دخولتسجيل الدخول

التعليق على كتاب اقتضاء الصراط المستقيم | برنامج المُدارسة | المجلس الثالث عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

اللهم لك الحمد، غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في برنامج المدارسة في التعليق على كتب أهل علم من المحققين الكبار، ومجلسنا المستمر بحمد الله منذ أسابيع في الكتاب الخامس، وهو كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه. هذا الكتاب النافع الماتع، العميق الدقيق الذي يستخلص منه الإنسان الكثير من القواعد المهمة في الحياة، في مخالفة المشركين في الهرج الظاهري، وموضوع الأعياد، وموضوع البدع، والتأصيل لقضايا بطريقة عميقة لا توجد في الكتب الفقهية الأساسية أو حتى في الكتب العقدية الأساسية.

هذا النوع من التأصيل والتقعيد والتفريع لا يصله عقل الطالب إلا إذا نظر في مثل هذا النوع من المصنفات، النوع العالي المرتفع. وهي في النهاية جواب عن فتوى، لكن هذا الجواب أخرج لنا من ذخائر التحريرات ومفاخر ما يجعل الإنسان -أعتقد أن هناك كثيرا من العلوم والمسائل والتحريرات الدقيقة والتنزيلات العميقة- لا يمكن أن يأخذها بمجرد أن يأخذ دورة في متن فقهي مثلا أو دورة في كتاب عقدي؛ تأصيل تلك مرحلة، لكن مرحلة التعمق والتفريع، وأن يفهم الطالب العلم كيف ينزل الشريعة على الواقع، هذا فن آخر يحتاج فيه إلى مثل هذه الكتب المحررة الدقيقة من أمثال هذه العقول المتقدة مثل عقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه.

كنا في الدرس الماضي بدأنا الحديث أو تكلمنا عن موضوع الأعياد البدعية، بعد أن أنهى ابن تيمية الحديث ابتداء عن الأعياد التي فيها مشابهة للمشركين، تطرق إلى مفهوم الأعياد البدعية التي نشأت في الأمة، التي هي ليست من مشابهة المشركين لكنها أعياد محدثة، لكنها أعياد محدثة أحدثها الناس، سواء ما يرتبط منها بدين الإسلام مثل المولد النبوي وما شابه ذلك، أو ما كان يحدث المسلمون في بلادهم كعيد العمال وعيد الشجرة وما شابه ذلك.

فحتى يبين ابن تيمية فساد الأعياد البدعية، قال وهنا مقامان: المقام الأول هو أن يحرر مفهوم البدعة، حتى تفهم كيف أن هذه الأعياد التي ينشئها كثير من الطوائف الإسلامية ينطبق عليها مفهوم الابتداع. وأظن أننا في المجلس الماضي ذكرنا أربع مراتب، أليس كذلك، في فلسفة أن تعرف ما هو الشيء بدعة وما ليس ببدعة؟

فما وُجد المقتضي في زمن النبي ﷺ ولم يفعل؛ لمانع زال بموته عليه الصلاة والسلام فأحدث بعد موته، ليس ببدعة. وأما ما كان المقتضي لفعله قائم في زمن النبي ﷺ ولم يفعلها مع أنه لا يوجد مانع لفعله في زمنه فأحدث بعد موته، فبدعة. طيب الحالة الثالثة ماذا كانت؟ يلا من يتذكر؟ خلينا نشوف الشباب.

أشياء، أن يوجد المقتضي بعد وفاته، تمام، أنت قسمتهم هكذا: إن يوجد المقتضي في حياته، وإن يوجد المقتضي بعد وفاته. إذا وُجد المقتضي في حياته هناك صورتان، وإذا وُجد المقتضي بعد وفاته هناك صورتان. إن يوجد المقتضي بعد وفاته ولكن هذا الذي اقتضى فعل هذا الشيء بعد وفاته ليس بسبب ذنوب العباد، فقلنا مثل هذا إحداث شيء بعد وفاته لوجود المقتضي بعد وفاته، وكان هذا المقتضي له علاقة بذنوب العباد وتقصيرهم في حق الله، هذا لا يبرر إحداث شيء في دين الله، كما قلنا مثل المولد أصلاً هذه فكرتها.

وأما ما وُجد المقتضي بعد وفاته ﷺ وهذا المقتضي الذي وُجد بعد وفاته لا علاقة له بذنوب العباد وإنما أمر مصلحي عام، فهذا يدخل تحت باب المصالح المرسلة. وحقيقة مهم جدا جدا أن يضبط الطالب الفرق بين المصلحة المرسلة والبدعة، المصلحة المرسلة شيء والبدعة شيء؛ لأنه هنا تشتبك زوايا النظر عند كثير من طلاب العلم، بل حتى عند مشايخ ودعاة وعلماء، تشتبك خطوط النظر بين ما هو مصلحة مرسلة وما هو بدعة في هذا الجانب.

إذا كان هذا هو المقام الأول في الكلام عن الأعياد البدعية، وهو تحرير مفهوم البدعة، الآن اليوم سنشرح إن شاء الله في المقام الثاني الذي به يعرف خطورة الأعياد البدعية، وأعانكم الله على بعض الصلات الأصولية التي سيعتمد عليها ابن تيمية في بيان خطورة هذا المقام.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللحاضرين والسامعين، اللهم انصر المستضعفين المؤمنين. أما بعد:

قال: «والوجه الثاني في ذم المواسم والأعياد المحدثة ما تشتمل عليه من الفساد في الدين». نعم، هذه المشكلة الثانية في الأعياد البدعية أنها تشتمل على فساد في الدين. يعني الآن قضية أنها بدعة شيء، والقضية الثانية أنها تشتمل على ماذا؟ على فساد في الدين. كيف يكون ذلك؟

قال: «واعلم أنه ليس كل أحد، بل ولا أكثر الناس، يدرك فساد هذا النوع من البدع، لا سيما إذا كان من جنس العبادات المشروعة، بل أولو الألباب هم الذين يدركون بعض ما فيه من الفساد». وهذه قاعدة مهمة عليك أن تعرفها يا طالب العلم، هنا كمدخل لهذه الفكرة، يقول لك أكثر الناس لا يستطيع أن يحدد وينتبه لطبيعة الفساد في الدين الذي ينشأ من الأعياد البدعية.

قال: «وإنما يدرك هذا الفساد ويتفطن أولو الألباب من الراسخين في العلم». مثلاً لما تأتي تحذر من بدعة المولد النبوي أو ما شابه ذلك، سيخرج لك كثير من الناس يقولون: يا شيخ إيش فيها؟ أخي نذكر في سيرة النبي ﷺ ونعطر اللسان بالصلاة والسلام عليه ونحيي سيرته، أنت لماذا تمنعون الناس يا أخي من سماع السيرة؟ اعتبر سماع السيرة ما فيه مشكلة.

فإذا أنت ستعالج الموضوع بالنظرة السطحية التي يعالج فيها الناس الموضوع، نعم قد تقول إنه فعلاً ما في داعٍ لهذا النكير على هذه الأمور، خير وقيل، لكن إدراك الفساد في ما وراء هذه الأعياد والمواسم هو ماذا سيسبب إحداث عيد المولد النبوي فرضا ما؟ الفساد الذي يعمله؟ المشكلة إدراك طبيعة هذا الفساد، قل لا يتفطن له إلا الراسخون في العلم. طبعاً ابن تيمية سيقدم اليوم -إذا ربنا أعطانا ووصلنا- معالجة جميلة في التوسط في معالجة مثل هذه الأعياد البدعية، كيف...

الإنسان يعالجها معالجة هادئة، بحيث أيضًا ما يكون فيها تطرف في الجهة المقابلة؛ فمن وقع في البدعة كأنه وقع في كبائر الذنوب، والزين لا؛ بل أقول لك: لا تنتمِ شوي شوي، نحن نريد أن نعالج الموضوع باتزان، وهدفنا الوصول إلى تقرير الحق وليس التشنج، وليس اتخاذ قرارات عنيفة لا يوجد فيها اتزان. وهذا ما يعجبني في شخصية ابن تيمية؛ الاتزان، وحاول أن يضع المسألة في حجمها الصحيح ومكانها الصحيح.

يقول: «وعلم أنه ليس كل أحد، بل ولا حتى أكثر الناس، يستطيع أن يلاحظ حجم الفساد في أحداث الأعياد البدعية». عيد الأم يا شيخ! ما مشكلته عيد الأم؟ يا أخي يوم أجلب فيه هدية لأمي! أنت تريد أن تمنعني من جلب هدية لأمي؟ ما المشكلة في هذا؟ أنا أعطيك الطرح السطحي لأن ابن تيمية سيقول لك: «أنا عارف أن عوام الناس هكذا»، يعالج الموضوع على أنه إذا جلب هدية للأم في عيد الأم، لماذا تمنعني؟ عيد الشجرة؟ اذهب ونزع الشجرة يا شيخ، أنا وإياك في الشوارع والأرصفة العامة، ماذا تريد أفضل من شجرة تزرع؟

البحث العميق هو الذي يوصل العالم الراسخ إلى المفسدة، أنت كعام أو كطالب علم ناشئ قد لا تراها، لكن أنا الآن سأقول لك إياها. بسم الله، قال: «والواجب على الخلق اتباع الكتاب والسنة، وإن لم يدركوا ما في ذلك من المصلحة والمفسدة». فنبّه على بعض مفاسدها. وهذه قاعدة أخرى: أن أنت كإنسان عامي لا تعترض على العلماء فيما يقررون إذا لم يدرك عقلك حجم المفسدة؛ لأن كثيرًا من العلماء -وتعرف عالم السوشيال ميديا المفتوح- ممكن يخرج شيخ محقق يحذر من بعض البدع والمنكرات، فيأتي ألف واحد يعلق له تحت: «أنتم الشيوخ ما عندكم إلا بدع ومنكرات! أنتم الشيوخ يعني ما عندكم سالفة ثانية غير هذا الملف! شوفوا حال الأمة الإسلامية!».

لا بد أن تسمع، طبعًا ألف، ألفين، لأن السوشيال ميديا جعلت من لا قيمة له يتكلم، ومن لا رأي له أصبح له رأي، وبالتالي الكل يعلق. وفتنته أنه يجب أن يعلم الناس قضية، الآن بغض النظر عن ملف البدع أو غيرها، أنت أيها العامي المسلم -وأقصد العامي الذي ليس متخصصًا في العلوم الشرعية- عليك أن تتبع الكتاب والسنة سواء أدركت المفسدة أم لم تدركها، وعليك أن تتبع الكتاب والسنة والعلماء الذين يبينون تفاصيل الكتاب والسنة. أما كل ما سيخرج لك عالم محقق، والله رأيه ما على دماك، تريد أن تنتقد وتعتبر لك الأحقية؟ هذه هي ويلات الواقع المعاصر.

واعلموا أننا نتجه رويدًا رويدًا إلى إعجاب كل ذي رأي برأيه؛ إذا كنت ألاحظ مسيرة الأمة اليوم، الأمة رويدًا رويدًا تصل لمرحلة إعجاب كلٍ برأيه، حذر منها النبي ﷺ، وهي مرحلة خطيرة سيصبح فيها كلام العلماء لا قيمة له؛ لأن الكتاب والمثقفين ودكاترة الجامعة، وكل إنسان معه شهادة في الطب وكلهم يخوضون في دين الله، والكل يعتقد أن عقله يحكم وله قدرة على هذا. بالتالي النبي ﷺ بين أنه إذا وصلت الأمة إلى هذه المرحلة فعليك خاصة بنفسك؛ لأنه خلاص ما عاد لك قيمة كونك عالمًا ودارسًا وتعبانًا وتعرف، ما عاد له قيمة لأن كل الناس بدأت تتحدث، وما أحد يعجب برأي الآخر، فما عاد الذي يحكم الكتاب والسنة والعلماء الذين يحملون رأي الكتاب والسنة، بل أصبحت تحكم الأهواء والأذواق.

ثم قال: «وسأبين بعض المفاسد في هذه الأعياد التي لا يدركها العامة». ما هي؟ قال: «فمن ذلك أن من أحدث عملًا في يوم كأول خميس من رجب، أو الصلاة في ليلة تلك الجمعة التي يسميها الجاهلون صلاة الرغائب». تعرف صلاة الرغائب؟ صلاة الرغائب بدعة أنشئت في تاريخ الأمة في أول جمعة من رجب، يصلون في ليلتها صلاة قيام الليل يسمونها صلاة الرغائب. طبعًا بغض النظر ما هي هذه البدعة الآن، هو يتكلم عنها كاملة.

قال: «وما يتبع ذلك من أحداث أطعمة وزينة وتوسيع في النفقة ونحو ذلك». فلا بد أن يتبع هذا العمل اعتقاد في القلب. انظر كيف يمشي ابن تيمية معك خطوة بعد خطوة، نأخذ هذه البدعة كنموذج: الذين يعيدون، يعملون أول جمعة أو أول ليلة جمعة من رجب يصلون صلاة الرغائب، ويجلبون طعامًا وشرابًا ويحدثون حفلة في هذا اليوم؛ هؤلاء ما الذي يدفعهم إلى هذا التصرف؟ ابن تيمية يحلل بشكل تفصيلي ما الذي يدفعهم إلى هذا التصرف.

قال: «فلا بد أن يتبع هذا العمل اعتقاد في القلب». يعني هم لا يجتمعون في أول ليلة أو أول جمعة من رجب ويخصصون قيامًا وطعامًا وزينة واحتفالاً إلا لشيء وقر في قلوبهم في تعظيم هذه الليلة بذاتها. ولماذا لم تفعلوا في الجمعة الثانية؟ لماذا لم تفعل في الجمعة الثالثة؟ لماذا أول؟ ليش مش من شهر محرم؟ ليش مش من شهر صفر؟ إذاً أقول لك شيئًا طبيعيًا: أن الإنسان إذا خصص ليلة بهذه التخصيصات من الاحتفالات والأعياد والصلاة، إذاً هناك شيء وقر في قلبه واعتقاد في داخله تجاه هذه الليلة.

قال: «فلا بد أن يتبع هذا العمل اعتقاد في القلب»، اعتقاد بنسبة 100%. قال: «وذلك لأنه لا بد أن يعتقد أن هذا اليوم أفضل من أمثاله، وأن الصوم فيه مستحب استحبابًا زائدًا على الخميس الذي قبله وبعده». ما هذه الاعتقادات التي وقرت في القلب؟ أعطاك نماذج عليها. قال: «وذلك لأنه لا بد أن يعتقد أنه أول جمعة في رجب أفضل من غيرها». لماذا خصها هكذا؟ المنطق لماذا خصصته؟ إذا أنت تعتقد اعتقادًا داخليًا أنها أفضل من غيرها، وأن الصوم فيها مستحب استحبابًا زائدًا على الصوم في الخميس الذي قبل هذه الجمعة والخميس الذي بعده، فما هم صاموا أول خميس فيه؟ إذاً أكيد أنت تعتقد أن الخميس الأول من رجب الصيام فيه أفضل من الخميس الذي بعده والخميس الذي قبله.

أنت ملاحظ كل هذه الاعتقادات من أين نشأت؟ من هواك؛ أنت ليس عندك نص فيها، أنت الذي اعتقدتها ولكن ليس فيها نص. قال: «وأن هذه الليلة أفضل من غيرها من الجمع، وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في غيرها من ليالي الجمع». خصوصًا نعم. قال: «إذ لولا قيام هذا الاعتقاد في قلبه، أو في قلب متبوعه، لما بعث القلب لتخصيص هذا اليوم والليلة». إذ لولا قيام هذا الاعتقاد في قلبك، أو على الأقل في قلب متبوعك -ومتبوعك هو شيخك- لأن كثيرًا من العوام بجوز هم لا يعرفون هذا الاعتقاد ولكنهم أخذوه من...

الشيوخ؛ فبدي يقول له إما أنت عندك هذه العقيدة، أو على الأقل إذا أنت عامي مسكين على البركة كما يقولون واتبعت شيخًا مبتدعًا، هذا الاعتقاد بخصوصية هذه الليلة دون غيرها يقوم في قلب شيخك وأنت مشيت وراءه، فلا بد من قيام هذا الاعتقاد إما في قلبك أو في قلب متبوعك، شيخك الذي اتبعته، وإلا فكيف انبعث القلب لتخصيص هذا اليوم وهذه الليلة؟

لماذا؟ لأن القاعدة العقلية ماذا تقول يا أسامة؟ قال: «فإن الترجيح من غير مرجح ممتنع». هذه قاعدة عقلية؛ أن ترجح من دون مرجح ممتنع. الآن عندي هذه الكأس وهذه الكأس الأخرى، أيهما طعمهما ألذ؟ إذا أردت أن ترجح طعم هذه الكأس على هذه الكأس، لا بد أن يكون عندك مرجح؛ لأن لونها كذا أو طعمها كذا، يجب أن تعطيني سببًا في تفضيل هذه الكأس على تلك الكأس.

هكذا العقل السوي؛ هذا الجوال أفضل ولا ذاك الجوال؟ الإنسان السوي لا يقول ذاك أفضل بدون مرجح، بل يقول: والله هذا نوعه حديث، أو كاميرته أفضل. فتبدأ بتقديم المرجحات. فكذلك نفس الشيء الذي يصوم أول خميس من رجب ويقوم ليلة أول جمعة فيه، هو لم يختر هذا الخميس على سائر الخميسات في رجب إلا لمرجح؛ لماذا لم يكن الخميس الثاني مثلاً؟ لماذا ليس الخميس الثالث؟ لماذا الخميس الأول بالضبط؟ إذاً أكيد أنت تعتقد أن له رجحانًا على باقي الخميسات في رجب وفي غير رجب، صحيح؟

قال: «وهذا المعنى قد شهد له الشرع بالاعتبار في هذا الحكم ونص على تأثيره فهو من المعاني المناسبة المؤثرة». فما هو هذا المعنى؟ إن الإنسان إذا خص شيئًا يومًا من الأيام أو ليلة من الليالي بعبادة، فهذا يدل على أنه يرى أن له رجحانًا على غيرها من الأيام والليالي، وهذه مشكلة؛ لأنها هي الأرجح التي جعلتها لهذه الليلة دون سائر الليالي، ليلة أول خميس أو أول جمعة من رجب. من أين جئت بهذا الرجحان؟ هل قال الله، أو قال رسول الله ﷺ؟ لا، أنت الذي جئت بها من عندك.

هذه أكبر مفسدة من مفاسد البدع؛ أن تعطي لنفسك أحقية تخصيص شيء بأفضلية لم يأذن بها الله، وهذا كأنه شكل من أشكال التشريع. الآن، يوم عرف له أفضلية، من أين أتينا بالأفضلية وترجيحه على غيره من الكتاب والسنة؟ أو من السنة؟ يوم عاشوراء له أفضلية، من أين أتيت بها؟ من السنة. الاثنين والخميس صيامهم عمومًا له أفضلية، من أين أخذت الأفضلية؟ من السنة. قيام ليلة الجمعة الأولى من رجب لها أفضلية، أنت تعتقد أن لها أفضلية، من أين أخذت هذه الأفضلية؟ من عندك.

إذن هذه أول ممارسة خاطئة ومخيفة في موضوع البدعة؛ وهي أن يعطي الإنسان نفسه الأحقية في أن يرجح شيئًا على شيء في أمور الدين، ويكون ترجيحه ليس من الكتاب والسنة بل من ذوقه أو ذوق شيخه أنه حابب تكون هذه الليلة أحسن من غيرها. طيب، إذا قال لك: «لا يا شيخ، أنا ليس عندي، هو في شيء وإلا ما خصصته»، يحاول أن يمارس المدافعة الظاهرية، ولكن التخصيص السنوي بهذه الليلة دون سائر الليالي يدل على شيء وقر في القلب. فأنت أعطيت نفسك قدرة على أن تخصص شيئًا في الدين من دون أن يكون لك فيه سند في الكتاب والسنة، وهذا من تبديل الدين والشرائع.

من هنا نرى المفسدة العامة التي لا يفهمها الناس؛ وهي أن هذا بداية شعور الإنسان أن له قدرة أن يعتقد شيئًا في الدين بدون الكتاب والسنة. هذه هي المشكلة؛ صلاحية أن يعتقد شيئًا في الدين ويرجحه بدون مستند من الكتاب والسنة، هذا يصل بك أن تجد نفسك بعد ذلك تضع شرائع في الإسلام تخالف الكتاب والسنة، فتلغي حد الزنا وتلغي حد السرقة. لماذا تصل الأمة إلى إلغاء الشرائع والقدرة على التلاعب بها؟ لأن النبتة الأولى نبتت فيك من لما سمحت بالبدع وأعطيت لنفسك الحرية أن تعتقد شيئًا، وبالتالي شوي شوي تكبر حتى تستطيع أن تضع قانونًا تنسبه إلى الإسلام وهو ليس له علاقة بالشريعة الإسلامية. هذه المفسدة أغلقها الإسلام، ولا ينتبه لها الناس في موضوع البدعة لما ننكر عليها.

قال: «فهو من المعاني المناسبة المؤثرة، فإن مجرد المناسبة مع الوصف يدل على العلة عند من يقول بالمناسب القريب»، وهم كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم. قال: «ومن لا يقول إلا بالمؤثر، فلا يكتفي بمجرد المناسبة حتى يدل الشرع على أن مثل ذلك الوصف مؤثر في مثل ذلك الحكم».

الآن حبة حبة، لأننا بدأنا نتحدث بكلام عالٍ قليلًا؛ بالمناسب القريب، يعني كلاهما يصلح، ولكن المناسب القريب هو الأفضل هنا. المهم، الآن نريد أن ندخل في درس أصولي؛ اترك موضوع الأعياد على جنب، ولنأتي الآن إلى درس في أصول الفقه في موضوع القياس بالتحديد.

عندما يأتي حكم من أحكام الشريعة، سواء بالتحريم أو الكراهة أو الإيجاب، نحن نحاول أن نبحث عن علة هذا الحكم، العلة المؤثرة التي بسببها جاء هذا الحكم. لما نقول الخمر حرام، ما هي العلة؟ لماذا هو حرام؟ الإسكار. لما نقول الزنا حرام، ما هي العلة؟ اختلاط الأنساب أو ما شابه ذلك. لما نقول السرقة حرام، ما هو الوصف الذي بسببه السرقة حرام؟ الاعتداء على أموال الناس. فبشكل عام، دائمًا أحكام الشريعة تقوم على أن هناك علة بسببها جاء هذا الحكم.

الآن العلة على نوعين: هناك علة نص عليها الشارع إما نصًا صريحًا أو بالإيماء، وهناك علة يستنبطها العلماء.

باجتهادهم ولم ينص عليها الشارع. فمثلا، النبي ﷺ قال عن الهرة: «إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات». الآن أعطانا أولا حكم أن الهرة ليست بنجسة في حال حياتها، وأعطاك أيضا العلة؛ لماذا قال إنها من الطوافين عليكم والطوافات؟ لأنها كائن يعيش مع الناس في منازلهم، فهذا سبب وعلة لعدم القول بنجاستها في حال حياتها. فهنا نقول العلة منصوص عليها.

من يعطينا علة أخرى منصوص عليها؟ كأمثال: «لا يقضي القاضي وهو غضبان»؛ هذا نص بالإيماء وليس بالصريح. نوع من أنواع الإيماء هو أن السبب لماذا لا يقضي القاضي وهو غضبان هو بسبب غضبه، وإن كان البعض ممكن يقول لك: لا، العلة هي التشويش مثلا.

مثلا: ﴿لَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5]. ما العلة؟ السفه. لماذا منعنا الله أن نعطي أموالنا لهم؟ بالايماء مفهوم أنه بسبب السفه، فهذا أيضا نوع من أنواع الإيماء. فالمهم أن الشريعة لما تأتي بحكم معين قد ينص الشارع على الحكم مباشرة، فيريحك من عناء البحث عن العلة، هو ينص لك على العلة. ونفس الشيء: «كل مسكر خمر»، العلة هي الإسكار المذكورة في النص.

وأحيانا لا يعطيك العلة، ثم أنت عليك أن تستنبط وتبحث عن العلة. فمثلا الربا، لما النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد»، لماذا حرم الربا ربا الفضل والنسيئة في هذه الأموال بالتحديد؟ ما هي العلة؟ ليس عندنا نص ولا إيماء، فأخذ العلماء يجتهدون في استنباط علة ربا الفضل والنسيئة؛ فالحنفية والحنابلة اتجهوا باتجاه المالكية، والشافعية أخذوا علة أخرى، كل واحد سيختلف لأنها في النهاية استنباط، وبالتالي ستختلف الأحكام بناء على العلة.

كذلك مثلا لما النبي ﷺ أمر بالزكاة في العنب والتمر، لماذا العنب والتمر؟ ما العلة؟ عند الحنابلة قالوا: علة الزكاة في الثمار هي الكيل والادخار. في مذهب آخر ممكن يكون علة أخرى عند الشافعية أو الحنفية أو ما شابه ذلك، لكن هنا الحنابلة هذا استنباط للعلة؛ لماذا تجب الزكاة في الثمار؟ لأنها مكينة مدخرة. المهم، إذا هذا نوع ثان: أحكام لم ينص الشارع على علتها، أنت تريد أن تبحث عن علتها.

الآن هذا القسم الثاني وهو الأحكام التي لم ينص الشارع على علتها، بدي أقسمه لقسمين. أنا ببني شجرة معكم: أحكام لم ينص الشارع على علتها، لا فيها ولا في نظيرها (مسائل مشابهة لها)، وأحكام لم ينص الشارع على علتها لكنه نص على علة نظيرها وشبيهها.

الولاية على مال البنت الصغيرة؛ لماذا يجب أن يكون هناك ولي على مالها؟ العلة هي الصغر. هل هذه العلة منصوص عليها أم استنبطتها؟ هي متوقعة، لكنهم قالوا إن نظير ذلك إثبات الولاية أيضا على البنت الصغيرة في موضوع الزواج. الولاية تثبت على البنت الصغيرة في الزواج، ويجب أن يكون هناك ولي، والشريعة أشارت إلى سبب الولاية عليها في الزواج.

لكي يكون المثال دقيقا، أنا أريد أن أعكس الفكرة بالنسبة للولاية على الصغيرة؛ بالنسبة للولاية على البنت الصغيرة في المال، العلة هي الصغر، وهذا هو الذي أشارت إليه نصوص الشريعة في سورة النساء وغيرها. لكن بالنسبة للفتاة الصغيرة، الولاية عليها في النكاح العلة في ذلك لم ينص عليها. فستقول: لماذا الفتاة الصغيرة تجب الولاية عليها في النكاح؟ هل العلة لأنها صغيرة؟ ستقول: والله الصغر عُلل به في نظير هذه المسألة في مسألة ولاية المال، فلما عُلل بالصغر في ولاية المال، لا مشكلة إذا أخذنا الصغر ونقله واجعله علة في ولاية النكاح.

