دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمداً ذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم نجِّ المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض وفي مغاربها، اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ومن كل بلاء عافية. اللهم انصرهم على من عاداهم يا أرحم الراحمين.

حياكم الله في موعد جديد في معهد ملكة للتأصيل والتفريع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى، عليه وما زال. حديثنا مستمراً في مادة النظم الصغير بالنسبة لمادة أصول الفقه، مع شرحها الإيضاح والتقرير.

قبل البدء في مبحث اليوم، مبحث النسخ إن شاء الله، سأعلق على أبيات المنظومة السابقة من البداية إلى حيث انتهينا؛ حتى يحفظ الطالب على بينة ويكون يربط المسائل النظمية بالمسائل العلمية التي أخذناها. فنبدأ مستعينين بالله. اقرأ المنظومة:

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين. آمين. قال الناظم وفقه الله: نعمْ أحمدُ ربي واهبَ العقولِ .. وصلي يا ربي على الرسولِ واكتبْ قبولَ نظمي الصغيرِ .. كأصله مختصرِ التحريرِ إذ منه لخصتُ بلا تبويبِ .. رتبتُه بنمطٍ قريبِ علمُ الأصولِ أربعُ أحكامِ .. أدلةٌ، دلالةٌ، أحكامُ

وقوله: «إذ منه لخصت بلا تبويب» أي أن الشيخ عامر في نظمه الصغير لم يضع أبواباً، كل المنظومة من أولها إلى آخرها سرد، ما يقول باب النسخ، باب الإجماع؛ كما تلاحظون لو صفحت المنظومة كلها عبارة عن سرد بدون وضع أبواب فاصلة بينها.

«علم الأصول أربع أحكام: أدلة، دلالة، أحكام». ما معنى هذا البيت؟ قسمنا علم أصول الفقه إلى أربعة أقسام. القسم الأول: الكلام في الأحكام، تصور الأحكام الشرعية، تعريف الحكم الشرعي وما هو التكليفي وما هو الوضعي وأنواعها، وهذا هو المبحث الأول الذي انتهينا منه.

ثم «أدلة»، اللي هي مصادر التشريع؛ الكلام عن مصادر التشريع، فتعرف ما هو حجة وما ليس بحجة، منها الكتاب، السنة، الإجماع، القياس، وهكذا. ثم قال «دلالة»، دلالة اللي هو كيف توظف مصادر التشريع في الاستدلال على الأحكام؟ كيف توظف مصادر التشريع في الاستدلال على الأحكام؟

وأخيراً قال «أحكام»، يعني من هو المجتهد الذي يحق له أن يستعمل مصادر التشريع لإنتاج الأحكام؟ ومن هو المقلد في مقابله؟ فالحكام هم المجتهدون، ما صفات المجتهدين؟ فهذه أربعة أقسام عليها يدور علم أصول الفقه.

فالأول الأحكام في قسمين: تكليف ووضع بغير مَيْنٍ، أي بغير شك ولا كذب ولا تردد، وهذه عبارة تكملة للبيت، بغير مَيْنٍ أي من دون شك. أما التكاليف ففرض وسنة، فبدأ بالقسم الأول وهو الحكم التكليفي. فما أقسام الحكم التكليفي؟ خمسة: فرض، سنة، إباحة، كراهة، وحرمة.

«ما كان مأموراً به فذا وجب، إن كان جازماً وإلا مستحب». بدأ بتعريف كل واحد منها، فما هو الواجب؟ أول حكم من الأحكام التكليفية؛ كل ما أمر به على وجه الجزم، كتعريف مختصر. «ما كان مأموراً به فذا وجب إن كان جازماً»، وإلا -يعني وإن كان مأموراً به لكن على غير وجه الجزم- فهذا هو المستحب، المندوب.

«موسع، مخير، وما طلب كفاية، وعكسها كل يجب، وما لا يتم واجب إلا به، فواجب فاحرص على طلابه». ينقسم الواجب والحقيقة في السنة نفس الشيء، هذه التقسيمات موجودة في الواجب وفي السنة. ينقسم الواجب إلى واجب موسع وواجب مضيق، وإلى واجب مخير وواجب معين، وإلى ما طلب كفاية وما طلب عيناً.

فلذلك قال: «موسع، مخير، وما طلب كفاية، وعكسها». ما عكس الموسع؟ المضيق. ما عكس المخير؟ المعين. ما عكس الكفاية؟ فرض العين. ثم قال: «ما لا يتم»، وأخيراً المسألة الرابعة والأخيرة التي أخذناها في الواجب؛ قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فاحرص على طلابه، يعني احرص على تعلم هذه المسائل وتطلبها من مظانها.

أما الحرام فهو ما عنه نهي جزمًا، ودون الجزم فعله كرهي. يقابل الواجب والمستحب الحرام والمكروه. قال: «أما الحرام فهو ما عنه نهي جزماً»، وأما المكروه ما نهي عنه على غير وجه الجزم، فيكون فعله على وجه الكراهة. لذلك قال: «أما الحرام فهو ما عنه نهي جزماً، ودون الجزم»، يعني وما نهي عنه لا على وجه الجزم فعله كرهي، أكره فعله ولا تحرم، أكره فعله فقط.

«وإن أتى التخيير فالإباحة بالأصل أو من نص قد أباحه». وأما إن كان الأمر بالتخيير، أنت مخير بين الفعل والترك، فهذا يسمى الإباحة. ما هو الحكم التكليفي الذي يكون فيه الإنسان مخيراً بين الفعل والترك؟ فهذه الإباحة، والإباحة على قسمين: إباحة عقلية وإباحة شرعية.

وتذكروا إيش قلنا الإباحة العقلية معناها؟ لكن العقل يدل على إباحته اعتماداً على القواعد العامة في الشريعة، ما لم يأت نص خاص بإباحته؛ لكن العقل دل على إباحته بناءً على النصوص العامة والقواعد العامة الواردة في الشريعة، فهذا ما قصده بالأصل.

«وإن أتى التخيير فالإباحة بالأصل، أو من نص قد أباحه»، هنا يتكلم عن الإباحة الشرعية، وهو أن النص يتطرق إلى هذا الفعل بالتحديد، ويتكلم عنه على وجه التحديد ويقول لك: افعله أو لا تفعله، فأنت مخير.

«أحكام وضع: سبب وعلة، والشرط والموانع المخلة، ورخصة وعكسها العزيمة، ثم فساد صحة قوية». ننتقل الآن إلى هذه الأحكام الوضعية: السبب والعلة، وهل هناك فرق بين السبب والعلة؟ أظن أنني تطرقت لهذا الموضوع عموماً. والشرط والموانع المخلة، إذا السبب اعتبر العلة الآن بحكم السبب والشروط والموانع.

ثم قال: «رخصة وعكسها العزيمة»، الرخص يقابلها العزيمة، ثم «فساد صحة قوية»، هكذا صاروا سبعة. «وسبب دل فسبب دل على الوجود وفقده دل على الفقد». تعريف السبب.

ما تعريف السبب يا شيخ ضرار؟ نحن ماذا عرفنا؟ ما يلزم، لا، ويلزم الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته. بدك تحفظها زي اسمك، وهذه فائدة حفظ المنظومات؛ المنظومة تربطك مباشرة بالفكرة وعمرك ما بتنساها، أما الذي ليس عنده محفوظ فتظل الأفكار تتبخر بعد شهر أو شهرين، لابد أن تحفظه.

قال: «فسببٌ دل على الوجود»، يعني ما يلزم من وجوده الوجود، وفقدُه دل على الفقد، يعني ويلزم من عدمه العدم. دل على العدم، لكن أتى بها بعبارة نظمية حتى يمشي مع البيت، ثم قال: «وعدمُ الشرط يفيد العدم».

هو يشير إلى الجزء المهم في تعريف الشرط، ما هو الجزء المهم في تعريف الشرط؟ ما يلزم من عدمه. أنت انظر، هذه فائدة البيت، خلاص أعطاك الفكرة الأساسية وأنت خلاص ستشرحها وحدك، أما إذا كانت الفكرة الأساسية ضائعة فلا تجيبها. لذلك قال: «وعدم الشرط يفيد العدم»، فهمت؟ إذاً ما يلزم من عدمه العدم.

أما الجزء الثاني في التعريف فهو تكملة: «ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته». أما المانع، فالمهم فيه أيضاً الجزء الأول، ما هو؟ ما يلزم من وجوده العدم، عكس الشرط تماماً، فلذلك قال: «وجود مانع كذلك فاعلم». يعني وجود مانع يفيد العدم. فعدم الشرط يفيد العدم، ووجود المانع يفيد العدم، بناءً على التعريف الذي أتيتم به.

«وما به ترتب المراد، فصحة وضدها الفساد». الصحة قال: «وما به ترتب المراد»، يعني ما يترتب عليه الأثر. نحن قلنا إنك أتيت بالتعريف المشهور عند الجمهور من الأصوليين: الصحة هي موافقة الفعل للأمر. فإذا كان الفعل موافقاً للأمر ترتب عليه أثره.

فمثلاً، لما أقول هذا البيع موافق للأمر الشرعي، إذاً سيترتب عليه آثاره من انتقال ملكية السلعة إلى المشتري وانتقال الثمن إلى البائع. وإذا قلت هذه الصلاة موافقة للأمر الشرعي، إذاً سيترتب عليها أثرها ومقصودها وهو براءة الذمة منها. فهذا معنى قوله: «وما به ترتب المراد».

الصحة هي الفعل الذي يترتب عليه مقصوده، وهذا طبعاً تعريف آخر حقيقة، وهو أقرب إلى طريقة الحنفية في تعريف الصحة، لكن الآن ليس موضوعك، كلاهما تعريف مقبول بغض النظر عن الانتقادات، وهذه ندرسها في المطولات إن شاء الله. فيقول: الصحة هو الفعل الذي يترتب عليه المراد منه، يعني الفعل الذي يترتب عليه مقصوده.

فسأسألك: الفعل متى يترتب عليه مقصوده والمراد منه؟ إذا كان موافقاً للأمر. فإذا أنت فعلت فعلاً موافقاً للأمر الشرعي، موافقاً للمعايير الشرعية، فخلاص هذا الفعل سيترتب عليه المراد منه، سواء كان عقداً أو عبادة.

«وضدها الفساد». والفعل إذا لم يكن موافقاً للأمر الشرعي والمعايير الشرعية، لن تترتب عليه الآثار المطلوبة منه، فسيكون فاسداً. لذلك قال: «وما به ترتب المراد»، يعني الفعل الذي يترتب عليه المراد والمقصود منه، وهذا يكون إذا كان موافقاً للأمر الشرعي، فهذا فعل صحيح. وضدها؛ يعني وما كان لا يترتب عليه المراد منه إذا لم يكن موافقاً للأمر الشرعي، فهذا سيكون فاسداً.

«وثابت على خلاف الأصل، فرخصة وقيداً بالسهل». الرخصة هي ما كان ثابتاً على خلاف الأصل. طبعاً هو أعطى تعريفاً جداً مقتضباً، وأنت ممكن بالطريقة التي عرفناها: هو ما شرع استثناءً من أصل كلي قائم يقتضي المنع، مع الاقتصار على موضع الحاجة فيه.

هذه يا إخوان فائدة أن كل أسبوع لازم تجلس على النظم الصغير تمر على الأفكار التي درسناها، تراجع على الأقل المصطلحات الأساسية، كل أسبوع لازم تجلس، أما أن تنتظر حتى أعمل لك اختباراً فلا تمشي الأمور.

إذًا فالحكم الثابت على خلاف الأصل، يعني كما ذكرنا، ما شرع لعذر شاق استثناءً من أصل كلي قائم يقتضي المنع، فهذا رخصة، وقيداً بماذا؟ بالسهل؛ لأن الرخصة لا تكون إلا على وجه السهولة لا على وجه الصعوبة، لا يمكن أن تكون الرخصة أصعب من العزيمة.

«والعلة الوصف الذي قد اقتضى حكماً». بهذا مبحث الحكم انقضى. العلة هي الوصف الذي اقتضى حكماً، وهذا حقيقةً هو نفس السبب. أحياناً تحس أن التعمق الزائد في بعض الأشياء يضر أكثر مما ينفع.

