غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاةً تترى، وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله أيها الأفاضل في مجلس يتجدد بنا في معهد "ملكة" للتأصيل والتفريع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى. ونحن نسير في المصدر الثالث من مصادر التشريع. الدرس الأول سيكون في "النظم الصغير" بشرحه "الإيضاح والتقرير"، ونحن في المصدر التشريعي الثالث، وهو الإجماع.
قلنا: ما تعريف الإجماع؟ اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من العصور بعد وفاة النبي ﷺ على أمر ديني أو على أمر شرعي. ودائماً في أي مصدر تشريعي، أول خطوة تخطوها هي أن تبحث عن حجيته. فبماذا استدل العلماء على حجية الإجماع؟
أولاً: الآية، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]. فسبيل المؤمنين هو الإجماع، فمن اتبع غير سبيلهم -غير الإجماع- توعده الله سبحانه وتعالى. فيُفهم من هذا أن اتباع سبيلهم واجب، وإذا كان اتباع سبيلهم واجباً فلا بد وأن يكون سبيلهم حقاً وصدقاً، ولا يمكن أن يأمرك الله باتباع سبيل المؤمنين ويكون هذا السبيل فيه خطأ أو ضلال، فهذا يدل على أن سبيلهم وما اتفقوا عليه يقين وحق وصدق لا ريب فيه.
أيضاً هناك نوع ثانٍ من الاستدلال على حجية الإجماع: الأحاديث والآثار، ومنها هذا الأثر الذي تفضلت به، الذي يدل على أن الله عصم الأمة في اجتماعها، أن الله عصم هذه الأمة في اجتماعها أن يكون على ضلال أو باطل. وهذا يؤخذ منه أن أي اجتماع من أهل العلم على مسألة لا بد وأن يكون على حق وخير.
ثم وصلنا إلى هذا السؤال: إذا ثبت أن الإجماع حجة، فهل هو حجة قطعية أو ظنية؟ انتهينا إلى هنا، ليس كذلك. يلا يا شيخ عمر، بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين أجمعين، ونجِّ إخواننا المستضعفين من المؤمنين.
سؤال: إذا ثبت أن الإجماع حجة، فهل هو حجة قطعية أو ظنية؟ الجواب: أن اتفاق العلماء على حكم ديني له صور متعددة، منها ما اتفق العلماء على عدّه إجماعاً، ومنها ما اختلف في عدّه. فإذا سُئلت: هل الإجماع يفيد القطع أو يفيد الظن؟ نقول: هذا على حسب نوع الإجماع.
فهناك صور للإجماع اتفق العلماء عليها أنها تمثل الإجماع الكامل الحقيقي بدون تنازع بين المذاهب الأربعة، وهناك صور من الإجماع تعتبر إجماعاً عند الحنفية لكن لا تعتبر إجماعاً عند الشافعية، أو تعتبر إجماعاً عند الشافعية ولا تعتبر إجماعاً عند الحنابلة. فمثل هذا النوع من الإجماعات التي وقع نزاع في اعتبارها وشروطها بين المذاهب الفقهية تبقى ضمن الظن ولا تفيد القطع؛ لأن القطع ينبني عليه أحكام خطيرة. إذا قلنا إن الإجماع قطعي ومتفق عليه فخالفه يكفر، فالذي يرد الإجماع القطعي ما حكمه؟ الأصل أنه يكفر إذا تم اعتبار الشروط وانتفاء الموانع. لذا فالحكم على الإجماع أنه قطعي ليس مسألة سهلة، ولذلك يقولون: أغلب الإجماعات ظنية.
لماذا هي ظنية؟ لأن وجود الإجماع بصورته المتفق عليها بين جميع المذاهب، ولا ينازع أحد فيه، إنما هو في مسائل معدودة، وهي التي نسميها المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، كوجوب الصلوات وعدد الركعات فيها، ووجوب الزكاة وأصول بعض الأموال الزكوية، ووجوب الصيام. وهي مسائل معدودة، وأصلاً هذه المسائل حجيتها لم تثبت فقط بالإجماع، بل ستجد عليها الحجة بالكتاب والسنة، وإنما الإجماع رادف لها، أي من باب تقوية الأدلة ليس أكثر.
فلذلك نقول إن اتفاق العلماء على حكم ديني له صور متعددة؛ منها ما اتفق العلماء على عدّه إجماعاً، فإذا حصل إجماع بهذه الصورة المتفق على اعتبارها إجماعاً، نقول هذا إجماع قطعي. وأما إذا حصل إجماع على صورة مختلف في اعتبارها إجماعاً، كأن يعتبره الحنفية ولا يعتبره المالكية أو الشافعية أو الحنابلة، فبالتالي هذا لا يعتبر حجة قاطعة، فالحنبلي إذا خالف الإجماع الحنفي لم يكفر ولم يفعل لأنه لا يرى إجماعاً، والشافعي إذا خالف الإجماع الذي يعتبره المالكية اجماعا واجتهد، لأنه لا يرى أن الصورة التي تعتبرها إجماعاً هي إجماع عنده.
فبالتالي ليست كل صور الإجماع قطعية، فمنها ما هو قطعي ومنها ما هو ظني، وهذا سيظهر أكثر وأكثر أثناء البحث. فما كان متفقاً على عدّه إجماعاً ثم نُقل إلينا بالتواتر فحجته قطعية لا يجوز العدول عنها، مثل إجماعهم على وجوب الصلاة والزكاة وحرمة الخمر والزنا ومشروعية البيع ونحو ذلك. وأما ما اختلف في كونه إجماعاً أو نُقل بالأحاد فالحجة ظنية عند المتوسلات إلى درجة القطع.
إذا لاحظ هنا في التقسيم تقسيماً مهماً؛ فيقولون: الإجماع القطعي الذي يقال عن منكره أنه كافر، هذا له شرطان: الشرط الأول: أن يكون على صورة متفق على اعتبارها إجماعاً، أي أن يكون قد حصل بصورة وبطريقة متفق أنها إجماع؛ لأن باختصار شروط الإجماع مختلف فيها بين المذاهب الفقهية، بين الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة في بعض التفاصيل. فهناك صور كما قلت، بعض المذاهب يعدها إجماعاً ومذهب آخر لا يعدها إجماعاً، وسيظهر هذا جرياً بعد قليل إن شاء الله. فبالتالي إذا كان الإجماع المزعوم أنه إجماع ليس متفقاً عليه بين الأمة، فهذا لا يعتبر من الإجماع القطعي الذي يكفر تاركه لأن الحنابلة أو الشافعية لا يعتبرونه أصلاً.
الشرط الثاني: أن ينقل إلينا بالتواتر. هكذا يقولون. ما فائدة هذا الشرط الثاني؟ لو وجد الشرط الأول، وهو أن توجد صورة متفق عليها أنها إجماع بين جميع العلماء، لكن سيبقى بالنسبة لنا نحن حتى نتأكد أن هذه المسألة حصل فيها إجماع أن ينقل هذا الإجماع جيلاً بعد جيل إلينا بالتواتر؛ لأنه مثل الحديث، إذا نُقل بالآحاد قلنا ماذا يفيد؟ يفيد الظن، إلا إذا احتفت به قرائن يمكن قطعه بها، فيصبح عندي نفس المشكلة: هل أنا في هذا القرن...
أستطيع أن أقول وأنا في القرن الخامس عشر الهجري: هل أستطيع قول هذا إجماع قطعي يكفر تاركه؟ حتى تتجرأ على هذه المقولة وتقول: هناك إجماع قطعي في مسألة من مسائل الشريعة، الذي يعارض هذا الإجماع يكفر، وننزله بهذه الطريقة!
بدك تفهم أنه في شرطين حتى تزعم هذا الزعم. الشرط الأول: أن تتأكد أن هذا الإجماع الذي أنت تدعيه إجماع متفق عليه باعتبار إجماع بين الأمة، لوقوع اختلاف في شروط الإجماع بين العلماء. ثانيًا: لو قلت والله يا شيخ هو على الصورة المتفق عليها أنها إجماع، بدنا نحقق الشرط الثاني، ما هو؟ هل وصل نقله إلينا بطريقة مستفيضة متواترة، ولا وصل لك هذا الإجماع بطريقة الآحاد؟ نقل الواحد عن الواحد؟ إذا قال لي: لا والله السند الذي نقل لنا هذا الإجماع سند آحاد، ليس سندًا متواترًا مستفيضًا في أجيال الأمة، بقول أيضًا سيبقى الإجماع ظنيًا في هذه الحالة.
فإذاً، حتى نقول إجماع قطعي يكفر تاركه، عليك أن تتأكد من شرطين، إذا اختل أحدهما -بأن كانت صورة الإجماع صورة مختلف في اعتبارها إجماعًا، أو صورة متفق عليها لكن نقلت إلينا بالآحاد- سيبقى ضمن الإجماع الظني الذي لا يجوز أن يكفر المعترض عليه وتاركه. فهمت؟ إذا اختل أحد الشرطين أصبح إجماعًا ظنيًا.
مرتبة الإجماع في الشريعة تأتي ثالثة بعد الكتاب والسنة من حيث المنزلة، هذا من حيث المنزلة تمامًا. أما مرتبة هذا المصدر التشريعي من ضمن مصادر التشريع؛ الإجماع يأتي في المرتبة الثالثة بعد الكتاب والسنة من حيث المرتبة لا من حيث النظر الفقهي.
أما من حيث النظر الفقهي، فإنه يأتي في المرتبة الأولى. هم يفرقون في الحديث عن الإجماع بين القداسة التي له المرتبة الشرعية أو المنزلة الشرعية، والقداسة التي له تأتي بعد قداسة الكتاب وقداسة سنة النبي ﷺ، يأتي اتفاق الأمة. فلا يمكن أن تقول إن الإجماع من حيث القداسة -خلينا نسميها مثل منزلة الكتاب- صح، لأن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، والسنة أيضًا وحي، فإجماع الأمة وإن كان معصومًا لكنه كقداسة شرعية يكون في المرتبة الثالثة.
لكن من حيث النظر الفقهي، والبداية في محاولة الوصول للحكم الشرعي لمسألة ما، أول شيء يبحث فيه: هل فيها إجماع ولا لا؟ قبل ما ينظر في نصوص الكتاب والسنة. قال؛ لأن المسألة إذا فيها إجماع ومنتهية ومحسومة، خلص أنت وصلت إلى نتيجتك مباشرة بدون حتى النظر في نصوص الكتاب والسنة؛ لأن الإجماع فيه قضية يختص بها لا توجد في الكتاب والسنة، وهي أن الإجماع لا يخصص ولا ينسخ نصوص القرآن ونصوص السنة.
يمكن تنسخ، أه مرة معنا في الدرس السابق النسخ، فآيات النبي ﷺ يمكن يتطرق إليها احتمال النسخ، وآيات القرآن يمكن يتطرق إليها احتمال النسخ، وهذا كله مكتوب، لكن الإجماع لا ينسخ. فبالتالي هو من حيث القوة الذي سأعطيك إياه، أقوى شيء من البداية؛ ليه؟ لأنه لا يتطرق إليه أي احتمال، لا احتمال أن يكون عامًا وخصص، أو مطلقًا وقيد، أو أنه منسوخ وجاء ما نسخه؛ كل هذه الاحتمالات مش موجودة في الإجماع. فبالتالي هو يعطيك الحكم مباشرة، لذلك قالوا: لكنه من حيث النظر الاستدلالي مقدم عليهما.
إذاً من حيث النظر الاستدلالي مقدم على الكتاب والسنة. ما معنى كلمة النظر الاستدلالي؟ يعني إذا أردت أن أستدل على حكم مسألة معينة، فأول شيء أنظر فيه ما هو؟ الإجماع، هذا معنى النظر الاستدلالي. إذا أردت أن أبحث عن حكم مسألة معينة، أي مسألة في الوضوء، في الصلاة، في البيع، في النكاح، إيش أول شيء تبحث عنه؟ هل بتروح بتفتش في نصوص القرآن عن حكمه؟ هل بتروح بتفتش في نصوص السنة؟ لا، من حيث النظر الاستدلالي أول شيء تبحث: في إجماع ولا لا؟ يا جماعة لأنه إذا في إجماع خلص انتهيت هنا. إذا في إجماع انتهينا، الإجماع لا ينسخ ولا يخصص، بالتالي قطع لك إياها من البداية، ويصبح بعد ذلك نظرك في نصوص الكتاب والسنة من باب إكمال عملية الاستدلال.
