دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، أحمده سبحانه وحمد الذاكرين الشاكرين، وصلى وسلم على نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

حياكم الله أيها الأكارم في المجلس الثاني من التعليق على النظم الصغير لشيخنا الشيخ عامر، أسأل الله أن يبارك في عمره وعمله. ما زلنا في البدايات، وما زلنا نتكلم عن تعريف علم أصول الفقه.

أيها الكرام، عنوان العلم إذا كان مركبا فينبغي أن يعرف في العادة تعريفين: النوع الأول هو التعريف الإضافي، يعني التعريف باعتبار أجزائه. والنوع الثاني هو التعريف اللقبي، يعني تعريف هذا التركيب بعد أن وضع لقبا لهذا الفن.

بدأنا بالتعريف الإضافي، فقلنا: أصول الفقه مركب من ثلاثة عناصر: أصول، وفقه، والنسبة الإضافية التي هي إضافة الفقه إلى الأصول. فبدأنا بتعريف الأصول في الدرس الماضي، وهو الجزء الأول.

الأصول جمع أصل، والأصل في اللغة هو كل ما بني عليه غيره. وهذا تعرفه في اللغة سواء كان هذا البناء بناء حسيًا في عالم المحسوسات، أو بناء معنويًا في عالم المسائل؛ فالآية القرآنية التي تستنبط منها حكما تسمى أصلاً لأن الحكم بني عليها، فتسمي الآية القرآنية أصلاً، أو الحديث النبوي أصلاً للحكم الشرعي، وهي تسمية لغوية وشرعية لأنها بمعنى البناء.

أما في اصطلاح الأصوليين، فإن كلمة الأصل لها عدة إطلاقات، منها: يطلق الأصل على القاعدة المستمرة، كقولهم: «الأصل في الأعيان النافعة الإباحة»، و«الأصل في الأبضاع التحريم». فمعنى كلمة الأصل هنا عند الأصوليين هو القاعدة المستمرة أو القاعدة العامة، ما لم يستثنَ منها شيء.

ويطلق الأصل على الراجح، كقولهم: «الأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز»، أي الراجح فيه الحقيقة لا المجاز. فإذا قلت: «الأصل في الكلام أن يحمل على الحقيقة»، فمعنى الأصل هنا بمعنى الراجح.

ويطلق الأصل على المقيس عليه في باب القياس، كقولهم: «الخمر أصل والنبيذ فرع، والإسكار علة، والحكم التحريم». ففي تعريف القياس بأنه إلحاق فرع بأصل، يكون معنى الأصل هنا هو المقيس عليه، وهو الشيء الذي تقيس عليه، فتقول: «الخمر أصل» أي هي ثابتة ابتداء وسأقيس النازل الواقع عليها.

ويطلق الأصل على الدليل، كقولهم: «الأصل في تحريم الميتة قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾»، أي الدليل على تحريمها. فإذا قال ابن رشد في بداية المجتهد: «الأصل في تحريم كذا وكذا الكتاب والسنة والإجماع»، فمعنى الأصل هنا هو الدليل.

إذن، أصبح لدينا أربعة إطلاقات للأصل: يطلق بمعنى القاعدة المستمرة، ويطلق بمعنى الراجح، ويطلق بمعنى المقيس عليه، ويطلق بمعنى الدليل، وهذا حسب السياق.

والأنسب لما نحن فيه، وهو علم أصول الفقه، أن نقول إن الأصول هنا بمعنى الدليل؛ لأننا في أصول الفقه نبحث عن أدلة الفقه التي هي مصادر التشريع، فالأنسب أن تفسر كلمة الأصول هنا بمعنى الأدلة. وهذا المعنى هو الذي يفسر به الأصل في المركب الإضافي الذي نحن بصدده، وهو «أصول الفقه»، فالمقصود بالجزء الأول من المركب الإضافي هو «الأدلة».

انتقلنا الآن إلى الجزء الثاني من المركب الإضافي وهو «الفقه». الفقه لغة هو الفهم مطلقا. وسأعتمد أننا درسنا تعريفه في المدخل، حيث بسطنا الكلام في الفقه وكيف تطور هذا المصطلح عند المتقدمين وعند المتأخرين، فسنمر عليه سريعا.

الفقه هو الفهم، سواء كان فهما للمسائل الواضحة الجلية، أو الدقيقة الخفية؛ قال تعالى: ﴿فَمَا لِهَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [المجادلة: 3]. وقال في موضع آخر إخباراً عن موسى عليه الصلاة والسلام...

«والسلام، واحلل عقده من لساني، يفقه قولي». وتعليق لفظ الفقه في الموضعين بعموم الحديث والقول، دل على شموله للجلي والخفي.

فلما قال تعالى: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾؛ هنا الكلام عن قوله: «يفقهون حديثًا». كلمة «حديثًا» جاءت نكرة في سياق النفي، فيدل على العموم، هكذا القاعدة: إذا جاءت النكرة في سياق النفي، فالمراد أي حديث؛ سواء كان حديثًا واضحًا بينًا أو حديثًا خفيًا. وهذا معنى أن كلمة الفقه هي الإدراك والفهم، فهم المسائل سواء كانت مسائل جليّة واضحة أو خفية دقيقة تحتاج إلى جهد.