العلة لما نقولها، نحن أعطيناها ثلاثة معانٍ في شرحنا: تطلق على ما يوجب الحكم لا محالة، وتطلق على المقتضي فقط، وتطلق على الحكمة. والذي نختاره هنا في هذه المنظومة هو المعنى الثاني، أن تعرف العلة بأنها الوصف الذي اقتضى حكماً، وهو نفس تعريف السبب: ما يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم لذاته، هي ذاتها كما يقول.

«وثانياً بهذا مبحث الحكم انقضى». هكذا نكون انتهينا من المبحث الأول من مباحث علم أصول الفقه، وهو مبحث تصور الأحكام. يعني أنت هكذا الأصل خلاص عرفت أنه يوجد حكم شرعي تكليفي ووضعي. التكليفي: واجب، مندوب، حرام، مكروه، مباح. والوضعي: سبب، ومثله العلة، والشرط، والمانع، والرخصة، والعزيمة، والصحة، والفساد. هذه أساسيات، لأنه كل ما ستدرسه بعد ذلك في أصول الفقه هدفه الوصول إلى هذه الأحكام إما الوضعية أو التكليفية، فلازم أولاً تتصور الأحكام.

نأتي الآن إلى المبحث الثاني وهو مصادر التشريع، الأدلة الإجمالية. فقال: «وثانياً أدلة منها اختلف فيه وبعض بالوفاق يتصف». ثانياً مصادر التشريع، ومصادر التشريع قسمناها إلى قسمين: مصادر متفق عليها وهي الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس -حاول تحافظ على الترتيب-، والمختلف فيها مثل: الاستصحاب، والاستصلاح (المصالح المرسلة)، وقول الصحابي، وشرع من قبلنا.

«وهي وهي الكتاب والسنة الإجماع قياسها في غيرها نزاع، شرع مضى ما قاله الأصحاب، مصالح ما استحسن استصحاب». فأعطاك أولاً المتفق عليها، وهذا يسمى اللف والنشر غير المرتب، لأنه أول شيء بدأ بالمختلف فيه، فقال: «أدلة منها اختلف فيه»، ثم قال: «وبعض بالوفاق»، ثم ذكر ما اتفق عليه. فلما جاء التعداد لم يبدأ بتعداد المختلف فيه، بل بدأ بتعداد المتفق عليه، فهذا يسمى عند البلاغيين اللف والنشر غير المرتب.

فالمتفق عليه وهي أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. ثم ذكر مصادر التشريع المختلف فيها، قال: «في غيرها نزاع»، ما هي؟ شرع من قبلنا، وما قاله الأصحاب (قول الصحابي)، هل هو حجة أم لا؟

المصالح، اللي هو المصالح المرسلة، والاستحسان، والاستصحاب. سنبدأ الآن بالمصادر المتفق عليها فقال: أما الكتاب فتواتر السند.

الأصل في الكتاب أن سنده متواتر، وهو حجة باتفاق الجميع، ولكن وقع خلاف في جزئية واحدة وهي القراءة الشاذة. عفوًا، قراءة الآحاد؛ الآن طبعًا قراءة الآحاد فيها خلاف بناءً على أنه هل تعتبر قرآنًا أو لا؟ عند الحنابلة هذا يهمنا مذهبنا.

قراءة الآحاد فيه مستند عند الحنابلة، هل قراءة الآحاد تأخذ حكم القراءة المتواترة؟ نعم. موضوع القراءة الشاذة هذا أنا أضفته، هو لم يتطرق إليه الشيخ عامر باجد في المنظومة، أضفتها حتى تعرفوا رأي الحنابلة فيه. أما الأصل، فالحنابلة عندهم القراءة سواء كانت متواترة أو بالآحاد، مع وجود موافقتها للرسم العثماني بشكل من الأشكال واللغة العربية بوجه من الوجوه، كلها تعتبر عندنا حجة.

وكذلك إذا كانت شاذة؛ وأي نوع من أنواع الشاذ نقصد هنا؟ ما صح سنده وكان موافقًا للعربية لكنه لم يوافق مصحف عثمان، فهذا أيضًا يعتبر عند الحنابلة حجة ويسمى قراءة شاذة. فإذا كان الكتاب فتواتر السند، يعني الأصل في القرآن أن سنده متواتر، ولكن هناك قراءات أحادية صحت سندا ووافقت مصحف عثمان ووافقت اللغة، فهذه أيضًا تعتبر حجة ولا نزاع عند الحنابلة فيها، وإنما النزاع وقع في القراءات الشاذة.

ثم الحديث، منه ذو تواتر ومنه آحاد، فحكم الأخير... ثم الحديث المصدر الثاني من مصادر التشريع، الحديث النبوي، أيضًا الحديث ينقسم كما القرآن؛ في متواتر وآحاد. أما المتواتر فواضح لذلك لم يتطرق إلى حكمه الشيخ عامر، فحجيته واضحة.

قال: «وأن فحكم الأخير»، أما الآحاد فينقسم إلى إيش؟ قال: «فحكم الأخير قبول مسند ومرسل، رد بنقل عدل ضابط سواه رد». فالآحاد عند الحنابلة يقبلون فيه متصل السند ومرسل السند، اللي هو منقطع السند، بشرط أن يكون الناقل عدلاً ضابطًا. أما إذا لم يكن عدلاً أو ضابطًا فردوه، لذلك قال: «سواه رد»، يعني سواه مردود؛ إذا اختل العدل أو الضبط فيرد الحديث ولا يستدل به في الأحكام، سواء كان متصلًا أو منقطعًا.

وما روي من سنة المختار، قول وفعل وسنة الإقرار؛ هذا تقسيم السنة باعتبار نوعها، قسمناها إلى سنة قولية وفعلية وتقريرية. وما روي من سنة المختار ﷺ، فهو إما سنة قولية أو فعلية أو إقرارية.

وفعله إن كان للعبادة -بعد أن تكلمنا عن السنة القولية ولن نشتغل الآن بقواعد الاستدلال بها فهذا في مبحث دلالات الألفاظ، لكن ما يهمنا هنا الكلام عن أحكام السنة الفعلية، هذا ما تكلمنا فيه الدرس الماضي- فالسنة الفعلية ماذا قال؟ قال: «وفعله إن كان للعبادة فواجب، وجاز ما للعادة، إلا إذا اختص به أو كان من فعله لمجمل بيانا، فالحكم في المختص غير مشكل، والحكم في البيان حكم المجمل، إقراره دل عليه».

الآن نأتي للسنة الفعلية؛ طبعًا هنا الشيخ عامر لم يرتب الأمور كما رتبتها لكم أنا في داخل الكتاب، ماذا قال؟ قال: «وفعله إن كان للعبادة»، هو يتكلم عن الحالة الأخيرة التي أنا ختمت فيها، ما فعله ﷺ على قصد القربة. تذكروا آخر صورة من فعله: ما فعله على قصد القربة ولم ينص على حكمه، فهنا الحنابلة قلنا يحملونه على ماذا؟ على الوجوب. هذه آخر صورة، هو الشيخ بدأ من تحت وأنا بدأت من فوق. فإذا قلنا ما صدر منه ﷺ على وجه القربة ولم ينص على حكمه بعينه، فالأصل أنه عند الحنابلة فعله في هذه الحالة يحمل على الوجوب حتى تأتي القرينة الصارفة.

ثم قال: «وجاز ما للعادة»، رجع الآن يبين الأفعال التي صدرت منه على وجه عادة العرب، ما حكم الاقتداء بها؟ مباح؛ إذا قال جاز يعني أبيح، أكتب جاز بمعنى مباح. كمل: «إلا إذا اختص به أو كان من فعله لمجمل بيانا، فالحكم في المختص غير مشكل والحكم في البيان حكم المجمل». هو ذكر ما صدر منه على وجه الاختصاص أو ما صدر منه على وجه بيان المجمل معًا.

الآن ما صدر منه على وجه الاختصاص ما حكم الاقتداء به؟ فيها تفصيل؛ إذا اختص بالحكم دون الفعل فنحن لا نعتقد أن الحكم الذي لدينا هو الحكم الذي لديه، لكننا نفعل هذا الفعل باعتبار حكمنا، كمثل الوتر فهي واجبة عليه ﷺ وسنة علينا. أما ما اختص به فعلًا وحكمًا فهذا لا يجوز الاقتداء به كالزواج من أكثر من أربع نسوة. طبعًا الشيخ عامر لم يعطِ هذا التفصيل، قال: «فالحكم في المختص غير مشكل»، وكأنه يحيل الأمر عليّ أنا إذا كنت أشرح لكم، يعني كيف غير مشكل؟ هو فعليًا يحيل الأمر على من سيشرح المنظومة للطلاب هو الذي فصل لكم.

وأما ما فعله بيانا لمجمل ﷺ فما حكمه؟ الأفعال التي صدرت بيانا لمجمل حكمها حكم المجمل؛ فما فعله بيانا لواجب فالأصل في الفعل أنه واجب حتى تأتي القرينة الصارفة، وما فعله بيانا لسنة فالأصل أنه يكون سنة حتى تأتي القرينة الصارفة، لذلك هو ذكرهما معًا.

ثم قال: «إقرار، إقراره دل على الجواز كذا الجبلي بلا احتراز». هنا شوية دخل وتكلم عن السنة التقريرية بعدين رجع للفعل الجبلي، وفي المنظومات بنسامح، مش مشكلة، يضطر الشاعر إلى مثل هذا، فخلوني أجي لشرح الشطر الثاني بعدين نرجع للشطر الأول.

قال: «كذا الجبلي بلا احتراز»، إيش يعني كذا الجبلي؟ الأفعال الجبلية أيضًا حكمها حكم الأفعال العادية، الاقتداء به في الأفعال الجبلية مباح. بعدين نرجع للشطر الأول يتكلم عن السنة التقريرية، قال: «إقرار»، والسنة التقريرية بشروطها تدل على الإباحة حتى تأتي قرينة صارفة. السنة التقريرية إذا أقر النبي ﷺ رجلًا من المسلمين على فعل، فالسنة التقريرية تعطيني حكم الإباحة.

هذه كلها قواعد مهمة إخواني؛ أن تعرف هذا الفعل ما دلالته؟ هل يدل على الإباحة؟ هل يدل على الوجوب؟ وهل هو بيان لمجمل فحكمه حكم المجمل؟ هل هو حرام أن أقتدي به لاختصاصه؟ بدك تكون أنت عارف دلالة أفعال النبي ﷺ.

أظن انتهينا إلى هنا، البيت 29 صحيح؟ الآن سنشرح في مبحث اليوم ألا وهو الكلام عن النسخ. بسم الله.

هو مبحث مشترك بين القرآن والسنة؛ لذلك يذكر بعد القرآن والسنة. النسخ يتطرق للقرآن ويتطرق للسنة، لذلك يذكرونه بعد الحديث عن أول مصدرين تشريعيين. النسخ لا يتطرق للإجماع، فالإجماع لا ينسخ، والقياس لا ينسخ، وقول الصحابي لا ينسخ. الذي ينسخ من مصادر التشريع أو الذي يقبل النسخ ما هو؟ فقط القرآن والسنة، فلذلك ذكروا هذا المبحث بعد القرآن والسنة.

فنقول بسم الله. قال حفظه الله: مبحث النسخ. تكلمنا في المباحث السابقة عن مصدرين أساسيين من مصادر التشريع، وهما الكتاب والسنة، وبينا أنه لا نزاع بين الأمة في وجوب الرجوع إليهما والاستنباط للأحكام الشرعية، وإنما الخلاف في تفاصيل الاستدلال. وفي هذا المبحث سنقرر قاعدة مهمة تتعلق بهذين الدليلين، وهي أن دلالة نصوص الكتاب والسنة على الحكم الشرعي تبقى قائمة ما لم يثبت نسخ النص.