فإذا كان الصغر هنا هو علة مستنبطة تماما في موضوع ولاية النكاح، فهو مأخوذ من نظير ولاية النكاح وهي ولاية المال. أنت عندك الولاية نوعان: ولاية مال، ولاية نكاح. ولاية المال تم النص على علتها وهي الصغر، ولاية النكاح لم يتم النص على علتها، فكأني سأنقل العلة بالاستنباط من ولاية المال إلى ولاية النكاح؛ هذا ما يسمى عندهم في أصول الفقه بالوصف الملائم.

الحالة الأولى، التي هي علة مستنبطة تماما ولم ينص عليها الشارع وليس لها نظير، تسمى الوصف الغريب. أما العلة المنصوص عليها التي ذكرناها أول شيء، تسمى الوصف المؤثر. بالتالي، بدي نرجع ونرسم الشجرة: الأحكام الشرعية بالنسبة لتعليل الشارع لها نوعان:

النوع الأول: أحكام نص الشارع على علتها مباشرة، مثل: «إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات»، أعطاك الحكم وأعطاك العلة مباشرة، فهنا العلة تسمى وصفا مؤثرا؛ لأنه جاءت في كلام الشارع وانتهى، هو أعطاك العلة مباشرة وأراحك من عناء البحث، إلا إذا كان فيها شيء من الإيماء (بحث دقيق).

الحالة الثانية: أحكام لم ينص الشارع على علتها، وأنت تريد أن تجتهد وتبحث عن علتها. هذا النوع ينقسم إلى قسمين: قسم لم ينص الشارع على علته لا فيها ولا في نظير لها، وبالتالي هنا سيأتي دورك للاستنباط والبحث؛ تجلس تفكر لترى ما هو أنسب شيء يكون علة لها بناء على العقل والمنطق ومعرفتك بالمصالح والمفاسد وما شابه ذلك، وهذه العلة التي ستستنبطها تسمى الوصف الغريب؛ سمي غريبا لأنها من اجتهادك.

والقسم الثاني: أحكام ما نص الشارع على علتها مباشرة، لكنه نص على العلة في نظيرها، في شيء يشبهها؛ فولاية المال وولاية الزواج بينهما شبه، وهي أن كلاهما ولاية.

ولاية المال على البنت الصغيرة، والله الشريعة أشارت إلى علتها وهي الصغر، فبقول إذا هذا مناسب أن يكون علة للولاية عليها في ماذا؟ في النكاح أيضًا. فأنت كأنك جبت العلة من المال وحطيتها في النكاح، هذا نوع من أنواع الاستنباط لكنه ليس استنباطًا بحثًا، بل أخذ العلة من النظير إلى النظير، فيسمى هذا بماذا؟

فتعليق ولاية النكاح على الفتاة الصغيرة بأنها بالصغر يسمى وصفًا ملائمًا. عرفنا الآن أي العلة التي تسمى مؤثرة، وأي العلة التي تسمى غريبة، وأي العلة التي تسمى ملائمة. فهمنا إخواني، طبعًا هذا يكاد يدرس في كتب أصول الفقه، لكن من أفضل من يشرح ذلك ابن تيمية؛ لأنه يبسط لك الفكرة من أين أتت. إذا أنا عندي علل الأحكام الشرعية؛ إما وصف مؤثر، أو وصف ملائم، أو وصف غريب.

يلا، أيش هو المؤثر يا حذيفة؟ أن يكون الوصف نصًا عليه الشارع في الحكم، خلاص، هو ريحك. مثالها أنها ليست بنجس، أنها «من الطوافين والطوافات». وأيش الوصف الملائم يا محمد؟ أحسنت، أن تأتي بعلة هذا الحكم من نظيره. وأيش مثاله ذلك؟ نعم، نحن قلنا ولاية المال على الفتاة الصغيرة علتها -أشارت إليها الشريعة- الصغر، فأخذنا هذه العلة وجعلناها علة للولاية عليها في النكاح، لأن هذه نظير هذه المسألة.

النوع الثالث، أيها الشيخ النبراوي، الوصف الغريب، شو تشرح لي إياه؟ ما في وصف ملائم، ولا أحسنت أن تأتي لحكم بنبط علته، وهذه العلة استنباط عقلي، بحث لم ينص الشارع على علة هذا الحكم ولا يوجد عندي نظير آخذ منه العلة، وهذه أعقد العلل والتي تسمى الوصف الغريب.

الآن بدنا نرجع لابن تيمية، ابن تيمية رح يجيبنا بالأحكام أو يتكلم عنها، بعدين رح يطبقها على المسألة التي نحن بصددها، وهي مسألة: لماذا نهى الشارع عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، أو تخصيصه بصيام بين الأيام؟ وهي قضية التخصيص، أن يعتقد الإنسان قدرته على التخصيص بدون مخصص؛ هذا شيء أو علة بسببها حرمت البدع ونهي عنها. من أسباب تحريم البدع والنهي عنها أن الإنسان يعطي نفسه صلاحية التخصيص بدون مخصص شرعي. الآن حط هذا على جانب، بس خلينا الآن نقرأ الكلام الأصولي، بعدين نرجع لهذا.

ماذا قال ابن تيمية؟ قال: «فإن مجرد المناسبة مع الاقتران يدل على العلة عندما يقول بالمناسب الغريب». والمناسب الغريب هو الوصف الغريب؛ بس أنتم خلص فهمتوا الوصف الغريب شرحنا لكم إياه، أيش يعني المناسبة مع الاقتران يدل على العلة عند من يقول بالمناسب الغريب؟

الآن رح أجري على هذه المسألة كما قلت لكم، ما هو الوصف الغريب؟ هو حكم لم ينص الشارع على علته ولا يوجد نظير له، فأنا هنا بدي أحاول أعمل استنباط له علة. مثل مسألة الربا، لم ينص الشارع على علتها ولا على نظيرها، فصار العلماء والمذاهب الفقهية كل مذهب يحاول أن يعرف ما هي العلة في تحريم الربا في الذهب والفضة.

ممتاز، طب ما هي الآليات والطرق التي تستعمل عند الأصوليين والعلماء في الوصول إلى الوصف المناسب الغريب؟ هم ماذا يفعلون؟ ينظرون إلى وصف مقترن بالحكم بشكل متكرر، بحيث كلما وجد الحكم وجد هذا الوصف، فيأتي إلى هذا الوصف يقول: هذا الوصف والله مقترن بالذهب والفضة مثلاً. نجي عند الشافعية، يقول لك الذهب والفضة أثمان، هذا الوصف مقترن دائمًا بهما عمومًا، أنهما أثمان للبيع والاتجار والتبادلات.

طب هل الأثمان -الذي هو وصف مقترن بالذهب والفضة- هل الأثمان مناسبة لأن أعلق الربوية عليها؟ هل وصف الأثمان الذي هو مقترن دائمًا بالذهب والفضة وصف مناسب لأن أجعل سبباً لتحريم الربا فيها؟ فهمتم أيش بيعمل؟ فيبدأ ينظر في المصالح العقلية وما يظهر له في العقل: "والله هذا الوصف مناسب"، مش مناسب. ما الذي ينبني على كونها أثمان حتى أحرم الربا من أجل كونها أثمان؟ لأنه ممكن شخص يقول لك: بس في وصف آخر شايفه مقترن بالذهب والفضة، أيش هو الوصف الآخر؟ أنها مثلاً حلي، أو أنها معادن؛ الذهب والفضة فيها أيضًا وصف مؤثر وهو أنها معدن. ممكن شخص يجي يقول لك: لا، في وصف آخر أنا شايفه أنها ذات ألوان، فقول والله الذهب والفضة لأن لها ألوان، والله هذا وصف دائمًا مقترن فيها، في ذهب وفضة مالهاش لون، كلها لها لون.

فهو يحط الأوصاف المقترنة بالذهب والفضة ويصير يختبرها وصفًا وصفًا: أيش الآن الأنسب منها أن يتم تعليق الحكم عليه؟ يقول الذهب والفضة ذات ألوان، يحط أنها ملونة؛ هذا وصف طردي، اللون ما بيحرم وما بيحلل، غلط، هذا الوصف شيلوه لي. كونها معادن، والله لو بدنا نخليها لكونها معادن معناتها شطبنا كل المعادن على وجه الأرض كلها بدها تصير أموال ربوية، الرصاص والزنك والحديد، قالوا هذا لا يمكن تأتي الشريعة بمثله.

الآن كلها عملت استنباطًا عقليًا؛ والله الأثمان فعلاً هو وصف مناسب لهذين الاثنين وملائم لأن يعلق خشية أن يتلاعب الناس في الذهب والفضة، فحرم الربا فيها لأن الذهب والفضة هي الأثمان التي يتبادل بها الناس، آه والله منطق. جاء الحنابلة قالوا: لا، الفكرة مش الأثمان، الفكرة هي أنها موزونة، والأشياء الموزونات ممكن الناس تتلاعب في الوزن فيها فحرم الربا بغض النظر. فهذا ما يسمى باستنباط الوصف الغريب.

إذا أتيت إلى حكم شرعي لم ينص الشارع على علته، تبدأ أنت تنظر في الأوصاف المقارنة لهذا الحكم، فتضعها أمامك وتبدأ تنظر في هذه الأوصاف: أي هذه الأوصاف المقارنة للحكم هي الآن الأنسب لأن يعلق الحكم عليها؟ هذا معنى كلام شيخ الإسلام: «فإن مجرد المناسبة مع الاقتران»؛ الاقتران يعني وصفًا مقارنًا، ويكون مناسبًا؛ أي وصف مقارن زائد مناسب، إذا وجد وصف مقارن ووجده العقل مناسبًا فهذا يدل على أنه العلة.

ها وصف مقارن دائما موجود ومناسب منطقيا، إذا خلص هو العلة، هو علة هذا الحكم. ولكن ماذا تسمى العلة في هذه الحالة؟ بالوصف المناسب. الغريب هو سماها القريب، بس هو الغريب، ممكن بعض النسخ فيها القريب أو يسمى، لكن هو الوصف المناسب الغريب.

هل هذا النوع من الاستنباط جميع العلماء يوافقون عليه؟ قال أكثر الفقهاء يقبلونه، بعض الفقهاء يقول لك لا، لا تستنبط العلة بهذا الشكل. بعض العلماء -يعني مذاهب فقهية وأقوال- لذلك قال: «ومن يقول يدل على العلة عند من يقول بالمناسب الغريب»، وهم كثير من الفقهاء؛ يعني أكثر الفقهاء يقبلون استنباط العلة بهذه الطريقة.

طبعا ليش بعض الفقهاء لم يقبلوا ذلك؟ يقول لك أنت إذا استنبطت العلة بهذه الطريقة فقد جزأت، يعني تستعلي على الله! هكذا وجهة نظرهم؛ أن من الذي قال لك هذا هو العلة؟ ممكن يكون شيء آخر بس أنت ما وصلت له. طبعاً الطرف الآخر ايش يقول؟ يقول يا أخي أنا بذلت جهدي، في النهاية الشريعة مبنية على ايش؟ على الاجتهاد. أنا مش بالهواء، عم بحاول أضع معايير معينة مقبولة بناء عليها أنا وصلت إلى هذه العلة.

ففي سير نقاش بين العلماء هل يجوز استنباط العلة بهذه الطريقة ولا لا يجوز؟ لكن الصحيح جوازه، وأكثر الفقهاء على جوازه؛ لأنه في النهاية الأموال الربوية شو بدنا نسوي فيها؟ الظاهرية لما ما استنبطوا العلة ورفضوها أصلاً، قالوا: الأموال الربوية هي فقط هي الأموال الستة المنصوص عليها، ولا نقيس عليها غيرها. يا جماعة معقول هي بس الستة؟ ما نقيس عليها أي مال آخر؟ يعني بس الأموال الربوية: الذهب والفضة والتمر والشعير والملح؟ بس هذه هي ما نقيس عليها غيرها؟ قالوا نعم، الشارع ما نص على العلة، نبقى على هذه الأموال وخلص. شوف كيف حصروا أنفسهم، الظاهرية أن الربا فقط في هذه الأموال الستة دون غيرها. بس أكثر الفقهاء قالوا لهم: لا، صح الشارع ما نص على العلة، بس ربنا أعطانا عقول كعلماء أننا نحاول نستنبط ما هي العلة لنقيس عليها.

بالطريقة السابقة في استنباط الوصف الغريب، هذا يعد من أي مسلك من مسالك العلة؟ مسلك المناسبة، اسمه مسلك المناسبة؛ لأنه نفس عملية السبر والتقسيم. هو شوف المناسبة، أنا مش حابب أدخلك في التفاصيل، السبر والتقسيم أصلاً هو له علاقة بالمناسبة، بس أحياناً السبر والتقسيم هي الطريقة التي حكيتها، أن أحط أوصاف وأبدأ أشطب الوصف غير المناسب وأخلي المناسب. المناسبة التي لا تسمى سبر وتقسيم هي أنك مباشرة تنزل على الوصف الذي تراه مناسباً بدون اقتراح أوصاف أخرى تسطبها، هي أي، بس التفريق بينهم في آلية التعامل، فلذلك مش الحال حالياً كله يضبط نتيجة واحدة.

نعم، جزاكم الله خيراً. قال: «وقال حتى قال أصحابنا وغيره: ومن لا يقول إلا بالمؤثر فلا يكتفي بمجرد المناسبة حتى يدل الشرع على أن مثل ذلك الوصف مؤثر في مثل ذلك الحكم»، وهو قول كثير من الفقهاء أيضاً من أصحابنا وغيرهم. وهؤلاء إذا رأوا الحكم المنصوص فيه معنى قد أثر في مثل ذلك الحكم في موضع آخر عللوا ذلك الحكم المنصوص به.

الآن شوف كلام ابن تيمية، مش واضح للطلاب الذين درسوا أصول الفقه بعمق، لكن هو هنا لا يتكلم عن الوصف المؤثر، يتكلم عن الوصف الملائم. في هذه الفقرة يتكلم عن ايش؟ عن الملائم. شو يقول لك؟ طبعاً نحن شجرنا في بداية الدرس وأعطيت لكم التشجير الذي بناءً عليه سنقوم بالكلام. قلنا إنا الحالة الثانية ما هي؟ حكم لم ينص الشارع على علته، لكنه نص على علة نظيره.

فهؤلاء ماذا يقولون؟ القسم الثاني يقولون إنا لا نقبل الوصف الغريب؛ يعني لا تقبل أن تستنبط لي علة لم ينص الشارع عليها ولم يعتبرها في نظيرها، لا نقبل لو عملت سبر وتقسيم، ولا نقبل ماذا؟ قلنا نحن نقبل الوصف الملائم. ما هو الملائم؟ قالوا تعالوا ماشي، إنا عندنا حكم لم ينص الشارع على علته، لكنه نص على علة نظيره. مثلما حكينا قبل قليل، مثلنا مسألة الولاية على الصغيرة في المال، نص الشارع على علتها؛ لماذا تتم الولاية على الصغيرة في مالها؟ لعلة الصغر.

قالوا فنتي إلى الولاية على الصغيرة في النكاح، فنقول: الولاية على الصغيرة في النكاح علتها ما هي؟ الصغر. هل الشارع الحكيم نص على علة الولاية على الصغيرة في النكاح؟ قالوا لا، بس من أين أخذتوا العلة؟ قالوا من مسألة مناظرة لها. قلنا لهم: لو لم تكن لها مسألة مناظرة؟ طبعاً المسألة المناظرة يجب أن يكون الشارع نص على علتها، مش برضه هي بالاستنباط مش راح ينفع؟ فالمسألة المناظرة يجب أن يكون الشارع نص على علتها، أنا سآخذ العلة من هنا وأضعها في النظير.

فقلنا لهم: لو أن الشارع لم ينص على علة مسألة النظير، نحن لن نستنبط علة، ولا نقبل العلة التي تأخذونها بطريقة المناسبة التي هو الوصف الغريب. فهؤلاء ليسوا متجرئين مثل الطائفة الأولى، يعني خليني أسميها عندهم جرأة، طبعاً جرأة مقبولة وهي الصحيحة، بس حتى أسهل عليك الفهم؛ الطائفة الأولى قالوا لا، حتى لو الشارع لم ينص على العلة في هذا الحكم ولا في نظيره، ربنا أعطانا عقول نحاول أننا نحن نستنبط العلة. الطائفة الثانية تقول: لا، لا تستنبط علة إلا في حكم إلا إذا كان هذا الحكم له نظير نص الشارع على علته.

فلذلك قال: «وهؤلاء»، هنا يهمك، هؤلاء الطائفة الثانية، «إذا رأوا الحكم المنصوص فيه معنى قد أثر في مثل ذلك الحكم في موضع آخر». وهؤلاء إذا رأوا الحكم المنصوص فيه -هكذا ينبغي أن يقرأ- فيه هنا حكم منصوص، وهو الولاية على الصغيرة في ماذا؟ في النكاح. أنت اكتب مثالاً حتى لا تضيع بوصلتك، أن عندي حكماً منصوصاً عليه، ما هو؟ الولاية على الصغيرة في النكاح، رأوا هذا الحكم المنصوص فيه معنى، ايش هذا المعنى؟ الصغر قد أثر في هذا.

المعنى في مش هذا الحكم، في مثل نظير، اكتب المثل: معنى النظير هو رؤية الحكم المنصوص، وهو الولاية على الصغيرة في النكاح، فيه علة وهو الصغر. هذا المعنى قد أثر في نظير ذلك الحكم في موضع آخر، وهو الولاية على الصغيرة في المال. ماذا تفعل هذه الطائفة؟ قال: فهؤلاء يعللون ذلك الحكم المنصوص، الذي هو الولاية عليها في النكاح، بهذه العلة، مع أن هذه العلة الشارع ما نص عليها في النكاح، نص عليها في المال، فهم يأخذونها من المال وينقلونها إلى النكاح. فهؤلاء جاءين في الوسط، ما فتحوها مثل الطائفة الأولى بالوصف الغريب، وبرضه ما سكروا مثل الطائفة الثالثة.

شوف الطائفة الثالثة شو عملت؟ قال: وهنا قول ثالث قاله كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أيضًا، أصحابنا يعني الحنابلة، قال: وهو أن الحكم المنصوص لا يعلل إلا بوصف دل الشرع على أنه معلل به، ولا يكتفى بكونه علل به نظيره أو نوعه. الطائفة الثالثة التي حكيت لكم عنها، التي لا تقبل إلا الوصف المؤثر، لم تقبل الوصف الغريب ولا الملائم، وهؤلاء شددوا كثيرًا؛ قالوا: الحكم لا يجوز أن نقول إن هذا الوصف علة له إلا إذا الشارع هو الذي نص على العلة. إذا الشارع ما نص على علة الحكم، لا تروح تستنبط لي بالوصف الغريب ولا حتى بالملائمة، بل توقف وتقول: هذا الحكم له علة الله أعلم بها، هو لم ينص لي على العلة. هؤلاء شددوا كثيرًا، فقصروا العلة على الوصف المؤثر فقط، أن يكون الله سبحانه وتعالى هو الذي نص على علة هذا الحكم.

قال: وهؤلاء ماذا يقولون؟ إن الحكم المنصوص لا يعلل إلا بوصف دل الشرع على أنه معلل به. طبعًا لاحظوا هنا الكلام عن ماذا؟ عن الحكم المنصوص، يعني حكم نص عليه في الكتاب والسنة. في الحالة الأولى استنبط علته بالوصف المناسب الغريب، وفي الحالة الثانية هذا الحكم المنصوص أخذنا علته من خلال الملائم، وفي الحالة الثالثة هذا الحكم المنصوص لا نقبل علته إلا إذا نص الشارع على علته.

طبعًا ليش بتكلم عن الحكم المنصوص الآن؟ الأحكام نوعان: أحكام منصوص في الكتاب والسنة، وأحكام مستنبطة. الكلام الذي كنت أقسمه معكم يتكلم عند الأحكام المنصوصة في الكتاب والسنة، فالأحوط عليها وعلى علتها: إما حكم منصوص عليه لم ينص على علته لكن نص على العلة في نظيره، وإما حكم منصوص لم ينص على علته ولم ينص على العلة أيضًا في نظيره. فأصحاب القول الأول هم الذين يقبلون الغريب والملائم والمؤثر. وأصحاب القول الثاني قالوا: نحن نقبل الملائم والمؤثر، ولا نقبل الغريب. وأصحاب القول الثالث هم الذين ضيقوا، قالوا: نحن لا نقبل إلا المؤثر، وأما الملائم والغريب فهذا لا نعترف به.

طبعًا هذا أين تظهر فائدته؟ في عملية القياس بعد ذلك. كيف؟ أحب أن أفتح آذانكم لتعرفوا أن العملية الفقهية معقدة شوي، ليست بالسهولة التي يحاول البعض تصورها. الآن، إذا كنت من الناس الذين لا يقبلون إلا العلة المنصوصة المؤثرة، فلو أتيت معك إلى حكم الولاية على الصغيرة في النكاح، ما العلة في الولاية على الصغيرة في النكاح؟ إذا كنت لا تقبل إلا المؤثر، ستقول لي: هذا الحكم لم ينص الشارع على علته، فأنا لا أستطيع أن أجلب لك علته، وبالتالي هذا الحكم المنصوص أنا لست عارفًا علته، فلا يجوز القياس عليه؛ إذ لكي أقيس عليه يجب أن تكون العلة معروفة، وأنا لست عارفًا علته فلا أستطيع أن أقيس على مسألة الولاية على الصغيرة في النكاح.

أما الذين يقبلون الوصف الملائم، فانظر كيف ستتسع دائرة القياس عندهم، ماذا سيفعلون؟ يقولون: الولاية على الصغيرة في النكاح ثبتت علتها بالنقل من النظير، وما دام ثبتت عندي علتها، أستطيع أن أقيس عليه لأني عرفت علته، ولكن كيف عرفتها؟ جبتها من مكان ثاني. لكن بالنسبة للربا، عند هؤلاء الذين يقبلون الملائم، الربا صعب جدًا أن يقبلوا فيه القياس على الأموال الربوية؛ لأن الأموال الربوية كيف ثبتت علتها؟ بالغريب وليس بالملائم، هي الستة ستبقى هي هذه الستة.

أما الذين يقبلون الغريب، فقلت إنهم عمموا كثيرًا؛ لأن هناك أحكامًا تعبدية بحتة هم لا يقربون مساحتها أصلاً، مثل صلاة الظهر أربع ركعات، فهذه مساحات تعبدية معروفة لا يقربون عليها، لكن الكلام عن الأحكام التي تقبل التعليل، هم يرون أنهم أوسع جماعة، وهم جمهور الفقهاء حقيقة، يرون أن كل الأحكام التي تقبل التعليل يمكن أن نعللها سواء بالوصف المؤثر إذا كان منصوصًا عليه، أو بالملائمة. فعليك أن تفهم هذه الطريقة في تقسيم الأوصاف وما الذي سينبني عليها: هل سأقبل الوصف الغريب؟ هل سأقبل الملائم؟ هل سأقبل المؤثر؟ هذا طبعًا مؤثر؛ لأن هذه الأمور هي التي يدور حولها النقاش، وبالتالي تتسع دائرة القياس وتضيق بناءً على ما الذي تقبله وما الذي لا تقبله.

قال: وتلخيص الفرق بين الأقوال الثلاثة، إذا رأينا الشارع قد نص على الحكم ودل على علته، كما قال في الهرة: ﴿إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ﴾، فهذه العلة تسمى المنصوص أو المومأ إليها، خلص. إذاً هذا هو النوع الأول الذي حكينا عنه، وهو أن الشارع نص على الحكم وعلى العلة، وهذا بموجب الوصف المؤثر، علمت مناسبته أو لم تعلم. العلة إذا كان منصوصًا عليها أنت مجبر على قبولها سواء عرفت مناسبتها للحكم أو جهلتها، لأن الله هو الذي نص عليها أو النبي ﷺ هو الذي نص عليها، سواء فهمت وجه المناسبة أو لم تفهم.

قال: فيعمل بموجبها باتفاق الطوائف الثلاث وإن اختلفوا هل يسمى هذا قياسًا أم لا؛ لأنه كل الطوائف تقبل الوصف المؤثر، والخلاف في الملائم والغريب. فتقول: الطوائف الثلاث بدون نزاع ستقبل المؤثر، وإن اختلفوا هل يسمى هذا قياسًا أم لا. قال: ومثاله في كذا واختلفوا هل يسمى هذا قياسًا.

ألا يسمى، يعني إذا الآن قست شيئًا على الهرة، إذا قست شيئًا على الهرة الآن، ما هو الحديث؟ إنها ليست بنجس؛ ما العلة؟ نص عليها الحديث أنها من الطوافين والطوافات.

لو وجدت حيوانًا آخر من الطوافين والطوافات، فقلت: هذا الحيوان ليس بنجس مثل الفار مثلاً؛ لأن الفار من الطوافين والطوافات، فقلت: هذا ليس بنجس، لماذا؟ لأن العلة التي في الهرة موجودة فيه. هل قياس الفار أو هل خلينا نقول إلحاق الفار بالهرة هو أصل في الحكم بعلة جامعة بينهما؟ فالإلحاق الفار بالهرة قياسًا على الهرة، بل العلة المنصوص كما تم إنزالها على الهرة يتم إنزالها على الفار.

فهذا يسمونه فحوى النص الظاهرية، شو بسموه بدل ما يسموه قياس؟ شو بسموه؟ فحوى. يا سيدي خلص، بدك تسميه فحوى النص، نحن مش رح نقف عند الأسماء، سمّه قياسًا وسمّه فحوى النص، أهم شيء أنك تأخذ به، فالكل يأخذ به عمومًا. الكل يأخذ به لكن البعض يسميه قياسًا والبعض يسميه فحوى النص أو فحوى الخطاب.

ومثاله في كلام الناس: ما لو قال السيد لغلامه: «لا تدخل داري فلانًا، فإنه مبتدع» أو «فإنه أسود» ونحو ذلك، فإنه يفهم منه أنه لا يدخل داره من كان مبتدعًا أو من كان أسود. الآن خذ هذا المثال، ابن تيمية يحب يقرب الصور لك؛ لو قلت لك: «يا شيخ محمد، لا تدخل زيدًا إلى بيتي»، ونصت على العلة لأنه مبتدع؛ إذا أنا نصيت على الحكم «لا تدخل بيتي» ونصت على العلة «لأنه مبتدع»، بس كان كلامي عن مين؟ عن زيد.

