دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في معهد ملكة للتأصيل والتفريع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى عليه، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا لذة العلم، فإن الإنسان إنما يقوده إلى الاستمرار في هذا الطريق والمواظبة عليه وتحمل المشاق فيه أن يجد حلاوته؛ كما قال البيري رحمه الله عليه: «فلو قد ذقت من حلواه طعما لأثرتك».

أيها الأكارم، كثير من الشباب ينقطعون عن طلب العلم عندما تبدأ المشاق في طريقهم بسبب عدم وجود هذه الحلاوة وعدم تذوق هذه اللذة. جانب الاحتساب وجانب طلب الثواب من الله سبحانه وتعالى جانب مهم، لكن حتى أكون واضحا معكم، فإن هذا الطريق مبني على اللذائذ. فعليك أن تسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقك لذة العلم، فإنك إذا أحببته لن تتركه، وأما إذا بقي ثقيلا صعبا على النفس، وإنما تأتيه فقط طلبا للاحتساب، فإنك ستعتزل، وكثير من الشباب ينقطع، فما بالك بكثرة الانشغالات والمزاح في هذه الحياة؟

فدائما اسأل الله سبحانه وتعالى أن يحبب العلم إلى قلبك، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا القلب منشرحا لتلقي العلم وتحصيله والإقبال عليه. فإذا فتح الله عز وجل عليك هذا الباب، فإنك ستطلب العلم حتى ولو كنت في السجن، ستطلب العلم حتى ولو كنت في أحلك اللحظات وأصعب الساعات، لن يشغلك شيء لأنك تحبه. الإنسان إذا أحب طعاما فإنك تجده مهما كانت الظروف يتناول منه ويسعى لتحصيله وطلبه، بل قد يستدين المال من أجله. هكذا العلم، إذا فُتح عليك فيه باب، فإن الله سبحانه وتعالى يغدق عليك عندئذ من نعمه وأفكاره ومواهبه ما لا يمكن أن تطيب الحياة إلا به. فنسأل سبحانه وتعالى أن يفتح علينا هذا الباب، وأن يرزقنا هذه اللذائذ، وأن لا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

في الدرس الماضي تكلم عن موضوع النسخ، أو شرحنا في باب النسخ وقلنا ما تعريف النسخ؟ أحسنت، رفع حكم شرعي ثابت بخطاب متقدم بواسطة خطاب شرعي متأخر متراخ عنه. وقلنا هناك ثلاث شروط أو ثلاث ضوابط للنسخ، ما هي؟ لم تحضر، يعني ما راجعته على الأونلاين، لم تحضره مباشرة ولا أونلاين، بارك الله فيك.

نرى أن النسخ يكون في الإنشاء، يعني في الأوامر والنواهي لا في الأخبار. ثانيا: تعذر الجمع بينه وبين النص المنسوخ، وهذا قلنا يكون في أي نوع من أنواع النسخ؟ أنا عملت لكم المرة الماضية تقسيما للنسخ، هناك نسخ نصي، فهذا إنما هو شرط في النسخ الاجتهادي أن يتعذر الجمع، هذا إنما نحتاجه في النسخ المبني على اجتهاد العلماء. والشرط الثالث والأخير أن يكون الناسخ متراخيا زمنيا عن المنسوخ.

ومن خلال هذه الضوابط، قلنا إن هناك فروق بين النسخ والتخصيص الذي سيأتي معنا في باب العام إن شاء الله. ما هو أول فرق يا شيخ؟ أحسنت، أن التخصيص قد يدخل في الأخبار وقد يدخل في الإنشاءات، أما النسخ لا يكون إلا في الإنشاء. الفرق الثاني أن التخصيص لا يشترط فيه أن يكون هناك زمن، فالتخصيص ممكن أن يكون في نفس النص، أما النسخ فلا يعمل بالشيء الذي رُفع حكمه الأصلي. وبالتعبير الأدق، أن التخصيص ينبغي أن يكون مقارنا للنص العام، بحيث لا يعمل بالعام ولا يستقر العام إلا وقد جاء معه المخصص، أما النسخ فيكون ماذا؟ لا يأتي إلا بعد استقرار الحكم الأول.

الفرق الثالث، أن التخصيص هو بيان للمراد بالعام، وأما النسخ فإنما هو رفع وإزالة لما ثبت ابتداء. والفرق الرابع، أن التخصيص لا يكون إلا جزئيا، وأما النسخ فقد يكون جزئيا وقد يكون كليا.

نشرع اليوم إن شاء الله في الكلام عن قواعد باب النسخ. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين أجمعين، ونجِّ إخواننا المستضعفين من المؤمنين، آمين.

قال الناظم حفظه الله: والنسخ للقرآن بالقرآن وسنة العدنان وتنسخ السنة بالقرآن لعكس عند أكثر الأعيان

بينا فيما سبق اتفاق الأصل يقرأ وتنسخ السنة بالقرآن. الآن سيتكلم عن قواعد عامة، نتكلم الآن عن قواعد في باب النسخ. هل أي نص يقوى على أن ينسخ نصا آخر؟ نحن قلنا إن النسخ يدخل على القرآن والسنة، فالكلام الآن: هل أي نص في القرآن أو السنة يصلح أن يكون ناسخا لأي نص، أم أن هناك ضوابط في هذه النصوص التي تنسخ؟

هذا هو السؤال، فنقول هناك ضوابط وهناك مناطق اتفاق ونقاط اختلاف بين الأصوليين في هذه الزاوية. نستعين بالله، بينا فيما سبق اتفاق العلماء على وقوع النسخ في نصوص الكتاب والسنة في الجملة، يعني عموما هناك اتفاق على وقوع النسخ، لكنه مختلف بعد ذلك في صور هذا النسخ وما يصح منها وما لا يصح. ونحن نذكر لك في هذا المبحث أشهر هذه الصور.

نسخ الكتاب يمكن أن ينسخ النص القرآني بأحد هذه الأمور الآتية. سنبدأ الآن بالقسم الأول وهو نسخ النص القرآني، فنقول: النص القرآني يمكن أن ينسخ بواحد من الأمور التالية: واحد، نسخ الكتاب بالكتاب، وهذا أنه نص قرآني يأتي ينسخ نصا قرآنيا آخر، وهذه النقطة شبه اتفاق، دعونا نقول إن القرآن ينسخ القرآن لا إشكال في ذلك. وهذه الصورة من النسخ.

محل وفاق بين علماء الأصول؛ مثال: نأخذ مثالاً على نسخ آية قرآنية لآية قرآنية أخرى. قال نسخ الوصية الواجبة للوالدين والأقربين؛ قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180].

هذه الآية لما نزلت في سورة البقرة كانت تدل على وجوب أن يوصي الميت قبل موته، طبعاً وجوب أن يوصي الميت أو الإنسان قبل موته لوالديه ولأقربائه ولأبنائه بالمال. متى نزلت هذه الآية؟ قبل نزول آيات المواريث، قبل أن تنزل آيات المواريث في سورة النساء. نزلت هذه الآية في سورة البقرة؛ يقول سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾، يعني إذا كنت في سكرات الموت أو الساعات الأخيرة، ماذا كتب علينا إن ترك خيراً؟ الخير هنا المال، إن ترك مالاً؛ كتب علينا الوصية للوالدين والأقربين بما هو معروف.

فكانت الوصية واجبة ابتداءً قبل أن تنزل آيات المواريث. نزلت آيات المواريث في سورة النساء: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ...﴾ إلى آخرها. فآية المواريث نسخت آية سورة البقرة، فما عادت الوصية واجبة، بل أصلاً لا وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة، وإذا كان عندك وصية تكون لغير الورثة، وأما الورثة من الوالدين والأبناء أصبح حقهم محفوظاً في باب الميراث.

قال الإمام مالك في قول الله تبارك وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، نسخها ما نزل من قسمة الفرائض في كتاب الله. إذا لاحظتم مالك ماذا قال؟ هذه الآية في سورة البقرة ماذا نسخها؟ آيات المواريث في سورة النساء، فهذا نسخ القرآن بالقرآن؛ آية قرآنية نسختها آيات قرآنية.

نعم، مثال آخر: نسخ وجوب مصابرة الواحد أمام عشرة، بنسخ وجوب مصابرة الواحد أمام عشرة في قوله تعالى... نعم، نسخ وجوب مصابرة الواحد أمام عشرة في قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ and وَإِن يَكُن مِّنكُمْ مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: 65]. أظن أنني تكلمت عن هذا المثال في الدرس الماضي، وبينت أنه كان المطلوب ابتداءً من المسلم أن يثبت أمام كم؟ لا يجوز له أن يفر أمام عشرة، إذا كانوا أكثر خلص يحق لك الفرار، أما الواحد فيجب أن يثبت أمام عشرة من رجال المشركين، هذا كان في الآية الأولى، ثم نسخت بآية أخرى قال سبحانه بوجوب مصابرة الواحد أمام الاثنين في الآية التي تليها: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 66]. يعني كان ينبغي أن تُذكر تكملة الآية هنا.

فهذه إذاً آية قرآنية نسختها آية قرآنية أخرى، فهذا الموضوع شبه اتفاق كما قلنا أن القرآن ينسخ بالقرآن. الحالة الثانية: نسخ الكتاب بالسنة المتواترة. يعني يأتي حديث متواتر ينسخ آية قرآنية. ماذا قال؟ هل الحنابلة يقبلون هذه الصورة؟ لا، هي مسألة فيها خلاف. هل الحنابلة في المعتمد عندهم يقبلون أن ينسخ القرآن بسنة متواترة؟ ماذا قال الفتوحي المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله؟ المنع، وهو الذي نص عليه صاحب الأصل في مختصره، وهو ابن النجار؛ الفتوحي في مختصر التحرير فقال: «ويجوز عقلاً لا شرعاً نسخ القرآن بالقرآن، فمنع جوازه في الشريعة، ويجوز عقلاً لا شرعاً نسخ القرآن بالمتواتر، فمنع جوازه في الشريعة».

إذاً الحنابلة في المعتمد عندهم يقولون: عقلاً لا مانع أنه حديث متواتر ينسخ القرآن، لكن شرعاً لم يقبلوا ذلك؛ قالوا: يجوز عقلاً لا شرعاً نسخ القرآن بالمتواتر؛ لأن الحنابلة يرون القرآن أعلى من الحديث، فبالتالي لا يقوى الحديث على أنه ينسخ القرآن، يرونه أعلى رتبة من الحديث حتى المتواتر، فيقول لا يقبل الحديث على أنه ينسخ نصاً قرآنياً.

طيب، نسخ القرآن بالآحاد؛ اختلف العلماء في جواز نسخ القرآن بالآحاد، وذهب إلى المنع مطلقاً جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، كما ذكر ابن برهان وابن الحاجب، بل نقل بعضهم الإجماع على ذلك. واستدلوا بقاعدة وهي أن الثابت قطعاً لا ينسخ بمضمون ظني. إذا قلنا إن الحنابلة لا يجوزون نسخ القرآن بالمتواتر، فمن باب أولى أن الحنابلة لا يجوزون نسخ القرآن بحديث آحاد. وهذا ليس فقط مذهب الحنابلة، بل هي مذهب جماهير العلماء. والأساس الذي اعتمدوا عليه في هذا هو أن حديث الآحاد عند المتكلمين وأكثر الأصوليين يفيد الظن من حيث الثبوت، طبعاً والقرآن يفيد القطع، فقالوا: لا يجوز أن يكون الناسخ أضعف ثبوتاً من المنسوخ؛ المنسوخ قرآن قطعي الثبوت والناسخ حديث آحاد ظني، فبنوا على هذا أنه لا يجوز أن ينسخ القرآن بحديث الآحاد.

طيب، نسخ السنة تنقسم السنة باعتبارها... لكن أنا هنا أريد أن أسأل سؤالاً حقيقة يأتي في ذهني وأشعر أن هذه من المواطن التي ما زالت تحتاج إلى تحقيق أكثر، وهي عندما نقول: نسخ القرآن بحديث الآحاد، هل هنا نحن نتكلم عن النسخ النصي ولا النسخ الاجتهادي؟ لذلك أنا أرى أن هذا التقسيم مهم. أظن أنني بينت في الدرس الماضي الفرق بين النسخ النصي والنسخ الاجتهادي.

النسخ النصي: يعني أن يأتي النص بالنسخ، أن يأتي نص يقول عن نفسه إن النبي ﷺ يقول: «كنت نهيتكم عن كذا فنسخت كذا»، كقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» أو ما شابه ذلك. وهناك النسخ الاجتهادي؛ بناءً على ماذا؟ بناءً على أن نصين متعارضين يحاول العالم الجمع بينهما فلا يجد وسيلة للجمع، فيعرف أن أحدهما متقدم زمنياً في نزوله والآخر متأخر زمنياً، فيقرر لعدم القدرة على الجمع أن الثاني ناسخ للأول، فهذا مبني على الاجتهاد.