الآن أي نص في الكتاب أو السنة استفدت منه حكمًا شرعيًا، تبقى دلالة هذا النص على الحكم الشرعي قائمة، ولا يجوز لأحد أن يلغيها حتى يأتي ما يدل على نسخها. إذًا أي دلالة، أي حكم يؤخذ من الكتاب والسنة يبقى وجوب العمل به قائمًا حتى يأتي ما يدل على أنه منسوخ. طبعًا هذا متى يكون النسخ؟ أكيد في زمن النبي ﷺ، أما نحن فإنما وظيفتنا أن نعرف هل وقع نسخ ولا لا؟ أما ليس هناك شيء الآن سيُنسخ؛ لأننا ليس لنا أن ننسخ على أهوائنا. فإن ثبت نسخه لم يعد يصلح للاحتجاج به. إذا ثبت أنه هذا الحكم منسوخ، لكن كنت جاهلًا أنه منسوخ ثم تعلمت ذلك، فلا يجوز أن أعمل بهذه الآية أو هذا الحديث.

وحتى نفهم هذه القاعدة لابد أن نعرف ابتداءً ما المقصود بالنسخ عند العلماء. تعريف النسخ: اختلف في تحديد المعنى اللغوي للنسخ، وأطال الأصوليون الخوض فيه أكثر من غيرهم. الأصوليون اهتموا بمعنى النسخ لغةً أكثر من اللغويين أنفسهم؛ وهذا يحصل أحيانًا، لأنه هذا المصطلح يكون صاحب علم معين مهتمًا به، فيهتم بالتنبيش عن دلالته اللغوية أكثر من اهتمام علماء اللغة أنفسهم؛ لأن علماء اللغة في المعاجم يذكرون المعنى الذي ظهر لهم ابتداءً ويمضون، لكن الأصولي لأنه يحتاج إلى تحرير معنى النسخ، أو معنى العام أو معنى الخاص، تجده ينبش عن المعاني اللغوية لهذه الكلمة أكثر حتى من اللغوي نفسه، سبحان الله.

ويمكن أن نجمل الخلاف بينهم في ثلاثة أقوال؛ الخلاف في ما معنى النسخ في اللغة؟ هل هو حقيقة في كذا أم مجاز؟ القول الأول: النسخ حقيقة في الإزالة والرفع. الذين يقولون إن النسخ في اللغة هو حقيقة في الإزالة والرفع، معناه الحقيقي هو الإزالة والرفع؛ فعندما تقول نسخت الشمس الظل، هكذا تقول العرب، ما معنى نسخت هنا؟ أزالت ورفعت. نسخت الريح آثار المسير، ما معنى نسخت الريح آثار المسير؟ أزالت ورفعت، فهذا هو المعنى الحقيقي للنسخ، الإزالة والرفع.

والمعنى المجازي للنسخ هو النقل؛ يقال نسخت الكتاب إذا نقلت نصوصه إلى كتاب آخر. طبعًا النسخ إذًا على هذا القول معناه المجازي هو النقل، والنقل له عدة احتمالات؛ لأن النقل قد يكون نقل الشيء مع عدم بقاء وجوده في الأصل، مثل أن أنقل هذه الكأس من هنا إلى هنا، فهنا هي فعليًا لم يبق لها وجود في المكان الأصلي وانتقلت تمامًا إلى المكان الجديد، وهذه صورة من صور النقل.

وفي صورة ثانية من النقل أن تنقل الشيء مع بقاء وجوده في المكان الأصلي، مثل المثال الذي ذكرناه، النقل الذي هو النسخ من كتاب إلى كتاب آخر. أنت عندما أقول لك: انسخ هذا الكتاب، ماذا تفعل؟ أنت تعيد الكتابة، فيسمى هذا نقلًا مع بقاء الأصل. فالنقل إذًا هناك نقل مع زوال الأصل وهناك نقل مع بقاء الأصل في مكانه. أما النقل الذي يكون فيه نقل الشيء من مكان إلى آخر، فالحقيقة هو داخل تحت الرفع والإزالة؛ لأنني عندما أنقل الكأس، أنا رفعتها وأزلتها عن مكانها الأول واستحدثت لها مكانًا ثانيًا، فهذا النقل هو داخل في الرفع والإزالة فلا حاجة إليه. أما النقل الذي أريده هنا فهو الذي يتضمن بقاء الشيء في مكانه الأصلي، كأن أنقل الكلام إلى صفحة جديدة لكن نقلي لا يعني أنني أزلته من الأصل وإنما مجرد إعادة للكتابة مرة أخرى، فاستعمال النسخ بمعنى النقل مجاز. هذا هو القول الأول: أن النسخ معناه الحقيقي هو الرفع والإزالة، ومعناه المجازي هو النقل.

القول الثاني بالعكس؛ ما قال اللغويون أو بعض الأصوليين: النسخ حقيقة في النقل ومجاز في الرفع. قالوا: لا، نحن بالاستقراء وجدنا أن النسخ معناه الحقيقي هو النقل، وإذا أطلق بمعنى الرفع والإزالة فهذا مجاز.

القول الثالث: النسخ مشترك بين الرفع والنقل؛ أي أن النسخ لفظ مشترك يطلق بمعنى الرفع حقيقة، ويطلق بمعنى النقل حقيقة، مثل "العين"؛ العين تطلق على الجاسوس، وتطلق على البئر، وتطلق على الذهب، وتطلق على الباصرة، فهنا نقول كلمة العين لفظ مشترك، هو حقيقة في هذا، وحقيقة في هذا، وحقيقة في هذا. فالبعض قال كذلك في النسخ: هو حقيقة في الرفع، وحقيقة في النقل.

إذًا عندك ثلاثة توجهات لغوية في تحديد معنى النسخ: هل هو حقيقة في الرفع ومجاز في النقل؟ أو العكس؟ أو هو مشترك بينهما؟ طبعًا إن شاء الله في مستويات متقدمة سنحرر لماذا يهتم الأصوليون بهذا، فهو ليس مجرد فضاوة، بل لهم مقصد في إسقاطه على المعنى الأصولي، لكن يهمني في هذه المرحلة الاقتصار على إدراك الخلاف اللغوي.

نذهب إلى النسخ اصطلاحاً: اختلف الأصوليون في تحديد المقصود بالنسخ في الاصطلاح الشرعي، كما اختلفوا في تحديد معناه اللغوي، وإن كان اختلافهم في الجملة اختلاف عبارة ولفظ لا معنى.

في تعريف النسخ، أكثره اختلاف لفظي ليس اختلافًا مؤثرًا على الحقيقة النهائية، فلذلك نحن في هذا المستوى المبتدئ سنقتصر على تعريف واحد هو الذي يهمنا. قال: «النسخ رفع حكم شرعي ثابت بخطاب متقدم بخطاب شرعي متراخ عنه».

جميل، النسخ رفع حكم شرعي ثابت بخطاب متقدم به، أي بواسطة خطاب شرعي متراخ عنه. الآن هذا التعريف هو تعريف أساسي بدنا نحلله كلمة كلمة، يعني ما في مجال مشايخ نشيله، بدك تفهم كل كلمة ما دلالتها.

لاحظ هنا لما قلت النسخ بالمعنى الأصولي ما هو رفع؛ إذاً هنا مشيت على المعنى اللغوي الأول، أن النسخ حقيقة في اللغة في الرفع والإزالة، فاستجلبت هذا المعنى اللغوي وأسقطته على المعنى الأصولي، فقلت فالنسخ أيضًا في الشريعة هو رفع وإزالة، بس رفع وإزالة لإيه؟

الآن سنأتي لقولنا: «رفع حكم شرعي»، أي إزالته على وجه لولاه لبقي ثابتًا. نعم، النسخ هو رفع لحكم شرعي، وقلنا معنى الرفع هنا أي إزالة الحكم الشرعي على وجه، يعني على طريقة لولا هذه الطريقة لبقي هذا الحكم ثابتًا. إزالة الحكم الشرعي على وجه يعني على طريقة أو بطريقة لولاها لبقي الحكم ثابتًا ومستمرًا. طيب ما هي هذه الطريقة؟ ستأتي معنا بعد قليل إن شاء الله.

وهذا يفارق زوال الحكم لانتهاء المدة المحددة له شرعًا، فإنه لا يسمى نسخًا. كأن يقول النبي ﷺ: «افعلوا هذا الفعل ثلاثة أيام ثم كفوا عنه»، فإن زوال الحكم بعد مضي هذه المدة لا يسمى نسخًا عند الأصوليين. لو قال النبي ﷺ لأصحابه: «هذا الفعل افعلوه لمدة ثلاثة أيام»، بعد الثلاثة أيام ماذا سيحصل؟ خلاص راح يتوقفوا عن فعله.

إذًا هو ابتداءً لما أعطاهم الحكم وقته بمدة معينة. لنفترض هذا الافتراض أن النبي ﷺ قال للصحابة: «افعلوا هذا الفعل لثلاثة أيام»، إذًا تلقائيًا بعد الثلاثة أيام ماذا سيحصل؟ سيتوقف هذا الفعل. هل هذا يسمى نسخًا؟ يعني بعد الثلاثة أيام نقول انتسخ هذا الفعل؟ لا.

لأن للنسخ نمطًا معينًا، أسلوبًا معينًا فقط هو الذي يسمى نسخًا، وهو أن يرفع الحكم بطريقة معينة لولا هذه الطريقة لبقي الحكم ثابتًا. ما هي هذه الطريقة؟ هي التي ستأتي معنا، وهو أن يأتي خطاب متأخر متراخٍ يبطل العمل بالخطاب الأول. أما إذا أنا ابتداءً من البداية قلت لك: «هذا العمل اعمله ثلاثة أيام»، أنت مش راح تحتاج خطابًا ثاني ينسخ الخطاب الأول ويقول لك خلاص وقف، لأنك تلقائيًا أنا أصلاً شو قلت لك من البداية؟ هذا الحكم اعمله ثلاثة أيام، بعد انتهاء الثلاثة أيام أنت راح توقف، لأنك راح تقول لي خلص أنت قلت لي اعمله ثلاثة أيام.

فهنا هذا لا يسمى نسخًا، لأن النسخ يحتاج إلى طريقة معينة، هذه الطريقة المعينة هي أن يأتي خطاب ثاني هو الذي يوقف العمل بالخطاب الأول، بحيث لو لم يأتِ هذا الخطاب الثاني لبقي العمل بالخطاب الأول، ماشي؟ ما في مشكلة.

إذًا «رفع الحكم الشرعي الثابت بخطاب متقدم»، كمل. قولنا «ثابت بخطاب متقدم» فيه بيان أن النسخ رفع حكم ثابت بنص شرعي لا بالبراءة الأصلية، أما ما جاء رفعًا للبراءة الأصلية فلا يسمى نسخًا عند الأصوليين.

ممتاز، لأنه لازم نحرر إخواني مفهوم النسخ لأنه يحصل فيه خلط عند كثير من طلاب العلم، حتى أهل العلم بعضهم خلطوا فيه. حتى نحدد ما هو النسخ: النسخ رفع حكم شرعي، لكن هذا الحكم الشرعي اللي بدنا نرفعه، اللي بدنا نزيله، اللي بدنا ننسخه، فيه شرط؛ لازم يكون ثابت بإيش؟ بخطاب شرعي.

طيب هو هنا السؤال، هو فيه حكم شرعي لم يثبت بخطاب شرعي؟ في شيء ذكرناه وإحنا قبل شوي بنشرح وبنقرا المنظومة، إيش هو؟ أحسنت، ما ثبت بالإباحة العقلية، بس هذه الصورة. مش قلنا قبل شوي أن المباح على نوعين؟ هناك مباح ثبت بالإباحة العقلية وهناك مباح ثبت بالنص.

فإذا كان عندي حكم شرعي ثبت بالإباحة العقلية مثلاً، بتعرفوا في زمن النبوة، النبي ﷺ ابتداءً لم ينزل عليه تحريم أكل الحمر الأهلية، نزل تحريم أكل الحمر الأهلية متى؟ يوم خيبر سنة سبعة هجري. بالتالي في السنة الأولى من الهجرة، لو سألتك في السنة الأولى من الهجرة: ما حكم أكل الحمر الأهلية؟ مباح. في السنة الثانية من الهجرة، ما حكم أكل الحمر الأهلية؟ مباح. طيب وين إباحته؟ في حديث يقول يجوز أكل الحمر الأهلية؟ لا، بس من وين أخذنا إباحته؟ من الإباحة العقلية، كانت تقتضي أن الأصل في الحمار الأهلي ماذا؟ الجواز، حتى جاء يوم خيبر، فالنبي ﷺ نزل عليه تحريم أكل لحم الحمر الأهلية.