أما إذا ما في إجماع، ستبدأ بعملية طويلة في عملية الاستدلال؛ أولًا بفتح القرآن الكريم وتنظر هل هناك آية تدل على المسألة، لأنه إذا كان في آية بدي أنظر في الاحتمالات الواردة عليها: هل هي المخصوصة؟ هل مقيدة؟ هل منسوخة؟ فلذلك يقول: من حيث النظر الاستدلالي ما أول شيء ينظر فيه الفقيه هو الإجماع، لكن من حيث القداسة ما هو أعلى شيء: الكتاب ثم السنة ثم الإجماع. فهمتم؟ النظر من حيث القداسة شيء، والنظر من حيث الاستدلال الفقهي شيء آخر.
قال: لأن نصوص الكتاب والسنة تقبل النسخ والتأويل، والتأويل يعني التخصيص والتقييد، أما الإجماع فلا يقبل ذلك. فمتى ثبت لنا حكم بإجماع قطعي، فإنه يقدم على ما يعارضه من النصوص إن لم يمكن الجمع بينهما. قال أبو إسحاق الشيرازي: «إذا ثبت أنه حجة -أي الإجماع- فإنه يقدم على نص خبر الواحد، وعلى السنة المتواترة، وعلى نص القرآن؛ لأننا نتبين بهذا أنه منسوخ».
شو رأيك بهذا الكلام؟ يعني واحد خطير يقول لك أبو إسحاق الشيرازي -أحد كبار الشافعية- شو بيقول؟ يقول: إذا ثبت الإجماع فإنه يقدم على خبر الواحد، بل على السنة المتواترة، بل على نص القرآن! واحد بيقول لك أبو إسحاق الشيرازي داخل بقوة، يعني يحكي هذا الكلام: كيف يقدم الإجماع على نص القرآن؟ وأنا بدي إياك تفهم هو كلامه صحيح من حيث النظر الاستدلالي.
ليه كلامه صحيح؟ لأنه إذا ثبت إجماع قطعي على خلاف آية قرآنية، ماذا سيتضح لك؟ أن الآية منسوخة مباشرة؛ لأنه لا يمكن للأمة وللصحابة أن يكون لديهم إجماع قطعي على حكم يخالف آية إلا ويعرفون أنها منسوخة، حتى ولو لم ينقلوا مستند الإجماع. فهمتم إيش الفكرة؟ لكن بشرط أن يكون الإجماع ماذا؟ طبعًا هذا الكلام هو من ناحية إخواني نظرية تأصيلية كأصول فقه، لكن من حيث الواقع أنت لن تصطدم بهذا الواقع، يعني لن تصطدم إلا ربما ببعض الأحاديث، أما كآية قرآنية لن تصطدم بإجماع قطعي يخالف آية قرآنية ونقول إن الآية منسوخة بسبب الإجماع، لكن في السنة سيأتي معنا بعض الأمثلة.
قال: «لأننا نتبين بهذا أنه منسوخ؛ لأنه لو كان ثابتًا لما اجتمعت الأمة على خلافه، ولو كانت الآية ثابتة العمل بها مستحيل الصحابة تركوا العمل بها، لا يمكن». وكذا قال الغزالي في المستصفى.
ينظر أول شيء في الإجماع، فإن وُجد في المسألة إجماعٌ ترك النظر في الكتاب والسنة؛ فإنهما يقبلان النسخ. والمراد بترك النظر ليس إلزاماً، بل المراد أنك إذا انتهيت إلى الإجماع فكأنك قد كفيت المؤنة، فنظرك في الكتاب والسنة سيكون تحصيل حاصل.
قال: «فإنهما يقبلان النسخ»، والإجماع لا يقبله، فإجماعٌ على خلاف الكتاب والسنة دليل قاطع على النسخ. ولذلك مر معنا في الدرس الماضي في أدوات النسخ؛ ماذا قلنا من أدوات النسخ؟ قلنا إن وقوع الإجماع على خلاف حديث أو آية يدل على وجود النسخ.
إذاً تذكروا، آخر باب النسخ عندما ذكرنا طرق معرفة النسخ، أن يقع الإجماع على خلاف النص، وقلنا هذا يعتبر من قبيل النسخ النصي وليس النسخ الاجتهادي. ليس رأي عالم يجتهد أن ينسخ أم لا، بل عندنا إجماع قطعي على خلاف آية أو حديث، إذاً هذا نسخ نصي لا مجال للاجتهاد فيه. فالإجماع على خلاف الكتاب والسنة دليل قاطع على النسخ؛ إذ لا تجتمع الأمة على خطأ.
لنأخذ مثالاً تطبيقياً على إجماع وقع على خلاف حديث، وبالتالي اعتبرنا هذا الإجماع ناسخاً للحديث. حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه». في حديث مشهور في كتب السنة عند الترمذي وغيره، أن النبي ﷺ قال: «من شرب الخمر في المرة الرابعة يُقتل».
هل هذا الحكم عُمِل به في الدولة الإسلامية في الخلافة الراشدة والأموية والعباسية؟ لا، ما أحد يعمل بهذا الحكم، مع أن هذا حديث النبي ﷺ، وهو أن الذي يشرب الخمر أول مرة يُجلد، والثانية يُجلد، والثالثة يُجلد، وفي الرابعة إذا ثبت أنه شرب الخمر يُقتل. هذا الحديث منسوخ، وما الذي نسخه؟ الإجماع.
قال الترمذي في كتابه جامع الترمذي: «جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمول به وأخذ به بعض أهل العلم، ما خلا حديثين، يقول الترمذي لم يعمل بهما أحد»، أحدهما هو حديث: «من شرب الخمر في الرابعة فاقتلوه»، قال: «هذا لم يأخذ به أحد من العلماء والفقهاء». فإذا وجد إجماع من عصر الصحابة ومن بعدهم على عدم العمل بهذا الحديث، فإلى ماذا يدل هذا الإجماع؟ يدل على أن الحديث منسوخ.
طيب، ما مستند النسخ؟ هل ورد حديث عن النبي ﷺ ينسخ ذلك الحديث؟ لم يُنقل. فهل يجب دائماً أن يُنقل مستند الإجماع؟ لا، فنحن بوقوع الإجماع عرفنا أن الحديث منسوخ وإن كنا لا نعرف مستند الإجماع، فليس شرطاً أن يُنقل المستند.
أكمل، قال: «وذكر هذا أحدهما»، قال النووي معلقاً عليه: «هو كما قال، فهو حديث منسوخ دل الإجماع على نسخه». هنا الدليل على النسخ كان الإجماع؛ وقوع الإجماع على خلاف حديث أو خلاف آية يدل على أنها منسوخة، فالإجماع هو المقدم من حيث النظر الاستدلالي.
تخيل أن طالب علم يريد البحث في مسألة «من شرب الخمر في الرابعة»، وبدل أن يبدأ بالنظر في الإجماع، بدأ بالنظر في السنة وفتح جامع الترمذي ووجد هذا الحديث، فماذا سيفعل؟ سيقول: يا جماعة، لقد وجدت في الحديث النبوي «من شرب الخمر في الرابعة فاقتلوه» ويبدأ بالقتل! لا، يا أخي، أنت لازم تبدأ برأس الهرم في النظر والاستدلال، والإجماع إذا وقع على خلاف نص، فالإجماع ناسخ.
انتهينا. أنواع الإجماع: قال الناظم: «وخذ بالإجماع»، أي الصريح، «ثم السكوتي على الصحيح». ينقسم الإجماع باعتبار طريقة تحصيله إلى قسمين، وسنتكلم الآن عن هذه الأنواع. هذا التقسيم للإجماع باعتبار طريقة حصوله، وينقسم إلى نوعين: الإجماع الصريح والإجماع السكوتي.
نبدأ بالطريقة الأولى، وهي الإجماع الصريح: وهو اتفاق جميع المجتهدين بأقوالهم أو أفعالهم في عصر من العصور على حكم مسألة معينة. فهذا إن وقع فهو حجة بلا نزاع، ويسمى صريحاً لأن كل عالم يبدي قوله في المسألة صراحةً ولا يكتفي بالسكوت.
في الإجماع الصريح، عندما تحدث مسألة نازلة في حقبة أو قرن معين، نقوم أولاً بحصر جميع العلماء المجتهدين في هذا العصر؛ هذه هي الخطوة الأولى، لأنه إذا وُجد عالم واحد لم نأخذ كلامه، لم يعد الإجماع صريحاً. ثم ننظر في أقوالهم جميعاً في هذه المسألة، ويُصان أننا نرى مثلاً التحريم، فأحياناً الأفعال تقوم مقام الأقوال، فلا ننظر في أقوالهم بل في أفعالهم؛ لأن فعله يدل على قوله.
إذا جمعنا جميع العلماء وتأكدنا أننا جمعناهم جميعاً، ثم سألناهم صراحة عن أقوالهم أو نظرنا في أفعالهم جميعاً، فعرفنا الحكم الذي انتهوا إليه، فإذا حصلت هذه الصورة في مسألة نقول إن هذا الإجماع صريح. لكن قدرتنا على تحصيل هذه الصورة حقيقةً شبه نادرة أو متعذرة في القرون المتأخرة؛ لأنك كيف تتأكد أنك جمعت جميع العلماء وما سقط واحد منهم في بيتانيا ولا في المغرب ولا في أفريقيا؟ هذا قرار ليس سهلاً، وأن يصرح الجميع بقوله أو فعله لا يكتفون بالسكوت، هذا شيء صعب.
لذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية دائماً يقول: «والإجماع إنما ينضبط في عصر الصحابة، أما بعد عصر الصحابة فصعب». فمن الصعب أن تقول وقع إجماع صريح، وكل الإجماعات بعد عصر الصحابة نحن نصنفها أنها من النوع الثاني: السكوتي، والإجماع السكوتي أصلاً هو ظني وليس قطعياً، حتى أن في اعتباره إجماعاً خلاف.
لذلك يهمني أن تعرف وجه صورة الإجماع الصريح، وتعرف أنه إنما ينضبط في عصر الصحابة. وهل يؤخذ من كلامي أن كل إجماعات الصحابة صريحة؟ لا، حتى إجماعات الصحابة أغلبها سكوتي، لكن إذا أردنا أن نأخذ أمثلة؛ فربما عدد ركعات الصلوات وما شابه ذلك، صرحوا بأقوالهم وأفعالهم، وهي أمثلة محدودة جداً تُعد على الأصابع.
لأنه طبيعتها صعبة، وصعب أن تجزم لي أنه هكذا حصل، تم حصر جميع الصحابة -طبعاً المجتهدين منهم، فليس كل الصحابة علماء، فالصحابة منهم العالم ومنهم العامة- ولكن أن نحصر جميع الصحابة المجتهدين وأنهم جميعاً أبدوا رأيهم أو فعلهم في هذه المسألة، حتى تقنعني أو تثبت لي هذا، برضه ليس شيئاً سهلاً.
قال: «ويمكن أن يمثل لهذا النوع بإجماع العلماء القولي والفعلي على عدد ركعات الصلوات» كما نقله ابن المنذر في كتابه. هذا من أقرب الأمثلة التي يمكن اعتبارها مثالاً على الإجماع الصريح.
ففي حديث عن النبي ﷺ أن الفجر على ركعتين، والظهر على أربع ركعات، والعصر على أربع ركعات، والمغرب على ثلاث ركعات. قد لا نجد حديثاً يذكر عدد الركعات استنباطاً، لكن لا أحد يستطيع اليوم أن ينازع في أن الظهر أربع ركعات، أو أن المغرب ثلاث ركعات، أو أن الفجر على ركعتين؛ لأنه هناك إجماع صريح قطعي يكفر جاحده، وقع من خلال أقوال جميع الصحابة وأفعالهم على أن عدد الركعات بهذا التصور لا يوجد خلاف فيه.
فهذا من أقرب ما يمكن أن يذكر مثالاً على الإجماع الصريح؛ أن الجميع قولاً أو فعلاً مارسوا هذه الممارسة ولا يوجد أي مخالف أو منازع في هذا.
أكمل: «وكذا إجماعهم على مشروعية عقود البيوع والإيجارات ونحوها»، فأن البيع مشروع وأن الإجارة مشروعة، وهذا أيضاً القرآن دل عليه ونصوص السنة دلت عليه.
وهذا النوع من الإجماع لا يكثر وقوعه بسبب عسر الوقوف عليه، بل ينظر وقوعه؛ إذ الجزم بتصريح جميع العلماء في مسألة ما بحكم معين بقولهم أو فعلهم بحيث لم يتخلف أحد منهم فيه فيه نوع عسر. لذا نجد هذا النوع من المسائل المشتهرة التي لا يخفى حالها وتعم بها البلوة أكثر من غيرها. هذا النوع من الإجماع الصريح إنما يتصور في المسائل التي تعم بها البلوة، وهي المسائل المعلومة من الدين بالضرورة.