والدليل على أن الفقه هو الفهم لأي مسألة كانت، واضحة أو خفية، هذه الآيات. ففي الآية الأولى قال سبحانه: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾، فكلمة «حديثًا» نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فدل هذا على أن الفقه عُلِّق بعموم الحديث؛ أي يفقهون أي حديث، سواء كان حديثًا محتاجًا لدقة أو حديثًا واضحًا بينًا. وكذلك قول موسى عليه السلام: «يفقهوا قولي، واحلل عقده من لساني».

الآن أيضًا سيأتي معنا إن شاء الله في باب العموم أن من صيغ العموم: «كل مضاف إلى معرفة». فكلمة «قولي»؛ القول أضيف إلى الضمير، والضمير معرفة، فإذاً المراد بالقول عموم الأقوال؛ يفقه كل قول لي، سواء كان من الأقوال الجلية أو الأقوال الخفية.

فباختصار، في كلا الآيتين عُلِّق الفقه بعموم الحديث في الآية الأولى، وعُلِّق الفقه بعموم القول في الآية الثانية، مما يدل على أن الفقه -كما مر معنا في المدخل- ليس خاصًا بفهم المسائل فقط الدقيقة العويصة، بل أقول: فقهت المسألة وهي مسألة واضحة جالية لا إشكال فيها، مثل: «1+1=2»، أقول: فقهت هذه المسألة، مع أنها واضحة جليّة. وكذلك «جذر 576»؛ أقول: فقهت هذه المسألة، مع أنها مسألة تحتاج إلى شغل وعمل ذهني.

قال: وذهب الشيرازي وتبع بعض الأصوليين إلى تقييد الفقه لغة بالفهم الدقيق، والأول أصح وأشهر. الشيرازي وابن القيم -الذي يظهر لي أنه يميل معه في إعلام الوقائع- يرى أن الفقه ليس خاصًا بالفهم للأمور الدقيقة العويصة. أما عند الشيرازي، فمثلاً في مسألة «1+1=2»، ما يسميها فقهت المسألة، بل تقول فهمتها؛ لأن الشيرازي يقول لك لا تقل فقهتها، لأن هذه يفهمها الغبي فلا يقال فيها فقهت، أما فقهت فتكون في المسائل التي تحتاج إلى الذكاء العالي، لكن القول الأول والأظهر -والله أعلم- أن الفقه عام في المسائل الخفية أو الجليلة.

اصطلاحًا: العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. هذا هو التعريف المشهور للفقه عند العلماء. طبعًا هنا لم أذكر الفقه شرعًا، لأنكم تتذكرون في كتاب المدخل ذكرنا الفقه لغة، وشرعًا، واصطلاحًا. أحياناً أحس أنه ذاكرة منسوخة عندكم، فأنظروا في وجوه البعض، وحكى الشيخ -كأني خمسة أشهر أخوان وما صارنا شهرين- أننا نحتاج مراجعة أولًا بأول، الله يكرمكم. فأنا هنا اقتصرت على الفقه اصطلاحًا ولم أذكر الفقه شرعًا لأنه ليس موضوعي.

قولنا: العلم، أي الإدراك، سواء كان جازمًا أو مظنونًا. إذاً، العلم بالأحكام؛ سنفصل هذا التعريف. ما المراد بالعلم هنا؟ أنا لما أقول العلم بالأحكام، العلم بمعنى الإدراك للشيء، وهنا العلم لا أريد به الجزم، العلم هنا ليس مقابل الظن. العلم بالأحكام في هذا المقام هو العلم بالمعنى المنطقي، وهو أي إدراك سواء كان إدراكًا على وجه الجزم أو إدراكًا على وجه الظن.

لماذا أقول هذا؟ لأنه أحيانًا العلماء يطلقون العلم مقابل الظن والشك، فيكون العلم يعني الإدراك الجازم، وهذا الذي قد نكون أخذناه في مدارج عندما قرأنا المنظومة. لكن أحيانًا يطلق العلم بمعنى أي إدراك، سواء كان إدراكًا على وجه الجزم أو إدراكًا على وجه الظن أو ما دون ذلك؛ أي وجه إدراك يسمى علمًا. فالعلم أحيانًا يطلق مقابلًا للظن، ويطلق أحيانًا بمعنى أي إدراك سواء كان جازمًا أو مظنونًا. فهنا العلم فسرته بعموم الإدراك، سواء الإدراك على وجه الجزم 100% أو الإدراك على وجه الظن.

قال: إذاً أعيد مرة أخرى قولنا: العلم أي الإدراك سواء كان جازمًا أو مظنونًا. وكلمة «خلافه لمن خص العلم هنا بالمظنون»؛ ليخرج الأحكام القطعية كوجوب الصلاة والصيام ونحوها من حد الفقه، ليجعل الفقه كله من قبيل الظنون. هذا المصطلح -كما قلنا في المدخل- أن بعض المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم يرون جعل الفقه كله من باب المظنونات، فأي مسألة فقهية قطعية يقولون هي ليست فقهًا، بل يجعلونها ضمن أصول الدين.

نحن نقول: لا، يعني وجوب الصلوات الخمس، هذا شيء قطعي، ووجوب صيام رمضان، هذا فقه أم ليس فقهًا؟ عند المتكلمين ليس فقهًا، يقولون لك هي أصول دين وليست فقهًا. نحن ما نقول ذلك، هي فقه حتى ولو كانت قطعية. فكثير من المتكلمين أرادوا أن يحصروا الفقه في المسائل الظنية فقط ويخرجوا منها المسائل القطعية ليجعلوها من أصول الدين، فنحن نقول لا، أي مسألة تتعلق بأعمال المكلفين فهي مسألة فقهية سواء كانت قطعية أو مظنونة؛ فوجوب الصلوات الخمس مسألة فقهية، وكذلك بعض تفاصيل الصلاة المظنونة هي مسائل فقهية.