طيب، أجاك عبيد، وعبيد هذا أيضًا مبتدع، أنت كإنسان طبيعي شو راح تعمل؟ راح تقول: الشيخ قال لي لا تدخل زيدًا لأنه مبتدع، بس ما حكى لا تدخل عبيدًا، بس العلة نفسها موجودة في عبيد؛ لأن نفس البدعة عنده. إذاً منطقيًا الشيخ لما منعني أدخل زيدًا لأنه مبتدع، هو يريد أن يمنع دخول كل مبتدع إلى بيته، فبرضه عبيد ما راح أدخله وخالد ما راح أدخله؛ لأن هؤلاء فيهم نفس العلة، اللي هي نفس فكرة الهرة والفار. الهرة قال مش مشكلة النبي ﷺ ليه؟ لأنها من الطوافين والطوافات، والفار برضه من الطوافين والطوافات، فهل أعطي الفار حكم الهرة؟ الآن نحن راح نعطي الفار حكم الهرة، بس إعطاء الفار حكم الهرة هل يسمى قياسًا ولا فحوى النص؟ هون الخلاف.

فلمّا قلت لك لا تدخل زيدًا لأنه مبتدع، فجاك عبيد، هل هو قياس على زيد كقياس أصولي، أم من فحوى النص؟ يعني هذه هي الخلاف في هذه الطريقة، وهو أقرب أن يكون شكليًا. قال: وهو نظير أن يقول: «لا تدخل داري مبتدعًا ولا أسودًا». ولهذا نعم، يعني إذا قلت لك: «لا تدخل زيدًا لأنه مبتدع»، هذه الجملة بمثابة كأني قلت لك: «لا تدخل مبتدعًا داري» عمومًا، ونصيت على زيد كنموذج ومثال فقط. فقولي لك لا تدخل زيدًا لأنه مبتدع، إذا أنا أعطيتك عينًا وأعطيتك العلة، كأني أعطيك قاعدة عامة، فالموضوع مش زيد، الموضوع البدعة هي المشكلة، فكأني إذا قلت لا تدخل زيدًا لأنه مبتدع كأني أقول لك: «لا تدخل داري مبتدعًا». أنت كإنسان بشري سوي هيك راح تترجمها في سيستم عقلك، هيك راح تفكر بهذا المنظور.

قال: فلو قال... وهذا نعمل نحن بمثل هذا في باب الإيمان: «فلو قال لا لبست هذا الثوب الذي يمن به علي حنث بما كان منته» مثل «منته» وهو يمن به نحو ذلك. قال: لأن الإنسان الطبيعي يفكر بهذه الطريقة. لاحظوا كيف سنطبق هذه القاعدة في باب الإيمان؛ الإيمان هو الحلف، اليمين ما هي؟ اليمين الحلف. لو قلت: «أقسم بالله لن ألبس هذا الثوب الذي يمن به علي»، تمام، أعلمك يا شيخ عمر، «لا لبست هذا الثوب الذي يمن به علي».

هسه أنت، ما الدافع؟ أنت لماذا حلفت اليمين أنك لا تلبس هذا الثوب؟ أنت كأنك نصصت على العلة، قلت: «لا لبست هذا الثوب الذي يمن به علي»، هذا تنصيص على العلة عن طريق الإيماء لما قلت: «والله لن ألبس هذا الثوب الذي يمن به علي»، إذاً ما علة هذا اليمين؟ المن الصحيح. طيب، لو عمر ما أعطاك هذا الثوب، راح قال لك: خذ، بدك تلبسه لأني مننت عليك فيه، خلص أعطيني إياه، يلا بدي أعطيك ثوبًا آخر، هل يجوز أن تلبسه وتقول: لا، أنا حلفت على الثوب الأول، يا شيخ أنا ما حلفت على الثوب الثاني؟ كيف سيفسر هذا اليمين عند الفقهاء؟

قولوا: صح، أنت ابتداءً حلفت على الثوب الأول، لكن لما حلفت على الثوب الأول أنت ذكرت العلة وهي المن، فإذا أعطاك ثوبًا ثانيًا وفيه منّ أيضًا، لا يجوز تلبسه، ولا تقول لي أنا حلفت على الثوب الأول؛ بقول أنت فعليًا لما حلفت وذكرت العلة كأنك أعطيت قاعدة عامة، كأنك قلت: «والله لا ألبس أي ثوب يمن به علي». صح، قولك «والله لا ألبس هذا الثوب الذي يمن به علي» هو يترجم في الفقه الإسلامي بماذا؟ «والله لا ألبس أي ثوب يمن»، وإن لم تكن هذه هي الصيغة، فهمتم؟ فهذا ما يسمى بالوصف المؤثر.

قال: يعني إذا كان يمارس المن، فحنث بما كان منته، مثل «منته» وهو يمن به، يعني هو يمارس المن؛ يعني هذا الثوب المن فيه مثل المن في هذا الثوب السابق، وهو الآن يمارس المن، لأنه ممكن يكون في منّ بس هو مش عم يمنّ، يعني ترك المن، لكن حنث بما كان منته مثل منّه الثوب الأول وهو يمنّ. أنا فاهمها هيك، صحيحة؟ مش عارف ليش أنا شاعر أنه بده يقول: حنث بالثوب الثاني الذي منّ به مثل منّه الثوب الأول وهو يمارس المن فعليًا؛ لأنه ممكن يكون الثوب الثاني فيه منّ مثل الثوب الأول بس هو مش عم يمنّ فيه، خلص إذا مش عم يمنّ فيه خلص البسه، بس المشكلة أنه منّه مثل الثوب الأول وهو يمارس المن فعليًا، فعندئذٍ لا يجوز لك أن تلبسه.

اسم شيخنا هو اللي يظهر من الكلام أنه يشمل حتى لو لم يكن ثوبًا أصلاً، لو كان مثلاً طعامًا أو شرابًا أو مالًا، لكن نفس درجة المن هنا، مش مشكلة طبعًا.

كان يمن بشيء آخر منه مثل الثوب، لو لم يكن ثوبًا لو كان أعطاني إناءً، وهذا الإناء يمن عليّ به كما يمن بالثوب، هي نفس الفكرة؛ فالمهم هو وجود المنّ، وكأنه يقول وهو هناك من حاصل في الحالة الثانية كما هو حاصل في الحالة الأولى.

وأما قال: «وأما إذا رأينا الشارع قد حكم بحكم ولم يذكر علته، لكن قد ذكر علة نظيره أو نوعه بشكل عام». نعم، قال: «نظيره أو نوعه». مثل أنه جوز للأب أن يزوج ابنته الصغيرة البكر بلا إذنها؛ فالأب عند كثير من الفقهاء يجوز له أن يزوج البنت الصغيرة بدون إذنها ويسمى المجبرة.

وقد رأينا الشارع جوز له الاستيلاء على مالها لكونها صغيرة، والمراد بالاستيلاء هنا الولاية، ليس أنه يأخذ مال ابنته بدون شيء، بل المراد الولاية والإدارة؛ فكما أنه يدير أمورها المالية لأنها صغيرة، له أن يدير أمورها الزوجية لأنها صغيرة. فيقول: وقد رأينا الشارع جوز له الاستيلاء، يعني الولاية على مالها؛ لماذا الأب يستولي؟ يعني يدير مال ابنته الصغيرة، فإذا كانت ابنته الصغيرة معها مليون، فإنه يديره ليصرف عليها ويدير أمورها وما شابه ذلك؛ لماذا لا تديره بنفسها؟ لأنها صغيرة، فالشارع هو الذي ذكر هذا الحكم وهو حكم الولاية في المال، وأشار إلى العلة وهي الصغر، مثلما يمكن أن نأخذ من ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ بناءً على أنها سفاهة الصغر.

فهل يعتقد -أي هل يعتقد- أن علة ولاية النكاح هي الصغر مثلاً؟ فهنا نقول: هل علة الولاية في النكاح هي نظير علة الولاية في المال؟ فالصغر هو علة الولاية في المال، فهل الولاية في النكاح على الفتاة الصغيرة هي نظير الولاية في المال؟ فنقول: الصغر أيضًا.

الذي يعترف بالوصف الملائم يقول لك: نعم، هي نفسها. والذي لا يعترف بالوصف الملائم يقول لك: لا، الشارع لم ينص على علة الولاية في النكاح، فإنا لا نستنبطها بالنظير.

قال: «أو نقول بل قد يكون للنكاح علة أخرى وهي البكارة مثلاً»، فهذه العلة هي المؤثرة؛ أي قد بين الشارع تأثيرها في حكم منصوص وسكت عن بيان تأثيرها في نظير ذلك الحكم، فالفريقان الآن يختلفان.

الفريق الذي يرفض أخذ العلة بالنظير يقول لك: أنت تقول إن الولاية في النكاح علتها الصغر، ومن أين أخذتها؟ من النظير! تعال، ألا يمكن أن يكون هناك علة أخرى في ولاية النكاح غير الصغر، مثل أنها بكر كاحتمال عقلي وارد؟ فأنت لما نقلت العلة من النظير إلى النظير تركت ممارستك ليست قوية ولا متينة لاحتمال وجود علة أخرى غير الصغر هي المؤثرة فعليًا في ولاية النكاح، فقالوا: ما دام الأمر على خطر ونحن لسنا متأكدين، فلن نقبل. هذا الفريق الأول الذي لا يعترف إلا بالعلة المنصوص يقول لك: هذه ليست علة منصوصة، هي علة أخذتها من النظير وفي احتمال أن تكون خطأ، فأنا لا أعترف بها.

أما الطرف الثاني الذي يقبل الملائم فيقول لك: أنا أعترف بها، على الأقل لها شاهد في مكان من الشريعة، شهدت لها الشريعة في النظير، فهي أقرب العلل منطقيًا أن تكون هنا، ومن باب أولى؛ فمن يقبل الأكبر سيقبل الأدنى. فلذلك قال: «فالفريق الأول يقولان بها»، أي يقبل الملائم أصلاً.

قال: «وهو في الحقيقة إثبات للعلة بالقياس». وهذه الطريقة التي هي الوصف الملائم هي في الحقيقة إثبات للعلة بالقياس. والذين فهموا كلامي سيعرفون لماذا هو إثبات للعلة بالقياس؛ لأنك من أين جئت بالعلة في هذا الحكم؟ قياسًا من العلة في الحكم الأول، فكأنك قست علة الحكم الثاني على علة الحكم الأول، فهذا يسمى قياسًا في العلل.

يقول: «كما أن هذا الوصف أثر في الحكم في ذلك المكان، كذلك يؤثر في هذا المكان». هذا فعليًا هو: كما أن الصغر أثر في ولاية المال، فلا مانع أن يؤثر في ولاية النكاح.

أما الفريق الثالث الذي لا يقبل إلا العلة المنصوص في الحكم المنصوص، فيقول: أنا لا أقبل شيئًا اسمه وصف ملائم إلا بدلالة خاصة، يعني قرائن احتفت كثيرة قد أمشيها، لكن بدون هذا لا أقبل؛ «إلا بدلالة خاصة»، لجواز أن يكون النوع الواحد من الأحكام له علل مختلفة.

الولاية نوع، وتحتها جزئيات؛ مثل ولاية النكاح وولاية المال. فكون الشارع نص على العلة في جزئية معينة من جزئيات الولاية وهي جزئية المال، لا يعني أنه يريد أن يجعل هذه العلة في الجزئية الأخرى وهي جزئية النكاح. فيقولون: لا يجوز، لجواز أن يكون للنوع الواحد علل مختلفة في جزئياته. فما المانع أن تكون ولاية المال لها علة، وولاية النكاح لها علة أخرى؟ لماذا تريد أن تقيس من هنا إلى هنا بجامع أن هذه نظير هذه؟ وهذا سؤال مهم: كيف تحكم أن المسألة نظير لهذه المسألة؟

كانت من نوع واحد، أنت كيف أحن؟ أصلاً كيف عرفنا أن ولاية النكاح هي نظير ولاية المال؟ اشتراكهما في أصل الولاية لأنهما من نفس الجنس.

نعم، قال: ومن هذا النوع أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه، أو يستم الرجل على سوم أخيه، أو يخطب الرجل على خطبة أخيه، ليعل ذلك بما فيه من فساد ذات البين. لو سألتك: لماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع الرجل على بيع أخيه؟ يأتي بياع يخرب بيع الأول مثلاً. ليش أنت إذا رحت خطبت فتاة وأهلها وافقوا عليك مبدئياً، يصير أنا أروح أخطب هذه الفتاة؟ «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه». هل الشارع نص على العلة؟ هل في حديث أو آية تنص على العلة؟ لا.

طيب كيف أنت الآن شو العلة؟ رح تحكي لو سألتك شو العلة، يا شيخ كأنك تدرس توجيهي، أنت شاطر جاي فرش، شو العلة التي ستكون؟ إذاً لماذا أنت لا يجوز أن تخطب على خطبة أخيك؟ يلا شو العلة؟ أحسنت، العلة واضحة كما قال لك: فساد ذات البين. العلة أن خطبتك على خطبة أخيك المسلم تسبب ضغناً وشحناء بينك وبين إخوانك.

طيب هي العلة من أين جبتها؟ هل نص عليها الشارع في حديث نصاً واضحاً في هذا الحكم؟ يعني هل النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه لأن ذلك يسبب الشحناء؟ ما في حديث كذا، في حديث: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه». والنقطة أنت استنبطت هي العلة، بس من أين استنبطتها؟ من نظير، مش استنباط بحت. ما هو النظير الذي الفقهاء أتوا به؟ أتوا من خلال هذه العلة.

الحديث التالي اقرأ، قال: «ليعل ذلك بما فيه من فساد ذات البين». كما علل به في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تُنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم». فهذا الحديث، النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا يجوز لك أن تتزوج عمتك ولا يجوز أن تتزوج خالتك، ونص على العلة مباشرة، ماذا قال عليه الصلاة والسلام: ﴿فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ﴾. هذا تعليل، اسمه تعليل بالآثار، نص على العلة في ماذا؟ في زواج العمة والخالة.

فنجيء الآن إلى الخطبة على خطبة أخي، قالوا: هي من جنس أن تنكح على عمتك وخالتك، نفس الجنس عموماً. فقالوا إذاً، ما هو النظير؟ وهو النكاح على العمة، قالوا: «فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم». قالوا إذاً الشريعة لا تريد القطع، الشريعة لا تريد فساد ذات البين. فأخذنا هذه العلة وهي القطيعة وفساد ذات البين، وهي منصوص عليها أين؟ في نكاح العمة، فأخذتها وقسها وأتيت بها إلى مسألة المنع أن يخطب الإنسان على خطبة أخيه، وأن يبيع على بيع أخيه؛ لأن هذا، عفواً، صحيح في رحم خاص بس المؤمنين، لكن بينهم رحم عام، فكما أنه في الرحم الخاص يخاف من القطيعة، فكذلك إنما المؤمنون إخوة، في الرحم العام يخاف من القطيعة. هذا شكل من أشكال النظير.

فقال: «وإن كان هذا المثال يظهر التعليل فيما لا يظهر في الأول». يعني بقول لك لسه هذا المثال كيف الأخ مباشرة جابها؟ ليش لا يجوز أن تخطب على خطبة أخيك؟ هي نوعًا ما واضحة أنه فساد ذات بين. أما في المثال السابق، وهي أنه لماذا الولاية على الصغيرة في النكاح، لسه مش بنفس الوضوح؛ فالصغر ممكن أحد يساوم فيها.

نعم صحيح، أنا أقصد أن الكلام من بطن الشاعر، يعني أن لا يجزأ أن تجمع بين المرأة وعمتها، لا يجوز أن تجمع بين المرأة وعمتها ولا أن تجمع بين المرأة وخالتها. قال: «وإن كان هذا المثال يظهر التعليل فيه ما لا يظهر في الأول»، فإنما ذاك لأنه لا يظهر فيه وصف مناسب للنهي إلا هذا؛ لس هو جيد أنه نبهني عليها؛ لأن الفكرة هنا بتكون أوضح، أنه هي أنت تخطب على خطبة أخيك تتزاحم أنت على شيء واحد، فكذلك إذا أنت متزوج بنت ورحت تزوجت عمتها، كأنك جبت عمتها تزاحمها في حظها، فبالتالي تحدث الشحناء والبغضاء بينهما لأنك زاحمت بينهما في وعاء واحد.

شيخنا، المقصود هنا أن هذا المثال ما في وصف مناسب للتعليل إلا هذا الوصف الذي هو فساد ذات البين. أما المثال الأول في الصغر، في البكارة مثلاً، أحسنت، المثال الأول في احتمالات أكثر، لكن هذا المثال واضح أنه هو فساد ذات البين، مش محتاج كثير تفكير.

قال: «والسبر دليل خاص على العلة». السبر هو الاختبار، زي ما حكينا قبل شوي، أنك تحط أوصاف وتبدأ تختبرها. فمثلاً في موضوع الولاية على النكاح، نحن قلنا ماذا؟ الصغر وأخذناه من النظير. لو شخص طلع لي قاله: لا شيخ، طب بجوز مش الصغر، بجوز البكارة؟ نبدأ نعمل عملية إيش؟ السبر؛ أن تعال نختبر: والله يا عمي هذه البكارة هي الأنسب أن تكون علة للحكم ولا الصغر الذي أخذناه من النظير؟

قال: «ونظيره من كلام الناس أن يقول: لا تعطي هذا الفقير فإنه مبتدع، ثم يسأله فقير آخر مبتدع فيقول: لا تعطه، وقد يكون ذلك الفقير أدوا له، فهل يحكم بأن العلة هي البدعة أم يتردد لجواز أن تكون العلة هي العداوة؟».

شوف المثال، ذكره ابن تيمية على حال الملائم. قبل شوي ذكر مثال على حال المنصوص، الآن على حال الملائم. هنا يقول لو قلت لك: لا تعطي هذا الفقير -أنا باشر لفقير معين قلت لا تعطي هذا الفقير فإنه مبتدع- نصيت على علة البدعية، ثم يأتي فقير آخر يسألني وهو مبتدع أيضًا، فيقول: لا تعطه هذا أيضًا.

إذا مثلاً أنا والشيخ محمد جالسون، مر بنا فقير فقلت يا شيخ محمد لا تعطي هذا الفقير، قلت لي ليش؟ قلت لك لأنه مبتدع، خلصنا. جاء فقير آخر بعد شوي، فقلت له لا تعطه وسكت، ما حكيت لأنه مبتدع، شو قلت لك؟ لا تعطه. هل ستقي الفقير رقم اثنين؟

على الفقير رقم واحد تقول ما خلانيش.

أعطِ الفقير رقم اثنين برضه لأنه مبتدئ. ولا ممكن يقترح في ذهنك شيء آخر؟ بس برضه لا، يجوز مش لأنه مبتدع، يجوز أنه في بينه وبينه عداوة. فهمت الفكرة؟ فبقول لك: هل ستُقي الفقير رقم اثنين على نظيره وهو فقير رقم واحد؟ ولا ستقول: لا، في احتمال آخر أقوى يكون هو علة لعدم إعطاء الفقير رقم اثنين، وهو العداوة مثلاً؟

هون حقيقةً بصير بقول لك: إيش بدك تعمل؟ مش قال لك بدك تعمل شيء من الصبر؟ إنه ممكن أقول: لا والله، الأظهر أنه لا قياساً على الأول، وممكن تقول: لا ظهرت لي بقرينة أنه مش قياس على الأول، هذا له علة أخرى أنه عدو. فعلياً الوصف الملائم لا مش دائماً يزبط معك، ممكن يكون القياس على النظير هو أن تأخذ العلة من النظير، هي أفضل وأظهر، وممكن أحياناً ينقدح في ذهنك وصف آخر غير الوصف الذي أخذته من النظير. فهنا يأتي دور الصبر والاختبار، وهنا لابد وأن تتلمع مقاصد الشريعة وغاياتها.

نعم، قال: واما إذا رأينا الشارع قد حكم بحكم، ورأينا فيه وصفاً مناسباً له، لكن الشارع لم يذكر تلك العلة ولا علل بها نظير ذلك الحكم في موضع آخر؛ فهذا هو الوصف المناسب الغريب. حكم نص عليه الشارع كما قلنا، لم يذكر علته ولا يوجد نظير له، بالتالي هنا بدي أنا أجتهد بالعقل والمصلحة حتى آتي بالوصف من خلال أشوف إيش الوصف المقارن لهذا الحكم، وهل هو مناسب لأن يعلق الحكم عليه ولا لا؟

كمل قال: فهذا هو الوصف المناسب الغريب؛ لأنه لا نظير له في الشرع. عرفت ليش سموه غريب؟ تعرف الحديث الغريب؟ مش الحديث اللي له طريقين ولا ثلاث، بس طريق واحد كأصل، هذا نفس الشيء. بقول لك هذا غريب لأنه ليس له أي نظير في الشرع، أنت وحدك استنبطه، لا يوجد أي نظير يمكن أن ترجع إليه.

نعم، قال: ولا دل كلام الشرع وإيماؤه عليه، فيجوز اتباعه. الفريق الأول ونفاه الآخران؛ من الذي يقبل الغريب؟ الذي هو الفريق الأول اللي بلشنا في الصفحة الماضية الذين يقبلون الغريب، وهم أكثر الفقهاء فعلياً. يعني أصلاً المذاهب الفقهية سبب امتدادها للواقع المعاصر هو الوصف الغريب، جزاه الله خير الوصف الغريب، وإلا لوجدنا إشكاليات كثيرة.

نعم، قال: وهذا إدراك لعلة الشارع بنفس عقولنا من غير دلالة منه. فهنا في الغريب أنت بتعتمد على عقلك، طبعاً مراد العقل السوي اللي فاهم كليات الشريعة، بس في هذه المسألة خلص بدي أربط عقلي بكليات الشريعة حتى أفهم ما الذي يمكن أن يقبله الشارع من الأوصاف، وليس المراد بالعقل البحت، حتى ما حدا يقول لك: بدي عقلي أنا استنبط، هو مش المراد بالعقل البحت، العقل الذي استقرأ الشريعة وتشربها بحيث أصبح يفهم ما يمكن أن يكون مقبولاً لدى الشارع مما لا يمكن أن يكون مقبولاً لديه، فهذا عقل تشرب الكتاب والسنة. بس حتى تفهم شو العقل اللي بيحكي عنه هون، مش عقل الحداثي والليبرالي والعلماني؛ لأن بعض الناس بيفكر هيك الشغلة.

قال: كما أن الذي قبله إدراك لعلته بنفس القياس على كلامه، والأول إدراك لعلته بنفس النص. الملائم هو إدراك للعله بالقياس على العلة التي نص عليها، مش قلنا الملائم هو قياس على العلة؟

قال: وأما الأول وهو المنصوص عليه، إدراك لعلته بنفس كلامه. طبعاً ابن تيمية أول شيء بلش بالغريب، مناسب، ملائم، منصوص، بعدين لما اجى شرح رجع بالعكس، شرح المنصوص بعدين الملائم بعدين الغريب، بعدين رجع حطك أول ثاني ثالث، فإنت الأول والثاني والثالث راح يضيعك في ابن تيمية الله يرضى عنه؛ لأنه شوي غريب مناسب منصوص، لما بلش يشرح شرح المنصوص بعدين الملائم بعدين الغريب، بعدين رجع يقول لك هون ايش آخر شيء: وهذا إدراك للعله من غير دلالة، اللي هو بيتكلم عن ماذا عن الغريب. والثاني اللي هو الملائم، والأول هو المنصوص. فبقول لك والأول مش الأول اللي بلشنا في أول الصفحة الماضية، الأول من حيث الشرح وهو المنصوص. بس أنا بفهمك أنه هو شوي دخلت أمور ببعضها هنا في إثبات العلة، زي لما نستنبط الحكم بالنص وبالقياس وبالمصالح المرسلة، نفس الترتيب هذا فيه، هو لما نثبت الحكم الشرعي بالنص أو بالقياس أو بالمصالح المرسلة، نفس الفكرة هنا في العلة، أنه بالنص أو بالقياس أو في استنباط الأحكام الشرعية، أول شيء النص، فإن لم يوجد فالقياس، فإن لم يوجد فالمصالح المرسلة. جميل كلام لطيف وحلو في هذا المقام، جزاك الله خير.

نعم، قال: وهذا إدراك وقد تعلم علة الحكم المعين بالصبر وبدلالات أخرى، هذا مش موضوعنا، مثل قضية دلالة الاقتران، دلالة الطرد وما شابه ذلك، قياس الشبه. له مسالك العلة، تصل إلى تسع مسالك، مسالك استنباط العلل باب كبير في علم أصول الفقه. طيب المهم نرجع الآن لموضوع الأعياد، فإذا ثبتت هذه الأقسام فمسألتنا من باب العلة المنصوص في موضع المؤثرة في موضع آخر.

إذًا الآن بعد كل الحفلة والله يجزاه الخير وخلصنا الأمور، نيجي الآن على المسألة اللي بده إياها، وإيش بده ابن تيمية؟ بده يقول لك مسألة التخصيص بدون مخصص، اللي الناس تجعلها في موضوع... طبعاً التخصيص بدون مخصص شرعي، التخصيص الذي تمارسه أنت في تخصيص ليلة أول رجب، أول خميس من رجب، هذا التخصيص الذي مارسته أنك تخصص أول ليلة من رجب، أول ليلة جمعة من رجب بصلاة الرغائب، هذا التخصيص الذي مارسته هذا هو سبب للنهي عن هذا الموضوع، هذا هو سبب النهي عن هذه البدع وعن أمثالها. جعل التخصيص بدون مخصص شرعي علة في النهي عن البدع وتحريمها. جعل التخصيص بدون مخصص شرعي علة لتحريم البدع والنهي عنها، هذه العلة من أين أتيت بها؟ هل هي علة من الوصف تعتبر من قبيل المؤثر ولا الملائم ولا الغريب؟

فبدي إياك تلاحظ الآن إيش بده، فبقول لك لا، هو يراها من قبيل الملائم، يراها من قبيل الملائم، لذلك قال: فمسألتنا من باب العلة المنصوص في موضع المؤثرة في موضع آخر. سياتي إليه اللي هو الجمعة، لا تخصوا ليلة الجمعة، مش الحديث قال صلى الله عليه وسلم: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم». هنا في حكم وهو عدم تخصيص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، وفي إيماء للعلة، هكذا يرى ابن تيمية بغض النظر وافقته ولا خالفته، وهكذا يرى، يرى أن في إيماء للعلة في العلة من جهة المنصوص، إيش العلة؟ «لا تخصوا يوم الجمعة بقيامه من بين الليالي»، شو العلة؟ التخصيص، التخصيص بدون مخصص شرعي. لما قال «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي»، لما قال «لا تخصوا»، إذًا لماذا يا رب لا نخص ليلة الجمعة بقيام بين الليالي؟ ما العلة؟ شو بدك تحكي لي؟ لأنه تخصيص بدون مخصص. هذه العلة من وين أنا فهمتها؟ هو كأنه النص حكاها بس مش بصراحته، بإيماء. فبقول لك ابن تيمية هنا النبي صلى الله عليه وسلم بالإيماء، والإيماء هي الإشارة البعيدة، بين لنا لماذا ننهى أن نخص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي؛ لأنه تخصيص بدون مخصص.