النوع الثاني، وهو الأكثر، قال: «الإجماع السكوتي»، وهو أن يقول مجتهد أو أكثر من مجتهد في مسألة اجتهادية تكليفية، ثم ينتشر هذا القول بحيث يبلغ باقي المجتهدين، وتمضي مهلة للنظر فيه، ولا نجد منكراً عليه في ذلك مع التجرد عن قرينة عدم الرضا.
إذاً الإجماع السكوتي هو إجماع بوجود عدة عناصر، دعونا نبدأ بها خطوة بخطوة. حصلت مسألة نازلة في هذا العصر، مثل العملات الرقمية فرضاً، فبعض المجتهدين أبدوا رأياً في هذه المسألة، قالوا إنها حرام أو حلال، بغض النظر عن الرأي. هذا الرأي الذي أفتى به هذا المجتهد أو الاثنان أو الثلاثة انتشر عبر وسائل التواصل، وغلب على ظننا أنه اطلع عليه جميع المجتهدين في العصر.
أخذت المسألة مهلة للجميع أن يعيدوا النظر في قول هؤلاء العلماء، ويبدو هل هم موافقون أو معترضون، فلم يخرج أي معترض، ولم يعترض أحد على هذه الفتوى التي صدرت. هنا ننظر: هل هناك قرينة؟ هل هذا السكوت من الجميع، هذا الصمت المطبق، هل هناك قرينة تدل على أن في خوف من سلطة حاكمة، أو من هيئة معينة، أو ربما دُفع لهم مال فسكتوا؟ هل السكوت دليل الرضا أم ليس دليلاً على الرضا؟ هنا تكمن المسألة.
فهذه صورة الإجماع السكوتي؛ أن يقول مجتهد أو أكثر من مجتهد قولاً في مسألة نازلة، وينتشر هذا القول عنهم بحيث يغلب على ظننا أنه وصل إلى باقي المجتهدين في العصر، وتمضي مهلة للنظر فيه، ولا نجد منكراً على الفتوى التي أصدرها المجتهدون الأوائل، مع التجرد عن قرينة عدم الرضا؛ أي لم تظهر قرينة تدلنا على أن سكوتهم كان بسبب خوف أو جبن أو شراء ذمم، فإذا لم تظهر قرينة، فالأصل أن سكوتهم دليل على الرضا وليس دليلاً على عدم الرضا، وفي هذه الحالة نقول تحقق الإجماع السكوتي.
هل هذا الإجماع السكوتي حجة عند جميع المذاهب الفقهية؟ في حقيقة الأمر هناك خلاف، بعض المذاهب تعتبره إجماعاً وحجة، وبعض المذاهب تقول لا، هذه من صور الإجماع التي لا نعترف بها إجماعاً، لذلك في بداية الدرس قلت لكم: هناك صور متفق أنها إجماع، وهناك صور مختلف فيها.
الإجماع السكوتي بعض المذاهب تعتبره إجماعاً، ومنها مذهب الحنابلة، فنحن نعتبره إجماعاً ولكننا معترفون أنه إجماع ظني لا قطعي؛ إذ لا يمكننا الوصول لكونه قطعياً، وهو إجماع ظني، وبالتالي فإن الظنية تفيد أنه إذا شخص خالفه وأنكره لا يكفر؛ لأنه ليس حجة قطعية بل هو حجة ظنية.
قال بشرط أن يكون هذا قبل استقرار المذاهب، أما بعد استقرارها فلا يعتبر؛ لاحتمال أن يكون قاله تقليداً لغيره من أرباب المذاهب، فلا يكون سكوت الباقين فيه دلالة راجحة على الموافقة. هذا ما اشترطه بعض الأصوليين؛ قالوا: بشرط أن تكون هذه المسألة النازلة قبل استقرار المذاهب الأربعة، أما بعد استقرار المذاهب الأربعة فلا يعتبر؛ إذا قال مجتهد أو عالم رأياً، فسكوت الباقين ليس دليلاً على الرضا، لأن الباقي إذا سكت فقد يكون سكت لعلمه أن هذا الشخص حنبلي، بالتالي هو انطلق في المسألة على طريقة الحنابلة، فهم لما سكتوا ليس لأنهم موافقون له، بل لأنهم يعرفون أنه انطلق من أصول مذهبه. أو إذا كان المجتهد الذي تكلم شافعياً وخرج المسألة على أصول الشافعية، الآن مثلاً في مسألة العملات الرقمية، لو فقيه حنبلي خرج لها...
حكماً خرج لها حكماً وسكت الباقون من علماء الشافعية والمالكية والحنفية، هل يعتبر سكوتهم بالضرورة موافقة للحنبلي في تخريجه؟ هم قالوا خلاص ما دامت استقرت المذاهب، هذا بحد ذاته قرينة على أن السكوت ليس علامة على الرضا.
هذا بحد ذاته ما دامت المذاهب استقرت، فسكوت الباقين ليس علامة على الرضا؛ لأنه هناك احتمال كبير وارد أن سكوتهم إنما كان لأن هذا الشخص المخرج كان حنبلياً، فهم لم يعترضوا عليه لأنهم رأوا تخريجه موافقاً لأصوله وليس لأننا نتفق معك. فلو كنت أنا شافعياً قد أخرج المسألة بصورة أخرى، وإذا كنت أنا مالكياً سأخرج المسألة بصورة ثالثة، وإذا كنت حنفياً سأخرجها بصورة رابعة.
هذا الشرط الذي أضفته بعد ذلك، وأشرت إليه، هو ما يذكر في كتب الأصول عند كثير منهم، ويمكن البعض ينازع في هذا الشرط في أي مسألة أخرى، لكن الفكرة أنهم قالوا بعد استقرار المذاهب يتصورون أنه أي مجتهد هو مربوط بمذهب من المذاهب، فما في مجتهد مطلق.
هذا التصور أنه بعد استقرار المذاهب لا يوجد مجتهد مطلق، بالتالي كل المجتهدين من القرن الرابع الهجري إلى يومنا هذا هم مجتهدون منتسبون إلى مذهب من المذاهب. فإذا هذا المجتهد المنتسب إلى مذهب من المذاهب أفتى في نازلة بفتوى معينة، فالأصل أنه يفتي بناءً على قواعد مذهبه، فسكوت أرباب المذاهب الأخرى ليس لأنهم موافقون على الفتوى، بل لأنهم تركوك بحالك؛ لأنك تخرج على مذهبك ونحن نخرج على مذهبنا. فبالتالي سكوتهم ليس دليلاً على الرضا، ولكن هو اقتناع منهم بأن المذاهب قد استقرت، فكل شخص يخرج وفق المذهب الذي ينتمي إليه.
لا أحسنت؛ لأنه هم يقولون إنه لا يوجد لذلك، قلت لك هذا الشرط فيه نزاع، أنه مبني على فكرة أنه لا يوجد مجتهد مطلق بعد استقرار المذاهب. فهمت؟ لكن قبل استقرار المذاهب كان هناك توسع في قضية الاجتهاد المطلق، وكان عندك أئمة حتى غير الأئمة الأربعة كالوزاعي والليث وما شابه، فهؤلاء كلهم أقوالهم معتبرة. بعد استقرار المذاهب الأمة محكومة بها، فما دام محكومة بها فأي شخص سيفكر إنما سيفكر في ضوء مذهب من المذاهب الفقهية الأربعة، ولا يوجد مجتهد مطلق.
فهنا أنت ممكن تنازع وتقول: لا، ممكن يخرج مجتهد مطلق كابن تيمية وابن الملقن وغير هؤلاء ممن نُسب إليهم الاجتهاد المطلق، ويكيف المسألة وفق قواعد وأصول لهم جديدة على خلاف المذاهب الأربعة. فهذه هي مشكلة هذا الشرط، لذلك أنا فصلته وما وضعته ضمن التعريف؛ لأنه ينبني على مدى تصورك: هل يمكن أن يأتي مجتهد مطلق بعد المذاهب الأربعة أم لا؟
إذا أنت تتبنى هذه النظرة بأنه لا يمكن أن يأتي مجتهد مطلق بعد المذاهب الأربعة، إذاً لا يمكن تقاع إجماع سكوتي بعد استقرار المذاهب، لأنه السكوت ليس دليل الرضا، هي فكرة أن السكوت ليس دليل الرضا هي الحبكة. أما إذا كنت ترى أنه ممكن يكون هناك مجتهدون مطلقون، بالتالي لا تبقى صورة الإجماع السكوتي حاضرة.
متى؟ بعد 400 هجري فصاعداً، والقول فيه أنه إجماع ظني الدلالة، وهذا ما عليه أكثر علماء المذاهب المتبوعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. قال عبد العزيز البخاري الحنفي: «كان ذلك إجماعاً مقطوعاً به عند أصحابنا»، مقطوعاً به بمعنى أننا جزماً نعتبره إجماعاً، لكن هو في النهاية حجة ظنية لا يكفر الحنفية المخالف فيه.
طبعاً يجب أن تفهم شيئاً، أنه داخل مذهب الحنفية وداخل مذهب الممالكية وداخل مذهب الشافعية وداخل مذهب الحنابلة في خلاف كثير في اعتبار الإجماع السكوتي؛ ستجد عند الحنفية ثلاثة أقوال في قضية هل الإجماع السكوتي حجة أم لا، وعند الشافعية ثلاثة أقوال، حتى عند الحنابلة عندنا أقوال كثيرة.
سبب هذا الاختلاف وصعوبة الوصول إلى المعتمد هو أنك لا تعرف هل الإمام أحمد يرى هذا حجة أم لا، أو أن الإمام الشافعي يرى هذا حجة أم لا؛ تحتاج إلى تنصيص منه، ولا يوجد نص من أبي حنيفة أو نص من مالك أو نص من الشافعي أو أحمد أنه هل الإجماع السكوتي حجة أم لا. فيصير الأتباع يحاولون يستنبطوا رأي إمام المذهب استنباطاً من خلال فتاويه، وهذا الاستنباط يختلف فيه الأصحاب.
فتجد بعض الشافعية اقتنعوا أن الشافعي لا يرى الإجماع السكوتي حجة، وبعض الشافعية يقول لك الشافعي يراه حجة ولكن حجة ظنية، ويجيء ثالث يعطيك رأياً آخر؛ لأن هذه الأصول تُستنبط من تصرفات الإمام ولم ينص إمام المذهب فيها على رأي صريح. وهذه حقيقة ليست مشكلة فقط في هذه المسألة، بل هي مشكلة في كل المذاهب الأربعة.
الإشكالية هي أن كثيراً من القواعد الأصولية لما نقول إن هذا مذهب الحنفية أو المالكية أو الشافعية لا يكون متفقاً عليه. في الفقه سهل تعرف المعتمد في المذهب، في الفقه في طرق معينة صرنا نعرف هل هذا معتمد الفتوى عند الحنفية، هل هذا معتمد الفتوى عند الشافعية أو الحنابلة، بس في أصول الفقه الأمر صعب جداً.
الأمر صعب جداً لأن كثيراً من مسائل أصول الفقه لم يُنقل فيها عن الأئمة شيء. طيب من أين أخذت أصول الحنفية؟ من خلال تتبع الحنفية المتأخرين، الذين جاؤوا بعد الإمام، فصاروا يستنبطون من فتاوى الإمام ما هي القواعد النظرية التي ينطلق منها أبو حنيفة في التفكير. جاء المالكية فصاروا ينظرون في فتاوى مالك فاستنبطوا ما هي قواعد النظر عند مالك، وكذلك عند الشافعية والحنابلة.
فحجم المسائل الأصولية التي نص عليها أئمة المذاهب محدودة جداً؛ فلا يوجد كتاب أصولي لأبي حنيفة، ولا كتاب أصول فقه لمالك، ولا كتاب أصول فقه لأحمد. الوحيد منهم الذي عنده كتاب أصول هو الشافعي في «الرسالة»، وكم عدد المسائل الأصولية التي ذكرها؟ مسائل معدودة. بالتالي أغلب المسائل الأصولية هي استنباط أصحاب الإمام من خلال فتاوى الإمام.