الآن لما نقول هنا إنه نسخ القرآن بالآحاد مرفوض عند الأصوليين، ماذا يقصدون بهذا النسخ المرفوض؟ هل يقصدون النسخ النصي أو النسخ الاجتهادي؟ بعبارة أخرى: هل إذا جاء حديث آحاد صحيح ونصه «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» -يعني أنا فرضاً بس على باب المثال، لو فرض أن هناك آية تتكلم عن منع زيارة القبور، وعندي حديث آحاد ما نصه «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»- السؤال: هل نقول...

هذا الحديث لا يقوى على نسخ الآية القرآنية، وبالتالي يبقى الحكم كما هو. فهمتم المشكلة التي أطرحها؟ هل نقول: والله حديث «كنت نهيتكم عن زيارة القبور» هو حديث آحاد وليس حديثًا متواترًا، حديث آحاد في كتب السنن، ممتاز؛ هل نقول والله هذه الآية آية منع زيارة القبور لا يمكن أن تُنسخ لأن الحديث الذي ورد فيه الناسخ حديث آحاد؟

ما رأيكم؟ حقيقة أرى أنه -وإن كان هذا لم أجعل من يصرح بهذه الطريقة- لكن أعتقد أنه ليس المراد، أن هذا الحديث لا يقوى على نسخ الآية، بل هذا الحديث في هذه الحالة يقوى على نسخ الآية. ليه؟ لأنه هذا الحديث -عفوًا- هو نسخ نصي مش نسخ اجتهادي. يعني الآن، هل صح الحديث عن النبي ﷺ أم لا؟ صح، وما دام نصه أصلاً، بطبيعة نصه، يخبر أنني أنا ناسخ، يعني النبي ﷺ يقول: «كنت نهيتكم عن كذا فافعلوا كذا»، إذاً أنا كمن أهل السنة والجماعة، وأحمد بن حنبل، وعلماء المذاهب الأربعة من أهل السنة، يقبلون حديث الآحاد في الاعتقاد، يقبلون حديث الآحاد في ماذا؟ في العقائد يرحمك الله.

فلماذا لا يقبل حديثًا صح عن النبي ﷺ ونصه أن النبي ﷺ يقول: «كنت نهيتكم عن كذا فكذا»؟ يعني أنت في النهاية كأنك تلغي الحديث إذا لم تعمل به، أنت تلغي النص أصلاً. النبي ﷺ يقول: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، تجي تقول لي هذا حديث آحاد لن أجعله ناسخًا؟ أنت فعليًا ماذا فعلت؟ أنت أبطلت الحديث، أنت أبطلت كلام النبي ﷺ، وهو نص في النسخ. يعني هو النبي ﷺ يقول: «كنت نهيتكم عن كذا فافعلوا كذا»، إذا قلت لي والله هذا حديث آحاد لن أقبل أن يكون ناسخًا للقرآن، فكأنك تقول لي: ما هذا الحديث؟ لن أعمل به، وهو نص من حيث الصيغة في النسخ.

طيب، إذا أنا أقبل -إخواني- في العقائد حديث الآحاد، فكيف لا أقبل هذا الحديث الذي نصه يخبر فيه ﷺ عن النسخ، وأنني كنت نهيتكم فافعلوا؟ أليس الأصل أن يعمل به حتى لو جاء بطريق آحاد؟ أنا في النهاية عملت بالمضمون، لكن هذه الحالة التي يتكلمون عنها -والله أعلم- هم يتكلمون عن النسخ الاجتهادي.

نرجع نقول مثلاً: عندي آية قرآنية «لا تفعل كذا»، يأتي حديث آحاد معارض لهذه الآية، حاول الفقيه أن يجمع بينهما، حاول يجمع ما صلح، هل يحق للفقيه أن يقول: الآية نزلت في السنة الثانية من الهجرة والحديث هذا في السنة الخامسة، خلص هذا الحديث ناسخ للآية؟ لا، هنا يقول الجمهور من الأصوليين: لا يحق لك أن تمارس هذه الممارسة. ليه؟ هنا نص الحديث لا يوجد في داخله أن النبي ﷺ يقول: «كنت نهيتكم عن كذا فافعلوا كذا»، وإنما هو نص عام في حكم لكنه يخالف حكم الآية، بس حاول الفقيه يجمع ما صلح معه الجمع، فقرر فقيه بعد أن عرف زمن النصين أن يقول: ماذا؟ إن الحديث ناسخ للآية. فبنقول له: ما دام الحديث آحادًا، لا، لأنه هو ظني والآية ظني -طبعًا من حيث الثبوت- والآية قطعية من حيث الثبوت، فلا ننسخ القطعي بالظني من باب الحرص، يعني الآية في هذا السياق هي قطعية وحديث الآحاد ظني، فلا أنسخ القطعي بالظني.

لكن هنا أتكلم أنا -والله أعلم- عن النسخ الاجتهادي، هنا في منطق لهذا الكلام. أما أن يكون الحديث الآحاد صح في البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: «كنت حرمت كذا فابحث» أو «كنت منعتكم من كذا فابحث»، وتيجي تقول لي: لا، أنا ما راح أعمل بهذا الحديث الناسخ للقرآن لأنه حديث آحاد، بالتالي أنت فعليًا رجعت لشبهة الاحتجاج بحديث الآحاد، رجعنا لهذه الإشكالية التي نحن نلوم فيها أهل الكلام.

فما أراه صوابًا -والله أعلم- أن هذا الخلاف عندما نقول إن القرآن لا ينسخ بحديث الآحاد، ينبغي أن يُذكر مثال من أي نوع يا شيخ محمد؟ من النسخ الاجتهادي، جيب لي مثالًا لنسخ اجتهادي، ولا يذكر مثالًا من قبيل النسخ النصي؛ لأن النسخ النصي نعم، الآحاد يستطيع أن ينسخ القرآن، بس لأن العبرة ليست بالحديث الآحاد كسند، العبرة بمضمونه، ما دام مضمونه أنه ﷺ يقول: «كنت نهيت عن كذا» أو جاءت آية قرآنية نهت عن كذا فنسخ فافعلوا كذا، إذاً هو ﷺ يخبر، ونحن في العادة نحتج بأخبار الآحاد حتى في أصعب الأمور، حتى في مسائل الاعتقاد، فما المانع أن نحتج بخبر آحاد صح في البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن كذا فافعلوا كذا»؟ فلا أرى موجبًا لعدم النسخ هنا، وإنما أرى الموجب في هذه الحالة.

أرجو أن يكون الأمر واضحًا، أنه في كتب الأصوليين أو الأمثلة التي تُذكر أشعر أن هناك خلطًا بين هذه الحالة وهذه الحالة، لذلك أنا ركزت أن أبينها. هناك خلط في الأمثلة بين حالة النسخ النصي وبين حالة النسخ الاجتهادي، وهذه حقيقة شيء وهذا شيء آخر. النسخ النصي ليس مبنيًا على اجتهاد الفقيه، النص أمامه يقول لك إنه أنا ناسخ، أما في النسخ الاجتهادي فهو مبني على تفكير الفقيه وعدم قدرته على الجمع.

وحقيقة نعم، هنا في مجازفة في النسخ الاجتهادي أن نجعل حديثًا آحادًا ينسخ قرآنًا، صح، في مجازفة. ليه؟ النسخ الاجتهادي مبني على ماذا إخواني؟ على أن الفقيه لم يستطع الجمع، طيب مش ممكن يجي فقيه آخر يستطيع الجمع؟ فبالتالي أنت الفقيه الأول ألغيت آية قرآنية باجتهادك بناءً على حديث آحاد، والله فعلاً مخيف الواقع، صح، أن هو ألغى العمل بآية قرآنية بناءً على حديث آحاد لعدم قدرته على الجمع، فلا هنا بدك تحط كوابح شديدة جدًا لأن هذا قرآن. أما في النسخ النصي أنا مش خايف، ليه؟ لأن أنا ما اجتهدت، هو الحديث بيقول لي، ﷺ يقول هذه الآية نزلت وأنسخها بكذا، فأنا ما اجتهدت، أنا عندي النص واضح، وهو وإن كان حديث آحاد لكن أطلقته الأمة بالقبول وانتهت القضية، فهذه تحتاج أن تتأمل أكثر وأكثر في المسألة.

نعم، لذلك أصلًا كثير من القواعد ستجد أمثلة بعيدة. نسخ السنة تنقسم السنة باعتبار وصولها إلينا -كما بينا سابقًا- إلى متواتر وآحاد، نأتي للحالة الثانية. الحالة الأولى كما قلنا أن يكون المنسوخ هو الكتاب، فقلنا يعني بناءً على من فهم الخلاصة عند الحنابلة في إذا...

كان المنسوخ هو الكتاب، بماذا يجوز نسخه؟ بالكتّاب عند الحنابلة، إذا كان المنسوخ هو نصًا قرآنيًا، فالناسخ لا يصح إلا أن يكون نصًا قرآنيًا؛ إما أن ينسخ القرآن بالمتواتر أو بالآحاد فلا يصح.

أعود فأقول، سواء في قضية -وهذه اعتبروها تعليقًا مني على هذه الحالة والحالة التي قبلها- قضية نسخ الكتاب بالسنة المتواترة أو نسخ القرآن بالآحاد، الذي أعتقد أنهم يقصدون ماذا؟ سواء الحالة الثانية أو الثالثة: النسخ الاجتهادي. أما حديث متواتر يقول فيه النبي ﷺ: «جاءت آية فنسخ بكذا وكذا» بناء على إيش؟ ما تعمل فيها أنت حديث متواتر وفيه نص النبي ﷺ، عدم العمل هذا خطير، يصبح كأنك تلغي كلام النبي ﷺ ولا تضع له اعتبارًا في هذه الحالة، مع أنه هو يخبر أنه حدث نسخ، مش أنا الذي أجتهد في عملية النسخ.

نأتي الآن للحالة الثانية، وهو أن يكون المنسوخ هو السنة. قال: تنقسم السنة باعتبار وصولها إلينا -كما بينا سابقًا- إلى متواتر وآحاد، وكل قسم منهما له أحكامه الخاصة في النسخ، لذلك سنفصل الكلام عن كل نوع على حدة. سنبدأ بنسخ السنة المتواترة؛ نسخ السنة المتواترة له ثلاث صور، كمل: نسخ السنة المتواترة بالقرآن.

نسخ السنة المتواترة بالقرآن؛ قال: وهذه الصورة يعدها جمهور الأصوليين من الحنفية والمالكية والحنابلة، أي جوزها جمهور الأصوليين، وهذا منطقي باعتبار أن القرآن أعلى رتبة من السنة المتواترة، حتى فيمكن أن ينسخها القرآن، قادر أن ينسخ سنة متواترة.

مثال تطبيقي: كان الكلام في الصلاة جائزًا في بدء الإسلام كما قال زيد بن أرقم: «إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله ﷺ، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، فأمر بالسكوت ونهي عن الكلام». فجواز الكلام كان مشهورًا متواترًا عندهم كما يفهم من قوله: «كنا نتكلم» بصيغة الجمع، ثم نُسخ بهذه الآية.

ركز في هذا المثال حتى لا تختلط عليك الأمور قليلًا. حديث زيد بن أرقم نفسه كحديث وصوله إلينا عند الإمام مسلم، متواتر أم آحاد؟ آحاد، حديث زيد بن أرقم كحديث هو آحاد من الأحاديث المتواترة. طيب، أين المتواتر الذي نُسخ بالقرآن؟ إذاً أين التواتر الذي نُسخ بالقرآن؟ الآن نحن ذكرنا مثالًا على متواتر نُسخ بالقرآن يذكره الأصوليون. على هذه الحالة، أين التواتر الآن؟ هو كحديث من عند الإمام مسلم لزيد بن أرقم حديث آحاد، أين التواتر؟

الفكرة هي أن الكلام في زمن النبي ﷺ، الكلام في أثناء الصلاة، هذا شيء ليس خاصًا بزيد بن أرقم، يقول: «كنا نتكلم»، إذاً هذا شيء معروف مستقر مشهور عندهم، زيد هو فقط نقل القصة، وإلا هذه ليست واقعة حدثت لزيد بن أرقم وإنما هنا مسألة الصلاة مسألة مشهورة عند الصحابة، وكل يوم يصلون، هناك مئات الصحابة، كان واضحًا أنهم يعرفون هذه المسألة، فكان هناك حكم متواتر بينهم.

