دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من التعليق على النظم الصغير بشرحه الإيضاح والتقرير، ونسأله سبحانه وتعالى التمام.

وصلنا إلى المصدر الرابع من مصادر التشريع، بعد أن أنهينا الحديث عن المصدر الأول وهو الكتاب، والمصدر الثاني وهو السنة، وحدثنا أيضاً في المجلس السابق وختمنا الحديث عن الإجماع. ننطلق إلى المصدر الرابع من مصادر التشريع المتفق عليها، ألا وهو القياس؛ فلنبدأ إن شاء الله بتعريفه وذكر الدليل على حجيته.

انتقل الناظم للكلام عن المصدر الرابع من مصادر التشريع المتفق عليه وهو القياس، وفيه مباحث؛ تعريف القياس. القياس لغة هو مصدر قياسي للفعل الرباعي قايس. قال ابن مالك: لِفَاعِلٍ الفَعَالُ وَالمُفَاعَلَةُ ... وَغَيْرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عادِلُهْ

فما كان على وزن فاعل مثل: قايس، قاتل، ما مصدره؟ هناك مصدران: فعال ومفاعلة، وبالتالي قايس ما مصدرها؟ قياس. ولم تسمع مقايسة أيضاً، نعم سمعت المقايسة أيضاً، فقايس يجوز أن تقول: قايس قياساً وقايس مقايسة. إذاً فأصل القياس مصدر في كلمة قياس، هي مصدر للفعل ماذا؟ قايس. ويصح أن يكون مصدراً أيضاً للفعل قاس الثلاثي، لكنه سيكون مصدراً سماعياً وليس قياسياً على القاعدة.

قال صاحب المصباح: «قايسته بشيء مقايسة وقياساً وهو تقديره به»، فمدار هذه المادة في اللغة يدور حول التقدير. هذا أولاً، ذكرنا الاشتقاق الصرفي، نأتي الآن للمبحث اللغوي. القياس ما هو في اللغة؟ أصل معانيه التقدير. كما ذكر صاحب المصباح المنير: «قايسته بالشيء» يعني ماذا؟ قدرته به. فلما أقول: والله قست فلاناً بفلان، يعني حاولت أن أقدره به. وقست الثوب بالذراع أو قست الثوب بالمتر، يعني قدرته بالمتر أو قدرته بالذراع؛ فأصل هذه الكلمة تدور حول التقدير.

تقول: قست الثوب بذراعي إذا قدرته به، وقست الجرح بالمسبار أي قدرت عمقه به. المسبار آلة كانوا يدخلونها في الجرح ليعرفوا كم عمقه؛ هذا الواحد طعن طعنة بسكين وأرادوا أن يعرفوا كم عمق الجرح من أجل أن يقدروا كم ستكون الدية، فيدخلون آلة أو شيئاً يسمى المسبار ويعرفون به كم مقدار الجرح. مثلما أنت في زيت السيارة تخرج عصا الزيت، وهذا مثل المسبار، أنت تدخلها حتى تعرف كم عمق أو كم كمية الزيت.

القياس اصطلاحاً هو: حمل فرع على أصل في حكم لجامع بينهما. هذا تعريف القياس الاصطلاحي عند الأصوليين، وهذا الذي يهمك الآن. حمل فرع على أصل في ماذا؟ الحمل هو إلحاق الفرع بالأصل في الحكم الشرعي؛ بسبب ماذا؟ لجامع بينهما الذي سميناه العلة. عندي أصل قديم، وعندي فرع نازلة جديدة، فأعطي النازلة الجديدة نفس الحكم القديم: التحريم أو الإباحة أو الوجوب؛ لماذا أعطيت نفس الحكم القديم؟ لوجود رابط جامع بين المسألة الجديدة والمسألة القديمة.

قولنا «حمل» أي الإلحاق والتسوية. قولنا «فرع» هي المسألة الحادثة المراد معرفة حكمها، مسألة حادثة مستجدة. قولنا «أصل» هي المسألة المعلومة الحكم الملحق بها. قولنا «حكم» هو جهة إلحاق الفرع بالأصل؛ يعني إلحاق الفرع بالأصل من أي جهة؟ أنت ستلحق الفرع بالأصل في حكمه، ولن تلحقه به في وصفه وشكله؛ ستلحق الفرع بالأصل في موضوع الحكم الشرعي التكليفي أو الوضعي.

قولنا «لجامع بينهما» أي علة مشتركة بين الأصل والفرع هي التي اقتضت ذلك الإلحاق؛ لأنك لا تلحق أي فرع بأي أصل هكذا على هواك، بل تلحقه بأصل لأنك ترى أن هناك جامع علة يربط بين هذا الفرع وبين ذاك الأصل، وهذه العلة هي التي سمحت بإعطاء حكم الأصل للفرع، ولولا وجود العلة لما سمحنا بإعطاء حكم الأصل للفرع.

مثال ذلك: حمل النبيذ على الخمر في الحرمة بجامع الإسكار الموجود في كليهما، وحمل الأرز على البر في جريان الربا بجامع الكيل أو الطعمية في كليهما. مثل النبيذ؛ وربما هذا في مثال فقهي قديم، واليوم استحدث للأسف أهل الفساد كثيراً من المشروبات المسكرة، فنقول: هذه المشروبات المعاصرة المسكرة ما حكمها؟ حرام قياساً على الخمر التي كانت في زمن النبي ﷺ بجامع ماذا؟ الإسكار.

ممكن واحد يقول: طب هي نفسها يا شيخ؟ هي أصلاً ما اسمها خمر، لماذا تقيسها على الخمر؟ فهمتم؟ يعني ممكن شخص يقول: هي أصلاً ليست خمراً. لكن متى أحتاج أن أقيس؟ إذا كان هناك اختلاف بين الفرع والأصل، أحتاج أن أقيس الفرع بالأصل. لكن إذا كان الفرع هو فرد من مفردات الأصل، أي جزء من جزئياته، فلماذا الإلحاق؟

الفكرة أن الخمر الذي جاء في الأحاديث أصلاً كان يصنع من خمسة أصناف كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ كان يصنع من العنب أو التمر أو الشعير أو القمح أو العسل، يعني هناك أصناف معينة هي التي كانت تعرفها العرب أنها تسمى خمراً. طبعاً وقع خلاف بين الأصوليين في هذا؛ البعض قال: أصلاً المشروبات المعاصرة لا تقاس قياساً على الخمر، والبعض قال: هي خمر حتى بالمعنى اللغوي فلا داعي للقياس، والبعض قال: هي ليست خمراً بالمعنى اللغوي لأن الخمر يطلق على ما صنع من أصناف معينة، لكنها تأخذ حكم الخمر في التحريم بالقياس. أنا فقط أريد أن أفتح آفاقك بأنك ستجد طرقاً مختلفة لأهل العلم في التعامل مع هذه الأمور.

وقس على ذلك مثلاً الأموال النقدية المعاصرة، أو الأموال الرقمية والعملات الرقمية؛ هل تقاس على العملات النقدية؟ اليوم البيتكوين وغيرها، يأتي الفقهاء ويريدون أن يقيسوا: هل العملات الرقمية تقاس على العملات الورقية في أحكام التداول بها والبيع والشراء وجريان الربا فيها؟ هنا يجب أن تحاول أن ترى هل هناك علة تجمع بينهما صالحة لأن أعطي العملات الرقمية حكم الأصل وهي العملات الورقية، أم أن هناك اختلافاً يمنع هذا القياس والإلحاق؟ هنا يبدأ العقل يعمل.

حجية القياس.

فهمنا الآن القياس كمفهوم؛ عندي فرع جديد وعندي أصل قديم، سألحق الفرع بالأصل في الحكم بسبب وجود جامع بينهما. هل هذه الممارسة مقبولة شرعاً لإنتاج الأحكام الشرعية؟ هذا هو السؤال الذي سنجيب عنه، وهو ما يسمى الاحتجاج. هل يجوز للفقيه أن يلحق فرعاً بأصل ويؤدي هذا إلى إنتاج حكم شرعي في هذا الفرع؟ أم أن الحكم الشرعي يجب أن يكون فقط من الكتاب والسنة؟

بعض الناس تصورهم أن الحكم الشرعي لا يكون إلا من الكتاب والسنة؛ فإذا سألته: «أعطني أين الدخان حرام؟»، قد يقول لك: «أين الآية في القرآن التي تقول إن الدخان حرام؟». أنت تعرف بعض العوام هكذا نقاشهم معك، يطلب الآية مباشرة. ولكن هل مصادر التشريع هي فقط الكتاب والسنة؟ لا، في عندنا القياس.

يمكنني عبر مئة قياس أن أستنبط أن الدخان حرام. هناك طرق أخرى لمصادر التشريع، فلا تحصر تفكيرك في أن الكتاب والسنة هما المصدران الوحيدان، فالكتاب هو أصلهما، وهو الذي دل على حجية الباقي، ولكن هناك وسائل أخرى لإنتاج الأحكام الشرعية غير الكتاب والسنة، منها القياس.

