دخولتسجيل الدخول

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

حياكم الله أيها الأكارم في درس جديد في التاريخ على النظم الصغير من مختصر التحرير بشرح الإيضاح والتقرير، نسأل الله عز وجل أن يبلغنا التمام.

الدرس الماضي تكلمنا عن حجية خبر الآحاد في الأحكام الشرعية، وعرفنا أن خبر الآحاد سواء كان مسندا متصل السند أو مرسلا منقطع السند يعتبر حجة عند الحنابلة بالشروط التي ذكرناها، وهو أن يكون الراوي مسلما عدلا ضابطا تمام، عاقلا، بالغا، لهذه الشروط الخمس التي ذكرناها.

بعد أن انتهينا من الكلام عن الحجية، نحن قلنا أي مصدر من مصادر التشريع أولا يتكلم عن ماذا؟ عن الحجية، بعد ذلك يتكلم عن طريقة التعامل معه.

بعد أن عرفنا أن الحديث النبوي أو السنة النبوية حجة بمتواترها وأحادها، ننتقل الآن إلى بيان كيفية التعامل معها، لكن هنا سنتكلم عن جزئية واحدة من جزئيات كيفية التعامل، وهو انقسام السنة إلى ثلاثة أنواع، قولية وعملية وتقريرية، ونعرف ما دلالة كل نوع من هذه الأنواع على الأحكام الشرعية، فقال بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، قال تقسيم السنة باعتبار نوعها، قال الناظم وما روي من سنة المختار قول وفعل سنة الإقرار.

إذاً وما روي من سنة المختار صلى الله عليه وسلم، فهو ماذا؟ قول، وفعل، سنة الإقرار، هو ثلاثة أشياء. هذا تقسيم للسنة باعتبار ماذا؟ نوعها.

التقسيم السابق اللي كنا نتكلم فيه الدرس الماضي تقسيم السنة باعتبار وصولها إلينا، هذا يهتم به في الحجية، أما هنا من حيث كيفية التعامل مع السنة تقسم السنة باعتبار نوعها إلى سنة نوعها قولي، وسنة نوعها فعلي، وسنة نوعها تقريري، قال تنقسم السنة باعتبار نوعها إلى ثلاثة أقسام كما سبق، قولية وفعلية وتقريرية، وفي هذا المبحث سنبين أحكام السنة الفعلية والتقريرية، أما أحكام السنة القولية فننسئها إلى حين الكلام عن مباحث الألفاظ.

طيب، الآن السنة القولية هذه لن نتكلم فيها هنا لأن الكلام في قواعد التعامل معها يتعلق بمبحث دلالات الألفاظ، سنتكلم هناك عن كيفية التعامل مع نص القرآن ونص السنة، إنه حتى القرآن هل تكلمنا عن قواعد التعامل معه؟ لا، أي شيء نص يتعامل معه وفق قواعد دلالات الألفاظ، وهذا مبحث خاص يتكلم فيه عن ألفاظ الأمر وألفاظ النهي والعام والخاص والمطلق والمقيد والمنطوق والمفهوم وهكذا.

أما هنا ما يهمنا أن نتكلم عن أحكام التعامل مع السنة الفعلية والسنة التقريرية، السنة الفعلية أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ماذا؟ فعلاً، فما حكم أفعاله؟ والسنة التقريرية أن يقر النبي صلى الله عليه وسلم على شيء ومر معنا تعريفها في الدروس الماضية، فما حكم إقرار النبي صلى الله عليه وسلم على شيء وما هو الحكم الذي يستنبط من تقريراته؟ فنبدأ بالسنة الفعلية، قال الناظم:

السنة الفعلية، قال الناظم: وفعله إن كان للعبادة فواجب وجاز ما للعادة إلا إذا اختص به أو كان من فعله لمجمل بيانا، فالحكم في المختص غير مشكلي والحكم في البيان حكم المجمل، إقراره دل على الجواز كذا الجبلي بلا احتراز.

تمام، الآن أفعال النبي عليه الصلاة والسلام التي كان يفعلها في حياته أيها الكرام لها صور عديدة، فهناك ما كان يفعله باعتبار العادة، فهو صلى الله عليه وسلم بشر يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق ويربي شعره ويفعل الأشياء التي يفعلها الناس باعتبار عادتهم البشرية، وهناك أفعال صدرت منه وهي خاصة به تسمى الخصائص، لا يجوز لنا أن نقتدي به في هذا مثل الزواج من أكثر من أربعة، لو شخص قال بدي أتزوج سبعة، ليه؟ ترى أقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام، شو بتقول له؟ يا أخي الله يرضى عليك، ليس هذا مكان الاقتداء، إذن في أفعال خصائص.

وفي أفعال صدرت منه صلى الله عليه وسلم للتشريع، طبعًا هناك الأفعال التي صدرت منه باعتبار بشريته، البعض يفصل فيها أكثر فيقول هناك أفعال جبلية وأفعال عادية، الأفعال الجبلية التي صدرت باعتباره بشرًا مثل أنه يأكل ويشرب ويذهب إلى دورة المياه وما شابه ذلك، الأفعال العادية هي الأفعال التي فعلها باعتبار العرب كأن يفرق شعره من المنتصف، وأن يضع بعض الأشياء على شعره، وأن يمشي بنوع معين من النعال، فهذه أمور تتعلق بماذا؟ بعادة العرب التي كان بينهم، فهذه كلها سنأتي الآن إلى أحكامها، ونعرف حكم الاقتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم فيها.

قال: لما كانت أفعال النبي صلى الله عليه وسلم تصدر منه باعتبارات متعددة، فتارة تصدر باعتباره رسولًا يبلغ حكمًا عن الله سبحانه وتعالى بهذا الفعل، وتارة تصدر منه باعتباره بشرًا، وتارة تصدر منه باعتباره قاضيًا أو أمير جيش.

نعم، أحيانًا بعض الأمور صدرت منه باعتباره أميرًا لجيش، فمثلًا في غزوة بدر لما نزل في مكان معين ابتداءً جاءه الحباب بن المنذر، فماذا قال له؟ يا رسول الله هذا منزل أنزلك الله إياه أم هي الحرب والمكيدة؟ فماذا قال؟ بل هي الحرب والمكيدة، فعرف أن هذا القرار قرار النزول هنا ليس تشريعًا من الله، وإنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره قائد جيش، فهنا الحباب بن المنذر أعطى لنفسه صلاحية نصح النبي عليه الصلاة والسلام، دعنا نغير الموقع، فهناك موقع أفضل منه، وفعلًا النبي عليه الصلاة والسلام قبل ذلك.

إذاً لاحظ الصحابة كانوا يدركون ليس كل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم كانت تصدر منه على وجه التشريع، في أفعال صدرت منه جبلةً، عادةً، باعتباره زعيم جيش، باعتباره مجتهدًا في أمر الدنيا، فهذا باب مختلف عن الأفعال التشريعية التي كان يفعلها ليشرع لنا، المهم كان لا بد من بيان حكم كل فعل من هذه الأفعال على حدة، حتى لا يلتبس الأمر على الناظر، فيحمل الفعل على غير المقصود منه.

جميل، والأصل العام الذي يرجع إليه في هذا الباب أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم محمولة على التشريع والتبليغ حتى يظهر خلاف ذلك، هذه القاعدة العامة الأساسية.

إذا القاعدة العامة أن ما هو الأصل في أفعال النبي عليه الصلاة والسلام؟ الأصل فيها التشريع حتى يثبت خلاف ذلك، متى أحتاج إلى هذا الأصل؟ إذا كان هناك فعل تصرفه صلى الله عليه وسلم وأنا متردد، هل صدر منه باعتباره مشرعا للتشريع أم صدر منه على وجه العادة؟ فالأصل نقول ماذا؟ أنه صدر منه للتشريع حتى يثبت خلاف ذلك.

لما قال في غزوة حنين من قتل قتيلا فله سلبه، الذي يقتل قتيلا من المشركين مباشرة، أغراض هذا القتيل خوذته وعتاده يؤخذ هدية للقاتل، النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يحفز الصحابة على الجهاد في غزوة حنين، فقال من قتل قتيلا فله سلبه، ايش السلب؟ السلب تعرفه اليوم في الجنود النظاميين اليوم، يكون الجندي المقاتل معه شنطة فيها منظاره وفيها جهاز اللاسلكي وفيها كذا، هذا يسمى ايش السلب؟ هذا غير الغنيمة، الغنيمة تختلف عن السلب، الغنيمة ما يكون مع الجيش من دبابات وسيارات، السلب هي الحقيبة والخوذة والأغراض الشخصية للمقاتل، ففي الإسلام إذا أنا قتلت كافر في المعركة السلب يكون لمن؟ للمسلم الذي قتله من باب المكافأة له على هذا على ما فعل.