وهذا الاستنباط يحصل فيه خلاف؛ أنا ممكن أستنبط من كلامك أنك ترى الإجماع السكوتي حجة، فيجيء طالب آخر يستنبط خلاف ذلك، ويقول أنا ما رأيته من طريقة شيخي أنه ليس حجة. هذا استنباط في النهاية، وليس ضرورياً أن نتفق على نفس الآلية. فستجد أن بعض المسائل، بالكثير من المسائل الأصولية سواء عند الشافعي أو المالك أو الحنابلة، حتى الحنابلة أنفسهم مختلفون في أصل الإمام فيها، والشافعية نفس الشيء. ولذلك أنت في أصول الفقه ستحوم حول الحمى في كثير من الأمور، ولن تستطيع أن تجزم أن هذا 100% معتمد الحنابلة أو 100% معتمد الشافعية، ومن أمثلة ذلك الإجماع السكوتي، لن تستطيع أن تجزم 100% أنه...
هذا هو رأي أحمد قطعا أو رأي الشافعي قطعا، وإنما هو بالاستنباط وغلبه الظن لا أكثر. فلما نقول إن رأي المذاهب الأربعة هو اعتبار الإجماع السكوتي فيما يظهر لنا، يعني أكثر الحنفية على كذا أو أكثر الشافعية أو أكثر من ذكرت، لكن هل أستطيع أن أجزم لك 100% أن أبا حنيفة كان يأخذ به؟ هو لم ينص على هذا، ولا مالك، ولا حتى الشافعي ولا أحمد كنص صريح، وإنما هو فيما يظهر من كلام أكثر تبيين إلى هذا المذهب.
قال أبو الوليد الباجي المالكي، وهو قول أكثر أصحابنا المالكيين: اعتبار الإجماع السكوتي قول أكثر المالكيين. وقال النووي في شرح الوسيط: «لا تغتر بإطلاق المتساهل القائل بأن الإجماع السكوتي ليس بحجة عند الشافعي». انظر النووي، وهو أحد محققي مذهب الشافعية، ماذا يقول لك؟ يقول لك لا تغتر، يا أيها الشافعي، بقول بعض المتساهلين من أصحابنا إن الشافعي لا يعتبر الإجماع السكوتي.
ماذا تأخذ منها؟ ماذا تفهم من كلام النووي؟ أنه نفس الشافعية مختلفين، هل الإجماع السكوتي حجة عند الشافعي أم لا؟ والنووي عم ينكر على بعض علماء الشافعية الذين يقولون إن الإجماع السكوتي ليس حجة عند الشافعي، يقول لك لا، أنتم مش فاهمين كلام الشافعي. إذا هم نفسهم مختلفين، ما هو رأي الشافعي في المسألة؟ بل الصواب من مذهب الشافعي أنه حجة وإجماع، وهو موجود في كتب أصحابنا العراقيين في الأصول ومقدمات كتبهم المبسوطة في الفروع.
وقال نجم الدين الطوفي الحنبلي: «إذا اشتهر قول بعض الأئمة التكليفي، ولم يوجد له نكير، فهو إجماع». الطوفي يقول هو إجماع سكوتي، إجماع عند أحمد. وحجتهم الآن عموما، يهمني أن تعرف عند الحنابلة هذه الخلاصة: أكثر الحنابلة على أن الإجماع السكوتي حجة، لكن حجة ظنية. وحجتهم أن سكوت جميع المجتهدين عن إظهار الخلاف ممتنع عادة.
ما الدليل على أن الإجماع السكوتي حجة يا سالم؟ يقول: معقول أنه جميع العلماء توصلهم فتوى هذا العالم المعين وما حدا يعترض عليها؟ يعني ممتنع. فقال: سكوت جميع المجتهدين عن إظهار الخلاف، إذا كان هم عندهم خلاف ممتنع عادة، على الأقل واحد يعترض، اثنان يعترض، الكل ولا واحد اعترض؟ فهذا قرينة أن السكوت علامة على الرضا. قال: فوجب أن يكون سكوتهم على هذه الصفة أمارة عن الرضا، وإنما لم يجعل حجة قطعية لأننا لا نجزم بأن سكوتهم كان عن الرضا. نحن يظهر لنا أن سكوتهم عن الرضا، لكن هل أستطيع أن أجزم بما في قلب كل عالم؟ لا، أنا لا أستطيع أن أجزم، وإنما يظهر لي ظهورا، قال: بل نظنه ظنا راجحا.
تنبيه: أكثر العلماء ينحون إلى الاحتجاج بالإجماع السكوتي والعمل به، وهذا هو الواقع في كتب الاستدلال الفقهي، بل أكثر الإجماعات المنقولة في المسائل الفقهية هي من قبيل الإجماع السكوتي، لكنه لا يرقى من حيث القوة إلى درجة الإجماع الصريح القطعي.
لذلك فقط من باب الفائدة، إذا أنت تقرأ في المغني أو غيرها من الكتب التي تتكلم في الأدلة في الفقه المقارن، فوجدت مثلا استدل الحنابلة بالإجماع أو استدل الشافعية بالإجماع، ثم وجد في الطرف الآخر ما يناقضه ولا يقبل قولهم، فتكون قائلا: كيف يعني هؤلاء يخالفون الإجماع؟ لا بد أن تفهم أن هذا الإجماع هو إجماع ظني، بالتالي المذهب الآخر ممكن ما يقبله أصلا ويعترض عليه، يقول لك: إجماع ظني، عندي ما هو أقوى ظنا منه، ما هو أقوى ثبوتا منه؟ والله عندي آية قرآنية قطعية الدلالة. فلا يهولنك هذا، يجب أن تفهم أن الإجماعات الظنية قد يعترض عليها بين المذاهب لمجيء ما هو أقوى منها في وجهة نظر المذهب المقابل.
وحقيقة الإمام أحمد له مقولة: حتى الإجماع السكوتي لا تظن أن الدعوى سهلة، لذلك أحمد كان يقول: «من ادعى الإجماع فقد كذب». أحمد بن حنبل يقول: من ادعى الإجماع، حتى السكوتي، فقد كذب. وإنما ينبغي أن يقول الفقيه: لا أعلم خلافا في المسألة، لكن لا تقل فيها إجماع حتى لو كان سكوتيا؛ لأنه أنا فعليا بعد عصر الصحابة، وأنا عارف، هل وصلت المسألة لعلماء الشرق والغرب أم لا؟ وإنما قصارى ما يمكن أن أقول: لا أعلم خلافا.
لماذا "لا أعلم خلافا"؟ لأنها أسهل من ادعاء الإجماع. ما معنى "لا أعلم خلافا"؟ يعني بناء على علمي وعلى سعة اطلاعي ما أعرف خلافا، بس ممكن يكون في، بس أنا ما وصلني، فهذه أورع من أن تقول المسألة فيها إجماع وتنهي. وأورع من أن تقول إنه إذا حكيت فيها إجماع، ولو سكوتيا، أنت تخبر عن أن هذا القول انتشر في الأمة واطلع عليه العلماء وسكتوا. فحتى ادعاء الإجماع السكوتي ترى ليس سهلا.
لذلك الأصل في طالب العلم أنه لا ينقل الإجماعات بسهولة، وحتى في المناظرات الفقهية، لا تجعل أكبر اعتمادك على حجية الإجماع وإن كانت تنقل في الكتب، لأن المخالف سيعترض عليك بأمثال، واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة نماذج خالفت، فتقول: لا نعلم خلافا معتبرا، هي عبارة أكثر علمية. أما ادعاء الإجماع بالطريقة الحاسمة، فممكن المخالف يخرج لك بعض النماذج المخالفة ويقول لك: كيف تدعي الإجماع؟ فتضعف حجتك أمامه، فانتبه، ليس سهلا أن تنقل الإجماع في المناظرات الفقهية.
أكمل أمثلة تطبيقية: الجلد في الخمر 80 جلدة. جاء في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ جلد في الخمر 40، وجلد أبو بكر 40 أيضا، فلما كان عهد عمر ودنا الناس من الريف والقرى -إشارة إلى أن بعض الناس بدأ يكثر شرب الخمر لتوافر العنب بسهولة- استشار عمر أصحابه فقال: ما ترون؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود 80. فامضى عمر، فعبد الرحمن بن عوف قال: نجلد 80.
الجلد كان كم؟ 40. عبد الرحمن قال: نرفع إلى 80. طبعا هذه لها تفسيرات كثيرة، وليس هذا وقت مناقشة المسألة، لكن قال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود 80، وأخف الحدود هو حد القذف، فعبد الرحمن بن عوف قاس حد شرب الخمر على حد القذف. فقال: نجلد في الخمر 80. وكان عمر حاضرا، وكان مجموعة من الصحابة حضور واستشارهم، ورفعوا إلى 80 وطبق هذا في النظام الإسلامي ولم يعترض أحد، فهذا ليس إجماعا صريحا، بل يعتبر إجماعا سكوتيا.
إنه عمر ما سمع قول عبد الله بن مسعود، وكل شخص من الصحابة العلماء سمع قول من حضره من الصحابة، ولكنه أقر وعمل به ولم يعترض أحد على عمر في ذلك، فاعتبر إجماعًا سكوتيًا. فقول عبد الرحمن بن عوف كان بحضور علماء الصحابة ومجتهد، ولم ينكر ذلك عليه أحد، فكان إجماعًا سكوتيًا.
ما هو النقاش في هذا؟ هل الخمر حد ولا عقوبة مثبته أصلاً؟ صار نقاش بهذا، فالبعض قال إنه أصلاً طريقة المعاقبة في الخمر كانت موكلة إلى اجتهاد الإمام، ولذلك الذي ينظر في الأحاديث النبوية يجد اختلافًا في الأحاديث النبوية؛ كيف تمت معالجة شاربي الخمر في زمن النبي ﷺ؟
في بعض الأحاديث أنه جلد بجريدة نخل، يعني ورق نخل، أربعين. وفي بعض الأحاديث أن النبي ﷺ قال: «قوموا فاضربوه»، فتناول كل الصحابة: هذا بعصا، وهذا بحجر. فاستنبط بعض العلماء من هذا ما فكروا به؛ ماذا؟ أن الخمر فهم الصحابة ابتداءً أنه أمر موكل إلى الإمام، إذا رأى أن يخفف العقوبة قد، إذا رأى أن يزيدها يزيد وفق ما يرى من المصلحة. هذا قول لبعض أهل العلم.
هناك رأي آخر؛ أن أشهر الأحاديث أنه جلد بنخل أربعين، وقالوا النخل له طرفان، فإذا أنت اعتبرته باعتبار طرفيه صار ثمانين، فبالتالي لو حولنا من جريدة نخل إلى سوط، فقالوا جريدة النخل ضرب بها من جهتين فهي تكون أربعين، لكنها إذا أنت ضربت فيها صارت ثمانين من حيث العدد. فعبد الرحمن بن عوف فهم أن الجريدة وإن كانت أربعين لكنها من حيث المحصل النهائي بتتحول لثمانين.
وإن كان الفهم الأول أو الاجتهاد الأول أجده أقرب؛ لأنه عبد الرحمن بن عوف ما ذكر هذا التحليل، عبد الرحمن بن عوف قاس الخمر على القذف، ما جاب قصة أن الجريدة بتجيب ثمانين، فقد نقول إن في نوع من المساحة لاجتهاد الحاكم في تقدير العقوبة باعتبار تتبع الناس في هذا الأمر أو عدم تتبعهم، والله أعلم.
اثنين: جمع القرآن في زمن عثمان وتحري المصاحف الأخرى. بتعرف عثمان رضي الله عنه لما جمع القرآن، أو نسخ القرآن -ربما هي العبارة أصح، يعني لو كتبنا نسخ القرآن أنه عثمان نسخ، عثمان بن عفان نسخ ست نسخ أو سبع نسخ، وزعها على الأنصار وأمر بتحريق كل نسخ القرآن الأخرى التي عند الصحابة، أمر بالتحريق بوجود كبار الصحابة وما نازعه أحد، إلا ما نقل عن ابن مسعود أنه نازع فترة، ثم ركن، نازع فترة حتى قال لأهل الكوفة: خبئوا مصاحفكم ما حداش يحرق، ثم بعد ذلك سلم لما ظهرت له المصلحة الحقيقية التي أرادها عثمان من هذا الأمر.
قال: فقد أخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح عن علي رضي الله عنه قال: «لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا». للأسف لما خرج الخوارج ليقتلوا عثمان كان أحد أبرز الشبهات لديهم ما هي؟ عثمان حرق المصاحف. تعرفوا الخوارج يعني شو؟ ما عنده عقل ولا نظر في المصلحة، يعني مفهوم المصلحة الشرعية هذا مش في زاوية النظر أبدًا، فقالوا من أحد الشبهات التي أخرجوها على عثمان أن عثمان حرق المصاحف، أنت تشوف كيف يعني عملوا بروباغندا سيئة جدًا في حقه.