فما حجية القياس؟ قال الإمام أبو المظفر السمعاني رحمه الله: «ذهب كافة الأمة من الصحابة والتابعين وجمهور الفقهاء إلى أن القياس الشرعي أصل من أصول الشرع ويستدل به على الأحكام التي لم يرد بها السمع». أبو المظفر السمعاني صاحب كتاب «قواطع الأدلة» أحد أبرز الأصوليين الكبار، ومن أذكياء الأصوليين رحمه الله، وكان حنفياً وأصبح شافعياً.

يقول السمعاني: «ذهبت كافة الأمة من الصحابة والتابعين وجمهور الفقهاء»، ولماذا لم يقل وكل الفقهاء؟ لأن هناك خلافاً نشأ لبعض الظاهرية؛ مذهب داوود الظاهري ثم ورث المذهب ابن حزم الظاهري، وهم ينفون أن يكون القياس حجة، أي أنهم لا يحتجون بالقياس لإنتاج الحكم الشرعي.

إذا كان هناك خلاف، لماذا نقول إن القياس متفق على مصدريته؟ ونحن نقول إن المصادر المتفق عليها أربعة، فكيف تقول إنه متفق عليه ثم تقول إن جمهور الفقهاء اعتبروه وفي ناس ما اعتبروه؟ قد يعارض شخص ويقول: القياس ليس من المصادر المتفق عليها لأن بعض الفقهاء منعوه وهم الظاهرية.

نقول إن الخلاف لفظي في بعض الزوايا، لكن لا يوجد خلاف محقق. لقد وقع إجماع في عصر متقدم، ثم جاء العصر بعد ذلك فوقع فيه خلاف، ولا عبرة بخلاف من خالف؛ لأن وجهة نظرنا أن من خالف قد خالف الإجماع.

العلماء المحققون من المذاهب الأربعة وغيرهم يرون أن الظاهرية خالفوا الإجماع المستقر في زمن الصحابة وفي زمن التابعين على العمل بالأقيسة. فعندك فتاوى كثيرة لعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب مبدؤها القياس، وكذلك في زمن التابعين فتاوى كثيرة مبدؤها القياس وتابع التابعين، فأنتم كظاهرية جئتم متأخرين، ولا يصح لكم أن تخالفوا الإجماع.

طبعاً الإجماع الحاصل ابتداءً نستطيع أن نقول إنه إجماع سكوتي حتى أكون منصفاً، هو ليس إجماعاً صريحاً لكنه إجماع سكوتي قوي ومتمكن، وحتى الإجماعات السكوتية هي على مراتب في القوة؛ فهناك إجماع سكوتي قوي جداً لكثرة التكرار والمرور عليه.

هذه فكرة أرجو الانتباه إليها، حتى في موضوع المعازف الذي أشرت إليه في الدرس الماضي؛ قلنا إن الإجماعات المذكورة إجماعات سكوتية، لكن هناك فكرة يشير إليها الأصوليون وهي أن الإجماع السكوتي إذا تكرر ذكره عبر القرون قد يصل لدرجة القطعية. إذا قرن بعد قرن الكل ينقل إجماعاً، فبالرغم من أنها سكوتية إلا أن تكرار نقلها يجعلها تقترب جداً من القطعية، وبالتالي يصبح المخالف فيها أكثر بعداً عن الشريعة.

في الإجماع السكوتي تكون المخالفة سهلة وكثيرة لأن نقله يكون لواحد فقط، لكن هناك إجماعات سكوتية كثر نقلها عبر القرون، مثل إجماع المعازف الذي نُقل في القرن الثالث والرابع والخامس والسادس. كثرة نقل الإجماعات السكوتية تجعل هذا الإجماع قريباً من القطعي، وبالتالي أعتبر المخالف فيه شاذاً عن طريقة أهل العلم. ليس بالضرورة أن يكفر، بل هناك حلول أخرى، لكن المهم ألا تقول: «بما أنه إجماع سكوتي فلا خلاف فيه»، فهذه ملاحظة مهمة.

الإجماعات السكوتية إذا تكرر نقلها جيلاً بعد جيل تصبح قريبة من القطعية، وبالتالي يصبح المخالف لها حاكماً على نفسه بالشذوذ عن جسد الأمة. انتبهوا لهذا؛ فكثير من الناس بمجرد أن يعرف أن الإجماع سكوتي يقول: «إجى الفرج، أنا لست ملزماً به»، لا، هناك فرق بين إجماع سكوتي نُقل مرة وإجماع سكوتي يُنقل بشكل متكرر.

بالعودة لموضوع القياس، هناك إجماعات سكوتية متكررة على صلاحيته، ولم يوجد في عصر الصحابة من منع حصول القياس أو اعترض على هذه الممارسة رغم توافر علماء الصحابة. وفي عصر التابعين، لم يخرج أحد من الأئمة ينكر عملية القياس، بل كانوا ينكرون الرأي الذي لا يخرج عن قياس محكم. فإذًا لا يوجد في العصور المتقدمة من ينكر القياس، ولذلك اعتبرنا أن القياس متفق على مصدريته ولم نعتبر خلاف الظاهرية في ذلك.

وقال الإمام أحمد بن حنبل: «لا يستغني أحد عن القياس». يقول الإمام أحمد إنه لا يوجد فقيه يستغني عنه، بل حتى الظاهرية الذين أنكروا القياس وقعوا فيه؛ فابن حزم وهو يرد على القياس ويفند أدلة القياس، وقع في الاستدلال بالقياس. له كتاب ضخم في الرد على مثبتة القياس، وهو يحاول الاحتجاج بأن القياس ليس حجة، لكنه يكتشف أنه يستدل بالقياس على أن القياس ليس حجة!

الحياة لا تقوم هكذا، بل حتى العقل الإنساني يقوم على أن يقيس الأمور على ما سبق. فطريقة تفكير الإنسان تجعل الطفل الصغير إذا رأى شيئاً وقيل له إنه ساخن، فإنه يتركه، وفي المرة التي بعدها...

إنك تقول له إنه سخن، لأنه هو يصبح تلقائياً بماكينة عقله، بيفكر أن هذا زي هذاك، فيبدأ يقترب عليه من باب القياس العقلي. فالقياس هو أصلاً طبيعة بشرية لا يمكن إلغاؤها، وهكذا الشريعة جاءت بما يوافق العقول لا بما يخالف العقول.

قال: وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة في العصور المفضلة على حجية القياس والعمل به. قال الشافعي في الرسالة: «وأما القياس فإنما أخذناه استدلالاً بالكتاب والسنة والآثار». يعني الدليل على حجية القياس هو القرآن والسنة وآثار الصحابة، وكلها تدل على حجية القياس.

نأخذ أمثلة من القرآن؛ أولاً: دلالة الكتاب على حجية القياس. قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2]. هذه أشهر آية في القرآن تجدونها في كتب الأصوليين يستدلون بها على حجية القياس. وردت في الآية الثانية من سورة الحشر، حيث ذكر الله سبحانه وتعالى ما حصل مع بني النضير وماذا نزل بهم من التهجير، ثم قال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.

الاعتبار ما هو؟ الاعتبار هو أن تأخذ العبرة من الحالة السابقة وتقيس نفسك عليها إذا فعلت كفعل الأولين السابقين. ما معنى الاعتبار؟ أن تعبر من واقعك، وعشان كده سمي اعتباراً من العبور. والعبور كأنك تعود من الزمن الحاضر إلى الزمن السابق، فتقيس نفسك؛ إذا كنت ظالماً عاصياً فاسقاً على الظالمين السابقين، ماذا فعل الله بالظالمين السابقين؟ سيحصل بكم يا أيها المجرمون المعاصرون. هذا معنى فاعتبروا.

وهذا ليس قياساً أن يقاس الواقع المعاصر على الزمن الماضي، فكم وهذه أصلاً... القرآن هو ما على ماذا يقوم؟ كان الله يهدد كفار قريش: انظروا ماذا صار بفرعون، انظروا ماذا صار بقوم نوح، انظروا ماذا صار بقوم عاد. لماذا يذكرهم بهؤلاء؟ أنت أصلاً منطقك، لماذا يذكر كفار قريش والكفار في الزمن المستقبلي؟ لماذا يعطيهم قصص الأمم الماضية؟ حتى يقيسوا أنفسهم عليهم بجامع أنكم فعلتم كفعلهم، فالحكم واحد وهو نزول العذاب. هذا في قياس، قس نفسك على السابق إذا حصل الجامع. ما هو الجامع؟ أنك عصيت كمعصيته، فما هو الحكم الذي سينتج؟ ستعاقب كما عوقب. فبأي شكل من أشكال القرآن؟ وما فائدة أن أقرأ القصص السابقة إذا ما كنت سأقيس نفسي عليها؟ هذا ذهب القرآن وفائدته وزبدته.

وجه الدلالة: لفظ الاعتبار يقتضي تسوية بين الشيء وغيره لأنه من العبور وهو المجاوزة. وقد نقل القاضي أبو بكر الباقلاني اتفاق أهل اللغة على أن الاعتبار اسم يتناول تمثيل الشيء بغيره واعتباره به وإجراء حكمه عليه. وسئل الإمام أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، وهو من أئمة لسان العرب، عن الاعتبار فقال: «هو أن يعقل الإنسان الشيء فيعقل مثله».