فالنبي عليه الصلاة والسلام قال من قتل قتيلا فله سلبه، أعطاها قاعدة عامة في بداية الغزوة، اختلف الفقهاء بعد ذلك هل النبي عليه الصلاة والسلام لما تصرف هذا التصرف هل صدر منه هذا باعتباره مشرعا، فتعتبر الجملة جملة تشريعية لحكم أنه أي إنسان عبر التاريخ يقتل قتيلاً كافراً في المعركة فله سلبه، ولا صدر منه بإعتباره قائد جيش فقط من باب تحفيز الصحابة في هذه الغزوة على القتال، وليس أن هذا حكم شرعي؟ فهمتم؟

المالكية ذهبوا إنه هذا مش حكم شرعي، هذا سياسة منه صلى الله عليه وسلم، بالتالي يجوز لـ قائد الجيش في غزوة أخرى أن يقول لا، من قتل قتيلاً ليس له السلب، هذا مجرد سياسة بإعتباره قائد جيش.

الجمهور قالوا لا، قالوا هذه الجملة صدرت منه بإعتباره ليس قائد جيش، بل بإعتباره رسولاً يبلغ حكم الله، فهي قاعدة فقهية ثابتة أن من قتل قتيلاً من المشركين فسلب هذا القتيل للقاتل، رأيتم؟

الآن ما هو الأصل؟ أن يعتبر هذا بإعتباره قائد جيش، ولا بإعتباره مبلغ؟ آه، القاعدة اللي قلناها، إحنا بنقول للمالكية الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعلها على وجه التشريع، فدليلكم أو قولكم أنه فعلها بإعتبار قائد جيش يحتاج إلى حجة، فإن لم تأتوا بحجة فالأصل معنا أنها تشريع.

تفصيل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم:

أولاً، ما صدر منه بإعتبار الجبلة البشرية، كنوم وأكل وشرب وقيام وقعود، إذاً الجبلة يعني الفطرة، في أفعال يعملها أي إنسان بشر على كوكب الأرض، إيش الأفعال التي يفعلها كل بشر على كوكب الأرض؟ طعام، شراب، يمكن نقول القيام، القعود، المشي، إيش عندنا؟ النوم، هذه تسمى أفعال جبلية، أي يفعلها الإنسان بإعتباره فطرته البشرية، ومهما كان مكانه في كوكب الأرض.

فهذه الأفعال، نعم لم تصدر منه صلى الله عليه وسلم على وجه التشريع، بل باعتباره بشرًا، فحكم الاقتداء به فيها هو الإباحة، فلو قال شخص أريد أن أقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم بالنوم، نقول يباح ذلك، لكن هذا لم يفعله صلى الله عليه وسلم ابتداءً كتشريع، فعله باعتباره بشر.

الآن قد يأخذ بعد تشريعي من جهة أخرى، من جهة أن الإنسان إذا لم ينم أضر جسده فأدى إلى هلاكه، أو إذا لم يأكل، هذا باب آخر، لكن النوم كنوم لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام يقول يلا يا أمة الإسلام، أشرع لكم النوم، طب لم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم طعامًا ليقول يا أمة الإسلام من التشريعات المطالبين بها إيش؟ الطعام، إنه هذه الأمور أصلًا هو الإنسان يفعلها باعتباره ماذا؟ بشر، فهمتم؟

فهذه أمور جبلية، فحكم الاقتداء فيها هو الإباحة، نعم، كما نص على ذلك أكثر الأصوليين، وقد كان ابن عمر إذا حج يأخذ بخطام ناقته حتى يبركها حيث بركت ناقته صلى الله عليه وسلم تبركًا بآثاره.

ابن عمر رضي الله عنه حتى الأفعال الجبلية، مثلًا النبي صلى الله عليه وسلم نزل يقضي حاجته عند شجرة، ابن عمر كان يحب أن ينزل يقضي حاجته عند نفس الشجرة، الآن هذا اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أفعال جبلية، لكن هذا من تربية النفس على الاقتداء، وليس لأنه يستحب الاقتداء به في هذه الجزئية، فابن عمر كان يربي نفسه على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى في الجبليات، وهذا من كمال حبه، لكن هل هذا مما يسن أو يشرع لنا؟ أو خلينا نقول يسن أفضل، يسن لنا الاقتداء فيه؟ لا، وإنما يشرع الاقتداء على وجه الإباحة.

ثانياً، ما صدر منه باعتبار العادة، آه، باعتبار العادة، إيش ما الفرق بين العادة والجبلة؟ أحسنت، باعتبار عرف قومه، يعني في أفعال كانت العرب تفعلها، ما بتفعلها الروم ولا الفرس ولا الهند، بيفعلها مين؟ العرب، فالنبي صلى الله عليه وسلم فعلها ليس لجبلة بشرية، لأن الجبلة البشرية يعني كيف أصنف الفعل على أنه جبلة بشرية أو عرف؟ الجبلة البشرية يفعلها كل إنسان على كوكب الأرض، سواء في الشرق ولا في الغرب ولا في الشمال ولا في الجنوب، فمعقول هم بس أهل الأردن بيأكلوا؟ أنتم أهلكم في الصين بتأكلوا يا شيخ؟ هل يوجد طعام في الصين؟ هل ينامون في الصين؟ الإخوة في أمريكا، نفس الشيء، فهذه ليس لها علاقة بالبلدان وإنما علاقة بالفطر.

أما الأفعال العادية هي التي فعلها باعتبار عادة العرب، ولا يفعلها الروم والفرس أو الهنود أو ما شابه ذلك، فهذا أيضًا إذا فعله النبي صلى الله عليه وسلم باعتبار عادة العرب الأصل فيه أنه ليس تشريعًا، مثل لبس النعال السبتية، والنعال السبتية هي نعال مصنوعة من جلود البقر بعد أن ينزع عنها الشعر، كانوا يأتون إلى جلود البقر ينزعون عنها الشعر، بعد ما تذبح البقرة وكذا يأخذ جلدها يزيلون عنها الشعر ويستعملونه في صنع النعال، هذه نعال تلبسها العرب، فكون النبي صلى الله عليه وسلم يلبس هذا النوع من النعال هل نقول يسن لبس النعال المصنوعة من جلد البقر؟ لا، لأن هذا شيء فعله باعتبار طبيعة العرب.

أو ماذا قال؟ قال: والعمامة ذات الذؤابة، العمامة ذات الذؤابة، اللي هي لها ذيل من ورا، وربما العمامة ذات الذؤابة التي لها ذيل من الخلف، تعرفوا إخواننا جماعة التبليغ بيلبسوها كثير، بتكون لها ذيل إلى الخلف، الآن لأنه هذه نوع من العمامة، لأنه في عمامة تكون مثل تبعة الأوقاف عندنا اليوم هذه التي ليست لها ذيل، فهل نقول لبس العمامة التي لها ذؤابة سنة؟ هل نقول لبسها سنة؟ الأصل أن ذلك عادة، لكن لبس عمائم العجم نهي عنه من باب النهي عن التشبه بالعجم، وليس قالوا من باب أن لبس العمامة ذات الذؤابة سنة، لأنك ستجد النهي عن القلانس سواد العجم، هذا نهي عليه من باب آخر، ليس لأن ذات الذؤابة هي سنة، نعم.

قال ورغبته عن أكل الضب ونحوها، مثلا النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل الضب، هل نقول يسن عدم أكل الضب؟ لا، لأنه علل ذلك، ماذا قال لما لم يأكل؟ قال لم يكن بأرض قومي، يعني مش عادة الحجازيين.

أكل الضب، فأجدني أعافه. بس قبيلة أخرى بتأكل الضب؛ الضب جائز أكله، ما في مشكلة. نعم، فهذه الأفعال لم تصدر منه أيضاً على وجه التشريع، بل باعتبار العادة التي كانت سائدة في ذلك الوقت. فهذا النوع من الأفعال حكمه حكم الأفعال الجبلية، فهو على الإباحة.

