دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الأكارم في المادة الثانية لهذا اليوم، وهي مادة التعليق على متن النظم الصغير من مختصر التحرير للشيخ عامر، إن شاء الله، ومع شرحه الإيضاح والتقرير، أسأل الله أن يجعل هذا الكتاب نافعاً، وأن يجعل عملنا خالصاً.

وصلنا أيها الكرام إلى تعريف أصول الفقه لقباً، أليس كذلك؟ وقلنا أصول الفقه لقباً، ما تعريفه لقباً على الفن؟ هو قواعد أدلة الفقه الإجمالية وحال المستفيد؛ هذا تعريف علم أصول الفقه لقباً، وهو الذي يهمك الآن باعتبارك أصولياً تدرس المادة الأصولية، وسنشرع في دراسة تفاصيله.

أظن أننا شرحنا معنى كلمة القواعد، قلنا ما معنى القاعدة؟ بدأنا نمسككم أيها الشيخ، ما معنى القاعدة؟ ترى أصول الفقه أعلى من الفقه؛ فالنفس لها لذة في الفقه لأنه شيء عملي في حياتها، لكن أصول الفقه هو المنطلق، لأنه لا يمكن أن تشكل ملكة وأنت ضعيف في أصول الفقه وغير متصور لمعانيه وكلياته.

عبد الرحمن، قل لنا ما تعريف القاعدة؟ القاعدة: قضية كلية يعرف منها أحكام جزئياتها. إخواني، إذا كان هذا التعريف البسيط ما زلنا نضيع فيه، فسوف أوقف النظم الصغير ونعمل اختباراً سريعاً نختبر فيه جودة الفهم، وفي اختبار إن شاء الله الأسبوع القادم في النظم الصغير؛ أنه لا بد أن تراجع للمفاهيم. وهذه المصطلحات تذاكر وتجلس في البيت؛ القاعدة قضية كلية يعرف منها أحكام جزئياتها، تعيد التعريف ست أو سبع أو ثمان مرات.

إحنا عارف نظام الدراسة المدرسية والجامعية، لساته رابط دماغكم في طريقة دراسة العلم الشرعي، ولن تفلح إذا بقيت تدرس العلم الشرعي بعقلية الطالب الجامعي الذي يمر على المادة هكذا ويقلب الصفحات ويشوفها؛ هذه في الجامعة يمشي حالك وتنجح وتأخذ شهادة، لكن في العلم الشرعي وتكوين الملكات لا يمكن أن تكون طالب علم إلا أن تضبط المفاهيم الأساسية.

قلنا يا صالح، لماذا صدرنا التعريف بكلمة القواعد؟ لأنه تعريف العلم بالموضوع. قلنا صدرنا تعريف أصول الفقه بأنه قواعد الأدلة، ولم نفعل كما يفعل كثيرون فيقولون أصول الفقه هو الأدلة مباشرة، حتى لا نجعل تعريف العلم هو نفسه موضوع العلم؛ هذه مشكلة، فزدنا كلمة القواعد فخلصنا من المشكلة.

أين وصلنا بعد ذلك؟ الصفحة الثانية، اقرأ يا شيخ عمر. الآن سنشرح معنى كلمة قواعد أدلة الفقه الإجمالية، أنا ماشي معكم حبة حبة يا مشايخ، الله يكرمكم وراجعوا، انتهينا ماشيين بالتروي. ما معنى أدلة الفقه الإجمالية؟ قال: «قولنا أدلة الفقه الإجمالية هي مصادر التشريع التي يرجع إليها في تلقي الأحكام الشرعية».

إذن إخواني، هذا يعني هذا منطلق مهم جداً، دائماً إذا رأيت مصطلح أدلة فقه إجمالية، قلنا هذا ماذا يساوي؟ هو يساوي مصادر التشريع. أي كتاب تقرأ كلمة أدلة الفقه الإجمالية دائماً تسمعها، هي تساوي كلمة مصادر التشريع.

قال: «وهي نوعان، مصادر التشريع نوعين: واحد، مصادر التشريع المتفق عليها»، وهناك مصادر تشريع اتفق عليها العلماء أنها مرجع، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس في الجملة. وقلت في الجملة لأن هناك الظاهرية خالفوا في القياس؛ مذهب داود الظاهري وابن حزم الظاهري يرون القياس ليس مصدراً من مصادر التشريع، لكن لم يعتبر العلماء خلافهم لأن اعتبار القياس سابق الاتفاق عليه مسبقاً، فالصحابة قاسوا والتابعون قاسوا وما شابه ذلك، إذاً: كتاب، سنة، إجماع، قياس.

«مصادر التشريع المختلف فيها كالاستصلاح والاستحسان وقول الصحابي ونحوه». نعم، هذه ستأتي معنا إن شاء الله تعريفها كمصادر للتشريع، لكن هذه ما قلنا عنها مختلف فيها، ما معنى مختلف فيها؟ ليس كل المذاهب الفقهية تعتمدها كمصدر تشريعي؛ يعني لما تقرأ في كتب أصول الفقه، هل الاستصلاح الذي هو المصلحة المرسلة هو مصدر تشريعي عند كل المذاهب الفقهية الأربعة؟ في خلاف، هكذا يقولون. والاستحسان، هل هو مصدر تشريعي عند المذاهب الأربعة ولا في خلاف بينهم؟ في خلاف، وهكذا.

قال: «وهذا فيه إشارة إلى أن الأصولي إنما يبحث في الدليل الإجمالي لا التفصيلي، بخلاف الفقيه». إذاً هذا أحد أبرز العناصر المفارقة أو الخلافية بين عمل الأصولي وعمل الفقيه. قلنا الفقيه أين شغله؟ هو يتعامل مع الأدلة التفصيلية لينتج منها الأحكام. أما الأصولي، فلا يتعامل مع الأدلة التفصيلية، بل يتعامل مع الأدلة الإجمالية.

ما معنى عندما أقول الأصولي يتعامل مع الأدلة الإجمالية؟ يعني موطن بحثه وانشغاله في هذا العلم بماذا؟ بالأدلة الإجمالية؛ فيتكلم زي ما قال أخونا: الكتاب، ما الدليل على حجيته؟ السنة، ما الدليل على حجيتها؟ الإجماع، ما الدليل على حجيته؟ طيب، إذاً الكتاب حجة، كيف أتعامل مع قواعده؟ الأمر، النهي، العام، الخاص؛ فالأصولي انشغاله بالدليل إجمالاً.

وأما الفقيه فانشغاله بالأدلة التفصيلية؛ فهدفه يبحث عن آية جزئية ويستنبط منها الأحكام، يشوف حديث معين ويستنبط منه الأحكام. إذاً الأصولي شغله في الإجمال يؤصل القواعد، والفقيه شغله في التفصيلات والجزئيات التي هي نصوص الكتاب ونصوص السنة يحاول أن يستنبط منها الأحكام.

قال: «فالأصولي يثبت كون هذه الأدلة الإجمالية حجة في الأحكام الشرعية ثم يبين قواعد الاستنباط منها». فعلى سبيل المثال، يثبت الأصولي حجية السنة ويقيم الأدلة على ذلك، ثم يوضح قواعد الاستنباط منها، فيبين دلالة السنة القولية ودلالة السنة الفعلية وقواعد التعارض بين القول والفعل وهكذا، وكل ذلك في الإجماع والقياس وسائر الأدلة الإجمالية الأخرى؛ فيثبت حجيتها ثم يبحث في قواعد التعامل معها.

كل دليل إجمالي. هذا هو شرح لمعنى ماذا يا مشايخ؟ هذا شرح لمعنى أن الأصولي شغله في الأدلة الإجمالية. هذا نموذج.