فعلي رضي الله عنه إيش قال؟ قال: «لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فإنما حرقها بعد أن اتفق الصحابة معه على هذا القرار»، يعني هو مش قرار شخصي، هو كلنا كنا حاضرين وكلنا وافقنا على هذا الرأي، فهو لم يخطئ، فهو إجماع سكوتي لم ينازع فيه إلا عبد الله بن مسعود ابتداءً ثم عاد وركن، فإذا حصل الاستقرار النهائي. فقول علي رضي الله عنه يدل على أن نسخ عثمان للمصحف وتحريق النسخ الأخرى حدث في حضرة الصحابة ولم ينكر ذلك عليه أحد، فكان إجماعًا سكوتيًا.
الآن انتهينا من أنواع الإجماع، نأتي: ما هي شروط انعقاد الإجماع عند الحنابلة؟ الآن خلص بدنا نجي على مذهبنا الحنابلة، ما هي الشروط التي يعتبرونها في انعقاد الإجماع عندهم؟ شروط نتفق في بعضها مع المذاهب الفقهية الأخرى ولنا بعض الشروط الخاصة فينا.
للإجماع شروط وضوابط ينبغي مراعاتها حتى يكون حجة معتبرة يصار إليها، وهذه الشروط منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو محل خلاف بين العلماء، وقد أشرنا إلى بعضها في تعريف الإجماع. وأشار الناظم أيضًا إلى بعضها فقال: وشرطه اتفاقهم جميعًا ... أي فقهاء عصره تشريعا ولم يكن قبل خلاف استقر ... أو أجمع الماضون فيه واستمر واعتبر انقراض عصر فيه ... وأقبل خلاف ناشئ فقيه
هذه الأبيات الثلاث جمع فيها الشيخ عامر شروط انعقاد الإجماع عند الحنابلة. الشرط الأول: اتفاق جميع المجتهدين، فلا يكتفى بقول الأكثر. هذا أول شرط أظن أننا فهمناه في الإجماع، أنه أول شرط حتى نقول في إجماع -سواء صريح ولا سكوتي- بغض النظر، أول شرط ما هو اتفاق الجميع، فلا يكتفى بقول الأغلبية؛ يعني لو في 99.9% اتفقوا على رأي و1% خالفهم، ما فيش إجماع، لابد من اتفاق الجميع، فلا يكتفى بقول الأكثر، حتى قول المذاهب الأربعة، لو قيل إن المذاهب الأربعة متفقة على مسألة هل هذا إجماع؟ لا، وإن كنا لا نخرج في العادة عنها، لكن ليس الإجماع المعصوم.
إن بعض الناس هو يحاول أن يصور مثلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية خالف الإجماع، هذه أكيد ستسمعون هذه الشبهة في الجامعات، تيجي تقول: إيش يعني خالف الإجماع؟ يعني حتى أنت تفهم وتعرف ما قصدك أن ابن تيمية خالف الإجماع، قل خالف إجماع المذاهب الأربعة، لا، معناتها أنت اللي عم تلعب في موضوع الإجماع. المذاهب الأربعة لا نخرج عنها بإذن الله وندرسها، لكن ليس اتفاق المذاهب الأربعة إجماعًا بالمعنى الأصولي.
فلما تقول ابن تيمية غادر المذاهب الأربعة، هو مجتهد غادر المذاهب الأربعة لأنه يحق له الاجتهاد بشهادة كثير من الأشاعرة، لكن هو لم يخرم إجماعًا. خرج عن المذاهب الأربعة، واتفاق المذاهب الأربعة على حكم ليس إجماعًا بالمعنى الأصولي. ممتاز، هذا مهم جدًا تفهموه لكثرة التلبيس والتشويش في هذا، فالإجماع هو اتفاق جميع المجتهدين على مسألة معينة، فلا يعتبر قول الأكثر إجماعًا. ومن أهم شروط انعقاد الإجماع أن يكون الاتفاق قد وقع من جميع...
المجتهدين في العصر، فمتى وجد مخالف ولو كان واحداً فلا انعقاد للإجماع، ولا تصح حكايته ولا الاحتجاج به. قال صاحب الأصل -ويعني ابن النجار صاحب مختصر التحريم-: «ولا حجة مع مخالفة مجتهد». هكذا قال ابن النجار الحنبلي؛ لا حجة في الإجماع إذا خالف مجتهد واحد.
انقدت، ودليل هذا الشرط -وطبعاً مراد مجتهد في نفس العصر، يا انتبهوا إخواني- لا حجة إذا خالف مجتهد يعني في نفس العصر، أما إذا حصل الإجماع في عصر ثم جاء مجتهد في القرن الذي يليه فخالف، فلا عبرة بقوله. فاهمين أنتم؟ أظن هي الجزئية، نحن نتكلم عن نفس العصر؛ إذا خالف البعض لا يوجد إجماع، أما إذا اتفق أهل العصر على حكم ثم في العصر الذي يليه حصل خلاف، فلا عبرة؛ لأنه الإجماع سابق.
ودليل هذا الشرط أن العصمة الثابتة لهذه الأمة بالأدلة الشرعية إنما ثبتت لها بكليتها. لما الأحاديث التي قرأناها: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»، و«لا تجتمع أمتي على ضلالة». هذه العصمة إنما ثبتت للكل وليس للجمهور، ثبتت للكل، فإذا لم يحصل الكل ما عاد في عصمة، ممكن يكون الحق مع الواحد الذي خالف؛ صح، ممكن 99 يحكوا غلط وواحد الذي يحكي الصح، ونحن بهمنا الكل هنا.
العصمة وردت في الأحاديث، فمتى خالف بعض المجتهدين ولو قل عددهم، انتفت هذه الكلية وانتفت تبعاً لذلك العصمة، فلا يؤمن الخطأ على الأكثر؛ فالأكثر يمكن يخطئ ويمكن يصيب واحد، أليس كذلك؟
من باب الفائدة، على الهامش، ابن جرير الطبري كان يرى أن الإجماع ينعقد بقول الأكثرية، هذا رأيه الخاص وتبعوا عليه البعض، بالتالي في تفسيره للقرآن، تفسير ابن جرير، أو في كتابه في الفقه المقارن، إذا قال: "أجمع العلماء"، نتوقف؛ لأنه ابن جرير له نظرة أن الإجماع ينعقد بقول الأكثر، فبالتالي إجماعه ليس معتبراً عندنا حتى نتأكد أن الإجماع الذي أراده هو قول الجميع. فهمتم؟ هذا متعلق بالإمام ابن جرير الطبري رحمه الله عليه.
الشرط الثاني: العبرة باتفاق المجتهدين دون غيرهم. إذا كان أول شرط من شروط الإجماع هو اتفاق الجميع، فالشرط الثاني أن العبرة باتفاق الجميع من المجتهدين، وهذا أشرنا إليه أصلاً في تعريف الإجماع؛ أن العبرة ليست باتفاق النجارين، ولا الحدادين، ولا الصيادلة، ولا أطباء الأسنان، ولا كل واحد من هذه الأشكال، وإنما العبرة بالمجتهد.
نحن اليوم ترى يعترض على هذا الكلام، بتلاقي مثقفين يريدون إدخال أنفسهم في الإجماعات، داعية إسلامي يريد إدخال نفسه في الإجماع، بتعتبر أنه داعية، كنت داعية، كنت مثقفاً إسلامياً، كنت باحثاً، كل هذا تضعه على الرف. أنا أبحث عن المجتهد، وليس لك أي علاقة، لا تحشر رأيك بين آراء العلماء حتى ولو كنت قارئاً لكتاب أو كتابين أو ثلاثة أو خمسة كتب، هذا لا يعتبر. يجب أن تنطبق عليك شروط الاجتهاد حتى يكون رأيك معتبراً في المسألة الشرعية.
قال: «وهذا ما عليه جماهير الأصوليين، بل كاد بعضهم أن ينقل الاتفاق عليه». يعني هذا الشرط جماهير المذاهب الفقهية تعتبره، بل إن بعضهم نقل الاتفاق على اعتبار هذا الشرط؛ أن يكون الاتفاق من الجميع وليس اتفاق الأكثر، هذا عند جماهير العلماء، وقلنا خالف فيه من الشرط الأول ابن جرير الطبري.
الشرط الثاني: أن العبرة باتفاق المجتهدين ولا عبرة باتفاق غير المجتهدين، هذا أيضاً قول الأكثر، بل حتى كاد بعضهم ينقل الاتفاق على هذا الشرط، بس أنا أخاف من كلمة "ينقل الاتفاق" لأنها قد تعني وجود خلاف.
قال: الإمام أحمد، كما نقل أبو يعلى في العدة: «لا يجوز الاختيار إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة ممن إذا ورد عليه أمر نظر في الأمور وشبهها بالكتاب والسنة». شوف الإمام أحمد ماذا يقول؟ قال: لا يجوز الاختيار إلا لمن هو عالم بالكتاب والسنة، ليس أي شخص زي حالتنا المعاصرة اليوم له حق أن يتبنى رأياً في مسألة فقهية. الاختيار في المسائل الفقهية وبيان حكم الله فيها لا يكون إلا لعالم بالكتاب والسنة، بحيث إذا وردت عليه مسألة نازلة، نظر في الأمر وقاسه على ما يشابهه في الكتاب والسنة، يعرف الملتقى، يعرف القواعد. أما مثقف ولا قارئ ولا كذا، هذا لا يصلح أن يكون له اختيار فقهي، لا يصلح أن يكون له اختيار فقهي، حتى طالب العلم حتى لو كان شيخاً، إذا لم يكن راسخاً في منهجية الأصوليين ليس له حق الاختيار.
وقال أبو بكر الجصاص من الحنفية: «ولا يعتد بخلاف من لا يعرف أصول الشريعة، ولم يرتضِ بطرقها». "يرتضِ" من الرياضة، وأنا لا أعني رياضة الركض، بل الرياضة العقلية والقلبية، الملكة التي نسميها ملكة، هو ليس عنده ملكة ولا رياضة في التعامل مع نصوص الكتاب والسنة والتفريع عليها والتقعيد والقياس، الذي ليس عنده رياضة هذا يسكت، ولم يعرف أصول السمع والمقاييس الفقهية. جميل، وهذا حال أكثر المعاصرين اليوم للأسف، ممن يخوضوا في الدين بدون بصيرة ولا هدى.
ومما احتج به على هذا الشرط أن أبا طلحة الأنصاري خالف الصحابة فقال: "البرد لا يفطر الصائم"؛ لأنه ليس بطعام ولا شراب. حتى أعطيك مثالاً على أن أحد الصحابة قال رأياً ولكن لم يعتد أحد برأيه ولم يعتبر قوله نقداً للإجماع. في أن انعقاد الإجماع، سيدنا أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه أحد الصحابة الكرام وهو زوج أم سليم، كان له رأي غريب، بس هنا يجي السؤال: ما تصنيف أبو طلحة من حيث إنه عالم أو عامي؟ هو صحابي على الرأس والعين، لكن الآن بحث أصولي: هل يعتبر من علماء الصحابة أو من عوام الصحابة؟ من عوام، رجل مزارع، أبو طلحة الأنصاري كان رجلاً له مزرعة ولم يكن معروفاً بالعلم، بس كان له رأي غريب، كان يرى أن البرد -البرد الذي ينزل من السماء- إذا أكله الصائم لا يفطر.
الآن، هل يجوز أن يقال إن هذه مسألة أصبحت اجتهادية لأن هناك في عصر الصحابة من فهم في مسألة الإفطار بالبرد؟ لا، هي مسألة إجماع أن البرد ولا الثلج -ومتى ما أنت شربتهم والبرد سيصبح ماءً ويدخل ويصل إلى جوفك- فهل اعتد بخلاف أبي طلحة؟ لم يعتد بخلافه؛ ليه؟ قالوا إنه ليس من مجتهدي الصحابة، لا يوجد ضابط لمجتهد مثل معاذ.
ابن جبل، فقيه، علي بن أبي طالب فقيه، عبد الله بن مسعود فقيه، أبو موسى الأشعري فقيه، خالد بن الوليد محارب، ليس من فقهاء الصحابة، أبو أيوب الأنصاري محارب ورجل فاضل. فهمتم؟ فهذا تقسيم طبيعي هكذا المجتمعات الإنسانية؛ في عالم متخصص في الفقه، وفي مزارع، وفي محارب، وبالتالي مهم جدا أن ينظر بهذا الاعتبار.