فالاقتداء به فيها يكون على وجه ماذا؟ الإباحة. تمام، فهو على الإباحة أيضاً، كما نص على ذلك أكثر الأصوليين. طبعا لما نقول الإباحة حقيقة من باب فقه الواقع إلى هو على الإباحة ما لم يصبح سبباً لشهرة.

يعني أحياناً قد يكون في البلد طبيعة الثوب اللي لابسه النبي عليه الصلاة والسلام أو النعل ليس معروفا عند بلد معين. فإذا أنت قلت أنا بدي ألبس نفس نعل النبي عليه الصلاة والسلام إحنا بنقول نخشى أن يصبح هذا نوع من ماذا؟ من الشهرة. إنه كل أهل البلد رح يصيروا يتطلعوا عليك. إيه؟ هذا ليش لابس زي كده؟ أنت حتيجي تشرح لهم إنه النبي عليه الصلاة والسلام كان يلبس النعال السبتية.

يعني سيصبح هناك نوع من عدم التقبل. طب هذا باب أنت مش مأمور تقتدي به، هي واحد. ولبسك له جعله نوع شهرة وتفرد عن أهل بلدك. فهنا قد يصل الأمر إلى شيء من الكراهة إذا أدى إلى نوع من الفتنة، والنبي صلى الله عليه وسلم أصلاً نهى عن لباس الشهرة. فقد يقول شخص معقول شيء فعله النبي عليه الصلاة والسلام يكون لشيء شهرة؟

نقول فعله على وجه ماذا؟ فعله على وجه عادة العرب ما فعله تشريعاً. فتأتي أنت تنقل نفس التفصيل لإنسان مقيم في أوروبا أو في بلد آخر، قد تكون سبب في ماذا؟ في فتنته أو عدم تقبله للإسلام. إحنا بدنا في النهاية تقبل الإسلام يكون حاضراً، فلا تفعل أفعال تقتدي بها بمباح فتكون النتيجة شهرة تسبب فتنة لأهل مجتمعك، نعم لبلدك، نعم.

ما كان من أفعاله مختصاً به صلى الله عليه وسلم. النوع الثالث ما كان من الأفعال مختصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم. هناك أمور اختص الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فأوجب عليه أشياء وحرم عليه أشياء، صح. أوجب عليه أشياء لم يوجبها على الأمة، مثل وجوب الوتر وغير ذلك من الأمور اللي بعضها فيها خلاف. وهناك أمور حرمها عليه لم يحرمها على الأمة.

مثل إيش؟ حرم عليه ماذا؟ أحسنت، مثل التولي عن الزحف ولو كان وحده مثلاً. الثوم والبصل اختلف فيها. أن يقبل الصدقة، حرم عليه أن يقبل الصدقات، تمام. عموماً يعني سواء زكوات ولا غير زكوات، لا هذا شيء أباحه له.

طيب إذا في أشياء ربنا أوجبها على النبي عليه الصلاة والسلام لم يوجبها على غيره. في أشياء ربنا حرمها على النبي عليه الصلاة والسلام لم يحرمها على غيره. في أشياء ربنا أباحها للنبي صلى الله عليه وسلم وحرمها على الأمة مثل الزواج من أكثر من أربعة. هناك جملة هي تسمى كلها ماذا؟ الخصائص.

طبعا بدنا أعترف بإعتراف إن كثير من الخصائص الموجودة في كتب المتأخرين لا يوجد عليها دليل صحيح. بالتالي الخصائص لا تثبت إلا بنص. ما يجوز إنك تقول أي شيء خصيصة بناءً على كتب المتأخرين؛ لأن البعض صار يجتهد في إثبات الخصائص. يعني هيك إنت بعض العلماء المتأخرين هيك إشتهت المسألة، قال والله أظن إن هذه خصيصة فتكتب من خصائصه.

مثلاً قالوا من خصائصه عليه الصلاة والسلام مصافحة النساء الأجنبيات، بعضهم قال. وهذا حقيقة ما غريب يعني ولم يثبت فيه دليل، فمن أين أتيتم بهذا الكلام؟ ففي أشياء عليك تنتبه، كثير مما يذكر في كتب الخصائص عند المتأخرين لم يثبت أنه من الخصائص. فإذا تريد تقول هذا الشيء من خصائصه عليه الصلاة والسلام بدك تأتي بدليل صحيح.

فالمهم الأفعال التي تعتبر من خصائصه ما حكم أن نقتدي نحن بها؟ هذا بالتأكيد غير جائز، غير جائز مش مباح. ما يجوز؛ لأنه كونها خصيصة معناتها إحنا ليس لنا أن نفعلها، بس هنا بدي أنبه على دليل أو عفواً على مسألة أن الخصائص على نوعين في هذا الباب. الخصائص على نوعين: خصائص في الحكم، وخصائص في الفعل والحكم.

خلينا ناخذ الخصائص في الحكم فقط، وخصائص في الفعل والحكم، شو الفرق؟ الآن يقولون الوتر كان واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن خصائصه ماذا؟ وجوب الوتر. طب ما حكم إنه أنا أفعل الوتر؟ ما زال مشروعاً، فنقول هنا الخصيصة كانت له في إيه؟ في طبيعة الحكم مش في الفعل نفسه. فهذا النوع ما كان خصيصة له في الحكم أنا المطلوب مني أن لا أعتقد في الحكم ما كان عليه صلى الله عليه وسلم، فأقول الـ وتر كان واجباً عليه سنة علي.

فهنا بدك تنتبه لا يجوز أن تقتدي به في ماذا؟ في اعتقاد الحكم عليك، أما كفعل الوتر مشروع لي ومشروع له صلى الله عليه وسلم، لكن مشروع له على وجه ماذا؟ الوجوب، ومشروع لي على وجه ماذا؟ الاستحباب. فأنا أفعله وهو يفعله عليه الصلاة والسلام، لكن خصيصته أن لا أعتقد في حقي ما كان في حقه.

هنا الخصيصة أن لا أعتقد في حقي ما كان في حقه، فأنا أقول في حقي سنة وفي حقه واجب. أما النوع الثاني لا، الخصائص التي تكون في ماذا؟ في نفس الفعل والحكم مثل الزواج من أكثر من أربعة مثلاً. هنا لا الفعل يجوز أن أفعله ولا الحكم لي كالحكم له.

فلا أقتدي لا في الفعل أصلاً كل الفعل ما أصلح أن أفعله ولا في ماذا؟ في اعتقادي أن الحكم لي كما هو الحكم له، فهمتم الفرق بين البابين؟ حتى لا يختلط عليك الأمر.

قال فإن الله قد خصه بخصائص عن سائر أمته. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: خص النبي صلى الله عليه وسلم بواجبات ومحظورات ومباحات وكرامات. هكذا قال أحمد: خص النبي صلى الله عليه وسلم بواجبات دون الأمة، وبمحظورات الله حرمها عليه ولم يحرمها على الأمة، ومباحات أباحها الله له ولم يبحها للأمة، وكرامات، أكيد هذا باب الكرامات أيضاً من خواصه صلى الله عليه وسلم.

قال والخصائص النبوية نوعان: أن يختص بالفعل والحكم جميعاً، فلا يكون الفعل مشروعاً لأمته، ثم منه ما يحرم عليها فعله كالجمع بين أكثر من أربع في وقت واحد، ومنه ما يكره فعله كالوصال في الصيام.

جميل، لما نقول لا يشرع لنا أو لا يجوز لنا أن نقتدي به، هنا عدم الجواز إما أن يكون على وجه التحريم أو يكون على وجه ماذا؟ الكراهة. فالوصال هو أن يصوم الإنسان يومين وثلاثة لا يفطر أبداً. الوصال ما هو؟ أن يصوم الإنسان يومين وثلاثة بشكل متواصل، يصوم ثمانية وأربعين ساعة متواصلة أو يصوم اثنتين وسبعين ساعة متواصلة لا يفطر أبداً. ما حكمه هذا لنا؟ مكروه. ما حكمه له صلى الله عليه وسلم؟ مستحب.

تمام؟ فنقول هنا الوصال من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وأما نحن فلا يشرع لنا الفعل وحكمه يختلف عن حكمنا. لما نقول لا يشرع لنا الفعل، هل بالضرورة يفترض أن يكون حراماً؟ لا، ممكن يكون إيش؟ مكروه، حتى فقط نفهم هذه الجزئية.