نعم، إذا أنت عقلت ماذا حصل بقوم عاد، تعقل ماذا سيحصل بأمثالهم. إذا عقلت معنى الخمر، تعقل ما هو في حكمه الخمر. إذا عقلت معنى النقود المقدمة، تعقل معنى النقود الحديثة، وهكذا. فقيل له: أخبرنا عمن رد حادثة إلى نظيرها، أيكون معتبراً؟ فقال: نعم، هو مشهور كلام العرب؛ الذي يقيس حادثة على حادثة، هذا اعتبار.

وإذا ثبت أن الاعتبار يقتضي التسوية بين أمرين، وهو معنى القياس أيضاً، فقد أمر الله سبحانه وتعالى به على عمومه، فيدخل في ضمنه الأمر بالقياس الشرعي. فهو وإن جاء في سياق التنبيه على مصير الأمم الماضية، لكن القاعدة تقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالآية ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾، وإن كانت تتكلم عن قوم بني النضير، وتحذر اليهود من بعدهم على أن يصيبهم ما أصابهم، لكن لفظ الآية جاء عاماً مطلقاً، فاعتبروا في أي شكل من أشكال الاعتبار الصحيح، فالعبرة بالعموم.

وإن كان القياس متعلقاً بالاتعاظ والاعتبار بأحوال الأمم الماضية في سياق سورة الحشر التي وردت فيها هذه الآية، لكن كما أقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي سيقت لأجله. وقد قيل إن الإمام ابن سريج قد صنف كتاباً من ألف صفحة لإثبات حجية القياس معتمداً فيه على هذه الآية. شوفوا همة العلماء الماضين إخواني. ابن سريج الذي صنف كتاباً من ألف ورقة من أجل مسألة واحدة. اليوم أنت تقول للطالب: بس راجع المادة الفقهية، وتقول للشباب: أي شغلة في الدراسة أعملها. ابن سريج يؤلف ألف صفحة من أجل مسألة واحدة: هل القياس حجة أو لا؟

شوفوا التعب، لذلك الله عز وجل بارك في علمهم وفي حياتهم، لأنه في نوع من التعب، في نوع من حب البذل. طلاب العلم اليوم تشعر فيهم ظاهرة عامة؛ بده يصير عالم بدون ما يتعب، بده يصير عالم بس يحضر درس أو درسين، دورة أو دورتين. عمرك ما بتصير حتى طالب علم هيك، مش عالم، حتى طالب علم ما بيعترف فيك إذا ما شعرت أنك تتعب وتحصل وتشقى من أجل تحصيل العلم. هكذا كان الأئمة ولن تكون أفضل منهم.

ومن النصوص القرآنية المثبتة للقياس أيضاً قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 95]. قال ابن عبد البر: «وهذا تمثيل شيء بعدله ومثله وشبهه ونظيره، وهو نفس القياس عند الفقهاء». هذه الآية جاءت في أي سياق؟ مسألة الصيد للمحرم أو في الحرم. إذا أنت محرم، وهذا يأتي معنا إن شاء الله في بداية العبادات في كتاب الحج، إذا كنت محرم بحج أو عمرة وصدت في أثناء إحرامك، ما العقوبة أو الكفارة؟

أن ننظر في الحيوان الذي صدته من الحيوانات البرية، يعني صدت نعامة، فهنا أمرنا الله أن ننظر ما الذي يعادلها؟ مطلوب منك أن تذبحه وتطعمه للمساكين، فقالوا: الذي يشبه النعامة في الضخامة هو الجمل. طيب، واحد صاد غزال، جاء هذا ينظر ما الذي يشبهه ويعادله؟ قالوا: الشاة عموماً، هذه مثلها مثل الغزال. ثم هكذا على حسب الحيوان ينظر فيما يشابهه. أن تقيس الحيوان على غيره، هذا نوع من أنواع القياس. أنا قست الإبل على النعامة، وأنا قست الشاة على الغزال. طيب من أمرك أن تقيس؟ الله، لما قال لي: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾. هذا الجزاء هو مماثل ما قتلت من النعم، انظر في مماثله فاذبحه وأخرجه. المماثل هو القياس، أن تنظر ما الذي يماثله فتقيس. هذا يحتاج إلى قياس، إيش اللي بيشبه النعامة في القياس؟

اللي يشبه في القياس الغزال؟ وهكذا، فهذا فيه إشارة لطيفة. هي ليست صريحة في إثبات القياس، فلن تجد في القرآن آية تقول لك القياس حجة، لكن عليك أن تستنبط من خلال الآيات ما يدل على أن الله سبحانه يدلنا ويشير إلينا أن نعتبر القياس في استنباط الأحكام.

هذا بالنسبة للقرآن، نأتي للسنة؛ ثانياً: حجية القياس في السنة. ثبتت حجية القياس في السنة بنصوص عامة تدعو للاجتهاد، والقياس من أهم صور الاجتهاد، منها قوله ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: «بما تقضي؟» فقال: «بكتاب الله». قال: «فإن لم تجد؟» فقال: «بسنة رسول الله ﷺ». قال: «فإن لم تجد؟» فقال: «أجتهد رأيي». فقال ﷺ: «الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله».

رواه أبو داود وغيره، وضعفه بعض أهل العلم بالإرسال، لكن ذهبت طائفة من العلماء المحققين كابن قدامة وابن القيم إلى صحته لتلقي الأمة له بالقبول؛ الحديث إذاً يتلقى بالقبول، فالأصل أنه على الأقل يحسن بذلك.

الآن أين وجه الدلالة في الحديث؟ أين وجه الدلالة على أن القياس حجة؟ طبعاً الواحد ممكن يقول لك: هل الاجتهاد خاص بالقياس؟ الاجتهاد له طرق متعددة في التفكير، لكن بالتأكيد أن القياس أهم نوع من أنواع الاجتهاد. هو نص على الاجتهاد، والاجتهاد عام والقياس خاص، ممكن واحد يقول لك إن الاجتهاد يمكن أن يكون من خلال الاستحسان، أو من خلال المصلحة المرسلة، أو من خلال مصادر تشريعية أخرى، لكن لا يشك عاقل أن أحد أبرز أنواع الاجتهاد هو القياس، بل هو أساسها، فبالتالي هو داخل تحت عموم الاجتهاد.

وكذلك دلت السنة الفعلية على أن القياس حجة شرعية، فقد استخدمه ﷺ في كثير من المواضع، منها أمره للرجل الذي مات أبوه ولم يحج أن يحج عنه، وقال: «اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء»، فقاس دين الله على دين الآدميين في وجوب القضاء. ومنها قوله ﷺ حين جاءته امرأة في حديث آخر: «يا رسول الله، إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟» ماذا أجاب النبي ﷺ؟ قال: «لو كان على أمك دين أكنت قاضيته عنها؟» قالت المرأة: نعم، قال: «فدين الله أحق أن يقضى».

ماذا تفهم؟ ماذا فعل النبي ﷺ؟ قاس دين الله -وهو الحج- على دين الآدميين في وجوب أدائه والالتزام بوفائه. إذاً النبي ﷺ كان في فتاويه للصحابة والصحابيات يمارس القياس ويعلمهم ممارسة القياس، إذاً هو مصدر.

ومنها قوله لعمر لما قبل وهو صائم فجاء يستفتيه: «أرأيت لو مضمضت بماء ثم مججته وأنت صائم؟» فقال عمر: لا بأس، فقال النبي ﷺ: «ففيما؟» مستغرباً، إذاً أين الضرر؟ عمر في يوم من الأيام قبل زوجته وهو صائم، وكان مفكر أنه هذا سبب من أسباب مفطرات الصيام التي أخذناها قبل قليل. طبعاً لم ينزل، ما صار معه حاجة، بس قبل وجاء قال: يا رسول الله هلكت، قبلت وأنا صائم. فالنبي ﷺ هونها عليه، قال له: «لو تمضمضت بالماء وأنت صائم ثم مججت الماء ولم تبلعه، هل تفطر؟» قال: لا يا رسول الله. يعني هكذا يتمضمض ثم يبصق، لا يفطر لأن الماء لم يدخل إلى حلقه. فقال: «ففيما؟»، كأنه يقول: موضوعك نفس موضوع هذا، فقاس القبلة التي لا يصاحبها إنزال على المضمضة بالماء الذي لا يصاحبه نزول ماء إلى الحلق. إذاً هو يعلم أصحابه، وهذه طبعاً تعليم؛ النبي ﷺ يعلمهم كيف يقايسون الأمور. فقاس القبلة على المضمضة في كونها لا تفسد الصيام، وغير ذلك الكثير لمن تتبعه.