أن الأصولي شغله في ماذا؟ في الدليل الإجمالي. يمسك مثلا السنة، يقول لك أولا: هل السنة حجة؟ فيقيم الأدلة على حجيتها في استنباط الأحكام منها. ثم ما قواعد التعامل مع السنة؟ عندي السنة القولية، وعندي السنة الفعلية، وعندي السنة التقريرية. كيف أتعامل مع السنة القولية؟ كيف أتعامل مع الفعلية؟ كيف أتعامل مع التقريرية؟ طب تعارضت سنة قولية مع سنة فعلية، كيف أتصرف؟ يعطيك القواعد، بعدين يقول لك أنت كفقيه خلص اذهب طبقها على الجزئيات والتفاصيل، واستنتج الأحكام واستخرج الأحكام.

فهمتم يا إخواني؟ إذا الأصولي هو الذي يصنع الماكينة، برجع أقول: هو الذي يصنع الماكينة، مش هيك قلنا؟ والفقيه هو الذي يستعمل الماكينة في الجزئيات والتفاصيل.

قولنا: كيفية الاستفادة منها. إذا أولا انتهينا من قواعد أدلة الفقه الإجمالية، الجزء الثاني في تعريف أصول الفقه وكيفية الاستفادة منها. أي أن علم الأصول يبحث أيضاً في كيفية استثمار القواعد التي تم استنباطها للوصول إلى الأحكام الشرعية والمسلك الصحيح في التعامل معها، خاصةً عند وقوع التعارض بينها. فعلم الأصول يثبت القاعدة أولاً، ثم يعلمنا كيف نستخدمها.

إذاً علم الأصول أولاً يذكر القواعد، ثم يعلمك كيف تستثمر هذه القواعد لإنتاج الأحكام. أنت شخص تقول لي أنا يا شيخ أريد أن أصبح فقيهاً، أقول لك تعال عندنا على علم الأصول، لأني سأعطيك قواعد، وسأعطيك كيف تستثمر هذه القواعد من أجل إنتاج الأحكام الشرعية لتصبح فقيهاً.

أنت لما تكون في مصنع، تدخل المصنع فيأتي المشرف يعطيك كتالوج، يقول لك: يا عمي هذا الكتالوج اذهب ادرسه وتعلم جيداً، حتى نجعلك تمسك الآلات والماكينات. فأنت هذا هو الفقيه، الفقيه هو هذا الموظف الذي يدخل على المصنع ويقول: أنا جاي أدخل لكي أنتج، فيقول له: تعال، تريد أن تعرف قواعد الإنتاج؟ التي هي قواعد أدلة الفقه الإجمالية، وتريد أن تتعرف كيف تتعامل مع قواعد الإنتاج؟ فيعلمه على الماكينة: هذه الكبسة كذا، وهذه الكبسة كذا، وهذه الكبسة كذا، وهذه تعمل كذا. إذا عرف، خلص يصبح يأخذ الماكينة وهو يستعملها فينتج لي أحكاماً فقهية.

قولنا: حال المستفيد. المراد بالمستفيد هنا المجتهد والمقلد، لأن المجتهد حال المستفيد هو الجزء الثالث من التعريف. قواعد أدلة الفقه الإجمالية، كيفية الاستفادة منها، حال المستفيد. ما المراد بالمستفيد هنا؟ المستفيد تشمل المجتهد أساساً والمقلد تبعاً.

أنا لما يكون عندي مصنع وفيه ماكينات، هل أنت يا شيخ تقبل أي موظف يأتي يشتغل عندك؟ ما تقبل أي موظف في المصنع، صح؟ تقول والله يا جماعة أنا عندي معايير للموظف الذي سأسمح له باستعمال الماكينة. الشخص الذي ليس دارساً للهندسة، مثلاً، هو شخص دارس للشريعة وجاء إلى مصنع وقال: والله حابب أن أكون عندك مشرفاً على آلات معقدة وأستعملها، ماذا أقول له؟ اذهب. لأنه عندي معايير معينة للشخص المؤهل لأن يستعمل هذا الجهاز.

وهذا نفس الشيء الذي يحصل في علم أصول الفقه. أن الأصولي بعد ما يضع الماكينة، يضع القواعد والأدلة الإجمالية ويضع كيفية الاستفادة، ويقول: يا جماعة أنا لن أخلي أي شخص يستعمل هذه الماكينة، هناك مواصفات معينة في الشخص المؤهل لاستعمالها، التي نسميها شروط الاجتهاد.

من هو المجتهد؟ الذي يحق له أن يستعمل هذه الماكينة لإنتاج الأحكام. فتجد الأصوليين دائما في آخر كتب أصول الفقه يقول لك: من هو المجتهد وما هي معايير الاجتهاد؟ أن يكون مطلعاً على القرآن والسنة والإجماع، عارفا بالمقاصد، متضلعاً باللغة العربية، وبمعرفة الصحيح والضعيف وأحوال الرجال، يضع لك مجموعة معايير. هذه يسمونها شروط الاجتهاد، وهذا جزء من بحث أصول الفقه.

فعلم أصول الفقه كما أنه يضع القواعد والماكينة وكيفية الاستفادة، يضع المعايير التي هي: من هو المجتهد المستفيد الذي يحق له أن يستفيد من هذه الماكينة وبحقه ينتج لي منها الأحكام؟ سميناه مستفيداً لأنه هذا الشخص الفقيه الذي وجدت فيه شروط الاجتهاد هو سوف يستفيد من الماكينة. كيف سوف يستفيد؟ سوف يوظف الماكينة في إنتاج الأحكام. فهو مستفيد من الماكينة. فأقول لك: تعال، ما حالك؟ هل تتوفر فيك المعايير 1، 2، 3، 4، 5؟ إذا لم تتوفر فيه المعايير فهو ليس مجتهداً، هو ماذا سيبقى؟ مقلداً.

فذكر المجتهد هو المراد ابتداءً، وذكر المقلد وأحكام التقليد إنما جاء تبعاً، وإلا الأهم هو أن يعطي معايير المجتهد الذي يحق له الاستفادة. فالمجتهد يستفيد الحكم من الماكينة؛ يتعامل معها، يشغلها، يدخل النصوص والجزئيات، فينتج. والمقلد مستفيد، لكنه يستفيد الحكم من المجتهد، وليس من الماكينة نفسها. فقولهم: "حال المستفيد"، كلمة المستفيد تصدق على المجتهد وتصدق على المقلد، لكن اختلفت طريقة الاستفادة، لأن المجتهد يستفيد من خلال الماكينة نفسها مباشرة، هو ينتج ويشغل ويخرج، لكن المقلد من أين يستفيد؟ من خلال تقليده للمجتهد.

قال: «فعلم الأصول يبين من هو الشخص المؤهل للاستفادة من قواعد الأدلة الإجمالية حتى يطبقها على الأدلة التفصيلية ويستنبط الحكم الشرعي. وما هي شروطه وصفاته؟ فليس كل مسلم مؤهل لاستنباط الأحكام الشرعية من خلال القواعد الأصولية. فلا بد إذن من بيان الاجتهاد وشروطه ومراتبه حتى يلزم كل إنسان حده ولا يتكلم في العلم من لم يحط به خُبرا، وإن كان به خُبر. نعم، وإن كان بيان حال المستفيد ليس من صلب هذا العلم في واقع الحال، لكنه احتيج لذكره على سبيل التبعي لما بيناه».

هم يقولون أصلاً، وهذا فعله السبكي في "جمع الجوامع"، يقولون فعلياً هي أصلاً بيان حال المستفيد التي هي شروط المجتهد ومعاييره، هي ليست من أصول الفقه حقيقة، لكنها من مكملاته ومجملاته. من مكملاته أني عندما أصنع الماكينة أضع شروط من يستعملها. فإذاً العلم هو صناعة الماكينة، وأصول الفقه حقيقة هي أن تصنع الماكينة، أما وضع معايير من سيستعملها فهذه مكملات، هكذا يقولون.