أن يختص بالحكم دون الفعل، فيكون أصل الفعل مشروعاً لهذه الأمة، لكن يختص النبي صلى الله عليه وسلم بحكم زائد على أمته فيه، كالسواك والوتر وقيام الليل على قول من رأى وجوبها على النبي صلى الله عليه وسلم. قال هو واجب على النبي عليه الصلاة والسلام سنة علينا، وكذلك الوتر وقيام الليل. المشهور أنها واجبة عليه وسنة لأمته، نعم، وهي في حقنا مندوبة.

أربعة: ما صدر منه بياناً لمجمل. والآن بعض الخصائص إذا قلنا ما صدر منه على وجه الجبلة، ثانياً ما صدر منه على وجه العادة، وفي هذين النوعين حكم الاقتداء مباح. الثالث ما فعله على وجه الاختصاص، وهنا الاقتداء إيش؟ غير مشروع، الاقتداء غير مشروع، إما أن يكون محرماً أو مكروهاً.

الحالة الرابعة: ما فعله صلى الله عليه وسلم بياناً لمجمل. إيش يعني بياناً لمجمل؟ في القرآن وردت كثير من المجملات، جاء النبي صلى الله عليه وسلم بفعله يبين إجمالها. مثلًا الله عز وجل قال: وأقيموا الصلاة. من الذي بين مجمل هذه العبارة؟ النبي صلى الله عليه وسلم بأفعاله.

الله عز وجل قال: ولله على الناس حج البيت. من الذي بين لنا ما هو الحج الذي يريده الله؟ النبي صلى الله عليه وسلم بأفعاله. لذلك صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». كما أمر أصحابه أن يقتدوا بأفعاله في الحج. الأفعال اللي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم بياناً لنص مجمل ورد في القرآن.

ما حكم هذه الأفعال؟ قالوا: وهذا الفعل حكمه حكم المجمل الذي أتى لبيانه، فإن كان المجمل واجباً فهو واجب، وإن كان مندوباً فهو مندوب.

ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بياناً لمجملات القرآن يأخذ حكم المجمل الذي بينه. إذا كان فعل واجب في القرآن لكنه مجمل، جاء النبي صلى الله عليه وسلم يبين كيف يفعل هذا الفعل الواجب، فالأصل في أفعاله هنا ماذا؟ الوجوب، تبعاً للفعل الواجب. مثلاً: حجة الإسلام ما حكمها؟ فريضة. بالتالي الأصل في كل فعل من الأفعال التي فعلها في الحج أنه فرض؛ لأن هذا الفعل وقع بياناً لإيه؟ لمجمل. الآن المجمل ما حكمه؟ فرض. فالأفعال التي فعلها بياناً للمجمل ما حكمها؟ فرض.

حتى تأتي قرينة تدل على أن هذا الفعل سنة أو مباح. يعني إحنا أكيد في النهاية مش كل أفعال الحج اللي فعلها النبي عليه الصلاة والسلام فرض؛ في أفعال فعلها استحباباً، وفي أفعال فعلها إباحة. طب كيف أفرق؟ نقول: الأصل هكذا يقول الأصوليون، ماشي؟ هي قاعدة أصولية مهمة.

الأصل هذا معنى أنه هنا بدأ يعلمك كيف تتعامل مع هذا الدليل. الآن ورد عندي فعل فعله النبي صلى الله عليه وسلم بياناً لكيفية الصلاة، بيان لكيفية الزكاة، بيان لكيفية الحج، فنقول الأصل في كل فعل فعله بياناً لمجمل أن يأخذ حكم المجمل. فإذا كان المجمل الذي فسره بفعله فرضاً، فكل فعل من أفعاله المفسرة لهذا المجمل يعتبر فرضاً، حتى تأتي قرينة تدل على الندبية أو الإباحة.

وكل فعل فعله لبيان سنة، فالأصل أن يكون هذا الفعل إيه؟ سنة، حتى تأتي قرينة تدل على خلاف ذلك؛ لأن القرائن تحكم في النهاية.

المثال الأول: أوجب الله في القرآن قطع يد السارق. نعم، الله عز وجل ماذا قال؟ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]. لو نزلت هذه الآية بس عليك، تمام؟ لو نزلت هذه الآية، يا رب، الآن من أين ستقطع يد السارق؟ يعني بجوز ما شاء الله الأخوة يجتهدوا. فاقطَعوا أيديهما، واحد بيقول والله يا شيخ أنا شايف نقطعها من هون. واحد بيقول يا عمي نريحوه منها كلها بنقطعها من هون. واحد بيقول لا يا شيخ أنت مقصر، اقطعوا له إياها من هون، لأنه اليد تصلح من هنا ومن هنا ومن هنا.

إذا فاقطعوا أيديهما مجملة أنه يا رب من وين أقطع إيده؟ صح، أنتم ملاحظين وين الإجمال؟ أنه ربنا قال اقطع يد السارق، بس القرآن لم يبين من أين ستقطع يده. طب كيف عرف الفقهاء من أين تقطع يده؟ جاء النبي صلى الله عليه وسلم بفعله فبين من أين تقطع اليد، فكان إذا أتي بسارق قطعه من الكوع، تمام.

قال أوجب الله في القرآن قطع يد السارق، لكنه لم يحدد الذي يقطع منها، فبين لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا المقدار بقطع يد السارق من الكوع، فيكون قطع اليد من الكوع واجباً؛ لأنه وقع بياناً هنا. قطع اليد من الكوع هو الواجب؛ لأنه وقع هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم بياناً لحكم واجب، وهو وجوب قطع يد السارق، فأن تقطع من الكوع واجب، وأن تقطع أكثر من ذلك حرام.

المثال الثاني: أمرنا الله سبحانه أن نقف عند المشعر الحرام، التوجه إلى منى على سبيل المشعر الحرام في مزدلفة نعم على سبيل الاستحباب. والنبي صلى الله عليه وسلم بين لنا بفعله هيئة هذا الوقوف وصفته، فيكون فعله ندباً؛ لأنه وقع بياناً لمندوب.

جميل، بتعرفوا الوقوف بالمشعر الحرام ما حكمه؟ سنة. ماذا الله عز وجل قال في القرآن: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]، مش هيك الآية بتقول؟ فاذكروا الله عند المشعر الحرام. بس الآن ثبت بالقرائن أن ذكر الله عند المشعر الحرام في مزدلفة ما حكمه؟ سنة.

طب كيف نذكر الله عند المشعر الحرام؟ ما هي هيئة الوقوف؟ الآية ما ذكرت ذلك، صح؟ الآية إيش قالت؟ فاذكروا الله عند المشعر الحرام. ففي نوع من الإجمال كيف أؤدي هذه السنة يا رب؟ كيف أذكر الله عند المشعر الحرام؟ بدك إياني أطلع الجبل؟ لا. ولا بدك إياني أقف من تحت الجبل أرفع يدي؟ بدك إياني أستقبل القبلة؟ في نوع من الإجمال في كيفية أداء هذه السنة.

فلما نظرنا في فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وكيف أنه أين وقف وأين استقبل وما الأدعية التي قالها، فعله بين لنا كيف نؤدي هذه السنة. فما حكم هذه الأفعال التي بينت لنا كيف نؤدي هذه السنة؟ أنها سنة؛ لأن أفعاله وقعت بياناً لإيه؟ لمستحب، صح؟ وقعت بياناً لمستحب.

إذا الفعل المبين يأخذ حكم المبين. الفعل المبين يأخذ حكم المبين، إذا المبين واجب، الأصل في الفعل أنه واجب حتى تأتي قرينة على خلاف ذلك. ليش طبعا آتي بقرينة على خلاف؟

ذلك؟ لأن الحج واجب، والنبي صلى الله عليه وسلم بين كيف الحج. بس هل كل أفعاله في الحج نحكم أنها واجبة؟ لا، بس من خلال قرائن خارجية هي اللي عرفتنا ما الذي سيصنف على أنه واجب وما الذي سيصنف على أنه مستحب، لكن الأصل الوجوب، وما وقع بيانا لمستحب فالأصل فيه ماذا؟ الاستحباب.

خامساً، ما سوى ذلك من أفعاله صلى الله عليه وسلم؟ قلنا الجبليات، وقلنا العاديات، وقلنا الخصائص، وقلنا ما وقع بيانا لمجمل، بقي النوع الخامس، وهي أفعال فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء، ليست من الجبليات، وليست من العاديات، ولم تثبت أنها من الخصائص، ولم تقع بيانا لمجمل ورد في القرآن، هذه هي اللي وقع فيها الخلاف بين الفقهاء الأصوليين والمذاهب الفقهية؛ كيف يتعامل مع هذا النوع الخامس؟

فالحنابلة ما تقسيمهم؟ قال وهو نوعان: نوع علمت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة، إما بنص منه صلى الله عليه وسلم على ذلك، كأن يقول: «هذا الفعل الذي فعلته على الوجوب أو الندب»، أو تسويته بينه وبين فعل آخر معلوم الحكم، بأن يقول: «هذا مثل هذا» أو غير ذلك من القرائن الدالة على حكم الفعل. هنا قال الحنابلة: الحالة الخامسة ما فعله ولم يظهر صفته نوعان.

طبعاً أنا ما بدي أقول ما لم تظهر صفته، أقول ما فعله ولم يظهر أنه يعود إلى قسم من الأقسام السابقة. هذا النوع الذي فعله ولا يعود إلى قسم من الأقسام السابقة يقسم إلى قسمين: نوع فعله وصدر منه ثم هو بين حكمه بالنص، وهذا أراحك من كلفة البحث. قسم فعله النبي صلى الله عليه وسلم ثم هو مباشرةً أعطاك حكمه، فقال لك: «هذا الفعل الذي فعلته حكمه أنه واجب فرضاً»، أو قال لك: «هذا الفعل الذي فعلته حكمه أنه سنة»، أو قال لك: «فعلت هذا الفعل وهو نظير ذاك الفعل»، فألحقه وقاسه على فعل آخر فعله سابقاً وأنت تعرف حكم النظير.

فلذلك قال إنه نوعان؛ أولاً: نوع علم صفته من وجوب أو ندب أو إباحة إما بنص مباشر منه صلى الله عليه وسلم على ذلك، كأن يقول: «هذا الفعل الذي فعلته على الوجوب أو على الندب». الطريقة الثانية أن يسوي النبي صلى الله عليه وسلم بين هذا الفعل وبين فعل آخر معلوم الحكم، وحتى أقرب لك إياه كيف يسوي بينه وبين فعل آخر معلوم الحكم -وإن كان هذا في السنة القولية- بس حتى تقيسه.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يوم في رمضان في نهار رمضان قبل زوجته، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يصرخ: «يا رسول الله، هلكت يا رسول الله، هلكت»، قبل زوجته وهو صائم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أرأيت يا عمر لو تمضمضت بالماء وأنت صائم؟». ما الحكم؟ عمر قال: إنه ما فيها شيء، لو تمضمض وهو صائم فيه مشكلة؟ قال: لا. قال: «فهذه هي».

يعني حكم القبلة للصائم إذا لم تحدث إنزالاً حكمها حكم المضمضة بالماء، فعمر عرف حكم القبلة للصائم؛ جائزة إذا لم تحرك شهوته، كيف عمر عرف ذلك؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحقها بالمضمضة، فعمر فكر: المضمضة للصائم جائزة، كذلك القبلة جائزة إذا لم تحدث إنزالاً، أليس كذلك؟ فهذا يسمى قاس النظير على النظير، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد يفعل فعلاً ثم يقول هذا الفعل هو نظير ذاك، وأنت عارف الأصل ما حكمه، فبتعرف أن الفرع مثل الأصل.

ثانياً: نوع لم تعلم صفته، وهي الحالة الثانية من هذا النوع الخامس؛ نوع لم تعلم صفته فعلاً، لم ينص النبي صلى الله عليه وسلم على حكمه على وجه التحديد، لم يقل هذا واجب أو ندب أو إباحة، فهذا قسمان. قال وهو قسمان: أن يظهر قصد القربة منه فيحمل على الوجوب. الحالة الأولى أن يظهر بالقرائن أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد به التقرب إلى الله، فالحنابلة في المشهور من المذهب يحملون هذا الفعل على الوجوب، وهي مسألة فيها خلاف شديد بين المذاهب الفقهية.

الحنابلة ماذا قالوا هنا؟ قالوا إذا فعله النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينص على حكمه من وجوب أو ندب أو إباحة، وظهرت منه قرينة القربة، يعني واضح من القرائن أنه فعله على وجه التقرب إلى الله، فالمشهور عند الحنابلة والمالكية أيضاً أنه لا يحمل على الندب، بل يحمل على الوجوب. قال القرافي المالكي: «وهو المشهور في مذهب أحمد ومالك»، وهو الذي نقله أئمة المالكية في كتبهم الأصولية والفرعية، واختاره ابن السمعاني من الشافعية.

ومن أمثلة هذا النوع من الأفعال جلوسه صلى الله عليه وسلم بين الخطبتين، فليس فيه إلا فعله عليه الصلاة والسلام، وبعثه منادياً ينادي في صلاة الكسوف: «الصلاة جامعة». طبعاً هذه ذُكرت كأمثلة على قول من أقوال الحنابلة، ليس على المعتمد، هنا سنواجه مشكلة.

الآن ماذا نقول؟ ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ليس من الأصناف الأربعة السابقة، ولم ينص على صفته، وظهر منه قصد القربة. أنت شايف لما بدك تفكر في الفعل النبوي، بدك أول شيء تتأكد إنه مش جبلي، ولا عادي، ولا خصائص، ولا بيان لمجمل، تستثني هذه الأمور، بعدين إذاً هو من النوع الخامس. طيب من أي أنواع النوع الخامس؟ هل ذكر صفته في الحكم؟ هذا معنى ذكر صفته، يعني هل عرفت صفته من الحكم؟ النص ما نص على صفته في الحكم، إذاً دخلنا في التقسيم الأخير.

طيب هل ظهر منه قصد القربة في فعله أو لا؟ إذا ظهر قصد القربة في فعله فالأصل أنه للوجوب، إلا إذا جاءت قرينة تدل على خلاف ذلك. فالآن ماذا ذُكر من الأمثلة؟ من الأمثلة التي تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في فعله لخطبتي الجمعة يفصل بين الخطبتين بالجلوس. فالآن نقول هذا الفعل أنه يفصل بين الخطبتين بالجلوس؛ هذا فعل صدر منه، ليس جبلة، ولا عادة، ولا خصائص، ولا بيان لمجمل، وإن كان البعض ممكن يحوله لبيان لمجمل بطريقة ما، المهم ليس بياناً لمجمل، ولم ينص على حكمه بالتحديد أنني جلست استحباباً أو جلست وجوباً، ما نص.

يظهر منه قصد القربة ولا لا؟ والله هو أثناء عبادة، إذاً الأصل أن جلوسه كان لقصد القربة. فنقول ما حكمها؟ بالتالي بعد كل هذه الخارطة نقول ما حكم الجلوس بين الخطبتين؟ الأصل أن يكون ماذا؟ واجباً، الأصل أن يكون ماذا؟ واجباً.

لكن الحنابلة في المعتمد ما حكم الجلوس؟ سنة، لكن حتى أعدل لكم ممكن تكتبوا هذا؛ هو قالوا الجلوس هو وسيلة، لكن الواجب هو الفصل. فهم ما قالوا الجلوس هو بحد ذاته واجب، قالوا الواجب ما هو؟ ضرورة الفصل. إذا فعلته بالجلوس فعلته، ما حبيت تجلس أو شيء، ممكن تفصل بماذا؟ بالسكوت.

فهم أخذوا من هذا الفعل أنه ليس الجلوس بحد ذاته واجباً، أخذوا من هذا الفعل أن الفصل بين الخطبتين ولو بسكتة لطيفة هو الواجب، الآن حبيت تعمله وأنت جالس، حبيت تفصل بين الخطبتين وأنت قائم، بس لازم تفصل، ولا كيف بدنا نعرف أنه في خطبتين؟ كيف سنعرف أن هناك خطبة أولى وخطبة ثانية؟ أنت داعس للأخير، طب وين راحت الخطبة الثانية؟ ما راح تظهر إلا ولو بسكتة، فالجلوس بحد ذاته كجلوس ليس هو الواجب، لكن الواجب الذي أخذ من هذا الفعل ما هو؟ ضرورة الفصل، والجلوس وسيلة له، فإذا فعلت الجلوس والله مستحب، لأنك فعلت كفعله ﷺ، لكن الواجب كحد أدنى ضرورة الفصل ولو بسكتة خفيفة.