ثالثاً: دلالة الإجماع على العمل بالقياس. قال المزني رحمه الله: «الفقهاء من عصر الرسول ﷺ إلى يومنا هذا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم، وأجمعوا أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل». الذي يشبه الحق يكون حقاً، والذي يكون مشابهاً للباطل يكون باطلاً، هكذا الإنسان يفكر. فلا يجوز لأحد إنكار القياس، وممن نقل الإجماع أيضاً الرازي في محصوله، فقال في سياق تعداده الأدلة التي ثبتت بها حجية القياس: «الإجماع، وهو الذي عول عليه جمهور الأصوليين، وتحريره أن العمل بالقياس مجمع عليه بين الصحابة، وكل ما كان مجمعاً عليه بين الصحابة فهو حق، فالعمل بالقياس حق».

فهذه الأدلة كلها تتضافر على حجية القياس ووجوب العمل به كمصدر من مصادر التشريع، وهذا ما ذهب إليه جمهور فقهاء الأمة جيلاً بعد جيل. وإذا ثبت أن القياس حجة شرعية يجب المصير إليها، فهل دلالته على الحكم الشرعي قطعية أو ظنية؟ نعم، هذا هو السؤال الذي نحاول أن نجيبه دائماً.

مثلاً الإجماع، ذكرنا الخلاف فيه: هل الإجماع دلالته قطعية أو ظنية؟ ماذا قلنا يا شيخ؟ هذه هي خلاصة ما أخذناه في الدرس الماضي. الإجماع ما هي حد دلالته يا مشايخ؟ انظروا إلى الأيدي المرفوعة والأعناق التي شرأبت للإجابة. هل الإجماع عامة قطعي؟

أحسنت، تفضل يا شيخ. ممتاز، السكوتي ظني. يعني أنت جيد ولكن تحتاج لدقة أكثر؛ قلنا متى يكون الإجماع قطعياً؟ بشرطين: أولاً أن تكون الصورة متفقاً على أنها إجماع، أي أن تكون صورة الإجماع الصريح متفقاً على كونها إجماعاً بين العلماء، وثانياً أن ينقل إلينا بالتواتر، عندئذٍ نقول هذا قطعي وقد يكفر منكره. أما ما سوى ذلك فالأصل يبقى تحت الظني، هكذا هو التأصيل إخواني. الدين عندما تتكلم فيه يجب أن تكون دقيقاً، لا ينفع أن تأخذ الدين بنسبة عشرين بالمئة فقط.

خضار، فواكه، مطاعم، بيمشي الحال. لو جبت 20%، أما بدك تتكلم في دين الله، بدك تجيب الكلمة بالمسطرة، مش جايبها بالمسطرة، وقف؛ معناته أنت لست مؤهلاً بعد.

أنت راح تكتشف، طبعاً هذا الكلام للأسف صار تنظيراً؛ أن 90% من الذين يتكلمون اليوم أمام الناس في السوشيال ميديا هم ناس لا ضابطين ولا عارفين، وللأسف أخذوا العلم هكذا مجتزئات. أما بدك تيجي تطبق على أرض الواقع، وتطفي السوشيال ميديا شوي، وتجيبوهم هنا مع مجالس العلم، ستنصدم، ستنصدم بمعنى الصدمة؛ أن هذا الشخص الذي يذبحك على السوشيال ميديا، وباقي يحضر قبل ما يطلع يوتيوب، هو صفر أو شبه صفر في المسائل الشرعية العلمية المحققة؛ ما في تحرير، وإنما لصق ولصق وكذا، ويطلع لك مقطع.

يا إخواني، اليوم نحتاج إلى طلبة علم محررين. إذا ما تعبتوا اليوم وأنتم نفسكم ما حملتم هم الأمة في ضبط مسائل الدين، عاد لا تلوموا الأمة لماذا فيها خلاف ونزاع وشقاق؛ والله إحنا ما تحملنا أن نخرج أنفسنا علماء، بالتالي هذه النتيجة المتوقعة.

دلالة القياس: فنيجي الآن على القياس، هل القياس يدل على القطع أو على الظن؟ قال ظاهر كلام الشافعي في الرسالة أن دلالته ظنية، حيث قال إنه أي القياس حق في الظاهر عند قائسه لا عند العامة من العلماء، فدل كلامه -وشوف شو قال الشافعي، وأنا حريص في شرح الإيضاح والتقرير أجيب كلام الشافعي في الرسالة، وأعودك أنك تقرأ حتى هذا النمط من الكلام أنه ليس كلاماً لا يمكن فهمه، لكن بالتدرج يفهم- يقول الشافعي في الرسالة: «إن القياس حق في الظاهر عند قائسه»، يعني عند الفقيه الذي تبنى هذا القياس، لا عند العامة من العلماء.

ماذا يريد أن يقول؟ يعني إذا أنت كفقيه مجتهد قست شيئاً على شيء، هل هذا قطعي ملزم للناس؟ ولا هذا اجتهادك أنت؟ هذا اجتهادك أنت فيبقى ضمن دائرة الظنية، ولا يكون قياسك ملزماً لغيرك من العلماء، لازم يأخذوا بقياسي أنا. قال: فدل كلامه على أن دلالة القياس ليست قطعية فيجوز الخلاف فيها، ولو كانت قطعية الدلالة لما ساغ لأحد أن يخالف، وهذا ما ذهب إليه جمهور الأصوليين، واستثنوا صوراً محددة تكون فيها دلالة القياس قطعية.

إذاً القاعدة العامة، الأصل في القياس أنه يعطيني حكماً ظنياً لا قطعياً. مهم جداً تعرف المنتج؛ نحن قلنا هذه مصادر تشريع تعطيكم منتجات أحكام شرعية. لذلك كما قلنا الكتاب والسنة -لم ندخل في موضوع القطعي والظني لأنه جاءت حفلة كبيرة في موضوع كيفية الاستدلال بهما، لسه ما دخلنا في موضوعهم- بس الإجماع والقياس ممكن مباشرة كنا نتكلم فيهم. فالإجماع تكلمنا؛ هل الإجماع ينتج حكماً قطعياً ولا ظنياً؟ وقدمت التفاصيل جزاكم الله خيراً، نفس الشيء القياس.

من المسائل المهمة بعد أن تثبت حجية المصدر التشريعي أن تكون مستبصراً بها؛ هذا الحكم حجة، لكن المنتج الذي يخرج منه كحكم تكليفي أو وضعي، هل هو قطعي ولا ظني؟ حتى أعرف كيف سأتعامل مع المخالف لي. عرفتم شو أهمية هذا السؤال؟ لازم أعرف أي مصدر تشريعي هل ينتج لي حكماً قطعياً أو حكماً ظنياً؟ فهنا نقول الأصل في القياس كمخرجات أنه يعطي حكماً ظنياً، فالمخالف ما بقدر أقول إنه والله أنت فاعل منكر؛ لأنه لا إنكار في مسائل الظنيات، إلا في أحوال معينة استثنائية يكون القياس فيها يعطي نتيجة قطعية ملزمة للمخالف.

خلونا نعرف هذه الحالات الاستثنائية: الأول: قال منها القياس بنفي الفارق. هناك نوع من الأقيسة يسمونه القياس بنفي الفارق، هذا نوع من أنواع الأقيسة دلالته قطعية. أصلاً هذا النوع مختلف، هل اسمه قياس ولا هو من دلالة اللغة؟ ولذلك الظاهرية يقبلونه، نحن نسميه قياساً، والظاهرية يقبلون هذا النوع بس ما يسمونه قياساً، ويقولون هذا دلالة لغوية ما له علاقة بالقياس.

ناخذ مثالاً لكي تفهموه لأنه واضح، قال: «وهو إلحاق الفرع بالأصل من خلال نفي الفارق المؤثر بينهما»، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]. ربنا عز وجل يقول: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾، إذاً بنص الآية، كنص إيش الحرام؟ تحكي "أف". فلو واحد يا شيخ راح ضرب أمه، قلنا يا أخي هذا حرام، قال لك لا يا شيخ ربنا قال: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ بس ما قال لا تضربهم! أنت شو بتقول له؟ بضربه أحسن، مش راح أتفاهم معه لأنه هذا مش عاقل.

ربنا لما قال لك لا تقول "أف"، منطقياً العقل البشري كيف بده يحللها؟ إنه إذا "أف" ما يصير تحكيها، فما بالك تروح تشتم والدك أو والدتك أو تضرب والدك أو والدتك؟ العقل مباشرة يحلل أنه ما هو أعلى من "أف" بالتأكيد حرام. إذاً طبعاً فعلياً هذه العملية هي نوع من أنواع القياس، أنت قست الضرب على قول "أف" في التحريم بجامع أن لكليهما الإيذاء.

هذا القياس لا يحتاج اجتهاداً كما قالوا، هذا مفهوم بشكل قطعي بعملية ذهنية سريعة لا تعتمد على وقوع الاجتهاد، فسموه: قياس بنفي الفارق. يعني ما في فرق بين الضرب وقول "أف"، بل الضرب أشد وأنكى، فقالوا هذا لا يحتاج إلى جهد، بل إدراكه يشترك فيه العامة والعلماء، الذكي والبليد يشتركون في إدراكه. فمثل هذا لو جاء شخص خالف فيه وقال لك أنا ما بقبل القياس، أنا مذهب الظاهرية، بقول له تعال جاي، هذا ليس من أنواع الأقيسة التي ينازع فيها، بل حتى الظاهرية قبلوه، بس ما يسمونه قياساً، يسمونه "فحوى النص".