قال: فمصطلح الفقه يشمل الأحكام العملية القطعية والظنية على حد سواء، هذا هو الصحيح. وقولنا: «الأحكام»، احترزنا به عن العلم بغير الأحكام. إذا قلنا الفقه هو علم بالأحكام، لماذا قيدته بالأحكام؟ لأن الإدراك قد يكون إدراكًا لأحكام وقد يكون إدراكًا لأشياء ثانية في الحياة، مثل العلم بالذوات كالعلم بزيد ومكة، والعلم بالصفات كالعلم بكرم حاتم، والعلم بالأفعال كالعلم بقيام بكر؛ إذ لا علاقة لها بالفقه.

الآن نقول: العلم الذي هو الإدراك، أنت قد تدرك ذاتًا، وقد تدرك صفة، وقد تدرك فعلًا، وقد تدرك حكمًا. هذه فلسفة الحياة، وأي عملية إدراك في حياتي؛ ولذلك أصول الفقه يحتاج إلى واحد مصحصح معي، لا ينفع أن يكون منعسًا، لأنه جهد كبير في تعريفاته، ذهني تحليلي. أنا لما أقول العلم بمعنى الإدراك، أنت عندما تدرك أي شيء في حياتك، إما أن تدرك ذاتًا، مثل: «أدركت الشيخ محمد أنه موجود»، أو عرفت من هو محمد، هذا يسمى إدراك ذوات. وقد تدرك صفة، مثل: «أدركت معنى الرحمة»، أو «أدركت معنى الشجاعة»، أو «أدركت معنى الكرم»، هذا إدراك لصفة. وقد تدرك أفعالًا، مثل: «أدركت القيام والجلوس»، فالقيام والجلوس أفعال، وكذلك النوم والأكل والطبخ والنفخ، هذه أفعال.

كلها أفعال؛ فلو قلت: والله أنا أدركت معنى الطبخ وما معنى النوم، فهذا يسمى إدراك أفعال. النوع الرابع من الإدراك، وهو أصلاً ثمرة الأنواع السابقة، هو إدراك أحكام.

أدركت قيام محمد، هذا أصبح حكماً؛ لأنه حكمت على محمد، قلت: محمد قائم. فهنا ما الذي أدركته؟ ليس محمد وحده الذي هو الذات، وليس القيام وحده الذي هو الفعل، بل أدركت إثبات القيام لمحمد، وهذا ما نسميه الحكم، فحكمت على محمد أنه قائم أو جالس.

ولذلك يقولون: أي عملية إدراك لأحكام يجب أن تسبق بإدراك الذوات والصفات والأفعال. عندما أقول لك: أنا محمد قائم، أنت حتى تفهم هذه الجملة، أول شيء يجب أن تفهمه هو من هو محمد، ولازم تفهم ما معنى قائم، وهو القيام، ثم تفهم الحكم على محمد بأنه قائم. فإذا كان العلم بمعنى الإدراك، فأنت أولاً أدركت ما معنى محمد، وهو إدراك ذات، وأدركت ما معنى القيام، وهو إدراك فعل، ثم أدركت ما بعد ذلك وهو الحكم، وهو وصف محمد أو الإخبار عنه بأنه قائم.

عندما أقول: الشجاعة خلق نبيل، ما هي مراحل العلم هنا؟ أولاً: ما معنى الشجاعة؟ أدركت معنى الشجاعة، وهي إدراك صفة، وقلت: خلق نبيل، فلا بد أن أدرك ما معنى الخلق، والخلق عبارة عن ذات أم فعل أم صفة؟ هي صفة. ثم بعد ذلك أدركت الحكم، بأنني حكمت على الشجاعة بأنها خلق نبيل، فهنا الحكم هو المرحلة الأخيرة، وهي إثبات شيء لشيء أو نفيه عنه. إذا قلت: البخل ليس جميلاً، ما الحكم الذي أدركته؟ عدم جمالية البخل.

فإذاً العلم قد يكون علماً بذوات، وبصفات، وبأفعال، وبأحكام. الفقه هو أي نوع من أنواع العلم؟ هو العلم بالأحكام. أنا الفقه ليس شغلي أن أفهم ذوات، أو نفهم صفات، أو نفهم أفعال؛ فموضوعنا في الفقه هو معالجة الأحكام: الصلاة واجبة، القنوت في الوتر سنة، مسح اليدين سنة، سجود السهو مباح، وهذه كلها أحكام. كل ما ندرسه في كتاب بداية المتعلم هو علم بالأحكام؛ أحكام إما واجبة أو مسنونة وهكذا.

قال: «إذ لا علاقة للفقه بكل هذه الأنواع من الإدراكات، فهو إدراك للأحكام فقط».

نأتي إلى القيد الثالث؛ قال: «والحكم في أصل اللغة هو المنع». قال الشاعر: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم إن أغضبا

كلمة الحكم في اللغة العربية معناها في الأصل المنع. "أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم" يعني امنعوهم من أن يسبوني ويشتموني لكي لا أغضب.