هكذا انتهينا من تعريف علم أصول الفقه باعتباره مركباً إضافياً، وباعتباره لقباً على هذا الفن. وهكذا انتهينا من المبدأ الأول من المبادئ العشرة، إنما مبادئ كل فن عشرة. نأتي الآن إلى المبدأ الثاني وهو موضوع علم أصول الفقه. طبعاً موضوع العلم إخواني يؤخذ من تعريف العلم، أنت من خلال تعريف العلم تريد أن ترينا ما هو موضوعه. وما معنى كلمة الموضوع؟ قال: موضوع أي علم هو المحور الذي يدور حوله هذا العلم، ومن المهم أن يفرق الطالب.

ما الفرق بين موضوع العلم وتعريف العلم يا مشايخ؟ موضوع العلم هو المحور، الفكرة الأساسية؛ خلينا أسميه الذي يحوم حوله كل مسائل العلم. فلو قلت لك علم الطب ما موضوعه؟ جسم الإنسان، لأنه كل دراستك سبع سنين في الجامعة هي تحوم حول جسم الإنسان من حيث ما الأمراض وما العلل وما الأدوية وما كله يتعلق بجسم الإنسان.

أما تعريف العلم، فلكي نذكر الفرق بين موضوع العلم وبين تعريف العلم: إذاً موضوع العلم قلنا ما هو؟ المحور الذي يحوم حوله العلم. وأما تعريف العلم فهو يتكلم عن ماذا؟ لازم تأتي هي المسائل والقواعد التي تحوم حول المحور. فلما قلنا الآن لاحظوا ماذا سيحصل؟ اقرأ أصول الفقه ما محوره؟

قال: «ومن المهم أن يفرق الطالب بين العلم وبين موضعه حتى لا يتسنى حتى لا يلتبس الأمر عليه فيحسبهما شيئًا واحدًا وهما مختلفان في الحقيقة. وبناءً على هذا موضوع علم أصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية والأنواع التي تندرج تحتها». إذاً موضوع هذا العلم ما هو؟ موضوع العلم هو أدلة الفقه الإجمالية. ليش حكينا عبارة أخرى يمكن تعبر عنها؟ مصادر التشريع. مش قلنا أدلة الفقه الإجمالية هي مصادر التشريع؟

بعض الشباب ذاكرته زي السمك، بتعرفوا زي السمك؟ الذي تحكيها بعد دقيقة أو دقيقتين شغلة ينساها بعد دقيقتين، وتظل تعيد؛ لأن الموضوع بده تركيز. موضوع علم أصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية، يعني المحور الرئيس الذي يحوم حوله هذا العلم هو هذا الموضوع: أدلة الفقه الإجمالية، لأنه كل كلامنا إثبات حجية الكتاب، حجية السنة، حجية الإجماع، حجية القياس، حجية الاستصلاح وقواعد التعامل.

فالآن موضوع العلم هو الأدلة، وأما علم أصول الفقه فهو ماذا؟ ارجع لتعريفه، ماذا قلنا؟ قواعد الأدلة. فعلم أصول الفقه هي القواعد، وأما موضوع العلم فهو الأدلة الإجمالية. إذاً موضوع علم أصول الفقه كمحور هو الأدلة الإجمالية، وأما علم أصول الفقه فهي القواعد التي تتحدث عن الأدلة الإجمالية.

نفس الشيء، موضوع علم الطب ما هو؟ بدن الإنسان، طيب شو تعريف علم الطب؟ هي القواعد والمسائل التي تتحدث عن بدن الإنسان. موضوع علم النحو شو هو؟ يلا مش دارس نحو أنت، موضوع علم النحو ما هو؟ أواخر الكلمات العربية، هذه شغلة النحوي، شو الحركة لكل حرف أخير؟ طيب ما هو تعريف علم النحو؟ هي القواعد والمسائل التي تتحدث عن آخر الكلمة. فباختصار العلم هي القواعد والمسائل التي تحوم حول محور معين، فالمحور يسمى الموضوع، والقواعد والمسائل تسمى العلم.

طبعًا في خلاف بين الأصوليين، ما موضوع علم أصول الفقه؟ البعض قال هو أدلة الفقه الإجمالية فقط، والبعض قال هو لا، هو الأحكام الشرعية. والصواب أنه أدلة الفقه الإجمالية، والحكم الشرعي هو من مقدمات علم أصول الفقه أن تعرف تعريف الحكم الشرعي وأنواعه، وليس من موضوعه.

قال: «وأما قولنا وأنواعها، فإن هذه الأدلة لها أنواع تندرج تحتها». فموضوع علم أصول الفقه قلنا ما هو؟ الأدلة الفقهية الإجمالية وأنواعها. شو يعني هذه الإضافة "وأنواعها"؟ القرآن والسنة مثلًا تحته أنواع؛ القرآن تحته أمر، نهي، عام، خاص، مطلق، مقيد، والسنة نفس الشيء فيها عام وخاص ومطلق، وتزيد أنها تنقسم إلى قولية، فعلية، تقريرية. نفس الشيء الإجماع ينقسم إلى صريح، سكوتي، ونفس الشيء القياس ينقسم إلى قياس علة، قياس دلالة، قياس شبه، هذه تسمى أنواع للأدلة الإجمالية.

فأيضًا الأصولي يبحث فيها، فموضوع علم أصول الفقه هو الأدلة الإجمالية وأنواعها، يعني الأدلة الإجمالية وما يتفرع من كل دليل إجمالي. فالكتاب يتفرع منه مجموعة أشياء، ستأتي معنا إن شاء الله، والسنة تتفرع منها مجموعة أشياء، والإجماع، وهذا يسمى أنواع تحت الدليل العام. قال: «وأصول الفقه كما يدرس الأدلة الإجمالية فإنه يدرس الأنواع التي تندرج تحتها ويتعرف على حكم كل نوع بالتفصيل».

المبدأ الثالث: ثمرة العلم. خلصنا الموضوع ننتقل للثمرة؛ الحد والموضوع ثم الثمرة. ما ثمرة هذا العلم؟ يعني ما فائدته؟ شو فائدة إني أدرس أصول الفقه؟ هي الغاية التي يرجى تحصيلها من دراسته، ولأصول الفقه غايات شريفة من علمها عرف قدر هذا العلم وأعظم أثره عنده.

فمن هذه الغايات: أولًا، معرفة المنهج الصحيح في استنباط الأحكام من الأدلة التفصيلية. أهم فائدة في دراسة علم أصول الفقه أن تصبح يا طالب العلم تمتلك منهجًا في الأحكام الفقهية. أصعب شيء عند الذين لا يدرسون المذاهب أنهم لا يمتلكون منهجًا، وإنما الفتوى فوضى، يعني على الذوق، أنت كيف شايف الأمور؟ والله أنا شايف إنها واجبة، أنت شو شايفها؟ هذا الذي يحصل مع من لا يتمذهبون، أن الفتوى عندهم لا تخرج من منهج، وإنما من فوضى ذهنية.

ولذلك لا يجوز للإنسان أن يفتي بهذه الحالة إذا لم يمتلك منهجًا. يا أخي عدلك تعمل مذهبًا خامسًا، اعمل سادسًا، بس يكون عندك منهج. إذا ما عملت منهج، لا تقول لي أنا بدي ما أتمذهب، كيف لا تتمذهب وأنت لا تمتلك منهجًا؟ كل مذهب هو عبارة عن منهج؛ الفقه الحنفي منهج، المالكية منهج، الشافعية منهج، الحنابلة منهج. طيب أنت ماذا؟ أنا والله أرجح بين المناهج، معناته أنت فوق الأئمة الأربعة ما شاء الله عنك، ما أقدر أحكي معك.