إلحاق الضرب بقول "أف" في التحريم بجامع الأذى قياس قطعي الدلالة لا ينازع فيه، ولكن وقع نزاع في عد هذه الصورة من قبيل القياس أصالة، فقد عدها بعض الأصوليين من قبيل الدلالة اللفظية بمفهوم الموافقة، كما هو فحوى النص، والظاهرية يوافقون عليها، فلذلك في إجماع على قبولها، ومثل هذا لا يخالف فيه البليد ولا الذكي ولا الرجل ولا المرأة، فلذلك هو ملزم وقطعي ولا يقبل أي نقاش فيه.

قال: ومنها أن تكون علة الأصل ثابتة بالقطع من نص أو إجماع ويقطع بوجودها في الفرع. نعم، هذه الحالة الثانية: أن تكون العلة الجامعة بين الأصل والفرع العلة منصوص عليها في الكتاب والسنة وليست مستنبطة، وهذا سيأتي معنا إن شاء الله. إحنا قلنا إيش تعريف القياس يا حذيفة؟ حمل...

على أصل في الحكم بسبب علة جامعة بينهما. هذه العلة الجامعة أحياناً أنت تستنبطها استنباطاً، وأحياناً تكون نصوص الكتاب والسنة قد أعطتك العلة جاهزة.

مثلاً النبي ﷺ قال في الهرة: «إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات». هذه هي العلة؛ لماذا الهرة ليست نجسة؟ لست محتاجاً أن تجتهد، الحديث أعطاك العلة؛ لأنها من الطوافين عليكم أو الطوافات، حيوان ملازم في بيوتكم، فيشق اعتبار نجاسته، فربنا عز وجل اعتبره طاهراً مراعاة لكم في حال حياته. فهنا العلة لست أنت من استنبطتها، بل النص أعطاك إياها جاهزة، فتسمى علة منصوصة؛ إن النص قدم لك إياها جاهزة، أنت لم تتعب في عملية استنباطها والوصول إليها، لأنه أحياناً هناك علل لا تحتاج لاستنباطها، وممكن يوافقك العلماء فيها أو يخالفوك، بس في علل جاهزة ربنا أعطاك إياها، فليس لك أصلاً أن تستنبط علة أخرى مناقضة لها.

فإذا كانت العلة كما قلنا ثابتة بنص الكتاب والسنة، وقطعنا أيضاً بوجودها في الفرع الجديد؛ فمثلاً رأينا حيواناً يشبه الهرة، وافترضنا أنه من الطوافين والطوافات، ماذا سنقول؟ هل هذا الحيوان طاهر أم نجس؟ سنقول طاهر؛ لأن علة التطواف موجودة فيه. ولذلك الحنابلة ماذا قالوا؟ الفأر، ليس بالضرورة أن يكون حيواناً يشبه الهرة، ما حكم الفأر؟ قالوا طاهر؛ لأنه برضه من الطوافين والطوافات، من الحيوانات التي تسكن البيوت وتطلع وتنزل وما شابه ذلك. فكل حيوان من الطوافين والطوافات بحجم الهرة أو أقل سنقول إنه طاهر.

إذن العلة منصوصة، وأنا متأكد قطعاً أنها موجودة في الفرع، فعندئذ القياس الذي سينتج والحكم الذي سينتج من هذا القياس هو أن نقول: الفأر طاهر قياساً على الهرة بسبب وجود العلة الجامعة بينهما، وهي علة منصوصة أنه من الطوافين والطوافات. الأصل أن هذا القياس يعتبر قطعياً؛ لأن العلة منصوصة بنص أو إجماع ونحن نقطع بوجودها في الفرع. لكن حتى أكون منصفاً معكم، مثل هذه الأقيسة نادرة جداً جداً أن تصل لقياس قطعي بهذه الصورة؛ لأنه حتى العلة التي تقول إنها مقطوع بها، يجب أن تكون ثابتة بنص قطعي، وإلا ستدخل في قضايا كثيرة، ولكن هكذا يقولون ابتداءً من باب التنظير الأصولي.

مثاله إلحاق الحاقن والجائع بالغضبان في تحريم قضائه؛ لعلة تشويش الذهن. الحاقن هو الذي يريد أن يبول، فهو مشغول بما يريد أن يذهب إلى دورة المياه. فإذا كان الإنسان يدافع الأخبثين أو جائعاً، هل يجوز له أن يقضي بين الناس في حال جوعه الشديد أو حاجته الشديدة؟ لا. كيف عرفنا ذلك؟ قالوا قياساً على الغضبان، فالنبي ﷺ ماذا قال؟ «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان». لماذا؟ هل في أحد يخالف أن العلة هي التشويش؟ أظنها واضحة بشكل قطعي؛ لماذا لا يقضي القاضي وهو غضبان؟ لأنه عقله مشوش.

هذه العلة، التشويش، أليست موجودة قطعاً في الجوع الشديد والذي يحتاج إلى دورة المياه بشكل شديد؟ أكيد عقله مشوش؛ لا يمكن أن تقول لا، ففي شخص قد يكون محشوراً جداً ولكن عقله تمام، وهذا خلاف الطبيعة البشرية. لذلك حتى الصلاة تسقط في الجماعة إذا كان يدافع الأخبثين؛ لأن هذه طبيعة إنسانية، فأي إنسان يعاني من جوع شديد أو عطش شديد أو نعاس شديد يكون عقله مشوشاً. فلذلك قالوا يُلحق الحاقن والجائع بالغضبان في تحريم ممارسة القضاء، والجامع هو تشويش الذهن.

الآن، علة الأصل هنا وهي التشويش، هل ثبتت بالنص أم بالإجماع؟ النص قال وهو غضبان، لكن العلة بإجماع العلماء هي التشويش؛ قلت لكم لا يوجد أحد يناقش في أنها العلة باتفاق الجميع، فالعلة مجمع عليها. وهل العلة موجودة في الفرع، وهو الجوع الشديد أو العطش الشديد أو الإرهاق الشديد؟ إي والله، موجودة قطعاً؛ فالجوع الشديد يسبب تشويشاً، والحاقن شديداً يسبب له تشويشاً. فإذن قياس الجوع الشديد والحاقن على الغضبان في حرمة القضاء هو قياس قطعي؛ لا أقبل أن يأتي أحد ويقول إن الجائع الشديد ليس لديه مشكلة في القضاء، فهذا سيؤثر على القضاء، فخلافك ليس معتبراً لأن القياس أنتج حكماً قطعياً لا يحق لك مخالفته؛ فالعلة مجمع عليها وهي موجودة في الفرع قطعاً.

أنواع الأقيسة: الآن بعد أن عرفنا حجية القياس، وعرفنا أن الأصل أنه ينتج حكماً ظنياً، إلا في صورتين: الصورة الأولى إذا كان قياساً بنفي الفارق، أو قياساً مبنياً على علة قطعية لأنها وردت في نص بدلالة قطعية أو إجماع قطعي وثبت وجودها في الفرع على الصورة الأكمل.

قال الناظم: ثم القياس علة دلالة .. وشبه ونفي فرق ناله

يقسم الأصوليون القياس باعتبار طبيعة المعنى الجامع بين الأصل والفرع إلى قسمين أساسيين: الأول، إلحاق فرع بأصل بنفي الفارق المؤثر بينهما، من دون التعرض لذكر الجامع، وإنما يتحصل هذا النوع مع تقارب الفرع والأصل تقارباً لا يحسن معه التعرض لذكر جامع معين، لأن نفي الفارق كافٍ في ثبوت الحكم في الفرع. وهذا هو نفس المثال الذي ذكرناه قبل قليل، القياس بإلغاء الفارق.

إذن القياس من حيث الآلية التي ستُمارس ينقسم إلى نوعين: قياس بنفي الفارق، وهذا النوع يقوم على أن تقول: لا فرق بين الفرع والأصل، فيجب أن يأخذ الفرع حكم الأصل، دون أن تذكر العلة الجامعة بينهما، ولهذا سمي قياساً بنفي الفارق. والنوع الثاني هو قياس بذكر العلة، وهو النوع الأصلي المطرد؛ القياس الطبيعي هو الذي تذكر فيه العلة التي تجمع بين الفرع والأصل حتى تعطي نفس النتيجة.

هذا النوع السابق، قياس بنفي الفارق، لا تحتاج فيه أن تذكر العلة بين الفرع وبين الأصل. متى يمكن ممارسة هذا النوع من الأقيسة؟ كما ذكرنا، إذا كان هناك تشابه شديد جداً بين الفرع والأصل بحيث لا معنى لذكر العلة الجامعة، لأن التشابه واضح، مثل مسألة قياس ضرب الوالدين على التأفيف.