ليست متواترة كسند، وهذه هي المشكلة في الأمثلة التي تُذكر هنا، أنك تجد الأمور تختلط بين تواتر السند وتواتر القصة بين الصحابة. المشكلة تكمن في أنك تتكلم الآن عن تواتر السند نفسه، أم تواتر الموضوع بين الصحابة؟ فالمثال المذكور الذي يذكره الأصولي هو مثال على فكرة متواترة ومنقولة بين الصحابة، أما كسند فالسند آحاد.

هذه القصة المتواترة، يعني هناك شيء متواتر بينهم، نزلت آية قرآنية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، والقنوت كان هنا في هذه الآية المراد به الصمت وعدم الحديث، هذا كان المراد بالقنوت في هذه الآية عدم الحديث بأمور الناس. متخيلين؟ الصحابة كانوا ابتداءً، العادة أنه يصلي، كان ممكن يحكي مع صاحبه، يجلب لي الشاي أو كذا، كان الأمر عادي، ثم نُسخ بالآية القرآنية.

إذاً الآية القرآنية ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ نسخت ماذا؟ لما يقولون نسخت حديثًا متواترًا، هنا يجب أن تفهم شيئًا؛ هم لا يقصدون هنا نسخت حديثًا متواترًا من حيث السند، وإنما العبارة الأدق أن نقول: نسخت قصة أو واقعة متواترة بين الصحابة، كان عندهم فيها حديث عن النبي ﷺ، فهو زيد بن أرقم باختصار، يذكر لنا بالمضمون أن النبي ﷺ كان يعطي الصحابة مساحة للحديث في أثناء الصلاة، في حديث بينهم سابق، يعني واضح أنه في أثر سابق لم يبلغنا أنه النبي ﷺ أباح لهم الحديث أثناء الصلاة، وهذا الحديث متواتر بين الصحابة، وجاءت بعد ذلك آية قرآنية نسخت هذا الأمر الذي كان متواترًا بينهم. فالصحابة إذا قبلوا أن الآية تنسخ ما كان متواترًا معروفًا متداولًا بينهم، هكذا الصحابة قبلوا أن الآية تنسخ ما كان متداولًا معروفًا متواترًا بينهم.

فذكروا هذا المثال مثالًا على نسخ ماذا؟ قرآن متواتر. لكن إذا أردت أن تأتي بمثال آخر على النسخ الاجتهادي، أن يكون لا هو نفسه كسند متواتر وتأتي آية قرآنية تنسخه، لن تجد. من الآخر، لن تجد، فصارت القضية نظرية، لذلك تجد الأصوليين يفزعون إلى هذا المثال من ناحية نظرية. لكن لو أردت أن أمشي معهم في نسخ اجتهادي -ليس نسخًا نصيًا- يكون في حديث متواتر السند وتأتي آية قرآنية نحكم أنها ناسخة لهذا الحديث المتواتر السند نظراً لعدم القدرة على الجمع بينهما، والحديث المتواتر السند متقدم زمنياً والآية القرآنية متأخرة، هذه الصورة مش موجودة أصلاً، فإضاعة الوقت في التفكير فيها لا يخدم العملية التعليمية، فعادة يذكرون هذا المثال بدلاً منها.

لكن أنا حقيقة أرى أن هذا المثال يختلف عن الكلام الذي -يعني النسخ الاجتهادي شيء والنسخ النصي شيء- هذا الحديث مثال على نسخ نصي؛ أن زيد بن أرقم يخبرنا ماذا حصل، أنه كان في قصة متواترة بينهم وجاءت آية نسختها، هذا يصلح مثالًا على أن القرآن نسخ أمرًا متواترًا في زمن الصحابة، وهذا نسخ نصي، نحن أصلاً لسنا الذين نجتهد، هو هكذا النص أصلاً يقول: «كنا نتكلم، بطلنا نتكلم بسبب الآية».

أما لو أردت مثالًا على نسخ اجتهادي؛ حديث متواتر السند تعارض مع آية ولم يمكن الجمع بينهما، والآية متأخرة زمنياً والحديث المتواتر متقدم، لن تجد، فلذلك يعدلون إلى هذه الطريقة، ولذلك أنا أزعم أن تفريق طالب العلم بين مسألة النسخ النصي والنسخ الاجتهادي سيحل لك كثيرًا من...

الرموز والإشكالات في الأمثلة الأصولية ستُحل. لك كثير من الإشكالات، ستجد أن الأمر ليس واضحًا في أمور، عم تتضارب في الأمثلة.

ثانيًا: نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة. هذا النوع لا خلاف فيه بين العلماء، وهو من أدق العلم ويحتاج إلى سعة اطلاع ومعرفة بالآثار. روى مسلم في صحيحه عن أبي العلاء بن الشخير قال: «كان رسول الله ﷺ ما ينسخ حديثه بعضه بعضًا كما ينسخ القرآن بعضه بعضًا». وقال الزهري: «أعيى الفقهاء وأعجزه أن يعرف ناسخ حديث رسول الله ﷺ من منسوخه». وقلت: وهذه الآثار لا تختص بنسخ المتواتر بالمتواتر، بل تشمل في ظاهرها جميع صور نسخ السنة بالسنة. وهذه الآثار عمومًا أصلًا تدل على عموم نسخ السنة بالسنة.

مثال تطبيقي: النهي عن ادخار لحوم الأضاحي. نشوف المثال التطبيقي الذي يذكرونه على هذه الحالة الثانية، وهي حديث متواتر ينسخ حديثًا متواترًا، وهذه أيضًا لا إشكال فيها عند الحنابلة، خاصة أن كلاهما في نفس القوة؛ ثبت ابتداءً عن تسعة من الصحابة، منهم علي وعائشة وابن عمر وجابر رضي الله عنهم، ثم نُسخ هذا النهي بعد ذلك، ونُقل النسخ عن أحد عشر صحابيًا، منهم أيضًا عائشة وجابر.

الآن، هذا يعتبر من كبير النسخ الاجتهادي ولا النسخ النصي؟ رأيكم؟ النبي ﷺ خطب في الصحابة ونهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي في سنة من السنوات، خطب في الصحابة ونهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي أكثر من ثلاثة أيام، وقال: الذي يريد أن يأكل ويدخر فقط لثلاثة أيام، بعد ثلاثة أيام يجب أن توزع اللحم، لا تدخر لأكثر من ثلاثة أيام.

ثم بعد ذلك، هذا الحديث الأول رواه تسعة من الصحابة، رووا حديث النهي عن ادخار لحوم الأضاحي أكثر من ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك جاء الصحابة أيضًا فنقلوا النسخ وأخبروا أن النبي ﷺ أذن لهم في ادخار لحوم الأضاحي كما يشاؤون؛ حبيت تفرز اللحمة سنة، سنتين، يرجع لك. من كم شخص نقل النسخ أيضًا؟ أحد عشر صحابيًا نقلوا النسخ، ومنهم أيضًا عائشة وجابر. إذ أصبح عندي تسعة من الصحابة نقلوا النهي عن ادخار لحوم الأضاحي، ثم بعد ذلك روى أحد عشر صحابيًا أن ذاك الأمر قد انتسخه ﷺ، فأجاز لهم أن يدخروا لحوم الأضاحي كيفما شاؤوا.

هنا أين التواتر؟ أولًا: هل هذا النسخ نسخ نصي ولا اجتهادي؟ نصي؛ لأن هنا ليس مجتهدًا وجد نصين متعارضين حاول يجمع بينهما فصحت الأمور فقال بالنسخ، لا؛ هنا الصحابة صرحوا أن النبي ﷺ نهاهم ابتداءً عن الادخار، ثم أذن لهم في الادخار، بالتالي أنا كفقيه لا يحق لي أن أعترض أو أجتهد هنا أو أحاول الجمع؛ لأنه نفس الصحابة هم يقولون لك: كنا نُهينا، ونهانا النبي ﷺ، ثم أذن لنا. فهذا نسخ نصي.

وأين وقع التواتر؟ الواقعة الأولى كم شخص نقلها؟ تسعة، وتسعة -إن عرفنا على الأقل دعنا من عرف المتكلمين- تسعة من عدول الصحابة، وهؤلاء يعتبرون تواتروا في نقل القصة، وحتى في زمنه ﷺ؛ يعني القصة هنا متواترة في زمنه، ومتواترة من حيث السند؛ تواترا معنويًا. أنت متخيل عندي تسع أسانيد عن تسعة من الصحابة في نفس الموضوع، إذًا في تواتر من السند، وفي تواتر أيضًا في زمن النبي ﷺ كواقع؛ لأنه لما خطب خطب أمام الناس، ثم جاء بعد ذلك أحد عشر صحابيًا فنقلوا أيضًا النسخ. إذًا عندي أحد عشر حديثًا مضمونها أن هذا الأمر الأول منسوخ، في عندي حديث متواتر فعليًا نسخ بحديث متواتر، والتواتر هنا كواقع في زمنه وكسند، وهناك تواتر معنوي.

ثالثًا: نسخ السنة المتواترة بالآحاد. الخلاف في هذه الصورة هو ذات الخلاف الذي سبق في مسألة نسخ القرآن بالآحاد؛ لأن مأخذ المسألتين واحد، وهو: هل يجوز نسخ المقطوع بالمضمون؟ فجمهور أهل العلم على عدم الجواز مطلقًا. هي نفس الفكرة، كما أننا قلنا قبل قليل إن القرآن لا ينسخ بحديث الآحاد لأن الآحاد مظنون، كذلك الحديث المتواتر لا ينسخ بالآحاد لأن الآحاد مظنون.

لكنني سأرد نفس الإشكال: لما تقول إن الحديث المتواتر يُنسخ بالآحاد، أي نوع من أنواع النسخ؟ النسخ النصي ولا الاجتهادي؟ لو عندي حديث متواتر عن الصحابة أنهم فعلوا كذا وكذا وأمرهم النبي ﷺ بكذا وكذا، بعدين عندي حديث آحاد صحيح يأتي صحابي فيقول: كان النبي ﷺ نهانا عن كذا ثم أباحه لنا، وحديث صحيح السند، هل تقول لن أعمل بهذا الحديث لأنه هناك حديث متواتر بجواز هذا الفعل؟ هو في حديث متواتر بجواز الفعل، لكن حديث الآحاد هنا ينقل بالحرف أن النبي ﷺ حرم كذا ثم أباح، يعني هو نقل لي إياها حرفيًا عن النبي ﷺ، أو حتى يمكن يقول: «كنت نهيتكم عن كذا فافعلوا كذا»، هل ستقول لن أعمل بهذا الحديث؟ لا، هذا خطر، كيف لن تعمل بهذا الحديث وهو حديث آحاد؟ صحيح في البخاري وفي مسلم في كذا، والحديث واضح أن النبي ﷺ يقول: «كنت نهيتكم»، فاعاد، فمثل هذا حقيقة أرى أنه يعمل به، والأئمة وأهل الأحاديث يعملون به، وإلا لو أننا لم نعمل به هنا لكان هذا إشكالًا أصلًا في الاحتجاج بحديث الآحاد في العقائد وغيره من المسائل؛ لأنه هذا نص منه ﷺ في النسخ، ليس أنا الذي أجتهد.

أما هذه الحالة التي يتكلمون فيها أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد، متى أقبلها؟ في أي النسخ؟ في النسخ الاجتهادي؛ أنه حديث متواتر عارضه حديث آحاد، حاول المجتهد يجمع بينهما فما صلح معه، أو لم يعرف كيف يجمع، أو لم يظهر له وجه جمع، فعرف أن المتواتر متقدم زمنيا والآحاد متأخر زمنيا، فقرر أن يقول بالنسخ. لا، نقول له هنا وقف شوي؛ لأن الحديث المتواتر متقدم زمنيا صحيح، لكن أنت تريد أن تنسخ دلالته مع أنه متواتر بحديث ماذا؟ آحاد، هو على الأقل درجة ثبوته ستكون أقل من المتواتر، والأصل أن المقطوع يقدم على المظنون، فلا أذن أن تنسخ المقطوع بالمظنون، خاصة أنه هذا ناتج عن اجتهادك، يعني يمكن يأتي عالم آخر.

ويظهر له وجه من أوجه الجمع التي لم تظهر لك، صحيح؟ فيكون نعم، اتفق أن نسخ المتواتر بالآحاد هنا قد يكون في خطر لأنه هنا كلها عملية اجتهادية، لكن في الحالة الأولى لا ما في خطر؛ لأننا هنا نتكلم عن نص واضح في النسخ.