فقالوا: لماذا لم يعتد بخلاف أبي طلحة، والذي يشرب البرد بحجة قول أبي طلحة؟ بدك تفطر على قضاء وإثم يا شيخ؟ أخذت بقول أبي طلحة وقوله مخالف للإجماع. هو له عذره عند الله، نحن الصحابة له عذره، قد تكون اشتبهت عليه مسألة، لكن أنت تعرف أن أبا طلحة ليس من فقهاء الصحابة، بالتالي ما دام ليس مجتهداً ولا فقيهاً فلا يعتبر قوله خلافاً لإجماع الصحابة ولا عبرة به.
قال: فردوا قوله ولم يعتدوا بخلافه لأنه كان من عامة الصحابة وليس من علمائهم. قال ابن دقيق العيد، وهو الصواب: «لوجوب رد العوام إلى المجتهدين وتحريم الفتوى منهم في الدين». لأن إذا سماه عامياً فهو عامي من حيث الفقه، أبو طلحة -رضي الله عنه- كذلك.
حتى يمكن مسألة حذيفة بن اليمان، أظن المسألة أن السحور يجوز أن يستمر إلى طلوع الشمس وليس إلى طلوع الفجر، هي فتوى شاذة لا يجوز العمل بها. ما تقوليش والله سيدنا حذيفة بن اليمان أفتى فيها، هذا كلام لا يعتبر ولا يعتد بقوله في مقارنة كبار الصحابة المفتين في هذه المسائل.
الشرط الثالث أن يكون اتفاقهم على أمر ديني، وهذا الشرط تكلمنا عنه في تعريف الإجماع؛ أن العبرة بالإجماع المعصوم هو الاتفاق على أمر ديني، مش أمر عسكري أو اقتصادي أو سياسي. الكلام عن المسائل الدينية هذا موضوعنا.
إذا انعقد الإجماع على أمر ديني لا تتوقف حجية الإجماع عليه، فهو الإجماع المقبول بلا خلاف. أما إذا كان الأمر الديني تتوقف حجية الإجماع على إثباته ابتداءً، كإثبات نبوة محمد ﷺ ووجود الشرائع، فإنه لا يصح انعقاد الإجماع عليه وإلا لزم الدور. وهي مسألة أظنها مفهومة لمن لديه دراية في الأمور العقلية، سأشرح لكم إياها كفكرة عامة أظنها واضحة، ما يلبس عليكم هذا الموضوع كفكرة عامة.
أن الإجماع على أمر ديني، لكن بعض الأصوليين بعمق البحث يقولون: هل هناك مسائل دينية لا يصح اعتبار الإجماع فيها؟ هيك السؤال. اكتب هيك سؤال: هل هناك مسائل دينية لا يصح اعتبار الإجماع فيها؟ عشان هيك أنا أصلاً طرحت المسألة هنا. قالوا: نعم، هناك مسائل دينية لا يصح اعتبار الإجماع فيها.
ما هي المسائل التي يتوقف إثبات الإجماع على أنه مصدر تشريعي من خلالها؟ لو بدي أسألك سؤال: نحن كيف أثبتنا أنه الإجماع حجة؟ ارجع من وادي موسى واقعد هنا، كيف أثبتنا أن الإجماع حجة بالنقل؟ اللي هو نصوص الكتاب والسنة، صح؟ فلو جاء شخص فقال: أجمعنا، يستدل على أن القرآن حجة، فماذا يقول؟ أجمعت الأمة على أن القرآن حجة، أو أجمعت الأمة على أن السنة حجة.
نقول الإجماع هنا لا عبرة به، ليه؟ لا يصح أصلاً الاستدلال بالإجماع هنا، لماذا؟ لأن الإجماع أنت أصلاً من أين أخذت حجيته؟ من القرآن والسنة. فلا يجوز تقول: أجمعنا على حجية القرآن، وأجمعنا على حجية السنة، بعدين نلاقي أنه طيب كيف عرفت أن الإجماع حجة؟ قال: من القرآن والسنة. ما تقول أنت هيك، رجعت الدائرة من أولها.
بس حتى تفهم القضية من ناحية منطقية؛ لو قال شخص: الإجماع أثبت حجية القرآن والسنة، طيب ما الدليل على أن القرآن حجة أو السنة حجة؟ لو فرضاً شخص قال: الدليل على أن القرآن حجة والسنة حجة هو الإجماع، إذاً الإجماع دليل. بس رح أسألك: طيب ما هو الذي جعل الإجماع دليلاً؟ أنت كيف جعلت الإجماع دليلاً؟ من أين عرفت أنه هو أصلاً دليل؟ قال: الإجماع أخذت حجيته من القرآن والسنة.
يعني فتقول القرآن والسنة دليل على حجية الإجماع، فبنقول هيك صار في دور، صرنا في دائرة غير منطقية. أن الإجماع إذا كان الإجماع هو دليل على حجية الكتاب والسنة، إذاً يجب أن يكون هناك دليل آخر أثبت حجية الإجماع، فإنت بتكون هناك شيء دل على حجية الإجماع، بعدين الإجماع دل على حجية الكتاب والسنة. أما أن يكون الإجماع أنت أصلاً عرفت مشروعيته من الكتاب والسنة، بعدين تروح ترجع تستدل به على حجية الكتاب والسنة، أنت شقلبت الأمور، عملت دوراً عقلياً وهذا الدور خطأ فلسفي منطقي لا يجوز.
فلذلك يقولون المسائل التي أثبتت حجية الإجماع وهي الكتاب والسنة، لا يجوز أن تدعي وقوع الإجماع فيها. يعني هناك مسائل دينية لو شخص سألك سؤالاً علمياً: هل هناك مسائل دينية لا يجوز ادعاء الإجماع فيها؟ نعم، إذاً مش كل المسائل الدينية يدخلها الإجماع.
طيب ما هي المسائل الدينية التي لا يدخلها الإجماع؟ هي المسائل التي أثبتت حجية الإجماع. أي مسألة هي أثبتت أن الإجماع حجة، لا يجوز أن تجعل الإجماع حجة عليها، لأنها هي أثبتت حجية الإجماع. فكيف يكون الإجماع حجة على الكتاب أو حجة على حجية السنة؟ لا يصلح، لأنك أولاً لما أثبتت حجية القرآن ولما أثبتت حجية السنة، بعد ذلك نتج عندك حجية الإجماع، فكيف بدك ترجع تعتبر الإجماع هو دليل وحجة على حجية القرآن وعلى حجية السنة؟ هذا يسمى دوراً في علم المنطق، وهذا خطأ فاحش في الاستدلال.
إذاً نعم، هناك مسائل دينية لا يجوز إدخال الإجماع فيها. قال: إذا كان الأمر الديني تتوقف حجية الإجماع على إثباته ابتداءً، مثلاً يقول لك شخص: أجمعت الأمة على نبوة سيدنا النبي ﷺ، هذه مسألة ما الإجماع ليس له علاقة فيها. ليه؟ لأن إثبات نبوة محمد ﷺ بها أثبتنا صحة القرآن، بعد ذلك وصحة السنة، ثم نتج عن ذلك صحة الإجماع، فكيف ستستدعي في عملية الاستدلال؟
إذاً الاستدلال بالإجماع على إثبات نبوة محمد ﷺ ووجود الشرائع السابقة، أنت هذا أصلاً كله أخذته من القرآن والسنة، قال: فإنه لا يصح انعقاد الإجماع عليه وإلا لزم الدور. فهمتوا؟ يعني الدور أنت تدور في دائرة غير منطقية.
أما اتفاق الأمة في أمور الدنيا كالحروب والتجارات، فذهب كثير من الأصوليين إلى عدم اعتباره، محتجين بأن المصالح تختلف باختلاف الأزمنة، فلو كان إجماعاً معتبراً لكان... فلو كان...
إجماعاً معتبراً لكان ملزماً للأمة من بعدهم في جميع العصور والأماكن، وهذا موقع للأمة في الحرج. فهمتم الآن لماذا لم نعتبر إجماع الأمة المجتهدين في مسائل الحرب والسلم والسياسة والاقتصاد؟ لماذا لم يعتبر إجماع المجتهدين في هذه المسائل، وإنما اعتبر إجماعهم فقط في المسائل الدينية البحتة؟
أحسنت، إنهم اتفقوا في عصر معين على أمر سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي بناءً على الظروف التي وجدت عندهم، وهذه الظروف تتغير بتغير الزمان والمكان. فإذا اتفقوا على مهادنة الكفار في زمن معين لأن المصلحة اقتضت ذلك، فلا يجوز أن يؤخذ أن هذا شيء قطعي على مدار الأزمنة. وإذا اتفقوا على حالة حرب في مرحلة معينة سياسية، هذا لأن الواقع في زمنهم اقتضى ذلك.
فالأمور التي تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة لا يجوز أن نقول وقع الإجماع عليها، وإنما يقع الإجماع على ما هو ثابت ليس مرتبطاً بالعرف وتغيراته؛ المسائل التي طبيعتها ثابتة وغير مرتبطة بالعرف هي التي يدعى الإجماع فيها، أما المسائل المرتبطة بطبائع الزمان سياسياً أو اجتماعياً، هذه لا يدخلها الإجماع.
الشرط الرابع: ألا يكون الخلاف في المسألة قد استقر في العصر الأول. هذا الشرط الرابع حتى نقول إن هناك إجماعاً في مسألة، ألا يكون الخلاف في المسألة قد استقر في العصر الأول. مسألة وقعت في زمن الصحابة اختلف الصحابة فيها؛ على رأيي ناس قالوا جائز وناس قالوا حرام، انتهى عصر الصحابة وجاء عصر التابعين، هل يجوز للتابعين أن يجمعوا على أحد القولين؟ لا، خلص ما في إجماع، انتهت لأن الخلاف استقر في العصر الماضي، فلا يمكن أن ينعقد الإجماع بعد ذلك على قول واحد.
ما دام الصحابة اختلفوا في المسألة على قولين وانتهى عصر الصحابة وهم على ذلك، ستتبقى المسألة خلافية إلى يوم القيامة، ولا يجوز لأحد في عصر التابعين يقول: "لا، خلص نريد أن نجمع على أحد قولي الصحابة". أنت إذا أجمعت على أحد قولي الصحابة، فقد ألغيت القول الآخر، والمذاهب والأقوال لا تموت بموت أصحابها. تخيلوا اليوم نأتي ونقول نريد أن نجمع اليوم على مذهب الحنابلة ونلغي مذهب المالكية والشافعية، وهذا لا يصح؛ لأن في شخصاً اسمه أبو حنيفة، وفي شخص اسمه مالك، والشافعي، شئت وأبيت لهم أقوال استقرت وانتهت، فأقوالهم لا تموت بموتهم بل تبقى راسخة متجذرة في الأمة.
فإذا أي مسألة وقع فيها خلاف في القرن الأول أو الثاني واستقر الخلاف، لا يحق لأي قرن بعد ذلك أن يجمع على أحد القولين. وطبعاً هنا سنجد شغلتين، سأذكرهما الآن: لا يجوز أن نجمع على أحد القولين، ولا يجوز أيضاً أن ننتج قولاً ثالثاً على خلاف القولين. إذا استقر الخلاف بين الأمة على قولين في زمن الصحابة، هناك أمران لا يجوز أن تفعلهما بعد ذلك: الأول، لا يجوز الإجماع على أحد القولين، فلا تقول: "أنا أريد أن أمشي مع الرأي الأول للصحابة ونجمع عليه، والرأي الثاني للصحابة سنحذفه"، لا يصح ما دام الخلاف قد استقر. الثاني، لا يجوز أن تُحدث قولاً ثالثاً مخالفاً للرأيين اللذين كانا في زمن الصحابة.
من شروط انعقاد الإجماع أيضاً: ألا يكون مسبوقاً بخلاف قد استقر في المسألة في عصر سابق. قال صاحب الأصل: «اتفاق عصر ثان على أحد قولي الأول وقد استقر الخلاف لا يرفعه». يعني لا يرفع الخلاف إذا جاء العصر الثاني والقرن الأول قد اختلفوا على قولين، فليس بالإمكان الإجماع على أحد القولين، وسيبقى القولان إلى يوم القيامة.