فالآن هل نقول الحديث الذي في خيبر، وهو تحريم أكل الحمر الأهلية، ناسخ لجواز أكلها؟ لا. ليش؟ طيب هو كان مباحًا ثم حُرّم؟ بنقول الإباحة التي كانت موجودة هل هي إباحة بالنص؟ يعني هل النبي ﷺ قال: «يباح لكم أن تأكلوا الحمر الأهلية»؟ لا، ما في نص. كانت إباحة مستندها العقل، أنه الأصل أنه مما سكت عنه، فنأخذه ونتعامل معه إلى أن يأتي ما يحرم.

فلما جاء ما حرم، هذا التحريم نعم منع الإباحة، بس منعه للإباحة لا يسمى نسخًا؛ ليه؟ لأن الحكم الأول لم يؤخذ من نص، أخذ من الإباحة العقلية، فهمتم؟ فلذلك قلنا: النسخ رفع حكم شرعي، بس بشرط أن يكون هذا الحكم الشرعي ثبت بخطاب متقدم. فنقول: أما إذا كان هذا الحكم الشرعي الذي رفعناه ثبت بالإباحة العقلية وليس بخطاب، فرفعه لا يسمى نسخًا، هو عبارة عن تشريع فقط.

قال: «فكثير من المسائل سكتت عنها الشريعة ابتداءً، لم تتعرض لها، فكانت على البراءة الأصلية». نعم، في السنة الأولى من الهجرة، الثانية، الثالثة، كانت كثير من الأحكام -أحكام الحيوانات، أحكام النباتات- كانت كلها مسكوتًا عنها وكانت تشريعًا يأتي بالتدريج، ثم جاء بعد ذلك تحريمها أو إيجابها بنصوص الكتاب والسنة رفعًا لتلك البراءة، فهذا لا يسمى نسخًا في اصطلاح الأصوليين، إذ أغلب الشريعة من هذا القبيل.

نعم، أغلب الشريعة أصلاً كانت بالتدريج. طيب سؤال الخمر، شو رأيكم لما الله عز وجل أنزل: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾؟ هل نعتبر هذا نسخًا لما ثبت ابتداءً بإباحة عقلية؟ هل يسمى رفعًا لما ثبت ابتداءً بإباحة عقلية ولا لا يعتبر شكلًا من أشكال النسخ؟ لما نزل تحريم الخمر ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ هل هذا يعتبر نسخًا ولا مجرد تشريع؟

لأنه هذا ترى فيه مسألة خلاف بين العلماء. تفضل يا عمر.

أيوة، يعني إذا حتى نحدد باختصار أنت إيش فعلت يا عمر حتى نحدد هل «فاجتنبوه» التي في سورة المائدة هي ناسخة أو هي مسألة مشرعة وغير ناسخة؟ هذا يعتمد: هل هناك نص أول أباح الخمر، ثم جاء النص الأخير حرمها؟ فهمتم الآن ما الذي سيحدد؟ هل يوجد نص أولي أباح الخمر ثم جاءت سورة المائدة فحرمتها؟ هنا في خلاف، ترى في كتب التفسير، وخاصة في مدرسة معاصرة ناشئة أصلاً ترى أنه ما في شيء اسمه نسخ، وهذا خطأ، لكن هنا يصير نقاش.

بعض العلماء يقول لك: ما في نص صريح يقول الخمر مباحة، هيك بقول. ما في نص صريح يقول لك الخمر مباحة، وإنما كان الصحابة يشربونها على الإباحة العقلية، زيها زي الخمر الأهلية. فلما جاء: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]، هذا ليس نسخًا، هذا تشريع جديد؛ رفع لما ثبت بالإباحة العقلية فلا يسمى نسخًا.

الذين يخالفونهم شو بيقولوا؟ زي ما حكى الشيخ عمر، لما الله عز وجل قال: ﴿لَا تُقْرِبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ﴾ [النساء: 43]، ضمنيًا شو المفهوم منها؟ إنه في غير وقت الصلاة مباحة. فحقيقة صعب نقول أن إباحة الخمر كانت فقط مقتصرة على الإباحة العقلية؛ في نصوص كانت تشير إلى أنها مباحة ضمنيًا. ما في آية بتقول الخمر مباح، ما في حديث بيقول الخمر مباح، بس ضمنيًا في إشارات في القرآن إنه بدك تشرب اشرب، يعني كأنها بتقول لك: بدك تشرب اشرب، ما صرحت بس أشارت.

فمن لاحظ هذه الإشارات قال: لا، آية المائدة هي ناسخة، لأن إباحة الخمر ليست فقط إباحة عقلية، بل هي إباحة نصية وإن لم يكن النص صريحًا في ذلك، لكنه ضمني في الإشارة. فهنا بس أنا بطرح لك هذا الموضوع لأنك ممكن تقرأ في كتب كثيرة إنه البعض بيعتبر أن آية الخمر ناسخة، والبعض ما بيعتبرها ناسخة، بسبب توجيه: هل الحكم الأول كان ثابتًا بالإباحة العقلية ولا ثابتًا بإباحة نصية ضمنية؟ فهمتم كيف يصير الخلاف؟ وهنا في مساحة للتفكير عند أهل العلم.

كمل. قال: وإن كان قد يسمى نسخًا بالمعنى العام. يعني هذا اصطلاح عام، البعض قد يسمي رفع الإباحة العقلية نسخًا، قد تجد بعضهم يصطلحون على هذا خاصة من المتقدمين، قد يطلقون ما رفع الإباحة العقلية نسخًا، بس إحنا كمعنى أصولي دقيق اتفقنا إنها مش نسخ.

قولنا بخطاب شرعي، هي باء الواسطة أو باء السببية، سميها زي ما بدك. فإذًا النسخ هو رفع حكم شرعي، واتفقنا لازم يكون هذا الحكم الشرعي رقم واحد ثابت بخطاب متقدم، بماذا سيرفع؟ بخطاب شرعي متأخر. لذلك هذه باء السببية أو باء الاستعانة.

قال: فيه احتراز من ارتفاع الحكم الشرعي بسبب موت المكلف أو جنونه، فإنه لا يسمى نسخًا كذلك. لو أن إنسانًا يفعل الأحكام الشرعية، يصلي ويفعل الأفعال، لكنه مات، ارتفعت الأحكام الشرعية في حقه، لكن ارتفاع الأحكام الشرعية في حقه بسبب ماذا؟ هل هو بسبب خطاب شرعي متأخر؟ قالوا بسبب موته. طيب، إنسان كان عاقل ونحن نعلم عليه بالعقل، وبالتالي عم يفعل كل الأحكام الشرعية، حادث سير أو شيء تسبب بجنونه، لما جن ارتفعت الأحكام الشرعية عنه؛ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ»، مش هيك النبي ﷺ قال؟ «...وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ». فإذا إنسان كان مكلفًا وكان عقله معه، كانت الأحكام الشرعية موجودة في حقه، لما أصيب بالجنون ارتفعت الأحكام الشرعية.

فهنا صح أنه ارتفع الحكم الشرعي الثابت بخطاب متقدم، لكن كيف ارتفع في حقه؟ هل هو بخطاب شرعي متأخر ولا بسبب جنونه؟ بسبب جنونه، صحيح؟ إذًا الأحكام الشرعية قد ترفع بسبب الموت، وقد ترفع بسبب الجنون، وقد ترفع بسبب خطاب شرعي متراخٍ. أيها يسمى نسخًا؟ ارتفاع الأحكام الشرعية بسبب خطاب شرعي متراخٍ، أما إذا ارتفع الحكم الشرعي بسبب جنون الشخص أو بسبب موته، فهذا لا يسمى نسخًا. وأظن هذا واضح لديكم.

قولنا متراخٍ عنه، أي متأخر في زمانه عن الخطاب الأول. وفيه احتراز من زوال الحكم بخطاب متصل بالخطاب الأول كالاستثناء أو الشرط أو الغاية. في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]. ما قبل "حتى" يفيد تحريم المطلقة ثلاثًا على زوجها على العموم، فجاء التخصيص بالغاية رفعًا لحكم العموم ومبينًا أن التحريم مغيّر إلى غاية محددة وهي أن تنكح زوجًا غيره، فمثل هذا لا يعد نسخًا بل تخصيصًا، فهو إلى البيان أقرب منه إلى الرفع.

من أدق المباحث المهمة أن يحسن الطالب التفريق بين التخصيص والنسخ. دائمًا في كتب الأصول ستجدون أن الأصوليين يهتمون أن يفرق الطالب بين التخصيص -اللي راح يجي معانا إن شاء الله في دلالات الألفاظ- وبين النسخ. ما هو الفرق بين هذين المفهومين؟ لأنه للوهلة الأولى قد يتوهم أنه التخصيص والنسخ شيء واحد، نفس الفكرة، لأن التخصيص أيضًا يرفع ويزيل جزءًا من الحكم الشرعي.

فما الفرق بين التخصيص والنسخ؟ الآن عندما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. لو قرأت أنت الآية إلى هنا: "فإن طلقها فلا تحل له من بعد"، وسكت، ما هو الحكم الذي ستأخذه؟ إنه خلاص راحت عليه، هذه التي طلقتها طلقة ثالثة ولا يمكن ترجع لك بأي طريقة من الطرق إلى يوم القيامة. هذا هو الحكم، إذاً يدل على عموم تحريمها الأبدي، على العموم لا تحل له بأي شكل من الأشكال.

الآن، هذا العموم تم تخصيصه بأداة من أدوات التخصيص وهي "حتى". لما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، هذه أعطتك فسحة أمل، إنه في حالة واحدة بقدر أرجعها فيها، إيش هي؟ إنه هي تروح تتزوج واحد ثاني، وهذا الثاني يطلقها، فبقدر أنا أرجع لها وأتزوجها مرة أخرى. إذاً، فإن طلقها فلا تحل له من بعد قبل مجيء التخصيص كانت الآية على عمومها، تشمل كل الحالات، لا يمكن بأي شكل من الأشكال ترجع، لما جاء التخصيص، التخصيص رفع شيئًا من العموم؛ كان التحريم أبدي، التخصيص رفع هذه الأبدية وأعطاك مساحة، فإذًا التخصيص.

ونستطيع نقول يقوم بشيء من الرفع، يقوم بشيء من ماذا؟ من الرفع، بس إيش الفرق بين النسخ والتخصيص؟ لماذا ما سمينا «حتى تنكح زوجاً غيره» ناسخة؟

إنه هنا التخصيص يكون مقترناً بماذا؟ بالعموم. فهو صحيح قام بعملية رفع جزئي، طبعًا هو رفع جزئي، قام بعملية الرفع الجزئي، لكن هذه العملية تمت مباشرة ابتداءً دون وجود أي فاصل زمني بين المقطع الأول والمقطع الثاني. لو أن الله سبحانه وتعالى قال هكذا -تخيل معي هذا السيناريو-: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾، نزلت الآية هنا وفقط، والصحابة بدأوا يعملوا في هذه الآية أن الذي يطلق زوجته ثلاثًا خلص راحت عليه ليوم القيامة. بعد سنة أو سنتين نزلت: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. هنا «حتى تنكح زوجًا غيره» راح نسميها تخصيصًا ولا نسخًا؟

نسخ؛ ليه؟ لأنه الحكم الأول استقر وانعمل فيه، وبعد سنة أو سنتين جاء ما ينسخ. طبعًا النسخ هذا فيه تفاصيل كثيرة، أحيانًا النسخ قد يكون نسخًا لكل الحكم، والنسخ قد يكون لجزء من الحكم، ما عندنا مشكلة في ذلك، فالنسخ لا يشترط فيه أنه يرفع كل الحكم السابق، هناك نسخ كلي وهناك نسخ جزئي.