إذا كان الحكم هو من اجتهاد الصحابة يضاف إلى النسخ الاجتهادي، مثل ادخار لحوم الأضاحي، لا، لست في النهاية عندك تسعة، يعني ليس الكل. ما إذا كان الذي يقول بالنسخ ليس نفس نص الحديث عن النبي ﷺ، إنما صحابي اجتهد كما يجتهد الفقهاء، فحكم بالنسخ، نرجع نطبق كلامك أنه هذا يعتبر من النسخ الاجتهادي، لأنه ليس نص حديث النبي ﷺ يقول: «كنت نهيتكم عن كذا فافعلوا كذا»، لا، بل صحابي اجتهد من عنده.

كما قال جابر: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار». البعض قال هذا فهم جابر ولا يوجد نص حديث بهذا، هذا فهم جابر، والبعض قال بالنسخ. فإذا كان الصحابي هو استنبط النسخ من عنده، فإنه يعامل معاملة العالم المجتهد، فيكون نسخًا اجتهاديًا.

ونجي لنفس القضية، فالنسخ النصي لا يكون، هناك نص عن النبي ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». ومما يمكن أن ينزل منزلة النص أيضًا هو أن يقع إجماع قطعي على خلاف حكم ورد فيه حديث. إذا ورد إجماع قطعي على خلاف حكم حديث، فهذا نسخ نصي. كذلك إذا جاء عن عشرة أو عشرين صحابيًا، مثل مسألة ادخار لحوم الأضاحي، جاء عن عشرة أو عشرين صحابيًا أن النبي ﷺ نسخ الحكم الأول؛ هنا ممكن صحابي يخطئ، لكن عشرون صحابيًا أو عشرة صحابة يقولون هذا الحكم انُسخ، يدل على أن هذا أمر نصي وليس أمرًا اجتهاديًا، مثل اجتهاد عمر أو اجتهاد عبد الله بن مسعود.

فلما نقول النسخ النصي، عندك عدة احتمالات: إما أن يكون نفس حديث النبي ﷺ يصرح بالنسخ، أو يكون عندي إجماع قطعي ثابت على خلاف حديث، فأعرف أنه هذا نسخ نصي. كيف أجمعت إجماعًا قطعيًا على خلاف حديث إلا وهناك مستند، حتى ولو لم يصل لي؟ أو يكون ماذا؟ نقل عن عدد كبير من الصحابة أن هذا الحكم منسوخ، فإذا كان معروفًا عند الصحابة أن هذا الحكم منسوخ ولو لم ينقل لفظ الحديث، فهذا يدل على أن هناك نسخًا نصيًا عن النبي ﷺ وارد في ذلك. هذه هي صور النسخ النصي.

تمام، تفضل.

المشكلة إذا أنا سأمشى مع هذه القواعد، سأصير مع قواعد المتكلمين، أنه عندما يكون حديث آحاد في البخاري ومسلم ويكون النبي ﷺ يقول فيه صراحة: «كنت نهيتك عن كذا، اترك ذلك، افعل كذا»، أنا فعليًا هنا أوقفت حديث النبي ﷺ ولم أعمل به، أوقفت نفس المضمون المباشر الذي يقول لي: «كنت نهيتك فافعل»، كأنك تقول: لا يا رسول الله لن آخذ بهذا الحديث.

أنا فلسفتك أنه آحاد، لكن في النهاية هو نص عن النبي ﷺ صحيح السند، أنا آخذ به في العقائد التي هي أخطر من قضية نسخ فقهية. صح، في العقائد أقبله كحديث آحاد إذا صح عن النبي ﷺ، ولا أريد أن أقبله في قضية نسخ فقهية، أصلًا أنا أعتبر هذا خللًا في بناء المنهج. لماذا لا نقبل النسخ الاجتهادي بحديث الآحاد؟

مسألة ثانية، أنت تقصد أن الشيخ يقول: حتى النسخ الاجتهادي لماذا لا نجعل حديث الآحاد ينسخ المتواتر؟ هنا أول شيء يجب أن نتفق أن الأمر أسهل، لكن كان بعض مشايخنا يقول هذا الكلام، يقول: الأصل لا نفرق بين الاجتهاد والنص، وحتى في الاجتهادي الأصل أن الآحاد ينسخ القرآن وينسخ السنة المتواترة. هذا كان يقوله بعض المشايخ، لكن حقيقة أنا هنا لماذا أتوقف أو أقف قليلًا مع جمهور الأصوليين؟ للتخوف أنه النسخ الاجتهادي قائم على أن هناك فقيهًا ما عرف يجمع أو لم يظهر له جمع، فيبطل دلالة نص قرآني بحديث آحاد، أو يبطل دلالة سنة متواترة بحديث آحاد، مع أن هناك احتمالًا يأتي فقيه وعالم آخر يظهر وجه جمع مقنعًا.

بعد ذلك، فعمل النسخ هي عملية مخيفة قليلًا، صح؟ يعني أنت تقول أريد أن أنسخ آية، هذا ليس سهلًا، ليس قرارًا يؤخذ أحيانًا بالعجلة، خاصة أن بعض الفقهاء قد يتعجل، قد يحدث هناك نوع من بادئ الرأي، فيقول: خلص ليس هناك وجه جمع، صعب قليلًا، أنسخ الآية! لا، أنت تنسخ كلام رب العزة سبحانه وتعالى، فأتوقع أنه هنا التروي ينبغي أن يكون أكثر، ينبغي هنا لأنه أنت تتكلم عن اجتهادك لعدم قدرتك أنت على الجمع.

زي ما مر معنا مثال الحنفية المرة الماضية، هم استطاعوا أو لم يستطيعوا الجمع فقالوا بالنسخ، فجاءت ثلاثة أو أربعة مذاهب قالوا: لا، ليس هناك نسخ، ترى يمكن الجمع بسهولة وأبانوا أوجهًا كثيرة للجمع. فأعتقد أن هنا ينبغي أن يكون على الأقل التروي أكثر، لأنه يمكن تكون أنت الذي لم تعرف تجمع، وتأتيك صور وحالات كثيرة للجمع نظرًا لتباين الفهوم والقدرات على الجمع. هذا مع أنني أتفق أنه في رأي آخر يرى أنه في داعٍ للتفريق بين المتواتر والآحاد حتى في النسخ الاجتهادي.

نكمل نسخ الآحاد، وله ثلاث صور أيضًا: نسخ الآحاد بالقرآن، والحالة الأخيرة التي ندرسها الآن هي أن يكون المنسوخ هو الآحاد. طبعًا هي أسهل حالة، لماذا؟ لأن الآحاد هو الأقل، بالتالي الآحاد يُنسخ بالقرآن، والآحاد يُنسخ بالمتواتر، والآحاد يُنسخ بالآحاد لأنه مثله في المرتبة، فهذه حالة سهلة عمومًا.

نكمل: نسخ الآحاد بالقرآن، وقد ذهب إلى جوازه المذهب وجماهير العلماء القائلين بجواز نسخ المتواتر بالقرآن كما سبق تقريره. مثال تطبيقي: نهى النبي ﷺ عن المباشرة في ليالي رمضان، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]. ما رأيكم في هذا المثال؟

نعم، الواقعة متواترة، هو عندما يأتون بهذا المثال على نسخ آحاد بالقرآن، تشعر أن هناك مشكلة في التمثيل هنا بهذا المثال، وقبل قليل عندما مثلنا على نسخ المتواتر بالقرآن.

مثلنا بأحاديث، زيد بن أرقم الآن، خلينا نشوف الأمثلة التي يأتون بها. قال: «نهى النبي ﷺ أن يباشر، يجامع ويباشر الرجل زوجته في ليالي رمضان». كان في بادئ الأمر في الإسلام أنه إذا نام الإنسان قبل المغرب فدخل عليه وقت المغرب وهو نائم، لا يحق له أن يفطر ولا أن يجامع زوجته حتى اليوم الثاني، فنهاهم الله سبحانه وتعالى عن المباشرة، عن الجماع في ليالي رمضان، ثم نسخ ذلك.

السؤال هو: النهي عن الجماع في ليالي رمضان، هل هو كواقع بين الصحابة معروف متواتر، ولا آحاد؟ بين الصحابة متواتر أكيد، كان حكماً عاماً يعرفه الجميع، وإنما هنا الذي نقل فقط الحديث إلى البخاري ومسلم أو أصحاب السنن هو شخص أو شخصان، لكن هي كواقع متواترة. ثم جاءت الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [البقرة: 187].

جاءت آية البقرة: أحل لكم أن تجامعوا زوجاتكم. علم الله أن بعض الصحابة سقط في هذا، خليني أقول أو لم يفلح في هذا الاختبار، أنه كان وقع في الجماع في ليالي رمضان ولم يستطع أن يكبح جماح نفسه، والله سبحانه وتعالى عفا عنهم، وقال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾، يعني تخونون أنفسكم في هذا. وهذا طبعاً وقع على عدد محدود جداً أنه ما ضبط نفسه في الليالي، والله عز وجل علم مشقة ذلك عليهم، فأذن لهم بالجماع في ليالي رمضان.

المهم، ما أريد أن أقوله أنه هذه الآية ما هي آية قرآنية والواقعة المنسوخة هي كواقع متواترة، لكنها وصلت إلينا كحديث أن النبي ﷺ نهى عن المباشرة في ليالي رمضان بحديث آحاد. فجعلها هذا المثال على نسخ آحاد بالقرآن؛ هو يصلح على ماذا؟ أنه الحديث نفسه آحاد.

طيب، سؤال قبل ما أسأل هذا: يا شيخ، هل هذا نسخ نصي ولا نسخ اجتهادي؟ يعني قولنا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾، هذا نسخ نصي ولا اجتهادي؟

نعم، اجتهادي. أنت تصورك عن اجتهادي؛ يعني في حديث وفي آية حاول الفقيه يجمع ما ضبط فقال بالنسخ النصي، أنه نفس النص يشير إلى أنه ناسخ، هو يقول نفسه عن نفسه نصي، ليش نصي؟ أحسنت، الذي يظهر أنه ماذا؟ نصي، لأن الآية ماذا تقول؟ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾، فالآية تشير إلى أنها ناسخة لشيء كان مستقراً بينكم.

لذلك، هل يوجد خلاف في هذا الحكم؟ يعني هل يوجد أحد من علماء الأمة يقول لا يجوز الجماع في ليالي رمضان؟ أحد المذاهب؟ لا، ما في أحد يقول. واضح أن هذا الحكم مهجور تماماً بالنص القرآني، إشارة الآيات واضحة، ودعنا نقول بالإجماع إنه هذا الحكم ما عاد موجوداً، فهو نسخ نصي.

لكن الآن المشكلة تصنيفه، أنا هذه التي أراها مشكلة تصنيفه. لما يقال هو نسخ لحديث آحاد بالقرآن، هو يكون كلامكم صحيحاً باعتبار ماذا؟ السند، أنه سند الحديث آحاد، تمام، نسخ بالقرآن. لكن لو بدي أكون أنا هيك أنظر نظرة أخرى، هي واقعة متواترة عند الصحابة تم نسخها بماذا؟ بآية قرآنية. فإذا بدي أنظر للواقعة نفسها هي متواترة نسخت بقرآن، لكن إذا بدي أنظر للسند أقول ماذا؟ آية قرآنية نسخت حديث آحاد.

لكن أنا أعتقد أن النظر للواقعة أهم؛ لأنه فعلياً هي ليست الآية نسخت حديث آحاد، هي الآية نسخت ما كان متواتراً معروفاً عندهم، نسخت ما كان متواتراً معروفاً عندهم بين الصحابة. جاءت الآية نسخت هذا الحكم المستقر، فهي لم ترفع حديث آحاد، لأن هو أصلاً الآية نسخ نصي وبينت أن هذا الأمر انتهى وفرغ منه وكانت الواقعة متواترة، وحديث الآحاد هو فقط نقل لي المشهد، وليس أن القرآن نسخ أو كان نسخ القرآن على هذا السند بحد ذاته. هذه قضية أظن أنها من القضايا الشائكة.

أعود فأقول في أمثلة الأصوليين على قضايا النسخ في هذا الباب، أنه بذكر مثال؛ أنت باعتبار إيش هذا نسخ؟ هذا باعتباري سنده ولا باعتبار نفس الواقعة؟ هي نفس الواقعة متواترة، أكيد هذا الموضوع مش كان صحابيين يعرفوه، لكن باعتبار وصول الخبر إلينا آحاد، فلما تقول نسخ القرآن حديث آحاد أنت هنا إذا بتتكلم باعتبار السند مش باعتبار الواقعة. ولو بدي أمشي على هذا المثال بدي أقول: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، هي نسخ قرآن لآحاد من حيث حديث زيد بن أرقم، ولكنكم أحياناً تمثلون بها لنسخ قرآن لمتواتر باعتبار أن الواقعة كانت متواترة. فنحن يا جماعة بدنا نكون مطردين، يا بنظر للواقعة يا بنظر للسند، أما إذا أحياناً بدي أنظر للواقعة وأحياناً نظر للسند، رح يصير الطالب مبعثر الأفكار.