ودليل هذا الشرط أن موتى المخالف في العصر الأول لا يكون مسقطاً لرايه. ومن العبارات الرشيقة للشافعي رحمه الله: «المذاهب لا تموت بموت أربابها». انظر ماذا يقول الشافعي؛ المذاهب لا تموت بموت أصحابها أو أربابها، أي المتكلمين بها. فلما مثلاً سيدنا عمر رضي الله عنه له في مسألة رأي، وعبد الله بن مسعود له رأي، والصحابة ماتوا وهم على هذين الرأيين، هل يصير أن يأتي عصر التابعين ويقولوا: "خلص، نريد أن نأخذ برأي عمر ونجمع عليه ونلغي كلام عبد الله بن مسعود"؟ لا يصح لهم ذلك، مات الصحابة وهناك رأيان يبقيان إلى يوم القيامة.
ومن الأدلة عليه أيضاً ما ذكره ابن برهان في "الوصول إلى الأصول" أن أهل العصر الأول إذا اختلفوا على قولين، يتضمن اختلافهم إجماعاً على تسويغ الأخذ بكل واحد من القولين، فلو كان الإجماع على أحد القولين بعد ذلك مانعاً من جواز الأخذ بالقول الآخر، لتضمن ذلك رفع الإجماع السابق، وما ثبت بالإجماع لا طريق إلى رفعه.
كيف استدل ابن برهان على هذا الشرط؟ كيف استدل على أن الأمة إذا اختلفت على قولين لا يجوز للجيل الذي يليه أن يجمع على أحد القولين؟ تفضل، دعنا نشوف الأخ. هو يقول: انظر كيف يرى العلماء؛ قلنا الآن إن هناك قولين، قول عمر وقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، وموت الصحابة جميعاً وهم مقرون لهذين القولين هو بحد ذاته إجماع على أن كل قول معتبر. فهمتم وجهة النظر؟ اختلاف الصحابة على قولين وموتهم وهم مجيزون لكلا القولين هو بحد ذاته إجماع على جواز الأخذ بأي من القولين.
فإذا جاء العصر الذي يليه، عصر التابعين، وقالوا: "نحن نريد أن نأخذ فقط برأي عمر ونجمع عليه"، هنا سيعارض إجماع التابعين على الأخذ برأي عمر فقط إجماع الصحابة السابق على جواز الأخذ بأي من القولين. وهل يجوز للإجماع اللاحق أن يعارض الإجماع السابق؟ لا. فالإجماع السابق هو إجماعهم على جواز الأخذ بأي من القولين، فلا يجوز بعد ذلك أن يأتي إجماع لاحق يكون مصادماً للإجماع الأول. قال وخلاصة كلامه: إن أهل العصر الأول إذا اختلفوا على قولين أو أكثر واستقر الاختلاف بينهم، فهو إجماع منهم على جواز الأخذ بأي قول من هذه الأقوال، وعليه طبعاً جواز الأخذ بأي قول.
المراد بالنظر لا بالهوى. وعليه، لا يصح انعقاد الإجماع بعدهم على أحد هذه الأقوال؛ لأن فيه نقضًا للإجماع السابق الذي ذكرناه، والإجماع لا ينقض. لا يجوز للإجماع اللاحق أن ينقض إجماعًا سابقًا، وقد ذهب إلى اشتراط هذا الشرط جمهور الأصوليين من المالكية والشافعية والحنابلة.
مثال تطبيقي: اختلف الصحابة في بيع أمهات الأولاد، وهي الأم إذا ولدت من سيدها. تذكروا أنني ذكرت لكم قصة أمهات الأولاد سابقًا، وقلت لكم من هي المرأة التي تسمى أم ولد في الفقه الإسلامي؟ هي المرأة التي تنجب من سيدها لا من زوجه. وحكمها أن هذه بمجرد أن يموت سيدها تصبح حرة.
لكن السؤال هو: قبل أن يموت سيدها، هل يجوز لسيدها أن يبيعها؟ هي الآن جارية ولدت من سيدها، وعتقها متوقف على موت السيد، فهل يحق له قبل موته أن يبيعها لشخص آخر؟ إذا باعها لشخص آخر وورطها، هل يحق له ذلك؟
اختلف الصحابة في بيع أمهات الأولاد؛ فبعضهم قال يجوز بيعها قبل أن يموت السيد، والبعض قال لا، ما دامت قد أنجبت منك فلا يجوز بيعها، بل تظل عندك حتى تموت أنت أو تموت هي، فإذا متَّ أصبحت حرة. ثم اتفق التابعون بعد ذلك على عدم جواز بيعهن، أي أنه لا يجوز بيعهن بل يظللن عندك حتى تموت.
فكان إجماع التابعين منعقدًا على أحد قولي الصحابة. فإذا كان إجماع التابعين أو اتفاق التابعين قد انعقد على أحد قولي الصحابة، فهل هذا يلغي القول الآخر للصحابة؟ هذا هو السؤال.
قال: فجمهور الأصوليين لا يعتبر اتفاق التابعين إجماعًا تحرم مخالفته، لذلك نرى أن داود الظاهري ذهب إلى جواز بيعهن، مخالفًا إجماع التابعين ومتبعًا القول المرجوح في المسألة، ومع ذلك لا نقول إنه خرق الإجماع على طريقة الجمهور؛ لأنه لم ينعقد أصلاً.
في عصر التابعين، إذا قلنا بعبارة واسعة إن العرف كان عند التابعين هو عدم البيع، ولم يُنقل أن التابعين مشوا على رأي جواز البيع، وأخذوا بالقول القائل بعدم البيع، فهل كون العرف عند التابعين هو عدم البيع يدل على إجماع؟ هذا هو السؤال.
على ما ذكرناه قبل قليل، لا يعتبر إجماعًا، حتى ولو كان العرف عند التابعيين أنهم لا يبيعون وأخذوا بأحد قولي الصحابة وأوقفوا العمل بالقول الآخر، فإن أخذهم بأحد القولين ليس إجماعًا. وبالتالي عندما جاء داود الظاهري بعد ذلك وأخذ بالرأي الآخر للصحابة في بيع أمهات الأولاد، هل يستطيع أحد أن يقول لداود الظاهري إن ما فعلته حرام لأنك خالفت إجماع التابعين؟ لا، بل تقول له أنت خالفت العرف الذي كان عند التابعين، لكنك لم تخالف إجماعًا؛ لأن الخلاف استقر عند الصحابة، فاختيار داود الظاهري للرأي الآخر عن الصحابة ليس خرقًا للإجماع.
فهمتم أهمية اعتبار هذه الشروط حتى لا نُتّهم العلماء المتأخرين بأنهم خرقوا الإجماعات؟ الشرط الخامس: ألا يكون الإجماع مضادًا لإجماع سبقه. وهذا معروف أنه لا يجوز إجماع ثانٍ يناقض إجماعًا أول، فلا يجوز أن يكون إجماع عند التابعين يناقض إجماعًا وقع في زمن الصحابة عمومًا، ومن أمثلته ما ذكرناه قبل قليل.
إن الإجماع لا يجوز أن يعارض إجماعًا؛ فإذا اختلف الصحابة على قولين، فهو إجماع منهم على اعتبار كل القولين، فلا يجوز أن يأتي إجماع على أحد القولين بعد ذلك؛ لأنه معارضة لإجماع لاحق لإجماع سابق. فلا يصح أن ينعقد إجماع متأخر في مسألة مخالفة لإجماع قد سبق فيها، كما ذهب إلى ذلك جماهير الأصوليين؛ لأن الإجماع الأول إذا انعقد وثبت فهو سبيل المؤمنين الذي لا يجوز مخالفته وخرقه، وهو الصواب الذي لا يصح خلافه، فلو انعقد إجماع متأخر على خلافه كان خرقًا لما ثبتت عصمته واتباعًا لغير سبيل المؤمنين.
هذه مسائل شرعية ثابتة، وليست مسائل مرتبطة بالعرف، حتى لا ينقدح في ذهني أن عرف الزمان قد اختلف أو تغير، فنحن نتحدث عن مسائل ثابتة ليست متعلقة بالأعراف والعادات، أما المسائل العرفية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، فقد اتفقنا من البداية أنها ليست محلاً لوقوع الإجماع.
الشرط السادس: انقراض عصر أهل الإجماع شرط في استقراره. هذا الشرط هو الذي وقعت فيه المشكلة بين الحنابلة والجمهور. الحنابلة اشترطوا شرطًا سادسًا لاعتبار الإجماع وهو انقراض العصر.
ما معنى اشتراط انقراض العصر؟ لنفترض الآن مسألة العملات الرقمية، وجمعنا علماء العصر واتفقنا على أنها مباحة أو محرمة، هل نقول في لحظة حصول الاتفاق قد انعقد الإجماع وتحرم مخالفته؟ أم نقول لا، ليس في لحظة حصول الاتفاق؟
هل في لحظة حصول الاتفاق، وهي خطوة أولى، نقول انعقد الإجماع؟ بل ننتظر حتى يموت كل علماء العصر، فإذا مات كل علماء العصر وهم على الرأي الأول الذي حصل عليه الاتفاق، نقول حينئذٍ انعقد الإجماع؛ لأنه ممكن أن يحصل الاتفاق الآن، ثم بعد ساعة أو يوم يغير أحد المجموعة التي كانت في قاعة الاجتماعات رأيه، أو ربما يظهر بعد عشر سنين شاب جديد من العلماء أصبح مجتهدًا وخالفهم فيما اتفقوا عليه، فهل هذا يلغي اتفاقهم السابق؟
باختصار، صار خلاف بين العلماء بين الحنابلة والجمهور على هذه القضية؛ الحنابلة قالوا: لا ينعقد الإجماع حتى ينقرض العصر، ليس بمجرد لحظة الاتفاق، بل ننتظر بعد الاتفاق موت العلماء، فإذا انتهى جميع العلماء الذين اتفقوا وماتوا، نقول انعقد الإجماع في المسألة بعد موتهم، أما إذا كانوا ما زالوا أحياء، فالإجماع لم ينعقد. أما الجمهور فقد خالفوا الحنابلة وقالوا: يا حنابلة، على كلامكم عمره ما راح ينعقد إجماع. لماذا؟ الجمهور ماذا يقولون؟
الأصل لحظة حصول الاتفاق خلص انعقد الإجماع، وما يصير لواحد حتى من العلماء هؤلاء أنه يرجع يخالف؛ لأنه سبيل المؤمنين حصل في هذه اللحظة، والله عز وجل ضمن العصمة في هذه اللحظة.
فاشتطوا أنه لا بدنا نستنى حتى يموتوا كل العلماء، يعني مين بده يقعد يعد لهم أصلاً؟ هم كلهم ماتوا. هذه أول جزئية، وبعدين افرض طلع مثل ما حكينا شاب جديد وصار عالم قبل ما يموتوا العلماء وخالفهم وطلع برأي آخر؟ أنت عند الحنابلة خلص ما صار في إجماع؛ لأنه في شاب جديد صار عالم وخالف الإجماع الذي صار سابقاً أو الاتفاق الذي صار سابقاً، بالتالي يحق له أن يخالف.
فعلى هذا الشرط الذي اشترطه الحنابلة، حقيقة الإجماع صار شيئاً شبه مستحيل أو شبه صعب جداً وقوعه؛ لأنكم اشترطتم انقراض العصر، وكما قلت: مين بده يتتبع أنه العلماء ماتوا ولا لا؟ فالجمهور قالوا: لا، نحن ما نوافق على هذا، الإجماع يحصل في لحظة الاتفاق ولا يحق لأحد حتى ممن كان مجتمعاً أن يخالف بعد ذلك أو ينقض تماماً. هذا رأي الجمهور، وهو رواية أخرى عندنا في المذهب، وهي حقيقة أقرب إلى المنطق والحجة والدليل من الرواية المشهورة عندنا.
الرواية الثانية هي الأقرب للمنطقية؛ لأن قضية منطق الاستدلال أنه أنت ما رح يستقر لك إجماع بهذه الطريقة، وما حدا رح يعرف هم ماتوا العلماء ولا ما ماتوا، هو الاستدلال، هل نبغ واحد جديد ولا ما نبغ؟ فرح تظل في دوامة من التفكير لن تصل فيها إلى نتيجة. فالرواية عندنا وإن لم تكن هي المشهورة لكن هي الأوفى، أولاً هي مع قول الجمهور، وهي الأكثر عملية وواقعية من حيث الاستدلال.
ليس ضروري نفس اللحظة، أحكي خلال خمس سنوات نتتبع رأيهم، خلال الخمس سنوات خلص عرفنا رأي الجميع، بعد الخمس سنوات بدك تستنى يموت كل العلماء؟ أنت مش ضروري نفس اللحظة، يعني أنت بنفس المدة الزمنية بدك تستنى يموتوا بعدها كلهم، وهذا حقيقة شيء متعذر أن يتم ضبطه وحصره.