هل أحتاج أن أقول والله ضرب الوالدين حرام، قياساً على التأفيف بجامع الأذى؟ هسه إذا أنا حكيت هيك هذا بس من باب التبرع، بس متبرع أنا، وإلا هناك مشابهة شديدة جداً بين الضرب للوالدين والشتم وقول أف، بحيث مجرد ما أقول الضرب مثله مثل قول أف، بل أسوأ، خلص اللي قدامي فهم؛ مش محتاج أن أذكر له العلة الجامعة.

رح تقول له واضح إنه أنت متبطر وجالس بنعيم، حتى أذكر لك العلة الجامعة، ما هي واضحة. فهمتم؟ إذاً متى يمكن أن يلجأ إلى هذا النوع؟ إذا كان هناك تشابه شديد جداً بين الفرع والأصل بحيث يصبح ذكر العلة الجامعة نوعاً من التبطل والسعة، لا معنى له.

في إيش؟ ما يلعنه؟ لسه هذه احكي ممكن واحد ينازع فيه، ممكن يقول لك الحديدة بطبيعتها مؤذية أكثر من غيرها، بس فيش عاقل ينازع إنه ضرب الوالدين أسوأ من قول أف، صح؟ في عاقل بينازع؟ ما فيش عاقل بينازع. فهنا لا حاجة في أثناء القياس أن تذكر العلة الجامعة لوضوح المشابهة.

إذا هذا بدك تعرف متى بتمارسه. أعد، لاحظ ماذا قلنا؟ هو إلحاق، أعد القراءة: إلحاق فرع بأصل بنفي الفارق المؤثر بينهما من دون التعرض... كلمة "من دون التعرض" هي ضع تحتها خط، هي الحبكة هنا. أي في هذا النوع لا أتعرض لذكر العلة الجامعة، ليه؟ لذلك وإنما يتحصل هذا النوع مع تقارب الفرع والأصل تقارباً شديداً جداً لا يحسن أصلاً معه التعرض لذكر الجامع، لأنه يصبح ذكر الجامع نوعاً من الترف الزائد؛ لأن نفي الفارق كافٍ في ثبوت الحكم في الفرع.

لا فرق بين سب الوالدين وبين قول أف، لا فرق بين ضرب الوالدين، بل بالعكس، بل ضربهما أشد من قول أف. لذلك قال مثال: قياس ضرب الوالدين وسبهما على التأفيف في الحرمة بجامع وجود الأذى في كليهما؛ فالنص الشرعي قد ورد بحرمة التأفيف في حق الوالدين دفعاً للأذى عنهما، ولا فرق بين التأفيف والضرب والشتم في ذلك، بل الضرب والشتم أولى من التأفيف في التحريم، لذا لا يتوقف أحد في صحة هذا القياس إذ لا يمكن أن ترد الشريعة بخلافه طبعاً. وهذا النوع يسميه بعض الأصوليين "قياس الأولى" لأن الضرب أولى بالتحريم من التأفيف.

حتى القياس اللي ذكرناه قبل شوي ترى، قياس الجوع الشديد على الغضب؛ هسه أنا صح ذكرته فيما أجمع على علته ووجدت في الفرع قطعاً، لكن بعض الأصوليين يذكر هذا المثال في نفي الفارق ترى. هذا المثال نفسه، البعض يقول لك لا فيش داعي تذكره في هذه الحالة، ما هو مجمع على علته وهو أصلاً نفي فارق، لأنه فيش فرق بين الجوع الشديد والغضب الشديد من حيث التشويش.

طبعاً هنا بتصير نوعاً من النسبية، إنه في البعض بيقول لك زي مثلاً المثال اللي جبته أنت، أنا قلت لك ممكن الواحد يجيب لك فارق، فذكر الجامع أولى. في بعض الأمثلة هي محل نقاش، هل يكتفى فيها بنفي الفارق أم لازم نذكر الجامع؟ بعض الأمثلة بتكون فيها نقاش بين الأصوليين، البعض يقول يكتفى فيها بنفي الفارق لشدة المقاربة، ممكن واحد يطلع لي ويقول لي: لا شيخ، أنا مش شايف إنه في اقتراب كثير، ممكن البعض يذكر نوعاً من الاختلافات. فالأحسن إذا بدك تقيس إنك تذكر الجامع، فهمتم؟ مش كل الأمثلة متفق على تصنيفها.

الثاني: إلحاق الفرع بالأصل بذكر الجامع بينهما. طيب هذا الثاني هو الذي يعني يشتغل به أكثر عند الأصوليين، وهو ثلاثة أنواع، وهو الحالة الطبيعية أصلاً اللي عرفناها؛ حمل الفرع على الأصل في الحكم لجامع، فهذا الذي عادة ينصب عليه عمل الأصوليين، وهو ثلاثة أقسام: قياس علة، قياس دلالة، وقياس شبه.

قياس العلة: وهو حمل الفرع على الأصل بالعلة التي علق الحكم عليها في الشرع. مثال: حمل النبيذ على الخمر في التحريم بجامع وجود الإسكار. هو أن تحمل الفرع على الأصل من خلال ذكر نفس العلة التي هي مناط الحكم في الأصل. يعني أنا عندي الآن فرع صحيح، وعندي أصل. أول شيء ببدأ في الأصل: ما حكمه؟ التحريم. ما علة التحريم؟ هذه العلة إما أن تكون منصوصة وجاهزة لك أصلاً، وإما أنك مع شوية استنباط تصل إليها.

طيب، بعد أن عرفت العلة، وجدت هذه العلة في الفرع، فأقيس الفرع على الأصل بذكر نفس العلة التي بسببها جاء حكم الأصل. فهنا أنا نصصت على العلة التي بسببها ورد حكم الأصل، ثم عديت هذا الحكم إلى الفرع لأن العلة موجودة أيضاً في الفرع. فهنا أنت ذكرت نفس العلة. طبعاً سيتضح لك هذا أكثر وأكثر، ليش أنا بركز على نفس العلة؟ لما نيجي على النوع الثاني، وهو قياس الدلالة، رح تفهم إيش الفرق بينهم.

مثال، اكتب المثال الأول: حمل النبيذ على الخمر في التحريم بجامع وجود الإسكار. والإسكار هو العلة التي من أجلها حرم الشارع شرب الخمر. تمام، لو قلت لك الخمر حرام، صح؟ طب، ما هي العلة؟ الإسكار. وهذه أو ما إليها الشارع في الكثير من النصوص. إذاً الخمر، وهو الأصل، حكمه حرام، ما العلة؟ الإسكار. اليوم عندك المشروبات المعاصرة اللي فيها نفس المفعول، تقول ما حكمها؟ حرام قياساً على الخمر، بجامع إيش؟ الإسكار؛ الإسكار موجود في الأصل وموجود في الفرع، فأنا ألحقت أو حملت الفرع على الأصل من خلال ذكر العلة، نفس العلة.

مثال: قياس النباش على السارق في وجوب القطع بجامع أخذ المال خفية. وأخذ المال خفية هي العلة التي علق عليها الشارع حكم القطع. السرقة حكمها حرام، يقطع صاحبها. تمام؟ موضوعنا حرام، حط لي إياه الآن على جنب، بدي آخذ حكم آخر يعني الحكم المتعلق بها، وهو السرقة يجب فيها قطع السارق. هذا الحكم اللي بيهمني هنا، وجوب قطع يد السارق.

السرقة إذاً ما حكمها؟ يجب فيها القطع. طب هذا الحكم وجوب القطع ما علته؟ عندك ما هو الأصل؟ السرقة. ما الحكم اللي بنتكلم فيه الآن اللي هو محل نقاشنا؟ وجوب القطع. طب ما العلة الآن؟ عندي الأصل عرفته، الحكم عرفته، الأصل هو السرقة، حكمها يجب فيها قطع اليد، ما العلة؟ قال الفقهاء: العلة أخذ المال خفية من حرز.

فالآن طلعت لهم مسألة بعد زمن النبوة، طلع ناس اسمهم النباشين، اللي بينبش القبر مشان ياخذ الكفن، الله يعافينا، بروح بينبش قبر ميت حتى ياخذ كفنه ويروح يبيعه يجيب له دينار دينارين. فالنباش للقبور، هل يجب فيه القطع أيضاً قياساً على السرقة؟

ماذا ستفعل؟ أنت الآن بعقلك، شو رح تسوي؟ بدك تتأكد هل الآن يجب القطع في السرقة؟ للعلة ما هي؟ أخذ المال خفيةً من حرز، هل النباش للقبور الذي يسرق الأكفان من الموتى فيه هاي العلة؟ هل هو يأخذ المال خفيةً من حرز مغلق؟

نعم، والله العلة واضحة موجودة فيه. فإذاً نقول العلة موجودة في الفرع، فإذاً يجب فيه القطع قياساً على السرقة؛ لأن العلة موجودة في الفرع كما هي موجودة في الأصل. فهنا ألحقت الفرع بالأصل من خلال ذات العلة التي بسببها وجد حكم الأصل، فأقول هي نفسها ستوجد لي حكم الفرع بالقياس.