الطالب سيصبح مبعثر الأفكار، طبعاً أنا أتفهم أحياناً أن بعض الأصوليين تعزه الأمثلة، يعني ما يجد مثال فيحاول يجيب مثال تقريبي، والشأن لا يعترض المثال، ولكن حقيقة الأمثلة أحياناً إذا لم تكن دقيقة تسبب لخبطة في ذهن الطالب أكثر من أنها تعالج مشكلة فكرية.

تفضل.

شوف بالمعنى المنطقي أتفق معك، لكن في مناظرة الشافعي لحفص الفرد، أو لأحد المعتزلة، ذكروا قضية الحديث المتواتر، والشافعي رفض تعريف المعتزلة للتواتر وقال: «المتواتر هو نقل الكافة عن الكافة». فلح أنه في متواتر، وانسى الملح كملح، لكن وجود هذا في أذهانهم أن هناك ما هو نقل الكافة عن الكافة وهكذا، وما هو نقل الواحد والاثنين، هذا موجود، لكنهم يختلفون عن المتأخرين في ضبط التعاريف والملح. لكن الشافعي نفسه كان يفرق، فيقول: هذا حديث نقل الكافة عن الكافة، وهذا حديث نقل الواحد عن الواحد، يعني كتصور موجود في ذهنه ولا بد، لكن نحن بعدين ضبطناه بالمصطلحات تبعتنا، نسميه متواتر وآحاد بهذه الطريقة التي نعبر بها.

نعم، الحديث الإيش؟ لا، هو أنت بالنسبة للمتكلمين، شوف بالنسبة للمتكلمين حديث الآحاد ظني، هاي المشكلة. يعني أنت إذا فتحت كتب الأصول هم لا يقبلون أن يكون حديث الآحاد قطعياً، هاي هي المشكلة، وبالتالي أنت إذا قلت قطعي وظني كأنك تقول قرآن وسنة متواترة، وحديث الآحاد عندهم كله ظني. ولذلك البعض اعترضوا، كما قلت للأخ، البعض قال لك: لا، ما هو حديث الآحاد أحياناً قد يفيد بالقرائن ماذا؟ القطع، وإذا تلقته الأمة بالقبول وما شابه ذلك، فلماذا لا ينسخ المتواتر هذا؟

الكلام صحيح، وفي إشكالات كثيرة في هذا الباب. لكن دعني الآن في هذه المرحلة أركز على ما يقولون في كتبهم الابتدائية. أنت الآن في بحث آخر، تريد أن تعترض حتى على المتأخرين، يعني هذا كله المرداوي وغيرهم هم يسيرون على مصطلحات الأصوليين المتأخرين في ذلك، في تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد، وقضايا النص، هذا كله موجود.

دعني أؤجل هذا النقاش لباب آخر، لأننا هنا سنعرض على أصولي متأخري الحنابلة والشافعية والمالكية وكل من تأثر بالنفَس الكلامي في التقسيم الأصولي؛ لأنني أقر بأن تقاسيم الأصوليين المتأخرين متأثرة بشكل واضح بطرق الكلاميين، ولا يمكن أن تستغني عن هذا. لا، هذا جراءة شوي، بدنا نخفف منها ونحاول، خلينا نقول مش نهجر، نقول ننظر في كلام المحققين مثلا؛ كتب ابن تيمية وتعليقاته، وتعليقات ابن القيم، وننظر بشكل جيد، أفضل من الطلاب الجريئين على أهل العلم بدون واسطة.

أكمل؛ قلت هذا المثال الذي يريده بعض الأصوليين فيه نظر، لأن الناهي عن المباشرة كان معلوماً مستفيضاً بين الصحابة، ثم جاءت الآية تنسخه، فهو أقرب للنسخ المتواتر بالقرآن؛ لأن الواقعة كانت متواترة بينهم. وكون حديث النهي عن المباشرة ابتداءً وصل إلينا آحاداً، فلا يعني هذا أنه كان آحاداً أيضاً بين الصحابة، فهمتم هذا الكلام؟ هذه هي الإشكاليات التي تعترض هذه الأمثلة.

نكمل: نسخ الآحاد بالمتواتر، وهذه الصورة لا خلاف فيها بين العلماء، خاصة أن المتواتر أقوى من الآحاد من حيث الثبوت، فيقوى على رفع حكمه. لكن ابن النجار الفتوحي نص في شرحه على أن هذه الصورة لم تقع في السنة، هي صورة نظرية كما يقولون، ابن النجار الفتوحي يقول ليس لها مثال؛ أنه حديث متواتر ينسخ حديث آحاد.

نكمل: نسخ الآحاد بالآحاد، وهذه الصورة أيضاً مما اتفق العلماء في الجملة على جوازها؛ لأن نسخ الشيء بما هو مساوي له في القوة لا محظور فيه. مثال تطبيقي: نسخ الآحاد بالآحاد لا إشكال فيه، بس بقيت الفكرة: ماذا تقصدون بنسخ الآحاد بالآحاد؟ إذا كنتم تقصدون سند آحاد بسند آحاد ويكون النسخ اجتهادياً، فهذا واضح، يكون حديث آحاد ويقابل حديث آحاد، فيحاول الفقيه الجمع بينهما، فإن لم يصلح الجمع قال إن هذا الثاني ناسخ للأول لمعرفته بالزمن، فهذا أكيد لا مشكلة فيه.

لكن المشكلة الآن في الأمثلة، أن تكون الواقعة نفسها متواترة. فإذا نظرنا للسند سنقول آحاد مقابل آحاد، لكن إذا نظرنا للواقعة ستكون الواقعة مشهورة عند الصحابة مقابل واقعة مشهورة عند الصحابة، فيكون من قبيل نسخ المتواتر بالمتواتر. وعموماً، حتى لا يطول الكلام في هذا الأصل؛ الأصل لما يقول نسخ آحاد بمتواتر أو متواتر بآحاد، أنهم يتكلمون عن السند، وبالرغم من أنهم في الأصل يتكلمون عن السند، إلا أن الأمثلة التي تذكر ليست مضطردة، ستجد هناك إشكالية في الأمثلة التي يمثلون بها.

فمثلاً، ماذا قال؟ روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثم نسخ هذا الحكم بعد ذلك، بما رواه جابر بن عبد الله: «مر النبي ﷺ بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها». خلينا دائماً أي مثال نحلله؛ أولاً قضية النهي عن قتل الكلاب، هل هذا كان مشتهراً بين الصحابة كواقع؟ نعم، كان مشتهراً بينهم، «أمرنا النبي ﷺ بقتل الكلاب»، أمرنا، إذا كان يخاطب الصحابة عموماً، فهي كواقع معروفة عند الصحابة. قال: «ثم نهى عن قتلها»، لما نهى عن قتلها أيضاً كان حكماً معروفاً عند الصحابة؛ «انهى عن قتل الكلاب إلا الكلب الأسود البهيم»، إذا هي كواقع الأمر بقتل الكلاب كانت متواترة ومشهورة عند الصحابة، ثم النسخ بعد ذلك أيضاً كان معروفاً متداولاً بينهم، أليس كذلك؟

لكن نحن الكلام الآن: كيف جعل نسخ آحاد بآحاد باعتبار ماذا؟ السند باعتبار السند. وهنا نلاحظ، هل هذا نسخ نصي ولا نسخ اجتهادي؟ إلا إذا اعتبرنا جابرًا اجتهد، لكن لا يظهر من القرائن أنها كانت اجتهاداً من جابر، بل القرائن تدل على أنه كان شيئاً واضحاً بالنسبة له، يقول جابر: «أمرنا النبي ﷺ بقتل الكلاب ثم نهانا عن قتلها». هنا أنا لست محتاجاً لفقيه يحاول الجمع بين نصين، لا، هنا هو نفس النص؛ جابر يقول النبي ﷺ أمرنا أن نقتل الكلاب ثم بعد ذلك نهانا عن قتل الكلاب وقال: «إنما هي أمة من الأمم». طبعاً الحديث له تكملة ستعرف أنه نسخ نصي، يعني ليس اجتهاداً من جابر بن عبد الله، فهو نسخ نصي.

طيب، لماذا اعتبرناه نسخ آحاد بآحاد؟ ليس باعتبار الواقعة، وإنما باعتبار وصول السند إلينا؛ أن حديث الأمر بقتل الكلاب حديث آحاد، والحديث الذي نسخه وصل إلينا أيضاً عن طريق الآحاد، فقلنا نسخ آحاد بآحاد. وحقيقة كل هذه التفاصيل والتفاريع التعمق فيها يسبب إشكالاً عند طالب العلم؛ أول شيء: نسخ نصي ولا نسخ اجتهادي؟ ثانياً: لما نقول متواتر وآحاد، هل أنت باعتبار السند تتكلم أم باعتبار الواقعة؟ فهذا يسبب لطالب العلم اشتباك الأمور في بعضها.

ما الخلاصة في النهاية؟ هذا المبحث من المباحث التي تحتاج إلى تحرير أكبر حتى في كتب الأصوليين ليكون الكلام متسقاً وواضحاً. لكن أنت الآن في هذه المرحلة، ضع الأمثلة على جنب. الأصل، إذا قيل متواتر وآحاد، نحن نتكلم عن السند، هذه جزئية. وإذا قيل إن الآحاد لا ينسخ المتواتر أو المتواتر لا ينسخ القرآن، فالذي يظهر لي أن الكلام عن النسخ الاجتهادي وليس النسخ النصي.

هذه المعلومتان اللتان أريدك أن تختم بهما هذا الكلام: أنه إذا قيل متواتر وآحاد، فالأصل الاعتبار بالسند وليس بالواقعة نفسها؛ لأن الوقائع في العادة في زمن الصحابة تكون جلّها متواترة، فإذا أردت النظر باعتبار الواقعة سيسبب ذلك مشكلة لي.

فالأصل أن الكلام عن ماذا؟ عن السند وباعتبار وصوله إلينا. هذا واحد. إذا قلت هذا هو المعتبر، السند وباعتبار وصوله إلينا، فالذي يظهر لي أنه عندما نقول إن الآحاد لا يقوى على نسخ المتواتر، أو أن الآحاد لا يقوى على نسخ القرآن، فهنا عن أي نوع من أنواع النسخ أتكلم؟ عن النسخ الاجتهادي أم النسخ النصي؟

عن النسخ الاجتهادي؛ لأن النسخ النصي خلص حديث صح عن رسول الله ﷺ وهو ﷺ يخبر أن القرآن نزل بكذا، وأنا أنهيتكم، خلص أنسخه لكم، أو أن الحديث المتواتر يقول لكم وأنا أنسخه لكم، فهنا أعتقد أنه لا مساحة على الإنسان أن يعقب على قول النبي ﷺ ما دام صح السند إليه ولو كان بالآحاد؛ لأنني أقبل الآحاد في الاعتقاد، أفلا أقبل الآحاد فيما هو متعلق بمسائل الفقه؟ فهذا من باب أولى وأحرى.

هذا فقط من باب الأمثلة التي تذكر، وهنا ستجد أنه في مشاكل فيها. قلت لك ألقِ النظر في الأمثلة، فالأمثلة قد توترك، ستشعر أن المثال مش متناسق مع فكرة أن العبرة بالسند. إذا قلت العبرة بالسند، إذاً أنا لازم أتكلم عن ماذا؟ أسانيد أنظر فيها، وطبعاً أن تجيب لي أسانيد متواترة، مع أن هذه مشكلتنا؛ أهي أسانيد متواترة بالمعنى الأصولي الذي تتكلمون به؟ ولا هي أحاديث قليلة جداً؟ المتواترة تدخل في هذه الإشكاليات في بعضها البعض.

أكمل طرق معرفة النسخ، وهذا يعني نختم به موضوع النسخ: كيف أعرف النسخ؟ قال الناظم: «يعرف بالنص، أو الإجماع، أو قول راوٍ في زمانه». يذكر الأصوليون طرقاً متعددة يمكن من خلالها التوصل إلى معرفة وقوع النسخ، وقد أشار الناظم إلى بعض هذه الطرق، وهي أربع طرق هي أشهر الطرق لمعرفة أن هناك نسخاً.

الطريق الأول: الإجماع. فمتى ثبت الإجماع على خلاف نص، عرفنا بذلك أن هذا النص منسوخ. ثم قد يذكر مستند الإجماع، فيقال: هذا النص هو الذي نسخ ذلك النص، وقد لا يذكر مستنده، فنقول: الإجماع على خلاف النص يدل قطعاً على وجود نص آخر متأخر عنه انعقد عليه الإجماع لكنه لم يصل إلينا.