ثم قال: «وأما في الاصطلاح فهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه». ما معنى كلمة الحكم؟ العلم هو العلم بالأحكام، فما معنى الحكم هنا؟ لأن الحكم له عدة إطلاقات، لكن معناه العلمي المعرفي هو أن تثبت شيئاً لشيء أو تنفي شيئاً عن شيء. إذا قلت: محمد قائم، فقد أثبتت القيام لمحمد، وإذا قلت: محمد ليس قائماً، فقد نفيت القيام عن محمد. إذا قلت: الصلاة واجبة، فقد أثبتت للصلاة الوجوب، وإذا قلت: سجود السهو ليس واجباً، فقد نفيت حكماً عن شيء.

فعندما تقول: النار محرقة، فقد أثبتت أمراً وهو الإحراق لأمر وهو النار، فيسمى هذا حكماً. وفي قولك: الخشب ليس معدناً، فقد نفيت أمراً وهو المعدنية عن أمر وهو الخشب، فيسمى هذا حكماً أيضاً. وهذا تعريف للحكم في الاصطلاح العام، وهو المقصود في هذا المقام، وسياتي تعريف الحكم في الاصطلاح الأصولي الخاص. عند الأصوليين للحكم اصطلاح خاص في كتبهم، لكن في تعريف الفقه، عندما نفسر الحكم لا نفسره بالتعريف الأصولي، بل نفسره بهذا التعريف العام، وهو إثبات شيء لشيء أو نفيه عنه. أما الحكم عند الأصوليين فسيأتي معنا، وهو: «خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييراً أو وضعاً».

إذن الفقه هو علم بالأحكام الشرعية. قلنا "الشرعية" لنحترز به عن العلم بالأحكام العقلية. العلم بالأحكام في حياتك قد يكون حكماً عقلياً، أو حكماً شرعياً، أو حكماً لغوياً، أو حكماً عرفياً. الحكم العقلي مثل: "الكل أكبر من الجزء"، هذا حكم منطقي عقلي. والحكم اللغوي مثل: "الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب"، هي أحكام لغوية. والأحكام العرفية مثل: "البنزين ارتفع سعره" أو "البورصة وقعت"، هذه أحكام عرفية في الحياة. أما الأحكام الشرعية فهي موضوعنا. فالفقه هو علم بالأحكام الشرعية، أما العلم بالأحكام العقلية أو اللغوية أو العرفية، فكل حكم لا علاقة له بالشرع فليست هذه الأحكام من قبيل الفقه، بل الفقه خاص بالحكم الذي مصدره الشرع فقط.

وقولنا "الشرعية" احتراز أيضاً عن العلم بالأحكام الشرعية الواردة في أصول الدين وأصول الفقه، فإن العلم بها لا يسمى فقهاً بالمعنى الاصطلاحي. فقولنا: "الجنة مخلوقة"، هذا حكم شرعي اعتقادي.

نأتي للقيد الرابع: ما هو الفقه؟ هو علم بأحكام شرعية عملية. لماذا ذكرنا هذا القيد الرابع؟ ذكرناه لكي تفهم أن الفقه هو إدراك لأحكام شرعية، ولكن أي نوع من الأحكام الشرعية؟ الأحكام الشرعية عندي أنواع؛ منها أحكام اعتقادية مثل: الإيمان بأن الله على العرش استوى، أو الإيمان بأن الله ينزل في ثلث الليل الآخر. هذا إدراك لحكم شرعي، لكنه حكم شرعي اعتقادي. وإيمانك بأن الجنة مخلوقة، هذا علم بحكم شرعي اعتقادي.

لكن هل هذا موضوع الفقه؟ لا، الفقه موضوعه العلم بالأحكام الشرعية العملية، أي المتعلقة بأفعال المكلفين، سواء في العبادات أو في المعاملات أو في المناكحات أو في الجنايات والحدود. هذا هو موضوع الفقه: الأحكام المتعلقة بالأفعال، وليس الأحكام المتعلقة بالعقائد. فقولنا: "الجنة مخلوقة"، هذا حكم شرعي لكنه...

يتعلق بالاعتقاد لا بالعمل، فلا يسمى العلم به فقهًا، وقس على ذلك كل مسائل الاعتقاد. وقولنا: «إجماع هذه الأمة حجة» هذا حكم شرعي أيضًا، لكن لا يسمى العلم به فقهًا لأنه لا يتعلق بأفعال المكلفين.

أحسنتم، مثلا لما نأتي إن شاء الله في أصول الفقه؛ الإجماع حجة، وهذا عبارة عن علم بحكم شرعي، بس هذا أيضًا لا يتعلق بأفعال المكلفين، هذا يتعلق بمصادر التشريع. فالأحكام الأصولية أيضًا لا تعتبر من الفقه، إذًا الأحكام الاعتقادية خارجة من تعريفنا، كذلك الأحكام الأصولية؛ كل الأحكام الأصولية التي سنُدرسها هي تتعلق بمنهج وليس بأشخاص، فليست ضمن مفهوم الفقه.

أما علمنا بوجوب الصلاة والزكاة والصيام وأحكام البيوع والأنكحة فيسمى فقهًا؛ لأن هذه الأحكام الشرعية تتعلق بأعمال المكلفين.