فهذا المثال تذكروه واحفظوه جيدًا: لو أن الله سبحانه وتعالى أنزل ابتداءً على الصحابة: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ وانتهت الآية، والصحابة عملوا فيها سنة أو سنتين أو ثلاثًا، بعدين أنزل: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، لاعتبرنا هذا نسخًا بسبب وجود التراخي، لأن الحكم الأول استقر وتم العمل به فترة زمنية، بعدين الصحابة جاءهم الناسخ الذي عمل لهم هذا الاستثناء.

لكن هنا الذي حصل ليس هكذا. الذي حصل أنه من البداية لما نزل الحكم الشرعي العام ارتبط به المخصص، فالله عز وجل من أعطاك حكمًا عامًا ورفع جزءًا منه فلم يستقر الحكم العام، ثم بعد ذلك رفع شيءًا منه؛ من البداية نزل الحكم العام وهناك جزء منه مرتفع.

أعطيك مثالًا آخر: لو قلت لك أعطِ محمدًا عشرة دنانير، وأنت الآن رحت بدأت تعمل وتجيب مصاري عشان تعطيه عشرة دنانير، بعد ساعتين رجعت لك قلت لك: اسمع غيرت رأيي، أعطه عشرة دنانير إلا ثلاثة. هذا إيش رح نسميه؟ نسخ، صح؟ لأنه أولًا أنا أعطيتك حكمًا: أعطه عشرة دنانير، وأنت خلص رحت بدأت في الإجراءات وتعمل وكذا وكذا، فاستثناء الثلاثة هنا "إلا ثلاثة" هي نسخ؛ لأن الحكم الأول استقر وبعد مدة أنا شلت جزءًا منه.

لكن لو أنا من البداية قلت لك: أعطِ محمدًا عشرة إلا ثلاثة، هذا ما بنسميه نسخًا، بنسميه إيش؟ لأنه كأنك أنت من البداية مش قصدي أني أعطيه عشرة بعدين غيرت رأيي، لا، أنت من البداية بدك إياي أعطيه سبعة، فلما حكيت سبعة ما قلت أعطيه سبعة، قلت أعطه عشرة إلا ثلاثة، عاد ليش حكيتها كذا؟ مش موضوعي.

فإذاً التخصيص يسمى عند الأصوليين بيانًا. فالحقيقة التخصيص هو ليس رفعًا، التخصيص هو بيان لمراد المتكلم، وأما النسخ فهو رفع. لماذا؟ لأنه لما قال ربنا: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾... بدي أسألك سؤال، اقرأ الآية كاملة: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. هل مراد الشارع أنه إذا طلقها فلا تحل له من بعد أنه يحرمها مطلقًا، ثم أراد أن يستثني هذه الحالة؟ ولا من البداية مراد الشارع استثناء هذه الحالة؟

الله سبحانه وتعالى من البداية هو يريد استثناء هذه الحالة، هو مش قرر عليك لا تتزوجها أبدًا أبدًا بعدين رجع استثنى هذه الحالة، لا، هو من البداية يريد أن يستثني هذه الحالة. فهذا الاستثناء، هذا التخصيص هو في الحقيقة ليس رفعًا لشيء كان ثابتًا، هو في الحقيقة بيان لمراد المتكلم سبحانه وتعالى، فلا نسمي التخصيص رفعًا، نسميه بيانًا.

وأما النسخ فهو رفع؛ لأن الحكم ثبت، ودخل على الواقع، وبدأ العمل به، ثم بعد ذلك جاء النسخ له، فهذا فعل عملية رفع وليست بيانًا لمراد الشارع، وليس بيانًا لمراد الشارع لأن مراد الشارع كان أن يعمل بالحكم كما هو، ثم بعد ذلك لما انتهت صلاحية الحكم الأول أراد الله أن يعطي حكمًا آخر أنفع لمرحلة أخرى من مراحل النظام الإسلامي.

فهمنا؟ لذلك قلنا إن النسخ يختلف عن التخصيص في عدة أشياء، بس النقطة التي تهمنا هنا أن النسخ يكون متراخيًا زمنيًا، الناسخ يكون متراخيًا عن الحكم المنسوخ، وأما التخصيص فلا، بده يكون متصلًا. طبعًا لما نقول متصل مش المراد متصل في نفس الآية، قد يكون متصل في نفس الآية مثل هذه الحالة، وقد يكون متصلًا في نفس المدة الزمنية وإن كان نزل في آية أو سياق آخر.

مثلًا: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. الآن المطلقات، المرأة المطلقة على عموم هذه الآية ماذا ستأخذ منها؟ إن المطلقة عدتها ثلاث حيضات. أنا لو بدي أطبق هذه الآية على عمومها يا شيخ شو راح يصير؟ إنه هذه بتشمل المطلقة سواء كانت حاملًا ولا غير حامل، بس إحنا بنعرف إنه المطلقة الحامل عدتها مش ثلاث حيضات، أصلاً المطلقة الحامل في العادة ما بتحيض، عدتها هو وضع الحمل.

طيب من وين أخذنا هذا؟ من آية سورة الطلاق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. فبقولوا إنه آية سورة الطلاق ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ هي مخصصة لعموم آية ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.

طيب كيف مخصصة يا شيخ؟ ليش مش ناسخة؟ مش هذه في سورة وهذه في سورة؟ صح هيك واحد بيقول لك ليش مش ناسخة؟ مو هذه آية ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أي سورة؟ البقرة، و﴿أُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي سورة؟ الطلاق، إذاً في تراخي.

نقول هذه الآية ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ لم يثبت أن الصحابة كانوا من البداية يقولون أن المرأة الحامل عدتها ثلاثة قروء، فلما نزلت ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ إما أن تكون هذه الآية نزلت مقارنة لتلك الآية زمنياً، ما في شيء فاصل زمني بينهم، أو يكون هناك حديث نبوي متداول بينهم أن المرأة الحامل حتى تضع الحمل، وتكون الآية أكدت لما هو موجود ومتداول بين الصحابة.

حتى أقرب لك الصورة، خلص أنت اعتبرها الافتراض الأول أنه آية ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ نزلت قبل أن يعمل بآية ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فوقع التخصيص؛ لأنه لو أن آية ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ لو كانت نزلت وبدأ العمل بها بعد أن استقر عموم الآية الأولى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ لكانت هذه الآية ناسخة، بس ما أحد من الفقهاء، أو فيما أعلم على الأقل، ما أحد بيقول إنها ناسخة، الكل...

يقول إنها مخصصة لآية البقرة، إذاً هذا يدل أنها نزلت في مدة زمنية واحدة. أنا قلت هذا فقط حتى لا يُظن أن المخصص لازم يكون متصلًا مع العموم في نفس الآية، لا، ممكن يكون في نفس الآية كما سيأتي معنا إن شاء الله، ويمكن يكون في موطن آخر، بس المهم لم يستقر الحكم الأول حتى كان المخصص معه. إذا استقر الحكم الأول ثم جاء شيء يخصص، هذا لا يسمى تخصيصًا، يسمى نسخًا.

فهمتم هذه الحبكة الدقيقة؟ إذا استقر العمل بالحكم الأول على عمومه ثم جاء المخصص بعد ذلك بمدة، هذا لا يسمى مخصصًا، يسمى نسخًا وإن كان نسخًا جزئيًا، ما عندنا مشكلة. أما الفرق الأساسي بين التخصيص والنسخ أن التخصيص يكون مقترنًا زمنياً بالعموم، فلذلك يسمونه بيانًا، بيانًا لمراد المتكلم حقيقة. وأما النسخ فهو رفع؛ لأن المتكلم لما تكلم بالحكم الأول أراد أن يُعمل به على عمومه وإطلاقه، ثم بعد مدة زمنية من العمل به أراد أن يرفع الحكم الأول إما كليًا وإما جزئيًا.

نأخذ مثالًا؛ الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال، في الصفحة قبل الأخيرة، ماذا قال في آية المصابرة؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ and إِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: 65]. فالصحابة ابتداءً كانوا مأمورين بأن الواحد يثبت أمام عشرة من المشركين، كانوا مأمورين في المعركة أنه إذا كنت كمقاتل مسلم أمامك عشرة كفار ما يصير تهرب، بدك تقاتل، وإذا زادوا عن عشرة يطلع لك تهرب.

هكذا كان الحكم ابتداءً، في المعركة إذا كان قدامك عشرة لا يجوز الهرب وإذا هربت فهذا تولي يوم الزحف، وهي كبيرة، أما إذا قدامك أكثر من عشرة، أحد عشر أو اثنا عشر، يطلع لك تهرب، خلص الشرع يقول لك أكثر من هيك ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. هذا الحكم كان عاليًا على الصحابة الكرام، لكنه استقر ابتداءً مدة زمنية. ثم لما الله عز وجل رأى حال الصحابة الكرام -وطبعًا هو سبحانه يعلم الأمر من ابتداء لكن أراد أن يختبر إيمانهم ومدى انقيادهم لشرع الله- نزلت الآية التي تليها بعد مدة، ماذا قال؟ ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 66].

نزلت الآية التي تليها بعد مدة، بعد استقرار الحكم الأول، خففت الأمور شوي وعملت نسخًا جزئيًا ولم تعمل نسخًا كليًا؛ لأنها نزلت في مستوى المصابرة، فأصبح المسلم الواحد مطلوب منه أن يثبت أمام رجلين من المشركين، فإذا أمامك أكثر من اثنين يطلع لك تهرب، أما إذا أمامك اثنين أو واحد ما يطلع لك تهرب. الآن هذه الآية "الآن خفف عنكم"، هل هي نسخت الآية الأولى نسخًا كليًا لحكم المصابرة؟ لا، هذا نسخ جزئي؛ أنه كان المطلوب الثبات أمام عشرة فصار المطلوب الثبات أمام اثنين، فهذا نسخ جزئي.

إذًا النسخ يختلف عن التخصيص في ماذا؟ أولًا في المفهوم؛ التخصيص بيان، والنسخ رفع. ثانيًا، أن التخصيص يكون مقترنًا مع العموم، ولازم يكون مقترنًا، والمراد بالاقتران ليس بالضرورة أن يكونا في نفس الآية، بل المراد الاقتران الزماني، سواء كان في نفس الآية معه مثل ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، أو كان في سورة أخرى، المهم الاقتران الزماني قبل استقرار الحكم الأول. أما النسخ فيشترط فيه أن يكون متراخيًا زمانيًا عن الحكم الأول، لازم يكون في تراخي زماني.

هناك فرق ثالث يمكن أخذه من كلامي؛ التخصيص لا يكون إلا جزءًا من كل، أما النسخ فقد يكون كليًا يرفع كل الحكم السابق، وقد يكون جزئيًا يرفع جزءًا من الحكم السابق. إذًا هذه ثلاث فروق جوهرية بين مفهوم التخصيص وبين مفهوم النسخ: التخصيص بيان لمراد المتكلم، وأما النسخ فهو رفع. التخصيص يجب أن يكون مقارنًا زمنيًا للحكم الأول فلا يستقر الحكم الأول إلا والمخصص جاء معه، أما النسخ فبالعكس، يكون متراخيًا زمنيًا عن الحكم الأول، فالحكم الأول يكون استقر ثم يأتي الحكم الثاني ناسخًا له. ثالثًا، النسخ قد يكون جزئيًا وقد يكون كليًا، أما التخصيص فلا يكون إلا جزئيًا؛ فما في فائدة إذا كان كليًا، فما عاد اسمه تخصيصًا أصلًا.

فهذا معنى قولنا هنا: "متراخيًا عنه"، أي متراخيًا في زمنه عن الخطاب الأول، وفيه احتراز من زوال الحكم بخطاب متصل بالخطاب الأول. اكتب الآن: ليس لازمًا من الاتصال أن يكون في نفس الجملة، المراد بالاتصال هو الاتصال الزماني، بخطاب متصل أي اتصالًا زمانيًا بالخطاب الأول، سواء كان كالاستثناء أو الشرط أو الغاية، أو قد يكون في آية أخرى.

ففي قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، ما قبل "حتى" يفيد تحريم المطلقة ثلاثًا على زوجها على العموم في كل الصور والحالات إلى يوم القيامة، فجاء التخصيص بالغاية وهي "حتى"، رافعًا حكم العموم ومبينًا أن التحريم موقوف على غاية محددة، أي مرتبط بغاية محددة وهي أن تنكح زوجًا غيره، فإذا نكحت زوجًا غيره يجوز لك أن تعود إليها وتنكحها، فمثل هذا لا يعد نسخًا بل تخصيصًا، فهو إلى البيان أقرب منه إلى الرفع.