أول طرق معرفة النسخ أن يأتي إجماع على خلاف مضمون حديث، أو على خلاف مضمون آية؛ أن يأتي إجماع قطعي واضح على خلاف مضمون آية أو خلاف مضمون حديث. فإذا ثبت لنا الإجماع ثبوتاً يقينياً قطعياً، فهنا نقول هذا الإجماع ناسخ للآية أو ناسخ للحديث، وهذا نسخ نصي لا نسخ اجتهادي؛ لأن هنا ليس عندي تعارض، بل عندي شغلتين، وهو نسخ نصي؛ إذ يوجد إجماع مستقر عند الصحابة على ترك العمل بآية، أو فرضا إجماع مستقر عند الصحابة على ترك العمل بحديث، إذاً هذا نسخ نصي، ما في أي مجال للاجتهاد فيه لدى الفقيه.

وهنا سيأتي معنا إن شاء الله في مبحث الإجماع أن الإجماع أصلاً لا بد له من مستند؛ يعني ما في إجماع على حكم شرعي أجمع عليه الصحابة إلا وله مستند، يعني بناء على حديث أو مشهد من مشاهد النبي ﷺ. لكن الذي يحصل هو أن مستند الإجماع، المستند الذي بسببه وقع الإجماع بين الصحابة، هذا المستند قد لا ينقل إلينا، وينقل فقط الإجماع.

أعطيكم مثالاً تقريبياً: ما حكم أن يمس الإنسان المصحف وهو غير متوضئ؟ نعم، حرام. صحيح أن يمس الإنسان المصحف وهو غير متوضئ، طيب في عندك حديث عن النبي ﷺ في هذا؟ صحيح، الآن في أحاديث مرسلة وأحاديث ضعيفة، فتجد بعض المعاصرين ماذا يقول؟ مثلاً: يجوز مس المصحف وأنت غير متوضئ لأنه لا يوجد دليل صحيح على تحريم مسه لغير المتوضئ.

طبعاً يقول لك: ما في أي دليل. شوف شوي الجرأة! المذاهب الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة على عدم جواز ذلك. هذه المذاهب كلها ما في لها دليل؟ ومن أين أتوا بحرمة مس المصحف لغير المتوضئ عبر التاريخ؟ تجد مثلاً الإمام مالك في موطئه يقول: «وكان على هذا العمل عندنا، أو العمل فينا في أهل المدينة»، على ماذا؟ على أن القرآن لا يمسه غير المتوضئ.

الآن هذا العمل الذي ينقله مالك في موطئه، أن العمل على أن المحدث لا يمس المصحف، هذا العمل -كما يقول لنا الشيخ صالح العصيمي- هذا أقوى من الحديث؛ من جهة أنه أنت تنقل جيلاً كاملاً، هو جيل أحفاد الصحابة الذين أدركهم هؤلاء، هذه الأجيال كلها مستقر عندها استقراراً واضحاً أن المصحف لا يمسه شخص غير متوضئ. من أين أخذوا هذه الحكم؟ ليس من آبائهم وأجدادهم، بل من النبي ﷺ، فهذا يسمى العمل؛ عملهم على هذا وتواتروا على هذا العمل يدل على أن النهي عن مس المصحف لغير المتوضئ له مستند، وإن كان لم ينقل إلينا بنقل صحيح عن النبي ﷺ.

لماذا لم ينقلوه إذا كان أحياناً يكتفى بشهرة الأمر عن نقل الحديث؟ هكذا كان يفعل البعض؛ إذا كانت الشغلة محسومة ومعروفة ومتداولة، فلا يحتفي كثيراً بنقل سنة فيها ظن، أو لما يظهر أن الأمر خلاص متفق عليه، ما في داعي لأن ينقل شيئاً خاصاً في هذا الجانب.

فأنا أريد أن أرجع فأقول: إذا كان الإجماع لا بد له من مستند، سواء نُقل المستند أو لم يُنقل، لكن إذا وقع إجماع قطعي مستقر على خلاف آية أو على خلاف حديث، فهذا واضح وضوحاً بيناً أن هناك نسخاً في هذا المكان. هذه هي الخلاصة.

أكمل المثال: أجمع العلماء على أن نصوص إيجاب الزكاة نسخت سائر الحقوق المالية، كذلك باء الصحابة بالعدول عن العمل بقوله ﷺ. في هذا المثال، هل هناك حق مالي راتب في السنة غير الزكاة وصدقة الفطر؟ يعني حتى لا أخرج عن هذا، هناك مبلغ مالي يجب أن تخرجه غير زكاة المال وغير صدقة الفطر؟ لا، نحن نتكلم عن مبلغ محدد 2.5%، مبلغ يريد الله أن يقطعه من مالك. فيقولون: أجمع العلماء على أن نصوص إيجاب الزكاة نسخت سائر الحقوق المالية، يعني قبل أن تنزل آيات الزكاة أو...

قبل أن تنزل آيات الزكاة، كان هناك حقوق مالية مطلوب من المهاجرين والأنصار أن يدفعوها للدولة المسلمة، ويدفعوها فيما بينهم، وأمرهم الله سبحانه وتعالى بها، ومنها كانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والآرحام بعضهم إلى بعض في كتاب الله. ونحوها باختصار، نقلت كتب السير أن هناك حقوقًا مالية النبي ﷺ فرضها على الصحابة في بداية الأمر، ثم نقل العلماء والصحابة لنا الإجماع على أن كل هذه الحقوق المالية قد نسخت.

ما الذي نسخ وجوب الزكاة؟ قبل أن تنزل فرض الزكاة، كان هناك حقوق مالية ملزمون بها تجاه بعضهم البعض، وقد أجمع العلماء على أن الذي نسخ هذه الحقوق المالية -حتى إن الصحابة تركوها بعد ذلك واستقروا على الزكاة- قالوا: نصوص إيجاب الزكاة نسخت سائر الحقوق المالية. الآن، الإجماع وقع على مستند، ما هو المستند؟ المستند هو نصوص آيات الزكاة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. لكن هنا الإجماع ينقل لنا أن نصوص هذا الإجماع هو الذي أثبت لنا النسخ، فالإجماع يخبرنا أن هذه النصوص هي ناسخة لأي حق مالي كان موجودًا قبلها في سيرة النبي ﷺ، وبالتالي لا يوجد عليك أي حق مالي سنوي كقدر راتب إلا زكاة المال وزكاة الفطر.

قال كذلك: اتفاق الصحابة على العدول عن العمل بقوله ﷺ في مانع الزكاة، فإنا أخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، يدل على نسخ هذا الحديث وإن لم ينقل لنا الناسخ الذي استند عليه أهل الإجماع بالتحديد. أيضًا من الأمثلة التي تذكر -وأعود فأقول إن الشأن لا يعترض المثال، خذ المثال ثم بعد ذلك يمكن تجد في مناقشات واعتراضات عليه في كتب شروح الحديث وما شابه ذلك- من الأمثلة التي يقولون إن الإجماع نسخ قول النبي ﷺ في مانع الزكاة.

قال النبي ﷺ في مانع الزكاة: إذا منع شخص الزكاة فإنا أخذوها منه، أي سنأخذ منه الزكاة وسنأخذ شطر ماله عقوبة عليه؛ يعني مثلاً إذا كان معه 1000 دينار، كم عليه زكاة؟ 25، سنأخذ الـ 25 و500 دينار شطر ماله. قال: «عزمة من عزمات ربنا»، كانت هذه عقوبة تعزير بالمال، لكن الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ أجمعوا على أن هذا الحكم نُسخ ولا يعمل به. أين هو الناسخ؟ لم ينقل إلينا، لكن كان أمرًا معروفًا مستقرًا أن النبي ﷺ ألغى العمل بهذا الحكم، أي حكم الغرامة المالية لمانع الزكاة؛ فلو إنسان منع الزكاة، الدولة المسلمة تجبره على إخراجها لكنها لا تأخذ منه أي غرامة مالية. فإذا اتفق الصحابة على العدول عن العمل بهذا الحديث، يدل على أن هذا الحديث مضمونه منسوخ وإن لم ينقل لنا الناسخ.

ثانيًا: نصُّه ﷺ على النسخ صراحة أو ضمناً، كقوله: «كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، وهذا النوع الثاني من أنواع النسخ النصي، أنه النبي ﷺ يقول بلسانه: «كنت نهيتكم عن كذا فازوروها». والحق به فعله ﷺ المخالف للنص؛ مثال ذلك: الأمر بالوضوء مما مست النار.

نكتب: الأمر بالوضوء مما مست النار، ثم بعد ذلك أكل شاة طبخت على النار ولم يتوضأ. والحق به فعله ﷺ، لكن السؤال هنا: إيش الفرق بين القول والفعل؟ إذا النبي ﷺ أعطى حديثًا ثم فعل فعلاً على خلاف هذا الحديث، هل نعتبره نسخًا نصيًا أم نسخًا اجتهاديًا؟ لاحظ النبي ﷺ قال قولًا، ثم بعد ذلك فعل فعلًا على خلاف هذا القول الذي قاله أو أمر به، هل سنعتبر هذا الفعل نسخًا للقول، نسخًا نصيًا أم اجتهاديًا؟ الصحيح أنه اجتهادي؛ لأنه النبي ﷺ إذا فعل فعلًا خلاف القول فهناك احتمالات متعددة يمكن أن يجمع بينهما، فأصلًا ممكن يجي فقيه يقول لك: فعله لا يعارض قوله، فقوله يحمل على كذا وكذا وفعله يحمل على كذا وكذا.

أو أن هذا الفعل من خصائصه ﷺ، وهذا كثير، مثل موضوع مس المرأة أو ما شابه ذلك؛ إذا نظرت في فتح الباري لابن حجر، النبي ﷺ يحرم أن الرجل يمس المرأة الأجنبية، ثم نقلت بعض الأمور في أفعاله ﷺ ما يوهم ظاهرها أن بعض النساء الأجنبيات فلت شعره ﷺ أو جلس عندها أو شيء، فماذا كانوا يقولون؟ يقولون هذا الفعل ليس ناسخًا لقوله بل من خصائصه. والحالة الثانية هي أن نقول إن فعله إذا جاء مخالفًا لقوله فهو ناسخ لقوله، لا، هذه شديدة الخطورة؛ لأن الأصل هو الجمع، وإذا كان يمكن جعل الفعل من الخصائص، نجد بعض الفقهاء يلجأ لأن يجعله من الخصائص محافظةً على القول، لأن القول دلالته أقوى من الفعل. والبعض يمكن يجعل الفعل ناسخًا للقول، لكن ستبقى في النهاية مسألة اجتهادية لا تستطيع أن تلزم أحدًا برأيك.

فإذا قال: «والحق به فعله المخالف للنص»، مثال ذلك: كان النبي ﷺ يأمر بالوضوء مما مست النار في بداية الأمر، أي طعام يطبخ على النار كان المطلوب بعد تناوله أن تروح تتوضأ، يعني كان من نواقض الوضوء أن تأكل طعامًا طبخ على النار. بعد ذلك ماذا حصل؟ أن النبي ﷺ رأى الصحابة -أو بعض الصحابة- النبي ﷺ أكل شاة طبخت على النار ولم يتوضأ، فماذا فهم جابر بن عبد الله؟ قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار». لاحظ هنا جابر، هل نقل قولًا للنبي ﷺ بالنسخ؟ لا، نقل فعلًا فهمه جابر وبعض الصحابة، فماذا نُسخ؟ فقول جابر: «كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار». هل اعتبره نسخًا نصيًا ولا نسخًا اجتهاديًا؟ الأقرب أن يكون اجتهاديًا ما دام لم ينقل عن كثير؛ لو مثلاً نُقل هذا الموضوع من 20 أو 30 صحابيًا لقلنا خلص واضح أن في استقرارًا عند الصحابة بالنسخ، لكن لما ينقل من كلام جابر: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء».

ما مست النار عند احتمال قوي أن يكون هذا... إيش فهم جابر؟ فهم جابر أن النبي ﷺ كان ينهى عن أكل ما طبخ على النار، ثم أمر بالوضوء إذا أكل الإنسان ما طبخ على النار. ثم رأيته بعد ذلك يأكل كتف شاه ويتوضأ، إذاً هذا آخر الأمرين، فإذا فعله الأخير فهو ناسخ للأول.

هذا ممكن يكون تحليل من جابر، ولذلك البعض قال هذا فهم لجابر وأعطوا تأويلات أخرى لأحاديث: لماذا أكل النبي ﷺ من لحم الشاة ولم يتوضأ؟ يعني حتى تفهم لماذا عملية الاجتهاد والوصول إلى الحكم النهائي عملية عويصة؛ لأن كل عالم ينظر بطريقة معينة. هل جابر هنا ينقل النسخ؟ لا، هو اجتهاد قد يوافق عليه جابر وقد يعترض عليه غيره، وتبقى المسألة متاحة للنظر والفهم.