قولنا: «من أدلتها التفصيلية»، الجار والمجرور متعلق بلفظ العلم، أي العلم الذي مصدره الأدلة التفصيلية. ركزوا شوي الآن، «من أدلتها التفصيلية»، من أدلتها هذه، اربطوا لي إياها بكلمة العلم؛ أي جار ومجرور لازم يكون مرتبطًا بشيء قبله، من المنسوب أن يرتبط به، فنقول: «من أدلتها» مرتبطة بأي قيد من هذه القيود بكلمة العلم؟ ليه؟ لأني أريد أن أقول إن الفقه هو علم، أي إدراك، بس من أين جئت بهذا العلم؟ من الأدلة التفصيلية وليس بالتقليد، وليس بالتقليد لإمام المذهب، مش قلنا هيك أصلاً؟

تعريف الفقه عند المتقدمين أنه لازم يكون من أين؟ إذا أنت أخذت العلم بالأحكام الشرعية العملية من كتب المذهب، أخذته من بداية العابد، مش أنت أخذته من الأدلة التفصيلية مباشرة، فماذا؟ فهذا ليس بفقه. مشان هيك لازم نصير فقهاء الأدلة، مشان نصير فقهاء.

أنا أريد أن أذكر هذا الموضوع لأن بعض الناس يرجع يناقشني في المسألة من أول وجديد؛ فالفقه عند المتقدمين هو العلم بالأحكام الشرعية العملية بشرط أن يكون هذا العلم أنت أخذته مباشرة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، مثل الإمام أحمد والشافعي، فعلمهم بالأحكام يسمى فقهًا. وأما نحن المقلدون، كما قلنا، هذا هو التعريف السائد في الطبقة الأولى من الأمة، لكن في الأزمنة المتأخرة العلماء حذفوا من تعريف الفقه هذا القيد، قالوا: خلص هو العلم بالأحكام الشرعية العملية سواء من الأدلة التفصيلية أو بالتقليد، فكلكم فقهاء إن شاء الله، سواء أخذته بالتقليد لإمام أو من الأدلة التفصيلية؛ لأن الواقع لو أردنا أن نمشي على هذا التعريف لما خرج خمسة أو ستة في العالم الإسلامي اليوم ينطبق عليهم هذا التعريف أصلاً، فبالتالي هم فقهاء. فإذًا هذا تعريف المتقدمين، والمتأخرون حذفوا القيد الأخير.

أراد بذلك الاحتراز عن العلم بالأحكام الشرعية العملية الذي يكون بالتقليد من غير استنباط من النصوص الشرعية، فإن هذا العلم لا يسمى فقهًا في اصطلاح العلماء المتقدمين؛ إذ شرط العلم بالحكم الشرعي حتى يسمى فقهًا أن يكون مأخوذًا من الأدلة التفصيلية، وهي نصوص الكتاب والسنة وما يتفرع عنها. أما عند المتأخرين فقد توسع مدلول الفقه حتى أطلق على إدراك الأحكام الشرعية ولو بالتقليد من غير استنباط من الأدلة التفصيلية.

وتقييدنا الأدلة بكونها تفصيلية أريد به الاحتراز عن الأدلة الإجمالية، وهي... جميل، هذا ننتبه له؛ لماذا قلنا من الأدلة التفصيلية؟ هذا نسيت أن أعلق عليه وأنا واقف، أعلق عليه وأنا جالس: قال «من الأدلة التفصيلية». الآن يجب أن تركز في التفريق بين مصطلح الأدلة الإجمالية وبين مصطلح الأدلة التفصيلية.

الآن الفقيه يتعامل في حياته مع الأدلة التفصيلية؛ ما هي الأدلة التفصيلية؟ هي نصوص القرآن، نصوص السنة، نصوص الإجماع، مفردات القياس، هي تسمى أدلة تفصيلية، جزئيات. وأما الأصولي، فهذا الفرق بين الفقيه والأصولي: الأصولي هو ما يتعامل مع تفاصيل الأدلة، وإنما يتعامل مع الأدلة باعتبار الإجمال. فالأصولي وظيفته يتكلم عن الدليل الإجمالي، يعني الكتاب هل هو حجة أم لا؟ كيف يتعامل مع الكتاب؟ يعطيك القواعد العامة، ثم الأدلة التفصيلية يقول لك: أنت كفقيه اذهب وتعامل معها، أنا ليس لي علاقة.

مثلاً، الفقيه يأتي، والأصولي يأتي ويقول لك: «القياس حجة»، يتعامل معك كدليل إجمالي يثبت حجيته، يقيم قواعده، يعطيك شروطه وضوابطه، لكن تفصيلاته من المسؤول عن تطبيقها؟ الفقيه وليس الأصولي. أنا كأصولي أعطيك الآلة، وأنت كفقيه اذهب وطبق. فإذًا الفقيه هو الذي يتعامل مع الأدلة التفصيلية، مع الجزئيات، مع نصوص القرآن والسنة وتفاصيل القياس كتطبيق، وأما الأدلة الإجمالية فهذه من يتعامل معها الأصولي. هذا تأتي به في الاختبار: الأصولي يتعامل مع الأدلة الإجمالية، والفقيه يتعامل مع الأدلة التفصيلية. فهمت الفرق بين الإجمالي والتفصيلي؟ الأصولي يتكلم عن الرأس، يثبت لك حجيته وقواعد التعامل معه، والفقيه هو الذي يتعامل مع التفصيلات فيطبق وينزل.

وتقييدنا الأدلة بكونها تفصيلية أريد به الاحتراز عن الأدلة الإجمالية، وهي الكتاب والسنة والإجماع ونحوها؛ لأن الفقيه إنما يأخذ العلم بالأحكام الشرعية من الدليل التفصيلي إلى الإجمالي، لذا فهو يعتمد على الأصولي ابتداءً في إثبات حجية الأدلة الإجمالية، فإذا أثبت له الأصولي حجيتها، أخذ الفقيه الأدلة التفصيلية التي يتضمنها الدليل الإجمالي واعتمد عليها في استنباط الحكم الشرعي للمسائل الفرعية العملية وفقًا للقواعد والمناهج التي يرسمها له الأصولي.

سؤال: إذاً أيهما أسبق من حيث الوجود ومن حيث العلم: الدليل الإجمالي أم التفصيلي؟ من حيث الوجود، كتعامل وجودي، الدليل التفصيلي نزل قبل ذلك، نزلت تفاصيل الآيات ونزلت التفاصيل. لكن من الناحية العلمية المعرفية، الأصل أولًا أن أعرف الدليل الإجمالي: كتاب، سنة، إجماع، قياس؛ أعرف حجيته، أعرف قواعد التعامل معه، ثم بعد ذلك أنتقل وأغوص في التفاصيل. فإذًا من حيث المعرفة، الترتيب الذهني الصحيح أنني يجب أن أتعرف على الدليل الإجمالي من حيث حجيته وقواعد التعامل معه، ثم أنتقل للمرحلة الثانية وهي مرحلة الفقيه، وهي تنزيله على تفصيلاته وجزئياته. هذه يجب أن تكون متصورة في ذهنك بشكل واضح.

وقبل أن ننتقل إلى تعريف أصول الفقه باعتباره علمًا على هذا الفن، يجدر بنا التنبيه على مسألة هي مظنة لسوء الفهم، وهي أن قولنا في تعريف الفقه «العلم بالأحكام الشرعية» لا يراد به أن يكون الفقيه عالمًا بكل الأحكام الشرعية بالفعل، فهذا لا وجود له. الآن لما نقول الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية...

معناها أنت ستقول: إذاً الفقيه من هو؟ هو العالم بالأحكام الشرعية العملية من الأدلة التفصيلية.

سؤال: هل المراد أن الفقيه هو العالم بالأحكام الشرعية، يعني أنه الذي يعرف كل الأحكام الشرعية العملية؟ هل يوجد فقيه في العالم في الدنيا يعرف كل الأحكام الشرعية العملية؟ إذاً مالك وأحمد توقفوا في عشرات المسائل، إذاً لا يوجد فقيه فعلياً الآن يعرف كل الأحكام الشرعية العملية من الأدلة التفصيلية.

ما هو الحل؟ قال: بل المراد العلم بالأحكام الشرعية بالفعل أو بالقوة القريبة، بأن يكون... المراد لما نقول إن الفقيه هو العالم بالأحكام الشرعية العملية، العلم بالأحكام الشرعية العملية إما بالفعل أو بالقوة.

وخاصة قال: "بالقوة القريبة". شو يعني بالقوة القريبة؟ يعني أنا الآن أكيد في أحكام شرعية ما بعرف حكمها، صح؟ أنت ممكن تسألني عن أحكام شرعية أقول لك ما بعرف حكمها. هل بمجرد أنني في بعض الأحكام ما بعرف حكمها يلغى عني لفظ الفقيه؟ لا، ليه؟ لأنه وإن كان لا يعرفها فعلياً، لكنه يعرف هذه الأحكام بالقوة القريبة.

شو يعني يعرفها بالقوة القريبة؟ يعني هذا الشخص عنده مؤهلات وعنده قدرات، يستطيع لو بحث وفتش يوصل لهذا الحكم. هو صح الآن مش عارف، لكن هل عنده مقدرة؟ عنده لو فكر؛ لأنه عنده الآلات، عنده الملكة التي يستطيع من خلالها أن يعرف لو بحث.

فلما نقول مالك وأحمد بن حنبل، هل كانوا يعرفون كل الأحكام بالفعل؟ لا، حتى مالك بن أنس وأحمد بن حنبل ما كانوا يعرفون كل الأحكام التي تتعلق بكل المكلفين بالفعل، هم يعرفون كل الأحكام بالفعل أو بالقوة القريبة. يعني أكيد في بعض الأحكام هم لا يعرفونها بالفعل، بس مالك وأحمد -أبو الله يرضى عنهم- عندهم قدرات لو أنهم بحثوا لوصلوا، فهذا هو الفقيه.

فإذاً لاحظ أن الملكة مأخوذة في هذا القيد؛ لأنه كيف أصبحت عنده قوة قريبة؟ ما هي القوة القريبة؟ القوة القريبه إخواني هي تساوي الملكة، هذا معنى القوة القريبة. فهو لا يعرفها فعلاً، لكن عنده ملكة يمكنه أن يعرف من خلالها لو أخذ وقتاً أكثر في البحث والتفتيش، بأن يكون ذا ملكة قوية يستطيع بها الوصول إلى الحكم الشرعي في المسألة الواردة عليه ولو لم يكن عالماً بها لحظة ورودها.

الجزء الثالث: أن حاصل معنى المركب الإضافي. نعم، أخذنا تعريف الجزء الأول من المركب الإضافي وهو الأصول، وأخذنا تعريف الجزء الثاني وهو الفقه، بقي علينا الجزء الثالث؛ شو هو الجزء الثالث؟ قلنا هو جزء معنوي وهو إضافة الفقه إلى الأصول. فما معنى المركب الإضافي كمركب إضافي وليس كلقب؟ ركزوا هنا، سأتكلم عن المركب الإضافي باعتباره مركباً إضافياً وليس باعتباره لقباً على الفن.