المثال الثاني إيش هو؟ وبعثه منادياً ينادي في صلاة الكسوف، الصلاة جامعة، هذا على القواعد الأصل يكون على وجه ماذا؟ الوجوب إذا بدنا نطبقه هنا. إيش قلنا الحنابلة أصلاً؟ إذا ظهر منه قصد القربة يحمل على الوجوب، لكن الحنابلة وجدوا في المعتمد أن القرائن تدل على أن مثل هذا النداء للاستحباب، يعني الأصل أن يكون واجباً لولا القرائن التي دلت عندهم أن مثل هذا لا يصل إلى حد الوجوب، وإنما يكون على حد الاستحباب، فهنا بدك تعتبر أنه في قرائن 100%، إخواني هذا ستجدونه.

كل ما يذكر في كتب الأصول هذه أقولها لكم إياها من الآن؛ كل ما يدرس في كتب الأصول هم يدرسون القواعد الأصلية، ثم بعد ذلك يقولون إلا إذا جاءت قرينة. فستكتشف أن القواعد الأصلية هي نقطة ارتكاز فقط، وإلا ما بعد ذلك هو اعتماد على ماذا؟ على القرائن. يعني ذكر القاعدة الأصلية هي نقطة ارتكاز لبدء التفكير، وإلا نادر جداً جداً جداً ألا تجد قرينة، سواء تؤكد الوجوب إذا كان واجباً، أو تنقلك من الوجوب إلى الاستحباب، فالشغل الحقيقي والذكاء الحقيقي هو أن تكتشف القرائن.

هذا هو العمل الحقيقي، وإلا أن نقول الأصل في هذا الوجوب مثلاً، مش هيك بيقولوا الحنابلة في كتبهم الأصولية، لكن لما تيجي تطبق كثير من الأمثلة ما حملوها على الوجوب، مع أنها من فعله ﷺ وظهر منها قصد القربة، لماذا؟ بتقولي من إيش يا شيخ؟ بقولك قرائن. فيصعب جداً الخلو من القرائن.

الحالة الثانية ألا يظهر قصد القربة منه، فذهب أكثر العلماء إلى أنه يفيد الإباحة. الحالة الثانية أن يفعل هذا الفعل الذي لم تعلم صفته ولم يظهر قصد القربة منه، فأكثر العلماء ومنهم أصحابنا يحملونه على أن حكم الاقتداء به في هذا على الإباحة؛ لأنه فعله ولا يظهر فيه قرينة التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ولكن هذا حقيقة في محل نزاع شديد؛ لأن البعض يقول حتى لو لم تظهر قرينة القربة فنحن قلنا القاعدة الأصلية ما هي؟ أن الأصل فيه أنه مشرع، بالتالي إذا ما ظهرت القرينة احمله على الأصل في أحواله. فهذه الصورة الأخيرة هي محل نزاع، لكننا قررنا ما يذكره كثير من الأصحاب، يعني حتى هذه المسائل حتى عند المتأخرين من الحنابلة فيها خلاف: الذي لا يظهر منه قصد القربة، هل نحمله على الإباحة ولا على الاستحباب؟ تجد نزاعاً بينهم.

السنة التقريرية: عرفنا فيما سبق أن المقصود بالسنة التقريرية هو سكوت النبي ﷺ عن إنكار فعل أو قول حدث في حضرته أو زمنه وقد علم به، بشرط أن يكون من رجل مسلم. هذه قررناها بشرط أن يكون الفاعل رجلاً مسلماً؛ لأنه ﷺ لو سكت عن فعل الكفار هذا ليس إقراراً لهم على أفعالهم، والكفار يفعلون أفعالاً كثيرة.

شروط التقرير: يكون التقرير حجة بشروط. متى يكون السنة التقريرية حجة؟ أولاً بشروط: أن يعلم به النبي ﷺ كما جاء في حديث جابر عند مسلم: «كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ فبلغه ذلك فلم ينهنا». هنا قالوا الشرط الأول أن يعلم النبي ﷺ بحصول هذا الفعل في زمنه، أن يعلم بحصول هذا الفعل إما أنه وقع أمام عينيه، وهذا أكيد يعني علمه، أو يقع في غيبته لكن بلغه، مثل قضية العزل، وأنا شرحت العزل في المجلس السابق، وهو القذف خارج الفرج، فبلغ ذلك. الآن أكيد الذي سيعزل لن يكون حاضراً بين يدي النبي ﷺ وهو يفعل هذا الفعل، لكن ما الذي سيصل إلى النبي ﷺ؟ سيبلغه أن أصحابه يفعلون العزل، قال: «فبلغوه فلم ينهنا»، يعني سكت عن ذلك، فسكوته وعدم نهيه يدل على ماذا؟ على إقراره لهذا الفعل.

أما إذا لم يعلم منه أو لم يطلع عليه ففيه خلاف بين الأصوليين، وأعدل الأقوال فيه أنه إذا كان في الحالة الثانية، وهو فعل وقع في زمنه من رجل مسلم لكن لم تأتنا قرينة أو معلومة أن النبي ﷺ عرف بهذا الفعل. عرفتوا وين نقطة النزاع؟ فعل فعله مسلم في زمنه، فعله في بيته، فعله وهو في تجارة، ولم تأت أي قرينة تدل على اطلاع النبي ﷺ على هذا الفعل الذي فعله المسلم، هل نقول هنا أيضاً في إقرار كونه لم ينه عنه؟

هنا في خلاف بين الأصوليين، وأعدل الأقوال ما هو؟ أنه إذا كان مما لا يخفى مثله حمل على الإقرار وكان حجة، وإن كان مثله قد يخفى، لكن راوي الأثر خرجه مخرج الكثير المتكرر، كقول جابر: «كنا نبيع سرار أمها أمهات الأولاد والنبي ﷺ حي لا نرى بذلك بأساً»، وكقول أبي سعيد في زكاة الفطر: «كنا نعطيها في زمن رسول الله ﷺ صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب»، فالإتيان بصيغة كنا أو كان أصحاب رسول...

في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يفعلون كذا، تفيد التكرار، والأغلب فيما كثر أنه لا يخفى، لذلك فإنه يأخذ حكم التقرير أيضاً.

الآن شوف هذا التحرير المهم تفهموه. الحالة الأولى أن يعلم إطلاعه صلى الله عليه وسلم، هذا لا غبار عليه، نحن متفقين على هذه الحالة أنها سنة تقريرية. المشكلة في النوع الثاني؛ شيء فعله الصحابة في زمنه لكن لم يأتنا كما قلت دليل أو قرينة أن هذا الفعل بلغه صلى الله عليه وسلم.

في حديث جابر في العزل، إيش قال؟ «فبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام». بس في أفعال كان يفعلها الصحابة ولم ينقل لنا أنها بلغت النبي عليه الصلاة والسلام، هل نقول هذا يعتبر إقراراً أيضاً؟ حقيقة هنا فصل الأصوليون أو بعض الأصوليين، وهذا اللي تبنيناه، أن ينظر في طبيعة هذا الفعل الذي فعله الصحابي ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف به.

أن ينظر في طبيعته، فماذا قلنا؟ جاء «اقرأ» أو ولا خلاص أنا بقرأ. قال: إذا كان مما لا يخفى مثله، إذا كانت طبيعة هذا الفعل صعب جداً يخفى مثله على النبي صلى الله عليه وسلم، يعني مما تعم به البلوى. وصعب أن يخفى مثل فعل يتعلق بطريقة إزالة نجاسة أو طريقة تنظيف أواني، أشياء التي يفعلها كل الناس في بيوتهم وحياتهم كإزالة النجاسات وتنظيف الأراضي وما شابه ذلك، فهذا حتى ولو لم يثبت بالنص أنها بلغت النبي صلى الله عليه وسلم، يعتبر في حكم ما بلغه لأن البلوى عمت به، فبعيد جداً ذهنياً أن يكون ما طلع عليه فيأخذ حكم التقرير وكأنه طلع عليه.

الحالة الثانية أن يكون هذا الفعل الذي فعله الصحابي لا حقيقة ليس مما عم به البلوى، يعني ممكن يكون النبي عليه الصلاة والسلام اطلع عليه، ممكن ما يكون اطلع عليه، لكن الصحابي راوي الحديث عبر بعبارة تدل على تكرار وقوع هذا الفعل من عموم الصحابة. مما يغلب على ذهننا أنه وصل النبي عليه الصلاة والسلام، من أشهر هذه العبارات الموجودة التي كان الصحابة يتداولونها وتدل على التكرار عبارة «كنا».