قال ثانيًا: «حفظ الدين من التبديل والتحريف والزيادة والنقصان، لأن كل مدع لحكم شرعي سيطالب بدليل على حكمه ووجه دلالته، وحينئذ تتمحص الأقوال ويعرف الحق من الضلال». أصول الفقه هو حامل الشريعة عمومًا، لأنه أي إنسان اليوم علماني، حداثي، ليبرالي، أي شخص يتكلم أمام الناس وينسب كلامه إلى الشريعة، ستقول له: انتظر دقيقة، أعطني دليلك، ثم أعطني وجه الدلالة، وما القاعدة التي اعتمدتها في استنباط وجه الدلالة على طريقة الأصوليين؟

طبعًا إذا كان لا يعرف كيف يستنبط وما هي القواعد، تعرف أنه صاحب هوى. إذا لم يؤطر الدليل ويبين وجه الاستدلال والقواعد وتكون القواعد صحيحة، سيكون الكلام خارجًا عن الهوى المحض، فيُرفض؛ فهكذا نحن حمينا الشريعة إخواني، وإلا لقال من قال ما قال.

المبدأ الرابع: نسبة العلم. يراد بنسبة العلم علاقته بغيره من العلوم، وحين نتحدث عن علاقة أصول الفقه بغيره من العلوم الشرعية، نستطيع أن نجمل ذلك بقولنا: إن علاقة أصول الفقه بعلوم الشريعة هي علاقة الوسيلة بالغاية. فما علاقة علم أصول الفقه بعلوم الشريعة؟ هل علم أصول الفقه من علوم المقاصد أو من علوم الوسائل؟ علم أصول الفقه هو علم وسيلة، آلة، ومهارة، إذا أتقنته تصل إلى الفقه، فالفقه مقصد.

وأصول الفقه وسيلة وآلة له، هذا معنى النسبة هنا. فهو من علوم الآلات لا المقاصد والغايات، فهو يعين المجتهد على فهم الكتاب والسنة واستنباط الأحكام منها.

المبدأ الخامس: فضل العلم، فهم الكتاب والسنة على الوجه الصحيح وحفظ الشريعة وصيانتها من الخطأ والتحريف. الفضل والثمرة قد يشتركان، لكن الفضل عادة يتكلم فيه عن شرف العلم وثوابه، وفي الثمرة يتكلمون عن النتائج العلمية المحسوسة، وهذا عادة ما يفرقون به بينهما.

المبدأ السادس: واضع العلم. واضع العلم هو أول من صنف فيه وجمع مسائله وأبرزها. بعض الناس يظن أن المراد بواضع العلم هو من اخترعه، وهذا خطأ؛ فواضع العلم هو أول شخص ألف كتابًا في هذا العلم.

فالآن أصول الفقه موجودة في أذهان الصحابة وعند النبي ﷺ قبل كل شيء، فهي موجودة في الطبائع والسجايا والأذهان، لكن من أول من أخرج كتابًا في هذا الموضوع؟ الشافعي؛ فالإمام محمد بن إدريس الشافعي هو أقدم من وصل إلينا كتاب له في هذا الموضوع.

هناك من يقول عن أبي يوسف، وهناك من يقول عن بعض الرافضة، لكن الصواب الذي بين أيدينا ونحن نتعامل مع شيء موجود هو كتاب الرسالة. وضع الشافعي كتاب الرسالة؛ فقد بعث المحدث عبد الرحمن بن مهدي رسالة للشافعي طلب منه أن يضع له منهجًا في الاستنباط، فألف الشافعي كتابه الرسالة العراقية، ثم هذه الرسالة فقدت.

فلما انتقل الشافعي إلى مصر، عاد فألف الرسالة مرة أخرى لكنها رسالة تختلف قليلًا عن الرسالة السابقة فيما قال، وهي الرسالة المصرية. فحقيقة الكتاب الأول الذي وضع في هذا العلم مفقود؛ هذه الرسالة العراقية لم توجد نسخة منها الآن، بل هي كتاب مفقود، ولعل الله يخرجه في يوم من الأيام، لكنه فقد في الـ 400 أو 500 سنة الأخيرة، وإلا فهو كان موجودًا في القرن الثالث والرابع والخامس، لكن فقد بعد ذلك، والله أعلم ما سبب الفقد، قد يكون بسبب هجوم التتار على بغداد وإحراق المكتبات فلم توجد أي نسخة إلى الآن.

أما الرسالة المصرية التي كتبت مرة أخرى، فهذه هي الموجودة الآن وهي التي تقرأ وتدرس. علم أصول الفقه نشأ مع الفقه منذ بداية الدعوة إلى الإسلام، لكنه كان مركونًا في الفطر، إذ هو في جله لا يخرج عن قواعد اللغة العربية التي كان يتقنها العرب الأقحاح، لكن لما توسعت رقعة البلاد الإسلامية واختلط العرب بغيرهم، وبدأ الضعف يظهر في فهم طريقة العرب في الخطاب، احتيج إلى تدوين قواعد الاستنباط صيانة للشريعة وحفظًا لها.

فكان الإمام محمد بن إدريس الشافعي أول من صنف كتابًا في هذا العلم سمي بالرسالة. جاء جوابًا على رسالة أرسلها الإمام عبد الرحمن بن مهدي يطلبه فيها تبيين طرق الاستنباط، والناسخ والمنسوخ، وحجية الإجماع ونحو ذلك، فاستجاب الشافعي لطلبه وأرسل له كتابًا عرف فيما بعد بالرسالة القديمة، وهي الرسالة العراقية التي فقدت ولم تصل إلينا، وما بين أيدينا اليوم هي الرسالة الجديدة التي أملاها الشافعي في مصر على تلميذه الربيع بن سليمان المرادي.

المبدأ السابع: اسم العلم، اسمه أصول الفقه، وهذا أشهر أسمائه، والبعض يسميه أصول، والبعض يسميه أصول الأحكام، كما ألف الآمدي «الأحكام في أصول الأحكام»، وألف بهذا الاسم أيضًا ابن حزم الظاهري، وإذا لم تخنّي الذاكرة الوليد الباجي من المالكية.

المبدأ الثامن: استمداد العلم. هذا العلم مستمد -على ما ذهب إليه أكثر الأصوليين- من علم اللغة العربية. والاستمداد يعني مادة هذا العلم، القواعد والأفكار التي تطرح فيه؛ هل استمدت من علم آخر؟ اعتمد على علم آخر في تشكيل مادة هذا العلم؟ نعم، علم اللغة العربية، وهذا بالتأكيد هو أكبر ما استمد منه علم أصول الفقه.

لأن أهم مصدرين من مصادر التشريع هما القرآن ثم السنة، وهذان المصدران لما تتعامل مع قواعدهما تجد 90% منها قواعد لغوية؛ الأمر، النهي، العام، الخاص، المطلق، المقيد، مفهوم الموافقة، مفهوم المخالفة، المنطوق، دلالة الاقتضاء، دلالة الإشارة؛ فأهم مصدرين اعتمادهما على اللغة العربية اعتماد عالي جدًا، فلذلك كثير من قواعد أصول الفقه هي قواعد لغوية في الأصل، فستجد مادة لغوية كبيرة في أصول الفقه.

الثاني: علم الكلام، أي علم العقيدة. كيف استفاد علم أصول الفقه من علم الكلام؟ الكلام متبعثر كما يقول، ليس كلامًا واضحًا جدًا؛ لأن الأصل أنني في علم أصول الفقه ليس لي علاقة بمبحث التوحيد والأسماء والصفات والنبوات والسمعيات، يعني الأصل أنه هذا ليس موضوعي.

لكن كيف استمد؟ نأخذ أفضل التصورات عندهم؛ قالوا إن إثبات حجية الكتاب -وهو أهم مصدر من مصادر التشريع- إنما يستمد من علوم العقائد. يعني حتى لتثبت أن الكتاب القرآن حجة ومصدر تشريعي، بدك تثبت مصداقية أنه نزل من الخالق، فهذا أولًا سيستدعي أن تثبت وجود خالق، إثبات وجود الخالق الصانع، وأنه أنزل كتابًا وأن هذا الكتاب معصوم؛ هذه الأدلة من أين يأتي بها الأصوليون في الفقه؟ قالوا من علوم العقائد.

أهم مصدر تشريعي هو القرآن، وحتى تثبت حجيته بدك إثبات وجود الله سبحانه، وإثبات أنه أنزل القرآن، وأن هذا القرآن معجز، وأنه ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: 42]؛ إثبات هذه الأمور وهو إثبات لأهم مصدر تشريعي، أصلًا مادته من أين تؤخذ؟ قالوا تدرس في علوم العقائد.

فلذلك حتى الأصولي فعليًا هو لا يأتي بهذه المادة لعلم أصول الفقه، وماذا يقول؟ يقول: وإثبات حجية القرآن تدرس في علوم العقائد. فتصوير أن علم أصول الفقه مستمد من علم العقائد ليس بهذا التصور الكبير كما تتوهم، نعم أنا أتفق أن أصول الفقه أصبح مسرحًا للخلاف بين المعتزلة والأشاعرة. أصول الفقه عند المتأخرين للأسف -أقول للأسف لأنها ظاهرة غير صحية وغير منتجة- أصبحت سجالًا للصراع العقدي بين الأشاعرة والمعتزلة؛ فهذا يقول شيء وهذا...

يرد عليه وهذا ينطح هنا وهذا ينطح هنا، لكن هذا خلاف عقدي؛ الأصل ألا يطرح في أصول الفقه. فإدخاله في أصول الفقه لا يجعل أصول الفقه مستمدًا من العقيدة، وإنما أقرب تصور أن يقال في استمداده من العقيدة هي فكرة أن المصدر التشريعي الأعظم وهو القرآن، إثبات حجيته أنه مصدر تشريعي يعتمد على علم العقيدة ابتداءً.

وأما تصور الأحكام، حقيقة تصور الأحكام -وأكتب عندك من باب التوضيح- هم يذكرون هذا، خاصة كثير من المتأخرين المعاصرين، يقولون إن تصور الأحكام مما استمد منه علم أصول الفقه. أولاً: تصور الأحكام؟ أكتب المراد بتصور الأحكام أن تعرف تعريف الحكم الشرعي وانقسامه إلى حكم تكليفي وحكم وضعي، وتتصور ما معنى أنواع الحكم التكليفي: ما معنى الواجب، ما معنى المندوب، ما معنى الحرام، ما معنى المكروه؟ وتعرف أنواع الحكم الوضعي: ما معنى السبب، ما معنى الشرط، ما معنى المانع؟ فيقولون تصور الأحكام إذن أن أتصور ما معنى الحكم وما أنواعه.

حقيقة تصور معنى الحكم الشرعي وأنواعه، الحكم الشرعي التكليفي والوضعي والواجب، هذا التصور هم يقولون استمد علم أصول الفقه منه، لكن العبارة التي أعتقد أنها الصواب أنه لم يستمد منه، وإنما هي مقدمات تدرس في بدايات كتب أصول الفقه حتى تعرف أن هذا العلم الذي هو أصول الفقه ما الغاية منه؟ الوصول للحكم.

صح ولا لا؟ فلازم أنا أفهم ليش أريد أن أدرس أصول الفقه؟ حتى أعرف كيف أصل إلى ماذا؟ للحكم. طيب، شو يعني الحكم؟ أريد أن أكون فاهمًا شو يعني الحكم وأنواعه: الحرام والواجب والمندوب والمكروه؛ لأنه أصلاً كل هذه الصنعة التي اسمها أصول الفقه إنما وضعت من أجل الوصول إلى الحكم الشرعي. فتصور معنى الحكم الشرعي ابتداءً سيسهل علي فهم طبيعة هذه الآلة وكيفية التعامل معها. فتصور الأحكام وإن كانوا يذكرونه مما استمد منه علم أصول الفقه، لكن أنا حقيقة لا أقول إنه مستمد منه، وإنما هي مقدمة مهمة لا بد منها ابتداءً حتى تعرف طبيعة العلم الذي تتعامل معه فقط.

المبدأ التاسع: حكم الشارع في العلم، دراسة علم أصول الفقه من فروض الكفايات. ما حكم تعلم أصول الفقه؟ فرض كفاية؛ إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقي، لأن فهم الشريعة وفقهها فرض كفاية على الأمة، ولا يتحقق هذا الفرض إلا بدراسة علم أصول الفقه وضبطه، وما لا يتم الواجب به إلا به فهو واجب.

المبدأ العاشر: مسائل العلم، وهي كل ما يدرس في هذا العلم من القواعد والمسائل. هكذا نكون قد خلصنا من المبادئ العشرة؛ إن مبادئ كل فن عشرة: الحد، والموضوع، ثم الثمرة، والنسبة، والفضل، والواضع، والاسم، والاستمداد، وحكم الشارع، والمسائل. والمسائل ما هي؟ هي كل ما سندرس إن شاء الله في هذا العلم.

أكمل. الآن نأتي إلى البيت الرابع من المنظومة، قال الناظم: علم الأصول أربع أحكام أدلة دلالة حكام

من خلال البيت، يقصد الشيخ عامر أن يعطيك خارطة علم أصول الفقه، الخارطة الذهنية لمسائل هذا العلم. فماذا قال؟ علم الأصول أربع، يعني أجزاؤه أو خارطته تتكون من أربعة عناصر. العنصر الأول الكلام عن مبحث الحكم، الذي هو تصور الأحكام الذي حكينا عنه الآن. بعدين ينتقل الأصوليون للكلام عن الأدلة، والمراد الأدلة التفصيلية أم الإجمالية؟ الإجمالية التي هي مصادر التشريع. بعدين الكلام عن الدلالة، التي هي كيفية الاستفادة من الأدلة الإجمالية. ثم أخيراً الحكام؛ من المراد الحكام؟ المجتهد، ما شروط الاجتهاد؟

فهذه هي الخارطة الذهنية لعلم أصول الفقه، طبعًا وهي مأخوذة في أكثرها من التعريف. فالخارطة الذهنية عند الأصوليين يبدأون بمبدأ أو بمبحث عن الحكم الشرعي؛ أولًا، ما هو الحكم الشرعي؟ ما هو الحكم الشرعي بأنواعه؟ فبتفهم أنت ما هو الحكم الشرعي وما أنواعه، بعد ما تنتهي من تصور مبدأ الأحكام، يلا ندخل الآن في الموضوع الحقيقي: مصادر التشريع؛ كتاب، سنة، إجماع، قياس، إثبات حجيات. وبعد الكلام عن مصادر التشريع نتكلم عن ماذا؟ عن الدلالة، والمراد بالدلالة قواعد وآليات الاستفادة من مصادر التشريع: كيف أستفيد من القرآن؟ يعني كيف القرآن يدل على الأحكام؟ كيف السنة تدل على الأحكام؟ كيف الإجماع يدل؟ ما هي الطريقة؟ ما هي الآلية؟ ما هي القواعد؟ وأخيرًا يختمون كتبهم بذكر شروط الحاكم، والحاكم هنا المجتهد.

فهذه الخارطة الذهنية، اقرأها سريعًا. من خلال التعريف السابق لأصول الفقه نستطيع أن نقول إن علم أصول الفقه يمكن حصره في أربعة أبواب: الباب الأول تصور الحكم الشرعي، وهذا الباب ليس من لب أصول الفقه على التحقيق، لكن لما كان الوصول إلى الحكم الشرعي هو ثمرة هذا العلم والمقصود منه، فاحتجنا إلى تعريفه وذكر أنواعه في مطلع هذا الفن. الباب الثاني: التعرف على الأدلة الإجمالية المتفق عليها والمختلف فيها، وهي لب هذا العلم، إذ هو قائم على بيان المصادر والأصول التي يرجع إليها في استنباط الأحكام. الباب الثالث: معرفة كيفية دلالة قواعد الأدلة الإجمالية على الحكم الشرعي، كيفية الدلالة التي هي القواعد، كيفية الاستفادة من الأدلة الإجمالية للاستثمار في الوصول إلى الأحكام الشرعية. رابعًا: معرفة شروط الاجتهاد التي تؤهل لاستخدام القواعد الأصولية في استنباط الحكم الشرعي.

شرع الناظم بعد ذلك في بيان كل قسم من هذه الأقسام على وجه مختصر يليق بهذا النظم. فالشيخ عامر في هذه المنظومة سيذكر كل هذه الأقسام الأربعة، وسيبدأ أولًا بمبحث الحكم الشرعي. طبعًا أنا لماذا أفضل هذه المنظومة -حقيقة حتى على كثير من المنظومات المختصرة- أنه الشيخ لم يتطرق للمبحث المنطقي الذي تبتدئ به عادة المنظومات أو الكتب أو حتى الورقات، ولم يبتدئ بمقدمة منطقية وبعض المقدمات اللغوية؛ الشيخ عامر اختصر عليكم هذه المسافة وبدأ معك بالزبدة، وترك بعض المباحث لكتب أعلى من هذا النظم الصغير.

سنبدأ إن شاء الله بالمبحث الأول وهو تصور الحكم الشرعي؛ ما تعريفه وما أنواعه؟ اقرأ. الباب الأول: الحكم الشرعي. قال الناظم: فالأول الأحكام في قسمين تكليف ووضع بغير مين

قال: فالأول يعني المبحث الأول في الخارطة الذهنية لأصول الفقه ما هو؟ الحكم الشرعي. قال: فالأول الأحكام، والأحكام -والمراد به الحكم الشرعي- يقسم إلى قسمين: تكليفي أو وضعي بغير مين، أي بغير شك أو كذب، فالمين هنا بمعنى الشك.

طبعًا الشيخ عامر هو يعطي الكلمات باختصار، لكن في الشرح ستجدون التفصيل بإذن الله. تقدم أن الحكم في اللغة هو المنع، تقدم معنا أن الحكم في اللغة ما هو؟ المنع. من يتذكر البيت الذي استشهدنا به؟

أبني حنيفة: «أحكموا سفهاءكم»، «أحكموا سفهاءكم»، يعني امنعوهم، إني أخاف عليكم أن أغضب. جميل، كمل.

قال: وعرفنا حده في الاصطلاح العام. ما تعريف الحكم في الاصطلاح العام؟ قلنا في الاصطلاح العام هناك تعريف للحكم. أما في أصول الفقه فالحكم له تعريف خاص. إذا بتذكروا قبل سنتين لما شرحنا، حكينا إن للحكم في الاصطلاح العام تعريفاً، وفي أصول الفقه له تعريف خاص.

فقلت: ما هو تعريف الحكم بالاصطلاح العام؟ أحسنت، إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، مش هذا حكينا الدرس الماضي؟ قيام زيد وجلوس بكر وهكذا. فالحكم بالمعنى العام هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، أما عند الأصوليين فالحكم له معنى خاص محدد، ما هو؟ قال: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. نعم، هذا تعريف الحكم عند الأصوليين.

خطاب الشارع. الحكم عندنا ما هو؟ خطاب الشارع. أي خطاب؟ الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين. طيب عن إيش بيحكي هذا الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين؟ قال: إما بالاقتضاء، يعني بالطلب، الاقتضاء هو الطلب، يا بالطلب يا بالتخيير، يا يضع عليك أسباباً وشروطاً وموانع.

فإما هذا الخطاب إذا هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين، طبعاً أنا شرحته الآن شرحاً عاماً، ورح يرجع كل كلمة أشرحها، لأني أنا التعاريف الأساسية بشرحها بالتفصيل. لكن هذا بس من باب تفهم شو الموضوع، أن الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين.

طيب ما معنى؟ عن ماذا يتكلم في أفعال المكلفين؟ عن ماذا؟ إما طلب لشيء منها، وسنقسم الطلب إلى طلب فعل وطلب ترك، أو تخيير في شيء منها، أو وضع ضوابط لها؛ زي ما بندرس الآن في بداية العبادات: شروط الصلاة، واجبات، أركان، أسباب. هذه طبعاً لا يجوز تسميتها واجبات وفروض لأن هذه تدخل في التكليفي، بس في الوضعي شروط الصلاة وموانع وأسباب، هذه كلها تسمى ضوابط وضعية وضعها الله حتى تعرف الطرق التي ستؤدي بها هذه العبادات أو هذه المعاملات. كمل، الآن سنشرح إن شاء الله.

شرح التعريف: قولنا خطاب لفظ يفهم منه من سمعه شيئاً مفيداً سواء قصد المتكلم إفهام السامع أو لم يقصد. ما معنى كلمة الخطاب؟ نبدأ بأول كلمة، قلنا خطاب الحكم الشرعي هو خطاب الشارع. شو معنى كلمة خطاب؟ الخطاب يعرفونه بأنه قول يفهم منه السامع شيئاً. فإذًا الخطاب يستدعي وجود مخاطب. أنا لما بدي أخاطب أكيد ما بتكلم مع نفسي، أنا بدي أخاطب بده يكون في مخاطب. إذًا قول يفهم منه السامع شيئاً، سواء أنا قصدت أفهمك هذا الشيء أو لم أقصد.

بعضاً، يعني أنت كسامع ممكن تستنبط من كلامي فوائد، ممكن أنا مش قاصد أوصلها إليك بس أنت استفدتها، وهذا يحصل. بس هذا يحصل في كلام المخلوقين، أما في كلام الخالق فكل شيء ستستنبطه من كلام الخالق قصده الله. لكن نحن كضعاف، أنا ممكن أحكي لك كلاماً عاماً وأنت تستفيد كسامع من كلامي أشياء كثيرة، منها ما قصدت أني أفهمك إياها، ومنها أشياء بجوز أنت فهمتها من كلامي وأنا مش قاصد أصلاً أنك تفهمها، لكن سبحان الله أنت فهمتها ووصلت إليها.

فلذلك أعاد تعريف الخطاب، قال: لفظ يفهم منه من سمعه شيئاً مفيداً سواء قصد المتكلم إفهام السامع أو لم يقصد. يعني سواء أنا قصدت أفهمك ولا ما قصدت أفهمك أنت فهمت. وعليه يكون أطلق الخطاب وهو مصدر، وأراد المخاطب به وهو اسم مفعول، كما يطلق الكتاب ويراد به المكتوب.

لو سألتك الخطاب هنا لما عرفناه شو عرفناه؟ قلنا الخطاب هو اسم للقول الذي يتكلم به الإنسان ويفهم منه السامع. لكن حقيقة كلمة الخطاب من حيث اللغة، ما نوعها من المشتقات؟ هل هي اسم فاعل، اسم مفعول، مصدر؟ كلمة خطاب هي مصدر على وزن فعال. الخطاب مصدر، والمصدر يدل في اللغة على الحدث. فالمثل قلت الأكل، ما هو الأكل؟ الأكل في الأصل هو عملية التناول للطعام، لكن أصبحنا بعد ذلك من باب المجاز نطلق الأكل على نفس الشيء المأكول.

مش أنا بقول لك جيب الأكل؟ أنت بتقولي يا شيخ الأكل هي عملية تقوم أنت بها، فكيف بتقولي جيب الأكل؟ هل الأكل شيء يؤتى به؟ بقول لك نعم، الأكل بالمعنى المصدر هو عملية يقوم بها اللسان، لكن من حيث المجاز أصبح يطلق المصدر ويراد به العين المأكولة، فأصبحت أسمي هذا مثلاً أكل، ولكن هذا مجاز لأنه الأصل أن الأكل هي العملية.

نفس الشيء هنا، الخطاب هو في الأصل ماذا؟ هي عملية يقوم بها الإنسان، فلو أردت أن أعرف الخطاب، فالخطاب هو تصرف إنساني باستعمال اللسان لإيصال فوائد للآخرين، هو عمل. لكن هل قلت في تعريف الخطاب أن الخطاب هو عمل؟ شو عرفت الخطاب عندكم؟ لفظ. فأطلقت الخطاب مش على العمل، أطلقت الخطاب على الناتج من العمل وهو اللفظ الذي تكلمت به، فبفرجيك رسالة بقول لك هذه الرسالة خطاب. هي فعلياً في الأصل الخطاب ما هو؟ الخطاب هو العملية، هو فعل، لكن أصبح مجازاً يطلق على الثمرة وهو القول الذي تم مخاطبتك به، فهذا معنى قولنا أن إطلاق الخطاب على القول إطلاق مجازي، وإلا الأصل في الخطاب هو عملية الحديث وليس نفس الحديث. أنتم ملاحظين شو اللي صار؟ الخطاب هي عملية الحديث، بس أصبح يطلق على نفس الحديث أنه خطاب.

قولنا الشارع، وهو الله سبحانه وتعالى حقيقة، ويطلق كذلك على النبي ﷺ باعتباره مبلغا للحكم عن الله. إذاً هل يجوز إطلاق الشارع على النبي ﷺ؟ طيب هل يجوز إطلاق الشارع على المجتهدين من العلماء؟ يسمون مشرعة؟ حقيقة من باب إذا أطلقت هذا اللفظ عليهم باعتبار أنهم مخبرون عن الشارع الحقيقي وهو الله، فيها تجوز مقبول. لأنه حتى النبي ﷺ لو أطلقت عليه الشارع هو فعلياً ليس شارعاً بالمعنى الحقيقي، لأن المشرع الحقيقي هو الله سبحانه فقط، وإنما النبي ﷺ مبلغ.

فلذلك لو أطلقته على النبي ﷺ أو على المجتهدين من باب أنهم يخبرون عن الله فهذا إن شاء الله فيه سعة. ويدخل فيه كذلك جميع مصادر التشريع الأخرى باعتبار دلالتها على حكم الشارع، وباعتبار أن الشارع سبحانه وتعالى هو الذي أرشدنا لأخذ أحكامه منها، إما عن طريق كتابه أو عن طريق رسوله ﷺ. هذا مهم جداً، لما نقول الحكم الشرعي هو خطاب الشارع، هسه مفهوم أنه يكون خطاب الشارع في القرآن، وخطاب الشارع في السنة. طيب كيف يكون خطاب الشارع في الإجماع؟

كيف يكون خطاب الشارع في القياس؟ وأنا الذي أنشأت القياس وفكرت فيه، كيف يكون القياس خطاب شارع؟ وكيف تكون المصلحة المرسلة خطابًا للشارع؟

هذه مسألة تحتاج لتفكير؛ لأننا قلنا الحكم الشرعي، سؤال: أنت الحكم الشرعي بس بتأخذه من القرآن والسنة؟ ولا في أماكن ثانية بتأخذ منها الحكم؟ شو مالكم ساكتين هنا؟ الحكم الشرعي أنت بس بتأخذه من القرآن والسنة؟ ولا ممكن آخذه من الإجماع؟ ممكن آخذه من القياس، ممكن آخذه من قول الصحابي، ممكن آخذه من شرع من قبلنا، فعندك مصادر كثيرة للتشريع.

فالآن الحكم الشرعي اللي راح آخذه من القرآن، هذا واضح خطاب الشارع. والحكم الشرعي من السنة، هذا واضح خطاب الشارع. طب الحكم الشرعي اللي راح آخذه من القياس؟ كيف هو خطاب الشارع؟ والحكم الشرعي اللي راح آخذه من قول الصحابي، كيف هو خطاب الشارع؟

فهنا ماذا قلنا؟ قلنا كلمة الشارع هنا بدنا شوية نوسعها ونخليها فضفاضة، فنقصد بالشارع أساسًا الله عز وجل، وتبعًا النبي ﷺ باعتباره مبلغًا عن حكم الله. وندخل في كلمة الشارع هنا جميع مصادر التشريع؛ تدخل تحت كلمة الشارع جميع مصادر التشريع الأخرى باعتبار أنها أيضًا تدل على مراد الله، إذا استعملت بالشكل الصحيح، فهي أيضًا شارع؛ فالقياس شارع، وقول الصحابي شارع، والمصلحة المرسلة شارع، والاستحسان شارع، كيف هي شارع؟ لأنها تدل على مراد الله إذا استعملت بالشكل الصحيح. لذلك كلمة الشارع هنا تشمل الله ابتداءً ثم النبي ﷺ ثانيًا، ثم جميع مصادر التشريع.

حتى تشمل بالحكم الشرعي جميع مصادره. إذا هو خطاب التشريع، خليها -إذا بدك تقول- المتعلق بنعم. قولنا المتعلق بأفعال المكلفين، أريد به الاحتراز عن خطابات الشارع التي لا تتكلم عن أفعال المكلفين، فإنها لا تسمى حكمًا شرعيًا عند الأصوليين. الآن في آيات قرآنية كثير هي خطابات من الله، وأحاديث نبوية عن النبي ﷺ، لكنها لا تتكلم عن أعمال المكلفين. مش في آيات قرآنية بتتكلم عن أسماء الله الحسنى؟ هل نقول هذه خطاب شارع؟ هل نسميها حكمًا شرعيًا؟

خطابات الشارع التي لا تتحدث عن أعمال المكلفين هي ليست حكمًا شرعيًا، وإنما هي إخبارات. مثلاً قصة يوسف عليه السلام، هل هي حكم شرعي؟ هي خطاب من الله، بس هي ليست حكمًا شرعيًا وإنما فوائد نستفيد منها وعبر نعتبر بها. فإذن كلمة المتعلق بأفعال المكلفين هذا القيد إنما أتيت به لأخرج أولاً خطاب الشارع الذي يتعلق بذاته سبحانه، كقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: 18]. هنا الله يتحدث عن نفسه، هل هذه الآية نقول حكم شرعي؟ لا، هي خطاب شارع لكنها ليست متعلقة بأفعال المكلفين، فلا نسميها حكمًا شرعيًا وإنما تبقى خطابًا للشارع بس.

وكذلك خطاب الشارع المتعلق بصفته كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وخطاب الشارع المتعلق بفعله كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ الله يخبر عن فعله أنه الله خالق كل شيء، هذه ليست حكمًا شرعيًا بالمعنى الأصولي لأنها ليست متعلقة بأفعال المكلفين. وخطاب الشارع المتعلق بالجماد أو الحيوان أو الملائكة كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾؛ هذا خبر عن الجبال، هذا ليس حكمًا شرعيًا وإن كانت خطابًا لله.

وخطاب الشارع المتعلق بذوات المكلفين كقوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾؛ الله عز وجل يتكلم عنا، عن الإنسان، إنه كان ظلومًا جهولًا، هل هذا حكم شرعي ولا خبر؟ هذا خبر وليس حكمًا شرعيًا، هل أنت مأخذ لنا حكمًا؟ إذاً هي خطاب من الله من الشارع لكنه ليس حكمًا. لأن الحكم لازم يتكلم آية قرآنية أو حديث يتحدث عن أفعال المكلفين بالاقتضاء أو بالتخيير أو الوضع، وأي خطاب لا يتكلم بهذه الفكرة وإن كان خطابًا من الشارع لكنه لا يسمى حكمًا شرعيًا. فكل هذه الخطابات من الشارع لكنها لا تسمى حكمًا شرعيًا لأنها لا تتعلق بأفعال المكلفين.

طيب، سؤال: من هو المكلف؟ الآن قلنا إذاً الحكم الشرعي خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين، فهنا لما قلنا بأفعال المكلفين لازم نعرف يا شيخ أحمد من هو المكلف؟ هل أنت مكلف ولا غير مكلف؟ في ضوابط للتكليف، قلنا ما هي؟ واحد: البالغ، العاقل، الذاكر، غير الملجأ. لما أقول إنه فلان مكلف ولا غير مكلف بدي أتأكد من وجود أربع معايير فيه.

أن يكون بالغًا، والبلوغ يعرف بالعلامات المعروفة لديكم ندرسه في الفقه إن شاء الله. عاقل، فالعاقل أخرج المجنون. ذاكر، أخرج أي شكل من أشكال الغفلة مثل النوم والإغماء وحتى النسيان. فالذاكر يخرج النائم والمغمى عليه والناسي؛ لأن المغمى عليه لا نقول إنه مجنون غير عاقل، والنائم واحد بينام بيصير مجنون؟ لا، بس يسمى غير ذاكر، غفلة. إذًا: البالغ، العاقل، الذاكر، غير الملجأ.

حتى تكون أنت مكلف لازم تكون بالغًا، عاقلًا، ذاكرًا -يعني مش نايم أو مغمى عليك- وتكون غير ملجأ. من هو الملجأ؟ حتى أعرف ما معنى أن أكون غير ملجأ؟ الملجأ هو من أصبح كالآلة في يد غيره. الملجأ هو الشخص الذي أصبح كالآلة في يد غيره، فإذا أنت كنت كالخاتم في يد غيرك، ففعل بك وأنت في هذه الحالة أفعال أنت غير مسؤول عنها أمام الله، أنت مش مكلف.

يعني أنا رحت مسكت الشيخ جبريل ورفعته وألقيته على الأخ الذي وراءه فمات، هل جبريل مكلف في هذه الحال ومسؤول أمام الله عن النتيجة التي حصلت؟ لا، ليه؟ لأنه فقد السيطرة على نفسه وأنا المتحكم فيه، فأصبح ملجأً. ملجأً يعني مضطرًا للحالة التي حصلت، هو لم يفعلها باختياره، وإنما أصبح خاتمًا في يد غيره. فأصبح خاتمًا، أنا الذي ضربت به غيره، فهو في هذه الحالة غير مكلف وغير مسؤول عن كل ما سينتج من ضمان وديّة وأحكام وتوابع، لأنه هو يفقد السيطرة تمامًا على الاختيار. فحتى تكون مكلف لازم ما تكون ملجأً، إذا كنت ملجأً في حالة الإلجاء هذه، خرجت عن حد التكليف.

طيب سؤال: هل هناك فرق في أصول الفقه بين الملجأ والمكره؟ الصحيح نعم. المكره هو الذي يفعل فعلًا لا يريده لكنه اختاره بإرادته. شو يعني؟ أنا لما أقول لك: اشرب هذا الماء أو أحبسك، الحبس إكراه ولا مش إكراه؟ إكراه، نفس لا تحب، ما في حد بيحب ينحبس، فلما أقول لك اشرب هذا الماء أو أحبسك، الآن أنت...

هل شربك للمياه منقول لأنك الآن مكره، أنت غير مكلف في شربك للماء؟ الصواب فيها خلاف طبعًا هي المسألة بين الأصوليين، لكن ما عليه الجمهور أن الإكراه لا يرفع التكليف، وهذا مذهبنا. ومذهب الجماهير أن الإكراه لا يرفع التكليف.

تقول: كيف ما رفع التكليف؟ ما هو يشرب وهو كاره، ما بده يشرب. نعم، هو ما بده يشرب، بس أنت اخترت الخيار الأصعب أو عفوًا، أنت اخترت أخف الضررين. أنت اخترت أخف الضررين بإرادتك لأنه أنت الآن معك خيارين؛ يا بتشرب يا بتروح على السجن، بس في واحد فيهم أسوأ من الثاني، فأنت اخترت الأخف دفعًا للأسوأ، صح؟ فإذًا هل الإكراه رفع الاختيار تمامًا؟ لا.

الإكراه أنت ستختار الأخف شرًا دفعًا للأسوأ شرًا، وأما الإلجاء فأنت فقدت الاختيار تمامًا. أنا لما مسكت جبريل، جبريل الآن هو قادر يتحكم بأي اختيار له بشكل من الأشكال؟ هو خلص فقد السيطرة تمامًا، فالذي يرفع التكليف هو الإلجاء وليس الإكراه. لكن من باب الفائدة، الإكراه وإن كان لا يرفع التكليف لكنه سبب في ترخيص الشارع في الكثير من الأحكام.

لما تكون مكره أنت مكلف، بس إيش؟ راح نعطيك رخص في كثير من الأحكام، لذلك قال ربنا: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]. فلو شخص قال: يا بعذبك عذاب شديد يا تكفر بالله العظيم، سورة النحل شو بتقول؟ يا عمي إذا أكرهك على عذاب شديد، صعب هسا أنت راح تختار كلمة الكفر، راح تختار كلمة الكفر لأن ربنا أعطاك هذا الترخيص وقال لك اختار هذا الخيار الأسهل في هذه الحالة دفعًا لضرر ماذا؟ التعذيب الشديد الذي ستتعرض له. فأنت لما اخترت كلمة الكفر حتى تدفع العذاب عنك، هل أنت مكلف في هذه الحالة ولا غير مكلف؟ مكلف، بس إيش؟ ربنا أعطاك الترخيص، فكونه ربنا بيعطيك الأسهل وبيسهل عليك لأن الشريعة مبنية على اليسر، مش معناتها إنه أنت وأنت مكره مش مكلف، لا أنت مكلف.

لذلك الإكراه في بعض الأحكام المكره ملزم. لو مثلاً أكرهتك قلت لك: يا بتقتل جبريل يا بقتلك، شو الخيار؟ معطيه هون ياخذ الأسهل ولا خلص بقتل جبريل؟ لا، في مثل هذه الصورة من الإكراه ما بيصير هو يختار قتل أخوه وبده يتحمل قضاء الله عليه، من قتل هو؟ لأنه نفس أخوك، مش أرخص من نفسك، فتقول لا بقتل أخوي مشان أحافظ على نفسي، لا ما بيطلع لك.

وكذلك مثلاً لو أكره يا تزني بهذه المرأة يا بنقتلك، أكثر الفقهاء على أنه لا يجوز أن يزني بها، وجعلوا الزنا في مرتبة القتل، فليس لك أن تأخذ برخصة وتقول أزني بها حتى أدفع الإكراه عن نفسي. البعض جاز ذلك، مش موضوعي الآن بس لحتى تفهم أن الإكراه لا يرفع التكليف وإنما هو سبب في الترخيص والتسهيل، وأما الإلجاء فهو يرفع التكليف تمامًا لأن خلص أنت فقدت كامل السيطرة على قواك الإرادية.

نختم نقرأ هذا المبحث ونختم اليوم: «فالصبي ليس بمكلف لأنه غير عاقل، والمجنون غير مكلف لأنه غير عاقل، والناسي والنائم غير مكلفين لأنهما غافلان فلا يمكن توجيه الخطاب إليهما حال الغفلة، والملجأ على تصرف وهو من صار كالآلة في يد غيره».

«وهو من صار كالآلة»، هذا تعريف الملجأ، من صار كالآلة في يد غيره، يعني صار خاتم في إصبع غيره، كمن ألقي على شخص فمات ذاك الشخص، ذاك غير مكلف لأنه مسلوب الإرادة، وذلك بخلاف المكره الذي يجبر على فعل تصرف لكنه يقدم عليه بنفسه فإنه يعد مكلفًا عند الأكثر.

فهمتم إخواني ليش اعتبرناه مكلف؟ لأن الاختيار لم يعدم تمامًا، أنت عم تختار بس عم تختار أخف الضررين دفعًا لأسوأهما. وإن كان هناك تفصيل في أحكامه، وأما القيد الأخير فهو القيد الذي سيأخذ وقت ويحتاج إلى تركيز أكثر، فنتركه إن شاء الله للمحاضرة القادمة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.