هذا تعريف النسخ: رفع حكم شرعي ثابت بخطاب متقدم بواسطة خطاب شرعي متأخر متراخٍ عنه. إياك تنسى كلمة "متراخٍ عنه"؛ لأنها هي مربط الفرس في التفريق بين النسخ والتخصيص. فعندي في النسخ خطابان؛ خطاب أول وخطاب ثاني، والخطاب الثاني الناسخ لازم يكون متراخيًا زمنيًا عن الخطاب الأول؛ عندي آية نزلت واستقرت، ثم جاءت آية أخرى رفعت أو نسخت الآية الأولى، أو عندي حديث نبوي موجود استقر وعمل به، فجاء بعد ذلك حديث آخر بعد مدة زمنية نسخه. هذه فكرة النسخ، نأتي الآن إلى قواعد النسخ في الشريعة.

وقوع النسخ في الشريعة. النسخ جائز عقلًا وواقع سمعًا باتفاق المسلمين. هذه المسألة يقولون فيها: النسخ من حيث العقل، هل في شيء عقلي يمنع أن يكون هناك نسخ في الشريعة؟ لا، من حيث الجواز العقلي أولًا؛ العقل يجوز أن الله سبحانه وتعالى ينسخ بعض أحكامه، ليس مستحيلًا عقليًا.

ومن حيث الوقوع، هل وقع النسخ في الإسلام؟ ينقلون الإجماع في كثير من الكتب، وبعضهم ينقل وجود خلاف شاذ. لكن للأسف اليوم نجد تيارًا معاصرًا من بعض دكاترة الجامعة في أقسام التفسير وما شابه ذلك، يحملون راية أنه ما في شيء اسمه نسخ، وأنه هذه فكرة غير صحيحة وناتجة عن سوء تصور. حقيقة هذا الكلام يجب أن ينتبه له، لأنه ليس سهلًا أن تأتي وتقول أمام الناس: ما في شيء اسمه في الشريعة نسخ، وكل ما تصورتوه أنه نسخ له توجيه، ويبدأ يعطيك توجيهات وآراءه لهذه الآيات التي ادعى أنها منسوخة في وجهة نظره، أو الأحاديث التي ادعى أنها منسوخة.

تلاحظ أن هذا الكلام مخيف نوعًا ما؛ لأننا نجد في كتب الأصوليين نقل إجماع على وقوع النسخ. وحتى ما قيل عن أبي مسلم الأصفهاني أنه أنكر النسخ، قال السيوطي: هو لم ينكر النسخ، هو سماه اسمًا آخر، لكنه ما أنكر النسخ. فبالتالي ليس سهلًا باختصار، هل الموضوع اجتهادي لهذه الدرجة؟ أن أقول بالنسخ وأنت لا تقول بالنسخ، يعني مسألة اجتهادية؟

أنا لا أريد أن أكون شديدًا، لأن كلمة إجماع أيضًا أنتم عارفين عندما ندعي الإجماع فقد كذب كما قال أحمد بن حنبل، فليس سهلًا أقول في إجماع، لكن السواد الأعظم من علماء الأمة، علماء المذاهب الأربعة، وافقوا على أن النسخ موجود. فلا تستعجل في تبني وجهة نظر مخالفة للمذاهب الأربعة؛ فعندك مذهب الحنفية، مذهب المالكية، مذهب الشافعية، مذهب الحنابلة، مذهب الظاهرية، كل المذاهب مقررة أن هناك نسخًا.

فأن يخرج شخص معاصر، أو تيار معاصر، يقول: ما في شيء اسمه في الشريعة نسخ، وكل ما ادعي أنه نسخ هذا فهم مغلوط، أنا أعتبر فيها شوية جرأة، على الأقل أعتبر أن فيها شوية جرأة وإن صدرت من بعض الأفاضل؛ لأنه في النهاية إن شاء الله يكون معذورًا في اجتهاده، لكن فيها جرأة زائدة لأنك تخالف ما استقر عليه عمل جماهيري، على الأقل علماء الأمة.

قال الميرداوي في التحبير شرح التحرير: «والحق الذي لا محيد عنه ولا شك فيه جوازه»، أي النسخ عقلًا وشرعًا. وقال أبو الوليد الباجي: «كافة المسلمين على القول بجواز النسخ». انظر ماذا يقول أبو الوليد الباجي: «كافة المسلمين على القول بجواز النسخ». طبعًا هنا قد لا يعتبر دليلًا قويًا على المخالف؛ لأنه يقول كافة المسلمين على جواز النسخ، ولكن هل وقع ولا ما وقع؟ هنا خلافنا. فالمخالف لنا لا يقول إن النسخ غير جائز، يقول هو جائز، ولكن هل وقع؟ يقول ما وقع.

وقال ابن النجار في شرح المختصر: «وأما الوقوع فواقع لا محالة، وورد في الكتاب والسنة قطعًا». إذن انظر، ابن النجار يقطع في المسألة، يقول: «وأما الوقوع فواقع لا محالة»، والكلام هنا ليس عن الجواز العقلي، بل الكلام عن الوقوع. قال: «وأما وقوع النسخ في الشريعة فهو واقع لا محالة، وورد في الكتاب والسنة قطعًا». فأنا أريد أن نتفق أن هذا الأصل لا يناقش في وقوع النسخ.

أين يمكن أن يصير خلاف بيني وبينك؟ في بعض الأمثلة الجزئية. وقع خلاف بين العلماء: هل هذه الآية تعتبر ناسخة ولا ليست ناسخة؟ يقع خلاف في الجزئيات، أما كفكرة وقوع النسخ، فالأصل أن الجميع نتفق أن هذه فكرة معقولة ومقبولة.

والذين كانوا ينكرون النسخ، من هم؟ أصلًا كدين اليهود، هذا من طبيعة اليهود. اليهود ينكرون النسخ؛ لماذا؟ لأنهم يعتقدون أننا إذا قلنا بالنسخ فإننا نقول بالبداء على الله. قالوا: إذا أنتم تقولون إنه يجوز نسخ شيء من الشريعة، فأنتم تقولون بالبداء على الله. وما هو البداء؟ أن الله بدا له شيء لم يكن يعرفه سابقًا.

لما كان النبي ﷺ يصلي ببيت المقدس ستة عشر شهرًا، لماذا ينسخ؟ ولماذا يؤمر أن يتوجه إلى الكعبة؟ قالوا هذا بداء. ومعناه أن الله عز وجل -والعياذ بالله- كان جاهلاً بالمصلحة ثم ظهرت له المصلحة بعد ذلك في الحكم الثاني. فلذلك اليهود يقولون نحن لا نجوز النسخ، لأننا إذا قلنا إن هناك شيئًا من الشريعة ينسخ، إذن نحن نقول بالبداء على الله، أن الله كان جاهلاً بالمصلحة ثم ظهرت له فألغى الحكم السابق وجاء بحكم جديد.

لكن نحن كمسلمين نقول: لا، من قال لك هذا الكلام الفارغ؟ بالعكس، النسخ له فلسفة ومعقولة تليق بجلال الله وكماله. ما هي؟ أن الحكم الأول لما نزل، نزل لمصلحة في علم الله سبحانه وتعالى تنتهي للصحابة في زمن معين. فلما انتهت مصلحة هذا الحكم، مثلًا الصلاة لبيت المقدس ستة عشر شهرًا، الله بواسع علمه يعرف أن هناك مصلحة أن يصلي الصحابة لبيت المقدس ستة عشر شهرًا، ثم يعرف سبحانه بواسع علمه أن المصلحة أن ينتهي هذا الحكم الآن، وتتجدد مصلحة جديدة تتطلب حكمًا جديدًا ينسخ الحكم السابق.

فإذن فكرة البداء كليًا هي غير متصورة على الله، فالله واسع العلم سبحانه وتعالى يعرف أن هذا الحكم له مدة معينة لصلاحيته، ثم ستأتي المصلحة لحكم آخر جديد. الفكرة أن الحكم المنسوخ انتهت صلاحيته، فهو في زمنه كان هو المطلوب وهو المقصود وهو المفيد، فلما انتهت صلاحيته أبدله الله بحكم آخر جاء في وقت مصلحته. فهل النسخ إذًا يقتضي البداء؟ لا.

فهمتم يا إخوان ما الفرق بين اليهود وأهل الإسلام في النظرة لمفهوم النسخ؟ اليهود يعتقدون أن النسخ معناه أن الله كان جاهلًا بالمصلحة ثم ظهرت له المصلحة في الحكم الناسخ، ونحن نقول هذا غلط، بل الحكم الأول كان فيه المصلحة التامة في زمنه، فلما انتهت مصلحته أبدله الله بحكم آخر يصلح لزمن وحقبة أخرى. هكذا ننتهي من كل هذه الإشكالية.

نأتي الآن لشروط النسخ. إن الحكم على نص من الكتاب أو السنة بالنسخ أمر ليس بالهين.

وإنا وإن كنا نقول إن النسخ واقع، لكن ليس بالسهولة أن تثبت وقوع النسخ؛ لأنك تريد رفع حكم شرعي، وهذا قرار خطير. إنك تقول إنه في آية نسخت آية، أو آية نسخت حديثًا، أو حديثًا نسخ حديثًا، هذا قرار خطير لأنك تريد إلغاء حكم وتأتي بحكم آخر مكانه، فهو قرار ليس بالهين، نحن نتفق، لأنه يستلزم إبطال العمل بنص شرعي.

لذلك وضع العلماء مجموعة من الشروط ينبغي تحريرها قبل الحكم على النص بأنه منسوخ، حتى يضبط هذا الباب ولا يبقى مفتوحًا لكل دعوى. اقتصر الناظم على ذكر ثلاثة ضوابط للنسخ، وهي: شروط نسخ كونه إن شاء تعذر الجمع تراخ جاء. هنا الشيخ عامر ذكر ثلاثة شروط للنسخ: كونه إن شاء، تعذر الجمع، تراخ جاء. طبعًا "تراخ جاء" هذه أصلًا نحن أخذناها من التعريف، فارتحنا من شرحها مرة أخرى، لكن يهمنا أن نشرح الضابط الأول والثاني.

الضابط الأول: النسخ يدخل على الإنشاء لا على الخبر. هذه أول شرط من شروط ادعاء النسخ؛ أن النسخ لا يدخل إلا على الإنشاء، ولا يدخل النسخ على الأخبار. الآن أنتم تعرفون أن الكلام العربي ينقسم إلى ماذا؟ إلى خبر وإلى إنشاء.

الخبر هي المعلومة التي تحتمل أن تكون صادقة ويحتمل أن تكون كاذبة، وأما الإنشاء فهي ليست معلومة تحتمل أن تكون صادقة أو كاذبة، الإنشاء هو طلب؛ إما أمر وإما نهي، وله صور أخرى تدخل فيه، بس أنت في علم أصول الفقه يكفيك أن تفهم أن المراد بالإنشاء هنا هو الأمر والنهي، اكتب حتى لا تنسى، المراد بالإنشاء هنا كعلم أصولي، هذا الذي يهمنا: الأمر والنهي وما كان في معنى الأمر والنهي.

فالآن النسخ يأتي على القرآن والسنة؛ ونصوص القرآن والسنة فيها إخبارات، كالإخبار عن قصة بني إسرائيل، والإخبار عن قصة موسى، والإخبار عن قصة نوح، والإخبار عن الأمم السابقة، وفي نصوص الكتاب والسنة ما هو؟ أوامر ونواهي. فهنا السؤال: هل يعقل أن يدخل النسخ على الخبر؟ أم أن النسخ فقط يكون في الأوامر والنواهي؟

النسخ لا يكون إلا في الأوامر والنواهي. لماذا؟ من يحكي لي لماذا بالعقل والمنطق؟ لماذا لا يمكن أن يكون الخبر منسوخًا؟ أحسنت، والبادئ كان عندك إضافة؟ أحسنت. لو الآن الله عز وجل في القرآن أخبر أن موسى عليه السلام فعل كذا وكذا، أنه قتل الفرعون عندما استصرخه، هل يمكن لهذه القصة، هذا الخبر، أن يُنسخ وتأتي آية أخرى تقول لا، لم يقتل موسى الفرعون؟ لا يمكن، لماذا؟ لأنه معناته المعلومة الأولى كانت خطأ، وهنا يأتي البديل الذي يتحدثون عنه؛ هذا معناته أن الآية الأولى كانت خطأ والآية الثانية تعديل للمعلومة، هذا معنى النسخ في الخبر، وهذا لا يمكن، لأن النسخ في الأخبار يستلزم أن تكون المعلومة الأولى خطأ وتم تعديلها بمعلومة جديدة.