قياس الدلالة. الآن النوع الثاني، نرجع إلى الصفحة السابقة. هذا الأول قياس العلة، نيجي الآن على قياس الدلالة. ما هو قياس الدلالة؟ قال: «وهو حمل الفرع على الأصل بلازم من لوازم العلة العقلية أو العادية أو بأثر من آثارها أو بحكم من أحكامها».

جميل، هذا اللي هو الموضوع شوي أصعب، ترى القياس هو أصعب باب عند الأصوليين، وفيه كتب مصنفة، بس إحنا هون رح ناخذه على حجمنا. في قياس الدلالة هنا بكون عندي أصل وبكون عندي فرع، سأجمع بين الفرع والأصل، لكن لن أستطيع أن أذكر العلة؛ إما لعدم وضوحها أو غموضها أو لأنها ما زالت عندي في طي التفتيش، لكنني سأجمع بينهما من خلال ذكر لازم العلة، أو حكم من أحكام العلة.

لاحظ ماذا قلنا؟ أن تجمع بين الفرع والأصل، تلحق الفرع بالأصل، هسا في الحالة الطبيعية الأصل إذا ألحقت الفرع بالأصل ألحقه بذكر العلة نفسها، بس أحياناً بتكون العلة مش واضح كثير وجودها في الفرع. بتكون العلة إيش مشكلتها يا إخواني؟ مش واضح وجودها في الفرع ويمكن يعترض علي كثير إذا ذكرتها، فألجأ إلى ذكر لازم من لوازم العلة، شيء ملازم لها، أو ذكر أثر من آثارها الناتجة عنها، أو ذكر حكم من أحكامها الشرعية، فأجمع بين الفرع والأصل بذكر اللازم أو الأثر أو الحكم.

هنا أنا صحيح لم أذكر العلة لأنها لم يتضح بشكل جلي وجودها في الفرع، طب كيف أنتجت الحكم إذن؟ قال: ذكرت لازماً من لوازم العلة أو أثراً من آثارها أو حكماً من أحكامها، ولازم الشيء يقوم مقام الشيء، وأثر الشيء يقوم مقام المؤثر، وحكم العلة يقوم مقام العلة. طبعاً هذا الأصل لا تلجأ إليه إلا إذا عجزت عن قياس العلة.

فهمتم؟ إذا أنا بقدر أعمل قياس علة والعلة واضحة ووجودها في الفرع واضح، لا تلجأ إلى قياس الدلالة لأنه أضعف من قياس العلة. هذا النوع الثاني واضح أنه أضعف من النوع الأول، ولذلك الاعتراضات عليه كثيرة ويمكن سهل ينقض المخالف؛ لأنه أنت هنا ما جمعت بين الفرع والأصل بالعلة نفسها، أنت جمعت بذكر لازم من لوازمها أو أثر من آثارها أو حكم من أحكامها.

بس صحيح هو الأضعف من العلة، لكن حقيقة 90% من قياسات المذاهب الفقهية الأربعة هي قياس دلالة. لو فتحت كتب الحنفية أو الشافعية أو المالكية أو الحنابلة ستجد الاعتماد على قياس الدلالة هو الأكثر حضوراً في الاستدلال الفقهي؛ لأنه قياس العلة يتوقف على إدراكك للعلة، وفي كثير من الأحيان قد تخفق في التأكد من العلية أو قد تخفق في إثبات وجود العلة في الفرع، فيكون قياس الدلالة مثل متنفس أنه أنا مش قادر أثبت وجود العلة في الفرع لكنني ألجأ إلى لازم أو حكم أو أثر.

خلينا نأخذ مثال لنفهم. قال: «مثال الجمع باللازم: حمل النبيذ على الخمر بجامع وجود الشدة المطربة في كليهما». والشدة المطربة ليست هي العلة التي من أجلها حرم الخمر، بل العلة هي الإسكار كما مر، لكن الشدة المطربة ملازمة عادة للإسكار لا تنفك عنه.

الآن حتى تفهموا هذا المثال، طلع لنا إيش؟ إحنا قلنا الخمر لماذا حرمت؟ الأصل لماذا حرم؟ العلة هي الإسكار، ممتاز، إحنا العلة عارفينها. نتج عندنا مشروب معاصر جديد أخرجوه شياطين الإنس، هذا المشروب المعاصر في خلاف؛ يا أخي هل هو مسكر ولا مش مسكر؟ مش واضحة كثير الآثار، لسه ما عملناش دراسة عليه واضحة تثبت أنه فعلاً مسكر. إذاً عندك مشروب معاصر هسا وبخلي الواحد يزهزه شوي، بس ما في دراسة أو شيء متيقن بعد أن علة الإسكار موجودة فيه.

طيب هل يحرم ولا لا يحرم؟ هنا إيش بنحكي يا جماعة؟ يقولون طيب العلة نفسها مش موجودة، أو مش بدناش نقول مش موجودة، مش متيقنين أنها موجودة في الفرع، بس نلاحظ وجود لازم من لوازمها، يقولون عادةً الإسكار يلازمه وجود ماذا؟ شدة مطربة، بتشوف الشخص يعني مزهزه شوي أو كثير أحياناً.

فيقولون لو في عندك شراب جديد معاصر، أنت مش متأكد أنه مسكر 100%، لكن هناك شيء ملازم عادةً للإسكار، وممكن طبعاً هو الملازم والأثر متقاربين، ممكن تقول أثر من آثاره أو ملازم لوازم، إنه الإسكار بيخلي شدة مطربة، بتخلي الواحد يزهزه، فهذا الفرع إذا وجدت فيه الشدة المطربة مباشرة سأقول إنه حرام، مع إني أنا مش متأكد إنه فيه العلة، بس أنا متأكد إنه فيه أثر من آثار العلة أو لازم من لوازمها اللي هو الزهزهة.

فبالتالي نقول هذا الشراب المعاصر حرام قياساً على الخمر بجامع وجود الشدة المطربة. لو قلت الإسكار غلط، لأنك أنت مش متأكد إنها موجودة في الفرع، بس مرة ستقول بجامع وجود الشدة المطربة. هسه الشدة المطربة إحنا متفقين إنه هي مش العلة التي من أجلها حرم، بس هي ملازمة لتلك العلة، فخلص بيزبط أجمع بين الفرع والأصل باللازم.

لكن لو سألتك بالتأكيد أيهما أقوى؟ إنك تلحق شراب معاصر بالخمر من حيث أنت متأكد وجود الإسكار فيه، ولا تلحق شراب معاصر بالخمر من حيث وجود لازم من لوازم العلة؟ أكيد إذا أثبت وجود العلة هذا أقوى من فقط الاقتصار على وجود لازم من لوازمها، عشان هيك اللازم ممكن ينقض؛ ممكن شخص يقول لك لا يا أخي هذه الشدة المطربة اللي شفتها أنت هذه مش شدة مطربة، هذا أصلاً شو ما أدري شو اسمه. إنه ممكن واحد ينقضها، فهو ليس قياساً قوياً، لكنه بيمشي الحال، لأن أنا مش قادر أتأكد من وجود العلة، فبسلك حالي من خلال ذكري أثر من آثارها أو لازم من لوازمها. لكن الشدة المطربة ملازمة عادة للإسكار لا تنفك عنه، فوجود الشدة دليل على وجود الإسكار فصح القياس بها، وإنما يعدل إلى...

لازم العلة في بعض الأقيسة، لأنه قد يكون أظهر من العلة فيستدل بوجوده على وجود العلة. أنا مش متأكد أن العلة موجودة في الفرع، بس أنا متأكد من وجود لازم أو أثر من آثارها.

فبصير يفكر، يقول: ما دامت الشدة المطربة موجودة إذاً الإسكار موجود. أنا مش قادر أثبتلك إياه، بس الشدة المطربة في العادة متى توجد؟ مع الإسكار، ما هي لازم اللوازم، فوجودها يكفيني في إلحاق الفرع بالأصل؛ هي الأظهر، بس أنا ضمنياً عارف عقلياً أنه ما دام الأثر موجود إذاً السبب موجود. أنا مش قادر أأكد أنه الإسكار، بس قادر أأكد أنه في أثر من آثار الإسكار، إذا وجد الأثر وجد المؤثر، هكذا الطريقة.

مثلاً مثال آخر؛ مثال الجمع بالأثر: القتل بالمثقل كالحجر الكبير، بالآثر يعني بأثر العلة، كالحجر الكبير يوجب القاصاص كالقتل بالمحدد بجامع الإثم. المحدد هي الآلة الحادة، بجامع الإثم في كليهما، والإثم ليس العلة التي من أجلها وجب القصاص في القتل بالمحدد، بل العلة هي القتل العمد العدوان، لكن الإثم أثر من آثار هذه العلة أو سميه اللازم الشرعي فصح القياس به.

وقع خلاف بين الجمهور والحنفية. لو أنا مسكت حجر كبير دبشة ورميتها على واحد فمات، هل هنا يعتبر قتل عمد عدوان يوجب القصاص ولا قتل شبه عمد في الدية فقط؟ الجمهور شو قالوا؟ هناك أصل متفق عليه الجميع، الأصل الذي اتفق عليه الجمهور مع الحنفية أنه إذا واحد قتل شخص بحديدة أو سكين، فهذا قتل عمد عدوان يوجب القصاص، فهذا الأصل متفق عليه.