أكمل ثالثاً: قول الراوي «كان كذا ثم نسخ أو رخص في كذا ثم نهي عنه»، كقول علي، والراوي هنا الصحابي، تماماً كقول علي، ويمكن يصدر من بعض التابعين؛ كقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أمرنا النبي ﷺ بالقيام للجنازة ثم قعد». وكقول أنس بن مالك: «أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي ﷺ فقال: أفطر هذان»، ثم رخص النبي ﷺ بالحجامة للصائم رواه الدارقطني.

هنا الصحابي يقول ماذا؟ كان كذا، ثم نسخ، أو كان كذا في ابتداء الإسلام ثم رخص النبي ﷺ في كذا. فهنا الصحابي ينقل لنا في نفس الحديث الناسخ والمنسوخ، يقول لك كان كذا في بادئ الأمر ثم نسخ بكذا، أو كان النبي ﷺ أمرنا أو نهانا عن كذا ثم رخص لنا أن نفعل كذا.

لكن هنا أيها الأكارم، هل هذا النسخ يعتبر نسخاً نصياً ولا اجتهادياً؟ حقيقة يحتاج أن ينظر لذلك، قلت لكم: بدك تتأنى، قد يكون اجتهادياً. ولذلك مثلاً حديث أنس بن مالك أنه النبي ﷺ نهى عن الحجامة للصائم ثم رخص فيه، هل يأخذ به الحنابلة؟ لا، ولذلك عند الحنابلة ما حكم الحجام من الصائم؟ مفطرة، سيأتي مع المفطرات.

إذاً بدنا ننتبه على هذه القضية، إذا الصحابي هو الذي نقل النسخ وليس كلام النبي ﷺ بلفظه، هنا الصحابي قد يجتهد ويمارس دور الفقيه فيفهم هو النسخ من عنده، وبالتالي يكون نسخاً اجتهادياً قد يعارض به، وقد يأتي صحابي آخر ينقضه. أما إذا كانت القرائن تظهر أنه ليس صحابياً واحداً فهم النسخ، بل عندي عشرة أو عشرون صحابياً ينقل هذا واستقر وما شابه ذلك، هنا في الحقيقة لا أقول إن الصحابي الذي نقل النسخ لا ينقل اجتهاده في النسخ، لا، هو ينقل ما هو مستقر، وهذا قد يقرب إلى أن يكون نسخاً من خلال الإجماع، يقرب أن يكون نسخاً باعتبار الإجماع الذي مر معنا سابقاً أن استقر عند الصحابة أن هذا الحكم لا يعمل به.

فهذه بدك تنتبه لها؛ قول الراوي «كان الحكم كذا ثم نسخ بكذا» أو «إنه كان كذا ثم رخص»، هذا ليس نسخاً نصياً، بالتالي في كثير من الأحيان قد يكون نسخاً نصياً وقد لا يكون نسخاً نصياً، فيجب أن تنتبه وتتحرى حتى لا تجزم. ما أنا أقول لك ممكن يكون هو نوع من الفهم منا نحن الخاطئ لمقصد الصحابي.

قصدك أنه حتى فهمنا نحن لكلام الصحابي ممكن نكون فهمنا أنه ينقل النسخ ولكنه لم يقصد النسخ؟ هذا برضه أحد الاحتمالات؛ يعني مثلاً «أمرنا النبي ﷺ بالقيام للجنازة ثم قعد ولم يعد يقوم»، هل هو ينقل عملية نسخ؟ الظاهر أنه ينقل نسخ الظاهر، لكن هل يمكن يخرج لنا احتمال آخر أنه كان أمرنا على وجه الجزم ففهمنا منه الجزم، ثم لما قعد عرفنا أنه كان يقصد الاستحباب؟ نعم، كاحتمال وارد.

رابعاً: أن يعرف الزمن بكلا النصين اللذين لا يمكن الجمع بينهما فيعرف بذلك أن الثاني ناسخ للأول. هذا نسخ اجتهادي قطعاً، لأنه معتمد على عدم القدرة على الجمع. مثاله حديث طلق بن علي عن النبي ﷺ في مس الذكر: «هل هو إلا بضعة منك؟»، فقد جاء في بعض طرقه «بضعة منك» يعني قطعة منك، وبالتالي لا ينقض الوضوء. وهذا مر معنا في الدرس الماضي.

طلق بن علي كان من صحب النبي ﷺ في بداية الهجرة، ونقل عنه أن مس الذكر لا ينقض الوضوء، ثم جاء في بعض طرقه «جئت وهم يؤسسون المسجد»، وشوف كيف الفقهاء يستنبطون؛ «جئت وهم يؤسسون المسجد النبوي»، هذا متى؟ إذا كان في بداية الهجرة. ففي هذا إشارة إلى أن هذا الحديث كان في بداية الهجرة، وحديث أبي هريرة في الوضوء من مس الذكر متأخر، لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة من الهجرة، ولا يمكن العمل بكلا الحديثين، فيصار إلى القول بنسخ حديث طلق بما رواه أبو هريرة بعد أن عرفنا الزمن لكلا النصين.

وهل هذا النسخ ملزم لجميع الفقهاء؟ لا، لأن بعض الفقهاء قال ما في داعي للنسخ، أنا أقدر أجمع. كيف جمع بعض الفقهاء؟ قال إن قوله «لا داعي للوضوء من مس الذكر» إنما هو بضعة منك، إنما هو بيان لأن هذا غير واجب، وقوله «من مس ذكره فليتوضأ» هذا على سبيل الاستحباب، فذاك نفى الوجوب وهذا طلب استحباباً، فيمكن الجمع. مما يدل أن النسخ الاجتهادي ليس شيئاً حتمياً بل يقبل اختلاف وجهات النظر بين الفقهاء والعلماء.

إذاً هذه أربع طرق، وأظن أن فهم فكرة النسخ النصي والاجتهادي هي انطلاقة جيدة لكم لتفهموا إشكاليات كثيرة في هذا الباب وتداخل الأمرين أحياناً في زوايا النظر. فمن المهم جداً تفرق بين ما هو نصي لا يجوز فيه الخلاف ولا النزاع، وبين ما هو اجتهادي يقبل النظر واختلاف وجهاته. هذا افهموه جيداً وانظروا به وأنتم تقرؤون في كتب الأصوليين، أظن ستنزع أمامكم كثير من الإشكالات والأمثلة التي تطرح في هذا الباب.

تفضل، والله شوف الأمثلة هي التي ذكرتها لكم، هذه أشهر الأمثلة التي يمكن تصحيحها، لكن أعتقد أن الأمثلة شحيحة في النسخ الاجتهادي الذي تتباين فيه الآراء.

تجد أمثلة، ولذلك أنصحك بكتاب قواعد أصول الفقه وتطبيقاتها للشيخ صفوان الداودي، هذا كتاب جيد ومهم وإثرائي، والرجل عالم من علماء المدينة. في ذكر الأمثلة من بطون الكتب ستجد عنده كم من الأمثلة التي يمكن أن تفكر من خلالها.

الدليل الثالث: الإجماع. شرع الناظم في الكلام عن المصدر الثالث من مصادر التشريع وهو الإجماع. الإجماع لغةً: مصدر الفعل الرباعي أجمع، يقال أجمع يجمع إجماعاً. قال في المصباح: أجمعت المسير والأمر، وأجمع عليه: أي بنفسه وبالحرف عزمت عليه، وقال أجمعوا على الأمر: أي اتفقوا عليه.

نحن شرحنا في المصدر الثالث من مصادر التشريع، ألا وهو الحديث عن الإجماع، وهو مصدر كبير في الحديث عنه وتطبيقاته، وإن كان الإجماع القطعي محدودة جداً جداً، وإنما أكثر الإجماعات إنما هي إجماعات ظنية كما سيظهر لكم بإذن الله، لكنه في النهاية مصدر من مصادر التشريع، وسنحتاج أن نتعامل معه كأي مصدر تشريعي أن نثبت أولاً حجيته، وأن نقيم الأدلة على حجيته.

الإجماع في اللغة خلاصة معناه أنه يدور على معنيين: إما أن يأتي بمعنى العزم على الشيء، فتقول أجمعت على إقامة الدرس، أي عزمت. وإما أن يأتي بمعنى الاتفاق، فتقول أجمعنا على كذا، أي اتفقنا على كذا. فالإجماع له معنيان في اللغة: العزم على الشيء، والاتفاق عليه.

الإجماع اصطلاحاً: اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من العصور بعد النبي ﷺ على أمر ديني. شرح التعريف: قولنا «اتفاق» وهذا مطابق للمعنى اللغوي الذي تقدم تقريره، ولاحظ دائماً ارتباط المعنى الاصطلاحي مع المعنى اللغوي ابتداءً؛ لأن الإجماع أحد معنييه في اللغة هو الاتفاق.

قولنا «مجتهدي الأمة»؛ أي العلماء في عصر من العصور، وهذا القيد الثالث، ولكن هذا العصر يشترط فيه أن يكون بعد وفاه النبي ﷺ. وهذا الاتفاق يكون على «أمر ديني»؛ أي على أمر ديني وليس على أمر دنيوي من أمور الناس.

قولنا «اتفاق» وهذا مطابق للمعنى اللغوي. وقولنا «مجتهدي الأمة» دل على أن المعتبر في الإجماع هو اتفاق العلماء المجتهدين دون غيره من المقلدين والعوام، بالتالي لو أن العامة اتفقت على شيء من أمور الدين، هل يعتبر هذا إجماعاً؟ هل اتفاق المثقفين والكتاب والأطباء والمهندسين والمجالس النيابية والمحلية والبلدية يعتبر إجماعاً؟ لا، لأن هذا ليس قول العلماء.

وإضافة المجتهدين إلى الأمة تدل على العموم، فلا بد من موافقة جميعهم بلا استثناء، فمعنى «اتفاق مجتهدي الأمة» هو اتفاق كل مجتهد من مجتهدي الأمة؛ لأن الإجماع لازم اتفاق الجميع وليس البعض. والمراد بالأمة أمة محمد ﷺ، احترازاً عن مجتهدي الأمم السابقة، فلا يعد اتفاقهم إجماعاً شرعياً في حقنا. وهل يعتبر في حقهم؟ هذا خلاف مبسوط في المطولات، وهل كان الإجماع مصدراً تشريعياً لأمة موسى عليه السلام أو أمة عيسى عليه السلام، أم هذا من خصائص الأمة؟

المراد هنا المجتهد المطلق، ولكن يقبل المجتهد المتجزئ؛ كأن يكون مستقلاً بالنظر في باب الاقتصاد لكنه قد لا يكون مستقلاً في باب المواريث مثلاً، فالمجتهد قد يقبل التجزئ كما سيأتي عند الحنابلة.

قولنا «في عصر من العصور» قيد أريد به رفع توهم أن المراد اتفاق جميع المجتهدين إلى يوم القيامة؛ لأننا لو قلنا اتفاق مجتهدي الأمة وسكتنا، لكان المفهوم أنه يجب أن يتفق المجتهدون من لدن عصر الصحابة إلى قيام الساعة، وإذا لم يجتمعوا كل هذه القرون لما وقع الإجماع أصلاً، وكيف سنطلب إجماع جميع المجتهدين عبر جميع القرون؟ وإنما المراد المجتهدون في حقبة زمنية معينة، والمراد بالعصر هنا من كان من أهل الاجتهاد في الوقت الذي حدثت فيه المسألة، ومن بلغ بعد حدوثها فليس من أهل ذلك العصر، كما نص عليه الزركشي في البحر المحيط.

قولنا «بعد النبي ﷺ» قيد أريد به بيان أن المعتبر هو اتفاق المجتهدين بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، أما في حياته فلا حاجة للإجماع؛ لأنه ﷺ المرجع في التشريع. وإذاً، هل هناك مصدر تشريعي اسمه الإجماع في حياة النبي ﷺ؟ لا؛ لأنه لا حاجة لوجود المجتهدين ما دام المعلم الأول والقائد الأعلى موجود ﷺ، وإنما الإجماع مصدر تشريعي ظهر بعد وفاته، وإن كانت نصوص الكتاب والسنة دلتنا على اعتباره، لكن الحاجة إليه ظهرت بعد وفاته.

قولنا «على أمر ديني»؛ أي أي مسألة تتعلق بالدين أصولاً أو فروعاً، وفي احتراز عن اتفاق الأمة على أمر دنيوي كأمة المتاجر والحرف، أو على مسألة من علوم تجريبية فلا يعد ذلك إجماعاً شرعياً ملزماً، يعني لو مثلاً أجمعوا على أن الأرض كروية.

شو رأيك يا شيخ، هل هذا إجماع ملزم؟ هل رؤية العين أن الأرض مسطحة الآن، واتفاق مجتهدي الأمة على مسألة من المسائل، هل تعتبر هذه من المسائل الدينية أم من المسائل الدنيوية؟ هذه كان يُكفر فيها يا شيخ؟

نعم، وصلت في تاريخ الأمة أن يُكفر فيها. نعم، غير ملزم، وهذا الكلام ليس مصدراً تشريعياً. إذا اتفق علماء الأمة في عصر من العصور على مسألة تتعلق بالفلك، كيف شكل الفلك الأكبر ومسارات النجوم، هل هذه مسألة هي الإجماع الذي يحرم مخالفته؟ هل هذا هو الإجماع الذي هو مصدر تشريعي تحرم مخالفته؟ الأصوليون يقولون لك: لا.

هذا شيء آخر، إذا كان يتعلق بموضوع فعلاً مأخوذ أن هذا هو معنى الآية القرآنية واتفقوا على هذا، نعم. لكن إذا كان من أمور اجتهادية وتحليل وما شابه ذلك، ليست لها علاقة بنصوص القرآن وإنما نظر كما قلت في العلوم التجريبية، فحتى لو اتفقوا على شيء ليس هذا هو المصدر التشريعي الذي تحرم مخالفته؛ لأنك في النهاية تتكلم عن علماء ماذا؟ علماء شريعة. علماء الشريعة اختصاصهم المسائل الدينية، فإذا اتفقنا على مسألة فيزيائية أو كيميائية أو ما شابه ذلك من أمور الحياة والكون، فالأصل أن هذا ليس أصلاً من اختصاصهم حتى يكون إجماعهم حجة فيه.

حجية الإجماع: لقد دل الكتاب والسنة على اعتبار الإجماع مصدراً من مصادر التشريع الأصيلة التي يلزم الرجوع إليها في إثبات الأحكام الشرعية، واتفق المسلمون على حجيته والعمل به أيضاً، ولم يخالف في ذلك إلا النظام من المعتزلة فيما ينسب إليه.

قيل لم يخالف في مصدر الإجماع إلا النظام من المعتزلة، وقدم هو حقيقة، حتى كلام النظام ليس واضحاً هل هو ينكر أنه قدم تعريفاً مختلفاً للإجماع؟ فُهم من كلامه أنه لا يوافق على الإجماع بالمعنى الذي يذكره الأصوليون، فقالوا إذاً النظام ينكر الإجماع بالمعنى الذي نذكره وقدم له تعاريف تجدونها في المطولات. وحقيقةً، حتى الشوكاني في «إرشاد الفحول»، وأنا أقرأ في كتابه، تشعر من الشوكاني في «إرشاد الفحول» أيضاً نفس عدم الإقرار أن الإجماع مصدراً. الناظر في كلامه يشعر أن الشوكاني أيضاً لا يرى أن الإجماع بالمعنى الذي يذكره الأصوليون مصدراً يتحاكم إليه، وذكر أسباباً وعللاً لعدم اعتباره. أنا أتفهم فكرة أن الإجماع بمعنى القطع نادر وقليل جداً، وأن أكثر الإجماعات سكوت، لكن إنكار أصل مرجعيته كمصدر تشريعي أظن قد يكون فيها شيء من المجازفة.

أدلة حجية الإجماع: خلينا ننظر ما الأدلة التي تثبت حجية الإجماع؟ أولاً من القرآن، قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]. هذه من أبرز آية استدل بها الأصوليون على حجية الإجماع.

وجه الدلالة في قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ما هو سبيل المؤمنين؟ سبيل العلماء هو المسائل التي اتفقوا عليها، فإذا اتفق العلماء على مسألة وأنت خالفتهم فيها ولم تقبلها، إذاً أنت اتبعت غير سبيل المؤمنين، والله توعد من يتبع غير سبيل المؤمنين بجهنم. إذاً اتباع سبيل المؤمنين واجب، وما هو سبيل المؤمنين؟ الحد الأدنى منه هو ما أجمع عليه علماؤه. وجه الدلالة أن الله تواعد بالنار كل من اتبع غير سبيل المؤمنين، وهذا يوجب علينا اتباع سبيلهم، ومن سبيلهم ما أجمعوا عليه، فيكون اتباع إجماعهم واجباً.

وأول من أشار إلى دلالة هذه الآية على الإجماع هو الخليفة الأموي الفاضل عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين قال: «سن رسول الله ﷺ وولاه الأمر من بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستعمال لطاعة الله ومعونة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا النظر في رأي يخالفها، فمن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وآلأه جهنم وساءت مصيراً».

ثانياً: الأحاديث، وموطن الشاهد طبعاً أين هو؟ قوله عمر بن عبد العزيز: «فمن خالفها»، يعني من خالف سنن الخلفاء الراشدين واتبع غير سبيل المؤمنين، والله للاه الله ما تولى. فقيل إن كان عمر بن عبد العزيز يشير إلى أن ترك ما اتفق عليه الخلفاء الراشدون وعملوا به وأجمع الأمة في زمانهم على العمل به هو من ترك سبيل المؤمنين، وهذا توعد الله عز وجل عليه. وحقيقةً كما قال الشيخ ابن تيمية: الإجماع الذي ينضبط هو الإجماع في عصر الخلفاء الراشدين، وهذا هو الإجماع الذي ينضبط أنه إجماع قطعي؛ هو كل ما نقل نقلاً عاماً في عصر الخلفاء الراشدين، وأما ما بعد ذلك فيصعب أن نقول هناك إجماع قطعي منضبط، وإنما هي إجماعات سكوت.

ثالثاً: الأحاديث والآثار المتواترة تواتراً معنوياً التي تدل على عصمة هذه الأمة، كقوله ﷺ: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، وقوله: «سألت الله ألا يجمع أمتي على ضلالة فأعطاني»، وقوله: «من سره أن يحببه الله ويحببه الناس فليلزم الجماعة»، وقوله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين»، وقوله: «عليكم بالسواد الأعظم فإنه من شذ شذ في النار»، وقال ابن مسعود: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»، وغيرها من الآثار التي تدل على عصمة هذه الأمة. والمعصوم لا يصدر منه إلا الصواب، لأن هذا هو معنى العصمة في الشريعة.

خلاصة هذا الدليل أن هناك آيات وأحاديث، أو خلينا نقول اعتمدنا على الآثار، هناك أحاديث وآثار دلت بتواترها المعنوي على أن هذه الأمة معصومة أن تجتمع على خطأ. المفهوم المشترك بينها أن الله لا يجمع الأمة على ضلالة؛ فمثلاً قوله ﷺ: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، هذا يدل على أن اتفاق الأمة على شيء لا يمكن أن يكون ضلالة، لابد وأن يكون هو الصواب لأنه قال: «لا تجتمع أمتي على ضلالة». وقوله ﷺ: «سألت الله ألا يجمع أمتي على ضلالة فأعطاني»، إذاً إذا اتفق العلماء على شيء لا يمكن أن يكون ضلالة. وكذلك أمره ﷺ بلزوم جماعة المسلمين، والمراد هنا أساساً -طبعاً الكلام هذا له أماكن كثيرة واحتمالات عديدة- لكن إذا أردنا أن نحمله على جماعة العلماء الربانيين، فأكيد جماعة العلماء الربانيين كلامهم صواب وحق؛ لأنه لماذا يؤمر المسلم بلزوم الجماعة إذا كان يمكن أن تكون جماعة العلماء على باطل؟

وضلال؛ ما الفائدة من لزومه؟ وكذلك: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: 105]. وأيضًا أثر ابن مسعود: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن»، والمراد ما رآه المسلمون، يعني علماؤهم، ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن. إذا اتفق العلماء على حسن شيء لابد وأن يكون حسنًا، وإلا لكان الله خاذلًا لهذه الأمة.

فهم قالوا بمجموع هذه الآثار: دل ذلك على عصمة الأمة إذا اتفقت على شيء أن يكون هذا الشيء ضلالًا. قال الشافعي: «وعليه يكون الإجماع، والصدر من هذه الأمة صواب، والصواب يجب اتباعه». إذاً الإجماع يجب اتباعه. قال الشافعي رحمه الله في الرسالة: «ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها؛ لما قال: فليلزم الجماعة». وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس إن شاء الله.

وهذا كما قلت لكم، إنما ينضبط اتفاق الكافة في زمن الصحابة، أما اليوم وقبلنا بقرون فالعلماء متوزعون متشتتون، لا يمكن الجزم أننا وصلنا إلى آرائهم جميعًا. الدليل الثالث نختم به، ومن دلائله ما ذكره أبو بكر عبد العزيز من الحنابلة كما نقله عنه ابن تيمية في مجموعته، قال: «نتيجة الجماعة -رحمه الله ورضوانه وصلواته- وسعادة الدنيا والآخرة وبياض الوجوه، ونتيجة الفرقة غضب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول ﷺ منهم». وهذا أحد الأدلة على أن الإجماع حجة قاطعة.

الله سبحانه وتعالى والنبي ﷺ متى ذكر الجماعة ذكر أن الجماعة سبب في رحمة الله، أن الجماعة سبب في رضوان الله، أن الجماعة سبب في سعادة الدنيا والآخرة، أن الجماعة سبب في بياض الوجوه. هناك كثير من الآثار تثني على الجماعة في آثارها، وفي المقابل عندما يذكر القرآن أو السنة الفرقة ماذا يذكر فيها؟ عذاب الله، لعنة الله، سواد الوجوه.

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾؛ إذاً القرآن لا يريدنا أن نختلف، القرآن يريدنا أن نتفق. هل معقول القرآن يقول لنا لا تفرقوا ولا تختلفوا، فنذهب نحن نتفق كعلماء ثم يخرج اتفاقنا باطلاً وضلالًا؟ لا، ليس ممكنًا. إذا كان القرآن ينهاك عن الفرقة فهو يأمر العلماء بالاجتماع. فهل يمكن إذا اجتمع العلماء أن يكون اجتماعهم على ضلال؟ معناته القرآن لما قال لنا لا تفرقوا واجتمعوا أرشدنا إلى شيء قد يكون ضلالًا، وهذا مستحيل.

فقالوا: هذا من الأدلة على أن إجماع العلماء حجة قاطعة، فإنهم إذا اجتمعوا كانوا مطيعين لله؛ لأن الله قال لهم لا تفرقوا، لأن الله قال لهم لا تختلفوا، فإذا امتثلوا أمر الله وذهبوا للإجماع والاتفاق، إذاً بالتأكيد هناك الخير وهناك الصواب. فلا تكون طاعة الله ورحمته بفعل لم يأمر الله به من اعتقاد أو قول أو عمل. مستحيل الله يأمرنا بالاجتماع، فنذهب نحن إلى الاجتماع الذي هو سبب الرحمة ونكتشف بعد ذلك أن هذه الرحمة التي في الاجتماع بفعل لم يأمر الله به، أو يكون على خلاف المقصود.

قال: فلو كان القول أو العمل الذي اجتمعوا عليه -أي العلماء- لم يأمر الله به، لم يكن ذلك طاعة لله ولا سببًا لرحمة الله. فما دام الله أمرنا بالاجتماع، إذاً هو ضمن لهذه الأمة في هذا الاجتماع أن يكون معصومًا. ما دام الله أمرك بالاجتماع، إذاً هو ضمن لهذه الأمة في الاجتماع أن يكون معصومًا.

لكن العبرة يا إخواني أن يحصل هذا الاجتماع فعلاً، أن يتفق جميع العلماء بلا استثناء؛ أولاً أن نحصلهم جميعًا، وأن كلهم يعرف والجميع يعرف رأيه، وبعد ذلك نقول هل اتفق الجميع؟ نصل؟ نعم اتفق الجميع، حينئذ نقول هذا الرأي مضمون العصمة. لكن كم وجد هذا بعد زمن الصحابة؟ وهل هذا متيسر أصلًا بعد زمن الصحابة وافتراق العلماء في المغرب الإسلامي والشمال والجنوب والشرق والغرب؟ هذا كما يقول شبه متعذر، لا بدي أن أقول متعذر تمامًا، لكنه شبه متعذر.

فضلاً عن اختلافنا نحن أصلاً في تقييم من هو العالم، تجد إنسانًا معتبرًا مثقفًا عالمًا يريد أن يدخل رأيه في الموضوع، وبالتالي إذا جاء العلماء العصر فأبدوا رأيهم في قضية تجد بعضهم ينازع ويقول لك فلان خالف. طب نحن أصلاً مختلفون، هل فلان عالم أم ليس بعالم؟ فهي إشكاليات كثيرة من حيث التطبيقات العملية.

نقف عند هذا القدر، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.