في شخصيتك، خلص هي بدعة بدعة، حتى ولو كان بعض المنافقين ينكرها مثلي، لكن أنا لي مقصدي وهذا له مقصده، أنا لا يضرني ذلك.

كمل قال: ولا مخالفة بعض علماء المؤمنين. وكذلك لا تستحي أن تكون البدعة التي تنكرها والله أقرها ابن حجر الهيتمي -يعني مع احترامنا ورجل عالم بعض الشيء لكن هو أخطأ- لو كان بعض علماء المؤمنين لاجتهاد -نسأل الله أن يغفر له- حث على هذا الفعل غير المشروع وكان يعتقد مشروعيته، هل أنا أستحي من إنكاره بحجة: والله ابن حجر الهيتمي ولا فلان ولا فلان من العلماء الأقدمين علماء المذاهب قال بمشروعيته؟ لا، هذا في النهاية ما أراه حقاً سأقول أنه حق، وما أراه بدعة سأقول أنه بدعة، ولا أهاب ما دام الرأي الذي أقوله هو رأي علماء أكابر أيضاً من علماء السلف. فإذاً لا تخشى من موافقة بعض المنافقين لك في الظاهر في الأمر بذلك المعروف، ولا تخشى من مخالفتك لبعض علماء المؤمنين أن تقول: أنا في نفس الوقت خائف أن يكون كلامي مخالفاً لابن حجر الهيتمي. هو مش كلامك، هو أنت تتبع ابن تيمية وابن القيم والمعلمي وابن عبد البر وابن رجب، يعني أنت عندك أيضاً سلف، أنت كأنه اللي بيخالف ابن حجر الهيتمي بيكون مقطوعاً من شجرة؟ لا، ما هو أنت لك سلفك من العلماء الأكابر رضوان الله عليهم، فإذا أنا خالفت هذا أنا موافق لغيره في إنكار هذه البدعة.

نعم، قال: فهذه الأمور وأمثالها مما ينبغي معرفتها والعمل بها. أي والله، هذه القواعد التي ذكرت في هذه الفقرة مهمة جداً جداً، فعلاً مهمة جداً جداً. نعم قال: النوع الثالث. النوع الثالث، خلص هو الآن رجع إلى أصل هذا الفصل، النوع الثالث كان أصلاً يجب أن يضعها بالغلظة؛ لأنه هو النوع الثاني حطها قبل صفحتين. النوع الثاني ذكر، أي صفحة؟ النوع الأول صفحة 250، النوع الثاني صفحة 251، النوع الثالث صفحة 255. النوع الثالث ما هي النوع الثالث من الأيام التي يعظمها الناس ويصنعون فيها البدع كما قلت في بداية الدرس؟ ما هو النوع الثالث؟ يوم له خصيصة في الشريعة وله عبادات خاصة به، لكن زاد فيه الناس بعض البدع، كيوم عرفة ويوم عاشوراء. لأنه كما قلنا، ابن تيمية قسم الأزمنة التي تعظمها الناس على صورة غير مشروعة إلى ثلاثة أقسام: يوم تعظمه الناس ولا يوجد فيه أي ميزة كالأول من رجب، يوم تعظمه الناس ووقع فيه حادث تاريخي لكن الإسلام لم يعطه نوعاً من التعبد كـ17 رمضان يوم غزوة بدر، يوم نعم له مشهد في تاريخ الإسلام، لكن هل في عبادة خاصة بـ17 رمضان؟ لا، يعني رمضان صيامه مع رمضان بس، يعني هذا اليوم في له عبادة خاصة؟ لا. النوع الثالث يوم عظمته الشريعة نعم، وجعلت له عبادة خاصة مثل عرفة. ايش في عبادة خاصة عرف يا عمار؟ الصيام، تمام والتعريف عند بعض أهل العلم في الأمصار، يعني في بعض الأمور لكن.

الناس أحدثوا فيه زيادة على ذلك. عاشوراء له خصيصة عند أهل الإسلام، وهي الصيام، لكن بعض الناس زادوا واخترعوا عبادات أخرى في هذا اليوم، كما سيقول ابن تيمية. اقرأ، قال النوع الثالث: ما هو معظم في الشريعة كيوم عاشوراء ويوم عرفة ويومي العيدين والعشر الأواخر من شهر رمضان والعشر الأول من ذي الحجة وليلة الجمعة ويومها والعشر الأول من المحرم ونحو ذلك من الأوقات الفاضلة، فهذا الضرب قد يحدث فيه ما يعتقد أن له فضيلة، وتوابع ذلك ما يصير منكراً ينهى عنه. مثل قال: مثل ما أحدث بعض أهل الأهواء في يوم عاشوراء. فهذا الضرب قد يحدث فيه -يعني يبتدع فيه- ما يعتقد أن له فضيلة، مما يصير منكراً يجب أن ينهى عنه. يعني يزيدون في هذه الأيام تعبداً وإحداثاً لا يجوز، مثل شوف الآن قال: مثل ما أحدث بعض أهل الأهواء في يوم عاشوراء من التعطش والتحزب وغير ذلك من الأمور المحدثة التي لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.

ويتكلم عن اللطميات عند الروافض، قال: كما أحدثوا الآن يوم عاشوراء له خصيصة، لكن أن تخرج الناس في الشوارع لطميات وشق جيوب على مقتل الحسين، قال: هذا أنتم ابتدعتموه، هذا ليس من الإسلام في شيء. صح يوم عاشوراء يوم عظيم، بس ما له علاقة بهذه اللطميات والتفجع وشق الثياب وسلخ الجلود، لم يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام ولا أحد من السلف، بل حتى أهل البيت الذين تنتسب إليهم لم يفعلوها. قال: ولا أحد من السلف ولا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من غيرهم. لكن لما أكرم الله سبط نبيه، سيد شباب أهل الجنة، بأيدي الفجرة الذين أهانهم الله، وكانت هذه مصيبة عند المسلمين، يجب أن تتلقى بما تتلقى به المصائب.

الأسلوب الذي يتكلم فيه ابن تيمية لفتني من جانب معين، طريقته في طرح الموضوع، ما هو الإنصاف؟ أحسنت، هو ما بده يشعر الناس أنه عنده مشكلة مع الحسين عليه السلام، لأنه بتعرف الناس لما مثلاً تحكي عن قتل حسن نصر الله يا أخي أنت ضد المقاومة، كل كلمة بدك تحكيها بدك تحسب حساب ردة فعل الجمهور. هيك صرنا اليوم للأسف، وهذا موجود عبر كل لما بدك تتكلم عن أي حدث واقع بدك تضلك تحط بريكات، لا كيف رح يفهموا الكلمة هذه؟ لا ممكن يفهموها هيك، ممكن يفهموها هيك. فابن تيمية هو وعم يعالج المشكلة بتلاقيه بحط بريكات، حتى ما يفهم كلامه أنه أنا يا جماعة الخير ترى أنا ما بسد بمقتل الحسين، مقتل الحسين رضي الله عنه عظيم عند الله، وهذا من كبار أهل البيت، شوف عبارة سيد شباب أهل الجنة وريحانة النبي عليه الصلاة والسلام، على أيدي الفجرة الذين أهانهم الله، عم يقدم كل هذا الكلام حتى ما يقع في ذهنه أنه أنا كابن تيمية أنا بقول مقتل الحسين عظيم، وأن اللي قتله فجر، وأن دمه عظيم عند الله، وهو من كبار الصحابة، بس كل هذا ما بيخليني أقول إنه هذا اليوم يصبح لطمية لقتل الحسين. فهذا مهم جداً يفهم الطالب، للاسف إذا بدك تتصدر اليوم أمام الناس بدك تحسن هذه الطريقة الدبلوماسية.

بعض الشباب بدب المعلومة زي ما هي، بقول لك: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، لا يعني هي طبائع النفوس البشرية، لما إن شاء الله تكون من العلماء المتصدرين طبائع النفوس البشرية تقتضي منك الحذر في طريقة صياغة خطابك، حتى لا يفهم كلامك في غير مساقه، وأنت بيهمك برضه أنه حتى أهل البدع يحبوا كلامك ويقبلوا عليك، وهذا الهدف، صح ولا لا؟ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة. فأنا إذا استطعت أسوق الكلام بطريقة منمقة أجذب فيها كل الأطراف هذا مطلوب، ما تقول إنه أنا ما بيهمني، بيهمني أقول الحق، لا ما هو برضه الصيغة والقالب الذي ستقول به الحق برضه مطلوب. شوف ابن تيمية كيف حذر في اختيار كلماته عم يحسبها.

نعم قال: وكانت هذه مصيبة عند المسلمين يجب أن تتلقى بما تتلقى به المصائب من الاسترجاع المشروع. هذه مصيبة، قتل الحسين مصيبة ويجب أن تتلقى بـ «إنا لله وإنا إليه راجعون» ويعظم هذا الأمر. لكن هنا يرجع المشكلة، نعم قال: فأحدث بعض أهل البدع في مثل هذا اليوم خلاف ما أمر الله به عند المصائب، وضموا إلى ذلك من الكذب والوقيعة في الصحابة والبراء من فتنة الحسين رضي الله عنه وغيرها أموراً أخرى مما يكرهها الله ورسوله. وقد روي عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين بن علي رضي الله عنه قال -أقول لك الجميل- هذا الحديث من روته؟ فاطمة بنت الحسين عن الحسين بن علي الذي استشهد في كربلاء، عن الحسين بن علي عن والده قال صلى الله عليه وسلم، أو عن النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة. نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث استرجاعاً، وإن تقادم عهدها، كتب الله له من الأجر مثلها يوم أصيب» رواه أحمد.

نعم، كمل قال: فتدبر كيف روى مثل هذا الحديث الحسين رضي الله عنه وابنته التي شهدت مصابه، ولك هذا من المصادفات العجيبة أن الذي روى هذا الحديث هو نفس الحسين بن علي الذي وقع في المصيبة، والذي نقل عنه هذا الحديث ابنته التي كانت حاضرة معه يوم كربلاء التي هي فاطمة، يعني يقول لك هذه من المصادفات العجيبة، الذي روى هذا الحديث هو نفسه من ابتلي به. نعم قال: وأما اتخاذ أمثال أيام المصائب مأتماً فهذا ليس في دين المسلمين، بل هو إلى دين الجاهلية أقرب. فبالتالي أن يصبح مثلاً بتعرف بعض الناس بصير عنده يوم المصيبة مأتم، كل سنة بيعمل فيه حزن، والله عزاء موت فلان، وتسعين موت فلان وأبصر قديش، لا هذه مأتم صارت، ما خلص المصيبة وظيفتي أن أسترجع إذا تذكرتها وأقول إنا لله وإنا إليه راجعون، وليس أن أجعلها مأتماً ولطميات وأجمع الناس، هذا ليس من دين الإسلام. نعم قال: ثم فوتوا بذلك ما في صوم هذا اليوم من الفضل، وأحدث بعض الناس في ثم فوتوا بذلك ما في صوم هذا اليوم من الفضل، يعني أن هؤلاء الروافض لما اشتغلوا باللطم تركوا صوم يوم عاشوراء، يعني لا هم صاموا يوم عاشوراء فأخذوا فضيلته واشتغلوا بصناعة البدع فيه، فقال: فعلوا غير المشروع وتركوا المشروع.

طيب الآن هناك قوم مخالفون لهم في ذلك، قال: وأحدث بعض الناس فيه أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة لا أصل لها، مثل فضل الاغتسال فيه أو التكحل أو المصافحة وهذه الأشياء ونحوها من الآثار، بعض الناس يختلق فضل الاغتسال في عاشوراء، فضل التكحل في عاشوراء، فضل المصافحة في عاشوراء، وهذه كلها أحاديث كذب. نعم قال: وهذه الأشياء ونحوها من الأمور المبتدعة كلها مكروهة، وإنما المستحب صومه. قال: وقد روي في التوسعة على العيال فيه آثار معروفة، أعلى ما فيها حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه، قال بلغنا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته، رواه عنه ابن عيينة، وهذا بلاغ منقطع لا يعرف قائله. نعم لأنه قال إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه، طب هو أبوه ليس من الصحابة ولا من التابعين، بالتالي الحديث منقطع عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيقول هذا بلاغ منقطع لا يعرف قائله من الصحابة ولا السلف.

والشبهة ابن تيمية لهذا المتن قال: والشبهة أنه من وضعه؟ قال: وضعه الأمويون مناكفة للشيعة. هس الشيعة شو بخلو يوم عاشوراء؟ لطمية، فالأمويون إيش عملوا؟ قالوا بدنا نخليه عيد، قال هذه مناكفات كانت تحدث قديماً، أن بني أمية هم اللي قتلوا الحسين، فأنتم يا شيعة بدكم تتخذوه مأتماً، احنا رح نعمله عيد. قال: والشيء بالشيء يذكر، اتخذوا يوم عاشوراء عيداً مناكفة بالشيعة الذين يتخذونه مأتماً. نعم قال: وكلاهما باطل، لا فعل النواصب صح ولا فعل الروافض صح. نعم قال: وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون في ثقيف كذاب ومبير»، فكان الكذاب المختار بن أبي عبيد وكان يتشيع للحسين ثم أظهر الكذب والافتراء على الله، وكان فيها الحجاج بن يوسف وكان فيه انحراف عن علي وشيعته وكان مبيراً. يريد يقول ابن تيمية: قال النبي عليه الصلاة والسلام سيكون في ثقيف كذاب ومبير، يخرج من قبيلة ثقيف، طبعاً قبيلة ثقيف كانت تسكن الطائف في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. الكذاب الذي خرج هو المختار بن أبي عبيد، ادعى النبوة وكان يتشيع لعلي وآل البيت، والمبير من هو؟ الحجاج بن يوسف وكان يتشيع للأمويين، يعني شوف عكس بعض، كلاهما خرج من ثقيف، واحد ميال لعلي وآل البيت، وواحد ميال لبني أمية النواصب منهم، ويقول يعني الانحرافات موجودة في البشر على أشكال متعارضة متناقضة.

نعم قال: وهؤلاء فيهم بدع وضلال، وأولئك فيهم بدع وضلال، وإن كانت الشيعة أكثر كذباً وأسوأ حالاً. يعني أيهما أسوأ بالنسبة لتقييم أهل السنة؟ الشيعة من النواصب. الشيعة أسوأ من النواصب وإن كان النواصب خطأ، بس الشيعة فيهم من الكذب والافتراء ما هو أكثر بكثير مما وقع من النواصب. نعم قال: ولكن لا يجوز لأحد أن يغير شيئاً من الشريعة لأجل أحد، وإظهار الفرح والسرور يوم عاشوراء وتوسيع النفقات فيه هو من البدع المحدثة المقابلة للرافضين. الموضوع مش مناكفة، هذا دين، هو يقول ابن تيمية هذا دين مش لأن الروافض اتخذوا يوم عاشوراء مأتماً أنت تروح تتخذه عيد، الدين مش مناكفة، وهذا للأسف يحصل في كثير من أهل الأهواء أنه إذا هم راحوا على الشمال احنا لازم نروح على اليمين، لا بإمكانك تكون في المنتصف وتتبع الكتاب والسنة، باختصار لا تجعل تدينك ردات فعل. لا تجعل تدينك ردات فعل، إذا أنا رأيي أنه هذا العالم لا يزكي، مش معناته أنه هو مش واقع في البدعة، أبداً، لا بإمكانك أنك تقوم في موقف معتدل إن وقع في بدعة، لكن لا تقتضِ تكفيراً صح ولا لا؟ لأنه أنت دائماً بين طرفي النقيض هو الذي يولد التطرف عادة، وقوع ردات الفعل الشنيعة تولد ماذا؟

تطرف شنيع، فكأنك محصور أما أن تكفر العلماء وتقع في، وأما أنك تميع أنه فيش بدع، لا بإمكانك أنك تكون متوازناً، أنه في بدع وأسأل الله أن يغفرها، دائماً عود نفسك في مواقفك الدينية أن ما تكون ردات فعل. لأنه للأسف اليوم أغلب على السوشيال ميديا خاصة من يخرج من الدعاة والردود هي ردات فعل، وليست حلولاً لمشاكل من كل الأطراف، هي ردات فعل؛ هذا بده يكفر، هذا بده ما في بدع في الإسلام، لا حاول أنك تتوازن، أستطيع أن أقيم الموقف بس بدون تطرف لا لهذه الجهة ولا لهذه الجهة، ودائماً الأطراف بتحاول تشدك إليها، هذا بده يجيبك له، بده يخليك تميع، وذاك بده يشدك له، بده يخليك تصير غالياً في دين الله. عود نفسك، عندي قدرة على التوازن، تكون ما حدا يشدني لصالحه، لأن ذلك شوف هذا الكلام: ولكن لا يجوز لأحد أن يغير شيئاً من الشريعة لأجل أحد، هذه قاعدة مهمة، أنا ديني مش ردات فعل. النواصب والله حطوا قضية التوسعة ردة فعل على، لا، لا الدين مش كذا، الدين ما قاله الله وقال رسوله بالأدلة، ولا يهمني الأطراف المتشنجة على كلا الطائفتين.

نعم قال: وقد وضعت في ذلك أحاديث مكذوبة في فضائل ما يصنع فيه من الاغتسال والاكتحال وغير ذلك، وصححها بعض الناس كابن ناصر.

وغيره، وليس فيها ما يصح، لكن رويت لأناس اعتقدوا صحتها فعملوا بها ولم يعلموا أنها كذب، فهذا مثل هذا. وقد يكون سبب الغلو في تعظيمه من بعض المنتسبة مقابلة للروافض، فإن الشيطان قصده أن يحرف الخلق عن الصراط المستقيم، ولا يبالي إلى أي الشقين صاروا.

شوف جميل هذا الكلام، قال: فإن الشيطان قصده أن يحرف الخلق عن الصراط المستقيم، ولا يبالي إلى أي الشقين صاروا. إيش يعني؟ الشيطان همه في النهاية أنك تخرج عن السكة، عن الاعتدال؛ صرت شيعياً، صرت ناصبياً، يصير الذي بدك إياه، بس المهم أنك ما تكون على الصراط المستقيم. فالشيطان وجد أن بعض الناس ممكن يحرفه باتجاه التشيع لعلي رضي الله عنه وتقديسه، وتقديس الحسين بشكل غير مشروع؛ هذول سحرهم إلى المآتم. ووجد ناس بيكرهوا العلويين، قال: إيش أعمل فيهم هؤلاء؟ خليهم يعملوا أشياء مناكفة بالعلويين، يلا خليهم يعملوا العيد، إيش يوم عاشوراء أفراح؛ المهم أن الكل يكون غلط بالنسبة للشيطان.

إيش المهم يا عمار أن الكل يكون خطأ؟ قال: ولا يبالي الشيطان إلى أي الشقين صاروا؛ صرت شيعياً، صرت ناصبياً، صرت جهمياً، صرت مجسماً، صرت إيش عندنا فرق متعارضة، صرت مرجئاً، صرت خارجياً، مش مشكلة، المهم أنك لا تكون على الاعتدال والتوسط. وهذا كلام يجب أنك تفهمه.

نعم، قال رحمه الله: فينبغي أن يجتنب جميع هذه المحدثات. ومن هذا الباب شهر رجب، فإنه أحد الأشهر الحرم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل شهر رجب قال: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان»، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل رجب حديث آخر، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم كذب. والحديث إذا لم يعلم أنه كذب فروايته في الفضائل أمر قريب، أما إذا علم كذبه فلا يجوز روايته إلا مع بيان حاله.

هذه قاعدة مهمة، يقول ابن تيمية: الأحاديث التي تذكر الفضائل إذا ما علمت أنها مكذوبة يجوز تروي الحديث في فضائل الأعمال. يقول: والحديث إذا لم يعلم أنه كذب حتى ولو ظاهره ضعيف، قال: فروايته في باب فضائل الأعمال قريب، قريب يعني سهل ما في مشكلة، يعني كأحاديث من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم عشر مرات كذا وكذا، من قال كذا؛ كثير مما يرويه المنذري في كتاب الترغيب والترهيب في فضائل الأعمال هو ضعيف من حيث الظاهر، لكنني لم أجزم أنه كذب، قال: لو رويته ما في مشكلة، لو حدثت فيه ما في مشكلة.

لكن وين المشكلة؟ أما حديث علمت كذبه لا يجوز أن ترويه في فضائل الأعمال، حتى لو قلت يا شيخ ما هي فضائل أعمال؟ يعني ليس فيها حلال وحرام، حتى في فضائل الأعمال إذا عرفت أن الحديث موضوع لا يجوز أن ترويه إلا مع بيان حاله، يعني إلا أن تقول هناك حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم مكذوب كذا وكذا، ها تقول إنه مكذوب، وتبين حال الحديث. نعم، حديث فيه ضعف، يعني هو حديث نعم معروف أنه ضعيف، بس ابن تيمية رحمه الله عليه في باب الفضائل ماشي على هذه القاعدة.

نعم قال رحمه الله: لقوله صلى الله عليه وسلم: «من روى عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين». قال: نعم روي عن بعض السلف في تفضيل العشر الأول من رجب بعض الأثر، وروي غير ذلك. فاتخاذ موسماً بحيث يفرد بالصوم مكروه عند الإمام أحمد وغيره، كما روي عن عمر بن الخطاب وأبي بكرة وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم. وروى ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم رجب، رواه عن إبراهيم بن منذر الحزامي عن داوود بن عطاء، قال حدثني زيد بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن سليمان بن علي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وليس بالقوي.

قال: وهل الإفراد مكروه أن يصومه، وهل الإفراد مكروه أن يصومه كله أو ألا يقرن به شهراً آخر؟ فيه للأصحاب وجهان، يعني اختلفوا ما معنى كراهية إفراد رجب؟ هذا الإفراد المكروه أن تصومه كله، فإذا صمت بعضه ما في مشكلة، أو المراد بالإفراد المكروه أن يقرن به شهراً آخر، فإذا قرن به شهراً آخر زي يعني يوم الجمعة إذا صمت معه يوم آخر خلاص انتهت المشكلة، المهم وليس هذا موضع هذا الكلام. قال: ولولا أن هذا موضع الإشارة إلى رؤوس المسائل لأطلت الكلام في ذلك.

قال: ومن هذا الباب ليلة النصف من شعبان، فقد روي في من هذا الباب، يعني هو الآن يذكر أمثلة لمواسم لها خصوصية في الإسلام لكن لا يجوز إحداث البدع فيها زيادة عما فيها من المشروع، زي عرفة، عاشوراء؛ هي الآن ليلة النصف من شعبان، ليلة النصف من شعبان لها خصوصية، أي نعم، يعني كفضل لها فضيلة، يعني مجموع الأحاديث يقبل التحسين كفضل. نحن مشكلتنا مش مع فضيلتها، مشكلتنا إيه مع ما أحدثه الناس فيها من بدع الأعمال.

نعم قال: ومن هذا الباب ليلة النصف من شعبان، فقد روي في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة، إذاً ابن تيمية يعتقد أن ليلة النصف من شعبان لها فضيلة، نعم وهذا كلام صحيح. نعم قال: ما يقتضي أنها ليلة مفضلة، وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة فيها، وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة. ومن العلماء من السلف ومن أهل المدينة وغيرهم من الخلف من أنكر فضلها وطعن في الأحاديث الواردة فيها؛ نعم هذا رأي ثاني، هل من العلماء من أنكر فضل ليلة النصف من شعبان أصلاً؟ يقول لك نعم، بعض أهل الحديث وبعض أهل المدينة ينكر أصلاً فضل ليلة النصف من شعبان ويرى أن الأحاديث الواردة لا تصل إلى التحسين، بالتالي المسألة فيها خلاف كفضيلة الليلة.

نعم قال: كحديث «إن الله يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم كلب»، وقال لا فرق بينها وبين غيرها، لكن الذي عليه كثير من أهل العلم أو أكثرهم من أصحابنا وغيرهم على تفضيلها، وعليه يدل نص أحمد لتعدد الأحاديث الواردة فيها، وما يصدق ذلك من الآثار السلفية، وقد روي بعض فضائلها في المسانيد والسنن وإن كان قد وضع فيها أشياء أخر. إذاً ابن تيمية ماذا يرجح؟ أن لها فضيلة، وأن هذا اختيار أكثر أصحابنا، وهو الذي يدل عليه كلام أحمد، ولكن يعترف أنه وضع في فضلها أحاديث موضوعة، يعني في أحاديث صحيحة فيها مقبولة، وإن كان قد وضع فيها إيش؟ يعني في أحاديث موضوعة فيها، بس كأصل فضيلتها ثابت.

نعم قال: فأما صوم يوم النصف مفرداً فلا أصل له، بل إفراده مكروه. آه قال هنا: نحن مشكلتنا فالآن كفضل النصف من شعبان، يعني نقول نحن مش مختلفين فيها الآن، لكن وين بنختلف معكم؟ في إفرادها بالصوم وتخصيصها بالصوم دون غيرها. قال: وأما صوم يوم النصف مفرداً بدون ما تصوم يوماً قبله ويوماً بعده أو يوافق يوماً عرضاً لك، قال: فلا أصل له، بل إفراده مكروه، بل إفراده مكروه؛ أنه كل سنة تخصه بالصيام، كل الآن شوف لو أنه عرض صمته هذه السنة لو عرض صمته فما في مشكلة، لكن المشكلة متى تحدث؟ إذا كل سنة زي ما بيعملوا بعض الناس، يخصها بالصوم، يخصها بالصوم وبيعملوا إفطارات جماعية وما شابه ذلك، تخصيصها بجنس هذه العبادة دون غيرها؛ هنا مشكلة، لذلك قال: بل إفراده مكروه.

وكذلك اتخاذه موسماً تصنع فيه الأطعمة وتظهر فيه الزينة هو من المواسم المحدثة المبتدعة التي لا أصل لها. نعم قال: وكذلك ما قد أحدث في ليلة النصف من الاجتماع. أنا كنت أذكر أحد الأصدقاء كنت أعرفه قديماً، يعني هو أصلاً مش متدين، الأخ أصلاً يعني بجوز عيد الفطر وعيد الأضحى والله أعلم بيروح بس، العادة كنت ليلة النصف من شعبان أجي عليه صايم، قل له: أنا بعرفك أنك أنت أصلاً يعني كل باب التدين مش في حياتك يعني؟ قال: والله هي فعلاً عادة كنا إحنا العيلة بنجتمع في ليلة النصف من شعبان بنصوم وبنعمل هيك زي إفطار جماعي. شوف كيف البدعة نشأت عنده، يعني هو السنة مش محافظ عليها أصلاً والأشياء الأساسية في حياته بس لأنه نشأ مع عائلة بتعطي ليلة النصف من شعبان طقوس خاصة، خلص تربى وصار يلتزم بصيام النصف من شعبان.

هسه كما يعني على طريقة ابن تيمية إن شاء الله ربنا يثيبه على حسن قصده، لكن هي فيها بدعة من جهة إيش؟ أنك أنت عم بتخصص هذه الليلة وأنت المواسم الأصلية مش عم بتحافظ على التعبد فيها، مما يدل فعلاً على خطورة التخصيص بدون مخصص وأنه تصبح عادة وينشأ عليها الناس وتكبر مع مرور الأيام.

نعم قال: وكذلك ما قد أحدث في ليلة النصف من الاجتماع العام للصلاة الألفية في المساجد، الصلاة الألفية يقرؤون فيها قل هو الله أحد ألف مرة، هي صلاة يقرؤون فيها قل هو الله أحد ألف مرة أحدثها بعض الناس في النصف من شعبان، ويذكر أحاديث موضوعة فيها أنه من قرأ قل هو الله أحد ألف مرة حصل له شيء ولا الله شو، نعم. آه والله ما أنا عارف كيف بده يصلي الألف تمام يلا إلا يكون في هناك عداد يعني.

قال: من الاجتماع العام للصلاة الألفية في المساجد الجامعة ومساجد الأحياء والدروب والأسواق، فإن هذا الاجتماع لصلاة نافلة مقيدة بزمان وعدد وقدر من القراءة لم يشرع مكروه. آه يعني الآن لو شخص قال لك: يا أخي طب أصل الصلاة مشروع فلو أنا صليت في ليلة النصف من شعبان شو المشكلة؟ صلاة الألفية؛ هون بيجي ابن تيمية بده يبين لك متى تكون هذه الصلاة بدعية ومتى تكون الصلاة مشروعة داخلة في الأمر العام بـ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، فيقول: قال فإن الاجتماع ركز هنا، قد دائماً العبادة قد تكون مشروعة من حيث الإطلاق، لكن كثرة التخصيصات اللي أنت بتضيف عليها بتخليها تصير بدعة، هذه هي القاعدة العامة.

عبادة تكون مشروعة من حيث الأصل، يعني الصلاة من حيث الأصل فيها مشكلة يا شيخ؟ مش مشكلة لو واحد بده يصلي في النصف من شعبان صلاة قيام ليل عموماً، كالصلاة ما في مشكلة، طب متى تصبح هذه الصلاة نحكم بأنها بدعة؟ كلما أكثرت التخصيصات المحيطة بها التي ليس لها طبعاً أصل من الشارع حولتها من كونها مطلوبة إلى كونها مبتدعة، مثل إيش؟ قال مثلاً هذه الصلاة اللي سميتوها صلاة الألفية، شوفوا أنتم شو أضفتم تخصيصات من عندكم عليها؛ أولاً أنكم خليتوها صلاة جامعة، بس مش هي وحدها بتخليها بدعة لأن جنس أن تكون الصلوات النفل جماعة وارد في الشريعة، بس أنت لما تكمل نقطة على نقطة على نقطة على نقطة هي اللي خلت الموضوع صار تأليفاً؛ أنكم خليتوها جماعة ولا تصلى إلا في النصف من شعبان، ما بتصلوها جماعة إلا في النصف من شعبان، وقيدتوها بزمان معين، وبعدد معين قراءة قل هو الله أحد ألف مرة؛ مش عدد معين قراءة قل هو الله أحد ألف مرة، هذه التخصيصات كلياتها اللي أنتم جبتوها بهذه الهيئة الائتلافية، هذا ما نقل، الشريعة ما أتت به. فمشكلتي مش مع الصلاة باعتباري أنها داخلة تحت جنس الصلاة، مشكلتنا مع هذه الخصوصيات اللي أنتم خصصتم فيها هذه الصلاة فجعلتها كما قال من الذي لم يشرع.

لذلك قال: بزمان وعدد وقدر من القراءة لم يشرع، فإن هذا مكروه، أصبحت الصلاة مكروهة بمعنى غير مشروعة. نعم قال: فإن الحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، وما كان هكذا لا يجوز استحباب الصلاة بناءً عليه، وإذا لم يستحب فالعمل المقتضي للاستحباب مكروه. ولو سوغ أن كل ليلة لها نوع فضل تخص بصلاة مبتدعة يجتمع لها، لكان يفعل مثل هذه الصلاة أو أزيد أو أنقص ليلتي العيدين وليلة عرفة كما أن بعض أهل البلاد يقيمون مثلها، أو قال بنمشي على هذا المنوال لكان كل ليلة لها فضيلة خلص بعطيها صلاة خاصة فيها، مثلاً ليلة عرفة نعمل لها صلاة المليونية، ليلة عاشوراء نعمل لها صلاة إيش بدكم المئوية، ليلتي العيدين؛ قال لو أن كل ليلة لها فضل رح نعطيها صلاة خاصة فيها "سبيشال" لها يعني نعمل لها طقوس ورموز وعدد معين من القراءة، رح نخترع صلوات كثيرة في حياتنا، وراح يصير ليلة عرفة لها صلاة مميزة، ليلتي العيدين ليلة الفطر وليلة الأضحى رح نعطيها صلاة مميزة، وساعتها خلص نخترع في دين الله من الصلوات ما نشاء وكيف نشاء، وهذا دين هل هكذا جاء التعبد لله؟

نعم قال: وكما بلغني أنه كان في بعض القرى يصلون بعد المغرب صلاة مثل المغرب في جماعة يسمونها صلاة بر الوالدين. قال: شو مثل هذول؟ قال طلعوا لنا بصلاة بعد المغرب يصلون بعد المغرب صلاة مثل المغرب، يعني بيصلوا المغرب ثلاث ركعات بعدين بيصلوا كمان ثلاث ركعات صلاة بر الوالدين، طيب من وين أتيتم بصلاة بر الوالدين؟ هي طيب. وكما كان قال: وكما كان بعض الناس يصلي كل ليلة في جماعة صلاة الجنازة على من مات من المسلمين في جميع الأرض، لا هي طلع لك حفلة ثانية؛ كل ليلة بده يصلي صلاة جنازة على مين بتصلي؟ قال على أي مسلم مات، يا أخي هل

كان يفعله السلف أنه كل ليلة أصلي صلاة الجنازة ببيتي، أنوي بها الصلاة على من مات ولم يصلِّ عليه أحد، ونحو ذلك من الصلوات الجماعية التي لم تشرع. قال: وعليك أن تعلم أنه إذا استحب التطوع المطلق في وقت معين وجوز التطوع في جماعة، لم يلزم من ذلك تسويغ جماعة راتبة غير مشروعة.

هذه قاعدة مهمة في تفصيل هذه المسألة، لأنه هنا كثير من الناس تعترض في موضوع البدعية في هذا الكلام؛ ما ضابط البدعة في الصلاة؟ متى نقول إن هذه الصلاة بدعية أو هذا الذكر بدعي؟ الآن يقول: وعليك أن تعلم قاعدة عامة في باب التفريق بين البدعة وما ليس ببدعة. إذا استحب التطوع المطلق في وقت معين، مثلاً قيام الليل، هذا تطوع مطلق في وقت معين من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، هناك صلاة مطلوب منك تطوع مطلق؛ حبيت تصلي ركعتين صلي، حبيت تصلي أربعة صلي، حبيت تصلي ستة، ثمانية، عشرة، اثني عشر، زي ما بدك؛ فهو تطوع مطلق في وقت معين. إذا استحب هذا التطوع المطلق في وقت معين، وجوز أن يكون هذا التطوع جماعة، يعني جوزنا أنه قيام الليل لو حبيت يوم أصلي أنا وإياك جماعة، مشروع ولا مش مشروع؟ مشروع. قال: إذا كان هذا الحد مشروعاً، لم يلزم تسويغ جماعة راتبة دورية غير مشروعة؛ ففرق بين البابين.

فرق بين ما هو مشروع في الصلاة وما هو غير مشروع. أنت حابب تصلي تطوعاً مطلقاً في وقت معين، حبيت أحياناً تصليه جماعة وأحياناً تصليه فردي، يرجع لك. لكن إذا حولته إلى جماعة راتبة، أي تتكرر كل سنة في ليلة النصف من شعبان، تتكرر في ليلة العيد؛ تحويل هذا التطوع المطلق إلى جماعة راتبة تكررها كل سنة في ليلة معينة، هنا دخلنا في غير المشروع. قال: ففرق بين البابين، وذلك أن الاجتماع لصلاة تطوع أو استماع قرآن أو ذكر لله ونحو ذلك، إذا كان يفعل أحياناً فهذا حسن. يعني لو اجتمعنا يوماً مع بعض وحكينا: والله اليوم بدنا نجتمع، خلي الشيخ يقرأ قرآن نسمع منه، أو بدنا نجتمع نذكر الله سبحانه وتعالى؛ كأصل فكرة ما فيها مشكلة. لو حكينا نجلس في بيت الشيخ نذكر الله، قال: إذا فعل أحياناً -كلمة أحياناً نحط تحتها أربع خطوط- يعني إذا فعل لا كراتب يتكرر، فعل أحياناً من باب أننا نريد أن نقوي بعضنا على الإيمان، نجتمع اليوم في بيت الشيخ عمار نصلي، نجتمع بكرة عند الشيخ عاصم نذكر الله، نجتمع في بيت فلان؛ هذا فعله السلف أصلاً، فعله الصحابة على سبيل الأحيان، ما يكون شيئاً راتباً في وقت معين تصبح كرموز وطقوس معينة.

إذا فعل هذا أحياناً لظرف معين ينتهي بزواله ما في مشكلة، أما إذا أصبح سنة راتبة بدون حتى سبب اقتضاها، أنه بدنا نتفق نذكر الله في هذا اليوم بدون أي شيء يقتضي تخصيص هذا اليوم، إذا أصبح راتباً لا يخرم أبداً، نحن قلنا إذا كان تخصيصه لهدف زي ما حكينا في المجالس، أنه الشباب مثلاً تتفرغ يوم الخميس اخترنا يوم الخميس، لكن هذا ليس تخصيصاً لشيء يتعلق بالخميس، وإنما يتعلق بأمر دنيوي بحت، برضه لا إشكال في ذلك، لأنه إذا اختلف يوم الخميس وصار الشباب مشغولين الخميس، سيغيرون هذا اليوم، هكذا طبيعته؛ فالداعي لتخصيصه كان أمراً دنيوياً. أما الكلام هنا عن تخصيص ساعة معينة بصورة معينة لم يأت بها الشرع مع عدم وجود مخصص لا داخلي ولا خارجي يقتضي ذلك، هنا نحن نتكلم عن صورة بدعية.

الآن سيفصل أكثر، قال: فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى التطوع في جماعة أحياناً، وخرج على أصحابه وفيهم من يقرأ فهم يستمعون، فجلس معهم يستمع. كأصل هذه الصور واردة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ورد أنه صلى بأصحابه النفل جماعة، وورد أيضاً أنه خرج يوماً فوجد أصحابه في المسجد يستمعون لرجل يقرأ القرآن فجلس معهم واستمع، كأصل لهذه الأفكار ما عندنا مشكلة فيها. وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحداً يقرأ وهم يستمعون، يعني لو كنا جالسين وحكينا لشيخ عمار اقرأ قرآن خلينا نرطب قلوبنا بذكر الله، ما في مشكلة، هذا ورد عن الصحابة كانوا يفعلونه. ترى بعض الناس يفكر أن أصل هذه الصورة مش مشروعة، لا، هذا مشروع، الصحابة فعلوها، لكن إحنا مشكلتنا في التخصيص، أن يصبح جماعة راتبة ضمن وقت معين بدون مخصص، بدون شيء يقتضي هذه الساعة دون غيرها.

وقد ورد في القوم الذين يجلسون يتدارسون كتاب الله ويتلون، وفي القوم الذين يذكرون الله، من الآثار ما هو معروف، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا غشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». وورد أيضاً في الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. قال: فأما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر، هذه القاعدة، قال: فأما اتخاذ اجتماع، يعني أن تحدث اجتماعاً، لا أن تكون عبادة فردية، أنت عملت اجتماعاً راتباً، أي يتكرر بتكرر الأسابيع أو الشهور أو الأعوام غير الاجتماعات المشروعة، الاجتماعات المشروعة معروفة زي صلاة التراويح، كسوف، استسقاء، غير الاجتماعات المشروعة، فإن ذلك الاجتماع الذي صنعته راتباً يضاهي ويزاحم الاجتماع للصلوات الخمس، كأنك تضاهي فيه الصلوات الخمس المشروعة والجمعة والعيدين والحج، وذلك هو الابتداع.

إذاً، لاحظ ابن تيمية يضع لك ضابطاً هنا، إذا أنت عملت اجتماعاً راتباً لا ينخرم، ولا توجد فكرة من هذا التخصيص في هذا اليوم، قلنا إذا كان في فكرة دنيوية كتفرغ الشباب هذا اليوم دون غيره، للتغير بتغير مواعيد العمل، لا يضر، هناك مشكلة؛ لكن الكلام بس هيك تخصيص يوم بدون مخصص، رح تقول لي طيب شو فيها يا شيخ؟ برجع أقول البدع تنشأ صغيرة وتكبر مع الوقت، لأنه أغلب البدع هكذا نشأت، نشأت أن جماعة حبوا يخصصوا يوماً معيناً، الجيل الثاني أو الثالث كبر الموضوع فأصبح هذا اليوم له خصوصية، كما كان الجيل الأول من قوم نوح يعبد الله بجانب الأصنام، بس هم ما كانوا يعبدوا الأصنام، الجيل الرابع والخامس هو الذي عبد الأصنام. هسة الجيل الأول لو كان يعرف أن هذه الأصنام ستعبد فعلاً، كما ما عبدوا الله بجانب الأصنام، بس ما كان متخيلين أنه رح يجي حمقى بعدين يعبدوا الصنم نفسه، وهذه الفكرة التي من أجلها نحسم الباب. أنت رح تقول لي شو فيها يعني لو عملنا اجتماعاً راتباً كل أسبوع في يوم معين وساعة معينة؟ شو فيها؟ هي قد تكون الآن شو فيها، أنت بالنسبة لك الآن الموضوع مش الموضوع الكبير، لكن نحن نحسبها لبعدين لأجيال قادمة ممكن تتوارث هذا العمل ويتوسع حجم التخصيص الزائد فيه، فإحنا نحسم الأمر ابتداءً أنه حاول ألا تخليه في يوم معين، بل نوع، وأحياناً اقلب الأيام، اقلبها حتى لا يعتقد خصوصية يوم معين، إلا إذا كان في شيء دنيوي يقتضي أن هذا اليوم دون غيره لمعطى معين، فما في مشكلة تمام.

لأنه أحياناً مثلاً والله في درس أسبوعي يوم الخميس وماشيين عليه خمس سنين، طيب شو السبب؟ لأن طبيعة الناس تتفرغ يوم الخميس بس مش أكثر من كده، مثل هذا لا أرى فيه إشكالاً والله أعلم، أنا أرى الإشكال إذا كان يوم الخميس خلص الاعتقاد أنه يوم الخميس، يعني بدنا إياه، وما في أي مخصص يقتضي لا تفرغ الناس ولا عامل دنيوي تدخل، وإنما بدنا نرتب يوم الخميس كترتيب خاص، هون نعم نقول لك والله نخشى، ما دام فش مؤثر منطقي دنيوي يقتضي ذلك، نخشى أن تكون تضاهي بهذا الاجتماع الراتب، أن تكون عم تضاهي شرع الله وتضع شرعاً جديداً، تضاهي الصلوات الخمس والجمعة والأعياد، فالله يعينك، لا، ما دام فش شيء يقتضي يوم الخميس حاول أنك تقلب ولا تلتزم يوم الخميس حماية لنفسك وسداً للذريعة.

هذا تعليم، أنه معروف الفجر الناس بتيجي بتكون مصحصح رايقة، مش تخص، وبعدين يجوز كل يوم حتى، يعني مش كمان يوم معين، فمثل هذا فش فيه تخصيص أصلاً، أنت كل يوم أو كل ما يتيسر للإنسان ما في، لكن الكلام عن يوم معين دون غيره وليس للتعليم، يوم معين نعمل فيه طقوساً معينة للعبادة، أما درس علمي يقام في يوم ويكرر، هذه من برامج الحياة، يعني من باب التخطيط للوقت والزمان، لا إشكال فيه. قال: ففرق بين ما يتخذ سنة وعادة، فإن ذلك يضاهي المشروع، وهذا الفرق هو المنصوص عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة. إذاً هنا ابن تيمية يبين لك مناط الابتداع، أن يتخذ الأمر سنة وعادة، هذه بسموها مناط الحكم، أنه هذه الصورة بدعية ولا غير بدعية.

قال: وهذا الفرق هو المنصوص عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة؛ فروى أبو بكر الخلال في كتاب الأدب عن إسحاق بن منصور الكوسج، أنه قال لأبي عبد الله: تكره أن يجتمع القوم يدعون الله ويرفعون أيديهم؟ قال: ما أكرهه للإخوان إذا لم يجتمعوا على عمد، إلا أن يكثروا. شوف شو قال، شوف إجابة أحمد بن حنبل، الكوسج يقول: قلت لأبي عبد الله، شباب اجتمعوا يدعون الله ويرفعون أيديهم، واحد يدعوهم يدعون الله، يقولون آمين، ما رأيك في هذا الاجتماع يا أحمد بن حنبل؟ فماذا قال؟ قال: ما أكرهه للإخوان، أي للأصدقاء، إذا لم يجتمعوا على عمد، إلا أن يكثروا. ما معنى إجابة أحمد؟ يعني أنا ما عندي مشكلة والله التقينا مصادفة، شو رأيك يا شيخ تدع لنا؟ ما في مشكلة تمام، إلا أن يتعمدوا يوماً معيناً وساعة معينة ويكثروا التقصي الاجتماعي فيها، فهنا لا، أخشى أن يكون دخلوا إلى البدعية.

وقال إسحاق بن راهويه كما قال، وإنما معنى ألا يكثروا، آخر الصفحة، ألا يتخذوها عادة حتى يكثروا منها؛ هيك اللي أنا على الأقل فاهمه، يعني أنه هذا قال: وإنما معنى ألا يكثروا، ألا يتخذوها عادة حتى يكثروا منها، خلص يعني تصبح عادة راتبة لا تنخرم، مش قضية أن يكثر عددهم، يعني هكذا الذي يظهر لي على الأقل أنها تصبح عادة مستمرة ويكثر منها في تخصيص هذا اليوم أو هذا الوقت. أما إذا شيء عفوي صار، كذا، يلا يوم جمعة ساعة مباركة الشباب اجتمعت، شو رأيك فلان تدع لنا؟ يعني الشيء العرضي ما في مشكلة، لكن الشيء المتقصد الذي يتم الإكثار منه في ساعة معينة، لا، دخلنا هنا في التخصيص بدون مخصص أيضاً.

قال: فأما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر، نعم، بتكرر الأسابيع أو الشهور أو الأعوام، إنه قصدك هذه تشرح معنى يكثر؟ نعم أنا هذا الذي بنيت عليه، بس الشيخ فهم معنى يكثر عدده أو يشتهروا بين الناس، يعني ما ظهر لي على الأقل أقول هذا المعنى. وقال المروزي: سألت أبا عبد الله للقوم يبيتون فيقرأ قارئ ويدعون حتى يصبحوا؟ يبيتون يعني مع بعضهم البعض في بيت، فيقرأ قارئ القرآن ويدعون حتى الصباح، يعني يكون قيام ليل في بيت أحد الشباب، قال: أرجو أن لا يكون به بأس، قال أرجو ألا يكون به بأس، كفكرة عامة كفكرة ما فيش فيها مشكلة، يعني اجتمعنا الليلة في بيت الشيخ محمد وصلينا ودعينا وروحنا كشيء عفوي، لا إشكال فيه.

قال: وقال أبو السري الحربي: قال أبو عبد الله، وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس يصلون ويذكرون ما أنعم الله عليهم كما قالت الأنصار؟ وهذا إشارة إلى ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل، قال: أنبأنا أيوب عن محمد بن سيرين، قال: نبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قالوا: لو نظرنا يوماً فاجتمعنا فيه فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا، فقالوا: يوم السبت، ثم قالوا: لا نجامع اليهود في يومهم، قال: فيوم الأحد، قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا: فيوم العروبة، وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة، نعم، قال: فاجتمعوا في بيت أبي أمامة أسعد بن زرارة فذبحت لهم شاة فكفتهم. وقال أبو أمية: فكفتهم يعني طعمتهم جميعاً. وقال أبو أمية الطرسوسي: سألت أحمد بن حنبل عن، لاحظ أنهم سألوا عن يوم معين اجتمعوا فيه من أجل يذكر الله سبحانه وتعالى. والله تحتمل هذا وهذا، لكن الذي يظهر لي أن

العدد كان محدوداً، استطاع أنه يغطي.