ما معنى أصول الفقه كمركب إضافي؟ بتقول لي هي سهلة يا شيخ، خلص ما هي وضحت، أنت قلت الأصول شو عرفتها؟ الأدلة، والفقه شو عرفناه؟ العلم بالأحكام الشرعية، إذاً شو أصبح معنى أصول الفقه؟ أدلة العلم بالأحكام الشرعية العملية. ما هيك بدك تعرفها؟ غلام زيد يعني غلام لزيد، فأصول الفقه هي الأدلة التي هي خاصة للعلم بالأحكام الشرعية العملية. هذا معنى المركب الإضافي، بدك تختصره خلص قول: أدلة الفقه.

ان حاصل معنى المركب الإضافي: أصول الفقه هي الأدلة المتعلقة بالفقه، أو الأدلة المتعلقة بالعلم بالأحكام الشرعية العملية. هيك خلصنا من التعريف الإضافي، نروح على التعريف اللقبي.

تعريف أصول الفقه باعتباره لقباً على فن معين. هذا هو التعريف اللقبي، فهمتوا؟ شاهد لكلمة لقبي؛ أي باعتبار هذا المركب أصبح لقباً على فن معين. كيف مثلاً؟ عبد الله، في واحد اسمه عبد الله، هو في الأصل مركب إضافي، معناها عبد لله، لكن الآن أصبحت علماً على ذاك الشخص، فبأجي أقول لك عبد الله باعتبارها لقباً على ذاك الشخص؛ معناها سيختلف، رح تقول لي باعتبارها لقباً على ذاك الشخص، عبد الله هو ذاك الشخص الذي ولد في عمان عام 1900 والذي سماه والده كذا وكذا.

إذاً عبد الله كمركب إضافي تم تحليلها بشكل مستقل، لكن لما أصبحت لقباً على شخص معين أعطيتها تعريفاً آخر. هذا الذي صار مع هذا التركيب؛ أصول الفقه باعتباره مركباً إضافياً أعطينا هذا التعريف، لكن لما صار لقباً على شيء معين له رمزيته احتجنا أن نعرفه باعتباره اللقبي. وهذا التعريف هو المقصود أصالة لنا، لكن جرت عادة أكثر الأصوليين على تقديم التعريف الإضافي قبله ليسهل على الطالب تصور المعنى اللقبي من خلاله.

عليك أن تدرك أننا حين نعرف أصول الفقه باعتباره لقباً لفن معين فإننا لا ننظر إلى أجزائه التي يتركب منها كما فعلنا في التعريف الإضافي. لما أقول أصول الفقه باعتباره لقباً، خلاص بتنسى فكرة المضاف والمضاف إليه، ما بتقعد تطلع على الأجزاء، بل ننظر إليه باعتباره وحدة، أصول الفقه، بل ننظر إليه كمصطلح واحد وُضع لفن من الفنون كما وُضع مصطلح النحو والصرف والمنطق والتفسير والحديث، كأنها كلمة واحدة.

بناءً على ذلك، فإن تعريف أصول الفقه باعتباره لقباً على الفن هو: قواعد أدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستدلال منها، وحال المستفيد. طبعاً في خلافات كثيرة في تعريف أصول الفقه خاصة في المقطع الأول منه؛ البعض مباشرة يقول: أصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية، والبعض يقول: لا بدنا نزيد كلمة القواعد في البداية، والبعض يقول: لا بنزيد كلمة العلم، والبعض يقول: الأصول الفقه هو العلم بأدلة الفقه. مش مشكلة، كلها أمور سهلة، والمهم في النهاية أن تتصور شو هذا العلم.

أنا اخترت هذا التعريف، وهو تعريف ابن النجار الفتوحي؛ قال: «أصول الفقه هو قواعد أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها، أي من هذه القواعد، وحال المستفيد». إذاً كم جملة يتضمن هذا التعريف يا عمر؟ ثلاث جمل: قواعد الأدلة الإجمالية، كيفية الاستفادة من هذه القواعد، وحال المستفيد.

وحال المستفيد، الحال هنا معنى الصفة، يعني صفة المستفيد، وسيأتي معنا ذلك.

قال شرح التعريف: قولنا "قواعد"، وهي جمع قاعدة، والقاعدة قضية كلية يعرف منها أحكام جزئياتها. هذا تعريف القاعدة بالمعنى العام، سواء القاعدة اللغوية أو الأصولية أو العرفية، أي قاعدة ما معناها قضية كلية. شو يعني القضية؟ ممكن الآن تقول بمعنى الجملة، يعني جملة كلية لا تتعلق بجزئية معينة، وإنما تتعلق بجزئيات تحت أمر عام تحته جزئيات كثيرة.

زي ما حكينا: «كل ميتة طاهرة إلا كذا وكذا». أصلاً أغلب ما نذكره في بداية العبادات هو قواعد، وأغلب ما نذكره في أحكام الدماء: «كل دم ندي»، وبعدين ما من قاعدة إلا وبعدها استثناء. فإذاً القاعدة هي قضية كلية، حكم عام كلي، من خلالها نتعرف على أحكام الجزئيات. فلما أقول لك "كل ميتة"، فبتشوف الآن ميتة هرة بتقول: كيف عرفت من القاعدة؟ شفت أسد ميت، شو بتقول لي؟ ليه؟ من القاعدة. شفت فيل ميت، شوف وهكذا. فالقاعدة هي حكم كلي يساعدني على التعرف على الجزئيات التي أشوفها في حياتي وأحكامها.