فلذلك النسخ لا يكون إلا في الإنشاءات، يعني في الأوامر والنواهي؛ أن ربنا يأمر بأمر ويكون له مصلحة لمدة زمنية، مثل: «توجهوا إلى بيت المقدس»، ثم يُنسخ بعد ذلك فيقول: «توجهوا إلى الكعبة»، مثل آية المصابرة: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْحَثُوا عَن مَّآءٍ فِي مَوَاضِعِ شُرْبِكُمْ ۚ وَأَن تَأْكُلُوا الطَّيْرَ﴾ [النساء: 43]، والمعنى الضمني في قوله: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 65]، هي أمر بأن الواحد لا يفر من عشرة، فلما صعب ذلك عليهم خفف فقال الواحد لا يفر من اثنين.

فإذًا النسخ لا يمكن أن يكون في خبر، لأنه إذا انتُسخ الخبر فمعناته أصبح هناك غلط في المعلومة الأولى، وهذا يستحيل على الله أن يعطيك معلومة غلط، أو على النبي ﷺ أن يعطيك معلومة خاطئة. أما الأوامر والنواهي فهي لا تحتمل الصدق والكذب، يعني لو قلت لك: «صلِّ إلى بيت المقدس»، هل تقدر تقول لي هذه جملة كاذبة؟ أقول لك: ما علاقة الكذب؟ أنا أقول لك: «صلِّ»، أو «اضرب زيدًا»، هل تستطيع أن تقول لي «اضرب زيدًا» جملة كاذبة؟ لا يوجد أحد يوجه للأمر والنهي أنه صدق أو كذب، فالأمر والنهي يقبل أن يُنسخ لانتهاء مصلحته. أنا ممكن أقول لك: «أعطِ زيدًا عشرة دنانير»، وبعد قليل أغير رأيي وأقول لك: «لا تعطه»، لا أحد يقول لي شيء، هذا حقي في النهاية. لكن لو قلت لك: «زيد جاء اليوم»، وبعد قليل قلت لك: «لا، زيد لم يأتِ اليوم»، ماذا ستقول لي؟ ستقول: معلومتك الأولى غلط. فإذًا واضح الفرق بين الخبر والإنشاء؛ فالنسخ لا يكون إلا في الإنشاء، في الأوامر والنواهي.

وهذا فرق رابع بس هيك على الاستطراد: الفرق الرابع بين النسخ والتخصيص، أن المخصصات قالوا تدخل على الأخبار أيضًا كما تدخل على الإنشاءات؛ فيمكن الله عز وجل يقول إن موسى فعل كذا إلا كذا، مثل سيدنا نوح حين قال: ﴿فَلَبِثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14]، هذا تخصيص وهذا خبر، ربنا يعطينا معلومة كم لبث؟ ألف سنة إلا خمسين عامًا، فالتخصيص يدخل على الأخبار ويدخل على الإنشاءات، أما النسخ فلا يكون إلا في الإنشاء. فكم فرق الآن صار بين النسخ والتخصيص؟ عندنا أربعة فروق.

نكمل: من شروط النسخ أن يكون النص المنسوخ قابلًا للتغيير على وجه لا يدل تغييره على وقوع الخطأ فيه ابتداءً. وبناءً على هذا اشترط الأصوليون في المنسوخ أن يكون إنشاءً، والإنشاء هنا أمر أو نهي، والإنشاء هي الجملة التي لا تحتمل الصدق والكذب مثل جملة الأمر والنهي، فهذه الجمل يمكن تغييرها بإبطال مدلولها الأول وتقرير مدلول جديد أصلح وأنفع للمخاطبين، وتغييرها لا يدل على وقوع خطأ أو سهو فيها ابتداءً، بل هو في وقت تشريعه كان متضمنًا لمصلحة المتعلق به، ثم تغيرت المصلحة المتعلقة به.

ما أمر به ابتداءً لمصلحة معينة يمكن أن يصبح منهيًا عنه في وقت آخر لمفسدة راجحة تتعلق به في ذاك الوقت، وما حُرم في وقت درءًا لمفسدة يمكن أن يصبح مأمورًا به في وقت آخر جلبًا لمصلحة راجحة؛ فهذه الأوامر والنواهي تتعلق بالمصالح والمفاسد. مثال: أمر الله نبيه ﷺ أن يصلي إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا في بداية هجرته إلى المدينة، لمصلحة تتعلق بتأليف قلوب أهل الكتاب ونحوها من المصالح التي يذكرها العلماء ويستنبطونها، ثم نسخ الأمر الأول وأمره أن يتوجه إلى الكعبة لمصالح راجحة جاءت بعد ذلك، ومنها ما نص عليه في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: 143].

«الرسول ممن ينقلب على عقبيه». الله سبحانه وتعالى أراد أن الصحابة يتوجهوا لبيت المقدس مدة، ثم يتحولوا إلى الكعبة. ومن مقاصد هذا النسخ أصلًا -حتى تشاهدوا مطلع الآية-: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142].

اليهود والمنافقون لم يعجبهم أن يحدث نسخ؛ فكانوا يقولون: كنتم تصلون لبيت المقدس، لماذا صرتم تصلون للكعبة؟ محمد صلى الله عليه وسلم يعبث بدينكم! هكذا بدأوا يروجون للدعاية. سماهم الله سفهاء. ﴿قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، ليس لكم علاقة، الله عز وجل يأمر بالتوجه مرة هنا ومرة هناك، وأنت وظيفتك يا مسلم أن تقول: سمعنا وأطعنا؛ ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: 143]. مَن لم يعجبه النسخ، فالله يريد أن يمتحن ليعرف ما في القلوب.

أما الجملة الخبرية التي تحتمل الصدق والكذب، فلا يصلح مدلولها للنسخ؛ لأن الإخبار عن شيء بأمر ما ثم إعادة نسخه بخبر آخر يدل على أن الخبر الأول وقع فيه الكذب سهوًا أو عمدًا، ولا يمكن حمله على اختلاف المصلحة، لأن الأخبار لا يتغير مدلولها مع تغير الزمان. فلا توجد مصلحة في أن أعطيك معلومة خاطئة ثم أعطيك معلومة صحيحة.

لو قلت لك يا موسى عليه السلام: "ضربته" ثم قلت "ما ضربته"، فليس من المصلحة أن أحكي لك "ضربته" ثم في مصلحة ثانية أحكي لك "ما ضربته"، هذا لا يمكن تصوره. فعلى سبيل المثال، لا يمكن أن يأتي نص قرآني في قصة موسى عليه السلام أنه فعل كذا، ثم يأتي نص آخر ينسخه، لأن هذا يستلزم وقوع الخطأ في الخبر الأول كما قدمناه.

تنبيه، ركزوا عليه قليلًا حتى نفهم، لأنه قد يحدث خلط عند بعض الطلاب في بعض القضايا. كثيرًا ما يأتي الإنشاء في كتاب الله عز وجل أو السنة النبوية في صورة الخبر. العرب أحيانًا تأتي بجملة خبرية من حيث الشكل، لكن مضمونها أمر أو نهي. فهذه الجملة الخبرية وإن كانت خبرية من حيث الصيغة، لكن يتطرق إليها النسخ باعتبار أن مضمونها أمر أو نهي.

مثلاً: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]. هي من حيث الشكل خبر، كأن الله يخبرنا عن المطلقات بأنهن يتربصن بأنفسهن، لكن أنت كإنسان متدبر للقرآن، تعلم أن الآية ليست في سياق إعطاء معلومة، بل في سياق إعطاء أمر. فالتقدير من حيث المعنى: أيها المطلقات، تربصن بأنفسكن ثلاثة قروء. هنا الأمر لم يأتِ بصيغة الأمر، بل أتى بصيغة جملة خبرية، وهذا كثير في القرآن.

وكذلك: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233]. وكذا: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: 234]. هي كلها أخبار لكن مضمونها أمر. فهذه تقبل النسخ لأن العبرة بالمضمون وليس بشكل الأفعال المستعملة في الآية. فقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ هي جملة خبرية من حيث اللفظ، لكنها في المعنى جملة طلبية تأمر المرأة المطلقة أن تعتد بثلاث حيضات، فهذا النوع من الجمل الخبرية يمكن نسخه باعتبار معناه الطلبي.

الضابط الثاني: إذًا أول شيء أن النسخ يكون في الإنشاء وليس في الخبر. الشرط الثاني: لا نسخ مع إمكان الجمع. ذكرنا فيما سبق أن هذه قضية يجب أن تفهمها جيدًا، أكتبها الآن وافهمها لأنها في كتب الأصوليين القدامى ليست واضحة تمامًا، وأظن أن هذا تحرير جيد حتى لا يلتبس الأمر عليك.

إخواني، أنا أقسم النسخ -بناءً على الاستقراء وإن كانوا لا ينصون عليه بهذه الطريقة- إلى قسمين: نسخ نصي، ونسخ اجتهادي. طبعًا أنا أقول إنهم فاهمون هذا ضمنيًا في كلامهم، لكنه ليس مقسمًا بهذه الوضوح للطالب المعاصر.

النسخ النصي: هو أن يخبرك النص أنه ناسخ لما قبله دون حاجة إلى اجتهاد منك. مثل قوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، فهذا ناسخ لأحاديث سابقة كانت تنهى عن زيارة القبور، هل هذا محتاج لاجتهاد العلماء ليعرفوا وجود النسخ؟ لا، فالنص نفسه يقول لك: أنا ناسخ لشيء متقدم. كقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: 66]؛ فكلمة "الآن خفف الله عنكم" بعد الآية السابقة تخبرك أن هذه الآية ناسخة للآية السابقة، فلا داعي لأن تحاول الجمع بينهما، فالنص بحد ذاته يخبرك أنه ناسخ، فالأمر محسوم. ومثل ما قال النبي ﷺ في شأن النساء: «كنت أذنت لكم في كذا...».

أما النسخ الاجتهادي: فهو عبارة عن نصين، حاول الفقيه الجمع بينهما لأنهما متعارضان ولم يستطع الجمع، فيلجأ عندئذ للقول بالبحث عن زمن النصين. فيقول: هذا النص نزل في السنة الأولى من الهجرة، وهذا النص نزل في السنة السابعة من الهجرة. والنص الذي نزل في السنة السابعة لم يقل: "يا جماعة أنا ناسخ للنص الأول"، لكنني أنا كفقيه في القرن الثاني أو الثالث أحاول الجمع بين النصين، فإذا لم ينجح، يصل الفقيه إلى قناعة اجتهادية بأنه نسخ، وهي قناعة اجتهادية في النهاية، لأنه قد يأتي فقيه أذكى منه ويستطيع الجمع.

ظهر لي أن النص الذي نزل في سنة سبعة هجري ناسخ للنص الذي نزل في سنة واحد هجري. سيأتي معنا هذا في مثال أن طلق بن علي سأل النبي ﷺ عن الوضوء من مس الذكر، فقال: «إنما هو بضعة منك».

نحن الحنابلة ماذا عندنا؟ في وضوء، صح؟ الحديث الأول حديث طلق بن علي؛ قالوا طلق بن علي متى رأى النبي ﷺ؟ قالوا جاء عند بناء المسجد فقط، وتعرف أن أول ما دخل المدينة كان في السنة الأولى من الهجرة، وصاحب النبي ﷺ في السنة الأولى، بالتالي هو متى سمع هذا الجواب؟ في السنة الأولى سمع أن النبي ﷺ يقول إن الذي يلمس ذكره ما عليه الوضوء.