عبارة إيش؟ «كنا»، إذا قال الصحابي «كنا نفعل» كانت تدل على الاستمرارية والتكرار. مثلاً حديث جابر: «كنا نبيع سرائر أمهات الأولاد». من أمهات الأولاد؟ الآن إذا أنا كان عندي أمة وحبلتها، الآن قديماً الإماء كان يجوز معاشرتهن كما تعاشر الأزواج، وهي تفاصيل طويلة مش هذا موطن ذكرها، لكن الأمة كان يجوز معاشرتها كما تعاشر الزوجة. فإذا السيد عاشر الأمة فحبلها، جعلها تحمل وولدت له.

الآن في خلاف؛ هل يجوز للسيد أن يبيع هذه الأمة؟ أصبحت اسمها إيش؟ أم ولد. الأمة إذا حملت من سيدها وأنجبت ماذا تسمى؟ «أم ولد»، هيك اسمها في الفقه الإسلامي. فهل يجوز أن أبيعها؟ كثير من الفقهاء قالوا لا يجوز بيعها، وهذا مثلاً في مذهب الحنابلة مقرر، نعم أنه لا يجوز أن تباع. وكما قلنا في حديث مارية القبطية أعتقها ولدها، إذا بتذكروا في درس إرواء الأول، أنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنجب منها إبراهيم فقال خلاص هذه لا يجوز بيعها، وإنما بمجرد أن يموت السيد تصبح حرة. «أم الولد» بمجرد أن يموت سيدها تصبح حرة.

الآن هذا رأي فقهي للحنابلة وغيرهم، هناك رأي فقهي آخر ماذا يقول؟ لا يجوز بيع أمهات الأولاد، ما في مشكلة. فإذا أنا كان عندي أمة وأتيت منها بولد وأتيت منها بولد، لي بعد ذلك إنه أبيعها؟ إذا بعتها خلاص يعني لا تعتق بعد موتي لأنها لم تعد ملكاً لي.

الآن الخلاف وقع في حديث جابر. جابر ماذا قال؟ «كنا نبيع أمهات الأولاد، لا نرى بذلك بأساً». هنا وقع السؤال: هل هذا الفعل بيع الصحابة لأمهات الأولاد هل اطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل جابر هنا قال فبلغه ذلك؟ لا، فلم يثبت لنا أنه صلى الله عليه وسلم كان على علم بهذا الفعل الذي كان يفعله الصحابة. لكن عبارة «كنا» تدل على أنه شيء متكرر، بالتالي مع تكراره يصعب أنه يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم، فيغلب على ظننا أنه بلغه وأنه سكت عنه، فيكون هذا من قبيل إقراره صلى الله عليه وسلم بجواز بيع أمهات الأولاد.

طبعاً رح تقول طيب أنتم الحنابلة إيش مذهبكم؟ لا يجوز بيع أمهات الأولاد. طيب ليش ما أخذتم بالإقرار هنا؟ بس مشاكلنا كثيرة، إحنا عندنا مشكلة أصلاً في أصل ثبوت الحديث. لذلك هنا إخواني في كتب الأصول أحياناً قد أذكر مثالاً لا ينطبق على المعتمد في المذهب، بس هذا ينطبق على رواية أخرى لكن لا ينطبق على المعتمد. لا تقول لي يا شيخ بس هذا المثال لا ينطبق على المعتمد، لأنه هنا كما قالوا الشأن لا يعترض المثال. يعني أنا بس بدي إياك تفهم الصورة، أما ليش المعتمد عند الحنابلة ما أخذ؟ هذا بيكون له سالفة أخرى، إما الحديث ضعيف أو فيه مشكلة أو عارضه شيء آخر، قصة طويلة بترجع لكتب الاستدلال الفقهي. أما هنا أنا فقط أريد أن تعرف أصل الصورة، ففهمتم إذاً؟

«كنا نبيع أمهات الأولاد ولا نرى بذلك بأساً»، هل عرف النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أو لم يعرف؟ ما عندي دليل، لكن لما قال «كنا» فهي قرينة على التكرار، فنحن نقول الأصل أنه اطلع، ما دام جابر يعبر بـ «كنا» فالأصل أنه اطلع. مثلاً حديث: «كنا نعطي زكاة الفطر»، جميلة هذه، اليوم أخذنا زكاة الفطر إحنا. «كنا نعطي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب»، وفي رواية «أو صاعاً من أقط».

الآن الحديث الوارد على النبي عليه الصلاة والسلام في زكاة الفطر ما هو؟ «فرض النبي صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير». طيب الزبيب والأقط من وين جابوا الصحابة؟ ما في حديث على النبي عليه الصلاة والسلام أنه أخرج الأقط، الجميل ما في حديث أنه قال أخرجوا الأقط، في حديث «أخرجوا الأقط» في زكاة الفطر؟ لا. طيب من وين أنتم كحنابلة تقولون يخرج الأقط؟ قالوا جاب أبو سعيد ماذا قال؟ «كنا نخرج في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تمر أو شعير أو زبيب أو أقط». فمن أين أخذنا الزبيب والأقط؟ مش من قول النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ما في حديث قولي، بل من الإقرار؛ من الإقرار لأن أبو سعيد الخدري قال: «كنا نعطي الأقط، كنا نعطي الزبيب»، وفي عهد...

النبي صلى الله عليه وسلم. هل هذا مرة واحدة ولا مرتين ولا ثلاث؟ هؤلاء مئات الصحابة والعيد تكرر، فيغلب على ظننا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مطلعًا على إخراج الصحابة للأقط أو للزبيب، فنقر بالتالي أن هذا من الأنواع التي يجوز إخراجها.

فبالتالي الحنابلة لما أخذنا اليوم في زكاة الفطر لما قالوا الأصناف الخمسة، هل هذه الأصناف فيها حديث صريح عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا. كيف أنتم حنابلة حصرتوها في الأصناف الخمسة؟ عندنا سنة تقريرية فيها. هذا من باب الدليل، عندنا سنة تقريرية في الأصناف الخمسة، ومن أين أخذتم السنة التقريرية؟ من حديث أبي سعيد: «كنا نعطيها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صاعًا من تمر، أو من شعير، أو من زبيب، أو من أقط» كما جاء في رواية، وفي رواية فيها زيادة «أو من أقط». بالتالي لما جاءت هذه السنة التقريرية وغلب على ظننا اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم عليها، قلنا خلص إذا هذه هي الأصناف المقبولة بالسنة التقريرية، وباستعمال «كنا» التي تفيد التكرار.

أما إذا لم يأتي الراوي بما يدل على التكرار كقوله: فعل فلان كذا، فهو محتمل ولا يثبت شرعًا باحتمال. أما إذا قال أحد الصحابة: فعلت كذا زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يقل فبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فالأصل أن هذا فيه احتمال؛ هل بلغ أم لا؟ في عندي احتمال، ولم تأتِ بصيغة التكرار، وليس مما يعم به البلوى، فالأصل أنه لا يعتبر تشريعًا ولا يعتبر سنة تقريرية.

إذا لم يأتِ الراوي بما يدل على التكرار كصيغة «كنا»، بل قال الراوي: فعل فلان كذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يأتِ أي قرينة تدل على بلوغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فهذه فيها خلاف طبعًا بين الأصوليين، لكن نقول: فهو محتمل. وبالتالي لا نعتبرها سنة تقريرة، لأنه في احتمال أن النبي عليه الصلاة والسلام لم تبلغه ولم يعرفه، وصلى الله عليه وسلم لا يعرف الغيب إلا ما كشفه الله عز وجل له.

ولك قول آخر يقول: لا، تعتبر سنة تقريرية، باعتبار أنه إذا كانت خطأ لابد وأن يطلعه الله على ذلك، لأن هذا زمن تشريع. بعض الأصوليين يقولون: لا، حتى هي تعتبر تشريع وسنة تقريرية، لأن احتمال أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يطلع عليها مستبعد، والذين قالوا إن هذا يعتبر سنة تقريرية احتجوا بأن هذا زمن تشريع، فإذا فعل الصحابي ولو صحابي واحد شيئًا خطأ وكان النبي صلى الله عليه وسلم غير حاضر، لابد أن يأتي وحي من السماء يعدله. أنا أعطيك هذا فقط حتى تفهم كيف تختلف وجهات النظر بين الأصوليين في تحديد موقفهم من هذه القضايا الدقيقة النزاعية في الاحتجاج، لكن أنت اعتمد ما هو موجود عندك أن هذا لا يعتبر تشريعًا.