فقضية انقراض عصر أهل الإجماع هو شرط في استقرار الإجماع، هو رأي مشهور عند الحنابلة في كتبهم، لكن كما قلت قد لا نتفق كثيراً مع هذه الرواية الأولى، أو على الأقل في مستواي الشخصي، والرواية الثانية أقرب لمنطق الجمهور والاستدلال.
قال: «إن انقراض العصر شرط لا يستقر الإجماع دونه»، وممن ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل رحمه الله في الرواية المشهورة عنه، واختاره ابن فورك وسليم الرازي. يعني وافق الحنابلة ابن فورك، وهذا تعرفونه رأس من رؤوس الأشاعرة، وكذلك سليم الرازي، وهذا أيضاً من رؤوس الشافعية.
قال وسليم الرازي: «وبناء عليه يسوغ لبعض مجتهدي العصر رجوع عما وقع عليه الاتفاق ابتداء لدليل ظهر له؛ لأن الإجماع لم يستقر بعد». إذا اشترطنا انقراض العصر، ماذا سينبني؟ أنه أنا لست ملزماً، لسه بقدر أخالف ما دام العلماء لم يموتوا، ممكن واحد من العلماء يتراجع وينقضه.
على رأي الحنابلة بالضبط، هذا وحجتهم في ذلك: أن الصحابة اتفقوا في عهد عمر على عدم جواز بيع أمهات الأولاد. هي مسألة أمهات الأولاد مسألة منتشرة عندنا، ثم عندما تولى علي الخلافة أظهر خلافه لعمر في ذلك وصحح بيعهن، كما أن علي بن أبي طالب نقل عنه هو الذي جوز بيع أمهات الأولاد، مش قلنا في خلاف أصلاً في زمن الصحابة؟
قال: «وصحح بيعهن كما أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عبيدة السلماني: سمعت علي يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد ألا يبعن، ثم رأيت أن يبعن». قال عبيدة: «فرايك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة». فعبيدة تلميذ علي بن أبي طالب، فماذا يقول لعلي؟ لما كنت رأيك مع رأي عمر لما كنتما مجتمعين أحب إلي يا علي من رأيك الآن وحدك.
طبعاً هو ليس دليلاً في هذه المسألة، كيف استدل الحنابلة بهذه الواقعة؟ رأي الحنابلة يقولون: الآن حصل اتفاق في زمن عمر أن أمهات الأولاد لا يجوز بيعهن، وقبل موت الصحابة وانقراض عصرهم علي تراجع، يعني كان في الجلسة الأولى مع عمر موافقاً له، لما صارت الخلافة لعلي بن أبي طالب رجع علي وتراجع عن رأيه وقرر جواز بيع أمهات الأولاد.
فهنا استدل الحنابلة يقولون: لو كان الاتفاق الأول حجة والإجماع حصل عنده، هل كان يحق لعلي أن ينقض ما وافق عليه ابتداءً؟ لا، فلما علي رضي الله عنه خالف بعد ذلك ما كان حاضراً عليه ابتداءً، فهم الحنابلة أن الإجماع لا يستقر إلا إذا انقرض عصر الصحابة، فعلي مخالفته وتراجعه عما وقع الاتفاق عليه زمن عمر دليل على أن علي يرى أن الإجماع لا يستقر إلا عند انقراض العصر، فجوّز لنفسه أن يخالف الإجماع أو الاتفاق الذي حصل ابتداءً.
هذا السؤال: كنا نبيع أمات الأولاد؟ فلذلك هو النقاش هنا أصلاً، هو اللي حصل أصلاً في زمن عمر هو أصلاً يسمى إجماعاً حتى نقول إن علي خالف ما حصل عليه الاتفاق. أنا لا أريد أن أوجع رؤوسكم في قضية الاستدلالات، أنا ذكرت لكم الدليل، بس هذا الدليل عليه مؤاخذات كثيرة أصلاً؛ هذا الدليل الذي استدل فيه الحنابلة عليه مؤاخذات في النقاش العلمي والمعرفي، لكن نحن لساتنا في النظم الصغير، ما نريد أن يصبح كبيراً، فخلينا في النظم الصغير.
قال: «فاتفاق الصحابة في زمن عمر على بيع أمهات الأولاد لم يمنع علي رضي الله عنه أن يظهر الخلاف بعد ذلك، ولو كان اتفاقهم ابتداءً إجماعاً تحرم مخالفته لما خالف علي، فدل على أن انقراض عصر أهل الإجماع شرط حتى يستقر الإجماع وتحرم المخالفة». هذا عند الحنابلة، لكن أنا هذا الدليل الذي عليه اعتراضات والعلماء عليهم اعتراضات كثيرة في طريقة استدلال الحنابلة، بس نحن وظيفتنا الآن ندرس المعتمد، نعرف ما هي الأدلة التي استدل بها المعتمد، أما الاعتراضات التي توجه إلى هذه الأدلة ومناقشتها فهذا مكان آخر.
من فروع هذه المسألة: إذا قيل إن انقراض العصر شرط استقرار الإجماع، فإنه متى ما نشأ فقيه في عصر أهل الإجماع وبلغ رتبة الاجتهاد قبل انقراض كافة المجمعين فإنه يعتد بخلافه ويكون ناقضاً للاتفاق الذي سبقه. يعني هذه من أكبر المشاكل: نبوغ فقيه جديد وطلوعه على الساحة قبل ما ينتهي عصر الإجماع، بالتالي يحق له ينقض الإجماع على رأي الحنابلة لأنه العصر.
لم ينقرض؛ أما عند الجمهور فيطلع له، لأنه خلص، الإجماع سبقك حتى ولو نبغت وهم عايشين. انتهى.
مسألة: إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين، فهل يجوز لمن بعدهم أن يحدث قولًا ثالثًا؟ هذه مسألة ذكرتها لكم قبل قليل، أنه إذا أجمع العصر الأول على قولين، أو على ثلاث، أو على أربع، هل يجوز للعصر الذي يليه أن يحدث قولًا جديدًا لم يكن معروفًا عند من سبق؟ لا يجوز. وهذه ذكرتها لكم قبل قليل؛ قال الناظم: «إن حصر الخلاف في قولين فثالثة»، هذا غير زين، يعني شيء مش جيد، لا يقبل، بس هذه عبارة الشيخ عامر.
ختم الناظم كلامه في هذا الباب بذكر مسألة كثر الخلاف فيها بين الأصوليين، وصورة هذه المسألة: أنه إذا وقع خلاف بين مجتهدي عصر في مسألة شرعية، وإن حصل الخلاف بينهم في قولين، ثم انقرض عصرهم، فهل يصح لمن جاء بعده من المجتهدين في العصور اللاحقة أن يحدث قولًا ثالثًا جديدًا في المسألة؟ هي مسألة من المسائل.
صحابة قالوا حرام، وصحابة قالوا مباح، وانتهى العصر على أن المسألة إما حرام وإما مباح. هل يحق للتابعين أن يطلعوا برأي جديد أنها مكروه؟ يعني لا، هي حرام ولا مباح، إيش نقول مكروه؟ بالنص ما يطلع لهم؛ لأننا نقول انقرض العصر الأول، وهي إما حرام وإما مباح، فاتفاق على هذين الرأيين هو إجماع على أن الصواب أحدهما لا غير. فلا يحق للجيل الذي يلي أن يأتي بقول ثالث؛ لأن القول الثالث يشير إلى ماذا؟ لو كان القول الثالث هو الصواب عند الله لكان العصر الماضي كله على ضلال، وصح؟ ألا يوجد قائل بالحق فيه؟
تخيل أن يكون الصحابة اختلفوا في المسألة؛ فبعضهم قال مباح وبعضهم قال حرام، وماتوا هم على ذلك، جاء عصر التابعين طلعوا برأي بالنص أنه مكروه. لو كان المكروه هو الصواب عند الله لكان هذا يتضمن ماذا؟ أن جميع عصر الصحابة كانوا على ضلال في المسألة، ولا واحد فيهم كان عارف الحكم عند الله، وهذا لا يجوز؛ لأنه لا بد -كما قال النبي ﷺ-: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين». قال العلماء: نستدل من هذا الحديث أنه في كل زمن لا بد يكون هناك من يعرف الحق، لا بد أن في كل زمن من يعرف الحق، ما في زمن كل أهله على ضلال؛ لأن هكذا يعني أن الله جمع الصحابة على ضلالة ولو في مسألة واحدة، وهذا لا يمكن. فإذا اختلف الصحابة على قولين، لا يمكن أن ينتج بعدهم قول ثالث يكون هو الصواب. فهمنا؟
المذهب عند الحنابلة وجمهور الأصوليين المنع مطلقًا، وهو ما ذهب إليه جمهور الأصوليين في المذاهب الأربعة، قال الأستاذ أبو منصور البغدادي: وهو قول الجمهور. وقد نص الشافعي في رسالته على ما يقوي هذا المذهب، فقال الشافعي في كتاب الرسالة نصًا على هذا.
ماذا قال الشافعي؟ القياس تقديم الأخ على الجد، لكن صدنا هي المسألة في المواريث: شخص مات وترك جدًا، ما عنده أب، ترك جدًا وأخًا، ما هو الحكم هنا؟ أنت على قولين: يا إما الجد يقدم على الإخوة، يا إما الجد والإخوة يدخلون شراكة، ما في رأي ثالث بقول إيه؟ إنه الإخوة يقدموا على الجد. فهمتم؟ شخص مات، ربنا توفاه، من ورثته؟ عنده جد وإخوانه. الفقهاء يختلفون على رأيين؛ فقهاء يقولون المال يذهب إلى جده والإخوة ما لهم شيء، وفقهاء يقولون الجد والإخوة يدخلون شراكة، بس هذول القولين، ما في قول ثالث كان في عصر الصحابة يقول إن الإخوة هم الذين يأخذون والجد ما يأخذ، هذا القول الثالث مش موجود.
فالشافعي في كتابه الرسالة ماذا يقول؟ يقول: القياس عندي -في وجهة نظري- أن الإخوة هم الذين يأخذون والجد ما يأخذ، هذه وجهة نظري كقياس، لكن صدنا عن القول به لماذا؟ لن أقول بهذا الرأي لأنني وجدت المختلفين قبلي في زمن السلف مجتمعين على أن الجد مع الإخوة، إما أن يكون مثلهم شريكًا، أو أن يكون أكثر حظًا منهم، فهو يأخذ وهم يحجبون، ما في واحد بقول زي هذا الرأي.
شوف الشافعي، حقلان بيتهم رأيه، مش يصير يتفلسف على السلف. لا، ما هم هذول؛ أنت تعرف مثل المعاصرين اليوم، يعني إذا كان السلف على رأي هو مش عاجبه رأي السلف، شو بيصير؟ يقول لك: لا، هم ما كانوا فاهمين أو علومهم كانت ضعيفة محدودة، أما إحنا اليوم نفهم أكثر منهم. شوف الشافعي كيف يحترم السلف؛ يقول: «وإن كنت أنا عندي رأي، بس أسكت احترامًا للسلف، وأتهم رأيي وعقلي، فلم يكن لي عندي خلافهم». يعني ما يطلع لي أخالف السلف ما داموا اتفقوا على رأيين أن أحدث رأيًا ثالثًا، أو الذهاب إلى القياس ما يشغل عقلي ما دام السلف اتفقوا؛ لأن كلامهم مئة بالمئة هو الصح، يعني في أحدهما، وأتهم رأيي. والقياس مخرج من جميع الأقاويل؛ يعني إذا مشيت مع قياسي وأتيت بقول ثالث خارجًا عن كل أقاويل السلف، فأنا أتهم نفسي لا أتهمهم.
يتضمن كلام الشافعي هنا ما أن الشافعي والأئمة ماذا يرون؟ اعتمدوا الحجة التي اعتمد عليها الجمهور في المنع، وهي أن اختلاف مجتهدي العصر في المسألة على قولين هو إجماع ضمني من السلف على نفي ما عدا هذين الرأيين، فأنت يا تأخذ الرأي الأول يا تأخذ الرأي الثاني وليس لك أن تحدث قولًا ثالثًا جديدًا في المسألة، فأحدث قولًا ثالثًا جديدًا يكون خرقًا للإجماع. والمثال التطبيقي هو نفس المثال الذي ذكره في كلام الشافعي: مسألة الجد والإخوة.
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هيك انتهينا من دليل الإجماع إن شاء الله، نأخذ دليل القياس ثم نعقد اختبارًا في القسم الثاني في مصادر التشريع المتفق عليها. الله يكرمكم ويبارك فيكم إن شاء الله، غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل