دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في التعليق على النظم الصغير المختص بمختصر التحرير، وهذا النظم أصولي نافع للمبتدئين حقيقة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون أيضًا هذا الشرح الذي بين أيديكم شرحًا جيدًا ممتعًا نافعًا، وأن ييسر لكم فهمه وفتحه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

في الدرس الماضي دخلنا في القسم الأول من أقسام علم أصول الفقه. قلنا علم أصول الفقه أربعة أقسام، أول قسم هو باب الحكم الشرعي. المطلوب من هذا الباب: يا شيخ أحمد، أنا عندما أتحدث عن القسم الأول، يهمني أن تفهم مقاصد الأبواب. عندما أقول أول قسم من أقسام أصول الفقه، فإن جملة كتب أصول الفقه -على مدرسة الجمهور يعني المالكية والشافعية والحنابلة- عندما يبدأون، يذكرون مقدمة منطقية ولغوية، إذا تجاوزناها سنبدأ بمبحث الأحكام.

ماذا يعني بحث الأحكام؟ يعني فهم تعريف الحكم الشرعي وما أقسامه، قبل أن تدخل في قواعد أصول الفقه؛ أول شيء يجب أن تفهم ما معنى الحكم الشرعي، وما معنى أنه تكليفي ووضعي، وما معنى حرام ومباح وواجب ومكروه، وما معنى سبب وشرط ومانع ورخصة وعزيمة وسعة. فبعد أن تتصور معنى الأحكام، تدخل في القواعد. لماذا يفعلون ذلك؟ لأن الأحكام هي الثمرة؛ أصلاً كل هذا العلم الذي ندرسه، لماذا ندرس قواعد أصول الفقه؟ حتى ننتج الأحكام. فإذا لم أكن فاهمًا معنى الأحكام أصلًا، فما الفائدة من دراسة القواعد؟

وهذا يدل إخواني على عظمة علمائنا في التصنيف وإدراك الأبعاد الصحيحة لكيفية تصنيف الكتب وبناء العلوم في أذهان الطلاب؛ أول شيء يفهمه الطالب هو الحكم بأنواعه، ثم يبدأ معه بالقواعد التي إذا طبقها بشكل صحيح وصل إلى الحكم. فكنا في بداية الوجبة الدسمة نتحدث عن الأحكام، والآن سنأتي للقواعد التي توصلنا للأحكام، القواعد التي إذا أنزلناها على نصوص الكتاب والسنة أو القياس الصحيح، استطعنا أن ننتج الأحكام التي درسناها قبل قليل.

قلنا: ما تعريف الحكم الشرعي عند الأصوليين؟ لا، أنت لم تأتِ بنص التعريف، بل جئت بتعريف أصول الفقه. تعريف الحكم الشرعي أخذناه في المحاضرة السابقة. نبدأ بالتعريف: «اقتضاء أو تخيير أو وضعًا»، لا نريد استعمال كلمة التكليف لأن كلمة التكليف مختلفة تمامًا عن الاقتضاء. «إذا كان خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرًا أو وضعًا». هذه التعاريف يجب أن تحفظها مثل اسمك؛ فهذه أساسيات هذا العلم فلا يقبل الجهل بها.

قلنا: خطاب الشارع. قلنا كلمة "خطاب" ما معناها؟ الخطاب هو ما يفهم منه السامع شيئًا مفيدًا، سواء قصد المتكلم إفهامه أو لا. وهكذا درسنا أصول الفقه عن مشايخنا؛ تحفظ التعريف كما هو، فبدون هذه الطريقة لن تضبط أصول الفقه ولن تعرف القواعد وكيف تُبنى.

ثم قلنا: الشارع، ويشمل هنا المشرع الحقيقي وهو الله عز وجل، والنبي ﷺ باعتباره مبلغًا عن الله، ومصادر التشريع الأخرى باعتبارها تنبع من القرآن؛ فالله عز وجل هو الذي أخبرنا بقبولها في التشريع، فقال لنا باعتراف الاستقراء: اعتبروا القياس، واعتبروا المصلحة المرسلة. عرفنا أن الله يريدنا أن نحكم بالقياس الصحيح، وأن نحكم مثلا بـقول الصحابة الصحيح، وكل مذهب بما يفهمه.

قلنا: من هو المكلف؟ البالغ العاقل غير الملجأ. فقلنا: "البالغ" أخرج به الصبي، و"العاقل" أخرج به المجنون، و"الذاكر" أخرج به الغافل، والغفلة هنا تشمل النائم والمغمى عليه والناسي. ثم قلنا: "غير الملجأ". ما هو الإلجاء؟ الإلجاء أن تكون كالآلة في يد غيرك، فإذا كنت ملجأً فأنت غير مكلف.

وهناك فرق بين الإلجاء والإكراه؛ الإلجاء هو أن تفقد الاختيار تمامًا. لماذا فرقنا بين المكره والملجأ؟ لماذا قلنا المكره مكلف وإن خُص له في بعض الأمور، لكن الملجأ غير مكلف؟ قد يتساءل البعض: كيف يكون المكره مكلفًا وهو فاقد لحرية الاختيار؟ شخص يقول له: إما أن تسجنك أو تسرق هذا المال.

أريد منكم أن تمتلكوا القدرة على التعبير عن الأفكار؛ يهمني أن تكون فاهمًا ثم تعبر. لماذا المكره مكلف؟ المكره هو مهدد؛ فمثلاً يقال له: تسرق أو أسجنك، أو تشتم فلانًا أو أسجنك، والسجن إكراه، فهو في الحقيقة لا يريد أن يشتم ولا يريد أن يسرق، ولكن لماذا اختار السجن؟

يختار السرقة أو الشتم أو شيء، لأنه بالنسبة له أهون الضررين، فهو باختياره يختار أهون الشرين عليه. هو بإمكانه أن يقول لك: لا ما بدي أشر، لكن ليس بإمكانه أن يختار هذا؛ فهل المكره فعلياً زال الاختيار عنه تماماً؟ لا، بخلاف الملجأ. الملجأ قلت هو أصبح كالخاتم في يد غيره؛ مسكت شخصاً وألقيت له، فقال: لا تلقيني أصلاً أنا مش سامع صوتك، أنا مسكتك وألقيت، لكن المكره أنا أعطيته خيارين، قلت له: يا تسجنك يا تسب أو تشتم فلاناً أو تفعل فعلاً محرماً أو شيئاً، فهو الآن أمام خيارين سيختار بينهما.

هو سيختار إما السجن، أو كما فعل سيدنا يوسف: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33]، فهو إما يقع في الحرام أو السجن، فهو اختار الخيار الأصعب وهو السجن مقابل أن لا يقع في الشيء الذي هو سهل عملياً لكنه حرام. بعض الناس قد لا يضطر لشيء، فيقول لك: أنا أخاف من السجن أنا لست قدها، فيبتعد عن الأصعب اختياراً للأسهل. فالمكره مكلف، لكن هل حاله في التكليف كحال غيره؟ أم أن هناك ترخيصات شرعية في أبواب الفقه تدرس؟

نأتي الآن إلى تكملة التعريف، قلنا بسم الله: الحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين؛ لأن هناك خطابات شرعية الله يتكلم فيها عن ذاته، هذه لا نسميها حكماً شرعياً. هناك أحاديث نبوية تتكلم عن صفات الله، هذه أيضاً لا تسمى حكماً، وإن كانت خطاباً، لكن هل نسميها حكماً؟ لا، الحكم هو الخطاب النص، وما في حكم النص الذي يتكلم ويتعلق بأفعال المكلفين.

من أي جهة يتكلم عن أفعال المكلفين؟ الآن هناك آيات ونصوص في الكتاب والسنة تتكلم عن أفعال المكلفين، لكن تتكلم عنها من جهة أن الله يخبرنا أنه هو الذي خلق هذه الأفعال، مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]. هذه الآية تتكلم عن أفعال المكلفين، لكن من أي جزئية؟ أنت الآن عندما تسمع ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ هي صحيح تتكلم عن أعمال المكلفين، لكن تتكلم عنها من بعد أن الله يخبرني أنني أنا خلقت فعلك، فهي خطاب شرعي يتكلم عن أفعال المكلفين لكن من جهة إخبار الله أنه خلقها، وليس من الجهة المرادة هنا في التعريف.

ما هي الجهة المرادة هنا في التعريف؟ أن يكون الخطاب الشرعي المتعلق بأفعال المكلفين يتعلق بها من جهة ماذا؟ إما من جهة الاقتضاء أو التخيير أو الوضع. فأي آية قرآنية أو حديث نبوي، أو ما يلحق بهما من إجماع أو قياس، يتحدث عن أفعال المكلفين من جهة الاقتضاء لها أو التخيير فيها أو وضع شيء ضابط لها، فهذا الخطاب هو الذي بالتحديد نسميه حكماً. أما باقي الخطابات الشرعية الأخرى التي لا تتكلم بهذه المعايير فهي تبقى خطابات شرعية، لكن هل تسمى حكماً؟ لا.

الآن أعطيكم المعيار الأخير، وصلنا صفحة 27، آخرها قولنا: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، قولنا بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، أخرج به خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين على غير هذه الأوجه المذكورة، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، فهذا الخطاب من الشارع يتعلق بأفعال المكلفين لكنه يتحدث عن كونها مخلوقة لله سبحانه، وليس من جهة التكليف بعمل معين. باختصار، لازم يكون الخطاب يكلف بشيء معين: اعمل، لا تعمل، أنت مخير بين هذا وهذا، هذا سبب، هذا شر، هذا مانع. هذه الخطابات التي تتكلم عن أفعال المكلفين من هذه الجهة هي التي فقط تسمى حكماً شرعياً، وأما باقي الخطابات الأخرى فلا تسمى حكماً شرعياً.

أنت تلاحظين هنا مسألة في الحكم الشرعي قد لا ينتبه لها البعض، وهي أن الآية نفسها هي الحكم الشرعي، وليست ما دلت عليه الآية عند الأصوليين. ركزوا عند الأصوليين؛ ما هو الحكم الشرعي؟ ليس المعنى المستنبط من الآية، بل نفس الآية؛ يسمونها حكماً. مثل "أقم الصلاة"، الآية هي خطاب من الشارع يتعلق بأفعال المكلفين من جهة الاقتضاء، بأن ربنا يطلب منا من هذه الآية أن نصلي، فالأصح أن الآية هي الحكم وليست ما استنبط منها من وجوب الصلاة.

أما الفقهاء، وهذا الفرق بين الأصوليين والفقهاء، فالحكم الشرعي عند الفقهاء هو مدلول الآية، مدلول الحديث، مدلول القياس، مدلول الإجماع. هذا جيد أن تفهمه، أن الأصوليين يعتبرون الحكم الشرعي هو نفس الآية أو الحديث أو القياس أو نص الإجماع أو قول الصحابي هو الحكم، وأما المدلول الذي استفدناه من الآية أو الحديث أو قول الصحابة، فهذا المدلول يسمى حكماً شرعياً عند الفقهاء. هذا من الفوارق بين الأصوليين والفقهاء، انتبهوا لها.

كمل، قال: فدل هذا القيد على أن خطاب الشارع الذي يسمى حكماً هو ما تعلق بفعل المكلف على أحد هذه الأوجه الثلاثة. ما هي الأوجه الثلاثة؟ أولاً: الاقتضاء، ومعناه الطلب. ما معنى كلمة الاقتضاء يا مشايخ؟ الطلب. فكأنه قال: الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الطلب أو التخيير أو الوضع.

الآن الطلب كم نوع؟ عندما أطلب منك شيئاً، هناك نوعان: إما أطلب منك أن تفعل شيئاً، أو أطلب منك أن تترك شيئاً، وكلاهما طلب. لذلك قال: والطلب نوعان؛ طلب فعل وهو قسمان، والمقابل له طلب الترك. عندما أطلب منك أن تفعل فعلاً معيناً، هناك احتمالان: إما أن أطلب منك أن تفعل هذا الفعل على وجه الجزم، فلا مجال للاعتذار، وقد أطلب منك أن تفعل الفعل على وجه الحث، ولكن لو لم تلتزم فلا مشكلة.

فإما أن أطلب منك أن تفعل فعلاً وأنا جازم أنه لا مجال للاعتذار، أو أطلب منك أن تفعله على وجه الحث والاستحباب ولكن في مجال للاعتذار. الحالة الأولى: قال طلب الفعل قسمان؛ طلب الفعل طلباً جازماً، ويسمى هذا الخطاب الإيجاب. إذا طلبت منك أن تفعل الفعل طلباً جازماً لا مفر منه، فهذا يسمى الإيجاب. ترى هناك فرق دقيق سيأتي معنا بين الإيجاب والواجب، فركزوا على المصطلحات.

لأنه أظن أن الكتاب كتب بلغة عالية بدقة.

إيجاب مش واجب، اسمه كمل: طلب الفعل طلباً غير جازم ويسمى هذا الخطاب الندب. الحالة الثانية: أنا أطلب منك فعلاً بس ليس طلباً جازماً، يعني الأفضل أن تفعل كذا، ولكن إذا لم تفعل أنت لست آثماً، هذا ماذا نسميه؟ الخطاب ندب.

الحالة الثانية: طلب الترك، إذا خلصنا طلب الفعل؛ فطلب الفعل يا إيجاب يا ندب. طلب الترك لما أطلب منك أن لا تفعل شيئاً، لا تفعل هذا الشيء، أيضاً نفس الفكرة؛ يا أقول لك لا تفعل هذا الشيء جزماً، وهذا سيسمى تحريماً، أو أقول لك لا تفعل هذا الشيء بمعنى أن الأفضل أنك لا تفعله ولكن إذا فعلته أنت لست آثماً، هذا ماذا نسميه؟ كراهة. فمن هنا تولدت هذه الأحكام الأربعة: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة.

قال: وهو قسمان؛ طلب الترك طلباً غير جازم ويسمى هذا الخطاب الكراهة، وطلب الترك طلباً جازماً ويسمى هذا الخطاب التحريم. هذا هو النوع الأول من الحكم الشرعي ويسمى الحكم التكليفي، إذ التكليف كما ذهب إليه كثير من الأصوليين هو طلب ما فيه مشقة.

الحكم الشرعي إخواني: تكليفي، تخيير، وضع. أنا بفضل القسمة الثلاثية أجدها أكثر دقة. طبعاً بعض العلماء يفضلون أن التخييري يدخل تحت التكليفي، لكن أنا لا أرى هذا؛ بعض تيار من العلماء لا يرون هذا وأنا أسير مع هذا الرأي، لأن التكليف ما معناه؟ الآن لاحظوا، التكليف عند كثير من الأصوليين ما معنى التكليف؟ طلب ما فيه مشقة.

الطلب أين يوجد؟ يوجد في طلب الفعل أو طلب الترك، فهو يوجد إما في الإيجاب، والندب، والكراهة، والتحريم. أما الإباحة فليس فيها طلب، فلذلك إدخال الإباحة -وهو الحكم الخامس- تحت التكليف، أنا أسير مع العلماء الذين لا يدخلونه تحت التكليف. من أدخله تحت التكليف تأول ذلك، لهم تأويلات لا أريد أن أوجع رأسك بها الآن، لكن أنا أرى أنه من باب التسهيل والتحقيق أن التخييري يكون مقابل التكليفي. لذلك نحن أصلاً ماذا عرفنا الحكم الشرعي؟ خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، فإنا جعلنا التخيير مقابل الاقتضاء؛ إذاً خلص، الاقتضاء الذي هو الطلب هو التكليفي، واجعل التخيير نوعاً مقابلاً له، هذا أفضل.

قال: هو طلب ما فيه مشقة، فيدخل فيه الأحكام الأربعة التي سبق ذكرها لأنها جميعها تتضمن طلباً فيه مشقة وإن كانت متفاوتة في قدر هذه المشقة. فالإيجاب فيه مشقة، والمندوبات فيها مشقة، والمكروهات فيها مشقة، والتحريمات فيها مشقة. لا تفكر أن كلمة المشقة يعني أن تطلع جبلاً عالياً، لا، فيها أدنى إشكال المشقة، ولو أنك تخالف هواك، فمخالفة الهوى مشقة ولو كان على هذا المقدار.

الثاني: الحال الثاني، التخييري. قال: وهو الإباحة، التخييري هو حكم واحد وهو الإباحة. هذا هو النوع الثاني من الحكم الشرعي، وهو الحكم التخييري، وهو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالتخيير بين فعل الشيء وتركه، وهو لا يتضمن طلباً للفعل أو الترك، لذا فهو خارج عن حد التكليف؛ لأن التكليف تعريفه طلب ما فيه مشقة. هل الإباحة أنا أطلب منك تفعل شيئاً؟ لا، أطلب منك تترك شيئاً؟ لا، أقول لك حابب تفعل افعل، حابب ما تفعل ما تفعل، أنا أخيرك، فالأمر سواء فعلت أو لم تفعل عندي سواء، فإذاً لا يوجد طلب فعل ولا طلب ترك.

قال: فعده قسماً مستقلاً، أو لا، وإن كان كثير من الأصوليين يعده ضمن الحكم التكليفي، فيجعلون الإباحة هي الحكم التكليفي الخامس من باب إكمال القسمة مع الإقرار بأن الإباحة لا تكليف فيها. فالكل مقر أن الإباحة لا تكليف فيها كالأصل، لكن البعض يدخلها تحت الحكم التكليفي على وجه من التأويل. ومنهم من يجعل الإباحة تتضمن تكليفاً بذلك بتأويل، ليس هذا موضع الضغط، جعل فيها تكليف كما قلت ولكن ليس من حيث إنها إباحة، بل من حيث إنه يجب عليك أن تعتقد أنها مباحة، وهذا فيه نوع من التكلف، ما في داعي له.

قال: والناظم سار على هذه الطريقة، فالحق الإباحة بالحكم التكليفي، والخلاف في ذلك هين. يعني الشيخ عامر باجد الله في النظم الصغير هو جعل الإباحة من ضمن الحكم التكليفي، والخطب في ذلك هين؛ يعني الموضوع سهل، حبيت تخليها قسماً مستقلاً أو حبيت تخليها تكليفاً، المهم أنك فاهم ما معنى الإباحة.

الثالث: الوضع، وهو في اللغة النصب. النوع الثالث من الأحكام الشرعية ما هو؟ الوضعي. نحن قلنا خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. ماذا يعني الحكم الوضعي؟ الوضع في اللغة ما هو؟ النصب. فإذا أنا نصبت هذا الكأس هنا، ماذا يعني؟ وضعته. إذا نصبت راية على سطح البيت، يعني وضعتها. إذا نصبت علامة في مكان معين، حطيت إشارة مرور، وضعتها. فالوضع بمعنى النصب، والنصب هنا بمعنى رفع الشيء وإبرازه.

طيب، ما معنى الحكم الشرعي الوضعي؟ ركزوا فيه لأنه كثير من الشباب يكون ضعيفاً، هذا سهل أن يتصوره الأغلب، لكن لما يأتي الحكم الوضعي يعاني من مشكلة في تصور ماذا يعني الحكم الوضعي. قال: والمقصود بخطاب الوضع عند الأصوليين خطاب الشارع بنصب شيء سبباً لشيء، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو دالاً على صحته أو فساده، أو كونه رخصة أو عزيمة، ويسمى هذا الخطاب الحكم الوضعي.

الآن الحكم الوضعي هو أيضاً يجب أن يكون نصاً في القرآن أو في السنة أو في الإجماع أو في القياس، هو خطاب من الشارع، لكن هذا الخطاب ما مدلوله؟ في الحكم التكليفي كان خطاب الشارع يتكلم عن ماذا؟ عن طلب، ألم نقل اقتضاء؟ كان موضوعه أنه يطلب، هذا الخطاب يطلب أن أفعل شيئاً أو أترك شيئاً على وجه الجزم أو على غير وجه الجزم، أو يطلب التخيير، أو يخيرني بين فعل الشيء وعدمه. في نوع آخر من الخطابات يكون المقصود فيها ليس أنه يطلب الله منك شيئاً، وليس يخيرك بين شيء أن تفعله أو لا تفعله، لا يكون المطلوب من الخطاب أو المقصود من الخطاب إخباراً؛ أن يخبرك الله أنني جعلت هذا الشيء سبباً لهذا الشيء، أو شرطاً له، أو مانعاً منه. فمثلاً يأتينا نص فيقول لنا: الحيض مانع من صحة الصلاة. الآن في هنا تكليف؟ هل أنت سامع؟

أمر ولا نهي في الحديث ولا إيش؟ فاهم؟ ربنا يخبرنا بخطاب شارع من الله سبحانه وتعالى، يخبرنا أن الحيض يمنع من صحة الصلاة، فأنت فهمت أن الله وضع هذا الوضع، وضع الحيض مانعًا لصحة الصلاة. الله يقول لي الصلاة يشترط لها الوضوء، فأنا ماذا فهمت هنا؟ ليس هناك طلب، الطلب شيء آخر، لكن هذا النص عندما أقول لك هذا الشيء يشترط له كذا وكذا، إذاً هذا الحديث يخبرني أن الوضوء شرط للصلاة وبدونه لا تقبل.

طيب، عندما يأتيني مثلاً نص أنه إذا زالت الشمس عن منتصف السماء دخل وقت الظهر، هل هذا فيه طلب؟ هل مطلوب مني أنا أن أذهب لأجعل الشمس تروح عن منتصف السماء؟ لا، هو إخبار أنه وقت دخول صلاة الظهر، والذي هو السبب في وجوب صلاة الظهر هو زوال الشمس. فإذاً هناك كثير من الخطابات الشرعية ليست تتكلم عن أفعال المكلفين، لاحظ هي خطابات شرعية تتعلق بأفعال المكلفين لكنها لا تطلب ولا تخير، هي تخبر فقط، تخبر عن جعل شيء سببًا لحكم شرعي تكليفي.

ودائمًا الخطاب الوضعي إخواني مرتبط بالخطاب التكليفي، فلا يكون هناك خطاب وضعي بدون خطاب تكليفي، فبيكون هناك شيء ربنا يريد أن يكلفني فيه: إيجاب أو ندب أو تحريم أو كراهة أو إباحة. لكن طبيعة فلسفة الأحكام الشرعية التكليفية هي أن أي حكم تكليفي أو تخييري مرتبط بشبكة من الأسباب والشروط والموانع، وأحياناً تحتاج أن يُحكم عليها، كما عملنا في الفقه، هل هي صحيحة أم باطلة، وأحياناً أحتاج أحكم عليها هل هذا عزيمة ولا رخصة؟

أي حكم تكليفي أو تخييري لازم تحوليه مجموعة من شبكة الأسباب والشروط والموانع، والحكم أنها صحيحة أو باطلة أو عزيمة أو رخصة. عندما تأتي خطابات شرعية، ركز في هذا الكلام، عندما تأتي خطابات شرعية تتكلم عن أسباب الأحكام التكليفية، أو عن شروطها، أو عن موانعها، أو كون هذه الأفعال التكليفية صحيحة ولا باطلة، أو عزيمة ولا رخصة، عندما يأتيني خطاب شرعي هذا مضمونه، هذا الخطاب الشرعي ماذا أسميه؟ أسميه حكماً وضعياً.

فالله عز وجل يأمرني بأحكام تكليف، وهذا جزء من الحكم الشرعي، وفي نفس الوقت تأتيني خطابات شرعية تذكر شبكة الأسباب والشروط والموانع. فالصلاة قلنا لها أسباب وشروط وموانع، والزكاة ربنا قال: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، هذا تكليفي، لكن ذكرنا في نصوص الكتاب والسنة وأقوال الصحابة كثيراً من أسباب وجوب الزكاة، وشروط الزكاة، وموانعها. والبيوع، ليس عندك عقد صحيح وعقد باطل، والصلاة صلاة صحيحة وصلاة باطلة.

فأنا في الحكم الشرعي الوضعي، طبيعة الخطاب لا تطلب مني أن أفعل شيئًا أو أترك شيئًا، لا، الهدف من الحكم الشرعي الوضعي هو أن يخبرنا الله عن الأسباب التي وضعها للأحكام التكليفية، وعن الشروط التي وضعها للأحكام التكليفية، وعن الموانع التي وضعها، ومتى تكون هذه الأفعال التي فعلتموها صحيحة، ومتى تكون الأفعال التي فعلتموها باطلة، ومتى تكون أفعالكم رخصًا أو عزائم. فهي كلها خبر، هي أخبار وليست طلبًا، هدفها أن تبين لك كيف يريد الله أن يكون هذا الحكم التكليفي من جهة الأسباب والشروط والموانع والصحة والبطلان وهل هو رخصة ولا عزيمة.

فهمتم إخواني؟ يعني الحكم الوضعي هو ما وضعه الله من أسباب وشروط وموانع وصحة وبطلان ورخصة وعزيمة، أنا في الحكم الوضعي أدرسها وليست هي ابتداء تكليف. واضح؟

قال: هذا الخطاب يعرف المكلف بأسباب الأحكام التكليفية وشروطها وموانعها، ويبين صحيح العبادات والمعاملات من فاسدها، وما شرع على وجه العزيمة وما شرع على وجه الرخصة. من خلال هذا الكلام، ما هي أنواع الأحكام الوضعية الأساسية؟ سبعة: سبب، شرط، مانع، صحة، بطلان، رخصة، عزيمة. هذه هي الأحكام الوضعية.

الأحكام التكليفية ماذا هي؟ إيجاب، ندب، تحريم، كراهة، إباحة. إذا دخلنا معها الإباحة، فالأحكام التكليفية هي: إيجاب، ندب، تحريم، كراهة، إباحة. والأحكام الوضعية هي: سبب، شرط، مانع، صحة، بطلان، عزيمة، ورخصة. يجب أن تحفظ هذه الأحكام الوضعية لحالها، وهذه الأحكام التكليفية لحالها.

قال: إذ من المتعذر أن ينتظر المكلف خطابًا من الشارع كلما أدى عبادة أو أنشأ عقدًا يخبره أن عبادته أو عقده وقع على وجه صحيح أو باطل؛ كان لابد من خطاب يبين للمكلف ما هي الأسباب والشروط والموانع التي إذا استكملها المكلف حكمنا على عبادته أو عقده بالصحة، وإذا لم يستكملها حكمنا عليها بالبطلان.

جميل، من أسباب وجود الحكم الشرعي الوضعي، الآن أنت عندما تصلي صلاة الظهر، كيف تعرف أن صلاتك صحيحة ولا باطلة؟ أنت الآن صليت صلاة الظهر وسلمت، هل صلاتك تراها صحيحة ولا باطلة يا أحمد؟ نعم أحسنت، تتأكد من ماذا؟ هل أنا سبب الصلاة وجد؟ نعم، الشمس زالت عن كبد السماء، هل استجمعت شروط الصلاة؟ نعم، من أركانها وواجباتها واستقبلت القبلة، هل فعلت كل أركانها؟ نعم، إذاً هي صحيحة بالتأكيد. ولن ينزل عليك ملك يقول لك صلاتك صح، بل ستحكم أنت على صلاتك بأنها صحيحة.

كيف ستحكم أن صلاتك صحيحة من خلال الاستعانة بالحكم الوضعي؟ أنا عندي حكم وضعي، ربنا وضع لي معايير، قال لي صلاتك تكون صحيحة إذا كان عندك الأسباب، وفعلت الشروط، ولا توجد موانع، إذاً صلاتك صحيحة. من هدف وضع الحكم الشرعي الوضعي أنه كل إنسان يصبح بنفسه يعرف هل أديت العبادة أو المعاملة بالشكل الصحيح أم بالشكل الباطل، بالتأكيد لن تنتظر وحيًا عند كل معاملة أو عند كل عبادة يخبرك أنه صح أو خطأ، فلا بد أن تكون هناك شبكة معايير تعرف من خلالها أنك على صواب أم على خطأ.

هذه المعايير هي ما نسميه الحكم الشرعي الوضعي. فالله وضع لك سببًا وشروطًا وموانع، بناءً عليها تترتب الصحة والبطلان، وتأتي تبعًا لها قضية هل فعلك عزيمة أم رخصة، لكن الأفكار الأساسية هي: الأسباب، والشروط، والموانع، والصحة، والبطلان، هي التي ستجعلك تحكم على أي فعل تفعله أنه صحيح وفق ما يرضي الله أم باطل. فهذا هو هدف الحكم الوضعي؛ أن تصبح أنت تحكم بنفسك على نفسك، وليس معقولًا أنه كل صلاة يجب أن ينزل وحي أو ينزل شخص يقول لك صح أو خطأ.

نعم، الحكم التكليفي، بدأ الناظم يفصل في الحكم التكليفي فقال: "أما التكاليف ففرض وسنة وإباحة وكراهة وحرمة". لاحظ أن الشيخ عامر أدخل الإباحة ضمن الحكم التكليفي. أما التكاليف فهي: فرض، وسنة، وإباحة، وكراهة، وحرمة. وطبعًا إسقاط واو العطف هو للضرورة هنا، أصلها: أما التكاليف ففرض وسنة وإباحة وكراهة وحرمة.

بس ليش أسقط واو العطف؟ لأنه هو في ضمن السياق الشعري، والشعر يطلب من الإنسان أن يفعل أشياء لا يفعلها في النثر.

بين الناظم في هذا البيت ما الحكم التكليفي من خلال بيان أنواعه التي ينقسم إليها؛ إذ التعريف من خلال التقسيم من أشهر وأسهل طرق التعريف عند العلماء. الشيخ عامر ما عرف التكليف بالطريقة التي ذكرناها ابتداء، بل عرف الحكم التكليفي بذكر أنواعه، وهذه طريقة من طرق التعريف؛ أن تعرف الشيء بذكر أنواعه.

قال: الحكم التكليفي هو الفرض والسنة والإباحة والكراهة والتحريم. وقد بينا فيما سبق حصر الحكم التكليفي في هذه الأنواع الخمسة، وأشرنا إلى النقاش الدائر بين الأصوليين في الإباحة ووجه إدخالها في الحكم التكليفي عند من أدخلها؛ لذا ننتقل إلى الكلام عن كل نوع من هذه الأنواع بشيء من التفصيل.

ومما يجدر التنبيه إليه في هذا المقام، أن الناظم حينما قام بتعداد أنواع الحكم التكليفي، عبر بالفرض والسنة والإباحة والكراهة والحرمة، وهذه المصطلحات هي الأسماء الدقيقة للأحكام التكليفية عند الأصوليين. فالحكم عند الأصوليين -كما قلنا- إيجاب، سنة أو ندب (وكلاهما نفس المعنى)، إباحة، كراهة، تحريم. هكذا الأصل أن تتلفظ بالأحكام الشرعية عند الأصوليين: فرض أو إيجاب، طبعًا الفرض والإيجاب كقاعدة أصولية نفس الشيء، بس في الفقه لاحظنا فرقًا؛ في باب العبادات وفي باب الطهارة، في باب الصلاة وفي باب الطهارة وجدنا الحنابلة يفرقون بين الفرض والواجب، بس هذا يسمونه تفريقًا فقهيًا مش تفريقًا أصوليًا، يعني هذه قضية فقهية مش أصولية. أما أصوليًا عند الجمهور -حنابلة وشافعية ومالكية- فالإيجاب والفرض بنفس المعنى.

فإذا كان الإيجاب والفرض نفس المعنى، والسنة والندب بنفس المعنى، والإباحة والكراهة والتحريم؛ سماها الحرمة أو التحريم. طبعًا ستقول لي: ما قصدك يا شيخ؟ قصدي الأصل أن الأحكام الشرعية يعبر عنها بلفظ المصدر؛ إيجاب، فالإيجاب اسم مصدر، مش واجب ومندوب ومكروه ومحرم ومباح. أنت عادة ماذا تقول: "واجب"؛ هذا ليس اسمه الحكم الشرعي عند الأصوليين، اسمه إيجاب، اسمه ندب أو سنة، اسمه تحريم، اسمه كراهة، اسمه إباحة؛ تستعمل المصادر عندما تسمي الأحكام.

لكنه عندما أتى إلى تعريف كل نوع منها على حده، نجده عرف الواجب والمستحب والمحرم والمكروه والمباح. هذا شيء عمله الشيخ عامر؛ لما سمى الأحكام الشرعية هنا سماها بالاسم الصحيح عند الأصوليين، بس لما جاء يعرفها كل واحدة على حده، عبر بدل الإيجاب بالواجب. لاحظوا ماذا سيقول في البيت اللاحق: «ما كان مأمورًا به فذا وجب إن كان جازمًا، وإلا مستحب». عبّر بأسماء المشتقات، وهذا الأسلوب سلكه الجويني في الورقات وغيره، وهو من باب التسهيل على الطلاب المبتدئين. فعند الطالب المبتدئ لو حكى لي إيجاب وواجب أمشيها له، وحتى الأصوليين الكبار يمشونها له، ولو قال مندوب وندب أمشيها له، بس طالب متقدم في أصول الفقه لا، أقول له في فرق بين الندب والمندوب؛ الندب مصدر، والمندوب اسم مفعول، هنا أنت تتكلم عن الفعل.

نفس الشيء، ما الفرق بين الإيجاب والواجب؟ الإيجاب هو الخطاب، فنحن قلنا الحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا. لكي أرتب الفكرة في ذهنك: الحكم الشرعي هو خطاب الشارع، ما أنواعه؟ تكليفي ووضعي. التكليفي ما أنواعه؟ إيجاب، ندب، تحريم، كراهة، إباحة. والوضعي ما أنواعه؟ سبب، شرط، مانع، بطلان، صحة، رخصة، عزيمة. كل هذه الأنواع سواء التكليفي أو الوضعي هي عبارة عن خطابات.

فالإيجاب ما هو؟ هو خطاب الشارع. والندب ما هو؟ هو خطاب الشارع، لكن ما الفرق بين الإيجاب والندب؟ الإيجاب هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين الذي يطلب مني أن أفعل فعلًا على وجه الجزم، أما الندب فهو خطاب الشارع المتعلق بالفعل كمكلف، وطبيعة هذا الخطاب تطلب مني أن أفعل فعلًا على وجه الحث. والتحريم ما هو؟ هو خطاب الشارع... وتكمل التعريف. والسبب ما هو؟ هو خطاب الشارع الذي يخبرني أن هذا الشيء سبب لهذا الشيء.

الآن يتضح أن الأصوليين واضحون؛ الإيجاب والتحريم وأخواتها هي كلها خطابات، فالإيجاب هو اسم للخطاب، أما الواجب فهو اسم للفعل. فتقول: «الصلاة واجبة»، هذا الفعل واجب. فالإيجاب وصف للخطاب، تقول: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، هذه الآية إيجاب، وأما الصلاة نفسها فهي واجب.

أنت قد تقول لي: يا شيخ، هذا تفريق علمي؟ نعم، أنت تفرق بين الإيجاب والواجب؛ الإيجاب هو النص، والواجب هو الفعل الذي أخبرني النص أنه أصبح واجبًا. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، هذه الآية إيجاب، والحكم الذي استنبطته من الآية أو الفعل الذي هو الصوم، تقول: الصوم واجب. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، هذه الآية إيجاب، والحكم واجب، وجوب الزكاة. أما ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، هذه الآية إيجاب تحريم؛ لأنها تطلب منك الترك، وأما الزنا فهو محرم أو حرام.

أيضًا ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، هذا أمر، إذا هو طلب فعل، ففي هذا السياق نتكلم عن الزكاة، فهو إيجاب. إخراج الزكاة من الزروع والثمار واجب؛ فالنص هو الذي اسمه إيجاب، وما يستنبط من النص هو الواجب. النص بنسميه تحريم، وما يستنبط منه بنسميه محرم أو حرام. النص بنسميه ندب، وما استنبط منه كفعل يسمى مندوبًا. النص كراهة، وما استنبط منه كفعل هو المكروه.

فالفرق بين الإيجاب والواجب هو أن الإيجاب وصف للنص، والواجب وصف للفعل. والندب وصف للنص، والمندوب وصف للفعل. والكراهة وصف للنص، والمكروه وصف للفعل. وهكذا نفس الشيء في السبب والشرط والمانع؛ فالسبب هو النص الذي تكلم عن وضع شيء لشيء، والشرط هي الآية التي تكلمت عن وضع شيء.

لشيء، وأما الشيء نفسه يسمى مشروطًا، بس بنسمي "شرط" برضه بيزبط، يعني من باب التوسعة في الكلام، اللي هو فعليًا مشروط. فالوضوء مشروط لصحة الصلاة، بس إحنا بنسميه شرطًا من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، ففعليًا نفس الشيء.

فكرة السبب هو النص الذي أخبر بالسبب، والشرط هو النص المانع؛ مثلاً هو اسمه المنع، النص اسمه منع الحيض يمنع من الصلاة، فالحيض هو المانع، لكن النص هو المنع. هذه الدقة تحتاج إلى دقة؛ النص اسمه ترخيص، والشيء الناتج منه رخصة، بس في باب الحكم الوضعي ما بيدققوا كثير، بيسموا النص والفعل نفس الاسم، بيسموه سبب، وسبب، شرط، وشرط، بيحاولوا يفصلوا هذا التفصيل الدقيق، بس في الحكم التكليفي لا بد أن تكون أكثر دقة في إطلاق الأمور.

قال: «وهذه أسماء للأفعال التي وقعت عليها الأحكام التكليفية، وليست هي بذاتها الأحكام التكليفية». الأحكام التكليفية هي نفس النصوص، وأما الأفعال هي التي أُخذت واستُنبطت من النصوص.

قال: «فالواجب هو الفعل الذي وقع عليه حكم الإيجاب، والمندوب هو الفعل الذي وقع عليه حكم الندب، والمحرم هو الفعل الذي وقع عليه حكم التحريم، والمكروه هو الفعل الذي وقع عليه حكم الكراهة، والمباح هو الفعل الذي وقع عليه حكم الإباحة». فإذاً الواجب والمندوب هي أفعال إيجاب وندب، والمحرم مكروه، تكون هذه المعادلة واضحة.

لكن الطريقة التي سلكها الناظم سلكها قبله كثير من الأصوليين الذين صنفوا كتبًا للمبتدئين في هذا العلم، كالجويني في الورقات، فعدل عن تعريف الإيجاب إلى تعريف الواجب من باب التسهيل على المبتدئ.

نقف إن شاء الله اليوم هنا، والمحاضرة القادمة إن شاء الله نبدأ بالتفصيل في أنواع الحكم التكليفي، فنور معنى الواجب، ومعنى المندوب وهكذا إن شاء الله. وصلى الله على سيدنا محمد.