فأصبحت التخصيص بدون مخصص علة منصوص في هذا الموضع، وراح أخذها إلى أي شكل حصل فيه تخصيص بدون مخصص، في أعياد، في صلاة الرغائب، صلاة الألفية، صلاة أبصر شو في يوم من الليالي، في يوم من... يقول لك ستأخذ هذه العلة إلى النظائر وتبدأ تطبقها على كل نظير، فتجيء على عيد في يوم معين بقول: تخصيص بدون مخصص، صلاة الرغائب أول جمعة من رجب: تخصيص بدون مخصص، صيام يوم الثلاثاء من نص شعبان: تخصيص بدون مخصص. طب هذه العلة اللي عم بعلل فيها في الأماكن الأخرى تسمى وصف ايش هون؟ أصبحت ملائم، لا ملائم لأنك أخذتها من النظير وأتيت بها على الأماكن الأخرى. فهمتوا؟ إذًا حتى تفهموا يا إخواني أن فهم جزئية معينة قد يحتاج منك تكون فاهم كيف يفكر العلماء الكبار في الأوصاف لتعرف كيف تأتي النتائج، وليس كما ينظر إليها كثير من البسيطين أن الشيخ مسألة سهلة، يعني التحريم والتحليل، يعني شو فهم كلام السلف سهل.

قال: فإذا ثبتت هذه الأقسام فمسألتنا من باب العلة المنصوص في موضع المؤثرة في موضع آخر، وذلك... هو ابن تيمية عم يستعمل المؤثرة، بس أنا بدي إياك تستعمل الملائم؛ لأن ابن تيمية ما استعمل كلمة الملائم، أنا عم بستعمل لك إياها لأنها هي التي ستجدها في كتب أصول الفقه، بس هو شوي وسع دلالة المؤثرة، فخلص هي المنصوص في موضع الملائم لموضع آخر.

نعم، قال: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تخصيص أوقات بصلاة أو صيام، وأباح ذلك إذا لم يكن على وجه التخصيص. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم». فهنا نهى وأومأ إلى العلة تماماً.

قال: وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوماً قبله أو بعده»، وهذا لفظ البخاري. وروى البخاري عن... فأباح صوم يوم الجمعة إذا لم يكن على وجه التخصيص، إذا صمت يوماً قبله أو بعده، هذا معنى قوله: وأباح ذلك إذا لم يكن على وجه التخصيص، يعني أباح صوم الجمعة إذا لم تخصص بل صمت يوماً قبله وبعده.

نعم، قال: وروى البخاري عن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: «أصمتِ أمس؟» قالت: لا، قال: «أتريدين أن تصومي غداً؟» قالت: لا، قال: «فأفطري». قال: وفي الصحيحين عن محمد بن عباد بن جعفر، قالها بالإفطار لأنها خصت الجمعة.

نعم، قال: وفي الصحيحين عن محمد بن عباد بن جعفر قال: سألت جابر بن عبد الله وهو يطوف بالبيت: أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة؟ قال: نعم ورب هذا البيت. وهذا لفظ مسلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصوموا يوم الجمعة وحده»، رواه الإمام أحمد، ومثل هذا ما أخرج... وكلمة "وحده" هي إشارة إلى العلة، ها، كلمة "وحده" هي إيماء إلى العلة: التخصيص.

نعم، قال: ومثل هذا ما أخرجه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم»، الأفضل البخاري: أن يصوم عادته.

نعم، قال: فوجه الدلالة أن الشارع قسم الأيام باعتبار الصوم ثلاثة أقسام، قسم شرع تخصيصه بالصيام أصلاً، وهذا التخصيص إذًا من أين أتى؟ من الشارع نفسه. بقول لك الأيام اللي يصومها الناس ثلاثة أيام، قسم الشارع هو الذي أمرك أن تخصها، فتخصيص أتى من الشارع نفسه، مثل رمضان، مثل عرفة، مثل عاشوراء، مثل اثنين والخميس في كل... وهكذا.

قال: قسم شرع تخصيصه بالصيام، أما إيجاباً كرمضان، وأما استحباباً كيوم عرفة وعاشوراء. وقسم نهى عن صومه مطلقاً، قسم أنت منهي عن صومه دائماً وأبداً، وهو يوم العيد الأضحى ويوم عيد الفطر وأيام التشريق، قال: كيوم العيدين. وقسم إنما نهى عن تخصيصه كيوم الجمعة.

النوع الثالث: أيام لم ينه الشارع عن صومها مطلقاً، ولكنه لم يأذن بصومه مطلقاً، وإنما نهى عن تخصيصها. فهذا القسم الثالث أيام نهى عن تخصيصها، فإذا لم تخصصها وجاءت عرضاً معك، مثلاً بتصوم أنت صيام داود أو والله صادف في يوم عرفة يوم جمعة أو أشياء من هذا القبيل، إذا أنت لم تقصد تخصيصها ما في مشكلة، إذا قصدت تخصيصها في مشكلة تماماً.

فإذًا الشارع لما تكلم عن صيام الأيام، هناك أيام هو خصصها بالصيام، وهناك أيام هو حرم صيامها، وهناك أيام هو نهاك عن تخصيصها، فإذا صمتها بدون تخصيص أعطاك الإذن فيها، مثل الجمعة، وسرر شعبان، سرر شعبان اللي هو آخر يومين من شعبان؛ لأنه هو ايش قال: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين»، ما هو آخر يومين من شعبان بيجي بعديهم رمضان، فهم سرر شعبان، آخر شعبان، فهو نهاك عن تخصيص آخر يومين من شعبان بالصيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم، إلا إذا جاء صيام هذين اليومين عرضاً موافق ليوم اثنين وخميس، أنت متعود صيامه، فيجوز عندئذ صيام سرر شعبان آخر يوم من شعبان.

قال: فهذا النوع لو صيم مع غيره لم يكره. قال: فإذا خصص بالفعل نُهي عن ذلك، سواء قصد الصائم التخصيص أو لم يقصده، وسواء يعتقد الرجحان أو لم يعتقده. الآن ركز في هذه الجملة، قال: فهذا النوع.

الذي نهي عن تخصيصه، فإذا لم تخصصه جاز لك أن تصومه، ولو صيم مع غيره لم يكره، هذا اتفقنا عليه. إذا صمت الجمعة مع السبت أو صمت الجمعة مع الخميس فليس هناك مشكلة، أما إذا خصص بالفعل، فإنك تكون منهياً عن ذلك، سواء قصدت ونويت في قلبك التخصيص أو لم تنوِ؛ فوجود نية التخصيص الآن ما عادت مؤثرة. مجرد أن تصوم الجمعة وحدها، سواء قصدت نية التخصيص أو لم تقصدها، خلص الشارع نهاك عن صورة التخصيص، سواء أنت قصدت ذلك عمداً أو لم تقصده، وسواء اعتقدت رجحان صيام الجمعة على غيره أو لم تعتقد، ما دام الشارع نهاك عن تخصيص الجمعة، لا يجوز أن تخصه، أنت منهي عن تخصيصه، سواء نويت أنت نية التخصيص أو لم تنوِ، اعتقدت رجحان أو لم تعتقد، خلص أنت منهي عن صورة التخصيص بغض النظر شو نيتك.

قال: ومعلوم أن مفسدة هذا العمل لولا أنها موجودة في التخصيص دون غيره لكان إما أن ينهى عنه مطلقاً كيوم العيد، أو لا ينهى عنه كيوم عرفة وعاشوراء. انظر ركز شو قال، كيف يريد ابن تيمية أن يصل إلى أن العلة في النهي عن صيام يوم الجمعة دون يوم قبله وبعده هي التخصيص بدون مخصص. يقول: ومعلوم أن مفسدة هذا العمل، ما هو العمل؟ صيام الجمعة وحده. اكتب حتى لا تنسى؛ ترى إخواني أحياناً تكون معلومات فرش، وتكون متبع معي، بس بعد سنة لما ترجع تقرأ الكتاب بتبلش تشعر إنه كثير معلومات نسيتها، فدائماً علمنا المشايخ: اكتب حتى لو أنت الآن واضح عندك، بس بدك تتصور إنه بعد سنة ممكن تنسى، فاكتب أي كلمة غامضة.

ومعلوم أن مفسدة هذا العمل -ما هو صيام الجمعة وحده، ما مفسدة صيام الجمعة وحده؟- قال: لولا أن هذه المفسدة هي التخصيص أو موجودة في التخصيص دون غيره من الأوصاف المحتملة، لكان إما أن ينهى عنه مطلقاً، قال لنا: لا تصوموا الجمعة أبداً تمام، هو ما قال لا تصوموا الجمعة أبداً، هو شو قال الشارع؟ إلا أن تصوم يوماً قبله أو يوماً بعده. فيقول لك: لولا أن المفسدة هي في التخصيص لكان إما أن نهى عن صيامه مطلقاً، قال: لا تصوموا الجمعة أبداً بشكل من الأشكال، أو كان ما نهاك عن صيامه أصلاً، قال لك: عادي صوم الجمعة، صوم الأحد، صوم السبت، صوم الاثنين، زي ما بدك.

لما قال لا تصوموا الجمعة إلا أن تصوموا يوماً قبله أو بعده، المنطق السوي وأصلاً هي إيماء الحديث شو المشكلة إذاً؟ التخصيص. أوعى، لا بدك شوية تفكر معي، لما قال لك: لا تصم يوم الجمعة إلا أن تصوم يوماً قبله أو بعده، يعني حتى لو مش منصوص العلة أو مش إيماء، لو بدي أعتبرها استنباط، أظن استنباطها واضح. قال لك: لا تصم يوم الجمعة إلا أن تصوم يوماً قبله أو يوماً بعده، إذاً ما المشكلة في صيام الجمعة؟ أصبحت هي تخصيصه، إذاً المشكلة في التخصيص. فهو يقول لك: لو كان التخصيص ليس هو العلة، لكان إما الشارع نهى عن صوم الجمعة مطلقاً حتى لو صمت يوماً قبل أو بعد، فيقول لك: لا، لا تصوم أبداً، أو كان فتح لك موضوعه تماماً. فإذاً لما قال: لا تصم إلا يوماً قبله أو بعده، إذاً المشكلة التي هي الوصف المؤثر في هذا الحكم هي أنك تخصصه، فأصبح التخصيص علة مؤثرة في هذا الحكم، وسنأخذه لنكون علة في نظيره. وهذا الذي يريد أن يصل إليه.

شوف كيف ابن تيمية يسلك مسالك العلماء المحققين في البحث عن العلة، بده يمسك لك العلة حتى يقوم بنقلها إلى أماكن أخرى. فعملي أنك تضع يدك على العلة؛ العلة لما تكون منصوصة، فإنها ليست من الطفي أنها من الطوافين والطوافات، سهلة، بس أحياناً بعض العلل بدها نوع من الذكاء والحذق في عملية استخلاصها من النص.

كأنه يميل إلى مسلك الدوران تقريباً، يعني أنه وجد النهي لما وجد التخصيص وانتفى النهي لما انتفى التخصيص. ممكن بس مش مطلق الدوران، أيضاً لازم يكون في نوع من المناسبة موجود، إنه مسلك الدوران يقوم عند الأصوليين على عدم إدراك المناسبة فقط، الدوران: وجد وجد، انتفى انتفى، بس أنا مش شايف المناسبة. لكن هنا في شيء أظهر من الدوران، فيه برضه المناسبة ملاحظة، وهو التخصيص بدون مقتضٍ شرعي.

نعم، بتعرف، الدوران في الناس كثير مش الدوران هو مسلك من مسالك العلة. أنه أنا حكم الشارع لم ينص على علته ولم أجد له نظيراً، فالآن بدي أعمل أنا أستنبط علته وحده، صح بمثلك الغريب. حاولت أبحث عن وصف غريب مناسب أعلق الحكم ما لقيت، فشو بصير بعمل؟ بصير أشوف وصف هو صراحة مش مناسب أو لم تظهر مناسبته، لكنه هو الذي كلما وجد وجد الحكم، وكلما انتفى هذا الوصف ينتفي الحكم، هذا الوصف هل هو مناسب للحكم؟ فعلياً أنا مش شايف إنه مناسب، بس طيب ليش اعتبرته؟ قال لك: هو الوحيد اللي شافه في الساحة. هو لذلك مسلك الدوران الأكثر لا يقبله إلا عندما تضيق بك الحيل، ولكن الأكثر لا يقبلوا أن الدوران أنت جبت الوصف وأنت غير مدرك لمناسبته أصلاً، فهذا لسه أسوأ من الغريب، يعني إذا اعتبرنا بالسوء أو خلينا نقول أبعد من الغريب.

أبو عمر بس احكي بالله بالمايك حتى ما يزعلوا علينا إخوان الأونلاين، اطلعوا المايكات الثانيات أيوه. لأنه إخوان عبد الأونلاين بينزعجوا بسبب إنه بقولك أنا ما بسمع، تسألك بتجاوب شيخ وتروح ربع ساعة في الجواب وإحنا مش فاهمين شو السؤال أصلاً.

والله شيخ بدك تتعبني كمان زيادة أنت، تفضل.

الآن شيخنا قلنا إنه النهي إنما عاد لأجل التخصيص، لكن يعني أنا ما أدري إن فهمت المسألة صح، طب ينبغي هذا إنه يطرد على جميع أيام الأسبوع، إنه جميع أيام الأسبوع كذلك لا ينبغي أن نصوم يوماً قبله أو يوماً بعدها.

آه تمام ما في مشكلة، طبعاً نفس الفكرة، بس هو ليش حكى عن الجمعة بالتحديد؟ لأنه الأكثر توقعاً أن الناس تخصه لما له من الفضل المعروف عند المسلمين. فإذا نهاك عن الجمعة أن تخصه، فمن باب أولى السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء. تمام، يعني إذا أنت اعتقدت خصوصية في يوم الأربعاء، خلص أنا بدي أصير أخصها، هل هذا يصح؟ نفس المشكلة، لكن قالوا إنما نهى عن الجمعة والسبت، لماذا؟ لما يُتوقع أن يكون تخصيصها أكثر من غيرها. ممكن شخص طبعاً يقول إنه الجمعة مطلوب دائماً، دائماً لا تخصها حتى ولو لم تقصد تخصيصها، لكن الأربعاء لو هيك في يوم أنا اقترحت بدي أصوم أربعاء، بصير صح، ولو لم أصم يوماً قبله أو بعده، بس لو صارت سنة متبعة عندي بدي أخص الأربعاء، أصبح تخصيص بدون مخصص. لكن الجمعة إنما زادها زيادة تأثير أنه لا تصومها حتى ولو لم تقصد تخصيصها، بخلاف الأربعاء، فإنني لو صمته بدون أن أقصد التخصيص يجوز، أما الجمعة لا يجوز أن أصومه وحده ولو لم تكن نية التخصيص حاضرة؛ كأن الشريعة حسمت الباب في الجمعة والسبت لما يُتوقع أن الناس تخصها وتعظمها لسبب من الأسباب، فحسمت المادة فيها. لكن لو بقول عموماً لو قصدت التخصيص ليوم آخر من أيام الأسبوع غير الجمعة والسبت، كان شو صار؟ كان صار مشكلة ورجعنا نفس المشكلة.

كمل قال: أو لا ينهى عنه كيوم عرفة وعاشوراء، وتلك المفسدة ليست موجودة في سائر الأوقات، وإلا لم يكن للتخصيص بالنهي فائدة. قال: فظهر أن المفسدة تنشأ من تخصيص ما لا خصيصة له. فإذاً هذا الذي بده يوصله ابن تيمية من كل هذه القضية: فظهر أن المفسدة ما منشؤها؟ يعني ما علتها؟ تخصيص ما لا خصيصة له في نظر الشارع، أن تخص شيئاً ليس له خصيصة في نظر الشارع، هذه بحد ذاتها مفسدة عظيمة، العوام زي ما بلشنا درس اليوم غير مهتمين فيها، ولا يعتقدون أنها مفسدة، لكنها من أعظم المفاسد أن تعطي لنفسك أحقية التشريع فعلياً، لأنك خصصت شيئاً لم يخصصه الشارع.

نعم، قال: كما أشعر به لفظ النبي عليه الصلاة والسلام. قلت لكم العلة هنا منصوصة من باب الإيماء، أشعر نعم. قال: فإن نفس الفعل المنهي عنه أو المأمور به قد يشتمل على حكمة الأمر أو النهي كما في قوله: «خالفوا المشركين». فلفظ النهي عن الاختصاص لوقت بصوم أو صلاة يقتضي أن الفساد ناشئ من جهة الاختصاص، كما في قول الآن تذكر الحديث اللي عشنا فيه رحلة طويلة: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» أو «خالفوا المشركين»، ولما قال خالفوهما أو خالفوا المشركين، مش مر معنا أن ابن تيمية أشار أن هذا شكله من أشكال التعليل، ولكنه تعليل بالإيماء. نعم، فلفظ النهي عن الاختصاص لما قال لك لا تخصوا، هو مثل الحديث اللي بلشنا فيه الكتاب: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم»، مش أخذنا العلة من نفس لفظ الأمر؟ كذلك هنا سنحصل العلة من نفس لفظ النهي: «لا تخصوا يوم الجمعة»، إذاً ما العلة؟ التخصيص. كما أننا في بداية الكتاب لما قلنا خالفوا المشركين فاصبغوا ما العلة؟ المخالفة. فيقول لك: ها هذا معنى قوله: فإن نفس الفعل المنهي عنه أو نفس الفعل المأمور به هو نفسه قد يعطيك من داخله العلة، نفس صيغة الفعل المأمور بها أو المنهي عنها هي قد تشتمل وتؤشر لك على ماذا؟ على العلة. فخالفوا المشركين أعطتني إشارة للعلة وهي المخالفة، نفس الشيء هنا لا تخصوا الجمعة أعطتك إشارة للعلة وهي التخصيص.

نعم، قال: فلفظ النهي عن الاختصاص لوقت بصوم أو صلاة يقتضي أن الفساد ناشئ من جهة الاختصاص، نفس الاختصاص. نعم، قال: فإذا كان يوم الجمعة يوماً فاضلاً يستحب فيه من الصلاة والدعاء والذكر والقراءة والطهارة والطيب والزينة ما لا يستحب في غيره، كان ذلك في مظنة أن يتوهم أن صومه أفضل من غيره. شايف، زي ما قلنا إنه الجمعة له أصلاً منزلة، عشان هيك تكلم الشارع عن الجمعة بالتحديد؛ لأنه يتوقع أنه مظنة، مظنة يعني احتمال كبير أنك تتوقع أنه صيامه أفضل من غيره لما خص الله به الجمعة دون سائر الأيام من الفضائل.

نعم، قال: أن صوم غيره، واعتقد أن قيام ليلته كالصيام في نهاره، أن لها فضلاً دون سائر الليالي، نعم قال لها فضيلة على قيام غيرها من الليالي، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التخصيص دفعاً لهذه المفسدة التي لا تنشأ إلا من التخصيص. فإذاً هذه المفسدة، وهي اعتقاد التخصيص بدون مخصص، تفضل أعطيها المايك.

بس أنا بدك تتحملني شيخ اليوم.

أه ما مشكلة شيخ.

طيب شيخ، ذكرت في السبت إنه نهي عن صومه برضو لعله معينة، هو لا يسلم إنه محرم أصلاً صيام السبت، لكن لا يسلم إنه محرم صيام السبت عند من يرى كراهته، فعند الحنابلة إنه مكروه، يكره إفراده. نعم، لكن العلة هل هي مثلاً صيام يوم عيد اليهود مثلاً؟ إنه يوم تعظمه اليهود، نعم، إنه يوم تعظمه اليهود، فأراد أن يبين كراهية إفراده خشية أن يتسلل هذا الشعور، فيصبح فيه نوع من المشاركة لليهود في أمورهم. طبعاً الآن بغض النظر عن صحة الحديث، إحنا الآن بدنا نسلم أنه منهي عن إفراد السبت، كما بحث ابن تيمية سابقاً، فستكون العلة هي الخشية أن يتسرب شعور لنا أننا نشاركهم في تخصيص هذا اليوم وتقديسه، بأنه ينقطع فيه عن العمل وكذا ونحن نخصه بالصيام، فيريد أن يحسم هذه المادة.

طب هي هي العلة موجودة في الأحد أيضاً عند النصارى؟ ممكن، مش مشكلة، حط الأحد، لذلك البعض قاس السبت على الأحد وقال بذلك. هسا أنت ما هي العلل التي ستقترحها؟ الشارع لا يعترض مثاله لأننا نحن نبحث عن علة، نبحث عن ماذا؟ عن علة، ربما ما يقول البعض النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مماثلاً للنصارى في جزيرة العرب وفي حياته، مين اللي كان اللي معه في المدينة؟ لكن هي ممكن يستنبط منها الاستحباب لأنه العيد هو عيد عند اليهود والنصارى فنصوم من باب مخالفة، ماشي هذه النظرية الأخرى هي حكينا عنها هسا. هذه النظرية الأخرى الموجودة، لكن النظرية الآن الأولى اللي قالوا يكرهوا الصيام أنت بتتكلم معهم شو العلة؟ أما احتمالية إنه في وجه آخر إنه نحن ليش ما نخالفه ونصوم، أنت إذا دخلت في السكة الأخرى إنه أصلاً في قول آخر يرى مشروعية الصيام مخالفة هذا اللي ناقشناه في الدرس الماضي، لكن أنا أتكلم على الرأي الفقهي الذي يرى كراهية صيام السبت أو إفراد السبت وهو المعتمد عند الحنابلة، ما هي العلة هون؟ بدك تتكلم، فهمت علي هذا البعد.

طيب خلينا نكمل شيخ بس حتى ننهي هذا الملف، أيوه، قال: وكذلك تلقي رمضان، قد يتوهم أن فيه فضلاً لما فيه من الاحتياط للصوم، ولا فضل فيه في الشرع، فنهى.

النبي ﷺ عن تلقيه لذلك، وهذا المعنى موجود في مسألة؛ فإن الناس قد يخصون هذه المواسم لاعتقادهم فيها فضيلة. ومتى كان تخصيص الوقت بصوم أو بصلاة قد يقترن باعتقاد فضل ذلك، ولا فضل فيه، فإنه ينهى عن التخصيص، وهذه قاعدة عامة.

ومتى كان تخصيص الوقت بصوم أو بصلاة قد يقترن باعتقاد فضل ذلك اليوم أو الوقت ولا فضل فيه، نهي عن هذا التخصيص؛ لأن تخصيص أي يوم بشيء في العادة يقترن باعتقاد الأفضلية. لاحظ أنه قال: «قد يقترن»، فلو لم يقترن، كأن يصوم شخص سنويًا أول رأس السنة الهجرية، فبرضه ينهى عن ذلك؛ لأنه العبرة هنا بالغالب، فالغالب يأخذ حكم العام.

فلذلك قال: «ومتى كان تخصيص الوقت بصوم أو بصلاة قد يقترن باعتقاد فضل ذلك اليوم أو الوقت ولا فضل فيه نهي عن التخصيص»، لأن تخصيص أي يوم بشيء في العادة يقترن باعتقاد الأفضلية. طب لو لم يقترن بالاعتقاد؟ نسد الذريعة في هذا الباب، إلا إذا ظهر سبب واضح جلي للتخصيص.

يعني قد يأتي شخص يقول لك: نحن يا شيخ مجموعة من الشباب نعمل في شركة، وحابين نعمل وردًا أسبوعيًا مع بعضنا، نجتمع ليلة الخميس في بيت أحد الإخوة ونقوم الليل مع بعض. هل مثل هذا يدخل تحت هذا؟ لأن هذا من أكثر المشاكل اليوم الدائرة، وتأتينا أسئلة؛ مثل إخوة يجتمعون يوم الجمعة يدعون في ساعة الإجابة، هل تخصيص يوم الجمعة بعد العصر بالدعاء يعني جماعة بدعة؟

يدخل هذا تحت قاعدة: «ومتى كان تخصيص الوقت بصوم أو بصلاة قد يقترن باعتقاد فضل ذلك اليوم أو الوقت ولا فضل فيه نهي عن التخصيص»، إذ لا ينبعث التخصيص إلا عن اعتقاد الاختصاص حقيقة. شوفوا، إذا كان لا يوجد مبرر واقعي مقبول لتخصيص يوم معين دون غيره، فنعم، هنا يمنع تخصيص هذا اليوم دون غيره ولو لم تعتقد أنت التخصيص، وذلك من باب سد الذرائع وحسم المادة.

لكن إذا ظهر مبرر منطقي تقبله الشريعة والعقل السليم في تخصيص هذا اليوم، وعرفنا أنه هذا المبرر ليس ناشئًا عن اعتقاد أفضلية في هذا اليوم، وإنما ناشئ عن أن ظرف العمل والشغل عند هؤلاء الطلاب أنه لا يفرغون إلا يوم الخميس، ولو كان الفراغ في غير يوم الخميس لذهبوا إليه؛ فالعبرة ليست باليوم، العبرة بالفراغ والوقت، فمثل هذا التخصيص لا إشكال فيه.

ابن تيمية يتكلم عن تخصيص لا مبرر له، فعندئذ لا يجوز فعله ولو لم تعتقد الخصوصية. يعني لو قلت لي: أنا أصوم أول رأس السنة الهجرية، أعطني مبررًا منطقيًا غير اعتقاد التخصيص والأفضلية؟ إذا قلت لي: والله بعتقد خصوصية صيام هذا اليوم، فالمشكلة. ولو قلت: أنا لا أعتقد خصوصية، بس أنا أحب أصوم أول رأس السنة الهجرية، ماذا أقول لك؟ أقول لك: أنت لا تعتقد خصوصية لهذا اليوم ومعنى الأفضلية، ولكن ليس هناك مبرر منطقي حقيقي.

فهنا أنا أريد أن أحسم الباب عليك، وأقول لك حتى لا تتعود هذا الصنيع، وحتى لا تفتح بابًا؛ حتى لو لم تعتقد الخصوصية، فإن صيام أول رأس السنة الهجرية بدعة حسبًا للمادة.

لو كان هناك مبرر منطقي، مثل فكرة يوم الخميس التي يجتمع فيها الموظفون، أو يوم معين يفرغون فيه حتى يدعوا، أو ساعة معينة من باب الترتيب الإداري، ولو صحت في وقت آخر لعدنا إليها، فهذا ليس فيه مشكلة؛ لأنك هنا قدمت في وجهة نظر الشريعة مبررًا منطقيًا وعلميًا متعلقًا بالحياة الاجتماعية، لأنك خصصت هذه الساعة وهذا التوقيت.

حتى لا يظن أنه أي شكل من أشكال التخصيص سيسبب مشكلة؛ فمثلاً كل يوم اثنين نأخذ اقتضاء الصراط المستقيم، هذا ليس من باب التخصيص الممنوع، لأن تخصيص المدارسة بهذا اليوم هو فقط من باب ترتيب جدول، وممكن يستمر هذا لعشر سنوات، ولا أرى أن هذا ملزم ما دام في مبرر اجتماعي عقلاني تقبله الشريعة في تخصيص هذا الدرس في هذا اليوم.

الناس ما بين إفراط وما بين تفريط، ومنع هذا وهذا فيه تضييق على الناس، ويمنع كثيرًا من أوجه الخير والتعاون بينهم على الخير. صار للأسف بسبب الخوف من هذا الموضوع منع كثير من الناس من الخير؛ منعوا أن يجتمعوا لقراءة قرآن في بيت أحدهم، ومنعوا من أن يجتمعوا للدعاء في بيت، مع أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. لكن ظروف الحياة في الواقع المعاصر والحياة الاجتماعية قد تقتضي تخصيصًا مبررًا شرعًا، ما يسمى «التخصيص المبرر شرعًا»، فلا ينبغي أن تسارع في إغلاق الأبواب على الناس سريعًا.

سؤال: يا شيخ، نحن الآن بعض الأفعال قد تكون بدعة عند بعض الناس، وعند بعض الناس ليست بدعة؟ أحسنت، صحيح، أحسنت. بحسب الاعتقاد المحيط به والظروف التي أنشأت هذا التخصيص؛ فلا يجوز طرد الباب هكذا، وهذا هو فقه الأئمة الأقدمين. وسياتي ابن تيمية يعطيك بعض الأمثلة على فقه ما يصير أن تكون قاعدة مضطردة؛ لا بد أن ننظر إلى الباعث على التخصيص.

اللهم لا سهل، بسم الله الرحمن الرحيم. نشرع إن شاء الله في الجلسة الثانية لهذا اليوم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

قال المصنف رحمه الله تعالى: «ومن قال إن الصلاة أو الصوم في هذه الليلة كغيرها، هذا اعتقادي ومع ذلك فأنا أخصها، فلا بد أن يكون باعثه إما موافقة غيره، وإما اتباع العادة، وإما خوف اللوم له ونحو ذلك، وإلا فهو كاذب».

الآن ابن تيمية رحمه الله يحصر الاحتمالات؛ فيقول إذا شخص قال إن الصلاة في هذه الليلة -ليلة مثلا أول جمعة من شعبان أو رجب- أو الصوم في هذا اليوم كغيره، هذا اعتقادي، أنا أقول لك: هذا اعتقادي ومع ذلك فأنا أريد أن أخص بالصيام...

لو جاء شخص يمارس البدعة الأولى التي تكلم عنها ابن تيمية، وهي صيام أول خميس من رجب وقيام أول ليلة من رجب التي يسمونها صلاة الرغائب، وقال لك: «أنا لا أعتقد أن هذه الليلة لها أفضلية على غيرها من الليالي، لكنني أريد أن أخص هذه الليلة بعبادة، وأخص يوم الخميس من رجب بالصيام»، فهل نقبل منه ذلك لمجرد أنه قال إن اعتقاده ليس هو الأفضلية؟ هل يعفيه هذا من المسؤولية والبدع؟

ابن تيمية يحاول أن يفكر ولماذا يعمل هكذا؟ لماذا يخص أول جمعة من رجب بصلاة الرغائب وهو يقول إنه لا يعتقد أفضلية هذه الليلة؟ الاحتمالات العقلية التي يمكن حصرها هي: إما أن يكون موافقًا لغيره، أي أنه لا يعتقد خصوصيتها ولكنه يتبع المشايخ والطرق التي تعمل صلاة الرغائب في رجب، فهو يتبعهم في ذلك وإن كان فعليًا لا يعتقد خصوصية.

أو أن يكون دافعه هو اتباع العادة؛ فكثير من الناس بالنسبة لليلة النصف من شعبان، عندما تسأله: «هل تعتقد خصوصية هذه الليلة؟» يقول: «لا، ولكن عائلتنا هكذا، عاداتنا أننا نصوم ليلة النصف من شعبان». فهو قد لا يعتقد خصوصية أفضلية هذه الليلة في الصيام دون باقي الليالي، لكنها عادة نشأ عليها فلا يريد أن يتركها.

أو أن يكون دافعه هو خشية اللوم؛ بجوز أن يكون حاببًا أن يترك هذا الشيء ولكن خائفًا من لوم الناس، فيقع في البدعة خشية أن يلام، وهذا بعد آخر يناقش فيه المصالح والمفاسد. وإلا فهو كاذب؛ إذ لا يوجد احتمال ثالث أو رابع، فإما اتباع لشيخ، أو اتباع لعادة دارجة في المجتمع، أو خوف اللوم، وإلا فهو كاذب أو يضحك علينا.

يقول ابن تيمية: «فالداعي إلى هذا العمل لا يخلو قط من أن يكون ذلك الاعتقاد الفاسد أو باعثًا آخر». فالداعي إلى هذا العمل إما أن يكون ذلك الاعتقاد الفاسد وهو اعتقاد الأفضلية، أو باعثًا آخر غير ديني، وهي الثلاثة التي ذكرناها: إما موافقة غيره، أو اتباع عادة، أو خوف اللوم، ولا توجد احتمالات غير ذلك.

لذلك فإن هذا الاعتقاد ضلال؛ لأنك تخص شيئًا لم يخصه الشارع. وقد علمنا يقينًا أن النبي ﷺ وأصحابه وسائر الأئمة لم يذكروا في فضل هذا اليوم والليلة، ولا في فضل صومه بخصوصه وقيامه بخصوصه حرفًا واحدًا. الحديث الذي فيه حث على صلاة الرغائب موضوع مكذوب على النبي ﷺ، وإنما حدثت في الإسلام بعد المئة الرابعة هجريًا.

ولا يجوز والحال هذه أن يكون لها فضل؛ لأن ذلك الفضل إن لم يعلمه النبي ﷺ ولا أصحابه ولا التابعون ولا سائر الأئمة، امتنع أن نعلم نحن من الدين الذي يقرب إلى الله ما لم يعلمه النبي ﷺ والصحابة والتابعون وسائر الأمة. لأنك تعتقد شيئًا في الأفضلية، والذي يحدد الأفضلية هي الشريعة وليست العقول الشخصية والأذواق، وإلا فستكون أنت والله أذكى من النبي ﷺ والصحابة لأنك وصلت إلى أفضلية هذه الليلة دونهم.

وإن علموه -مع توفر دواعيه على العمل الصالح وتعليم الخلق والنصيحة لهم- امتنع ألا يعلم أحدًا بهذا الفضل ولا يسارع إليه واحد منهم. فإذا كان النبي ﷺ أكثر الناس حرصًا على أمته وشفقة عليهم، وحرصًا على أن يعلمهم ما من خير إلا وبينه، فمعقول أنه كتم عنا هذا الخير ولم يخبرنا بأفضلية الجمعة الأولى من رجب؟

فإذا كان هذا الفضل المدعى مستلزمًا لعدم علم الرسول ﷺ وخير القرون ببعض دين الله ﷺ، أو لكتمانهم وتركهم ما تقتضي شريعتهم وعاداتهم، فكل واحد من اللازمين منتفٍ إما بالشرع وإما بالعادة، ومع العلم انتفى الملزوم وهو الفضل المدعى.

بناء على الكلام السابق، فإن ادعاءك لأفضلية الجمعة الأولى من رجب يستلزم أحد أمرين: إما أنك عرفت شيئًا لم يعرفه النبي ﷺ، وهذا لازم كارثي، أن تعرف شيئًا من الفضل لا يعرفه النبي ﷺ.

الصلاة والسلام، وأما أن تقول لا، فالنبي ﷺ كان يعرفه، ولكن لم يخبرنا عنه، وبرضه هذا كارثة. يقول لك: اعتقادك للأفضلية في الجمعة الأولى من رجب، هذا الاعتقاد للأفضلية يلزم عليه أحد أمرين كلاهما مصيبة: يلزم عليه إما أن النبي ﷺ لم يكن يعرف هذه الأفضلية وأنت عرفتها، وهذه مصيبة، أو أنه كان يعلمها ﷺ ولكن لم يخبرنا بها، وهذه أيضاً مصيبة.

وهذه مصيبة من حيث الشرع والعادة؛ لأنه شرعاً وعادة لا يمكن ذلك، فعادة النبي ﷺ وعادة السلف من يعرف طبائعهم وأخلاقهم، يعرفون أنهم حريصون على الخير وتعليمه للناس. فإذا عرف انتفاء اللازم، عرف انتفاء الملزوم؛ يعني إذا عرفنا أن ادعاء الأفضلية يلزم عليه أحد أمرين كلاهما مصيبة، فيجب فيه إذن أن ينتفي الفضل، وأنا أعرف أن الفضل الذي تدعيه إنما هو من صنع عقلك.

ثم هذا العمل المبتدع مستلزم إما لاعتقاد هو ضلال في الدين، أو عمل دين لغير الله سبحانه وتعالى، والتدين بالاعتقادات الفاسدة أو التدين لغير الله لا يجوز. هذا العمل المبتدع، وهو صلاة الرغائب في الجمعة الأولى من رجب، يستلزم ماذا؟ إما اعتقاد هو ضلال في الدين، وهو اعتقاد الأفضلية دون وجود دليل، وهذا ضلال، أو اعتقاد أن شيئاً فضل وليس له فضل. وهذا إما يستلزم اعتقاداً وهو ضلال في الدين، أو عملاً ديناً لغير الله سبحانه وتعالى؛ لأنها صلاة الرغائب وليس عليها أي نص يدل عليها وعلى مشروعيتها وما شابه ذلك، فأنت عملت ديناً لغير الله سبحانه وتعالى، والتدين بالاعتقادات الفاسدة أو التدين لغير الله لا يجوز.

ماذا يقصد بالتدين لغير الله؟ ممكن يكون هذا قصد التدين لغير الله، يعني كأنك تدينت لشيء سوى الله سبحانه وتعالى لما وضعت أن الله لم يشرع. الشيخ المفتي، هي في احتمالات كثيرة ممكن تدخل تحت "عمل دين لغير الله". الآن وضحت معي، هو ربط هذه بالفقرة السابقة؛ ما الذي يجعل الإنسان يقع في البدعة؟ هل هو اعتقاد فاسد بأن هذا اليوم له أفضلية، أو احتمالات أخرى مثل موافقة شيخه أو اتباع عادة أو خوف لوم؟ بالتالي هذا رجع على الكلام السابق؛ ما دام تخصيصاً للجمعة الأولى من رجب، فإما بسبب اعتقاد فاسد وهو اعتقاد الأفضلية، أو لخوف لوم أو اتباع عادة. فإذا صليت الرغائب لخوف لوم أو اتباع عادة أو لسبب ليس سبباً شرعياً، فأنت لست تتدين لله، بل تتدين للعادة أو لخوف اللوم، وهذا يرجع على الكلام السابق.

فالمختصر: هذه البدعة إما ناشئة عن اعتقاد فاسد، إذا قلنا إن منشاها اعتقاد الأفضلية، أو ناشئة عن اتباع شيخ أو عادة أو طريقة أو خوف لوم، وهذا بالتالي يدل على أنك لم تتدين لله، بل أنت ماشي للعادات وخوف اللوم. وبالتالي قال: والتدين بالاعتقادات الفاسدة أو التدين لغير الله اتباعاً لطائفة أو شيخ أو خوف، هذا كلاهما غير جائز.

شيخ، في المسألة لها نظير ذكرها ابن القيم -لعله في الصواعق- فيما أذكر عن عبد الله بن تيمية، وهو أخو شيخ الإسلام، حيث له احتجاج على الجهمية في مناظرة مع جهمي، فذكر المسائل الثلاث. قال: يمتنع أن يكون كمال العلم للنبي ﷺ، أو لله كمال العلم مع كمال البيان مع كمال الحرص على الناس؛ يمتنع ذلك مع قول ما ظاهره كفر في العقيدة. وهذه أيضاً ذكرها في "لمعة الاعتقاد" في المناظرة التي صارت بين مجلس الخليفة العباسي لما كان يدعو الأئمة للقول بخلق القرآن. عندما سألوه: هل الشيء الذي تدعوني إليه علمه النبي ﷺ أو لم يعلم؟ هذه لها نظائر كثيرة حتى تعرف أن احتجاجات ابن تيمية مأخوذة من أساليب السلف في الحجاج، ويطبق ما كان يفعل السلف في الحجاج. فلما كانوا يقولون: هل هذا شيء علمه النبي ﷺ أو لم يعلم؟ فإن قلت لم يعلم، فتكون أنت علمته أن القرآن مخلوق، والله يا ذا الجهل! وإن قلت علمه، فقال: إذا علمه هل دعا الناس إليه؟ قال: لم يدع الناس إليه. قال: شيء علمه ودعا الناس إليه ووسعه أن يسكت عنه، ألا يسعك أنت أن تسكت عنه؟ فهي فكرة متكررة في مناظرات ابن تيمية، في بناء الحجاج له تعمق في طريقة السلف رضوان الله عليهم، ومبتعد عن المنهج الفلسفي في بناء الحجاج العلمي.

بارك الله فيك، هو شيخ المسألة هنا أنه إذا ابتدع البدعة فيلزم منه الطعن في أحد أمور ثلاثة: إما في علم النبي ﷺ، أو ينسب إليه الجهل عليه الصلاة والسلام، أو في كمال البيان، أي أنه كان يعلم ولكن منعه من ذلك عدم البيان، أو عدم قدرته على البيان، أو يستطيع أن يبين ولكن منعه عدم الحرص، وكلها لوازم فاسدة. أحسنت، هو جمع بين قضية الكتمان وعدم الحرص في قضية واحدة، وابن تيمية أنت فصلتها فيها.

قال: فهذه البدع وأمثالها مستلزم قطعاً، أو ظاهراً على الأقل، لفعل ما لا يجوز؛ لأنك إذا ابتدعت يا اعتقاد فاسد -اعتقاد الأفضلية- أو اتباع عادات، وكلاهما لا يجوز. قال: فأقل أحوال المستلزم إن لم يكن محرماً أن يكون مكروهاً. وهذا بيننا أن البدع ليست دائماً محرمة، البدع إخواني قد تكون مكروهة، وحسب القرائن يحددها العالم. بعض الناس يقول إن البدع دائماً حرام، لا، في بدع تصنف على أنها مكروهة وفي بدع تصنف على أنها حرام. الجامع أن البدعة فعل غير مشروع، سواء كان مكروهاً أو حراماً بحسب القرائن. قال: فأقل أحوال المستلزم إن لم يكن محرماً أن يكون مكروهاً، وهذا المعنى سار في سائر البدع المحدثة؛ وهذه الفكرة طبقها على سائر البدع المحدثة.

ثم هذا الاعتقاد يتبعه أحوال في القلب من التعظيم والإجلال، وتلك الأحوال أيضاً باطلة ليست من دين الله. ابن تيمية الآن ركز على الاعتقاد أكثر من قضية اتباع العادة أو خوف اللوم، لأن أغلب...

الناس يبتدعون بسبب الاعتقاد، ليس بسبب مجرد المشايخ أو خوف اللوم أو العادات، فيقول: هذا الاعتقاد، اعتقاد الأفضلية، ما مشكلته؟ أنه يفرز وينتج لي أيضاً ماذا من التعظيم والإجلال لهذا اليوم ما لا يوجد في سائر الأيام، فهو اعتقاد أفضلية، ونشأ عنه تعظيم وإجلال لهذا الوقت، وهذا شيء لم يأتِ به دين الله. قال: وتلك الأحوال أيضاً باطلة، فهذا الإجلال وهذا التعظيم الذي قام في قلبك، هو يسميها أحوالاً، الأحوال هي التبجيل، هذا التعظيم وهذا الإجلال هي أحوال قلبية باطلة؛ لأنها نشأت من تفضيل باطل، فلاحظ كيف يتسلل الباطل أكثر فأكثر لحياتك ومعتقداتك من بدعة صغيرة.

قال: ولو فرض أن الرجل قد يقول أنا لا أعتقد الفضل، فلا يمكنه مع التعبد أن يزيل الحال الذي في قلبه من التعظيم والإجلال. لماذا ذكر هذه الأحوال التي أفرزها التفضيل، وهو التعظيم والإجلال لهذا اليوم؟ يقول: ولو فرض أن الرجل قد يقول أنا لا أعتقد الأفضلية -هذا الاعتقاد الفاسد، واعتقاد الأفضلية بدون مفضل- لو قال أنا لا أعتقد الأفضلية، نقول له: ومع ذلك لا يمكنه مع التعبد والحرص على صلاة الرغائب مثلاً، ماشي، أنت تقول أنا لا أعتقد الأفضلية، لا يمكن أن تزيل تلك الحالة القلبية، وهي حالة الإجلال والتعظيم القائمة في نفسك.

طبعاً التعظيم والإجلال لا ينشأ إلا بشعور من جنس الاعتقاد، سواء شعرت باعتقاد أو لم تشعر، هو لا ينشأ تجليل وتعظيم ليوم معين إلا بشعور داخلي من جنس الاعتقاد. ولو أنه وهم أو ظن أن هذا الأمر ضروري، فإن النفس لو خلت عن الشعور بفضل الشيء امتنع مع ذلك أن تعظمه. ولكن قد تقوم بها خواطر متقابلة، فهو من حيث اعتقاده أنه بدعة يقتضي منه ذلك عدم تعظيمه.

أنا فهمت العبارة؛ يعني "لا ينشأ إلا بشعور من جنس الاعتقاد ولو أنه وهم أو ظن أن هذا أمر ضروري"؛ انتهت الجملة. هكذا بلشت تظهر أكثر؛ إذاً بناءً على هذا صحيح، قال: "والتعظيم والإجلال لا ينشأ إلا بشعور من جنس الاعتقاد"، ولو كان هذا الاعتقاد وهماً، مش اعتقاد راسخ. وأما قوله: "أو ظن أن هذا أمر ضروري"، يعني أن التبجيل والتعظيم هذا مجرد أمر ضروري هجم على نفسه هجوماً ما له علاقة بالاعتقاد، فماذا سنقول له؟ نقول له: لا، هذا التبجيل والتعظيم ليس أمراً يهجم على النفس هجوماً ما له علاقة بالاعتقاد، فإن النفس لو خلت عن الشعور بفضل الشيء امتنع أن تشعر بالتعظيم والإجلال؛ فشعورها بالتعظيم والإجلال لا بد وأن يكون عن وجود اعتقاد التفضيل، هكذا يكون الكلام صحيحاً مئة بالمئة.

فإن النفس لو خلت عن الشعور بفضل الشيء، فلا تقل لي والله الشعور بالتبجيل والتعظيم لليلة الرغائب هذا شعور ضروري يا شيخ ما تحاسبني عليه ما له علاقة باعتقادي، لا له علاقة؛ فإنه لو لم يكن عندك اعتقاد بالأفضلية لما نشأ عندك ذاك الشعور بالتبجيل والتعظيم. ولكن قد تقوم بها خواطر متقابلة؛ نعم، أقول لك ممكن النفس تقوم بها خواطر متناقضة متقابلة، شيء يقول له اعمل وشيء يقول له لا تعمل، قد يحصل هذا داخل النفس. فهو من حيث اعتقاده أنه بدعة يقتضي منه ذلك عدم تعظيم هذا اليوم، لكن من حيث شعوره بما روي فيه، أو بفعل الناس له، أو بأن فلاناً وفلاناً فعلوه، أو بما يظهر له فيه من المنفعة، يقوم بقلبه عظمته.

فالآن يقول لك: نعم نحن نتفق أن بعض الأفراد قد تختلط عليه مشاعر متقابلة، ما هي هذه المشاعر المتقابلة؟ شرح لك إياها، قال: هو يقول أنا شوف المولد النبوي مثلاً، والله عارف أنه بدعة، فهو من حيث اعتقاده أنه بدعة يقتضي منه ذلك عدم تعظيم هذا اليوم. لكن من حيث شعوره بما روي فيه، أو بفعل الناس له، أو بأن فلاناً وفلاناً من الأئمة فعلوه، أو بما يظهر له فيه من المنفعة؛ فيقوم بقلبه شيء من عظمته، يعني أنت حاولت تلغي العظمة من جهة أنك عارف بدعته، بس رحت جبت العظمة له من جهة أخرى شعرت أو لم تشعر من جهة أنه فلان فعله، أو العادة هيك بتعمل، فراحت جبت تعظيمه من جهة أخرى، فهنا مشاعر متضاربة.

قال: فعلمت أن فعل هذه البدع يناقض الاعتقادات الواجبة وينازع الرسل ما جاءوا به عن الله، وأنها تورث القلب نفاقاً ولو كان نفاقاً خفيفاً. إذاً لاحظ ما الخلاصة؛ إذا عرفنا أنه هي -ابن تيمية باختصار يقول لك- الذي يفعل البدع هو إما يعتقد اعتقاداً فاسداً وهو تفضيل شيء لم يفضله الله ورسوله، وهذا خلاف الاعتقاد الواجب، أو عم يتعبد لغير الله زي ما حكينا، إما لعادة نشأ عليها، أو لشيخ وطريقة، أو لخوف اللوم، وتعبد من أجل خوف اللوم، أو تعبد من أجل العادة التي نشأ عليها المجتمع بس أنت ما بدك تخالفها، هذا هو النفاق الذي تكلم عنه، أنه أنت عارف أن هذا شيء بدعة، طيب ليش تعمله؟ يقول لك خايف أخالف الناس أو هيك عادة المجتمع، هذا نفاق.

فلذلك يقول ابن تيمية: فعلمت، إذاً فالخلاصة أن فعل البدع يسبب إحدى مشكلتين، إما اعتقادات فاسدة تقوم في قلبك، وهو اعتقاد الأفضلية بدون مفضل، وهذه كارثة، وهذا بالتالي منازعة لدين الرسل؛ لأن الرسل هي التي تمنح التفضيل من الله، أنت ما يطلع لك تفضل شيئاً بدون "قال الله"، "قال رسول الله ﷺ". وأما أنت مش مشكلتك اعتقادات فاسدة، مشكلتك نفاق أنك خائف تترك ما عليه المجتمع، خائف تنازع الناس، خائف الناس تلومك، طب مش خوف إكراه، لا خائف هيك من ناحية نفسية، أنا وجدنا آباءنا وما بدي أتركهم.

فقال: إذاً أنت إما اعتقاد فاسد أو نفاق خفيف، وعليك أن تتحرر من كليهما. ومثلها مثل أقوام كانوا يعظمون أبا جهل أو عبد الله بن أبي لرئاسته وماله ونسبه وإحسانه إليهم وسلطانه عليهم، فإذا ذمّه الرسول أو بين نقصه صلى الله عليه وسلم، أو أمر بإهانته أو قتله، فمن لم يخلص إيمانه، يبقى في قلبه منازعة بين طاعة الرسول التابعة لاعتقاده الصحيح، واتباع ما في نفسه من الحال التابع لتلك الظنون الكاذبة.

وهذا كان يحصل مع بعض الصحابة في بداية الأمر في المدينة، الأنصار كان لهم علاقة مع اليهود وكان بينهم تحالفات وأيادي أحياناً، فلما جاء الإسلام وأمرهم بمقاطعة اليهود ومجانبتهم، كان بعضهم برزت منه قضية أن هؤلاء اليهود، مثل أبو لبابه رضي الله عنه الذي لما يهود بني قريظة استشاروه في الحصار قالوا ماذا سيفعل بنا النبي عليه الصلاه والسلام فأشار إلى الذبح، فبالتالي طبعاً شعر أبو لبابه أنه أفشى سر النبي عليه الصلاه والسلام فذهب وربط نفسه في سارية المسجد، وقال شعر أنه في نوع من الموالاة غير المقبولة.

هذا ماذا كان سببه؟ أحياناً أنه هو يعرف أن اليهود سيئون، لكن مشكلة وجود العلاقات السابقة تعمل مشاعر متضاربة. لذلك قال: تخيل شخصاً أبو جهل عامل له معروفاً من أيام زمان، لما جاء الإسلام أبو جهل أصبح يؤذي النبي عليه الصلاه والسلام، فالنبي عليه الصلاه والسلام حذر من التعامل مع أبي جهل، هسه هذا الرجل ماذا يكون موقفه؟ أبو جهل قدمني معروفاً والنبي عليه الصلاه والسلام حذرني منه، والنبي عليه الصلاه والسلام يحكي صح، وذاك الرجل والعياذ بالله محارب. فقال: فمن لم يخلص إيمانه لله ورسوله حقاً يبقى في قلبه منازعة بين طاعة الله ورسوله والتابع طبعاً للاعتقاد الصحيح، وبين اتباع هوى النفس في المحافظة على جميل هذا الشخص. فهنا يأتي دور الإيمان في تثبيت الدعائم وعدم إدخال المشاعر في الاعتقاد؛ لا ما بصير مشاعرك الشخصية والحالة الاجتماعية تؤثر على معتقداتك الحياتية وممارساتك، هذا خطأ كبير يقع فيه كثير من الناس.