فقولنا: "الأمر يفيد الوجوب"، هذه قاعدة أصولية يعرف منها أحكام الجزئيات التي تندرج تحتها. فمثلاً الآن في أصول الفقه، مش قلنا أصول الفقه ما هو تعريفه؟ قواعد الأدلة الإجمالية. لما أقول مثلاً هذا مثال على إحدى القواعد المتعلقة بالأدلة الإجمالية: "الأمر يفيد الوجوب"، هذه قاعدة أصولية، ماذا سأستفيد منها؟ لما أجي على أي آية في القرآن أو في السنة مثل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ماذا سأنزل؟ هي القاعدة على الآية، على الجزئيات، فأستنبط الحكم فأقول: الأمر يفيد الوجوب، وهذه الآية فيها أمر، إذاً النتيجة أن الصلاة واجبة والزكاة واجبة. فهمتم؟

إذاً، "الأمر يفيد الوجوب"، "النهي يفيد التحريم العام" يبقى على عمومه حتى يأتي المخصص، "القياس يعمل به" إذا كان قياس العلة كذا. فكل ما ستتعرف عليه أنت في هذا الكتاب عبارة عن ماذا؟ عن قواعد الأدلة الإجمالية، سواء قواعد التعامل مع الكتاب، قواعد التعامل مع السنة، قواعد التعامل مع الإجماع، قواعد التعامل مع القياس. هذا طبعاً في هذا الكتاب، وفي الكتب الأكبر ندخل على الأدلة المختلف فيها: قواعد التعامل مع سد الذرائع، قواعد التعامل مع المصلحة المرسلة، قواعد التعامل مع الاستحسان، وهكذا.

وإنما صدر التعريف بلفظ القواعد خلافا لما يفعله كثير من الأصوليين بتصديرهم التعريف بلفظ الأدلة؛ لأن أدلة الفقه الإجمالية هي موضوع علم أصول الفقه، وموضوع العلم لا يكون ذات العلم، لذا الآن سأختم بهذه الفكرة اليوم إن شاء الله. لماذا أنا صدرت التعريف بكلمة القواعد مع أنه كثير ممن يعرف أصول الفقه شو بيقول لك مباشرة: "أدلة الفقه الإجمالية"؟ أنا ليش زدت كلمة القواعد؟ مش أنا اللي زدت، يعني بعض كثير من الحنابلة لكن لماذا أضافوا هذه المفردة في البداية؟

من ناحية تكتيكية تعريفية، إيش بيقولوا؟ لو قلنا أصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية، سنصطدم بين المبدأ الأول من المبادئ العشرة وهو التعريف، والمبدأ الثاني وهو الموضوع. الآن لما يأتي معنا موضوع العلم، ما علم أصول الفقه؟ رح يقول لك: أدلة الفقه الإجمالية، هذا موضوع، فبقولوا موضوع العلم هو نفسه تعريف العلم، ما بيضبط. مثلاً النحو، النحو ما موضوعه أواخر الكلمات العربية، هكذا يقول، فما يصير أروح أعرف النحو أنه علم النحو تعريفه هو أواخر الكلمات العربية، لا ما بيضبط، بدك تجيب كلمات تقول هو مسائل وقواعد تتكلم عن آخر الكلمة العربية. ما يصير أخلي موضوع العلم هو نفس تعريف العلم.

فالذين قالوا أصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية، اعترض عليهم بأنكم جعلتم موضوع العلم هو نفسه تعريفاً للعلم، وهذا خطأ تكتيكي، يعني الأصل أن يكون موضوع العلم منفصلاً عن تعريفه. فبالتالي اضطررنا أن نزيد في التعريف كلمة قواعد، فأصبح التعريف: قواعد أدلة الفقه. لذا من أخذ "الأدلة" جنساً في التعريف، يعني من صدر التعريف بكلمة أدلة الفقه بدون زيادة كلمة القواعد، فلا بد وأن يبحث عن تأويل يستقيم التعريف معه، وبسط ذلك تجده في المطولات.

ما رح أطول، بس البناني مثلاً في حاشية جمع الجوامع طول، هو يحاول يحل هذه المشكلة في تعريف السبكي؛ لما عرف السبكي الفقه بالأدلة الإجمالية، وذكر تعريف أصول الفقه بالأدلة، كان مشكلاً لأن الأدلة الإجمالية هي موضوع العلم، فكيف نجعلها تعريفاً للعلم؟ قالوا هذا لا يصح، فاضطر أن يتأول كلمة الأدلة بتأويل أطال فيه. فنحن الحنابلة اختصرناها، قلنا بلاش ندخل حالنا في هذه التأويلات من البداية، إيش نقول؟ ما نقول أصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية، نقول: أصول الفقه هي قواعد أدلة الفقه الإجمالية.

وسنكمل التعليق على هذا التعريف إن شاء الله في الدرس القادم، لكن أرجو المراجعة إخواني، فإن أصول الفقه فيه جهد عقلي لا بأس به، فتحتاج إلى الضبط. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.