إذًا هو الشرط الأول من شروط السنة التقريرية أن يعلم به النبي صلى الله عليه وسلم، وعرفنا الخلاف فيما لم يعلم به، متى يعتبر في حكم المعلوم به ومتى لا يعتبر في حكم المعلوم به. الشرط الثاني، وهو الذي ذكرته مرارًا وتكرارًا، أن يكون المقر على الفعل منقادًا للشرع ظاهرًا. أن يكون الذي فعل هذا الفعل شخصًا مسلمًا، ولو ظاهرًا، يعني ممكن يكون في الباطن منافقًا، بس إحنا في ظاهره أنه مسلم.

أما إذا كفار فعلوا فعلًا، حتى لو علمه النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه عليه الصلاة والسلام يصعب عليه أن ينكر كل فعل فعله كافر في زمنه، وكفار قريش وكفار العرب، لو كان كل رجل من الكفار فعل فعلًا في زمنه سينكر عليه، لن تنتهي الأمور. فلذلك يقال يشترط في السنة التقريرية أن يكون الذي أقره النبي صلى الله عليه وسلم شخصًا منقادًا للشرع ظاهرًا؛ لذلك لا يكون سكوته صلى الله عليه وسلم على فعل أو قول كافر دالًا على الإباحة، لأنه غير منقاد للشرع ابتداءً، فلا فائدة في الإنكار عليه. النبي عليه الصلاة والسلام يأتي لكفار قريش ويقول لهم: حرام تفعلوا كذا، وهم أصلًا مش مصدقين بالنبؤة، هل سيأخذون بإنكاره عليهم؟ لا، كما لو جاء إلى الصليبيين يقول لهم: ترى حرام تفعلوا هذا الفعل، هل هناك فائدة من الإنكار عليهم؟ لا، لأنهم ليسوا منقادين للنبي صلى الله عليه وسلم حتى ينكر عليهم ولا يعترفون بنبوته.

دلالة السنة التقريرية: إذا عرفنا هذين الشرطين، وهو ضرورة أن يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بالشيء ولو تقديرًا، وأن يكون الذي فعله مسلمًا في الظاهر، إذا توفرت شروط السنة التقريرية، فالسنة التقريرية ماذا تعطينا في الأصل كأصل؟ هل تعطيني حكم الوجوب أو السنية أو الإباحة؟ قال: السنة التقريرية تدل على الإباحة فيما عليه أكثر الأصوليين. أكثر الأصوليين أن السنة التقريرية إذا تجردت عن القرائن -احفظ هذه الكلمة- فإنها تدل على الإباحة. يعني لا أقول والله سنة تقريرية إذًا هذا الفعل سنة أو واجب، لا يصح أن تأخذ من سنة تقريرية وجوب فعل أو استحباب فعل، وإنما السنة التقريرية تدلك على إباحة هذا الفعل ومشروعيته. أما كونه مستحبًا أو واجبًا، فهذا تأخذه من قرينة منفصلة.

وهذا معنى قول الناظم: «إقراره دل على الجواز». قال الشيخ عامر: «إقراره دل على الجواز»، الجواز يعني الإباحة، ولا تختص هذه الإباحة بالمقر، بل تتعداه إلى غيره على الصحيح. وهذا معلوم بشكل عام أنه إذا أقر النبي صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة على فعل، فهل الإباحة هي فقط لهذا الصحابي أو للأمة إلى يوم القيامة؟ هي ليست خاصة بذلك الصحابي الذي فعل الفعل، بل هي للأمة إلى يوم القيامة.

أمثلة تطبيقية على الاستدلال بالتقرير، نأخذ هذين المثالين نختم بهما: استدل الحنابلة والشافعية على اعتماد القافة في إثبات النسب بحديث...

مجزز المدلجي الذي نظر في أقدام زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

نرجع الآن لموضوع القافة. القافة هي طريقة عند العرب كانت لبعض القبائل؛ الله سبحانه وتعالى منح بعض القبائل العربية قدرة على تحديد النسب من خلال النظر في وجه الشخص وبدنه ويديه ورجليه. هذه كانت خصيصة عند بعض القبائل العربية اسمها القافة، أنه يأتي ينظر إلى رجلين، فلان ورجلين شخص آخر، فيقول هذا أخو هذا. يعرفون هذا من باب الفراسة، «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله». هذه شيء فراسة وضعها الله في بعض القبائل كان عندها القدرة.

وهل هذه الطريقة يجوز إثبات النسب فيها أصلاً شرعاً؟ طفل وجدناه في دار الأيتام، جاء شخص فقال أنا أبو هذا الطفل، وجاء شخص آخر قال لا أنا أبوه. اختلفوا، هذا يقول أنا أبو هذا الطفل اللقيط وآخر يقول لا أنا أبوه. الآن لو في بينات، البينات هي أقوى الحجج، لكن الجدلية الفقهية هي في حال لم يكن هناك أي شخص له بينات؛ فهل يجوز أن نعتمد على القافة؟ نأتي برجل من هذه القبائل التي لديها خبرة، نقول له: طلع لنا على رجلين هذا الشاب، هو لمن؟ لهذا الأب أم لهذا الأب؟

الحنابلة قالوا: نعم نعتمد عليها عند عدم وجود البينات، فيؤتى برجل من أهل القيافة فينظر في الرجلين، فإذا قال هذا ابن هذا، خلاص يلحق به ويصبح ينادى باسمه فلان ابن فلان. هذا حصل في زمن النبوة.

زيد بن حارثة كان أبيض، وأسامة بن زيد ابنه كان أسمر البشرة. فكان بعض الناس، للأسف من أصحاب القلوب المريضة وهم موجودون في كل المجتمعات، يشككون في نسب أسامة لأبيه، يقولون الأب أبيض والابن أسمر، كيف يكون ابنك؟

في يوم من الأيام، كان سيدنا زيد بن حارثة وأسامة بن زيد نائمين بجانب بعضهما وقد غطيا رؤوسهما، وطلعت أقدامهم من تحت الإحرام، فمر رجل من أهل القيافة بهما وهو لا يعرف من تحت الإحرام أصلاً. نظر إلى أقدام أسامة بن زيد فوجد لونها أسود، ونظر إلى أقدام زيد بن حارثة فوجد لونها أبيض، فقال: هذه الأقدام بعضها من بعض، هذا ابن هذا. ما يعرف حتى الوجوه، لكن قال: هذا من دم هذا.

فالنبي صلى الله عليه وسلم شهد هذا الموقف فضحك وسر، ودخل على عائشة تبرق أسارير وجهه ويخبرها بالموقف الذي حصل. ضحك النبي صلى الله عليه وسلم وسروره بهذا الموقف يدل من حيث السنة التقريرية أن هذا الفعل مشروع. لو كان ما فعله مجزز حراماً أو مكروهاً لكان أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، لقال له: هذا من ادعاء الغيب، لا تدخل في هذا الملف. لكن النبي عليه الصلاة والسلام سكت، بل لم يكتفِ بالسكوت بل ابتسم ودخل على عائشة يبشرها بالموقف الذي حصل.

هو لما دخل على عائشة لم يتطرق إلى أن الموضوع حرام ولا حلال، بل أخبرها بالموقف. طريقة تصرف النبي صلى الله عليه وسلم مع الموقف تعطيك حكماً شرعياً؛ أن اعتماد القافة شيء مباح شرعاً لا إشكال فيه، بدليل أنه ضحك وابتسم ولم ينكر. هذا مثال على السنة التقريرية، مع أنه لا يوجد حديث يأمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم باستعمالها، لكن دل على إباحته تقريره صلى الله عليه وسلم.

أيضاً استدل جمهور العلماء على جواز أكل الضب بأنه أكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر ذلك. النبي عليه الصلاة والسلام قدم إليه ضب وكان معه خالد بن الوليد، فقال خالد: «أنا لا آكله، ليس بأرض قومي»، فأخذه خالد وأكله أمام النبي صلى الله عليه وسلم. النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل لخالد كل ولم يقل له لا تأكل، لم يعطه مؤشر الإباحة ولا التحريم وإنما سكت. ماذا نستفيد من هذا السكوت وعدم الإنكار؟ أن أكل الضب مشروع مباح.

فهذه أمثلة على السنة التقريرية وتدل على الإباحة. لاحظ أنها لم تعطني الوجوب وإنما أعطتني الحد الأدنى من الأحكام التكليفية الخمس وهو الإباحة.

نقف اليوم إن شاء الله عند هذا القدر، والدرس القادم نبدأ بموضوع النسخ بإذن الله. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.