كمل قال: فمن تدبر هذا علم يقيناً أن ما في حشو البدع من السموم المضعفة للإيمان. هي العبارة "ما في حشو البدع من السموم المضعفة للإيمان"، البدع محشية بالسموم، البدع كيف أنت بتعمل محشي؟ محشية بماذا؟ بالسموم التي تضعف الإيمان؛ لأنها إما تورث اعتقادات فاسدة أو نفاقاً باطناً. هذا الملحظ هو الذي تكلم عنه ابن تيمية في بداية درس اليوم، لا يدركه العامة لما يجي عامة يناقشك لماذا تنكر المولد؟ لماذا تنكر صلاة الرغائب؟ هو بفكر أننا نريد منعه من الخير، يا عمي اعمل الخير، نحن نقول لك هذه البدعة وإن كانت في ظاهرها صلاة وحب للنبي عليه الصلاه والسلام، فيها سم في الداخل، محشوة سم، هذا السم أنت ما راح تعرفه إلا بعد ما ينفجر هذا السم ويصير سرطاناً، وهذا ما حصل مع.

الفرق الصوفية نشأت بالتصوف الخفيف، وكان أحمد بن حنبل وغيره يحذر ويحذر، بعدين صار سرطان في الأمة ما حدا قدر يسيطر عليه. وهذا العقلية السلفية الجبارة في إنكار بعض الأمور الصغيرة من البدع اللي إحنا اليوم لو شفناها بنقول يخلف عليها لو تيجي مقارنة بما هو موجود، لأنه لما أحمد بن حنبل أنكر على الحارث المحاسبي وغيره بعض الأمور، كان أحمد بشوف قاعد لـ 200 سنة قدام، إنه هذا اللي بيعمله هو بدعة صغيرة؛ صح مش شيء كبير في خطأ كبير، بس هذا السم إذا انفجر في جسد الأمة لن نستطيع أن نتدارك، وهذا اللي صار فعلاً.

قال: وهذا المعنى الذي ذكرته معتبر، أو قيل: إن البدعة مشتقة من الكفر. لماذا؟ مين يحكي لي أن البدع مشتقة من الكفر؟ بليد الكفر، أحسنت؛ لأنها في النهاية توصلك إلى الكفر، ممكن لأنها في النهاية وصلت بابن عربي وابن سبعين إلى الكفر، بدأت صوفية عندهم وانتهت بوحدة الوجود. هي مشتقة من الكفر لأنها تصل بصاحبها إلى الكفر، بل حتى اليوم تجد من يدعو إلى وحدة الأديان وأبصر إيش، أغلبهم صوفية، هو هذا الخطاب الدارج عندهم، وأن اليهود والنصارى كلهم داخل الجنة. البدع أورثتهم كفراً أو أوصلتهم إلى الكفر والعياذ بالله.

سريعا هذا جانب آخر؛ أنه عدم الانقياد للشريعة هذا جانب آخر فعلاً مما يصدق عليه أن البدعة مشتقة من الكفر. قال: وهذا المعنى الذي ذكرته معتبر في كل ما نهى عنه الشارع من أنواع العبادات التي لا مزية لها في الشرع، إذا جاز أن يتوهم أن لها مزية؛ كالصلاة عند القبور، أو الذبح عند الأصنام ونحو ذلك. وإن لم يكن الفاعل معتقداً للمزية، لكن نفس الفعل قد يكون مظنة للمزية، فكما أن إثبات الفضيلة الشرعية مقصود، فرفع الفضيلة غير الشرعية مقصود أيضاً.

لماذا نهى الشارع عن الصلاة عند القبور؟ حتى لا يتوهم أن لها مزية، اعتقاد فاسد؛ حتى لا يتصور أن لها مزية واختصاصاً دون غيرها. لماذا نهى الشارع عن الذبح عند الأصنام؟ لئلا يعتقد أن لها مزية، أي الاختصاص، لئلا يعتقد أن لها خصيصة دون غيرها من البقاع. فيقول: هذا المعنى الذي ذكرته، وهو أن الشارع يريدك ألا تخص شيئاً لم يخصه هو، معتبر في كل ما نهى عنه الشارع من أنواع العبادات. كل عبادة نهى عنها الشارع بدك تلحظ فيها هذا الملحظ؛ في كل ما نهى عنه الشارع من أنواع العبادات التي لا مزية لها في الشرع، إذا جاز يعني إذا أمكن أن يتصور أن لها مزية، فيأتي الشارع يحسم لك الباب يقول لك: لا تعمل هذا الفعل، ليه؟ حتى لا تظن أن له مزية.

صح مش هو نهى عن صيام يوم الجمعة مع أنه تخصيص غيره من الأيام مشكل؟ لا بس ليش خص الجمعة دون غير الأيام بالذكر؟ لأنه هو الذي يتصور أن يكون له مزية لما له من التعظيم في النفوس المسلمة، عشان هيك خص الجمعة دون غيرها بالحسم بقول لك نفس الفكرة. لماذا نهى الشارع عن تخصيص القبر؟ لا تصلي إلى القبر، طيب ليش ما قال لي لا تصلي إلى هذه السارية؟ لأنه الشريعة لا تتصور منك أنك تعظم سارية، بس ايش تتصور منك؟ تتوقع أنه ممكن تعظم قبر، فحسم لك الباب في القبر، بقول لك كما ذكرنا في يوم الجمعة؛ ولماذا خصه دون سائر أيام الأسبوع؟ لما يتصور أن تعتقد له مزية. قس هذه الفكرة أيضاً على غيرها، فكذلك نهاك عن الصلاة عند القبور لأنه يجوز أن يتوهم لها مزية لأن هذا وجد في الأمم السابقة، ونهاك عن الذبح عند الأصنام لأنه يتوقع أن بعض الناس يظن أن لها مزية. أما الأماكن التي لا يتصور أن لها مزية لم يتطرق لها الشارع؛ لأنه في العادة الناس لا تتوقع لها مزايا، ولكن لو حدث حادث وبعض الناس تصوروا لها مزايا رح ترجع لنفس الحكم السابق.

هذه المشكلة ناقشناها، أنت تخصيص لهذا اليوم شو السبب؟ تخصصك لهذا اليوم إما ناشئ عن اعتقاد أو نفاق. وأنت تجل هذا اليوم وتخصه؛ إجلال هذا اليوم لأنه شوف ما دمت احتفلت فيه إذاً أنت أعطيته إجلالاً وتعظيماً عن غيره، ما تقوليش واحد؛ لأنه ابن تيمية حصر لك الاحتمالات، مش ممكن ما دمت خصيت هذا اليوم إذاً أنت عم تعطيه إجلالاً وتعظيماً. هذا الإجلال والتعظيم لا بد أن يكون مرتبطاً بملحظ عقدي سواء انتبهت على ذلك أو لم تنتبه، فقضية أنه سيحتفل به دون أن يخصه بتعظيم وإجلال هذا لا يتصور إلا كما قلنا أنه بده يخصه خوفاً من مجتمع، فصرنا إلى مشكلة أخرى وهي خوف العادات والتقاليد، لا يوجد احتمال أصلاً يقول لك ابن تيمية أنك تحتفل بدون أي شكل من أشكال الإجلال والتعظيم والاختصاص، قال: هذا لا يتصور أصلاً في الطبيعة البشرية، فهمتم؟

أحسنت، ممكن عنده هو مع الوقت أصلاً مش ضروري حتى أمام الناس، ممكن هو مع الوقت يعني هو بقول لك أنت ماشي مش معتقد للمزية اعتقاداً واضحاً، يخشى مع الوقت أن ينبت هذا الاعتقاد عندك، ويسألك طب ما عندك اعتقاد ليش أنت عملته عند هذا القبر؟ أما عادة مشايخ، نرجع للحصر السابق، يا عادة مشايخ، يا عادة جماعتك، يا خوف من اللوم، فإحنا بدنا نحسم باب الاعتقادات الفاسدة ونحسم باب التدين لغير الله على طريقة النفاق، فبدنا نغلق الباب تماماً.

يا شيخ تذكرت في قصة في هذه المسألة، كان في شيخ من طلاب ابن عثيمين كان يروي لنا قصة، نزل على اليمن فرأى رجلاً يبني قبراً وكذا، لسه هو عايش لكن بيبني له القبر تبعه والضريح، رجل يبني قبره قبل أن يموت أو الضريح وكذا، فقال له يعني إيش بتعمل؟ قال له عشان أولادي يذكروني وكذا، قال لا أولادك راح يعبدوك مش رح يذكرك، سيعبدوه، وهدم القبر الشيخ فيما أذكر أنا في القصة.

هلا في قبل فترة كنت أتناقش أنا وشخص بموضوع أنه مثلاً تعبدات الصوفية غير موافقة للشرع، زي مثلاً البردة والحضرة وهالأشياء، هلا هي نقاس عليها كمان يعني كل فعل لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام صحيح؟ لأنه هسا عم الطريقه اللي بيناها في الدرس السابق، بديش أقول كل فعل، أنه حكينا ما ظهر مقتضاه بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن بسبب ذنوب الناس يدخل تحت المصالح المرسلة. هلا بس هو يعني أنا ما عرفت شو أجاوبه لأنه هو ايش بيجي بيحكي لي؟ حكي لي هم هذول وصلوا لمرحله أن هذه الأفعال ترفعهم، يعني تزيدهم قرباً إلى الله سبحانه وتعالى. طيب هذه الأفعال هل علمها النبي عليه الصلاة والسلام؟ رح نرجع على نفس التقسيم السابق؛ هل علمها يعني هل يوجد أعمال صالحة النبي عليه الصلاة والسلام ما أرشدنا إليها؟ ما هو يا أمرين؛ يا إما النبي عليه الصلاة والسلام لم يعلمها وعلم هؤلاء أنها توصلهم، بالتالي هم يعلمون شيئاً لا يعلم النبي عليه الصلاة والسلام، أو كان يعلمها ولكنه ما دلنا عليها، وبالتالي ايش رح يصير؟ كتم ولم يبين، وكلاهما فاسد.

نعم بقدر نجي نحكي هم يأخذوا مثلاً باب أنه هو مع ضعف الإيمان عند الناس محتاج لشيء أحسن، هذا ضعف الإيمان هو اللي حكينا عنه في الدرس، إذا قال بسبب ضعفنا لم يذكره النبي عليه الصلاة والسلام لنا، فبينا أنه لا يجوز إحداث بدعة بسبب ضعف الدين، بل أنت قوم نفسك من الكتاب والسنة؛ فإن الشفاء التام والدواء التام في الكتاب والسنة. أما إذا أنت ما بدك تعالج نفسك من الكتاب والسنة، والله خلص نعطيك مجال تروح تخترع طريقة أخرى في الدين، لا هذه هي المشكلة فهي معالجة خاطئة.

هو ابن تيمية سيقول ولو قربت، يعني هو قد لو قربت في النهاية الشيطان يلبس عليك أنه جعلك تقترب وتشعر بحالة إيمانية، لكنه في المقابل سلب منك كثيراً من الأحوال الشرعية؛ لأن الشيطان برضه بيمشي على قاعدة أعظم المفسدتين بالنسبة له، يعني هو بخليك تحصل مصلحة جزئية وحالة إيمانية بس لحظية، مقابل أنه كسب منك فكرة الابتداع، وهذه من المسالك الخطيرة والمخادعة اللي بتصير، أنك تأتي ببدعة بس يا أخي والله أني بنشرح يا أخي لما كنت قاعد فيها وبشعر بإيماني مع هدول، اه هو الشيطان خلاك تشعر أو سمح لك تشعر بحالة منشأة الذكر، مقابل أنه ايش يحصل منك حبك للبدعة. هذا كلام موزون، كما أن ابن تيمية سيأتي بعد قليل إن شاء الله.

قال رحمه الله تعالى: فإن قيل هذا يعارضه أن هذه المواسم مثلاً فعلها قوم من أولي العلم والفضل الصديقين فمن دونهم، وفيها فوائد يجدها المؤمن في قلبه وغير قلبه من طهارة قلبه ورقته، زوال أصار الذنوب عنه، وإجابة دعاء. هذا السؤال من أهم الأسئلة اللي بدك تنتبه له، لأنه كثير من النقاشات العلمية مع أهل التصوف اليوم دائرة على ماذا؟ أنه هذه البدعة فعلها ابن حجر، هذه البدعة فعلها النووي، هذه البدعة فعلها فلان، يعني إرجاع البدعة إلى علماء أفاضل، يقول لك فعل فلان وأنت أفهم من فلان؟ وهي هيك النقاش الآن دائر للأسف، مش نقاش اعتمد على الموضوعية العلمية، الاتكاء على الأسماء والرموز.

فيقول: فإن قيل هذا كل اللي بتحكيه يا ابن تيمية، ماذا يعارضه؟ أن هذه المواسم اللي أنت بتنهى عنها؛ صلاة الرغائب، مولد نبوي غيرها، فعلها قوم من أولي العلم والفضل، وأنت ما بتقدر تنكر ذلك، هذا التخويف بالاسم من أولي العلم والفضل، بل من الصديقين، وإحنا مر معنا ابن تيمية في الدرس الماضي ولا قبله لما قال إن الإنسان قد يقع في بدعة ولكنه يكون ماذا صديقاً عظيماً، فيقول بل من الصديقين، فمن دونهم في المرتبة من الأولياء والأحباب والأخيار.

وفيها هي المشكلة الأولى، إذاً المشكلة الأولى الاتكاء على موضوع أنه فعلها رموز للأمة، المشكلة الثانية قال: وفيها فوائد جمة يجدها المؤمن في قلبه وفي غير قلبه، وهذه أيضاً إحدى الشبهات الدائرة أن عندي حالة إيمانية جميلة تصبح أثناء صلاة الرغائب أو في أثناء المولد النبوي. إذاً أكبر شبهتين الآن ابن تيمية بده يعالجهم: الاتكاء على المشايخ الكبار أصحاب الفضل ولا شك، والاتكاء على قضية تحصيل بعض الفوائد في أثناء ممارسة البدعة الفوائد الإيمانية أو السلوكية. كيف سنجيب عن هاتين الشبهتين؟

قال: مع ما ينضم إلى ذلك من العمومات الدالة على فضل الصلاة والصيام. أحسنت، هي جميلة، الشبهة الثالثة الاتكاء على عمومات الكتاب والسنة التي تدل على فضل الصلاة مطلقاً، يعني بتيجي بتقول له يا أخي صلاة الرغائب بدعة، يا أخي بدك تحرمني من الصلاة؟ الله أكبر، الله يقول ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43] بدك تمنعني من صلاة الرغائب صلاة، يا أخي تيجي تقول يا أخي الذكر بهذه الطريقة مشكلة، يقول الله عز وجل ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 41]، هذه أيضاً شبهة ترى الاتكاء على عمومات نصوص الكتاب التي تحث على الصلاة تحث على الذكر، فتجي تقنعه أن الصلاة هذه بحد ذاتها بدعة، بقول لك مش مقنع كلامك ربنا يأمرنا بالصلاة والإكثار من الركوع والسجود.

قال: كقوله تعالى ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ﴾ [العلق: 9-10] ممكن يقول لك إياها لا تصلي صلاة الرغائب، أرايت الذي ينهى عبداً إذا صلى. قال وقوله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة نور»، ونحو ذلك. قلنا: لا ريب أن من فعلها متأولاً مجتهداً، سيبدأ يجيب عن الإشكالية الأولى إشكالية التعلق بالرموز والعلماء الكبار في بعض البدع. نعم قال: لا ريب أن من فعلها متأولاً مجتهداً أو مقلداً كان له أجر على حسن قصده وعلى عمله من حيث ما فيه من المشروع، وكان ما فيه من المبتدع مغفوراً له إذا كان في اجتهاده أو تقليده من المعذورين. شو هذا؟ كلام كبير من ابن تيمية، وأظن أن حالة كبيرة من السلفية لا تعرف هذه الموازنات التي بيعملها ابن تيمية. ايش يقول ابن تيمية؟ يقول: هذا الشيخ أو الإمام الذي وقع في هذه البدعة من فعل البدعة متأولاً مجتهداً؛ لأنه أصلاً ما بيوافق ابن تيمية والشاطبي في تعريف البدعة، خلص هو فاهم البدعة زي ما حكينا وناقشنا أن ما نهى عنه الشارع فقط هو البدعة، فمن فعلها متأولاً مجتهداً أو مقلداً كعامي اتبع مشايخه في المولد أو ما شابه ذلك، كان له أجر وثواب، تخيل على حسن القصد، يعني العامي الذين يحتفلون بالمولد النبوي تقليد لمشايخهم، الآن إحنا مقررين أنها بدعة، تمام، لكن هل يمكن يثاب على محبته للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه يفعل هذه البدعة وباعثه المحبة؟ هل باختصار هل أستطيع أني أعمل انفكاكاً في الجهة؟ ابن تيمية يقول: نعم.

بقدر أقول إن محبته للنبي صلى الله عليه وسلم هي التي دفعته لهذا التصرف، فهو يثاب على قصده وعلى حبه للنبي عليه الصلاة والسلام. ولو ذكر سيرة النبي عليه الصلاة والسلام في يوم المولد، فقد يثاب على قراءة السيرة نفسها كعمل؛ فقراءة السيرة عمل قد تثاب عليه. لكن كونه خصص السيرة في هذا اليوم، وكونه وقع في البدعة أنه خصص قراءة السيرة بهذا اليوم، نسأل الله أن يغفر له. شوف هذا التوازن في الطرح؛ أن ربنا يغفر له، بس هذا لا يمنعني في النهاية أن أقول إن المولد بدعة. يعني حكمي على الأعيان شيء، وكيف سيثاب وكيف يتعامل معهم الله شيء، ونظري لأصل المسألة شيء آخر. لازم أعمل انفكاك في الجهة، وهذا لا يفهمه كثير حتى من المتصدرين العلميين اليوم الذين يتكلمون باسم منهج السلف.

قال: إذا كان في اجتهاده أو تقليده من المعذورين؛ طبعاً الكلام عن شخص مجتهد متأول أو مقلد معذور، بخلاف صاحب هوى مبين أن الهوى راكبه، وأنه يريد أن يعاند في هذه الأمور فقط؛ يعاند الله ورسوله، لا، قال هذا بعد آخر. فالكلام عمن نحسن الظن بهم من المشايخ الأفاضل أو من العوام البسطاء.

أكمل قال: وكذلك ما ذكر فيها من الفوائد. كلنا جينا الآن على موضوع الفوائد؛ طيب هو كيف رد على الشبهة الأولى قضية الاتكاء على الرموز؟ خلاصة الرد أنه لا تجب لي رموز، عادي الرمز؛ النووي، ابن حجر، الأئمة الكبار يخطئون وقد يقع منهم بدع، لكن إن شاء الله أن الله يعذرهم في أخطائهم ويسامحهم، وقد يثيبهم الله من جهة مختلفة عن الجهة التي ينظر فيها. هي من حيث البدعة بدعة، لكن قد يثيب الله من جهة ماذا؟ وهذه ذكرها ابن تيمية أظن في التعارض أو في الجهمية، قضية أن حتى الأشاعرة يتكلم عن بعد أكبر، أنا بحكي عن البدع العملية، هناك تكلم عن البدع العقدية يقول: وهؤلاء المتكلمون وإن كنا نعرف أن قصدهم التنزيه ولكنهم أخطأوا الطريق. شوف وين بصل! قال وهؤلاء المتكلمون؛ أشاعرة، ماتريدية، بل حتى معتزلة، يقول: وإن كنا نعلم أن قصدهم التنزيه، هو قصدهم أن ينزهوا الله عما لا يليق به، لكنهم أخطأوا الطريق. فقولي إن قولهم بدعة وكارثة، بل قد يحكم على القول في أصله أنه كفر، شيء، وهو نفسه؛ هل يمكن أن الله يثيبه على قصده فقط أنه قصده تنزيه الله؟ ممكن. دائرة الثواب والعقاب بعض الناس يظن أنها للبشر وأنه نحن بنحكم فيها، الأمر مش بهذه السهولة، يعني في جوانب وأنظار معينة للنفس الإنسانية يجب أن ينظر إليها؛ لأن هي التي تسبب وقوع أخطاء.

فقد يكون الإنسان قصده جميل، قصده نظيف، وعالم من العلماء، لكنه أخطأ في تنزيل هذا القصد أو في الممارسة التي مارسها بهذا القصد، فموضوع قصده قد يثاب عليه من جهة، بس بدعته لا، لا يمكن يثاب طبعاً على بدعته، ولكن يغفر الله له ويعذره، فضل الله واسع. فهمتم هذه؟ أنا أظن أنها من المشاكل الكبيرة في الواقع المعاصر، أننا بين طرفي نقيض: يا إنسان بده يثيب على كل شيء حتى على البدعة نفسها بده يعطي ثواب، يا إنسان بده يسقط العالم ببدعته وينحره لأنه وقع في بدعة. لا، ابن تيمية يعلمنا منهجاً أثرياً متوازناً في قضية الفصل بين الحكم على الشخص وبين معالجة الخطأ، فالخطأ خطأ، والشخص الذي وقع في الخطأ مش فقط معذور، أنت شوف البعد الأوسع؛ قد يثاب على قصده الحسن، بل يقول هنا في البدع العملية طبعاً، قد يثاب على العمل الذي فعله أثناء البدعة إذا كان العمل مشروعاً كقراءة السيرة في المولد؛ يثاب على القراءة ممكن، فلا تحجر واسعاً.

ونصيحة للشباب: لا تقحم نفسك كثيراً في دائرة الثواب، يعني في مواضيع ما تبلش فيها، خلص عالج الخطأ كخطاب. في كيف يحاسب الله الناس، أنا أقيم الحجج وأبين للناس، إذا ظهر ناقض حقيقي مع توفر الشروط وانتفاء الموانع ينزل الحكم ظاهراً، ما سوى ذلك من المساحات الضيقة لا تحشر نفسك فيها لئلا تسقط كثيراً.

تفضل شيخ، في كلام لابن تيمية نفسه في مسألة المولد هنا خصوصاً؟ نعم، ومرات يستدل به على جواز المولد وإن كان لا يدل على ذلك، يقول ابن تيمية رحمه الله: فتعظيم المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعض الناس. طيب شيخ رح تجي معنا هو في الاقتضاء، رح تجي معنا لأنه هون موضع الشيخ. فهم عليك الآن؛ ستأتي معنا ونعلق عليها.

أكمل قال: وكذلك ما ذكر فيها من الفوائد. كلنا جينا الآن على موضوع الفوائد؛ الشبهة الثانية ليش هي؟ قلنا قضية الفوائد، أن يا شيخ والله المولد فيه فوائد، يا أخي والله الناس اليوم ما هي تسمع بأخبار النبي عليه الصلاة والسلام، خلينا نذكر السيرة النبوية على الأقل ولو في يوم واحد من السنة. وقد تصلح أنه صلاة الرغائب نفس الشيء؛ بدع كثيرة يقولون فيها فوائد. طبعاً بيجي بعض الشباب بيقول: لا لا مش فيها فوائد، ترى أنت غلطان، يعني هذه الإجابة هي ستزيد إصراراً على البدعة. ترى شوف الغلط الذي يجاوب فيه بعض الشباب أهل البدعة؛ يأتيه رجل مبتدع يقول له: أخي أنا شاعر بفوائد، تيجي تقول له: لا لا ما فيش فوائد، بقولك: يا زلمة أنا شاعر، كيف بقول: أنا شاعر بفوائد؟ لا، أنت مكذوب عليك، فيها فوائد. هذا من أكبر الخطأ في الرد، له كلامه صحيح، هو شعر بحالة إيمانية، أنت لما تيجي تناقشه بهذه الطريقة أنه ما في فوائد، ترى أنت من حيث لا تدري جعلته يصر على البدعة ويقول: هذا جاهل، كيف ما في فوائد؟ يا أخي أنا شعرت فيها، أخي أنا شعرت بارتقاء إيماني، يعني كيف بتقولي ما في فوائد؟ فهذه بدي أنصحكم فيها، لما تناقش مبتدع ويقول لك أنا شعرت بفوائد، لا تقل له أنت بتغالط نفسك ما في فوائد، لا، في فوائد، وهذا ما يقرره ابن تيمية، لكن وإثمهما أكبر من هذه الفكرة العامة التي يناقش بها أهل البدع.

قال: وكذلك ما ذكر فيها من الفوائد كلها إنما حصلت لما اشتملت عليه من المشروع في جنسه. نعم، بقولك ابن تيمية الفوائد التي في البدعة من وين بتأتي؟ مما اختلط بالبدعة من الأعمال المشروعة في الأصل. يعني أنت في ليلة الرغائب شو عملت؟ صليت، هسا الصلاة كعبادة فيها ركوع وسجود، هي بتعمل ارتقاء إيماني، ففعلاً ممكن أنت صليت صلاة الرغائب في أول جمعة من رجب وحصل عندك ارتقاء إيماني، بس هذا الارتقاء بدك تعرف هو لم يأتِك من جهة البدعة، هو جاءك من جهة الصلاة التي هي بنفسها في الأصل مشروعة. هذا كلام تحليلي دقيق، لما اشتملت عليه من المشروع كجنس؛ كصوم أو ذكر أو قراءة أو ركوع أو سجود جيد. قال: وحسن القصد في عبادة الله وطاعته ودعائه. نعم، وقد يكون والله هدية من الله لك لأنك إنسان حسن القصد، يعني أنت بدك تصلي صلاة الرغائب، صحيح بدعة بس يعني أنت أحسن من الذي قاعد مثلاً في مقهى، فمن بعد معين فربنا ممكن يعطيك هكذا شيء من الشعور الإيماني لحسن قصدك، بس مش لأنه فعلك مشروع. نعم، قال: وما اشتملت عليه من المكروه انتفى موجبه بعفو الله عنه. نعم، وما خالط هذا المشروع من المكروه، يعني البدع، ربنا بيسامحك ويعفو عنك بإذن الله، بشرط طبعاً أنك تكون حسن القصد ومش قصدك محادّة الله ورسوله. نعم، قال: لاجتهاد صاحبها أو تقليده. قال: وهذا المعنى ثابت في كل ما يذكر في بعض البدع المكروهة من الفائدة. يعني هذه قضية عامة، أي بدعة فيها فوائد تناقش بهذه القضية، نحن لا نعاند، لا نقول لا لا يمكن يكون فيها فائدة، ممكن، بس بدك تعرف من وين أجتك الفائدة؛ من الأعمال المشروعة التي وقعت في ثنايا البدعة.

أكمل قال: لكن هذا القدر لا يمنع كراهتها والنهي عنها. آه، لكن حصول الفائدة لا يمنع أني أقول إنها ستبقى بدعة ومكروهة أيضاً. قال: والتعويض عنها بالمشروع، ولا يمنع أني أنصحك يا فلان: ترى ماشي أنت بتجيك حالات إيمانية في هذه البدعة، لكن والله لو عوضت عنها بالمشروع وبالكتاب والسنة وهدي الكتاب والسنة لحصلت أضعاف هذه الحالة الإيمانية، انصحوا.

قال: والتعويض عنها بالمشروع الذي لا بدعة فيه، كما أن الذين زادوا الأذان في العيدين هم كذلك، بل اليهود والنصارى يجدون في عبادتهم أيضاً فوائد. يعني بقولك حتى اليهود والنصارى ممكن هو إذا راح الكنيسة، يعني عفواً النصارى ليش بروح على الكنيسة؟ حتى بسبب ضغوط الحياة عليهم بروح يفرغ شوي، فبيطلع من الكنيسة فممكن يطلع شاعر بشيء من الراحة؛ لأنه اتصل به في وجهة نظره بالإله، فإ شئت أو أبيت يعني هي فائدة، شئت أو أبيت، بس هذه الفائدة مشوبة بكثير من الأخطاء والانحرافات. نعم، قال: وذلك لأنه لا بد أن تشتمل عبادتهم على نوع ما مشروع في جنسه، فحتى النصارى ممكن يمارس الدعاء وهو مشروع في جنسه. قال: كما أن أقوالهم لا بد أن تشتمل على صدق مأثور عن الأنبياء؛ يعني حتى التوراة والإنجيل هي محرفة صح، بس ممكن في كم نص طبعاً لم تطلها يد التحريف دعنا نقول. ثم مع ذلك قال: ثم مع ذلك لا يوجب ذلك أن نفعل عبادتهم أو نروي كلماتهم. آه، شوف، شوف إذا هو بده يقلب عليه؛ بتقول لي فيها فائدة؟ طيب بقول لك خلص إذا ليش ما تعتقد عقيدة النصارى واليهود لأنه فيها فائدة؟

هل كون الشيء فيه فائدة يعني أنه مشروع؟ ترى عقيدة النصارى عندها فوائد، معناتها خلص الإنسان لو صار نصراني ما في مشكلة بحجة أنه في فائدة؟ مجرد وجود الفائدة لا يعني أنني أفعل هذا الشيء. نعم، قال: لأن جميع المبتدعات لا بد أن تشتمل على شر راجح على ما فيها من الخير، إذ لو كان خيرها راجحاً لما أهملتها الشريعة. إذاً هذه قاعدة يقول: جميع المبتدعات هي تقوم على فكرة الشر الراجح على الخير، وليس على فكرة عدم وجود الخير. هذا الكلام الكبير؛ البدع تقوم على ماذا يا جماعة؟ على أن شرها غالب على خيرها وليس على فكرة الشر المحض أنه ما فيها خير، تمام؟ لأنها لو كانت أصلاً البدعة كلها شر لحثّت الشريعة على تركها تمام، لم تكن بدعة. أحسنت، فنحن عندئذ قال: فنحن نستدل بكونها بدعة على أن إثمها أكبر من نفعها، وذلك هو، لأنه جميل فقه، فنحن إنما نستدل بكونها بدعة على ماذا؟ فنحن نستدل بكونها بدعة لأنها بدعة؛ إذاً هي إثمها أكبر من نفعها قطعاً، وهذا هو الذي أوجب النهي عنها.

قال: وأقول، خليه يكمل بس يفتح الكف شيخ، في مسألة مثلاً هو قال إنه لا بد أن يكون فيها نوع من الأمور المشروعة، الصوفية في عندهم مثلاً الرقص ويشعرون به بـ، بس تمام، بس هو مثلاً مش بذكر اسم الله فيه أو هو ويعتقدون رجوع إليه، فهذا فانٍ من هذا البعد، مش من جهة نفي الفعل البدعي. المسألة الثانية شيخ، ذكر الدكتور خالد الجابر له سلسلة عن العبادة وعلاقتها بالنفسية وكذا، فذكر منها أن الباعث على اختراع عبادات جديدة أنهم يريدون أن يصلوا إلى مرحلة مستدامة من الشعور باللذة والشعور بالروحانية، فاضطروا لأن يفعلوا أشياء زائدة عن الشريعة لكي يحصلوا هذه اللذة باستمرار، ما عندهم مثل إنه الإيمان يزيد وينقص وكذا، لازم أنا دائماً أكون بحالة عالية تدعو للرقص والأمور من هذا الجنس. يعني تحتاج نقاش هذه، يعني هل هذا فعلاً هو كان مقصدهم الوصول للاستدامة، أنه هذا الشيء أصلاً لا يمكن أن يكون؟ هذا لا يمكن، نافق حنظلة قال النبي صلى الله عليه وسلم: وكنتم عندي، كمان يعني لا صافحتكم الملائكة في الطرقات، لكن يمكن يكون أحد البواعث إذا تم رصده بالشكل الصحيح.

قال: وأقول إن إثمها قد يزول عن بعض الأشخاص لمعارض لاجتهاد أو غيره، إثم البدعة. شوف ابن تيمية عم بيأكد لهذه الفكرة، حتى يا إخوان يعذر هذه الأمة بعضها بعضاً، ابن تيمية منهج وسطي في التعامل مع أعيان المخالفين، يقول لا يجب أن يعذر الأمة بعضها بعضاً، وفي مساحة للعذر واسعة بحمد الله في الشريعة الإسلامية، فيقول إن إثم البدعة قد يزول عن بعض الأشخاص لمعارض لاجتهاد أو غيره، لوجود الاجتهاد أو غيره منهم أو التقليد، فهم معذورون عند الله كما يزول مثلاً، شوف الأمثلة هي، قال: كما يزول إثم النبيذ والربا المختلف فيهما عن المجتهدين من السلف. تمام، بتعرف الحنفية كانوا يجوزون شرب النبيذ مع أن الجمهور أنكروا ذلك إنكاراً شديداً، كانوا يقولون: ومن شربها متأولاً يحد، ومع ذلك الذي يشربها بعينه لا نستطيع أن نقول إنه عند الله آثم 100%، أنا أحدّه لظاهر أمر الدنيا، لكن عند الله قد يكون معذوراً لأنه اتبع إماماً عالماً اجتهد في نظرة معينة، طبعاً النبيذ نوع معين من الخمر مش الخمر، لا الخمر كلها مجمع عليها. نعم، قال: ثم مع ذلك يجب بيان حالها وألا يقتدى بمن استحلها وألا يقصر في طلب العلم المبين.

لحقيقتها، وهذا الدليل كافٍ في بيان أن هذه البدع مشتملة على مفاسد اعتقادية أو حالية مناقضة لما جاء به الرسول ﷺ، وأن ما فيها من المنفعة مرجوح لا يصل للمعارضة؛ فلا تعارضني وتقول لي: والله يا شيخ ماشي بس فيها منفعة، ما فيها من المنفعة لا يصلح لأن يعارض كمية الشر الكبيرة الموجودة فيها.

ثم يقال على سبيل التفصيل: إذا فعلها قوم ذو فضل ودين، فقد تركها في زمان هؤلاء من هم أفضل منهم، وإن كره قوم إن لم يكونوا أفضل ممن فعلها، فليسوا دونهم. هذا طريق أخرى في الجواب، طبعاً قضية الاحتجاج بالعلماء الذين فعلوا البدعة، أقول لك إذا كان في علماء احتفلوا بالمولد أو استغاثوا بالقبور أو شيء من ذلك، فهناك في زمنهم أئمة وعلماء أنكروا ذلك؛ لماذا تحرص على النموذج الذي فعل البدعة وتتكيء عليه، ولا تحرص على النموذج الآخر الذي أنكر البدعة؟ وهذا النموذج الذي أنكر البدعة لا يقل علماً عمن فعلها.

ولو كانوا دونهم في الفضل فقد تنازع فيها أولو الأمر، ولو تنزلاً كان الذي أنكر البدعة أقل مرتبة علمية ممن فعل البدعة، ففي النهاية كلاهما علماء، وتنازع في الشيء أولو الأمر، والله أمرنا إذا تنازعنا في شيء فردوه لا إلى العالم الأشطر من العالم الآخر، قال: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]. هكذا يكون الرد العلمي؛ لأن العالم وإن كان صاحب فضل على غيره لكنه قد يضعف في مسألة معينة عن غيره، وإن كان هو في الجملة أعلى كعباً ممكن.

قال: فقد تنازع فيها أولو الأمر فترد إلى الله والرسول، وكتاب الله وسنة رسوله ﷺ مع من كرهها، لا مع من رخص فيها، لو كان الذي رخص فاضلاً أو حتى صديقاً. ثم عامة المتقدمين من السلف الذين هم أفضل من المتأخرين مع هؤلاء؛ يعني في القرن السابع الهجري أو الثامن الهجري في عالم كبير وقع في بدعة، وفي عالم أقل منه أنكر هذه البدعة، نقول هذا العالم صح أقل من هذا العالم من حيث القوة العلمية، لكن هذا العالم الأقل منه يؤيده السلف، معه السلف في هذه البدعة بعينها، فهذه التوازنات بدها تكون مفهومة، باختصار الكثرة لا تعني دليلاً، الكثرة مش دليل، الدليل هو المعيار للكتاب والسنة.

وأما ما فيها من المنفعة فيعرض ما فيها من مفاسد البدع الراجحة، طبعاً الجواب السابق كان جواباً إجمالياً، الآن رجع يجاوب جواباً تفصيلياً على كلتا الشبهتين. قال: وأما ما فيها من المنفعة المدعاة، فإنني الآن سأعطيك تفاصيل للمفاسد الأكبر من هذه المنافع، منها مع ما تقدم من المفسدة الاعتقادية والحالية، أن القلوب تستعذب وتستغني بها عن كثير من السنن، وهذه ركز عليها ابن تيمية كثيراً أنه ما فعل قوم بدعة إلا نزع الله منهم سنة؛ فالقلوب تصبح تستعذب وتحب البدع وتقصر في السنن، فعاد تشوف الشخص يحتفل بالمولد وحالق لحيته، يعني هيك الحالة العامة لهم، فتقول طيب أنت ماشي بدك تحتفل فهمنا، طيب اللحية ليش السنة هذه ليش تحلقها؟ فتشعر أنه سحبت منه السنة لأنه مصر على بدعة.

حتى تجد كثيراً من العامة يحافظ عليها ما لا يحافظ على التراويح والصلوات الخمس، أي والله يحافظون على بدع وتلاقيه لا يصلي الفجر في المسجد. ومنها أن الخاصة والعامة تنقص بسببها عنايتهم بالفرائض والسنن ورغبتهم فيها، فتجد الرجل يجتهد فيها ويخلص وينيب ويفعل فيها ما لا يفعله في الفرائض والسنن، حتى كأنه يفعل هذه عبادة ويفعل الفرائض والسنن عادة ووظيفة، تجعله شعوره بالإيمان في البدع أكثر من صلاة الفريضة وأكثر من قراءة القرآن، وهذه مشكلة من المشاكل التي طرحها ابن تيمية على الغزالي في مناقشة مسألة السماع، وأنه الغزالي كيف أطره وفلسفه في إحياء علوم الدين، فالغزالي أعطى نوعاً من التبريرات لماذا يمكن بعض الناس يتخذوا السماع الصوفي بدلاً من قراءة القرآن، فيقول ابن تيمية هذه كارثة؛ لأنه سيصبح الناس لما تجد بعض الناس لما يسمع نشيدة -حتى كثير من المزامير- بديش السماع الصوفي، بعض الشباب يسمع نشيدة عن التوبة والإنابة إلى الله، شو بتشعر أنه قلبي برق صح ولا لا؟ يقول سمعنا هذه النشيدة والله يا شيخ بتأثر فيها، طيب سمعوا آيات الله التي تتكلم عن التوبة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53] ما في تأثر.

طبعاً هذه سبب من أسباب بدعة النشيد المعاصر، النشيد المعاصر بهذه الصورة التي ضخمت في السنوات أو العقود الماضية نوع من أنواع البدع؛ لأن الناس أصبحت تتأثر بالنشيد بصوت المنشد ونغمته "ويا رجائي" وما هي "ويا رجائي" وهذه، وإن كانت جميلة -يعني مش أقول لك أنا ما سمعتها أبداً- لكني أقصد أنه أصبح هناك مشكلة حتى نعترف الواقع، لأنه موضوع سامحني ما هو عند أهل البدع فقط، حتى عندنا كشباب ملتزم، أنه تجد الشاب يتأثر بالنشيد التي فيها توبة ورجاء وكذا، وإذا تليت عليه آيات الله لا تهتز فيه شعرة، إذاً هذا مصدق كلام ابن تيمية هنا لما قال أن الخاصة والعامة تسترق وتحب كذا من هذه البدع ما لا تتأثر عند سماع القرآن ولا سماع كلام النبي عليه الصلاة والسلام.

أيضاً من الظواهر المؤلمة في الواقع المعاصر وهذه كررتها عليكم كثيراً بس أحب أذكرها دائماً، أنه إذا كانت المقولة لحكيم غربي أو فيلسوف بريطاني أو ألماني تجد الناس بتعملها هاشتاج، لكن إذا قيل قال رسول الله ﷺ صحيح البخاري يقرأ أصلاً، يعني بيمشي على الذي بعدها على اعتبار أنه صار عادة، خلص معروف قال رسول الله ﷺ مع أن كلامه عليه الصلاة والسلام هو الأعظم والأجل والأنفع، ولكن ما عاد يجد حلاوة لكلامه في قلبه؛ لأنه استعاض عن ذلك بكلام الفلاسفة، فلاسفة الغرب ونيتشه وهؤلاء الأسماء أصبح لهم وجود في حياته.

هذه مشكلة من يكثر قراءة كتب الفلسفة، الأصل من يقرأ في هذه الكتب يقتصر على قدر الحاجة وما يفيد أمته، ولا تصبح ظاهرة لديه؛ لأنه حتى في أثناء خطابه الدعوي مع الناس يصبح أنه يجيب قال الله قال رسول الله فيها "إيش يعني زيي زي غيري"، لكن إذا جبت اسم فيلسوف غربي ترفع له القبعات، "أوه والله هذا مثقف"، هذا شكل من أشكال البدع، ترى أن الإنسان أصبح يحب أن يقرأ تلك الكتب حتى يشعر بطبقية معينة في الثقافة لا تحصل لمن يعرف كتاب الله وسنة النبي ﷺ، هذه كلها كوارث عم تحصل في المجتمعات وطلاب العلم والدعاة إذا لم ينتبهوا لها يتم تحطيمهم بهذا.

وهذا عكس الدين، فيفوت بذلك ما في الفرائض والسنن من المغفرة والرحمة والرقة والطهارة والخشوع وإجابة الدعوة وحلاوة المناجاة إلى غير ذلك من الفوائد، وإن لم يفته هذا كله فلا بد أن يفوته كماله. ومنها ما في ذلك من مصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وجهالة أكثر الناس بدين المرسلين وانتشار زرع الجاهلية.

ومنها اشتمالها على أنواع من المكروهات في الشريعة، طبعاً يقصد أن يصبح المعروف منكراً، يصبح قيام الاثنين والخميس منكراً أو مشكلة، أما يصبح صيام ليلة الرغائب هذا شيء عادي جداً هو المعروف هو الصواب. ومنها اشتمالها على أنواع من المكروهات في الشريعة مثل تأخير الفطور، وأداء العشاء الآخرة بلا قلوب حاضرة، والمبادرة إلى تعجيلها، والسجود بعد السلام لغير سهو، وأنواع من الأذكار ومقاديرها لا أصل لها إلى غير ذلك من المفاسد التي لا يدركها إلا من استنارت بصيرته وسلمت سريرته.

ومنها مارقة الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع وفوات سلوك الصراط المستقيم، وذلك أن النفس فيها نوع من الكبر، هذا من أخطر مفاسد البدع، ولو لم يكن إلا هذه المفسدة لكفى، وهو إنشاؤك لبدعة هو بداية انسلال من منهجية الاتباع، قال من ربقة الاتباع: نحن محكومون بالكتاب والسنة، النفوس البشرية لا تحب شيئاً يضغطها وتحب أن تفعل ما تهوى، فلذلك كما قال الشاطبي في الموافقات: إن الشريعة أتت لتخرج من داعية هواك إلى طاعة مولاك، هذه أحد الأمور المركزية في الشريعة، أن تخرج الإنسان من حرية الفكر إلى تقييده بالكتاب والسنة، فالبدعة هي تعيدك إلى قضية حرية الفكر وأنه كل إنسان يعمل الذي بده إياه، فهذه من أخطر المفاسد.

لا، بتعرف حافظ على الصلوات الخمس المفروضة فقط بس، حافظ عليها وصم رمضان وحج وأدِّ الفرائض واترك المحرمات ولا تعمل سنن بس لا تقع في بدع، أحسن؛ ليه؟ لأنك على الأقل مرتبط بالشريعة ومتبع، بتعرف لو بتعمل كل السنن لكنك تبتدع، ترى أنت واقع في كارثة؛ لأنك تعطي لنفسك حقية الانفلات والانسلاخ من ربقة الشريعة ومن هذا القيد الذي هو مفروض علينا في حياتنا، طبعاً هو فرض لصالحنا مش هي أغلال، وإنما فرض لصالحنا ولما فيه خيرنا وسعادتنا.

فنفس فيها نوع من الكبر، النفس ما بتحب شيء يقودها وترتبط به، فتحب أن تخرج من العبودية والاتباع بحسب الإمكان، تحب أن تفعل أشياء تخترعها هي، ما بدها شيء تتبع فيه، كما قال أبو عثمان النيسابوري: ما ترك أحد شيئاً من السنة إلا لكبر في نفسه، ما بده يعمله، حلق اللحية ليه ما بده يعمله؟ لا تقول لي مذهب متأخري الشافعية ولا مش متأخر الشافعية، بعض الناس بيجي ايش بقول لك يا أخي متأخر الشافعية على الكراهة حلق اللحية مش التحريم، هذا بعد فقهي؛ لأنه الذي حكى هذا الكلام كان مربي لحيته بس لعلمك، يعني الذي حكى هذا الكلام من متأخري الشافعية كالنووي وغيرهم، وكان مطلق وبحثها من ناحية فقهية مش من ناحية أنه هو بده يحلق لحيته تمام، فبيقول لك ما ترك أحد شيئاً من السنة -طبعاً على وجه العمد هو يقصد- إلا لكبر في نفسه، ما بده يعمل.

ثم هذا مظنة لغيره فينسل القلب عن حقيقة اتباع الرسول ﷺ. هذا مظنة، أي علامة على عدم الاتباع أو عدم رغبة الاتباع فينسل، ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يفسد عليه دينه أو يكاد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، سبحان الله كلام عظيم حقيقة هذه القواعد والكلام كله عظيم. ومنها ما تقدم التنبيه عليه في أعياد أهل الكتاب من المفاسد التي توجد في كلا النوعين المحدثين؛ النوع الذي فيه مشابهة والنوع الذي لا مشابهة فيه، فارجع إليها في موطنها الذي ذكرناه سابقاً.

والكلام في ذم البدع لما كان مقرراً في غير هذا الموضع لم نطل النفس في تقريره، بل نذكر بعض أعيان هذه المواسم.

فصل: قد تقدم أن العيد يكون اسماً لنفس المكان ولنفس الزمان ولنفس الاجتماع، وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشياء. احنا قلنا سابقاً أن العيد ما هو ثلاثة أركان، تذكروا؟ ما هو وقت مخصوص أو مكان مخصوص، اثنين اجتماع فيه، ثالثاً أعمال تفعل في هذا الاجتماع، هذه الأركان التي يتشكل منها العيد عموماً، مكان مخصوص أو زمان مخصوص زائد اجتماع فيه زائد أعمال تعمل في هذا الاجتماع، هكذا أصلها في بداية الكتاب.

ثم قال: وهذه الثلاثة المكان أو الزمان أو الاجتماع قد أحدث منها أشياء، سنبدأ بموضوع الزمان. قال أما الزمان فثلاثة أنواع، ويدخل فيها بعض بدع الأعياد المكانية والأفعال، يعني يقول سنبدأ الآن بالأعياد الزمانية، أعياد التي أحدثها الناس وهي أعياد زمانية، طبعاً الأعياد الزمانية قد يرتبط بها أحياناً أعياد مكانية، قد يرتبط بها -يعني مش بس أنه زمن، زمن مع مكان ويشير إلى ذلك بعد قليل- وأفعال كذلك قد ترتبط بها، أحد هذه الأزمنة التي عظمها الناس على غير وجه المشروع قال: أحدها يوم لم تعظمه الشريعة أصلاً، ولم يكن له ذكر في السلف، ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه. الآن أول نوع من أنواع الأزمنة التي أحدث فيها أعياد بدعية، الآن ابن تيمية شو بيعمل؟ الآن عم يستقر الأعياد البدعية في الأمة، عم يستقر إيش الأعياد البدعية التي نشأت في الأمة، فبقول لك هذه الأعياد البدعية التي نشأت.

بعضها عملوه في يوم لم تعظمه الشريعة أصلاً، ولا جرى فيه أي واقعة تقتضي ماذا تعظيمه، يعني لا غزوة بدر فيه ولا غزوة أحد، ولم يحصل فيه أي شيء، ليس فتح مكة ولا غزوة حنين، ولم يمت فيه مثلاً شخص عظيم. قال: أول يوم أنشئت فيه بدعة يوم لم تعظمه الشريعة أصلاً، بل حتى السلف الصالح ما كانوا يعرفوا شو مشكلة هذا اليوم، يعني ماذا حصل فيه؟ قال: ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه، مثل ماذا؟ قال: مثل أول خميس من رجب. هذا أول خميس من رجب لو أتيت تصفحت التاريخ، تاريخ النبوة، فليس فيه حدث مميز وقع في هذا اليوم حتى على الأقل يا أخي أقنعني أنه هذا اليوم ميزه، ماشي أنت بدك تبتدع، فهمت؟ بس أقنعني أنه له ميزة.

يعني لسه يوم المولد النبوي طبعاً على خلاف أصلاً في ثبوته، بس أنا فاهم شو فكرتك أنه فيه ميزة أنه مولد النبي عليه الصلاة والسلام. في أعياد نشأت في أيام مالها أصلاً ذكر في التاريخ الإسلامي، يعني في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، مثل أول خميس من رجب، لا هو غزوة بدر ولا هو غزوة أحد ولا فتح مكة ولا أول يوم بعث فيه الإسلام، لا يوجد له أي شيء. قال: مثل أول خميس من رجب وليلة تلك الجمعة التي تسمى الرغائب؛ فإن تعظيم هذا اليوم والليلة إنما حدث في الإسلام بعد المئة الرابعة، وروي فيه حديث موضوع باتفاق العلماء، مضمونه فضيلة صيام ذلك اليوم وفعل هذه الصلاة المسماة عند الجاهلين بصلاة الرغائب.

وقد ذكر ذلك بعض المتأخرين من العلماء من الأصحاب وغيرهم، والصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم -يعني ما يغرك أنك تجد صلاة الرغائب عند متأخر الشافعية تذكر في كتبهم أو بعض متأخري الحنابلة- ليس لها أصل في الشريعة. قال: والصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم النهي عن إفراد هذا اليوم بالصوم، وعن هذه الصلاة المحدثة، وعن كل ما فيه لهذا اليوم من صنع الأطعمة وإظهار الزينة ونحو ذلك، حتى يكون هذا اليوم بمنزلة غيره من الأيام، وحتى لا يكون له مزية أصلاً، لا يجوز أن تعطيه أي مزية.

وكذلك يوم آخر في وسط رجب يصلى فيه صلاة تسمى صلاة أم داوود؛ فإن تعظيم هذا اليوم لا أصل له في الشريعة أصلاً. إذاً الحالة الأولى: أيام ليس لها أي مزية بشكل من الأشكال. النوع الثاني: ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره من غير أن يوجب ذلك جعله موسماً، ولا كان السلف يعظمونه، كثمن عشر ذي الحجة الذي خطب النبي صلى الله عليه وسلم فيه.

النوع الثاني يوم ابتدع الناس فيه عيداً، لكنه اليوم وقعت فيه واقعة من الوقائع التاريخية، لكن وقوع هذه الواقعة التاريخية لم تجعل السلف يتخذون هذا اليوم عيداً، مثلاً 17 رمضان، شو فيه واقعة تاريخية؟ بدر. ماشي فيها واقعة، بس هل هذا جعل السلف يتخذون هذا اليوم عيداً؟ لا. الآن سيذكر أيضاً 18 ذي الحجة لأنه هو ردد على الرافضة في هذه القضية، قال: الذي خطب النبي صلى الله عليه وسلم فيه بغدير خم مرجعه من حجة الوداع؛ الخطبة التي ألقاها في غدير خم مرجعه، خطبة الوداع، وقضية أوصى لعلي بالخلافة وما وقع فيها من الفيلم الكبير الذي صنعه الشيعة.

قال: فإنه صلى الله عليه وسلم خطب فيه خطبة، وصى فيها باتباع كتاب الله، ووصى فيها بأهل بيته، كما روى ذلك مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم. هو صار فيها خطبة صحيح، ولكن ايش مضمون الخطبة؟ أوصى بكتاب الله وأوصى بأهل بيته خيراً. قال: فزاد بعض أهل الأهواء في ذلك، حتى زعموا أنه عهد إلى علي رضي الله عنه بالخلافة بالنص الجلي. الآن عند الروافض في كتبهم قصة غدير خم يزيدون فيها أنه في هذه الخطبة النبي عليه الصلاة والسلام أوصى لعلي بالخلافة بس الصحابة كتموا ذلك، هذا السيناريو الذي هم يفترضونه.

قال: بعد أن فرش له وأقعده على فراش عالٍ، وذكروا كلاماً وعملاً قد علم بالاضطرار أنه لم يكن من ذلك شيء، وزعموا أن الصحابة تمالؤوا على كتمان هذا النص وغصبوا الوصي حقه في الخلافة، ففسقوا وكفروا إلا نفراً قليلاً، وبالتالي كفروا أغلب الصحابة. ليش كتمت الخطبة التي صارت في غدير خم؟ يا عمي ما هذه الخطبة أنتم ألفتموها، يعني الخطبة كانت بالكتاب ووصية بأهل البيت، أما إضافة أنه أوصى لعلي رضي الله عنه فهذا ليس له أصل.

والعادة التي جبل الله عليها بني آدم، ثم ما كان القوم عليه من الأمانة والديانة وما أوجبته شريعتهم من بيان الحق، يوجب العلم اليقيني بأن مثل هذا ممتنع كتمانه؛ يعني معقول خطبة الوداع حضرها آلاف الصحابة، خطبة غدير حضرها آلاف الصحابة، ولا واحد حكى بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لعلي؟ أعطونا سنداً واحداً من الصحابة من آلاف؟ قال: مستحيل في العادة، خطبة شهيرة لا تنقل نقلاً صحيحاً عن أحد الصحابة، مستحيل في العادة. وليس الغرض الكلام في مسألة الإمامة، بس هذا مش موضوعي، أنا أناقش الشيعة في هذا الموضوع، موضوع أن الشيعة صاروا يتخذون هذا اليوم عيداً، يوم غدير خم 18 ذي الحجة.

قال: وإنما الغرض أن اتخاذ هذا اليوم عيداً محدث لا أصل له، فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم من اتخذ ذلك اليوم عيداً حتى يحدث فيه أعمالاً، إذ الأعياد شريعة من الشرائع، فيجب فيها الاتباع لا الابتداع. شايف؟ إذ الأعياد، هذا دائماً نحكي، الأعياد إخواني فكرة دينية، الأعياد مش فكرة عادية، مش موضوع عادي مثل أنواع اللباس وأنواع الشعر، وامشي في هذا الشارع ولا أمشي في ذاك الشارع، الأعياد دين، فلا يجوز فيها الاختراع؛ إذ الأعياد شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع لا الابتداع.

وللنبي صلى الله عليه وسلم خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة، مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة ووقت هجرته ودخوله المدينة، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام عيداً. نعم ليش ما نحكي مثلاً خطبته في فتح مكة؟ والله قد تكون أهم من خطبة غدير خم مثلاً، ونظر بعض الناس فيصير يقولوا خلص نتخذ يوم خطبة فتح مكة عيد، خلص بصير الناس كل واحد بشوف شغلة أهم من الثاني بيتخذ عيد، وهذا لم يكن عند السلف.

وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى عليه السلام أعياداً، أو اليهود، طبعاً هذا من شغل النصارى، أن النصارى عيد شو عندهم؟ المسيح، وفيه أيام كثيرة أعياد تتعلق بالمسيح ابن مريم، وعيد التعميد للمسيح ابن مريم، وعيد كل حادثة من حوادث المسيح ابن مريم عملوا له فيها عيد، وإلى الآن بيعيدوا فيها، هذا شغل اليهود والنصارى اتخاذ أحداث أنبيائهم أعياداً.

وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيماً، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع، من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيداً. شايف جميل! إذاً هو الآن بدأ يتكلم عن المولد، هنا قال الله قد يثيبهم على محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، الذين يحتفلون بالمولد زي ما حكينا قبل شوية، قد يثاب على نية المحبة، ولكن لا على اتخاذ المولد عيداً، هي بدعة لا ثواب عليه.

قال: مع اختلاف الناس في مولده، طبعاً أن المولد النبوي قيل إنه ولد في 2 ربيع الأول، وقيل ولد في 8 ربيع الأول، وقيل في 10 ربيع الأول، وقيل في 12 ربيع الأول، يعني أصلاً نحن مختلفين في يوم المولد، فبناءً على ايش أنتم جعلتم المولد 12 واتخذتموه عيداً؟ أصلاً هو ليس من أقوى الأقوال في المسألة، 12 ربيع الأول ليس هو الأقوى أصلاً. قال: مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه، أو كان عيد المولد النبوي، قال: لم يفعله السلف مع قيام المقتضي، وهي المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم في نفوسهم، وعدم وجود مانع، يعني في مانع يمنعهم من الاحتفال ومع ذلك لم يحتفلوا.

لذلك لما تيجي للمعاصرين تقول لهم طيب ليش ما فعله السلف؟ بيقول لك السلف إيمانهم أحسن من إيماننا، زي ما قلت، ونحن لضعف محبتنا نحتاج نستحدث للناس أعياداً تزيد محبتهم للنبي عليه الصلاة والسلام، فابن تيمية عالج هذا، ماذا قال؟ الأشياء التي أحدثها الناس بسبب ذنوبهم علاجها لا يكون بإحداث البدع لهم، بل بإرجاعهم إلى الكتاب والسنة، هذا العلاج الصحيح إذا كنت بدك تعالج ظاهرة مرضية أو نقص إيمان.

مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيراً، كمل قال: ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطناً وظاهراً، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.

وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حريصين على أمثال هذه البدع، مع ما لهم من حسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم به المثوبة، تجدهم فاترين في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فاترين في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم يعني في اتباع سنته، كما قلنا حلق اللحى واستماع المعازف وما شابه ذلك، عما أمر بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه.

هذا يقول لك هؤلاء الذين يحتفلون بالمولد زي واحد ماسك المصحف عمال يحط عليه هيك زينة وزخرفة بس عمره ما فتحه، طيب يا أخي افتح المصحف واقرأ أحسن من أنك تشتغل بوضع حلي، ووضع الحلي على المصحف مكروه أصلاً. قال: بمنزلة الذي يحلي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يزين المسجد ولا يصلي فيه أو يصلي فيه قليلاً، كثير من الذين يبنون المساجد اليوم من أصحاب الثروات بتلاقيه دافع على المسجد مليون ما شاء الله، وينك يا حاج؟ المسجد جنبك، وأنا أعرف بعضهم هكذا، أنا أعرف شخص بيته مقابل المسجد، عنده فيلا مقابل المسجد هو بناه، إخواني لا يصلي فيه وأنا أعلم أنه موجود، مش أنه يعني أحاول أن أعذره لكني رأيته موجوداً، فسألت إمام المسجد قال لي ما بيصلي في المسجد، طيب يعني مشكلة، بنيت مسجداً وزخرفته إن شاء الله تثاب على حسن قصدك، حسن القصد هذا شيء آخر، لكن أقول لك كيف بعض الناس يفكر أنه خلاص أنا زخرفت المسجد كذا إذاً أنا مالي علاقة بعد ذلك في الصلاة فيه.

ولا يصلي فيه أو يصلي فيه قليلاً، وبمنزلة من يتخذ المسابح بدعة أنه مش شاطر، لكنه يقصد أنه عمال يشتغل في المسبحة، بالله بدي مسبحة ألفية أنا، لا أنا بدي مسبحة بحجر عقيق، وشغال بشو نوع المسبحة، يا أخي روح سبح الله يرضى عنك، يعني أنت شغال لي بنوع المسبحة وشكلها وكم حبة هي. قال: كما جاء في الحديث عن سجادة، بدي سجادة من مكة وعليها يكون في الأمام بوصلة، يعني بعض الناس يقول لك بيشتغل في الثانويات وهو يعني يا ريت بده يقوم الليل عليها تقطيعاً، يعني يقطع الليل تسبيحاً ما هو مش عامل حاجة عليها، هذه نشأة البدع تسبب هذا الأمر. قال: كما جاء في الحديث: «ما ساء عمل أمة قط إلا زخرفوا مساجدهم».

واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع، وفيه أيضاً شر من بدعة وغيرها، فيكون ذلك العمل خيراً بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من أنواع المشروع، وشراً بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من الإعراض عن الدين بالكلية، كحال المنافقين والفاسقين، وهذا قد ابتلي به أكثر الأمة في الأزمنة المتأخرة، تفهم هذه الطريقة في انفكاك الجهة يا طالب العلم، يعني قد يحصل في المولد النبوي مثلاً شيء من الخير، أنا لا أنكر ذلك، قد يستفيد بعض الناس، لا أنكر ذلك، فعندي قدرة أن أعرف أنه فيه خير وفيه شر، بس في النهاية هو غلط لأن الشر أكثر من الخير، لذلك عند كثير من المتأخرين ضاعت هذه الموازنات. فعليك هنا بأدب، شوف هنا قال شوف العبارة الجميلة، فعليك ما دام كثير مما أحدثه الناس من البدع فيه جانب... طبعاً هنا الكلام عن البدع العملية ركز، مش البدع الاعتقادية، لأنه فيه فرق بين البدع الاعتقادية والعملية، تكلم عن البدع العملية من إحداث صلاة أو أنواع معينة من الذكر أو ما شابه، فيقول فعليك ما دام كثير من البدع يشوبها شيء من الخير فعليك هنا بأدب.

الأول: قال أحدهما أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطنًا وظاهرًا في خاصتك، وخاصة من يطيعك. قال لك: أنت اشغل نفسك وأهلك الذين يطيعونك ويأخذون رأيك، علّم الناس ما يصلح لهم، وتمسكهم بالسنة، هذه وظيفتك الأولى يا طالب العلم في خاصتك وخاصة من يطيعك، من يطيعك؟ زوجتك، أبناؤك، بناتك. والله كنت مثلًا إمام مسجد، أهل مسجدك، والله كنت شيخًا عالمًا في أهل البلد، أنت عليك في النهاية أن تبث الخير الذي عندك.

قال: واعرف المعروف، وأنكر المنكر. نعم، يعني اعترف بالمعروف وأنكر المنكر، ولا تأخذك في الله لومة لائم مع ملاحظة طبعًا المصالح والمفاسد.

الأدب الثاني: قال الثاني أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان، فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه فلا تدعُ إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه. هنا بدك تركز على عقلية ابن تيمية في التحليل وفي معالجة المواقف. يقول لك الأدب الثاني أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان.

جعل الإنسان على نوعين؛ الحالة الأولى مع نفسك ومن يطيعك، الحالة الثانية مع الناس عمومًا الذين لا يطيعونك. فقال أولًا: احرص على التمسك بالسنة في خاصة نفسك وأتباعك، هؤلاء سهل، الصعب وين يا شيخ؟ في الناس الذين ليسوا معك، فاختار الأدب الثاني، فقال: واما عموم الناس الذين هم لا يتبعون، فما هو الحل معهم؟ قال: أنكر عليهم بحسب الإمكان، شوف الفقه بحسب الإمكان. ماذا يعني بحسب الإمكان؟ شوف كيف شرح الآن، قال: فإذا رأيت الناس الذين هم ليسوا معك ويفعلون بدعة، فإذا رأيت من يعمل هذه البدعة -بغض النظر ما هي- ولا يتركها إلا إلى شر منها، فلا تدعُ إلى ترك منكر يؤدي تركه إلى وقوع ما هو شر منه.

يعني لو أنك رأيت الناس يوم المولد، شخص معين هو مصر يحتفل بالمولد، إذا أنا قلت له: لا تحتفل بالمولد، قال: خلص يا شيخ بدي أروح أشوف هالمباراة كرة القدم، أو أروح على الاستاد، أو بدي أروح أشوف لي مسلسل، لا أريد أن أسمع السيرة، الشيخ حكى بدعة وكذا، طيب شو راح تعمل أنت؟ لا، خليه يحضر المولد ويقعد معهم وإن كان بدعة، لأنه هذا الشخص بحد ذاته إذا قلت له اترك هذه البدعة سيفعل ما هو أسوأ منها، قد يذهب يشاهد النساء، قد يشاهد أفلامًا لا ترضي الله سبحانه، قد يقع فيما هو أفحش. شوف هذا التفكير الدقيق أنه ليس دائمًا إذا وجدت منكرًا مباشرة لازم أنكر، بدي أشوف ماذا سيترتب على الإنكار.

فيقول لك إذا رأيت إنسانًا عاميًا ممن يفعل البدعة، الإنكار عليه سيجعله يفعل ما هو أكثر منكر من الفواحش، فخليه في البدعة أحسن مما يفعل الفواحش والمنكر. كمل، قال: فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه. نعم، أن يؤدي إنكارك إلى أن يترك واجب، والله ترك الواجب أضر من أنه يفعل البدعة، نعم.

قال: ولا إذا كان في البدعة من الخير فعوّض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان. شوف هذا الكلام، يقول لك وهذه شغلة ثانية بدك تنتبه لها؛ إذا بدك أيضًا تنكر بدعة بدك تعطي الحل البديل. بقول لك ابن تيمية: إذا أردت أن تنكر على أناس بدعة معينة يقعون فيها، أعطه البديل، لا تخليه بدون بديل فقط، يلا لا تحتفل بالمولد النبوي، طيب شو البديل؟ أعطه بدائل، قل يا أخي والله في مجال السيرة تُعقد في مجلس معين أو في مكان معين، في كتب في السيرة، أنصحك بقراءتها كذا وكذا، يا أخي في شيخ ما شاء الله بتقدر تتبع دولته في السيرة، يعني أعطه البديل، لأنه إذا ما أعطيته البديل ما راح يقتنع.

إذًا هذه الفكرة الثانية، وإذا كان في البدعة من الخير مثل الاحتفال بالمولد بما فيه من ذكر النبي عليه الصلاه والسلام أو صلاة الرغائب أو ما شابه ذلك، عوّضه، أعطه بديلًا، ولا تقتصر على إنكار المنكر فقط بذكر البديل المشروع بحسب الإمكان. نعم، قال: إذ النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيء. شوف القاعدة: النفوس ما راح تترك البدعة إلا إذا أعطيتها بديلها من السنة، نعم. قال: ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرًا إلا إلى مثله أو إلى خير منه. جميل، فإنه كما أن الفاعلين لهذه البدع مأبون قد أتوا مكروهًا، فتارك أيضًا للسنن مذمومون.

الكلام الآن عم يضرب على وتر بعض الناس الذين ينكرون البدع ولكنهم كسالى عن إقامة السنن، بتلاقيه بينكر المولد النبوي على وسائل التواصل، بس تطلع في حياته أخلاقه سيئة، هذا الذي ينكر بدعة المولد أخلاقه سيئة، لا يقوم الليل ولا يصوم النهار ولا يحافظ على الأوراد، واقع في عقوق الوالدين، طب يعني أنت ماشي عم تنكر هذا بس أنت مش عارف، هذا الشخص واقع في بدعة فهمنا وأنت عم تنكر عليه، بس بتعرف أنه هو ممكن يكون عند الله أفضل منك، أنه واقع في بدعة المولد بس أنت تارك كل، هو ماشي واقع في بدعة المولد بس يقوم الليل عمومًا مثلًا، وحافظ على صلاة الفجر في المسجد وفي الصف الأول، وفاعل أشياء كثيرة جيدة من السنة، أنت الذي تنكر على بدعة المولد لا قيام الليل ولا صلاة في المسجد جماعة ولا أذكار ولا ولا ولا كذا، فأنت برضه مش عارف أنه هو قد يكون أحسن منك عند الله سبحانه وتعالى.

فماذا يقول ابن تيمية؟ قال: فإنه كما أن الفاعلين لهذه البدع مأبون قد أتوا مكروهًا، فتارك أيضًا للسنن مذمومون؛ فإن منها ما يكون واجبًا على الإطلاق، ومنها ما يكون واجبًا على التقييد، كما أن الصلاة النافلة لا تجب ولكن من أراد أن يصليها يجب عليه أن يأتي بأركان، وكما يجب على من أتى الذنوب من الكفارات والقضاء والتوبة والحسنات الماحية، وما يجب على من كان إمامًا أو قاضيًا أو مفتيًا أو واليًا من الحقوق، وما يجب على طالب العلم من نوافل العبادة من الحقوق.

كمل، قال: ومنها ما يكره المداومة على تركه، ويتكلم عن أنواع السنن، قال: فتارك أيضًا للسنن مذمومون، ليه؟ فإن من السنن ما يكون واجبًا على الإطلاق، ومنها ما يكون واجبًا على التقييد، كما أن صلاة النافلة هي سنة، لكن ما حكم قراءة الفاتحة فيها؟ واجب، هي سنة بس يجب قراءة الفاتحة فيها ويجب الركوع والسجود، وعمرها لا تصح. وقال: ومن السنن ما يكره المداومة على تركه كراهية شديدة مثل الوتر، فإن تركها مطلقًا إسقاط للعدالة عند الفقهاء، تسقط عدالتك، ومن السنن ما يكره تركه أو يجب فعله على الأئمة دون غيرهم، يعني بعض السنن يجب على أئمة المسلمين أن يفعلوها وإن كان لا يجب على من دونهم، أو على العالم المتصدر أن يفعله دون من غيرهم.

عامتهم يجب تعليمها والحظ عليها والدعاء إليها. طيب، هو ماذا يريد أن يقول الآن هنا؟ لاحظ ماذا قال، قال: شوف هذا النص المهم، قال: وكثير من المنكرين لبدع العبادات والعادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك أو الأمر به. شوف هذا الكلام، كثير من المنكرين للبدع تجدهم مقصرين في فعل السنن. جزاك الله خير حرصك على إنكار البدعة بس أنت ترى يا فلان مقصر في السنة تقصير كبير جدًا، أنت لا تصيبك نشوة إنكار البدعة فتكون مخادعًا على نفسك في ترك السنن وإهمالها. قال: ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العبادات المشتملة على نوع من الكراهة. نعم، قال: بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، فالأمر بالمعروف لا يكون إلا مع إنكار المنكر، وإنكار المنكر يجب أن يعوّض بأمر بمعروف، فهو عم بجيب هذا تبعًا لمشكلة أن بعض الناس لما ينكر المنكر لا يعوّض بذكر السنن لذاك الرجل، فضلًا أنه هو نفسه أكون متبعًا للسنن أصلًا.

نعم، قال: فلا يُنهى عن منكر إلا ويُؤمر بمعروف مقابله تعويضًا، نعم. قال: ويُؤمر بمعروف، يعني الزنا شو راح تقول له يا شيخ؟ روح اتزوج، مش تنهاه عن الزنا وبعدين دبر حالك، لا، تنهاه عن الزنا وانصحه بالزواج والصوم إن لم يستطع الزواج، وهكذا. نعم، قال: كما يُؤمر بعبادة الله سبحانه ويُنهى عن عبادة ما سواه، إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله، كما أنك تقول للإنسان: يا أخي لا تعبد الصنم، شو بتدخله في المقابل؟ لأنه في خواء روحاني، إذا ما عبد الصنم بدك تعطيه البديل، ما هو؟ اعبد الله، هذا أعظم أنواع البدائل، بل هو البديل الأصيل في حياة كل إنسان. نعم، قال: والنفوس خُلقت لتعمل لا لتترك.

لذلك قال ابن تيمية إن من أصدق حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «أصدق الأسماء حارث وهمام»، ليش أصدق الأسماء حارث وهمام؟ قال: لأن طبيعة الإنسان خُلقت للحراثة في الدنيا، الحراثة مش الزراعة، يعني يحرث، يعني يشتغل، فإذا نفسك إذا لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، فإذا بدك تشتغل بالباطل أعطه الحق وعلمه إياه. طيب، قال: والنفوس خُلقت لتعمل لا لتترك. وإنما الترك مقصود لغيره، يعني الترك في الإسلام ليس مقصودًا لذاته، وإنما المراد من ترك شيء الوصول إلى غيره من الحق، فلسفة الإسلام أن الإسلام ما يأمرك أن تترك فقط من أجل الترك، وإنما يأمرك أن تترك شيئًا ليكون وسيلة إلى تحصيل خير. نعم، قال: فإن لم يشتغل بعمل صالح وإلا لم يترك العمل السيئ أو الناقص، لكن لما كان من الأعمال السيئات ما يفسد عليها العمل الصالح، نهيت عن هذه الأعمال السيئة حفاظًا على الأعمال الصالحة، هذا الذي يريد أن يقول.

طيب، قال: فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم. يأخذ المولد النبوي نموذجًا، قال مثلًا شوف هذا النموذج: فتعظيم المولد النبوي واتخاذه موسمًا للاحتفال قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده، طبعًا أنا وجدت بعض البدعة، بعض الصوفية في الأردن أخذوا هذا النص من ابن تيمية لهون ووقفوا، ما كملوش النص، لا أنا شفت عاملي مطوية أن شيخ الإسلام أصلًا رأى أن المولد النبوي هذا، ففتحت، فتحنا الورقة شو فيها، ماخذين هذا النص فقط، كل الذي بعده مش موجود، وكل الذي قبله مش موجود، كاتبين "فتعظيم المولد واتخذ موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم" وبدون حسن قصده، جزاكم الله خير يعني موضوعية على درجاتها، طيب اقرؤوا الذي قبله والذي بعده تمامًا.

قال: وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يُستقبح من المؤمن المسدد. شوف شو هذا الكلام، يعني شوف يأخذك لأبعاد كثيرة، بعض الناس عوام الناس قد يفعل المولد النبوي ويحرز أجرًا عظيمًا، بس ركز على ايش؟ الأجر، أنه إياك تقف عند كلمة أجر عظيم، يحصل أجر فقط لحسن قصده مش للبدعة، لحسن قصده ولتعظيمه للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الشخص قد يحسن منه ما يستقبح من المؤمن المسدد، يعني لو شفت طالب علم متقدم دارس ومتعلم قد أنكر عليه في المولد النبوي ما لا أنكر على عامي قاعد في المسجد يعني محتفل، يعني خلص عارف أن هذه طاقة مبلغة من العلم، يقول الله يصلح الجميع ويثيب الجميع على حسن نيتهم، هيك بحكي على حسن نيتهم.

طيب، قال: ولهذا قيل للإمام أحمد، الأمراء أنه أنفق على مصحف ألف دينار أو نحو ذلك، فقال: دعهم فهذا أفضل ما أنفقوا فيه الذهب. شوف شوف هذا الاستدلال، أحمد بن حنبل قيل له ترى إمام الخليفة أو السلطان دفع ألف دينار من أجل يزين مصحف، ألف دينار ذهبي يعني ألف دينار، اضرب مثلًا مئة ألف، مشان يزين مصحف، هس في مذهبنا ما حكم تزيين المصاحف؟ مكروه وقد يصل للحرمة في بعض الأمور، هذا مذهب أحمد، شوف شو أجاب هنا، ايش قال؟ قال خله يزين المصحف، ليه؟ شوف شوف علة أحمد، شوف تفكيره، قال: هذا أفضل ما صرفوا فيه المال، لأنه هذا السلطان إذا لم يصرف المال في تزيين مصحف رح يروح يصرفه في شراء خمور أو مظالم أو ما شابه ذلك، يتكلم واحد عن حاكم فاسد، قال خله يزين المصحف وإن كان غلط من حيث النظر.

الشرعي، لكنها من حيث مراتب المنكر هذه أفضل من أنه يروح يدفع المال في خمر أو غناء أو رقص أو شراء الجواري المغنيات.

أحسنت، وحتى موضوع الشطرنج لما كان يسير فرأى ناساً يلعبون الشطرنج، فأحد تلاميذه ضرب الشطرنج رفعها ونزلت، فقالوا ابن تيمية إيش فعلت أنت؟ قال: ليست منكراً، قال: منكر، لكن هؤلاء إذا لم يلعبوا الشطرنج اشتغلوا بالمسلمين، خلوهم يلعبوا شطرنج يعني يلعبوا في الناس. وهذا يفقده كثير من الشباب المسلم اليوم، شباب الدعوة خاصة في المناطق المختلفة في الشيشان وغيرها، فهم هذه القواعد في معالجة أحوال الناس ورؤية ما هو الأعظم من المنكرات، فأنكر مش دفعة واحدة؛ لأنه أحياناً قد تفسد حال الناس إذا بدك مرة واحدة تغير الواقع.

قال: فقال دعهم فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب أو كما قال، مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروه، هذا مذهب أحمد أن زخرفة المصاحف مكروه. وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجويد الورق والخط، وليس مقصود أحمد هذا، بعض أصحاب أحمد فكر أن أحمد قصده خليه يصرفها في تجويد الأوراق، يعني حاول أنه يتأول رواية أحمد أنه مش قصده خليه يصرف المصاري في تزيين المصحف، قصده خليه يصرف المصاري في تجويد الورق والخط. هذا كان ابن تيمية يقول هذا ما فهم مقصد أحمد، هذا من أصحاب أحمد ما فهم مقصده.

وإنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة وفيه أيضاً مفسدة كره لأجلها، فهؤلاء الاهتمام بالمصحف عموماً مصلحة، والاهتمام بالمصحف عموماً وترتيبه مصلحة، لكن وين دخلت المفسدة؟ من التبذير والتبذير في دفع المال فيما لا فائدة، هو مصلحة من جهة الاهتمام بالمصحف، مفسدة من جهة التبذير. فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا مع ما فيه من المفاسد، سيعتادون بفساد كامل لا صلاح فيه من شراء المعازف والخمور وما شابه ذلك، مثل أن ينفقها كذلك مثلاً في كتب الفجور أو ينشر كتب أهل البدع، يا أخي على الأقل مصحف مش نشر كتاب لأهل البدع من كتب الأسمار والأشعار أو حكمة فارس والروم.

فتفقه لحقيقة الدين وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد، بحيث يا طالب العلم تعرف ما هي مراتب المعروف ومراتب المنكر حتى تقدم أهمها في الإنكار عند الازدحام، فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل. ما راح تكون عالماً ولا طالب علم حقيقي حتى تعرف المراتب عند المزاحمة أيها يقدم، وإلا مجرد أنك بتعرف هي بدعة بس ما بتعرف متى تنكرها ومتى لا تنكرها، معناتها أنت لساتك طالب علم مبتدئ. فإن هذا حقيقة ما جاءت به الرسل، معرفة أفضل المعروف فيؤمر وأكثر المنكر فيترك عند التزاحم.

فإن التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر أو جنس الدليل وغير الدليل يتيسر كثيراً. إيش يعني أنك تعرف أن هذا من المعروف كجنس وأنه هذا من المنكر كجنس؟ هذا سهل على الجميع، حتى على العامة ممكن يعرف أن هذا خطأ وهذا صح، معرفة أنه هذا دليل وهذا مش دليل سهل كطالب علم مبتدئ تفهمه. لكن إيش الصعب الذي لا يعقله إلا الكبار؟ أنك تعرف أن هذا غلط وهذا غلط، بس أيهما الآن أبدأ به؟ وهذا معروف وهذا معروف، لكن أيهما أبدأ به؟ قال هذا الذي هو العلم الحقيقي وصلب الدين.

قال فأما مراتب المعروف والمنكر، إذاً معرفة المعروف كجنس والمنكر كجنس سهل، لكن معرفة مراتب المعروف، ومعرفة مراتب المنكرات من حيث السوء، ومعرفة مراتب الأدلة عند التزاحم بحيث تقدم الدليل الأعلى على الأدنى، بحيث يقدم عند التزاحم أعرف المعروفين وأنكر المنكرين وأقوى الدليلين، فإن هذا هو خاصة العلماء بهذا الدين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.