قال: وقال أبو أمية الطرسوسي: سألت أحمد بن حنبل عن القوم يجتمعون ويقرأ لهم قارئ قراءة حزينة فيبكون، ربما طفوا السراج، طفوا السراج؛ بتعرف نعمل أجواء كيف رمضان بتطفي أضواء والمسجد عشان يكون أجواء روحانية. قال: فقال لأحمد إن كان يقرأ قراءة أبي موسى فلا بأس. قال: لا بأس إذا كان يقرأ بقراءة أبي موسى الأشعري، يعني يقصد قراءة صحيحة، مش قراءة فيها ميلان، وبتعرف بعض الناس حتى يحزن الناس في القراءة بتجيب لك المقامات بطريقة أنه يخرج عن طريقة القراءة الصحيحة. لا، الله يكرمك، اقرأ لنا قراءة صحيحة، فإذا كان يقرأ قراءة أبي موسى الأشعري اللي استمع لها النبي صلى الله عليه وسلم وأثرت فيه، والله كفعل جميل ما في مشكلة، حتى لو طفيت السراج؛ يعني حبيت تجمع قلبك، لا إشكال.

قال: وروى الخلال عن الأوزاعي أنه سئل عن القوم يجتمعون فيأمرون رجلاً فيقص عليهم، قال: إذا كان ذلك يوماً بعد الأيام فليس به بأس. شوف شو قال إجابة الأوزاعي: إذا كان ذلك يوماً بعد الأيام، ايش يعني؟ يعني يتعاهده، مش أنه شيء سنة راتبة، يوماً بعد الأيام؛ يعني في الأسبوع مرة، الأسبوع الثاني مرة، بحيث ولم يتخذ سنة راتبة في ساعة معينة، باختصار على حسب ما يتيسر. قال: فقيد أحمد الاجتماع على الدعاء بما إذا لم يتخذ عادة، وكذلك قيد إتيان الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء.

قال: سألنا أبا عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد ويذهب إليها، ترى ذلك؟ قال: أما المشاهد هي قبور الأنبياء والصالحين تسمى مشاهد، وكذلك مقاماتهم. قال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى، وعلى ما كان يفعل ابن عمر رضي الله عنهما يتبع مواضع النبي صلى الله عليه وسلم وأثره، فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جداً وأكثروا فيه. إذاً حتى المشاهد، الأماكن التي ثبت أنها كانت مقامات الأنبياء، لو الإنسان أتاها مرة حتى يعني يجدد المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم لا إشكال في ذلك. أنت لما تروح على المدينة مش بتروح على أحد وبتروح على البقيع وبتروح على أماكن تقول لك هون مشى النبي عليه الصلاة والسلام؟ لو زرت هذه المشاهد زيارة عامة ما في مشكلة، لكن وين المشكلة؟ أنه تصير كل أحد لازم أطلع على غار حراء، وكل اثنين لازم أزور غار ثور، وتصبح إكثاراً وعادة، كأنها أصبح التخصيص لهذه البقعة بالزيارة، آه هنا والله نخشى أنك بدأت تنحرف إلى جهة الابتداع. فرق بين الشيء العفوي الذي يحصل تلقائي بدون ترتيب وتعمّد لتكراره، وبين الشيء الذي يقصد تكراره بكل أسبوع أو كل شهر أو كل سنة.

قال: وكذلك نقل عن أحمد بن القاسم ولفظه: سُئل عن.. وباختصار عليك أن تفهم أن هذه الخلاصة، أن الشيء الراتب هو نوع من التشريع؛ هذه كل الفكرة. لماذا السلف وابن تيمية يمثل هذه الوجهة، والشاطبي يرى أن تخصيص شيء في يوم معين من الأسبوع أو شهر أو يوم معين من الشهر هذا مشكل؟ لأنهم يرون أن هذا مضاهاة لتشريع الله للأشياء الراتبة. من الذي له أن يضع أشياء راتبة لا تنخرم أسبوعياً أو سنوياً أو شهرياً؟ الله يضع لك صلوات خمس هذا يومياً، يضع لك صلاة أسبوعية الجمعة، يضع لك صلاة سنوية العيد. أنت إذا وضعت شيئاً سنوياً يتكرر أو شهرياً يتكرر أو يومياً يتكرر، أنت تضاهي تشريع الله، فدخلت البدعية. طيب ايش أعمل حتى لا أضاهي هذا التشريع؟ كما قال: يوماً بعد الأيام؛ يعني حاول ألا تلتزم يوماً معيناً، حاول أن يكون فيه تنويع حتى لا يقع في نفسك أو نفس أتباعك أنك تخصص هذا اليوم باجتماع بصورة فكأنك تضاهي الله سبحانه وتعالى في تخصيص اجتماع راتب متكرر. برجع بقول: أنا باستثناء معرفتي بعذر الناس، وإن كان من يريد يخرج من الخلاف ويتورط الاجتماعات التي سببها دنيوي بحت -يعني وقت تفرغ أو شيء- حاول أنه نوع شوي، حاول أنك تنوع حتى ما يحصل اقتراب من باب البدعية.

سياتي معنا قضية شد الرحال لزيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام؛ هي أصلاً المشكلة التي مات فيها ابن تيمية. زيارة المشاهد يكون المشهد جنب بيتي، مش ضروري المشهد يكون بده شد رحال، شد الرحال يعني السفر، أما المشاهد قد يكون شخص من سكان المدينة أصلاً لكنه كل يوم أحد بروح بزور غار حراء. فزيارة المشاهد أعم من موضوع شد الرحال.

قال: وكذلك نُقل عن أحمد بن القاسم ولفظه: سُئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة وغيرها يذهب إليها، فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجداً، وعلى ما كان يفعله ابن عمر.. هو حديث ابن أم مكتوم ما وجه الدلالة فيه؟ أنه ابن أم مكتوم أراد من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في مكان في بيته حتى يتبرك ابن أم مكتوم به، خلص يصبح هذه الزاوية ببيته مكان يصلي فيه ببركة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه. وعبد الله بن عمر أيضاً كان يتعمد أن يذهب إلى الأماكن التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتادها، لكن كما قال: المشكلة أن الناس أصبحت تتخذ ذلك سنناً راتبة؛ يعني ابن مكتوم وعبد الله بن عمر يتعهد ذلك تعاهداً، أما الناس أصبح بالنسبة لها أكثر جداً كما قال في الرواية السابقة حتى تحولت إلى سنة راتبة في حياتهم زيارة هذه المشاهد في أيام محددة، هنا يحصل المشكل.

وعلى ما كان يفعله ابن عمر، يتبع مواضع سير النبي صلى الله عليه وسلم وفعله حتى رُؤي يصب في موضع ماءه فسئل عن ذلك، فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصب هاهنا ماء. عبد الله بن عمر كان شديد الاتباع حتى بال عند شجرة، فقيل له لماذا بلت عندها؟ قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بال عندها. قال: أما على هذا فلا بأس، ورخص فيه، ولكن أنه قد أفرط الناس جداً وأكثروا في هذا المعنى، فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده، وهذا الذي كرهه أحمد وغيره من اعتياد ذلك.

مأثور عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره، لما اتخذ أصحابه مكاناً يجتمعون فيه للذكر، فخرج إليهم فقال: يا قوم، لأنتم أهدى من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أو لأنتم على شعبة ضلالة؟ ايش مشكلتهم هؤلاء؟ اتخذوا مكاناً محدداً يجتمعون فيه للذكر، تمام. هسه برجع بقول: لو كان اختيار هذا المكان عفوي، يعني هو مثلاً أقرب مكان للجميع، ما يظهر لي أنه سينكر بحجم إنكار أن المكان ما في له أي مخصص، لكن خلص صار في اتفاق بدون مخصص يقتضي ذلك على مكان معين، أنت كوهل أولى ممكن تقول يعني شو المشكلة؟ لا، هي المشكلة أننا نخشى أن يكون هذا المكان تخصيصه بالذكر فيه مضاهاة لدين الله في تخصيص أماكن بالذكر. كما أننا لا يجوز أن نضاهي جماعة شرعها الله بجماعة نخترعها نحن، كذلك لا يجوز أن نجعل أماكن مخصصة للعبادة مضاهاة للأماكن التي خصصها الله للعبادة، ايش الأماكن التي خصصها الله بالعبادة؟ المساجد. فإذا أنت حددت مكاناً معيناً غير المسجد، مش الظروف التي جعلتك تتخذه، لا، أنتم هكذا يا شباب اجتمعتم وخلص بدنا هذا المكان والتزمتم لسنوات، نخشى أن تكون قدّست بقعة وضاهيت بها بقعة شرعها الله وهي المسجد. فكرة المضاهاة هي التي ركز عليها الشاطبي وركز عليها ابن تيمية، مضاهاة زمان بزمان أو مضاهاة مكان بمكان، فالشريعة تسد هذه الذريعة تماماً في هذا الباب.

أصل هذا أن العبادات المشروعة التي تتكرر بتكرر الأوقات حتى تصير سنناً ومواسم قد شرع الله منها ما فيه كفاية للعباد. هذا هو الأصل، حتى عندما تحاور الناس في هذا الموضوع -لأنه الناس صعب تقتنع في هذا الموضوع بالتحديد- لمشكلة أنه بقول لك: يا أخي الصلاة ربنا شرعها، أنت ليش بدك تمنعنا نجتمع في مكان معين نصلي؟ أخي الذكر ربنا شرعه، لماذا بدك تمنع مع أننا نجتمع في يوم معين نذكر الله؟ فهنا هذه الإجابة التي يقدمها ابن تيمية وهي جيدة أن يتقنها طالب العلم: أن العبادات المشروعة التي تتكرر بتكرر الأوقات حتى تصبح كأنها سنن ثابتة ومواسم ثابتة قد شرع الله منها ما فيه كفاية للعباد، خلص فيها ما يكفي. فإذا أحدث اجتماع زائد على هذه الاجتماعات معتاد، كان ذلك مضاهاة لما شرعه الله وسنّه. فكرة المضاهاة عم تتكرر كثيراً في هذه الصفحات، كان ذلك مضاهاة وفيه من الفساد ما تقدم التنبيه على بعضه. أيوه، إذا الإنسان اعتاد على غير المشروع يزهد في المشروع، أحسنت؛ اللي هي الأفكار التي ذكرناها مراراً وتكراراً أن الإنسان إذا أحب غير المشروع زهد في المشروع، وأنه إذا اعتدت على أن تتناول هذه الأطعمة التي أنت تحصلها وتبتدعها ستقلل من تناولك من الأطعمة الشرعية التي هي في كمال الانتفاع، فنحن بدنا نبعد عن هذا، بدنا نحاول نحمي إيمانك من هذه المفاسد حتى لا تزهد.

زي هذا الشاب الذي قلت لكم عنه، صار حرصه على الاجتماع مع أقاربه في ليلة النصف من شعبان أكثر من حرصه على الصلوات الخمس وأيام العيد التي أصبح بطل يحضرها، هو خلص ليلة النصف من شعبان متعود يجتمع، فأحب هذه البدعة واستطعمها لأنه نشأ عليها، والاجتماع المشروع الذي يريده الله هو يزهد فيه. فهذه من الأفكار المهم تصل إلى الناس في فلسفة الشريعة، والشريعة هي لا تريد أن تمنعك من الخير، نحن بالعكس بدنا إياك تصلي، بدنا إياك تذكر الله، بدنا إياك تحافظ على القرآن، بس بدنا نحمي قلبك من أنك تعمل لي اجتماع -ها في فكرة الاجتماع حاضرة- أن تعمل اجتماع بطقوس معينة ورموز تضاهي به الاجتماعات المشروعة حتى لا يصبح قلبك يحب هذه الاجتماعات المخترعة وينشغل بها أكثر من حبه وإقباله على الصلوات الخمس والاجتماعات التي شرعها الله.

هذا حال الناس في ما سبحان الله، ما أحب الناس بدعة وأقبلوا عليها إلا نُزعت منهم سنة، وعلينا أن نقر بهذا لأنه هذا مش شيء نحن نفترضه، هذا الذي نراه وواقع الناس، هذا مش افتراض، هذا واقع. أظن كل شخص منكم يرى حاله من الناس، فإنكار الوقائع وجحدها هذا نوع من السفسطة. حتى لو لم يعتقد فيه فضيلة ما دام.

يكرره والله في يوم في السنة لازم نجتمع فيه. هنا بدك تفهم شغله أنه هو إذا اعتقد فضيلة فهذا زاد، وإذا لم يعتقد فضيلة برضه راح أنهاه من باب سد الذريعة أنه أحسم لي هذا الباب، اترك لي إياه كله حتى لا تورطني في مضاهاة شرع الله.

قال: بخلاف ما يفعله الرجل وحده أو الجماعة المخصوصة أحياناً. ولهذا كره الصحابة... بخلاف ما يفعله الرجل وحده أو الجماعة المخصوصة أحياناً. إذاً ابن تيمية متى يرى أن الإنسان يخرج من حد البدعة؟ إذا كان ترتيب خاص فيك أنت وحدك بدون جماعة. والله أنا كل مثلاً يوم أربعاء بشوف حالي بحب أعمل هيك جدول خاص لي لقيام الليل لقراءة قرآن وما شابه ذلك، إذا كان موضوع خاص فيك مش على صورة اجتماع الأمر أسهل. أنه كل إنسان بده يرتب أوراده على ما يراه مناسباً له، فإذا أنت رتبت أورادك يوم الأربعاء فرضا، خلص أنا حابب أخليها يوم الأربعاء ما في مشكلة. أو الجماعة المخصوصة أحياناً، أنه لا برتب أورادي على صورة جماعة مع إخوان بس إيش مش ملتزمين بيوم معين، خلص يعني أحياناً وين ما تيجي تيجي، الشهر هذا يوم السبت، الشهر اللي بعديه اجتمعنا يوم الأحد، الشهر اللي بعديه اجتمعنا يوم الثلاثاء؛ هنا يرى ابن تيمية أنك خرجت عن حد البدعية، فإذاً هو مشكلته في الجماعة الراتبة.

الجماعة الراتبة التي تصبح موسماً وعيداً متكرراً، أما ما ليس فيه جماعة بل كان يفعله الإنسان وحده، خلص يوم من الأسبوع هو حامل فيه أوراد معينة أو يوم في اليوم مثلاً ساعة في اليوم هو حاط فيها خلص بحب يذكر الله سبحانه وتعالى في ساعة في اليوم، بقول لك أنا هيك مرتب حالي قبل الفجر بساعة أو بعد الشروق بساعة بدي أحط أوراد إلي وأذكرها، ابن تيمية يرى أن هذه عبادة شخصية فش فيها مشكلة؛ لأنك لم تضاهي شرع الله في تجمعات بهذه الطريقة. أو كما قال: أو جماعة مخصوصة ممكن تكون جماعة بس أحياناً، يعني ما لا يكون تخصيص مستمر بوقت معين، بل يكون جماعة لكنها تختلف من شهر إلى شهر، ومنها تخرج من حد البدعية.

قال: ولهذا كره الصحابة إفراد صوم رجب لما شبه برمضان، وأمر عمر رضي الله عنه بقطع الشجرة التي توهموا أنها الشجرة التي بايع الصحابة تحتها بيعة الرضوان لما رأى الناس ينتابون يصلون عندها كأنها المسجد، جعلوها زي كأنها مسجد. نعم، قال: وكذلك لما رأهم قد عكفوا على مكان قد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عكوفاً، نهاهم عن ذلك وقال: «أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد» أو كما قال رضي الله عنه. قال: فكما أن تطوع الصلاة فرادى وجماعة مشروع من غير أن يتخذ جماعة عامة متكررة تشبه المشروع من الجمعة والعيدين والصلوات الخمس، فكذلك تطوع القراءة والذكر والدعاء.

الآن لما خلص موضوع الصلاة أراد أن يقيس على فكرة الصلاة فكرة القراءة للقرآن والذكر والدعاء. قال: فكذلك التطوع بقراءة القرآن والذكر والدعاء هو مشروع في الأصل جماعة وفرادى، وتطوع قصد بعض المشاهد ونحو ذلك كله من نوع واحد، يفرق بين الكثير الظاهر منه وبين القليل الخفي، وبين المعتاد وغير المعتاد. نعم، قال: والمعتاد وغير المعتاد، وكذلك كل مكان مشروع الجنس، لكن البدعة اتخاذه عادة لازمة، هون بتصير المشكلة. نعم، قال: حتى يصير كأنه واجب، ويترتب على استحبابه وكراهته حكم نذره.

طبعاً هذه مسألة مهمة أنه الآن ماذا سيترتب على هذا؟ لأنه هل قضية أن نحكم أن هذا التصرف جائز ولا بدعة؟ هذه قضية تترتب عليها ترى أحكام شرعية في باب النذر وفي باب الوقف. فلو أن شخصاً نذر أن يصلي صلاة بدعية هل يوفي بنذره ولا لا؟ لا يوفي بنذره بل يعتبر نذر معصية، بخلاف لو صنفنا الصلاة أن صلاة سنية ومشروعة سنقول يجب أن توفي بنذرك. فيقول لك كذلك لو أن شخصاً أوقف وقفاً فقال: هذا وقف على ليلة النصف من شعبان، هل نقبل هذا الوقف ونقول لك وقفك على معصية؟ فيقول: تحديد أن الصلاة هذه سنة أو بدعة أو أن هذا الاجتماع أو هذه الزاوية في المسجد سنة أو بدعة، هذا مش مجرد كلام تنظيري بس ستنبني عليه أحكام فقهية في باب النذر وفي باب الوقف وفي باب الوصايا وفي غيرها، فتحرير الضابط في هذا الموضوع مهم جداً جداً فهمتم؟

فلذلك قال: ويترتب على القول بالاستحباب أو الكراهة حكم النذر، وكذلك اشتراط فعله في الوقف والوصية. فلو أن إنساناً وقف مدرسة وقال: أنا أقف بشرط أن كل طالب يستفيد من هذا الوقف يجب أن يصلي الصلاة الألفية في نصف من شعبان، شو حكم هذا الشرط؟ الله يسامحني، أنت صح واقف بس شرطك ملغي أنه شرط بدعي، أو قال والله هذه مدرسة وقف لله بس اشترط في الطالب الذي يفعل فيها أن يكون على طريقة معينة بدعية على الطريقة الخلوتية، نقول له شرطك هذا بدعي ما له أصل في الإسلام. فإذاً مسألة تصنيف الشيء أنه هذا الفعل سنة أو بدعة لا تعتبر الشيء ثانوي، بل تنبني عليه أحكام كثيرة.

نعم قال: وكذلك كل مكان مشروع الجنس، لكن البدعة اتخاذه عادة لازمة حتى يصير كأنه واجب، ويترتب على استحبابه وكراهته حكم نذره واشتراط فعله في وقف. باب الواو هنا بمعنى أو، أنه يترتب على القول باستحبابه أو كراهته ما حكم نذره. نعم قال: حيث كان النذر لا يلزم إلا في القربة. وكذلك العمل لأن النذر لا يلزم الإنسان إلا إذا كان النذر في قربة، فإذا كان بدعة لا يلزمك، بالعكس لا يجوز أن توفي به وعليك عند الحنابلة الكفارة إذا كان النذر معصية. نعم قال: وكذلك العمل المشروط في الوقف لا يجوز أن يكون إلا براً ومعروفاً على ظاهر المذهب وقول جمهور أهل العلم، وسأنوي إلى ذلك إن شاء الله.

وهذه المسائل تفتقر إلى بسط أكثر من هذا لا يحتمله هذا الموضع، وإنما الغرض التنبيه على المواسم المحدثة. وأما ما يفعل في هذه المواسم مما جنسه منهي عنه في الشرع، فهذا لا يحتاج إلى ذكره، يدخل في هذا الباب مثله. يعني كل هذا الكلام كان في شيء مشروع أصلاً بس أنت عم بتحوله لصورة بدعية، يعني كل كلامنا عن الصلاة والذكر والدعاء إذا أنت كيف حولته إلى صورة بدعية. أما ما يفعل مما ليس من جنس العبادات أصلاً في هذه الأيام من الرقص واختلاط الرجال والنساء والمعازف، قال: هذا مش محتاج أحكي عنه، يعني هنا نحن بنتكلم عن بدع، أصبحنا نتكلم عن منكرات تحصل في هذه المواسم، مثل ماذا؟ قال: مثل رفع الأصوات في المساجد، رفع الأصوات في المساجد واحد يصير يزعقوا في المساجد وإزعاج، هو ليس عبادة على أي وجه كان، واختلاط الرجال بالنساء، هذا للأسف يكثر عند التصوف يكثر عندهم أنهم يعملون حضارات أو شيء ممكن يكون فيها الرجال والنساء مختلطون ببعضهم، وهذا مشاهد شوفوا اليوتيوب ترون المصائب. أو قال: أو كثرة إيقاد المصابيح زيادة على الحاجة، نعم يروا يشتروا فوانيس يعبوا المسجد، إسراف وتبذير للأموال.

نعم قال: وإيذاء المصلين أو غيرهم بقول أو فعل، فإن قبح هذا ظاهر لكل مسلم، وإنما هذا من جنس سائر الأقوال المحرمة في المساجد سواء حرمت في المسجد وغيره كالفواحش أو صين عنها المسجد كالبيع وإنشاد الضالة وإقامة الحدود ونحو ذلك. وقد ذكر بعض المتأخرين من أصحابنا وغيرهم أنه يستحب هذه الليلة بالصلاة التي يسمونها الألفية، لأن فيها قراءة قل هو الله أحد ألف مرة، هان يرجع أقول لك إيش الصلاة الألفية؟ الصلاة الألفية التي يقرأ فيها قل هو الله أحد ألف مرة.

نعم قال: وربما استحب الصوم أيضاً، وعمدتهم في خصوص ذلك الحديث الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وقد يعتمدون على العمومات. طبعاً هذه الليلة يقصد أي ليلة؟ ليلة النصف من شعبان. نعم قال: وقد يعتمدون على العمومات التي تندرج فيها هذه الصلاة، وعلى ما جاء في فضل هذه الليلة بخصوصها، وما جاء هي أكبر شبهة عند المخالفين في موضوع تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة أو صيام. ما هي العمومات التي تحث على الصيام والصلاة عموماً وما ورد في فضيلة هذه الليلة مما نحن نقر بثبوته؟ وهنا بيجي التعقيد في معالجة الموضوع مع المخالف، أن هو يستند على شبهتين في تخصيصه ليلة النصف من شعبان بصيام أو بصلاة، إيش هم الشبهتين؟ أنه بقول لك يا أخي العمومات القرآنية والنبوية تدل على مشروعية الصلاة والصيام هي أول شيء، فليش تمنعني أن أصلي أو أصوم في ليلة النصف من شعبان؟ الشبهة الثانية ما هي الأحاديث الواردة في فضيلة هذه الليلة والتي أنا أقر بها، أنت مش بتقر فضيلتها؟ بقول لي أه، بقول لي إذاً ليش تمنعني من التماس البركات في هذه الليالي؟

فأنا باجي بقول له: أنا نعم أقر بالعمومات التي تحث على الصلاة والصيام عموماً، وأقر بفضيلة هذه الليلة، لكن أنا مشكلتي معك في ماذا؟ في طريقة التعبد في هذه الليلة. والله خصص لي إياها بصلاة الألفية، هذه أول مشكلة، أنه أنا الصلاة شرعت عموماً فلو صليت صلاة مطلقة في ليلة النصف من شعبان ما عندي مشكلة والتمس بركتها، لكن مشكلتي تعمل لي صلاة ألفية تجمع لي الناس وألف مرة نقرأ قل هو الله أحد وكذا ورفع، قول له هذه مشكلة. ثانياً: تخصيصها بنوع معين من العبادات دون غيرها وتعتقد أن لهذا النوع فضيلة في هذه الليلة، كتخصيص هذا اليوم بالصيام واعتقاد فضيلة هذا النوع من العبادة دون غيره، بخلاف من لو صامها صياماً هكذا عرضاً جاء معه، قال بدي أعمل مجموعة عبادات والله بدي أصوم وأصلي، مش على أنه يرى فضيلة الصوم في هذا اليوم بالتحديد. فأنا مشكلتي إذاً في هذه التخصيصات، وأما أصل العبادة في هذا اليوم جميل وخذ بركة هذا اليوم ما عندي مشكلة.

نعم قال: وما جاء في فضل هذه الليلة بخصوصها، وما جاء من الأثر بإحيائها وعلى الاعتياد، حيث فيها من المنافع والفوائد ما يقتضي الاستحباب كجنسها من العبادات. فأما الحديث المرفوع في هذه الصلاة الألفية فكذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. وأما العمومات الدالة على استحباب الصلاة فحق، لكن العمل المعين أما أن يستحب بخصوصه أو يستحب لما فيه من المعنى العام. شوف الآن شوف ابن تيمية كيف بده يعلمك أن ترد على الشبهة الأولى، إذا جاءك شخص في ليلة النصف من شعبان فأنكرت عليه صلاة الألفية فقال لك: أليس الله يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43] استدل بالعمومات، كيف بدك تعالج هذه المشكلة؟

يقول ابن تيمية: أما العمومات التي يستدل بها المخالف والتي تدل على استحباب الصلاة، هذه حق، عمومات ما حدا بيجادل فيها أنه الصلاة حث عليها الإسلام ورغب فيها ورغب بالإكثار منها. قال: لكن العمل المعين أما أن يكون مستحباً بخصوصه أو يستحب لما فيه من المعنى العام. هسا أي عمل معين أنت تفعله في يوم معين، هذا العمل المعين الذي أنت تفعله هل هو مستحب بخصوصه؟ أو مستحب لأنه مندرج تحت عموم ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؟ خلينا حتى نفهم الموضوع، الصلاة في ليلة النصف من شعبان صلاة معينة، نتكلم عن صلاة معينة في يوم معين. هل الصلاة في ليلة النصف من شعبان الصلاة المعينة في هذه الليلة المعينة لها فضل بخصوصها؟ أم لها فضل من جهة اندراج تحت عمومات ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؟ من وين أخذت فضيلتها من جهة خصوصيتها؟ في شيء يدل على خصوصية هذه الصلاة في النصف من شعبان؟ ولا أخذت فضيلتها لأنها داخلة تحت عموم قوله ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؟ هي داخلة.

الآن خلينا مع ابن تيمية، قال: فإما المعنى العام فلا يوجب جعل خصوصها مستحباً. قال: إذا قلنا أنها أخذت فضيلتها من أنها داخلة تحت العمومات، فإذاً دخولها تحت العمومات لا يجعلها مستحبة بعينها، يجعلها فاضلة باعتبارها فرد من أفراد الصلاة بس مش لأنه الصلاة في هذه الليلة لها استحباب خاص كاستخارة بعينها مما شرعه الإسلام، فإذاً فضيلتها أخذت من ماذا؟ ليس من تخصيصها في هذه الليلة، بل فضيلتها من أنها مندرجة تحت العمومات فقط. قال: ومن استحب ذكرها في النفل المقيد كصلاة الضحى والتراويح وهذا خطأ. فالذين تكلموا عن الصلاة في ليلة النصف من شعبان واستحبوها، نحن مش مشكلتنا معهم أنهم بيصلوا باعتبارها داخلة تحت عموم الصلاة، إحنا مشكلتنا معهم أنهم ذكروا خصيص الصلاة في ليلة النصف من شعبان وجعلوها مثل الصلوات التي لها خصيصة كصلاة التراويح وصلاة الضحى وصلاة الاستخارة، قال: هذا الخطأ. هل هناك حديث يثبت فضيلة خاصة للصلاة في ليلة النصف من شعبان؟ لا، في حديث من صلى في ليلة النصف من شعبان فله كذا؟ عندنا حديث في فضل صلاة الضحى، عندنا حديث في صلاة التراويح، عندنا حديث في الاستسقاء، عندنا حديث في الكسوف، هل عندنا حديث في...

خصوصية صلاة ليلة النصف من شعبان ما عندنا حديث صحيح. فبقول لهم: أنا ما عندي مشكلة إذا بدكم تصلوا باعتبار أن الصلاة مطلوبة عموماً، بس بدك تصلي باعتبار أن الصلاة لها خصوصيتها في ليلة النصف من شعبان، وأصبحت لها فضيلة كفضيلة الضحى والتراويح، هذا خطأ. فهمتوا إخواني كيف يناقش؟ هذا مهم جداً أن تفهم زاوية النظر.

قال: ولهذا لم يذكر هذا أحد من الأئمة المعدودين؛ ما أحد قال: ومن الصلوات التي لها فضيلة في الإسلام صلاة الضحى والتراويح وصلاة ليلة النصف من شعبان، ما أحد ذكر ذلك تماماً، لا الأولين ولا الآخرين. وإنما كره التخصيص لما صار يخص ما لا خصوصية له بالاعتقاد والقصد.

فإحنا إيش مشكلتنا في التخصيص؟ مشكلتنا في التخصيص أن تخص شيئاً لا خصوصية له في الاعتقاد ولا في القصد، أنك تيجي تتقصد لي الصلاة في ليلة النصف من شعبان ليس باعتبارها داخلة تحت عموم الصلاة، بل لأنك تعتقد خصيصة للصلاة في هذا اليوم، وأن لها فضيلة في هذا اليوم لا توجد في غيره. لا، ما في حديث يثبت أن الصلاة في ليلة النصف من شعبان فيها من الثواب أو الفضيلة ما لا يوجد في غيرها من الأيام. انسى بركة اليوم، بركة اليوم موضوع آخر، بس هي كصلاة هل من صلى في ليلة النصف من شعبان ضعف في ثواب الصلاة نفسها؟ لا، ما لهاش دخل. يعني بركة اليوم ليست لها علاقة بنفس الصلاة، إنما أنا أتقصد الصلاة في الأوقات والأيام المباركة، لكن نفس الصلاة كصلاة تبقى صلاة طبيعية ليست مضاعفة من حيث هي صلاة. هذا أنت بتتكلم عنه بعد خارجي بعد الزمان، لكن هي كصلاة ما لها خصيصة.

فلذلك قال: ولهذا كره التخصيص، أي تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة معينة أو بصيام معين لما صار يخص ما لا خصوصية له في الشريعة باعتقاد وقصد. كما كره النبي صلى الله عليه وسلم إفراد يوم الجمعة، ليش كره إفراد يوم الجمعة؟ حتى لا يأتي شخص يخصه ويعتقد خصوصية فيه ما لها أي خصوصية ليلة الجمعة في فضيلة الصلاة فيها وفضيلة الصيام فيه. لو شخص قام ليلة الجمعة عرضاً باعتباره قيام ليل عموماً ترى ما في مشكلة، لكن من قامه بشكل دوري خصوصاً بنقول له لا، أنت عم بتخصص شيئاً لم تخصصه الشريعة، ونفس الشيء إفراده بالقيام.

قال: وصار نظير هذا لو أحدثت صلاة مقيدة ليالي العشر من ذي الحجة. لو شخص قال ليالي العشر من ذي الحجة بدنا نعمل صلاة زي صلوات التراويح بس رح نعملها متى؟ في الأيام العشرة من ذي الحجة. تقول: لا يا عم، أنت هيك عملت لي صلاة خاصة ولا خصوصية للصلاة في هذه الأيام كصلاة. سؤال: الأيام العشر ألا يستحب فيها الإكثار من العبادات؟ صح، فأنا ما عندي مشكلة كثر عبادات فيها لفضيلة الزمان، لكن اعتقاد أن الصلاة في الأيام العشر لها خصوصية كالتراويح؟ لا، هنا مشكلة؛ لأنه لم يرد حديث في فضل خصوصية الصلاة فيها، فأنت تخصيصها بجماعة وهيئة وكل هذه الإضافات التي حضرتك أضفتها كأنك تضاهي شرع الله في تخصيص هذه الليالي بصلاة مشروعة كالتراويح. هذه مشكلة في هذا التخصيص.

قال: صار نظير هذا لو أحدثت صلاة مقيدة ليالي العشر أو بين العشائين ونحو ذلك، العشاء والمغرب. قال: فالعبادات ثلاثة؛ منها ما هو مستحب بخصوصه كالنفل المقيد من ركعتي الفجر وقيام رمضان ونحو ذلك، وهذا منه المؤقت كقيام الليل، ومنه المقيد بسبب كصلاة الاستسقاء. العبادات منها ما هو مستحب عموماً، ومنها ما هو مستحب خصوصاً. هو الآن طرح العبادات المستحبة خصوصاً، قال: العبادات منها ما هو مستحب بشكل عام كالصدقة كالذكر، ومنه ما هو مستحب لخصوصيته. المستحب لخصوصيته مثل مثلاً سنة الفجر ركعتي الفجر وقيام رمضان، هذا المستحب بخصوصيته بدنا نقسمه قسمين: وهذا منه ما هو مؤقت في وقت معين له بداية ونهاية كقيام الليل، هذا له من مغيب الشمس إلى طلوع الفجر، قيام الليل ما بكون بالنهار، ومنه ما هو مقيد بسبب كصلاة الاستسقاء وصلاة الآيات؛ صلاة الآيات اللي هي صلاة الكسوف والزلزلة.

إذن يقول لك العبادات المستحبة بخصوصها على نوعين: منها ما هو مؤقت بوقت، ومنها ما هو مقيد بسبب. المؤقت بوقت خلص الشريعة وضعت لها وقت بداية ونهاية زي قيام الليل، ومنه ما هو مقيد بسبب إذا وجد السبب شرعت الصلاة، إذا لم يوجد السبب لم تشرع الصلاة زي الاستسقاء والكسوف. ثم تقسيم آخر للعبادات المستحبة المقيدة: قد يكون هذه العبادات المقيدة مقدرة في الشريعة بعدد معين كالوتر؛ الوتر الشريعة قيدتها يا واحد يا ثلاث يا خمسة يا سبعة يا تسعة يا إحدى عشر. عند الحنابلة في وتر أكثر من 11؟ خلص مقدرة بعدد محدد. وقد تكون هذه العبادة المقيدة لم تقدر بعدد بل مفتوحة مثل قيام الليل، هي مستحبة مقيدة بوقت من مغيب الشمس إلى طلوع الفجر، لكن في عدد معين للركعات؟ لا، حبيت تصلي 100 ركعة صلي. السلف لذلك تجد السلف يتباينون؛ بعضهم يصلي ركعتين يقول لك أنا خلاص بدي أركز في ركعتين، وبعضهم بتلاقيه كان في سيرته بصلي 300 ركعة؛ فهنا لأنه قد يكون مطلقاً لأن الشرع لم يحدد فيه عدداً معيناً مع اعتبار طبعاً فضل الوقت.

كالصلاة مثلاً يوم الجمعة قبل الصلاة؛ هسه يوم الجمعة قبل صلاة الجمعة هل هناك راتبة معينة بعدد معين؟ أربعة؟ اثنين؟ عند الحنابلة ما في سنة راتبة يوم الجمعة متى بتكون بعد الصلاة، قبل الصلاة يستحب التطوع المطلق بدون عدد معين، حبيت تصل اثنتين أربعة خمسة ستة ثمانية تسعة عشرة. فقال: فبالتالي فصار أقسام المقيد أربعة؛ لأنه إحنا الآن هيك التشجير ارسموه سريعاً: العبادات المشروعة أما على وجه الإطلاق كالذكر كالصدق، أو عبادات مشروعة مقيدة. المقيد على نوعين إما مقيد بوقت وإما مقيد بسبب؛ المقيد بوقت كقيام الليل، ممكن مثلاً نقول أيضاً كالصلاة قبل الجمعة مقيد بوقت، والمقيد بسبب كاستسقاء وكسوف وما شابه ذلك. ثم تقسيم آخر لهذه العبادة المقيدة: منها أيضاً ما حدد له عدد معين من الركعات لا يقل ولا يجاوز، ومنها ما لم يقيد فيه بعدد معين من الركعات.

لذلك قال: ومن العبادات، إذاً ذكر العبادات المقيدة ثم انتقل إلى العبادات العامة، قال: ومن العبادات ما هو مستحب بعموم، يعني مش مقيد بأي شكل من أشكال التقييد السابق كالنفل المطلق. والله أنا مثلاً بعد شروق الشمس الساعة تسعة صحيت من النوم حبيت أصلي ركعتين في مشكلة؟ ما فيش مشكلة. والله بعد الظهر الساعة اثنتين، الظهر هيك اجتني حالة إيمانية حبيت أصلي ركعتين نفل مطلق، بزبط لأنه هي على وجه العموم ما فيها مشكلة. قال: فإن الشمس إذا طلعت فالصلاة تبقى مشهودة محظورة حتى يصلي العصر، يعني بده يقول لك لو واحد حب يصلي الساعة 8، 9، 10، 11، 12، بعدين حب يصلي الساعة ثنتين، واحدة ونص الظهر، كل هذا نفل مطلق ما في مشكلة.

قال: ومن العبادات ما هو مكروه تخصيصه لا لغيره، فإذا جمعته مع غيره زادت الكراهة كقيام ليلة الجمعة؛ فإنك إذا خصصتها في كل أسبوع بقيام دون غيرها من ليالي الأسبوع صار مشكلة. لو خصصتها كل أسبوع دون غيرها صار مشكلة، لكن إذا كنت تقومها وتقوم غيرها معها ما في مشكلة. قال: وقد يكره، إذن ومن العبادات ما يكره على وجه الخصوص، ومنها ما يكره على وجه العموم إلا في أحوال مخصوصة، كالصلاة في أوقات النهي؛ فإن الصلاة هنا مكروهة عموماً في أوقات النهي إلا أحوال استثنائية عند من يرى جواز الصلوات المكروهة أو عند من يرى جواز صلوات ذوات الأسباب في الأوقات المكروهة. يعني هل يجوز تحية المسجد والكسوف والاستسقاء في أوقات النهي؟ هي مسائل خلافية خليها، بس الأصل أن الكراهة فيها على وجه الإطلاق.

إذن هو يريد أن يقول هكذا: في التشريع الإسلامي هناك عبادات مستحبة مطلقاً، هناك عبادات مستحبة على وجه التقييد، في المقابل هناك أمور مكروهة مطلقاً، وهناك أمور مكروهة على وجه التقييد. تمام، يعني يريد أن يقول لك هكذا وهكذا في التشريع، لذلك قال: أي إلا في أحوال مخصوصة كالصلاة في أوقات النهي. ولهذا اختلف العلماء في كراهة الصلاة بعد الفجر والعصر، هل هو لئلا يفضي إلى تحري الصلاة في هذا الوقت فيرخص بالتالي في ذوات الأسباب العارضة، أو هو نهي مطلق لا يستثنى منه إلا على قدر الحاجة والضرورة؟ على قولين هما روايتان عن أحمد.

الخلاصة التي سأختم بها قبل نخرج للصلاة، يعني بس فائدة استطراد: لماذا نهي عن الصلاة في أوقات النهي؟ ما علة النهي عن الصلاة بعد الفجر؟ ولماذا نهي عن الصلاة بعد العصر؟ الآن اختلفوا؛ هناك من قال: النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر، أوقات النهي، النهي عن الصلاة فيها لئلا يتحرى أحد الصلاة في هذه الأوقات التي تطلع فيها الشمس بين قرني شيطان أو تسجر فيها جهنم أو ما شابه ذلك، فالهدف من النهي عن الصلاة فيها ما هو إلا أن لا يتحرى الناس الصلاة داخل هذه الأوقات. فإذا قلنا هذه هي العلة بالتالي إذا جاءت صلاة لها سبب مثل تحية المسجد أو الكسوف أو الاستسقاء، فلا مشكلة أن نصليها في أوقات النهي؛ لأنه أصلاً النهي عن الصلاة فيها خشية تحري الصلاة فيها لا أكثر من ذلك، فإذا كان هناك سبب خارجي لأن أصلي فيها ككسوف أو استسقاء فيجوز صلوات ذوات الأسباب في أوقات النهي.

القول الثاني وهو المعتمد عندنا في المذهب، أنه لا؛ أن الأوقات التي ينهى عن الصلاة فيها بعد الفجر وبعد العصر، النهي مطلق ليس متعلقاً بخشية تحري الصلاة فيها، بل مطلق لأمور خاصة في هذه الأوقات، خلص ربنا ما بده إياك تصلي في هذه الأوقات، عرفت الحكمة ما عرفتها بيرجع لك عن الموضوع هذا، ربنا لا يريدك تصلي في هذه الأوقات، بالتالي لا يجوز أن تصلي فيها لا ذوات أسباب ولا غير ذوات أسباب، حتى تحية المسجد ما تصليها فيها إلا للضرورة أو الحاجة التي استثنيت، كإنسان يقضي فائتة أو يريد يجمع أو شيء من ذلك، هذه تبقى حالات ضرورية استثنائية وإلا الأصل عدم الصلاة فيها أبداً. طيب هكذا انتهينا من موضوع ماذا الأزمنة بعد الصلاة إن شاء الله.

في موضوع الأمكنة، طب بقي موضوع قليل في موضوع الأزمنة، أن العيد الزماني قد يدخل فيه أيضاً، ويتكلم كما قلنا أن الناس ابتدعوا في ثلاثة أيام: يوم ليس له فضيلة، يوم جرى فيه حادث تاريخي بس ليس له فضيلة، يوم لا له فضيلة بس الناس زادت فيه، سيريد الآن سيزيد الآن أياماً زادت الناس، يعني جعلوا فيها أعياداً زمانية وجمعوا إليها من الشر أعياداً مكانية، فصنعوا عيداً مبتدعاً من حيث الزمان ومن حيث المكان. هذا شهر نجعله بعد الصلاة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله.

مباشر. بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. نشرع في الجلسة الثانية اليوم.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل، وقد يحدث في اليوم الفاضل من العيد العملي المحدث العيد المكاني، فيغلظ قبح هذا ويصير خروجاً عن الشريعة، أصبح سوءاً على سوء، يعني بدعة زمانية مع بدعة مكانية، هذا الذي يريد أن يقوله. قد يجتمع مع إحداث بدعة العيد الزماني أن يخصص هذا العيد الزماني ببقعة معينة، فجمعت على بدعة عيد الزمان أنك جعلت عيداً مكانياً، نعم.

قال: فمن ذلك ما يفعل يوم عرفة مما لا أعلم بين المسلمين خلافاً في النهي عنه، هو قصد قبر بعض من يحسن الظن به يوم عرفة والاجتماع العظيم عند قبره، كما يفعل في بعض أرض المشرق والمغرب، والتعريف هناك بعرفات. التعريف هذا مفهوم؛ التعريف هناك تعريف جائز، وهناك تعريف بدعي. التعريف البدعي كما كان يفعله بعض الناس أن يوم عرفة يجعله عيداً زمانياً وعيداً مكانياً، بحيث يخص بقعة معينة بالتعريف فيها، فيذهب إلى قبر ولي يجلس يوم عرفة عند قبر الولي الفلاني، هنا أنت اتخذته عيداً زمانياً وعيداً مكانياً في تقديس بقعة معينة، نعم.

قال: والاجتماع العظيم عند قبره، كما يفعل بعرفات، فإن هذا نوع من الحج المبتدع الذي لم يسن. التعريف هناك كما يفعل بعرفات، يعني مش الناس يوم عرفات المكان المعين الذي يسن قصده يوم عرفات هو مكان واحد في الأصل وهو ايش؟ جبل عرفات، بس صح هذا هو المكان المشروع، فقصد بقعة أخرى للزيارة في هذا اليوم هو مضاهاة لشرع الله، جعلت بقعة أخرى تضاهي عرفات، يشرع أن تقصد قبر البدوي ولا قبر اللي بدك إياه، هذا مش مضاهاة لشرع الله هذه، كأنك تحاد الله؛ الله أمر أن يزار فقط بقعة واحدة عرفات في هذا اليوم، أنت جعلت في مكان آخر يزار قبر الولي الفلاني، نعم.

قال: فإن هذا النوع من الحج المبتدع الذي...

فإن هذا حج إلى قبر ولي، بدل أن يكون حجاً إلى عرفات. قال: الذي لم يشرعه الله مضاهاة للحج الذي شرعه الله، واتخاذ القبور أعياداً. شوف إذاً كلمة المضاهاة هي مربط الفرس هنا في كل هذه المسائل، كلمة المضاهاة لشرع الله. قال: وكذلك السفر إلى بيت المقدس للتعريف فيه، فإن هذا أيضاً ضلال بين، فإن زيارة بيت المقدس مستحبة مشروعة للصلاة فيه والاعتكاف، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، لكن قصد إتيانه في أيام الحج هو المكروه.

لو شخص قال: أريد أن أشد الرحال إلى بيت المقدس يوم عرفة، الآن شوف الفرق بين التخصيص والتعميم. عموماً شد الرحال إلى المسجد الأقصى مشروع ولا مبتدع؟ مشروع، «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، ومنها المسجد الأقصى، فشد الرحال إلى المسجد الأقصى مشروع، لكن التخصيص يصبح هو المكروه؛ تخصيص شد الرحال إلى المسجد الأقصى في يوم عرفة بالتحديد هذا تشريع لم يشرعه الله؛ لأن الله شرع في يوم عرفة أن تكون الزيارة لوين؟ لعرفات. فإنك في كل يوم عرفة تشد الرحال لمكان آخر غير عرفات، تشرع شيئاً يضاهي تشريع الله سبحانه.

لو شخص يشد الرحال إلى المسجد النبوي مش للمسجد الأقصى كل عرفة، نقول له هذا بدعة، يا شيخ زيارة المسجد النبوي وشد الرحال؟ قل ماشي، بس إحنا مشكلتنا أكيد مش في زيارة المسجد النبوي، مشكلتنا في تخصيص يوم عرفة لهذه الزيارة، مضاهة لله سبحانه وتعالى في وضعه عرفة لهذا اليوم. فهمتم هذه الفكرة؟ مهمة في فلسفة التشريع، هي مش عيد مكاني أصلاً، هي أماكن يجوز أن تقصد بدون تخصيص يوم معين، فإذا خصصت يوماً معيناً في السنة لزيارتها، حتى ولو كان يوماً فاضلاً كعرفة، دخلت في بدعة التخصيص بدون مخصص، هي المشكلة.

قالت فإن ذلك، قال: لكن قصد إتيانه في أيام الحج هو المكروه، يعني المبتدع. قال: فإن ذلك تخصيص وقت معين بزيارة بيت المقدس، ولا خصوصاً لزيارته في هذا الوقت عن غيره. شوف هي الفكرة تخصيص وقت معين، لو أنك بتزوره كل سنة في أوقات متفرقة وصادف أنك زرته يوم عرفة، ما في مشكلة، المصادفة هي المشكلة في تخصيص يوم معين. ثم فيه أيضاً مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام وتشبيه له بالكعبة، ولهذا قد أفضى إلى ما لا يشك مسلم في أنه شريعة أخرى غير شريعة الإسلام، وهو ما قد يفعله بعض الضلال من الطواف بالصخرة، أو من حلق الرأس هناك، أو من قصد النسك هناك.

هو بيقول لك ابن تيمية: أنتم لا تلوموني، كانه ابن تيمية إيش بيقول؟ لا تلوموني على أن أبين هذه الأمور أنها بدعة، فإن بعض الناس صار في يوم عرفة يذهب إلى بيت المقدس ويطوف بالصخرة، اللي هي قبة الصخرة، صار يطوف بقبة الصخرة ويحلق رأسه زي كأنه رايح على الكعبة وبيحلق رأسه هناك، هل بدك أكثر من هيك مضاهاة لشرع الله والعياذ بالله؟ قال: وكذلك ما يفعله بعض الضلال من الطواف بالقبة التي بجبل الرحمة بعرفة كما يطاف بالكعبة. تعرفوا في جبل عرفة في عمود على الجبل أبيض، بتشوفوه أكيد على شاشة التلفاز، بعض الناس شايفين هذا العمود اللي على جبل عرفة الأبيض، اللي الناس بتتكلف حتى تصل إليه، مع أنه حتى النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن عنده، أصبحوا يطوفون بهذا العمود كما يطوفون بالكعبة، ويقول لك كيف الابتداع ينتشر انتشار النار في الهشيم.

قال: فأما الاجتماع في هذا الموسم لإنشاد الغناء أو الضرب بالدف بالمسجد الأقصى ونحوه، فمن أقبح منكرات من جهات أخرى. قال: فما الاجتماع يوم عرفة في بيت المقدس للضرب والأغاني؟ يعني هذا صرنا مصيبة بعد مصيبة. قال: من جهة أخرى منها فعل ذلك في المسجد؛ فإن ذلك فيه ما نهي عنه خارج المساجد، كيف بالمسجد الأقصى؟ يعني المسجد ليس مكاناً للغناء ولا لضرب الدفوف، وهذا في أي مسجد، فما بالك في المسجد الأقصى؟ ومنها اتخاذ الباطل ديناً، هل الضرب بالدف وغناء يوم عرفة دين؟ هذا باطل، فهذا منكر آخر أنه أصبح يوم عرفة في المسجد الأقصى لما يجمعوا أغاني ودف وحفلة، والجماعة طيبين ويقول من المشكلات والمفاسد، أصبح الباطل هذا -الأغاني والدف- جعلوها ديناً يتعبدون إلى الله يوم عرفة فيها في المسجد الأقصى.

هو الإشكال داخل المسجد، فما بالك أن يكون في داخل يوم معين ويفعل على وجه التدين، يعني كلها كوارث فوق كوارث. قال: ومنها فعله في الموسم. فأما قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر، فهذا هو التعريف في الأمصار الذي اختلف العلماء فيه، ففعله ابن عباس وعمرو بن حريث مع الصحابه من الصحابة وطائفة من البصريين والمدنيين. قال: أما التعريف المشروع الذي ورد فيه الخلاف بين الأئمة هل هو مشروع أو لا؟ التعريف في المساجد؛ الإخوة درسوا معنا فقه حنبلي، نحن درسناه في بداية العابد، التعريف في المساجد أنه كل إنسان في الأردن، في مصر، في الشام، في السنغال، في نيجيريا، في أي دولة، يشوف أقرب مسجد لبيته يوم عرفة ويروح يجلس فيه من العصر للمغرب يدعو الله ويذكر الله، وهذا اسمه التعريف في المساجد، بحيث إنه ما خصصت مسجد معين، لا، المسجد اللي جنب بيتي أي مسجد جنب بيتي بروح عليه، هذا اسمه تعريف المسجد، هذا اختلفوا فيه هل هو سنة مشروعة أو مباحة أو بدعة.

فعند الحنابلة هو مشروع ومباح، مش سنة، يعني أنا مباح وإباحة ما جاءت بالهوى، نقلوا ذلك عن بعض الصحابة، اللي ما أثبتوا ذلك من فعل الصحابة وراه أنه لا، لم يثبت قالوا ببدعيته. وهذا يدل إخواني أن بعض المسائل نعم قد يقع خلاف بين المذاهب في بدعته، بسبب الاختلاف هل ثبت هذا أو لم يثبت، فعند الحنابلة لما أثبتوا هذا عن بعض الصحابة قالوا إذاً هو مشروع، من رأى أنه لا يثبت عن شيء من الصحابة قال هو بدعة. فهذه في بعض البدع فيها مساحة اجتهادية؛ لأن المخالف هو سبب القول بالمشروعية، هذا افهموه جيداً حتى تفهموا متى تكون البدعة الخلاف فيها معقول، إذا كان المخالف الذي يقول بعدم بدعتها يستند إلى نص أو أثر فعلاً يحتمل التحسين والتضعيف، فهنا إذا هو قبله خلاص بالنسبة له مش بدعة، أنا ما قبلته قد يكون بالنسبة لي بدعة، فإذا كان أخي يرى مشروعيته لصحة الآثار عنده لا أنكر عليه، ليه؟ لأنه أنا بالنسبة لي بدعة لعدم ثبوت الآثار، بس هو بالنسبة لي أنا عارف هو لا يريد أن يبتدع، هو يعتقد أنه في شيء ثابت في هذا، فهنا ننتبه أنه بعض البدع فيها مساحة للاختلاف.

قال: ورخص فيه أحمد وإن كان مع ذلك لا يستحبه، هذا هو المشهور عنه، وكرهه طائفة من الكوفيين والمدنيين كإبراهيم النخعي وأبي حنيفة ومالك وغيرهم، ومن كرهه قال هو من البدع، إذاً عند مالك وأبي حنيفة التعريف في المساجد بدعة، وعند أحمد بن حنبل التعريف في المساجد مشروع، إيش الخلاف؟ الخلاف مش في أصل ما هي البدعة، الخلاف هل ثبتت النصوص ولا لا، فهذا بعد آخر. قال: ومن كرهه قال هو من البدع فيندرج في العموم لفظاً ومعنى، ومن رخص فيه قال فعله ابن عباس من البصرة حين كان خليفة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ولم ينكر عليه. ومن كرهه قال هو من البدع فيندرج في العموم لفظاً ومعنى، إيش يعني في العموم؟ نعم يندرج في عموم كل بدعة ضلالة.

قال من قال التعريف بدعة قال هو يندرج تحت عموم النهي عن البدع لفظاً ومعنى، ومن رخص فيه كالحنابلة، لأننا نرى ثبوت الآثار فيه، هذا مأخذنا. قال: وما يفعل في عهد الخلفاء الراشدين من غير إنكار لا يكون بدعة، أه شايف كيف؟ الحنابلة قالوا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين»، ما دام التعريف بالمساجد فعله ابن عباس وبعض الصحابة وكان هذا في زمن الخلفاء الراشدين، فإذاً هذا مشروع. قال: لكن ما يزاد على ذلك من رفع الأصوات الرفع الشديد في المساجد بالدعاء، وأنواع من الخطب والأشعار الباطلة مكروه في هذا اليوم وغيره.

قال المروزي: سمعت أبا عبد الله يقول: ينبغي أن يسر دعاءه، لقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110]، قال: هذا في الدعاء، قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: وكان يكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء. قال وروى الخلال بإسناد صحيح عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: أحدث الناس الصوت عند الدعاء، وعند سعيد بن أبي عروبة صوت الصراخ، وهذا خطأ في بعض المساجد، يا رب تلاقي الصوت طالع من آخر المسجد، هذا ليس سنة حقيقة وليس مشروعاً هذه الحالة، يعني حتى لو أنت متفاعل ومنسجم مع الدعاء، يعني أربعوا على أنفسكم.

قال: وروى الخلال بإسناد صحيح عن سعيد بن أبي عروبة أن مجالد بن سعيد سمع قوماً يعجون في دعائهم، فقال: أيها القوم، يعجون يعني يرفعون صوتهم يصرخون، فقال: أيها القوم، إن كنتم أصبتم فضلاً على من كان قبلكم لقد ضللتم، فجعلوا يتسللون رجلاً رجلاً حتى تركوا بغيتهم التي كانوا فيها. وروى أيضاً بإسناده عن ابن شوذب عن أبي التياح قال: قلت للحسن: إمامنا يقص فيجتمع الرجال والنساء فيرفعون أصواتهم بالدعاء، فقال الحسن: إن رفع الصوت بالدعاء بدعة، وإن مد الأيدي بالدعاء بدعة، وإن اجتماع الرجال والنساء بدعة.

هسه ثلاث شغلات نحن نتفق فيها مع الحسن البصري، اللي هي الأولى والثالثة: رفع الصوت بالدعاء بدعة، واجتماع الرجال والنساء بدعة، أما اللي في النص لا، في خلاف، هو مد اليد بالدعاء بدعة؟ لذلك إيش قال ابن تيمية؟ قال: فرفع الأيدي فيه خلاف وأحاديث وليس هذا موضعها، قال: هذا موضوع رفع الأيدي خلي لي إياه على جنب، يعني بيختلف مع الحسن البصري في شيء، لأنه الأصل في رفع الأيدي المشروعية، قد يكون الحسن البصري له اجتهاد آخر، وهذا يدل على الفكرة التي قلت لكم إياها أنه يا إخوة لا تستعجلوا على الحكم على الناس، يعني مش وجدت نص للحسن البصري حكى أنه رفع الأيدي بدعة، لا ما هو استنى، بجوز في غيره من السلف خالفه ويرى أن رفع الأيدي مشروع وله مستنده، فبعض البدع فيها خلاف في تصنيفها بدعة، نعم بدنا نتفق على هذا، يعني في بدع متفق أنها بدعة لم ترد عن السلف أبداً، وفي بدع لا، مش متفق تصنيفها أنها بدعة، في آثار عن السلف فيها من قدم هذه الآثار قال بأنها مشروع، ومن لم يرى هذه الآثار قال إنها بدعة، وهذه من المراتب التي يجب أن يتقنها طالب العلم، فليس كل البدع متفق على بدعتها تماماً.

قال: والفرق بين هذا التعريف المختلف فيه وتلك التعريفات التي لم يختلف فيها، أن في تلك -التعريف المختلف فيه هو التعريف في المساجد- التعريفات التي لم يختلف فيها التعريف عند قبور الأولياء والصالحين هذه بدعة بالاتفاق، هذه ما حدا قالها من السلف أبداً. قال: إن في تلك قصد بقعة بعينها للتعريف فيها كقبر الصالح أو كالمسجد الأقصى، وهذا تشبيه بعرفات، بخلاف مسجد المصر فإنه قصد له بنوعه لا بعينه. إيش الفرق بين التعريف في المساجد والتعريف عند قبور الصالحين يا عمار؟ بيقول لك التعريف في مسجد بلدتك أنت تقصد أي مسجد لا بعينه، ما في بقعة معينة أنت خصصتها، أنت بدك تروح على أي مسجد قريب منك تقضي يوم عرفة فيه، فهذا ما في مشكلة وورد عن بعض الصحابة، أما مشكلة زيارة قبور الصالحين يوم عرفة هنا لا، أنت رايح لبقعة معينة بذاتها تعتقد أن هناك فضيلة في التعبد عندها دون غيرها، فهنا ضاهيت جبل عرفات، فهمتم الفرق؟

لذلك قال: أما مسجد المصر -المصر اللي هو البلد الذي أنت فيه، مش مسجد المصر الشيخ عندكم، لا، المصر هذه أي بلد أنت فيه- فإن الذي قصد له بنوعه لا بعينه، ونوع المساجد مما شرع قصدها، فإن الآتي إلى المسجد ليس قصده مكاناً معيناً لا يتبدل اسمه وحكمه، وإنما يقصد المساجد التي يريد الله أن أتعبده فيها، لو اسمه المهاجرين، لو اسمه مسجد الصالحين، لو اسمه مسجد... ما عنديش مشكلة أنا، المهم بدي مسجد هيك، أنا المهم بدي مسجد شو ما كان. قال: وإنما الغرض بيت من بيوت الله، بحيث لو حُوّل ذلك المسجد لتحول حكمه، ولهذا لا تتعلق القلوب إلا.

لو فرضنا هدم هذا المسجد، هل راح يظل يجيء هنا؟ لا، خلص، أشوف المسجد الثاني؛ يتحول حكمه ما عاد يقصد هذه البقعة. إذا أنت لا تقصد البقعة التي في حي كذا، أنت قاصد مسجد بالمعنى العام، أنهدم هذا المسجد بشوف مسجد ثاني.

والفرق؛ ولهذا لا تتعلق القلوب؛ يعني أصلاً طبيعة القلوب لا تتعلق بخصوص المساجد، وإنما بنوعها؛ يعني أنت في الأصل القلب ما بتعلق بمسجد معين، القلب إنما رجل قلبه معلق بالمساجد؛ يعني أي مسجد في أي مكان بروح، في أي طريق، هو يريد المسجد لأنه مسجد نوعاً وليس عيناً. أنه إذا أصبحت أنت تعتقد أن الصلاة في المسجد الذي جنب مركز مكين أفضل من الصلاة في المسجد الذي عند طبر، لا، هنا صار تعلق بدعي، حتى لو كان بمسجد، أصبح تعلقاً بدعياً، شو الفرق بين الصلاة هنا وهناك؟ فالاصل في المسلم أنه عندما يتعلق بالمساجد بنوعها لا خصوص مسجد معين، إلا طبعاً المساجد الثلاثة التي لها خصوصية. نعم.

قال: وأيضاً فإن شد الرحال إلى مكان للتأليف فيه مثل الحج، بخلاف المصر. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». نعم، بالتالي صار هنا مشكلتان في التعريف عند المسجد الأقصى أو عند قبور الصالحين؛ مشكلة شد الرحال وهذا يشبه الحج، ومشكلة تخصيص بقعة معينة وهذا يشبه جعل مكان يوم عرفات، فصار فيه مشكلتان. نعم.

قال: هذا مما لا أعلم فيه خلافاً؛ فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، ومعلوم أن إتيان الرجل مسجد مصره أما واجب كجمعة، وأما مستحب كالاعتكاف به. وأيضاً فإن التعريف عند القبر اتخاذ له عيداً، وهذا بنفسه محرم، سواء كان فيه شد للرحل أو لم يكن، وسواء كان في يوم عرفة أو في غيره، هو من الأعياد المكانية مع الزمانية؛ يعني أصبح بدعة عيد مكاني مع بدعة عيد زماني، إذا التعريف عند قبر هو حرام حتى لو ما كان فيه شد رحل. فإذا صار فيه شد رحل صار فيه مشكلتين: شد الرحل زائد قصد القبر.

إذاً التعريف عند القبر هو اتخاذ لهذا القبر عيداً، وهو بنفسه محرم حتى لو لم يكن فيه شد رحل أصلاً، لو كان القبر الذي جنب بيتي ورحت أنا يوم عرفة قعدت عنده حرام، يعني ما شديت، لكنه حرام، وسواء حتى يعني اتخاذ قبر عيداً حرام حتى لو لم يكن في يوم عرفة، ما يجوز أن تتخذ قبراً عيداً. شو يعني عيد؟ يعني مكان تعتاد زيارته والعبادة عنده. نعم.

قال: وأما ما أحدث في الأعياد من ضرب البوقات والطبول، فإن هذا مكروه في العيد وغيره، لا اختصاص للعيد به، وكذلك لأن هذه أصلاً من المعازف. نعم. قال: وكذلك لبس الحرير أو غير ذلك من المنهي عنه في الشرع، وترك السنن من جنس فعل البدع؛ فينبغي إقامة المواسم على ما كان السابقون الأولون يقيمونها من الصلاة والخطبة المشروعة والتكبير والصدقة في الفطر، أو غير ذلك من المنهي عنه في الشرع.

وترك السنن أيضاً يعتبر من جنس فعل البدع؛ لأن هذا موضوع أيضاً يقول لك: ومن البدع في الأعياد ترك السنن فيها، فيقول إن تترك السنن التي كان يفعلها النبي عليه الصلاه والسلام في العيد، هو أيضاً يعتبر من جنس فعل البدع، مثل ايش؟ قال مثلاً مثل الصلاة وخطبة العيد، فلو أن رجلاً صلى صلاة العيد أو عمل خطبة العيد قبل صلاة العيد، شو بنقول له؟ بدعة؛ لأن خالفت السنة، ومخالفة السنن أيضاً هو من جنس البدع في الأعياد. نعم.

قال: التكبير في الفطر والذبح في الأضحى؛ فإن من الناس من يقصر في التكبير المشروع، ومن الأئمة من يترك أن يخلص العيد بدون تكبير؛ لو الإمام حكى اليوم يا جماعة في يوم العيد الأضحى قال بدنا نصلي العيد بدون ما نكبر ستة بعد التكبيرة الأولى وخمسة بعد تكبيرات الانتقال، بدنا نصليها صلاة عادية، نقول له هذا فيه شيء من البدع؛ لأنه النبي عليه الصلاه والسلام لما كان يصلي العيد كان يكبر بعد التكبيرة الأولى ستة في الركعة الأولى وخمسة في الركعة الثانية، صح؟ فترك التكبيرات؛ قال: فمن يقصر في التكبيرات المشروعة في صلاة العيد، صح هي سنة، لكن تقصد ترك السنة فيه نوع من الابتداع، أنه ليش صليت صلاة العيد بدون تكبيرات؟ مش نحن نقول الله أكبر الله أكبر، ليش صليتها بدون تكبيرات؟ ترك السنن هو جزء من الابتداع.

كذلك ومن الأئمة قال من يترك أن يخطب للرجال والنساء؛ أنتم تعرفوا النبي عليه الصلاه والسلام لما خطب العيد أولاً أعطى خطبة للرجال ثم خص النساء بخطبة، فالبعض يرى أن الأصل في الإمام أن يخطب خطبة للرجال ثم خطبة للنساء، طبعاً عدم فعل ذلك أصبح هو الأصل المنتشر، أنه خلاص خطبة واحدة تكون للرجال والنساء، فهذا المثال الثاني فيه مشكلة شوي.

كمل قال: ومنهم من لا يذكر في خطبته ما ينبغي ذكره، بل يعدل إلى ما تقل فائدته. نعم، الآن السنة في خطبة العيد شو تعمل؟ إذا كانت خطبة عيد الفطر أنك تتكلم عن زكاة الفطر وأحكامها، وإذا كانت خطبة عيد أضحى تتكلم عن أحكام الأضحية وصلة الأرحام؛ أن هاي الخطبة قال إنه يصير موضوع الخطبة موضوع أي شيء يعني مثلاً لا فائدة فيه، يعني من الأشياء التي تعرفونها بلا أن نحكي شغلة تنحسب علينا. ومنهم من لا يذكر في خطبته ما ينبغي ذكره وتعليمه للناس بل يعدل إلى ما تقل فائدته، يذكر أشياء في الخطبة ما لها أي قيمة، فهذا من البدع لأنها ترك للسنة، فبده يقول لك ترك السنن التي ينبغي أن تفعل وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها في العيد هو أيضاً من شكل الابتداع في دين الله. نعم.

قال: بل يعدل إلى ما تقل فائدته، منهم من لا ينحر بعد الصلاة بالمصلى وهو ترك للسنة، كذلك عدم النحر في المصلى؛ النبي عليه الصلاه والسلام كان ينحر في مصلى العيد، هذا ترك للسنة؛ فالاعتماد على تركه يخشى أن يدخل تحت باب الابتداع؛ الابتداع بترك السنة، إذاً شوف الابتداع قد يكون أن تفعل شيئاً، والابتداع قد يكون أن تترك شيئاً؛ كما أن الابتداع بفعل أمور لم يأت بها الشارع، كذلك يكون الابتداع بترك سنن أتى بها الشرع؛ فالابتداع بالفعل وبترك قد يكون. نعم.

قال: فإن الدين هو فعل المعروف والأمر به والترك للمنكر والنهي عنه. جميل. قال رحمه الله: خلص هكذا نكون خلصنا الأعياد الزمانية بتقسيمها الثلاثي، الآن الأعياد المكانية نفس الشيء؛ تخصيص مكان ليس له أي خصيصة في الشريعة، تمام؟ زي الشجر الذي جنب بيتك، أو تخصيص مكان له قصة تاريخية لكن لم يأمر الله ولا نبيه صلى الله عليه وسلم بتخصيصه، مثل الشجرة التي وقعت تحتها بيعة الرضوان، أو تخصيص مكان له خصيصة في الشريعة لكن لا يجوز أن تخصه بما تفعله أنت عنده من الطواف أو عبادة لم يأت بها الشرع في هذا المكان؛ فبده يقول لك الأماكن التي يعظمها الناس مثل الأزمنة التي يعظمها الناس، كما أن الأزمنة قسمناها ثلاث أنواع: مكان زمان ليس له أصل في الشريعة، زمان له شيء احتفالي مثل غزوة بدر وغيرها أو المولد لكن ما فيه شيء يفعل فيه، أو مكان له خصيصة وفضائل وعبادات لكن الناس أحدثت فيه زيادة عليها، نفس الشيء الأماكن؛ أماكن ليس لها أي خصيصة، أماكن لها أثر في تاريخ الإسلام كشجرة بيعة الرضوان لكن لا يشرع أي عبادة عندها، وأماكن تشرع عبادات فيها ولها فضائل في العبادات لكن الناس أحدثوا عندها عبادات أخرى بدعية؛ إذاً هذه التقسيمات تضبط لك البوصلة.

كمل قال: وأما الأعياد المكانية فتنقسم أيضاً كالزمان ثلاثة أقسام: أحدهما ما لا خصوص به في الشريعة، والثاني ما له خصيصة لا تقتضي قصده للعبادة فيه مثل شجرة بيعة الرضوان مثلاً. نعم. قال: والثالث ما يشرع العبادة فيه لكن لا يتخذ عيداً؛ والأقسام الثلاثة جاءت بها الآثار بها مثل قوله صلى الله عليه وسلم للذي نذر أن ينحر ببوانة. نعم، فهنا أراد الرجل أن يخص مكاناً بقعة بوانة، بقعة بوانة هل لها أصلاً أي شيء في الشريعة؟ يعني هل هذا مكان والله واقعة غزوة بدر، والله واقعة الخندق، والله مكان بايع فيه النبي صلى الله عليه وسلم أحداً؟ مكان لا له أي خصيصة، فلما جاءه الرجل قال بدي أنحر إبل فيه، أراد يتأكد ليش بدك تنحر؟ هل تريد أن تخصه؟ خاصة إذا كان له خصيصة عند الجاهليين، فلما قال لا، يا رسول الله، قال له: أفي بدر؟ نعم.

قال: ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيداً»، ومثل نهي عمر عن اتخاذ آثار الأنبياء أعياداً كما سنذكره إن شاء الله؛ فهذه الأقسام الثلاثة أحدها مكان لا فضل له في الشريعة أصلاً ولا فيه ما يوجب تفضيله، بل هو كسائر الأمكنة أو دونها، فقصد ذلك المكان أو قصد الاجتماع فيه لصلاة أو دعاء أو ذكر أو غير ذلك ضلال بين. نعم. قال: ثم إنه إن كان به بعض آثار الكفار من اليهود أو النصارى أو غيرهم صار أقبح وأقبح؛ يعني مكان ليس له أي ميزة أن تتقصد اجتماعاً فيه للذكر أو للصلاة بدعة، وإذا كان هذا المكان هو في الأصل مكان للكفار وذبائحهم صار أقبح وأقبح وأسوأ وأسوأ، زي بوانة. نعم.

قال: ثم إنه كان ودخل في هذا الباب وفي الباب قبله في مشابهة الكفار، وهذه أنواع لا يمكن ضبطها بخلاف الزمان فإنه محصور، وهذا الضرب أقبح من الذي قبله؛ فإن هذا يشبه عبادة، قال هذه أنواع لا يمكن ضبطها بخلاف الزمان فإنه محصور؛ يعني الأماكن التي تقدس ويعظمها أهل الأديان لا يمكن ضبطها، لأنه اليهود والنصارى عظموا أماكن كثيرة ما بتقدرش تعد لتعد، أما الأزمنة التي عظمت بدون معظم ممكن نحصرها، يعني أما أزمنة معينة كان يعظمها الكفار يمكن أن تعد وتحصر، أما الأمكنة التي عظمت ولها مكانة عند الكفار يعني ما تعدش عشرات ومئات الأماكن.

قال: وهذا الضرب أقبح من الذي قبله؛ فإن هذا يشبه أقبح تخصيص زمان لا خصوصية له في الشريعة، أو تخصيص مكان لا خصوصية له في الشريعة؛ فهمتم الآن ابن تيمية ماذا يريد أن يقول؟ أيهما أقبح بدعة؟ أن تخص زماناً بعيد لم تخصه الشريعة ولا له أي تاريخ في الإسلام، أو أن تخص مكاناً بعيد ليس له أي قيمة أو تاريخ في الإسلام؟ أيهما أشد بدعة؟ قال تخصيص الأماكن أسوأ بدعة من تخصيص الأزمنة؛ ليه؟ قال لأن تخصيص الأماكن هو من جنس عبادة الأوثان، بخلاف الأزمنة؛ الزمان ما أحداً كان يعبد الزمان، لكن الأماكن كانت تعبد؛ فتخصيص الأماكن من دون مخصص أخطر في الشريعة من تخصيص الزمان بدون مخصص. فهمتم؟ لأن الأماكن كانت تعبد فهي ذريعة إلى الشرك، بخلاف الأزمنة فإنها لم تكن تعبد، في حدا كان يعبد الدهر أو الزمن؟ إلا عاد يعني هيك شذ الشاذ من الآفاق.

قال: أو نوع من عبادة الأوثان؛ قال وهذا الضرب أي تخصيص الأماكن أقبح من الذي قبله وهو تخصيص الأزمنة؛ لأنه ليه قال؟ فإن هذا وهو تخصيص الأماكن بدون مخصص يشبه عبادة الأوثان؛ عباد الأوثان كانوا يعكفون في أماكن معينة عند أصنام، كذلك الذي يتخذ قبراً معيناً عيداً ويجتمع في هذا المكان يفعل مثل عبادة الأصنام، يعكف عند قبر معين أو شجرة معينة فهو يشبه عبادة الأوثان، فهذا خطير جداً. نعم.

قال: إذ عباد الأوثان كانوا يقصدون بقعة بعينها لتمثال هناك أو غير تمثال يعتقدون أن ذلك يقربهم إلى الله تعالى؛ وكانت الطواغيت الكبار التي تشد إليها الرحال ثلاثة: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، كما ذكر الله في كتابه حيث يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: 19-22]. وكل واحد من هذه الثلاثة لمصر من أمصار العرب والأمصار التي كانت من ناحية الحرم ومواقيت الحج ثلاثة: مكة والمدينة والطائف؛ فكانت اللات لأهل الطائف.

ذكر اللات، هذا صنم كان لمين؟ أهل الطائف. قال ذكروا أنه كان في الأصل رجلاً صالحاً يلت السويق للحجيج، فلما مات عكفوا على قبره مدة ثم اتخذوا تمثاله، هذا اللات هو كان في الأصل رجل صالح، كان لما يجيء الحجاج يعمل لهم عصير أو يلتهم زي السويق زي الشوربة أو شيء يشربونها، فلأنه رجل صالح لما مات قالوا خلص نعبد، نتخذ عند قبره، يعكفون عند قبره، ثم بعد أن عكفوا على قبره قال شوف الشيطان طور الموضوع: قال ليش بنعمل تمثال له تمثاله؟ صار يعمل التمثال الجيل الذي يليه؛ هذه قصة اللات، ويعامل معاملة الإناث؛ طبعاً هو أصل اسمه اللات بالجت. نعم هذا الأصل.

قال: فلما مات عكفوا على قبره مدة ثم اتخذوا تمثاله، ثم بنوا عليه بنية سموها بيت الربة وقصتها معروفة، بيت الربة؛ لأن كانوا يعاملون الأصنام معاملة الإناث، الأصنام كانوا يعاملونها معاملة الإناث، تمام زي مناة والعزى وحتى اللات.

كان رجلاً صالحاً، لكنهم كانوا يعاملون أصنامهم معاملة الإناث، فلذلك سموها بيت الربة. قال: وقصتها معروفة لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم لهدمها لما افتتحت الطائف بعد فتح مكة سنة تسع من الهجرة. وأما العزى فكانت لأهل مكة قريباً من عرفات، وكانت هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليها خالد بن الوليد عقب فتح مكة فأزالها، وقسم النبي صلى الله عليه وسلم مالها، وخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها عفريتة. قال: فيئست العزى أن تعبد، خلص؛ لأنه الشيطانة التي كانت فيها راحت، فيئست أن تعبد؛ لأنه ما عاد فيها شيطانة مستقرة، وقسم مالها؛ بتعرف الكفار كانوا يضعون أموالاً هكذا يتصدقون للأصنام.

قال: وأما مناة فكانت لأهل المدينة؛ كانت للأوس والخزرج، كانوا يعبدون مناة، فكانت لأهل المدينة يهلون لها شركاً بالله تعالى، وكانت حذو قديد، الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل. ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثان، ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله وأنواعه حتى يتبين له تأويل القرآن ويعرف ما كرهه الله ورسوله، فلينظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في زمانه وما ذكر الأزرقي في أخبار مكة وغيره من العلماء. كتاب «رفع الاشتباه» للإمام المعلمي كتاب جيد حقيقة في بيان طبيعة عبادة الأصنام عند العرب وأنواعها؛ «رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله» حقيقة كتاب جيد وفيه تحريرات نفيسة في بيان طبيعة شرك العرب وعباداتهم وماذا كانوا يؤلهون وما شابه ذلك، فصل تفصيلاً واسعاً في ذلك.

كمل قال: ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط، فقال بعض الناس: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. النبي صلى الله عليه وسلم انتهى من فتح مكة وخرج بمن معه، حتى من المسلمة الجدد باتجاه حنين، مروا بشجرة في الطريق اسمها ذات أنواط، فبعض المسلمين الجدد الذين أسلموا بعد فتح مكة قالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط. طبعاً ذات أنواط هي شجرة كان المشركون قديماً يجلسون عندها يتعبدون ويعملون طقوس عبادات. الآن هؤلاء الصحابة الذين قالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، هم ما قصدوا أنه اجعل لنا شجرة نعبدها -يعني لا يظن هذا فيهم- وإنما بدهم هكذا شجرة يحدث عندها لها نوع من البركة والرمزية كما أن الجاهليين كان لهم شجرة لها رمزية، لكن هؤلاء أكيد ما كان قصدهم أن يعبدوا هذه الشجرة بالتاكيد.

فالنبي عليه الصلاة والسلام حذر ونبه وشدد في الكلمة التي قالوها، فقال صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر! قلتم كما قال قوم موسى ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138]، كفوا بني إسرائيل لما نجاهم الله من فرعون، مش تجاوزوا البحر؟ أول ما جاؤوا على ناس يعبدون الأصنام قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. قالوا: أنتم قلتم لي نفس الشيء، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، بدنا شجرة نتبرك فيها ونجلس عندها، وما قصدوا عبادتها طبعاً». قال: «إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم». سبحان الله، يعني هذه الأمة سيكون فيها من يسير على طريقة اليهود والنصارى.

قال: فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم للكفار، هذا بدك تفهموه؛ لأنه هذا الحديث يستدل به بعض من لا يعذر بالجهل في مسائل الشرك، فعلينا أن نفهم أن هذا الحديث الصحابة لم يطلبوا شركاً. الصحابة الكرام ماذا طلبوا؟ شجرة تشبه الشجرة التي كان المشركون يشركون عندها، بس هم قصدوا مشابهة في أصل وجود شجرة لكن لم يقصدوا أن يعبدوها بالتاكيد. لذلك قال: فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عندها، بس بدهم المشابهة ولا يقصدون العبادة لها، ومع ذلك أنكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه المشابهة. قال: أنكر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها سلاحهم، فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين أو هو الشرك بعينه؟ يعني لو طلبوا نفس الشرك بعينه لا كان بالتأكيد كلامه أشد عليهم، لكن هم فقط طلبوا المشابهة في وجود شجرة يعكفون عندها ويعلقون عليها أسلحتهم بس، ومع ذلك أنكر.

قال: فمن قصد بقعة يرجو الخير. هو لماذا أتى بهذا الحديث؟ ليخبر أن الإسلام يحسم مادة تقديس البقاع؛ يعني إذا كانت شجرة بس شجرة تحط عليها سيفك وتجلس وتعكف عندها بشكل دوري ممنوع، ممنوع! إذا الإسلام منهجه عدم تقديس البقاع إلا ما قدسه الله ورسوله، بس غير كده تتخذ لي بقعة معينة، شجرة معينة، مكان معين بشكل دوري تزوره وتعتاد عليه، لا.

الآن فرق، إخواني، برجع بقول إنه لازم نفرق بين البعد الدنيوي والبعد التديني التعبدي؛ يعني أن تزور مكان معين لاعتقاد خصوصية فيه. أما والله واحد ارتاح هكذا في مكان، فله في عمان بحب أروح أدرس فيه، بستريح فيه؛ هذا ما في مشكلة لو أنك تروح عليه بشكل دوري، لأنه هنا هذا المكان لو انهدم وراح وخلص رح تروح أنت وتتركه، ما عندك أي خصوصية للبقعة، وإنما الأحوال المحيطة أنه هذا ما في إزعاج، مطل على البحر، يمكن يحصل هذا، بس هذا ليس تعبداً. إحنا مشكلتنا في تخصيص البقاع على اعتقاد التعبدية، أو على وجه يخشى أن يصبح تعبداً؛ هنا هذا التخصيص هو الممنوع.

قال: فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات. آه شايف؟ هذا إذا الضابط: من قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، مش أنه خصصها عرضاً لأن الجو فيها مريح، لا، هو يرجو الخير في هذه البقعة دون غيرها ولم تستحب الشريعة ولم تعطيها الشريعة أي قداسة، فهذه بدعة. هذا الضابط، وبعضه أشد من بعض على حسب البقاع التي خصصتها. سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء أو قناة جارية أو جبلاً أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي عندها أو ليدعو عندها أو ليقرأ عندها أو ليذكر الله سبحانه عندها أو ليتنسك عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عيناً ولا نوعاً.

إذاً بحيث يخص: إذا قصد بقعة، شوف حتى تفهم متى يكون تخصيص البقاع بدعة، أن تخص بقعة بعينها تعتقد فضيلة فيها، فتعطيها نوعاً من أنواع التعبد كصلاة أو دعاء أو قراءة أو تنسك بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة بهذه العبادة، لا عين تلك البقعة ولا نوعها. النوع المساجد، تمام؟ فكان تذهب كما قلنا تروح على بقعة شجرة أو عين ماء أو شيء، هسه في شجرة في الإسلام مطلوب أنك تتعبد عندها؟ أو العبادة عند الشجر كنوع مطلوبة؟ لا، لا عين الشجر معينة ولا نوع الشجر. الحيطان والجدران، هل هناك عين جدار معين مطلوب أن نتعبد عنده؟ لا، طب عموم الجدران، هل في هناك استحباب العبادة عند الجدران عموماً؟ فيقول لك: هذه الأماكن لا عينها ولا نوعها يشرع التعبد عندها، بخلاف المساجد، فإن نوعها يشرع التعبد فيه، وعينها لا يشرع التعبد في العين إلا في ثلاثة مساجد: الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى.

قال: وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهناً لتنبه. الأقبح أنه يجي واحد يقول لك: إيش؟ نذر علي لهي الشجرة أني أعطيها دهن معين للمصابيح التي عندها، أو مثلاً لزاوية من زوايا التصوف تجدهم يقولون: نذر علي أن أعطي لهي الزاوية وهذه البقعة دهناً لتضاء؛ هذا كان يفعل في زمنه كثيراً وهذا بدع. ويقال إنها تقبل النذر، هي الشجرة بتقبل النذر لها! بعضهم يقول لك: أنا بدي أنذر لهي الشجرة دهناً، أنها بتقبل أني أنذر لها، وهذا دخل في باب الشرك حقيقة، كما يقول بعض الضالين، فإن هذا النذر نذر معصية باتفاق العلماء ولا يجوز الوفاء به، بل عليه كفارة عند كثير من أهل العلم منهم أحمد في المشهور عنه عن رواية. نذر المعصية لا يفعل وفيه الكفارة عند الحنابلة، وعنه رواية هي قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما أنه يستغفر الله من هذا النذر ولا شيء عليه.

قال: وكذلك إذا نذر طعاماً من الخبز أو غيره للحيتان التي في تلك العين أو في عين تلك العين. يعني عين الماء أو بحر تتعبد عنده وتنذر أني بدي أطعمي خبزاً للحيتان التي فيه. وكذلك إذا نذر مالاً من النقد أو غيره للسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن هؤلاء السدنة فيهم شبه من السدنة التي كانت للات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله. والمجاورون هناك فيهم شبه من العاكفين الذين قال لهم إبراهيم الخليل وإمام الحنفاء صلى الله عليه وسلم ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52]، وقال ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 75-77]. والذي أتى عليهم موسى عليه السلام وقومه كما قال تعالى ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: 138]، فنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع التي لا فضل في الشريعة للمجاور بها نذر معصية، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها أو لسدنة الأنداد التي بالهند والمجاورين عندها؛ الأنداد يعني ما أعرف دلالتها قد تكون أصناماً معينة أو رموزاً معينة للهنود.

ثم هذا المال المنذور إذا صرفه في جنس تلك العبادة من المشروع، مثل أن يصرفه في عمارة المساجد أو للصالحين من فقراء المسلمين الذين يستعينون بالمال على عبادة الله وحده لا شريك له كان حسناً. فمن هذه الأمكنة ما يظن أنه قبر نبي أو رجل صالح وليس كذلك، أو يظن أنه مقام؛ يعني هذا الرجل بدل ما يضيع ماله وينذر لشجرة لا لو نذرت هذا المال صدقة على الفقراء والمساكين لكان خيراً لك. فأما ما كان قبراً له أو مقاماً له فهذا من النوع الثاني، وهذا باب واسع أذكر بعض أعيانه. إذاً فمن هذه الأمكنة ما يظن أنه قبر نبي أو رجل صالح وليس كذلك، أو يظن أنه مقام له وليس كذلك. طبعاً شو الفرق بين القبر والمقام؟ القبر هو مكان دفنه، المقام هو مكان مر عليه زاره هذا النبي؛ بتعرفوا الآن في يقول لك في مقام عبد الرحمن بن عوف هنا في جبيهة، تمام؟ يعني مثلاً عاد هو لا شافها ولا يعرف في، فهمت علي؟ فالمقام هي الأماكن التي يعتقد أن أولياء زاروها أو أنبياء زاروها، القبور لا هي الأماكن المدفونين فيها.

فيقول فالآن كل حديثنا، كل حديثنا الذي سبق، عن أماكن يظن أنها قبر نبي وليس كذلك، مثل مثلاً في الأردن عندنا في السلط يظن أنه قبر مين في السلط؟ شعيب. قال هذا ما له أي أصل، فأنتم لما تقدسوا هذه البقعة أنتم بتقدسوا بقعة من النوع الأول ولا من النوع الثاني؟ وشو النوع الأول مذكرين معي؟ النوع الأول ما حصل بقعة ما في فيها أي مناسبة صحيحة. النوع الثاني بقعة ثابتة بس لا يقتضي هذا أن تخص. فقال إحنا لسه بنتكلم عن النوع الأول، وهو أن تقدس قبور هي لم تثبت أصلاً أنها لأنبياء ولم تثبت أصلاً أنها لصالحين، وإنما هذا الشيء أنتم ألفته، أن شعيب ميت هون وعليه السلام وصالح ميت هون وهود ميت هون، وأنتم جعلتها قبوراً وقدستموها ولكن لم يثبت شيء من ذلك.

فهذا هو النوع الأول، أو تقول والله هذا المكان جاء عليه سيدنا موسى وهو طالع في دمشق، أو هذا المكان مر عليه سيدنا عيسى، ولا حدا عارف أنه مر موسى عليه السلام ولا عيسى، أنتم اخترعتوا هذا السيناريو. أما النوع الثاني هذا راح يجي معانا وهو بقعة ثابتة؛ بقعة ثابتة أنها قبر لنبي مثل قبر النبي عليه الصلاة والسلام تمام، أو قبور الصحابة الثابت منها، ثم أنت تعطيها خصوصية، فيقول لك هذا بعد ثاني. لكن إحنا مشكلتنا مع كثير من العوام الجهال النوع الأول لسه، أنه هو يعتقد في كثير من المقامات والقبور أنها قبور لصالح أو أنبياء ولم يثبت فيها أصلاً شيء من ذلك.

لذلك قال: فمن هذه الأمكنة ما يظن أنه قبر نبي وليس كذلك، أو يظن أنه مقام لنبي وليس كذلك. أما ما كان قبراً له فعلاً أو مقاماً لنبي فعلاً حقيقة، فهذا من النوع الثاني، أي النوع الثاني الذي مكان له احترامه في الإسلام لكن لا يجوز اتخاذه عيداً، أما النوع الأول مكان أصلاً ما له أي قيمة، إحنا مش عارفين أصلاً شيء صحيح فيه ثابت.

الأنداد مفهومة التي هي الأصنام، عفواً هو مكتوب أنه في خطأ في النسخ، هي أنداد بدل أبداد، باء طاء، إذا نسخة أخرى وهذا أقرب إذا.

هذه الأماكن هي الأنداد، والأنداد هي الأصنام التي في الهند؛ ليس الأبداد، هذا أظنه هو الصواب. قال: فمن ذلك عدة أمكنة بدمشق، مثل مشهد لأبي بن كعب خارج الباب الشرقي. سيعطيك أمكنة الناس تظن أن فيها صالحين وليس فيها شيء من ذلك، أمثلة على هذا النوع؛ قال: فمن ذلك عدة أمكنة بدمشق مثل مشهد لأبي بن كعب خارج الباب الشرقي، ولا خلاف بين أهل العلم أن أبي بن كعب مات بالمدينة، لم يمت بدمشق والله أعلم، لكنه ليس بقبر أبي بن كعب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك. مثلاً هذه أول حالة: قبر أبي بن كعب يزعم أنه في دمشق والناس تتعبد عنده وتزوره، وأبي بن كعب مات في المدينة وقبره هناك، من أين أتيتم بهذا القبر؟ يقول ابن تيمية: أنا لا أعرف قبر من هو، لكن باتفاق المسلمين أبي بن كعب لم يمت في دمشق، فمستحيل أن يكون هذا قبره. الناس تتقدم لقبر لم يثبت أصلاً أنه قبر رجل صالح، الله يستر ما يكون قبر مشرك.

قال: وكذلك مكان بالحائط القبلي بجامع دمشق يقال: إن فيه قبر هود عليه السلام. قبر هود في جامع دمشق؟ يا زلمة، حدا عارف قبر هود عليه السلام؟ هذا شيء اخترعوه. قال: وما علمت أحداً من أهل العلم ذكر أن هود النبي مات بدمشق، بل قد قيل إنه مات باليمن، وقيل بمكة، أصلاً الأقرب أن يكون قبره باليمن؛ لأن الأحقاف جهة اليمن مش جهة دمشق، الأحقاف التي أرسل فيهم هود قوم عاد، مش هود اللي كانوا جهة اليمن، فماذا يفعل قبر في دمشق؟ قال: فإن مبعثه كان باليمن، ومهاجره بعد هلاك قومه كان إلى مكة، فأما الشام فلا داره ولا مهاجره، فموته بها والحال هذه مع أن أهل العلم لم يذكروه، بل ذكروا خلافه في غاية البعد.

وكذلك مشهد خارج الباب الغربي من دمشق يقال: إنه قبر أويس القرني، وأويس القرني أحد أفاضل التابعين. قال: وما علمت أن أحداً ذكر أن أويساً مات بدمشق، ولا هو توجه إليها أيضاً، وما علمت أن أحداً ذكر أن أويساً قدم من اليمن إلى أرض العراق، وقد قيل: إنه قتل بصفين، وقيل: إنه مات بنواحي أرض فارس، وقيل غير ذلك، فأما الشام فما ذكر أنه قدم إليها فضلاً عن الممات بها، ما حدا ذكر أنه زار الشام فضلاً أن يكون قبره هناك.

قال: ومن ذلك أيضاً قبر يقال له: قبر أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ولا خلاف أنها رضي الله عنها ماتت بالمدينة لا بالشام، ولم تقدم الشام أيضاً، فإن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تسافر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لعلها أم سلمة أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصاري، فإن أهل الشام كشهر بن حوشب ونحوه كانوا إذا حدثوا عنها قالوا: أم سلمة. هم قالوا: قبر أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة والسلام، الظاهر هذه أم سلمة واحدة ثانية اللي هي أسماء بنت يزيد، ظنوا أنها أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، واختلطت عليهم الأسماء، وهذه امرأة أنصارية ليست هي زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، فبشر بن حوشب كان إذا روى عن أم سلمة الأنصارية يقول: حدثتنا أم سلمة، فيظن أنها زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، وهي أم سلمة أخرى. قال: وهي بنت عم معاذ بن جبل، وهي من أعيان الصحابيات ومن ذوات الفقه والدين، منهن أو لعلها أم سلمة امرأة يزيد بن معاوية، وهو بعيد؛ فإن هذه ليست مشهورة بعلم ولا دين، هذه لا، هذه صعبة كثير تكون، قال: هذه مش بالدين أصلاً.

قال: وما أكثر الغلط في هذه الأشياء وأمثالها من جهة الأسماء المشتركة أو المغيره. ومن ذلك مشهد بقاهرة مصر يقال: إن فيه رأس الحسين رضي الله عنه، اليوم في مصر مكان يقال: إن هذا قبر الحسين، والحسين عليه السلام ما له أي قبر في مصر أصلاً. قال: وأصله أنه كان بعسقلان مشهد يقال: إن فيه رأس الحسين، فحمل فيما قيل الرأس من هناك إلى مصر وهو باطل باتفاق أهل العلم، لم يقل أحد من أهل العلم أن رأس الحسين كان بعسقلان، بل فيه أقوال ليس هذا منها، فإنه حمل رأسه إلى قدام عبيد الله بن زياد بالكوفة، حتى روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يغيظه، وبعض الناس يذكر أن الرواية كانت أمام يزيد بن معاوية بالشام ولا يثبت ذلك، فإن الصحابة المسمين في الحديث إنما كانوا بالعراق، وكذلك مقابر كثيرة لأسماء رجال معروفين قد علم أنها ليست مقابرهم، فهذه المواضع ليست فضيلة أصلاً، وإن اعتقد الجاهلون أن لها فضيلة، اللهم إلا أن يكون قبراً لرجل مسلم فيكون كسائر قبور المسلمين، يعني أحسن شيء أنها تكون قبر رجل مسلم من عوام المسلمين، هذا أحسن شيء.

قال: ليس لها من الخصيصة ما يحسبه الجهال، وإن كانت القبور الصحيحة لا يجوز اتخاذها عيداً، ولا أن يفعل ما يفعل عند هذه القبور المكذوبة، أو تكون قبراً لرجل صالح غير المسمى فيكون من القسم الثاني، وأحسن أحوالها أن تكون قبراً لرجل صالح لكن ما حدا عارف من هو، فتدخل تحت القسم الثاني.

قال: ومن هذا الباب أيضاً مواضع يقال: إن فيها أثراً للنبي صلى الله عليه وسلم أو غيره، ويضاهي بها مقام إبراهيم الذي بمكة، كما يقول الجهال في الصخرة التي ببيت المقدس قبة الصخرة، من أن فيها أثراً من وطء رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون: إن فيها آثار أقدام النبي عليه الصلاة والسلام، هذا لا أصل له؛ كمقام إبراهيم، كيف مقام إبراهيم اللي عند الكعبة مش في آثار إبراهيم؟ بعض الناس تفعل لأنه يريد أن يظهر حبه للنبي عليه الصلاة والسلام، فصنع شيئاً مكذوباً، قال: أكيد أقدام النبي عليه الصلاة والسلام موجودة في قبة الصخرة حتى يضاهي بها مقام إبراهيم. قال: وبلغني أن بعض الجهال يزعم أنها من وطء الرب سبحانه وتعالى، فيزعمون أن ذلك الأثر موضع القدم، هذا العياذ بالله كامل الفحش والابتعاد أن يقول: هذا وطء الله نفسه، هذا والعياذ بالله أسف.

قال: وفي مسجد بقبلية دمشق يسمى مسجد القدم أثر أيضاً يقال: إن ذلك أثر قدم موسى عليه السلام، وهذا باطل لا أصل له، ولم يقدم موسى دمشق ولا ما حولها، موسى أصلاً عليه السلام ما وصل كل دمشق، ما لها علاقة فيها، فصارت له قدم هناك.

قال: وكذا مشاهد تضاف إلى بعض الأنبياء أو الصالحين بناءً على أنه رُؤي في المنام هناك، هذه لأصعب، والله شفت سيدنا البدوي أو الخضر عند كذا، فيصير رؤيا المنام واقع، وبقول لك: أكيد الخضر مر من هون، بس بناءً على رؤية منام، أو شفت في المنام سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام مر من بقعة معينة في دمشق أو في تركيا أو في كذا، إذا بتصير هذه البقعة في الواقع مقدسة بناءً على رؤية بس شافها في المنام.

قال: ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم أو الرجل الصالح في المنام ببقعة لا يوجب لها فضيلة تُقصد البقعة لأجلها وتتخذ مصلى بإجماع المسلمين، وإنما يفعل هذا وأمثاله أهل الكتاب، وربما صُور فيها صورة النبي صلى الله عليه وسلم أو الرجل الصالح أو بعض أعضائه مضاهاة لأهل الكتاب، للاسف يعني بعضهم يصير يرسم صورة النبي في هذا المكان اللي شافوه فيه في النوم، صورته كما يفعل النصارى؛ النصارى هم شغلتهم يرسم صورة المسيح. قال: كما كان في بعض مساجد دمشق مسجد يسمى مسجد الكف، وفيه تمثال كف يقال: إنه كف علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، حتى هدم الله ذلك الوثن.

قال: وهذه الأمكنة كثيرة موجودة في أكثر البلاد، وفي الحجاز مواضع كغار عن يمين الطريق وأنت ذاهب من بدر إلى مكة، يقال: إنه الغار الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وإنه الغار الذي ذكره الله في قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: 40]، ولا خلاف بين أهل العلم أن الغار المذكور في القرآن إنما هو غار بجبل ثور، الغار الذي دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر غار ثور، وهذا بجانب مكة، مش في الطريق بعد بدر، يعني بدر بعيدة عن مكة، إيش دخل غار ثور في منطقة بعد بدر؟ مكان ما له علاقة.

قال: قريب من مكة معروف عند أهل مكة إلى اليوم، فهذه البقاع التي يعتقد لها خصيصة كائنة ما كانت، فإن تعظيم ما لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم يعظمه؛ تعظيم الأمكنة شر من تعظيم الأزمنة. قال: فإن تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان، لماذا؟ لأن تعظيم الأجسام شجرة، عين ماء، قبر بالعبادة عندها أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الأزمان. قال: حتى إن الذي ينبغي تجنب الصلاة فيها، وإن كان المصلي لا يقصد تعظيمها لئلا يكون ذلك ذريعة إلى تخصيصها بالصلاة فيها، فهذه الأمكنة سواء كانت قبراً أو غيره لا ينبغي أن تخصها بالصلاة حتى لو لم تعتقد فضيلة الصلاة عندها لئلا يكون ذريعة لاعتقاد الفضيلة.

لذلك قال: الذي ينبغي تجنب الصلاة في هذه الأمكنة التي تعظمها العامة وإن كان المصلي لا يقصد تعظيمها، إذا أنت إنسان فاهم وعاقل وواعي لا تروح تصلي في مكان يعظمه الناس حتى لو أنت مش رايح تعظمه، يعني اجت الصلاة بدي أصلي، حاول ما تصلي فيه؛ ليه؟ حتى لا يظن الناس إذا أنت طالب علم أو شيء أنك خصصته بالصلاة تعظيماً له. فلذلك قال: الذي ينبغي تجنب الصلاة في هذه الأمكنة التي تعظمها العامة وإن كان المصلي لا يقصد تعظيمها، والله جاءت الصلاة عرضاً عند هذا القبر المدعى لئلا يكون ذلك ذريعة إلى تخصيصها بالصلاة، كما ينهى عن الصلاة مثلاً عند القبور، المحقق الإسلام نهانا عن الصلاة صلاة عموماً عندها، حتى لا يتخذ ذلك ذريعة، حتى لو أنت بالغلط يعني نزلت في الطريق رأيت مقبرة والله بدي أصلي العشاء وما فيه وقت، ادخل على مقبرة وصلي، هسا أنت عارف أنك مش قاصد هذه المقبرة، أنت وجدتها بس في الطريق ومع ذلك لا يجوز، صلِّ في مكان ثاني أي مكان.

طيب يا شيخ، أنا مش قاصد! نعم بس بدنا سد الذريعة، هي إحدى الأفكار الأساسية في حسم باب البدع؛ إغلاق الباب تماماً حتى لا يظن أن دخولك على هذه المقبرة لخصيصة فيها، وإن كنا نعلم أن هذه مش نيتك، بس نحن بدنا نغلق الباب.

قال: وكما ينهى عن إفراد الجمعة وسرر شعبان بالصوم وإن كان صائم لا يقصد التخصيص بذلك الصوم، فإنما كان مقصوداً بالتخصيص مع النهي عن ذلك ينهى عن تخصيصه أيضاً بالفعل، وما أشبه هذه الأمكنة بمسجد الضرار الذي أُسس على شفا جرف هارٍ فانهار به في نار جهنم، فإنما كان مقصوداً بالتخصيص مع النهي عن ذلك ينهى عن تخصيصه أيضاً بالفعل.

هو يريد أن يقول: في أماكن أصبحت الناس تخصها بالتعظيم، وأنت لا تروح تعمل عبادة عندها ولو عرضاً، ولو مش قصدك تخصيصها لئلا تشابههم، ولئلا يعتقدوا الخصوصية فيها، أما الأماكن العامة مثل الشوارع العامة، الأشجار العامة اللي ما حداش بباله فيها يعني شجرة تحت في الحرج لو أنا صادفتني الصلاة صليت عند الشجرة تحت، مش مشكلة، بس شجرة يعظمها الناس وصادفت الصلاة عندها، لا فيه مشكلة لا تصلي عندها، فكأنه يقول فكرة النصوص الشرعية أن الأماكن والأزمنة التي يخصها الناس ينهى الإسلام عن تخصيصها بالعبادة سواء أنت قصدت تخصيصها أو لم تقصد، أما الأماكن الأخرى العامة والأزمنة الأخرى العامة التي لا يخصها الناس بشيء، فلو أنك فعلت فيها العبادة على وجه العرض ما في مشكلة لأننا لا نخشى هنا من أن يفهمك الناس بصورة خاطئة، فهمتم؟ فلذلك لماذا يوم الجمعة نهينا عن إفراده بالصوم؟

لو اجا على بالك تصوم يوم الثلاثاء؛ خلص، بدك تصوم يوم الثلاثاء وحده هذا الأسبوع، في مشكلة؟ فيش مشكلة. حتى لو لم تصم يوماً قبله ولا يوماً بعده، لكن لو اجا على بالك إنك تصوم الجمعة وحدها، في مشكلة؟ ويكره ذلك. شو الفرق يا عمار؟ ليش إذا اجا على بالي أخص الثلاثاء هذا الأسبوع بس هيك بالصيام جائز، لكن إذا اجا على بالي أخص الجمعة غير جائز، ولا بد أصوم يوماً قبله أو يوماً بعده؟ ليش شو الفرق بين الثلاثاء والجمعة؟ الثلاثاء لو صمته بدون يوم قبله أو بعده جائز، الجمعة لو صمته بدون يوم قبله أو بعده غير جائز، شو الفرق بين الثلاثاء والجمعة؟

أحسنتم، الجمعة بطبيعته له خصوصية عند الناس، فإذا أنت خصصته بالعبادة ولو لم تقصد التخصيص عرضاً، نخشى أنه يفهمك الناس خطأ، فنقول لك: لا، الجمعة الله يكرمك، لأن الناس في العادة بتخصه، لا تصوموه وحده حتى تصوم يوماً قبله أو بعده. أما الثلاثاء ففيش حدا بعظمه، بالتالي لو صمته وحده بدون يوم قبله أو بعده، مش خايفين إذا كان عرضاً. نفس الشيء الأمكنة، إذا شجرة الناس بتعظمها، عين ماء الناس بتعظمها، لا تصلي عندها ولو عرضاً، ما تصلي عندها حتى لا يظن أنك قصدت تخصيصها. أما مكان لا يعظمه الناس، سواء شجرة أو عين ماء، عرضاً صادفتك الصلاة عندها، فيش مشكلة لو صليت عندها. فهمتم كيف نفكر؟ إذاً، فإن ما كان مقصوداً بالتخصيص مع النهي عن ذلك، ينهى عن تخصيصه أيضاً بالفعل ولو لم تقصد أنت التخصيص، يعني ينهى أنك تفعل الفعل عنده ولو لم تقصد أنت التخصيص.

والله، امسك المايك اللي عندك الله يعينك، الناس رح تزعل. مش شغال، اكبس الكبسة، ضوه. السلام عليكم، صار حفلة. اللهم صلي على سيدنا محمد، كان في شيخ بيشرح على مسجد الأزهر، وبيحكي كيف بداية تأسيسه من الدولة الفاطمية، وبيحكي هو مسجد ضرار، فهو الأصل إنه ما نصلي فيه، فحبيت استفسر.

والله يا شيخ، مش بهذا التصور، يعني هو تم إزالة الفاطميين العبيديين عنه، وأصبح مكاناً للعلم والتعليم، ومنارة للعلم شئنا وأبينا، تمام؟ ما يعصف الأزمنة المتأخرة فقضية مسجد الضرار، وإطلاق مسجد الضرار بهذه العموميات هذا ما هو صحيح. شيخ، يعني مسجد الضرار له مواصفات معينة، حتى يقال مسجد ضرار يجب هدمه، أما هذه الأمور التي يتناوب عليها أهل البدع، ويمكن أن ينسخ أثرهم ويأتي أهل السنة فيه، فهذا يعني الأزهر درس فيه ودرس فيه العلماء من أهل السنة قديماً وحديثاً، فاعتبار مسجد بهذا التصور لا أعتقد أنه ابتعاد عن النجاح، لا أعتقد هذا صواب.

قال: وما أشبه هذه الأمكنة بمسجد الضرار الذي أسس على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم، فإن ذلك المسجد لما بني ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيه وأمر بهدمه. وهذه المشاهد الباطلة إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله، كلمة المضاهاة قديش بتتكرر، قال: مضاهاة لبيوت الله، وتعظيماً لما لم يعظمه الله، وعكفاً على أشياء لا تنفع ولا تضر، وصداً للخلق عن سبيل الله، وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، واتخاذها عيداً هو الاجتماع عندها واعتياد قصدها، فإن العيد من المعاودة. إذاً ما معنى أن أتخذ مكاناً عيداً، قبراً أو شجرة أو شيئاً ما؟ ضابط هذا هو ما ذكره هنا، قال: واتخاذ هذه الأماكن عيداً هو الاجتماع عندها واعتياد قصدها، تضلك رايح جاي عليها.

قال: ويلتحق بهذا الضرب، ولكنه ليس منه، مواضع يدعى لها خصائص لا تثبت؛ مثل كثير من القبور التي يقال إنها قبر نبي أو قبر صالح أو مقام نبي أو صالح ونحو ذلك، وقد يكون ذلك صدقاً وقد يكون كذباً، وأكثر المشاهد التي على وجه الأرض من هذا الضرب المكذوب الذي لا أصل له. فإن القبور الصحيحة والمقامات الصحيحة قليلة جداً، وكان غير واحد من أهل العلم يقول: لا يثبت من قبور الأنبياء إلا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم، وغيره قد يثبت غير هذا أيضاً، مثل قبر إبراهيم الخليل عليه السلام، يعني قبر النبي عليه الصلاة والسلام هو الثابت يقيناً، وإذا بدنا نثبت قبر نبي آخر ما فيش غير إبراهيم عليه السلام، ظناً أنه في مدينة الخليل في فلسطين، بتعرف المسجد الإبراهيمي بسموه.

قال: وقد يكون علم أن القبر في تلك الناحية، لكن يقع الشك في عينه، ككثير من قبور الصحابة التي بباب الصغير من دمشق، فإن الأرض غيرت مرات، فتعيين قبر أنه قبر بلال أو غيره لا يكاد يثبت إلا من طريق خاصة، وإن كان لو ثبت ذلك لم يتعلق به حكم شرعي مما قد أحدث عندها. ولكن الغرض أن نبين هذا القسم الأول وهو تعظيم الأمكنة التي لا خصيصة لها، أما مع العلم بأنه لا خصيصة لها، أو مع عدم العلم بأن لها. ففإن العبادة والعمل بغير علم منهي عنه، كما أن العبادة والعمل بما يخالف العلم منهي عنه. ولو كان ضبط هذه الأمور من الدين، يقول: إذاً العبادة والعمل بغير علم منهي عنها، كما أن العبادة والعمل بما يخالف العلم منهي عنه. شو الفرق بين الجملة الأولى والثانية؟

أحسنت، يعني بعبارة أخرى: العبادة والعمل بغير علم أنك تعمل وتتعبد وأنت مش عارف، واللي بعمله صح أنا ولا غلط أنت مش عارف، هل هذا يجوز؟ ما بصير. الأسوأ أنك تتعبد وتعمل وأنت عارف أنه خلاف الحق، صح؟ في واحد بعبد بس هو مش عارف أنا بعمل أنه صح ولا خطأ، فهذا تعبد بغير علم كحال كثير من العباد الجهال، تعبد ومش عارف صح غلط، المهم أنه تعبد. الحالة الأسوأ منها وهي حالة اليهود، وهو الذي يتعبد وهو يعلم أن ما يفعله خلاف العلم، مش هو مش عارف. فكذلك نفس الشيء، أن تتخذ قبراً وأنت تعلم أنه قبر نبي تتخذه عيداً، هذا تعبد بماذا؟ بخلاف العلم. قال: كذلك لو أنت أصلاً مش عارف هو قبر ولا مش قبر، يعني لو أنت متردد، فهذا أيضاً يأخذ نفس الدرجة من السوء، مع أنه طبعاً هو يريد أن يقول كل القبور خطأ.

قال: ولو كان ضبط هذه الأمور من الدين لما أهمل ولما ضاع للأمة المحفوظ دينها المعصوم عن الخطأ. لو كان معرفة أماكن قبور الأنبياء ومعرفة أماكن قبور الأولياء والصحابة من الدين، لما قصر أحد من السلف في ضبط هذا قبر فلان، هذا قبر فلان، لكن الكل يعرف أن ضبط أماكن القبور ليست من الدين في شيء. وأكثر ما تجد الحكايات المتعلقة بهذا عند السدنة والمجاورين لها الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله. حتى يجيبوا الناس ويأخذوا مصاري، يعني المسؤولين عن قبور السيدة نفيسة والسيد البدوي، ما هم أكثر ناس مسرورين القروش التي تدخل عليهم، فهم بيجوا بيقولوا لهم، يعني بيضحكوا على الناس العوام، والله اجا واحد هون وصار معه كذا، فبتصير الناس تتناقل هذه الحكايات، فبصير العوام المساكين يوقفون للقبور ويأتون يدفعون الأموال للسدنة، فالسدنة بالنسبة لهم بزنس، يعني هذا من أحد المشاريع الناجحة.

قال: وقد يحكى من الحكايات التي فيها تأثير مثل أن رجلاً دعا عندها فاستجيب له، أو نذر لها إن قضى الله حاجته فقضيت حاجته، بيقولك، وهنا كمان تكبر الأمور وتصير أصعب، أنه صارت تتناقل حكايات في واحد راح على قبر السيدة نفيسة ودعا الله وقضيت حاجته، وأنا شوف كيف بتتعقد الأمور على العامة اللي ما يعرف الصواب من الخطأ، فبيجي بيقول لك: يلا، أثبت لي، أنه طب ليش قضيت حاجته؟ لو كان دعاؤه غلط عند قبر السيدة نفيسة لما قضى الله حاجته. هنا بتصير الأمور أكثر اشتباهاً على العامي الذي لا يعرف أن الله قد يكون قضى حاجته لسبب آخر، قد يكون قضاء حاجته ابتلاء له أصلاً، وقد يكون قضاء حاجته كما قال ابن تيمية بسبب اضطرار وقع فيه هذا الشخص، بس رحمة من ربنا فيه، وإلا ربنا عارف إنه مشرك في هذا الدعاء أو مبتدع في هذا الدعاء، فهذه هنا بتكبر المشاكل وتتعقد في إقناع العامة أنه يا أخي الموضوع استجابة دعوته مش لأنه عند السيدة نفيسة، بسبب شيء آخر.

قال: وبمثل هذه الأمور كانت تعبد الأصنام، فإن القوم كانوا أحياناً يخاطبون الأوثان وربما قضيت حوائجهم إذا قصدوها، وكذلك يجري لأهل الأنداد من الهند وغيرهم. وربما قيست على ما شرع الله تعظيمه من بيته المحجوج، والحجر الأسود الذي شرع الله استلامه وتقبيله كأنه يمينه، والمساجد التي هي بيوته. الكثير من العامة الذين عبدوا الأصنام ربما قيل لهم إنه في واحد دعا عند اللات والعزى وقضيت حاجته، خلص تنتشر هذه القصة في جزيرة العرب إنه في واحد دعا عند اللات والعزى قضيت حاجته، فبصير يفكر إنه الدعاء عند اللات والعزى مشروع وسبب للاستجابة، فهذه هي المحن فعلاً في بعض الأمور يصبح فيها محن وتتعقد فيها. فأسأل الله أن يعصمك منها.

قال: وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس، وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في أهل الأرض. هذه الشبهات هي اللي تعقيدها جعل الشرك ينتشر في الأرض. قال: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل». فإذا كان نذر الطاعات المعلقة بشرط لا فائدة فيه ولا يأتي بخير، فما الظن بالنذر لما لا يضر ولا ينفع؟ وأما إجابة الدعاء فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه، وقد يكون سببه مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمراً قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أخرى، وإن كانت فتنة في حق الداعي. إجابة الدعاء عند قبر السيدة نفيسة أو عند هذا، قد يكون أصلاً فتنة للداعي، وقد يكون لاضطرار وقع فيه، وربنا بيرحم، ليس أكثر من ذلك.

قال: فإنا نعلم أن الكفار قد يستجاب لهم فيسقون المطر من السماء رحمة بنسائهم وذراريهم فقط. فيسقون، ليس هذا يدل على صحة دينهم. فقد يستجاب لهم فيسقون وينصرون ويعانون ويرزقون مع دعائهم عند أوثان وتوسل بها. وقد قال الله تعالى: ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20]. عطاء الدنيا مش محظور عن أحد، ربنا بعطي المسلم والكافر، بيعطي المبتدع والفاسق والتقي. فإذا حصل كافر أو مبتدع بطريقة خاطئة، إياك يا عبد الله أن تظن أن هذا العطاء حصله لصحة طريقته، لا، فش تلازم، لا تلازم في هذا.

وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6]، وأسباب المقدورات فيها أمور يطول تعدادها، ليس هذا موضع تفصيلها، وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة، ولعلي إن شاء الله أبين بعض أسباب هذه التأثيرات في موضع آخر، يعني لعلي أتكلم لماذا بعض الأمور يحصل فيها استجابة دعوة مع أن الفعل خطأ، ما الذي أثر في إجابة الدعوة؟ وذكر بعضها هنا، يعني بس حاب ابن تيمية بعقله الكبير أن يدخل فيها في مكان آخر.

النوع الثاني، قال رحمه الله: فصل، النوع الثاني من الأمكنة ما له خصيصة لكن لا يقتضي اتخاذه عيداً. نعم، النوع الثاني مكان ثابت له خصيصة، له احترام عندنا، لكن هذا الاحترام لا تقتضي أن يجعل عيداً وأنك تذهب وتأتي إليه، لا يقتضي اتخاذه عيداً ولا الصلاة ونحوها من العبادات عنده. فمن هذه الأمكنة قبور الأنبياء والصالحين، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم والسلف النهي عن اتخاذها عيداً عموماً وخصوصاً، وبينوا معنى العيد. فأما العموم فقال أبو داوود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح، قال: قرأت على عبد الله، قال صلى الله عليه وسلم بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً».

وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم. ولا تتخذوا قبري عيدًا، وهو ثابت. وبالتأكيد له مكانة وجود الجسد الشريف فيه صلى الله عليه وسلم، لكن هذا لا يقتضي أن يجعل عيدًا ومزارًا، وإنما تكون زيارته تبعًا لزيارة المسجد النبوي.

قال: وهذا إسناد حسن؛ فإن رواته كلهم ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع الصائغ الفقيه المدني صاحب مالك فيه لين لا يقدح في حديثه. قال يحيى بن معين: هو ثقة، وحسبك بابن معين موثقًا. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ وهو لين، تعرف حفظه وتنكر. فإن هذه العبارات منهم تنزل حديثه من مرتبة الصحيح إلى مرتبة الحسن؛ إذ لا خلاف في عدالته وفقهه، وأن الغالب عليه الضبط، لكن قد يغلط أحيانا. ثم هذا الحديث مما يعرف من حفظه ليس مما ينكر؛ لأنه سنة مدنية.

شوف القرينة؛ يعني الذي يؤكد أن عبد الله بن نافع ضبط الحديث أن هذا الحديث هو عبد الله بن نافع مدني من سكان المدينة، والحديث يتكلم بمسألة يهتم بها أهل المدينة وهي مسألة قبر النبي عليه الصلاة والسلام. فهذه قرينة أن هذا الحديث مما يغلب على الظن أنه ضبطه؛ لأنها مسألة مدنية لتعلقها بحياتهم الشخصية، هم سكان المدينة.

قال: هي سنة مدنية وهو محتاج إليها في فقهه. شوف كيف القرائن في التصحيح والتضعيف. قال: ومثل هذا يضبطه الفقيه، فللحديث شواهد من غير طريقه؛ فإن هذا الحديث روي من جهات أخرى فما بقي منكرًا، وكل جملة من هذا الحديث رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد معروفة، وإنما الغرض هنا النهي عن اتخاذه عيدًا.

قال: فمن ذلك ما رواه أبو يعلى بإسنادي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علي بن الحسين أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها يدعو، فنهاه، فقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». قواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي والحافظ فيما اختاره من الأحاديث الزائدة على الصحيحين، وشرطه فيها أحسن من شرط الحاكم في صحيحه.

وروى سعيد في سننه قال بإسناده: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وقال سعيد: وحدثنا عبد العزيز بن محمد قال: أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء. فقلت: لا أريده. فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم».

قال: ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء، كلكم يبلغ صلاة النبي عليه الصلاة والسلام حتى أهل الأندلس. قال: فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لا سيما وقد احتج من أرسله به، وذلك يقتضي ثبوته عنده، ولو لم يكن روي من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد تقدم مسندًا؟

ووجه الدلالة أن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهي عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان. هذه موطن الشاهد، إذا كان قبره هو أشرف قبر على وجه الأرض ومع ذلك نهي عن اتخاذه عيدًا، فما بالك بقبور غيره؟ ثم إنه قرن ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا»؛ أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور. فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم.

وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا». وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه». ثم إنه صلى الله عليه وسلم أعقب النهي عن اتخاذه عيدًا بقوله: «صلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم»، وفي الحديث الآخر: «فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم»، يشير بذلك صلى الله عليه وسلم إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم عنه، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدًا.

والأحاديث عنه بأن صلاتنا وسلامنا تعرض عليه كثيرة، مثل ما روى أبو داود من حديث أبي صخر حميد بن زياد عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». وهذا الحديث على شرط مسلم. ومثل ما روى أبو داود أيضًا عن أوس بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي». قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ فقال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء»، فالأنبياء تبقى أجسادهم كما هي في الأرض.

قال: «أرمت» أي صار رميمًا أي عظمًا باليًا. فإذا اتصلت به تاء الضمير، فأفصح اللغتين أن يفك الإدغام فيقال: أرممت، وتفك الإدغام. وفيها لغة أخرى كما في الرواية: رمت. وفي مسند ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيًا بلغتني». قال: رواه الدارقطني بما معناه، وفي النسائي وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام»، إلى أحاديث أخرى في هذا الباب متعددة.

ثم إن أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين رضي الله عنهما نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره صلى الله عليه وسلم واستدل بالحديث، وهو راوي الحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي، فهو أعلم بمعناه من غيره؛ فبين أن قصده للدعاء ونحوه اتخاذ له عيدًا. قال: وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته، كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدًا. فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا لها أضبط.

وهذه فائدة جميلة في موضوع السنن؛ يعني أهل البلدة الذين هذه السنة متعلقة بهم هم أشد ضبطًا لفقهها من غيرهم. فالمسائل المتعلقة بالمدينة بالتحديد ما لهم الأكثر ضبطًا لفقهها؟ أهل العراق والشام أم أهل المدينة؟ أهل المدينة؛ لأن هذا الموضوع عندهم، بالتالي الذي يغلب على الظن أنهم منشغلون بتحرير هذه المسائل؛ لأنه أي مسألة تتعلق بالمدينة كمدينة ولا تتعلق بالكوفة والبصرة وغيرها من الأمصار.

لا أن يكون المقصود من كل الزيارة القبر، أما أنت ذاهب لتصلي في المسجد النبوي وسلمت على القبر وأنت داخل أو خارج فلا مشكلة. المقصود الكراهية أن يكون مقصد الزيارة هي فقط زيارة القبر، هذا المنهي عنه أو المكروه.

قال رحمه الله: والعيد إذا جعل اسمًا للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة عنده أو لغير العبادة، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفات جعلها الله عيدًا مثابة للناس، يجتمعون فيها وينتابونها للدعاء والذكر والنسك. وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها، فلما جاء الإسلام محا الله ذلك كله.

وهذا النوع من الأمكنة يدخل فيه قبور الأنبياء والصالحين والقبور التي يجوز أن تكون قبورًا لهم بتقدير كونها قبورًا لهم، بل وسائر القبور أيضًا داخلة في هذا؛ فإن قبر المسلم له من الحرمة ما جاءت به السنة؛ إذ هو بيت المسلم الميت، فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق، ولا يوطأ ولا يداس ولا يتكأ عليه عندنا وعند جمهور العلماء، ولا يجاور بما يؤذي الأموات من الأقوال والأفعال الخبيثة. ويستحب عند إتيانه السلام على صاحبه والدعاء له، وكلما كان الميت أفضل كان حقه أوكد. عمومًا قبور المسلمين كلها لها احترام عندنا، صح تتفاوت على حسب مقام الرجل، لكن عمومًا أي مسلم له احترام في قبره.

قال: قال بريدة بن الحصيب رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: «السلام على أهل الديار»، وفي لفظ: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية». رواه مسلم. وروي أيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون».

وروي أيضًا عن عائشة في حديث طويل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم». قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون».

وروى ابن ماجه عن عائشة قالت: فقدته، فإذا هو بالبقيع فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط ونحن بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم». وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر». رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن غريب. وقد ثبت عنه أنه بعد أحد بثماني سنين خرج إلى الشهداء فصلى عليهم كصلاة على الميت. وروى أبو داود عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له».

التثبيت، فإنه الآن يسأل، وقد روي حديث صححه ابن عبد البر أنه قال: «ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام».

وروي في تلقين الميت بعد الدفن حديث فيه نظر. نعم، التلقين هو أن تقول له عند قبره كما ذكرنا في المذهب الحنبلي: يا فلان قل لا إله إلا الله، يا فلان قل ربي الله ودين الإسلام. هذا فيه اختلاف، هل هو مشروع ولا غير مشروع؟ لكن عمل به رجال من أهل الشام الأولين، فلذلك استحبه أكثر أصحابنا وغيرهم. فهذا ونحوه مما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ويأمر به أمته عند قبور المسلمين.

هذه يسمونها الزيارة الشرعية، هذه تسمى الزيارة الشرعية، أنك تزور القبر، تدعو لصاحبه، تذكر كذا، وخلاص هذا المطلوب. قال فهذا ونحوه مما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ويأمر به أمته عند قبور المسلمين عقب الدفن وعند زيارتهم والمرور بهم، إنما هو تحية للميت كما يحيي الحي، السلام عليكم. قال ودعاء له كما يدعى له إذا صلى عليه قبل الدفن أو بعده، وفي ضمن الدعاء للميت دعاء الحي لنفسه ولسائر المسلمين. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، زي كذا.

قال كما أن الصلاة على الجنازة فيها الدعاء للمصلي ولسائر المسلمين وتخصيص الميت بالدعاء له، فهذا كله وما كان مثله من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه السابقون الأولون، هو المشروع للمسلمين في ذلك، وهو الذي كانوا يفعلونه عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره. وروى ابن بطة في الإبانة بإسناد صحيح عن معاذ بن معاذ قال: حدثنا ابن عون قال: سأل رجل نافعاً فقال: هل كان ابن عمر يسلم على القبر؟ فقال: نعم، لقد رأيته مئة أو أكثر من مئة مرة كان يأتي القبر فيقوم عنده فيقول: السلام على النبي، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، وفي رواية أخرى ذكرها الإمام أحمد محتجاً بها، ثم ينصرف. وهذا الأثر رواه مالك في الموطأ.

وزيارة القبور جائزة في الجملة، حتى قبور الكفار، فإن في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي». وفيه أيضاً عنه قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنت في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت».

وفي صحيح مسلم عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». وفي رواية لأحمد والنسائي: «فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجراً». وروى أحمد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة». فقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم في زيارتها بعد النهي، وعلل ذلك بأنها تذكر الموتى والدار الآخرة، وأذن إذناً عاماً في زيارة قبر المسلم والكافر.

حتى لو أن الإنسان فكر لماذا نهاهم عن زيارة القبور ابتداءً بعدين نسخ ذلك، بس هيك أحياناً الواحد بفكر، أليس قد يكون حسماً لمادة الشرك؛ لأنهم كانوا قريبي عهد بالجاهلية؟ لماذا نهى عن زيارة القبور ابتداءً؟ شو المشكلة؟ «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». طيب لماذا نهاهم عن زيارة القبور؟ لما يكون الإنسان قريب العهد بالشرك، أنت تخاف أن تبقى هذه الفكرة مسيطرة على دماغه، فكان من حكمة بعض الأحكام أنه يحسم المادة ابتداءً حتى لا يبقى لها أي وقع في قلوبهم، فلما حسمت مادة الشرك في قلوب الصحابة ورسخ فيها ما رسخ، أعاد الإذن بزيارة القبور من جهة ما فيها من المصلحة، وأنها تذكر بالآخرة تماماً، والله أعلم.

وهذه الزيارة، زيارة حتى قبر الكافر يزار، بس قبر الكافر لا تقول السلام عليكم. قال: والسبب الذي ورد عليه هذا اللفظ يوجب دخول الكافر، والعلة وهي تذكر الموت والآخرة موجودة في ذلك كله، وقد كان صلى الله عليه وسلم يأتي قبور أهل البقيع والشهداء للدعاء لهم والاستغفار. فهذا المعنى يختص بالمسلمين دون الكافرين، فهذه الزيارة، وهي زيارة القبور لتذكر الآخرة أو لتحيتهم والدعاء لهم، وهو الذي جاءت به السنة كما تقدم.

قال وقد اختلف أصحابنا وغيرهم هل يجوز السفر لزيارتها على قولين، أحدهما: لا يجوز. والمسافر لزيارتها، هل يجوز شد الرحال لزيارة القبور؟ هذه المسألة الشهيرة، قال اختلف أصحابنا الحنابلة، وبقول لك مختلفين عموماً، القول الأول: لا يجوز شد الرحال لزيارة القبور وأن هذا معصية. ولا يجوز قصر الصلاة فيها، وهذا قول ابن بطة وابن عقيل وغيره؛ لأن هذا السفر بدعة لم يكن في عصر السلف، وهو مشتمل على ما سيأتي من معاني النهي، ولأن في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». وهذا النهي يعم السفر إلى المساجد والمشاهد وكل مكان يقصد السفر إلى عينه للتقرب.

فعند ابن تيمية وأنصاره، لا تشد الرحال لبقعة إلا إلى ثلاثة مساجد، هذا تقدير مستثنى منه. أما عند مخالفي ابن تيمية ماذا يقولون؟ يقولون التقدير: لا تشد الرحال لمسجد إلا إلى ثلاثة مساجد، وأما شد الرحال إلى غير المساجد فالحديث لا يتعلق بذلك، فيجوز شد الرحال إلى القبور، فالخلاف في تقدير المستثنى منه. فابن تيمية يقول: لا تشد الرحال لمسجد ولا لبقعة مهما كانت.

قال بدليل أن بصرة بن أبي بصرة الغفاري، استدل بها ابن تيمية على عموم المستثنى منه، وهو أن الصحابي بصرة بن أبي بصرة رأى أبا هريرة لما رأى أبا هريرة راجعاً من الطور الذي كلم الله عليه موسى، قال: لو رأيتك قبل أن تأتيه لم تأته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شد الرحال لزيارة جبل الطور في مصر بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، فرآه راجعاً بصرة بن أبي بصرة. فبصرة بن أبي بصرة قال لأبي هريرة: لو أدركتك قبل أن تذهب إلى جبل الطور لنهيتك عن ذلك، واستدل بماذا أبو بصرة؟ بحديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». طب هو أبو هريرة هل زار مسجداً ولا زار جبلاً؟ زار جبلاً. إذاً أبو بصرة ماذا فهم في تقدير الحديث؟ لا تشد الرحال لأي بقعة إلا إلى ثلاثة مساجد. ففهم الصحابة هو الدليل على تحديد المستثنى منه؛ لأنه اليوم مخالفين في هذه المسألة يقولون: النبي عليه الصلاة والسلام قال لا تشدوا الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة، المستثنى منه لا تشد رحاله لمسجد. نقول لهم: لا، الصحابة فهموا الحديث على عمومه بدليل أن أبا بصرة استدل بهذا الحديث على أبي هريرة مع أن أبا هريرة ما كان شد الرحال لمسجد، شد الرحال لجبل، فاستدل بهذا الحديث ليدل أن عمومه يحمل شد الرحال لأي بقعة من البقاع.

قال لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، فقد فهم الصحابي الذي روى الحديث أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء مندرجة في العموم، وأنه لا يجوز السفر إليها كما لا يجوز السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة. وأيضاً فإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله غير الثلاثة لا يجوز مع أن قصده لأهل مصره يجب تارة ويستحب أخرى، وقد جاء في قصد المساجد من الفضل ما لا يحصى، فالسفر إلى بيوت عبادة أولى أن لا يجوز.

إيش معنى هذا الكلام؟ شوف الدليل الأخير، فإذا جاء الشخص وقال لك: لا، أنا لا أتفق معك أن المستثنى منه هو بقعة، المستثنى منه في الحديث مسجد، التقدير لا تشد الرحال لمسجد إلا إلى المساجد الثلاثة، ابن تيمية يقول له: ماشي بدي أمشي معك، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لا تشد الرحال لمسجد إلا إلى المساجد الثلاثة، مع أن أصل قصد المساجد مشروع في الإسلام؛ فإن الإنسان يشرع له أن يقصد مسجد بلده، أما وجوباً لصلاة الجمعة وإما استحباباً لصلوات الجماعة، ومع ذلك نهاهم عن السفر إلى قصد المساجد التي ليست في أمصارهم، فمن باب أولى أن قصد ما لا يشرع قصده في الإسلام ينهى عنه، يعني إذا بقول لك المساجد التي أنا بشرع لكم أنكم تزوروها لا تشدوا الرحال إليها إلا إلى ثلاثة مساجد، فمن باب أولى أنه الأماكن التي أصلاً لا يشرع زيارتها بشكل دوري في بلدكم كأماكن قبور الصحابة وما شابه ذلك، ألا يشد الرحال إليها؛ فالحديث يرد على الطرف المخالف. أما من حيث تقدير المستثنى منه تقديراً عاماً لا تشد الرحال لبقعة، فإن أبى المخالف إلا أن يقدر المستثنى منه لا تشد الرحال لمسجد إلا إلى المساجد، فنقول هذا أيضاً عليك؛ فإنه إذا نهى عن شد الرحال إلى المساجد مع أن أصل زيارة المساجد مشروع، فينهى عن شد الرحال إلى القبور؛ لأن زيارة القبور لقبر معين بشكل معتاد غير مشروع.

قال والوجه الثاني: أنه يجوز السفر إليها، قاله طائفة من المتأخرين منهم أبو حامد الغزالي. القول الثاني أن شد الرحال إلى القبور مشروع، هذا لا يعرف إلا عند المتأخرين مثل الغزالي، ابن عبدوس الحراني، أبو محمد المقدسي الشيخ أبو محمد، طيب قال وما علمته منقولاً عن أحد من المتقدمين بناءً على أن الحديث لم يتناول النهي عن ذلك، كما لم يتناول النهي عن السفر إلى هؤلاء يرون أن الحديث لم يتناول النهي من أي جهة كما قلت، من جهة أن المستثنى منه مسجد، قال الحديث يقول: لا تشد الرحال التقدير لمسجد، لم يتكلم عن زيارة البقاع والقبور. فابن تيمية هون راح يستعين بالقياس الأولى، قال بناءً على أن الحديث لم يتناول النهي عن ذلك، كما لم يتناول النهي عن السفر إلى الأمكنة التي فيها الوالدان والعلماء والمشايخ والإخوان وبعض المقاصد من الأمور الدنيوية المباحة، يعني بقول وهؤلاء أيضاً قالوا إيش؟ طب لو واحد شد الرحال لزيارة أمه، لو واحد شد الرحال لزيارة شيخ من المشايخ يتعلم على يديه، هل هذا يدخل تحت؟ أقول: لا هذا بعد آخر؛ لأنه الكلام عن شد الرحال لقصد تعبدي إلى بقعة معينة، هذا سياق الحديث، وأما الزيارة العامة للأحباب والخلان والسياحة وما شابه ذلك، هذا بعد آخر ليس هو سياق الحديث، فالسياق محكم.

بالنسبة للقصد هذا هو مش قصد للبقعة بذاتها، شو القصد؟ القصد الآخر، هذا الذي يتكلم أنه ليس قصداً لبقعة بذاتها، ويقصد شخصاً يلاقيه، يقصد منفعة دنيوية، وهذا بعد آخر، أنه هو زيارة الوالدين والعلماء والمشايخ، أو حتى مثلاً ممكن يقول واحد زاير سياحة لبلد، يعني ماشي هو قاصد يذهب إلى أي بلد سياحة مباحة، قاصد للبقعة لكن مش قصد تعبدي، هذا مش شد رحال تعبدي، هذا تفرج، نزهة، فالقصد يؤثر جداً في هذا الموضوع، والسياق يحكم ذلك.

قال فأما ما سوى ذلك من المحدثات فأمور منها الصلاة عند القبور مطلقاً واتخاذها مساجد وبناء المساجد عليها، فقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه، فأما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه متابعة للأحاديث، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما بتحريمه، ومن العلماء من أطلق فيه لفظ الكراهة، فما أدري أعنى به التحريم أو التنزيه، ولا ريب أن في القطع بتحريمه لما روى مسلم في صحيحه، أنها كراهة تحريم، ينبغي أن تقولون، قال لما روى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد»، إذاً هذا يدل على التحريم.

وعن عائشة أنها قالت: «إني أنهاكم عن ذلك»، وعن عائشة رضي الله عنها وعبد الله بن عباس قال: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح، لما نزل يعني مرض.

الموت، نعم، قال طفق يطرح خميصه له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال: «هو كذلك» لعنه الله. شدة الوجع، شدة الحرارة، كان يضع ثوبًا على وجهه.

قال صلى الله عليه وسلم: «ولكذا لعنه الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما صنعوا. أخرجه البخاري ومسلم، وأخرجه الجميع عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله اليهود، يتخذون قبور أنبيائهم مساجد». وفي رواية لمسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته، ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعل ذلك من أهل الكتاب ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك. قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ولولا ذلك لأبرز قبره»، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. رواه البخاري ومسلم.

وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أشرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». رواه أبو حاتم في صحيحه. وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله اليهود اتخذوا قبر أنبيائهم مساجد». رواه الإمام أحمد. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج». رواه أحمد والترمذي والنسائي، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي.

وفي الباب أحاديث وآثار كثيرة ليس هذا موضع استقصائها. فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين؛ الأصل في هذه المساجد أنها تُهدم، هذا هو الحكم الشرعي، لكن مع مراعاة المصلحة. إذا كنت في بلد كثرت فيه البدع، فإذا هدمتها سبب ذلك فسادًا أكبر، الموضوع فيه حكمة، لكن الحكم الشرعي الأصلي أنها تُهدم.

قال: وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب؛ لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك بالأحاديث. وليس في هذه المسألة خلاف لكون المدفون فيها واحدًا، وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد: هل حدها ثلاثة قبور؟ أو ينهى عن الصلاة عند القبر الفذ وإن لم يكن عنده قبر آخر على وجهه؟ ثم يتغلب النهي إن كانت البقعة مغصوبة.

هذا خلاف؛ ما هي المقبرة التي نهي عن الصلاة فيها؟ المقبرة التي ليس فيها مسجد، هل حد المقبرة يبدأ من ثلاثة قبور فصاعدًا أم مقبرة تسمى مقبرة ولو كان فيها قبر واحد؟ المذهب عند الحنابلة: ثلاث قبور فصاعدًا تسمى مقبرة، أما قبر واحد في ساحة فلا تسمى هذه الساحة مقبرة.

هذه مسألة أخرى إذا كان القبر ليس له علاقة بالمسجد. قال: ثم يتغلب النهي إن كانت البقعة مغصوبة، مثلما بني على بعض العلماء أو الصالحين أو غيرهم، وكان مدفونًا في مقبرة مسبلة فبني على قبره مسجد أو مدرسة أو رباط أو مشهد وجعل فيه مطهرة. فهذا المسجد أسوأ وأسوأ؛ لأنه هذه مقبرة مسبلة، أي موقوفة للدفن، فتروح أنت قبر أحد الأولياء في مقبرة وقفت مسبلة للدفن، تذهب وتبني عليها مسجدًا! هذا المسجد صار غصبًا للأرض؛ هي أرض وقفت للدفن، فكيف تبني عليها مسجدًا أو مدرسة على قبر الولي الفلاني؟ فهذا أصبح منكرًا على منكر: منكر بناء مسجد على القبر، ومنكر أنك غصبت الأرض لما جعلتها مسجدًا وهي موقوفة للدفن وليس للصلاة أو الدراسة.

قال: فبني على قبره مسجد أو مدرسة أو رباط أو مشهد وجعل فيه مطهرة. وجعل فيه مطهرة هي أسوأ وأسوأ؛ صار فيها حمامات. هذه الحمامات نجاسات، تريد أن تبني مسجدًا أو مدرسة فتضع حمامًا؟ صارت المقبرة فيها مسجد، والمسجد فيه حمامات، والأمور تتطور أكثر وأكثر في السوء.

قال: فإن هذا مشتمل على أنواع من المحرمات: أحدها: أن المقبرة المسبلة لا يجوز الانتفاع بها في غير الدفن من غير تعويض بالاتفاق؛ يعني إذا أردت أن تبني فيها، يجب أن تعوض، أي أرض موقوفة لشيء إذا قررت أن تبني فيها، يجب أن يكون مقابل أجرة أو استغلالك لهذه الأرض الموقوفة.

قال: فبناء المسجد أو المدرسة أو الرباط فيها، كدفن ميت في المسجد، أو كبناء الخانات ونحوها في المقبرة، أو كبناء المسجد في الطريق الذي يحتاج الناس إلى المشي فيه. الثاني: كما أنه لا يجوز دفن ميت داخل المسجد لأن المسجد موقوف للصلاة، فالعكس بالعكس؛ مكان موقوف للدفن لا يجوز أن تجعله مكانًا للصلاة. فالعكس: مكان موقوف للدفن كيف تجعله مكانًا للصلاة وتبني فيه مسجدًا؟

قال: الثاني: اشتماله على ذلك على نبش قبور المسلمين وإخراجها، وهذا منكر آخر. الثالث: أنه قد يُنبش في قبور المسلمين. قال: الثالث، إنه قد يُنبش، وفي صحيحه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يُبنى على القبور.

الرابع: أن بناء المطاهر التي هي محل النجاسات، يعني دورات المياه. قال: من أقبح ما تجاور به القبور أن تُسلط مقبرة فيها دورات مياه فيها نجاسات. قال: لا سيما إن كان المحل محل المطهرة قرب قبر مسلم. الخامس: اتخاذ القبور مساجد، وقد تقدم بعض النصوص المحرمة لذلك؛ اتخاذ قبور مساجد أي أماكن للصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى أصلاً أن تكون المقابر مكانًا للصلاة. السادس: الإسراج على القبور، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من يفعل ذلك. السابع: مشابهة أهل الكتاب في كثير من الأقوال والأفعال والسنن بهذا السبب، كما هو الواقع، إلى غير ذلك من الوجوه.

نقف إن شاء الله عند هذا القدر اليوم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.