أما أبو هريرة رضي الله عنه فقد روى حديث: «من مس ذكره فليتوضأ». وأبو هريرة متى صاحب النبي ﷺ؟ متى جاء إلى المدينة؟ سنة سبعة هجري. فالآن أتى الفقهاء، قالوا: في حديث سنة واحد هجري يحكي أن الذي يمس ذكره ما عليه الوضوء، وفي حديث سنة سبعة هجري يقول إن الذي يمس ذكره عليه الوضوء.

حاولت أن أجمع من هنا، لكن لم يضبط؛ فهو إما عليه الوضوء وإما ما عليه الوضوء، لا يوجد شيء في النص. طبعًا البعض قدر أن يجمع، وحتى تفهموا كيف، البعض ربطها بالشهوة؛ قالوا: حديث طلق بن علي «من مس ذكره» بدون شهوة، وحديث أبي هريرة «من مس ذكره» بشهوة.

حتى تعرف أنه في مسائل يقول العلماء فيها بالنسخ، ولكن هذا بالاجتهاد. بعض العلماء حاول أن يجمع ولم يضبط، فقال: إذاً حديث أبي هريرة ناسخ لحديث طلق. والسؤال: هل حديث أبي هريرة قال: «كنت أمرتكم بعدم الوضوء فتوضأوا»؟ لا، هو فقط أعطى معلومة: «من مس ذكره فليتوضأ». فأنا كفقيه حاولت أن أجمع فلم يضبط الجمع، فاضطررت أن أقول بالنسخ بعد علمي بتاريخ الحديثين. وممكن يجي عالم آخر يقول لي: لا، أنا لا أرى نسخًا، بل يمكن الجمع، فأقول: الحديث الأول محمول على عدم الشهوة، والحديث الثاني محمول على الشهوة.

فهذا أسميه نسخًا اجتهاديًا، يقبل أن أوافقك أو لا أوافقك عليه. فمهم جدًا أن النسخ النصي لا مجال فيه؛ إذا ثبت الحديث الناسخ، أنت ليس لك رأي، خلاص نص في المسألة. أما النسخ الاجتهادي فيقبل الاحتمال. وهنا ماذا قلنا في الشرط الثاني؟ ذكرنا فيما سبق أن القول بالنسخ يستلزم إبطال العمل بالمنسوخ والتمسك بالناسخ.

ومن أهم القواعد التي يقررها الأصوليون في هذا الباب أن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. دائمًا تسمعون في علم الأصول: «إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما». إذا كنت أستطيع العمل بالنص الذي نزل سنة أولى هجري وسنة سبعة هجري، فهذا أولى من أن ألغي النص المتقدم؛ أحاول الجمع. لذا متى أمكن الجمع بين النصين والعمل بهما من دون تعارض وجب القول بذلك ولا يُعدل إلى النسخ. أما إذا تعارض على وجه لا يمكن فيه الجمع بينهما، حينئذ نعدل إلى القول بالنسخ إذا توفرت شروطه الأخرى.

اكتبوا عندكم هذا الشرط المتعلق بالنسخ الاجتهادي، وهو الحالة الثانية. النسخ نوعان: نسخ نصي ونسخ اجتهادي. وهذا الشرط، وهو لا يجوز القول بالنسخ إلا عند تعذر الجمع بين النصوص، إنما يكون في النسخ الاجتهادي، النوع الثاني. أما النسخ النصي، فما دام ثبت الحديث الناسخ نصًا ونصه يقتضي النسخ، مثل: «كنت نهيتكم فزوروها»، فأنا هنا ليس لي رأي، الحديث نفسه يخبر عن نفسه.

قال القاضي أبو يعلى الحنبلي رحمه الله تعالى: «النسخ إنما يقع مع التعارض، وهو أن يعارض الناسخ المنسوخ، فأما إذا ورد شرعان لا يتعارضان فلا ينسخ أحدهما الآخر». وطبعًا هنا حتى نقيد كلام أبي يعلى، النسخ إنما يقع مع التعارض الذي لا يمكن الجمع فيه، هذا الذي يقصده؛ أما إذا أمكن الجمع فلا تعارض، هذا ما يريد أن يقوله.

مثال: روى البخاري عن أنس قال: «أمر بلال أن يشفع بالأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة». الآن الأذان تعرفون أنه مثنى، كما أخذنا في كتاب الأذان في العبادة، وأما الإقامة فهي مفردة، لا تتكرر: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، فقط جملة واحدة تتكرر، ما هي؟ «قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة». فإذا قال: «إلا الإقامة»، يعني إلا قولك: «قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة». فهذا هو المعروف عند جمهور الفقهاء أن الإقامة فردية، ويُباح تثنيتها.

قال ابن حجر: «وهذا الحديث حجة على من زعم أن الإقامة مثنى مثنى مثل الأذان». الحنفية رحمهم الله يرون أن الأفضل في الإقامة أن تكون مثنى مثنى مثل الأذان؛ يرون أن الإقامة مثنى مثنى: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، تكرر مثنى مثنى. لكن ابن حجر، وهو شافعي، يرى أن هذا الحديث حجة على الحنفية؛ فالنبي ﷺ أمر بلالًا أن يشفع بالأذان وأن يوتر بالإقامة إلا الإقامة، فكيف تقولون يا حنفية إن الإقامة الأفضل أن تكون مثنى مثنى مثل الأذان؟

الحنفية يجيبون على هذا الحديث بدعوى النسخ؛ يقولون حديث بلال منسوخ. أحد الأجوبة لديهم أن إفراد الإقامة كان أولًا، ثم نُسخ بحديث أبي محذورة. وأبو محذورة أسلم متأخرًا، والنبي ﷺ علمه الأذان وعلمه الإقامة، فقالوا لما علمه الأذان والإقامة علمه الإقامة مثنى مثنى مثل الأذان. فقالوا: بلال كان من أوائل الهجرة، وأبو محذورة جاء في الآخر وأسلم متأخرًا، وعلمه النبي ﷺ الإقامة مثنى مثنى، إذا كانت الإقامة الثانية التي علمت لأبي محذورة قد نسخت الإقامة الأولى التي علمت لبلال بن رباح. طبعًا الكلام ليس دقيقًا، ولكن هكذا هي وجهة النظر.

قالوا: وهو متأخر عن حديث أنس فيكون ناسخًا، وفي قول الحنفية إبطال لما دل عليه حديث أنس وتمسك بحديث أبي محذورة فقط. فهنا نحن نقول للحنفية هذا الكلام ليس دقيقًا، هذا التصور غير دقيق.

لكن أحمد بن حنبل رد على من ادعى النسخ في هذه الأحاديث بأن النبي ﷺ رجع بعد الفتح إلى المدينة وأقر بلالًا على إفراد الإقامة. هذا هو الرد؛ فأبو محذورة أصلًا في الفتح، والنبي ﷺ علمه الإقامة مثنى مثنى. لكن بلال بن رباح رجع مع النبي ﷺ بعد فتح مكة إلى المدينة، وبقيت إقامته كما هي فردية، ليست مثنى مثنى؛ فإذن لا يوجد أي دليل على أن حديث أبي محذورة هو ناسخ لحديث أنس؛ حيث أمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر بالإقامة، لأن بلالًا بقي على هذه الطريقة يؤذن. فالقول بأن حديث أبي محذورة ناسخ هو توجيه غير صحيح.

كيف نجمع بينهما؟ إذا كنت تقول إنه غير صحيح، فإذن يجب الجمع بينهما، وهنا يأتي دور العلماء لمحاولة الجمع بين حديث أبي محذورة وحديث بلال. فقد قال ابن قدامة المقدسي في المغني: «يحتمل أن النبي ﷺ إنما أمر أبا محذورة بذكر الشهادتين سرًا ليحصل له الإخلاص فيهما، فإن الإخلاص في الإسرار بهما أبلغ من قولهما إعلانًا، وخص أبا محذورة بذلك لأنه لم يكن مقرًا بهما حينئذ».

ابن قدامة يرى أن أبا محذورة إنما علمه النبي ﷺ الترجيع في الأذان، وهذا كلام عن الترجيع في الأذان ومضاعفة الإقامة لأمر خاص بأبي محذورة؛ لأنه أسلم متأخرًا، فأراد النبي ﷺ أن يثبت معاني التوحيد في قلبه، فأمره أن يكون الأذان ترجيعًا والإقامة مثنى مثنى حتى يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله»، يكون هذا زيادة رسوخ في معاني التوحيد في قلب أبي محذورة.

ما اقتناعك بتوجيه ابن قدامة من عدمه يرجع إليك، أنا لست هنا لأقول لك إن الكلام غير مقنع، أنا فقط في سياق أوضح لك كيف يحاول العلماء الجمع. لماذا لا نقول إن حديث بلال هو الأصل، وأبو محذورة إنما علمه النبي ﷺ الشفع في الإقامة من باب تأكيد معاني التوحيد في قلبه على وجه الخصوص، وليس هذا تشريعًا للأمة على وجه العموم؟ هذه إحدى طرق الجمع.

أنت ممكن كفقيه تخرج بوجه آخر، ومن الوجوه أن يقال إنه ما فعله بلال هو الأفضل، وما فعله أبو محذورة هو أحد الوجوه المباحة. هذا أيضًا من تخريجات الحنابلة؛ أنه لا داعي لسيناريو أن أبا محذورة أراد النبي ﷺ تعليمه معاني التوحيد، بل نقول إن بلالًا هو الملازم للنبي ﷺ كمؤذن أُمِر بالأفضل، وأما أبو محذورة فأُعطي وجهًا آخر من الأشكال، فمن عمل بالحديثين فهذا جائز وهذا جائز، وانتهت الأمور، لكن الأفضل هو ما كان أكثر حرصًا عليه ﷺ وهو فعل بلال.

هكذا رد على الحنفية في دعوى النسخ، وستجد هذا كثيرًا في كتب الاستدلال الفقهي. الحنفية قالوا بالنسخ، والحنابلة قالوا بالجمع، والشافعية قالوا بالنسخ، والمالكية قالوا بالجمع. هذا كله ضمن الاجتهاد، الذي لا يستطيع أحد أن يقول للآخر فيه إنك مخطئ بنسبة 100% لأنه موضوع اجتهاد في النهاية. وبناء على كلام ابن قدامة، يمكن الجمع بين الحديثين على وجه لا يقع فيه التعارض، فبطلت دعوى النسخ على رأي الحنابلة والجمهور.

الضابط الثالث أن يكون النص الناسخ متراخيًا عن النص المنسوخ. لقد شرحت هذا سابقًا؛ لابد أن يكون الناسخ متراخيًا زمنيا. فالتخصيص يبين أن مدلول اللفظ الخاص لم يكن مرادًا ابتداء من اللفظ العام؛ لذلك التخصيص بيان، وهو متصل يبين أن ما جاء في الخاص ليس داخلًا في العموم ابتداء. لذا يجب أن يأتي المخصص قبل العمل بالنص العام؛ لأنه إذا عُمِل بالنص العام قبل أن يأتي المخصص ثم جاء المخصص بعد العمل، لم يعد مخصصًا بل صار اسمه نسخًا.

بخلاف المنسوخ؛ فإن مدلوله كان مرادًا بالحكم ابتداء ثم رُفع بعد ذلك بالناسخ. وهذا يستلزم أن يكون الناسخ متراخيًا عن المنسوخ مدة يستقر فيها المنسوخ، أي أن الحكم المنسوخ استقر العمل به، ثم جاء الناسخ بعد ذلك ليرفعه إما كليًا أو جزئيًا.

إذن هذه ثلاث شروط للنسخ: النسخ يكون في الإنشاء لا يكون في الأخبار، والنسخ الاجتهادي لا يكون إلا بعد تعذر الجمع بين النصوص، أما النسخ النصي فهو حاسم. فبالتالي يا طالب العلم لا تستعجل وتقول هذا معارض وهذا ناسخ؛ اهدأ قليلًا، فهناك أوجه كثيرة من الجمع.

ثالثًا: الناسخ يجب أن يكون متراخيًا عن المنسوخ. هذه هي القواعد الثلاث، والدرس القادم إن شاء الله ندخل في قواعد باب النسخ. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.