فلو هيك من باب ترتيب المسألة؛ القتل بالمحدد، المحدد زي ايش؟ أي آلة محددة مثل السكين أو السيف، ما حكمه؟ هنا أحكام كثيرة، طبعاً دائماً لما أقولك ما حكمه بتقولي حرام، بس أنا مش هذا الحكم اللي بدي إياه، الحكم اللي إحنا موطن النقاش فيه إنه الكل متفق إنه حرام، هل يوجب القصاص ولا لأ؟ هنا نقول الأصل نعم يوجب القصاص باتفاق الجميع. القتل بالمحدد يوجب القصاص، إذاً هذا الأصل وهذا الحكم.

طيب ما العلة؟ العلة مركبة هنا، علة مركبة: قتل عمد عدوان. قالوا هذا إنه اللي بيمسك سكين وبحز فيها رأس واحد، هذا قتل أولاً عمد وعدوان، ما حدش بيقولي لأ والله بالغلط قطعت رأسه، ما فيش بتزبطش بالغلط، سكين وقاعد بتعابط فيه وبتقولي بالغلط ما بزبط. طيب، هذا الأصل.

الفرع ما هو؟ القتل بالحجر الكبير. هنا وقع خلاف بين الجمهور والحنفية. الجمهور شو قالوا؟ لو واحد مسك مثقل، المثقل دبشة، وحطها على رأس واحد وضربها فيه، هل هذا يوجب القصاص؟ الكل متفق إنه حرام طبعاً، بس أنت انتبه الكلام في إيه؟ هل قصاص ولا ما في قصاص؟ هل هي دية فقط؟ هنا مكان النقاش.

باختصار، هل سأقيس القتل بالمثقل (الحجر الكبير) على القتل بالمحدد؟ هون أنت ستعتمد على ماذا؟ ستعتمد على وجود العلة، هل هناك قتل عمد عدوان؟ الحنفية يقولون: هسا واحد مسك حجر كبير ورماه، ممكن ما كانش متقصد يقتله، كان متقصد يأذيه، بس هل أنت متأكد إنه كان قصده يقتله؟ أنت لا تفكر النقاش بهذه البساطة، لأن هنا هم ينظرون إلى الدافع.

يقول لك واحد كان معصب، ممكن أثناء الطوشة مسك حجر، هو ما فيش دافع للقتل العمد، والقتل الذي يوجب القصاص هو القتل العمد. طيب كيف بدي أعرف أنه قتل عمد ولا لا؟ أنا مش راح أفتح عن قلبه وأشوف أنه عمد ولا مش عمد، الآلة هي اللي راح تعرفني أنه قتل عمد ولا لا، واحد ماسك سيف وقطع فيه رأس واحد، الآلة لحالها بتحكي أنه قتل عمد.

فلو واحد في أثناء المشكلة والهوشة مسك صخرة ورماها، الحنفية قالوا: لا يظهر أنه تعمد القتل، الذي يظهر له أنه تعمد الأذى، تعمد الضرب، بس ما بتقدر تحكي أنه تعمد القتل. الجمهور بيقولوا لا، لو هو مسك حجر صغير هالقد ورماه، والله بنتفق معكم أنه ما قصدش القتل، لو رميت حجر صغير هيك على رأس الشاب ومات، بجوز الحجر الصغير إجى على وتر شيء مات، بس هو فعلياً في العادة حجر صغير زي هيك بيقتل؟

بس قالوا أنت بتحكي عن دبشة كبيرة، واحد مسك طوبة ورماها على رأس واحد، والله هي زيها زي السكين، لا يتوقع منها إلا أنها تقتل، فالجمهور خالفوا الحنفية. بس لأن الأمور ما كانتش واضحة، في نقاشات كثير بينهم، والكلام للحنفية له احتمال في بعض زواياه، وكلام الجمهور له احتمال، الجمهور حتى يقولوا بالقصاص.

ماذا قالوا؟ قالوا صعب أن أقول العلة هي القتل العمد العدوان في المثقل، ليه؟ لأنه أصلاً أن تقول للمثقل قتل عمد عدوان، مو هذا أصلاً مكان النقاش، أنه هل هو قتل عمد ولا لا؟ في احتمال أنه لم يقصد القتل وإنما قصد الأذى. فرأى الجمهور أن الجمع بين القتل بالمثقل أو قياس القتل بالمحدد في وجوب القصاص بجامع القتل العمد والعدوان، أن نجمع بينهم بذكر العلة، صعب لأن وجود هذه العلة في الفرع ليس بارزاً بشكل جلي.

وجود القتل العمد، يعني في احتمال كبير، نحن متفقين بس مش بارز بشكل قوي، وجود العلة وهي القتل العمد، البارز هو وجود الأذى، لكن وجود نية القتل العمد بالصخرة، فقالوا صعب أن نقول بوجوب القصاص من خلال إلحاق الفرع بالأصل بالعلة. فماذا قالوا؟ قالوا ما نلحق الفرع بالأصل من خلال ذكر أثر من آثار العلة، القتل العمد والعدوان من آثاره ماذا؟ الإثم.

الإثم هو أثر من آثار العلة، مش نفس العلة. فماذا قال الجمهور؟ قالوا نقول القتل بالمثقل يوجب القصاص قياساً على القتل بالمحدد بجامع أثر من آثار العلة وهو الإثم، لعدم وضوح العلة في الفرع. في حدا مختلف أنه اللي بيضرب بالمثقل آثم؟ لو أنا مسكت صخرة ورميتها على أخوي المسلم، في حدا مختلف حتى الحنفية بيختلفوا معك فيها؟ لا، حتى الحنفية بيقولوا لك أنه...

آثم، فهذه نوع من اللف شوي؛ أنه قالوا الحنفية: القتل بالمثقل يوجب القصاص قياساً على المحدد بجامع الإثم. وبما أنه هذا يوجب القصاص، إذاً هذا يوجب القصاص.

طبعاً أنت في وجهة نظرك راح تقول: القياس مش قوي، أنت قلت أنه يوجب القصاص بجامع الإثم، وما في أشياء كثير فيها إثم، هل هي بس اللي فيها إثم؟ فأنت ملاحظ نفسك أن القياس مش بهذه القوة الكبيرة حتى يعتمد عليه.

بس إيش اللي بيخلي الجمهور أحياناً يلجأ لهذه التصرفات؟ أنه نفس العلة مش واضحة كثير وجودها في الفرع، القتل العمد، فيلجأ أنه يذكر أثر من آثاره، فيقول: الإثم موجود في الفرع كما هو موجود في الأصل، فالحكم هو وجوب القصاص. طبعاً أنت بدك تعتمد على وجوب القصاص بس بناءً على هذا القياس، وهو قياس دلالة.

هذا إيش اسمه القياس؟ لأن أنت ما جمعت بينهما بالعلة، جمعت بأثر من آثار العلة وهو التأثيم. حقيقة مثل هذا يعتبر قياس مش بالقوة البالغة، ويمكن ينقض أو يعترض عليه باعتراضات كثيرة، وأغلب نقاشات الفقهاء ترى هي دائرة هنا. لذلك لما ظهر عصر الجدل الفقهي، إذا بتسمعوا كتب الجدل الفقهي، كثير من النقاشات كانت تستعمل قياس الدلالة؛ لأنه المهم أنه يحاول يفحم الطرف الآخر بأي شكل من الأشكال.

بس أنا بوجهة نظري أن هذا القياس يعترض عليه باعتراضات كثيرة؛ لأنه حتى القتل بالحجر الصغير لا يوجب القصاص، ولكن فيه إثم. هل نقول أنه يوجب القصاص؟ يعني واحد ضرب واحد بحجر صغيرة، بدنا نقتله؟ فيه إثم هنا، وكمان فيه إثم في الأصل، ومع ذلك لا يوجب القصاص.

لكن هذا بس مثال، كان الهدف منه تقريب الصورة لك، تفهم كيف يجمع بين الفرع والأصل بأثر من آثار العلة. لكن لاحظ إيش اللي دفعني أني أعمل هذا التوجه؟ لا، مش ما فيه علة، العلة غير واضح جداً وجودها في الفرع أو على الأقل الخصم المذهب الآخر عم ينكر كثير وجودها، فحتى ألزمه، بدل ما أجيب العلة شو بجيب؟ بجيب أثر من آثارها الخصم متفق على وجوده في الفرع، فبتصير نوع من اللفة من باب إفحامه. بس برضه هذا لا يفحم لأنه يمكن أن يخرج من هذا باعتراضات كثيرة تعرفها إن شاء الله في قواعد القياس.

أكتفي اليوم إن شاء الله بهذا القدر، وإن شاء الله في الدرس القادم نأخذ النوع الثالث، أخذنا قياس العلة وقياس الدلالة، بقي أضعف أضعف أنواع الأقيسة وهو قياس الشبه، هذا نتركه للدرس القادم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.