دخولتسجيل الدخول

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه ومن والاه. حياكم الله في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب الإيضاح والتقرير لمعاني النظم الصغير.

طبعا في البداية إن شاء الله يوم السبت القادم سيكون امتحانا في كتاب الصيام كاملا، بالنسبة لكتاب بداية العابد يوم السبت القادم سيكون اختبار في كتاب الصيام من بداية العابد، إن كان لنا في العمر بقية.

في الدرس الماضي شرحنا في موضوع القياس، وقلنا ما تعريف القياس يا مشعل؟ حمل فرع على أصل في الحكم. وقلنا إن القياس يعطي نتيجة ظنية ولا قطعية؟ يا شيخ يعطي نتيجة ظنية دائما إلا في حالتين: الأولى، قياس بنفي الفارق، والحالة الثانية، العلة قطعية ووجدت في الفرع قطعا. يعني حتى تختصر على نفسك، العلة قطعية ووجدت في الفرع قطعا، قالوا هنا تكون النتيجة حكما قطيعا مش حكما ظنيا، هكذا يقولون.

قلنا ما معنى القياس بنفي الفارق؟ أنت فاهم بس ما عبرت بالتعبير الأصولي، من يعبر لي تعبيرا أصوليا عن القياس بنفي الفارق؟ في كلمة جوهرية دون التطرق إلى ذكر الجامع، أن أجمع بين الفرع والأصل فقط من خلال أقول لا يوجد فارق مؤثر بينهما، عشان هيك سمي قياسا بنفي الفارق؛ جمعت بين الفرع والأصل كيف؟ قلت لا يوجد فارق مؤثر بينهما بدون أن أتطرق إلى ذكر العلة الجامعة. كما قلنا لا فرق بين ضرب الوالدين والتأفف في وجههما، بس ما في داعي أقول وضرب الوالدين حرام قياسا على التأفف بجامع وجود الأذى، ما في داعي تحكي بجامع وجود الأذى، فقط تكتفي بنفي الفارق المؤثر بينهما في هذه المسألة، ما في فارق مؤثر، بل بالعكس الضرب أولى أن يحصل التحريم من مجرد التأفف.

أنواع الأقيسة، قلنا عندنا ثلاثة أنواع للأقيسة من باعتبار الجامع المذكور. إحنا قلنا القياس إما قياس بنفي الفارق، أو قياس بذكر الجامع. القياس بذكر الجامع له ثلاث صور: قياس علة، قياس دلالة، وقياس شبه.

قلنا قياس العلة يا مجد، ما هو؟ اقرأ لي من الكتاب: «حمل الفرع على الأصل بأيه؟». واضح أنه حتى القراءة نصكم، بدي واحد يعطيني إياها عن غيب. تفضل يا شيخ، أحسنت، أن نحمل الفرع على الأصل بذكر نفس العلة؛ لأن العلة واضحة وواضح للجميع وجوده في الفرع، فخلص ممكن إلحاق الفرع بالأصل مباشرة بذكر العلة المؤثرة التي هي سبب الحكم. وقلنا مثال ذلك: قياس النبيذ أو المشروبات المعاصرة على الخمر في التحريم بجامع الإسكار، والإسكار هو الذي بسببها تم تحريم شرب الخمر، اللي هو حكم الأصل. وتفضل، إلحاق الحانق يقاس على الغضبان في مسألة القضاء بجامع التشويش؛ العلة هي التشويش وهي مجمع عليها. إحنا قلنا أن تكون العلة إما منصوصة أو مجمعة عليها، وأنا هذا ذكرت مثالا على العلة المجمع عليها.

طيب ننتقل إلى النوع الثاني وهو قياس الدلالة، ما هو قياس الدلالة؟ أعطني التعريف الرسمي، حمل الفرع على الأصل بذكر ماذا؟ لا، أعطني إياها بعدين أعطي تفاصيلها، بذكر دليل العلة. تعريفه: أن أحمل الفرع على الأصل ليس من خلال ذكر العلة المؤثرة، لا، من خلال ذكر دليل العلة. طيب ما هو دليل العلة؟ دليل العلة إما أثر من آثار العلة، أو لازم صفة ملازمة لها، أو حكم شرعي من أحكامها. إذن دليل العلة إما لازم عقلي أو شرعي، يعني صفة عقلية أو شرعية ملازمة دائما للعلة، متى وجدت العلة تكون هذه الصفة موجودة معها.

مثال عليها في الأذكار، العلة شو؟ في صفة ملازمة لها وهي الشدة المطربة، الشدة المطربة بتخلي الواحد كما قلنا يزهزه، هذه صفة ملازمة للعلة، فأنا ممكن أجمع من خلال العلة، وإذا كانت العلة مش واضحة كثير وجودها، ممكن أجمع من خلال ذكر هذه الصفة؛ لأن وجودها مع معرفتي أنها ملازمة للعلة هو دليل على وجود العلة ضمنيا.

طيب مثال على الجمع من خلال ذكر أثر العلة، هذا الذي ختمنا به في الدرس السابق، ما هو المثال الذي ذكرناه؟ تفضل يا شيخ، العمود المتكي على عمود. أحسنت، جماعة الكتاب هذا يظل في رف السيارة سيبكم منه، الكتاب بده ينزل على البيت وتقرأ منه، ما ينفع الكتاب تأكل الشمس في رفوف السيارات، امسكوا الكتب واقرأوا، ما ينفعش، كذا طالب العلم.

طيب، مثال آخر: قياس القتل بالحجر الضخم على القتل بالسكين بجامع ماذا؟ ليس بذكر العلة وهي القتل العمد العدوان، لأن الخصم مش موافق على وجودها، بل بجامع وجود دليل من أدلة العلة، وهو أثر من آثار العلة اللي هو الإثم كما قلنا، وهذا القياس قياس دلالة أضعف من قياس العلة سهل يعترض عليه، وإن كان هو الأكثر وجودا. لذلك أنا بدي أكلفك إن شاء الله اليوم من هنا إلى يوم السبت تجيب لي من كتاب «دقائق التنبه» عشرة أمثلة على قياس دلالة ذكرها الشيخ منصور البهوتي عند الحنابلة، ستجد أمثلة كثيرة من قياس الدلالة سواء في العبادات أو المعاملات أو المناكحات.

نيجي الآن على المثال الثالث والأخير من قياس الدلالة، نجمع بين الفرع والأصل بذكر ماذا؟ حكم من أحكام العلة. هذه بتكون شوية الطلاب بتوتر فيها، هذه الحالة الثالثة؛ لأنه هنا أنا بدي أجمع بين الفرع والأصل بذكر حكم شرعي من الأحكام. تقولي طب هو إلحاق الفرع بالأصل ما هدفه إنتاج حكم شرعي؟ آه، بس هنا صار في شغلتين، في حكم شرعي بدي أنتجه، وفي حكم...

شرعي راح يكون هو العلة الجامعة، فهمت علي؟ يعني أنا بدي ألحق الفرع بالأصل عشان أعطي الفرع حكم الأصل، صح؟

طيب كيف أجمع بينهما؟ سأذكر حكماً من أحكام العلة يكون هو الجامع. ناخذ المثال، اقرأ يا شيخ. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. مثال الجمع بالحكم: قطع الجماعة بالواحد قياساً على قتل الجماعة بالواحد، بجامع وجوب الدية عليهم في كالصورتين في حالة غير العمد، ووجوب الدية هو حكم العلة التي هي الجناية. وحاصله أنه استدل بوجود أحد بموجب الجناية وهو الدية في حالة غير العمد على وجود الموجب الآخر وهو القصاص في حالة العمد.

الآن هناك حكم نحن متفقون عليه، خلينا نقول ضمنياً، أنه لو جماعة اشتركوا وتواطؤوا على قتل شخص عمداً وعدواناً، حكم الإعدام والقصاص سيطبق على كل الجماعة؛ مجموعة قطاع طرق، عصابة معينة اشتركوا في قتل شخص واحد، اشتركوا وتواطؤوا على قتل شخص واحد، حكم القصاص سيطبق على الجميع. هذا حصل ومتفق عليه، إذاً ما هو الأصل؟ قتل الجماعة بالواحد.

طيب ما هي المسألة المختلف فيها التي بدنا نحاول نقيسها عليها؟ قطع الجماعة بالواحد. شو يعني قطع الجماعة بالواحد يا أبا زيد؟ يعني جماعة اشتركوا مش في قتل شخص، في قطع يده فرضا؛ جماعة اشتركوا في قطع يد شخص. تذكروا زي الحادث اللي صارت في الزرقاء قبل ست سنين، صالحة مجموعة مجرمين قطعوا يده، جماعة اشتركوا في قطع يد. هل سنقطع يد جميع الجماعة؟ نقطع أيديهم جميعاً أم نقطع يد واحد فيهم؟ أو إيش الحال؟ أو نطلب الدية وخلص؟

فاحنا ماذا نقول؟ لا، إذا قطع جماعة يد شخص واحد يقطع جميعاً قياساً على أنه لو قتل جماعة شخص واحد سيقتل جميعاً. فهمنا الآن شو القياس؟ إذاً هذا هو الفرع الذي نحن مختلفون فيه؛ إذا قطع جماعة يد شخص واحد، الحكم الذي نريد الوصول إليه هو تطبيق العقوبة على الجميع، اللي هو القصاص. العقوبة شو هي؟ القصاص هنا وهنا قصاص، بس هنا قصاص في الروح وهنا قصاص في اليد. فنقول: يطبق القصاص في قطع الجماعة لشخص واحد قياساً على تطبيق القصاص في قتل الجماعة لشخص واحد.

فإن شو هو القياس الذي نحن نناقشه؟ طيب، شو عنا حديث نص فيها؟ هذا ثابت بالنص، كما قال عمر: «لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به». فهذا ثابت بالنص، هاي ما فيها نص، فبدي أقيس هذه المسألة الفرع على الأصل في وجوب تطبيق القصاص على الجميع. الآن المشكلة وين؟ الجامع، ها هي حفلتنا! ما هو الجامع؟ نحن مش قلنا تعريف القياس: حمل فرع على أصل في الحكم لجامع بينهما؟ الآن هي الفكرة، ما هو الجامع؟

طيب، الآن قالوا ذكر العلة، العلة لو أردت أن آتي إلى العلة المؤثرة التي تصلح أن تكون هنا وهنا كصلاحية عامة؛ ما هي الجناية على وجه العمد؟ الجامع هو الجناية عمداً. خلينا نعتبر هذه هي العلة؛ وجود الجناية عمداً، الأصل تكون هي العلة التي نجمع بها بين الفرع والأصل؛ سبب من الأسباب بغض النظر شو هو الطرف المقابل.

بقول لي: لا، أنا العلة التي هي الجناية عمداً أنا مش شايف أنها موجودة حقيقة في الفرع؛ الجناية عمداً من الجميع بقول ماشي، الجناية عمداً في القتل شايفها واضحة، بس أن تكون جناية عمد أن جماعة يقطعوا واحد، لا؛ الجاني يكون واحداً مثلاً. أي اعتراض بغض النظر الآن، إيش طبيعة الاعتراض؟ نحن الآن بس هدفنا نذكر مثال، فالعله الحقيقية هي ماذا التي ينبغي أن تجمع بين الفرع والأصل؟ وجود الجناية العمدية. لكن الخصم الفقيه الآخر ينازع في وجود العلة، فاضطررت أنا أني أروح أجمع بين الفرع والأصل بذكري حكماً من أحكام هذه العلة.

هنا راح أفتح صفحة جديدة، نقول: الجناية العمدية، ما الأحكام الشرعية التي تنبني عليها في الشريعة الإسلامية؟ الآن إذا شخص جنى جناية على وجه العمد، شوف كيف يتعرف الفقهاء، أذكياء، وإن الفقه مش شيء سهل زي ما يتوقع بعض الناس، مش "شاي بدون تمذهب". الجناية العمدية توجب في الإسلام إما قصاصاً أو دية. هي الأحكام الشرعية التي تنبني؛ واحد جنى جناية عمدية على بدن شخص كامل أو على جزء من بدنه، الأحكام الشرعية أن الجناية العمدية بتعمل يا قصاص يا دية، وإذا حب يعفو جزاه الله خيراً، يعني بس أنه كحكم شرعي معك يا قصاص يا دية. ممتاز، ممتاز.

فأنا باجي للخصم الذي خالفني في هذا القياس، اللي مش راضي يقتنع معي، شو بقول له؟ بقول له: تعال ارجع للصفحة التي ذكرتها؛ هي الجناية العمدية كعلة أنت رافض أن تكون هي الجامع الذي يجمع بين الفرع والأصل، طب في نقطة أنا وإياك متفقون فيها، وهي حكم من أحكام الجناية العمدية، وهي ماذا؟ الدية.

هسه أنا بدي أسألك، هل توافقني؟ لو أن جماعة قطعوا يد شخص واحد والمجني عليه قال أنا بدي الدية، بدي القصاص، هل توافقني أن الجميع يشتركون في دفع الدية؟ شو راح يقول لي؟ نعم أوافقك، أن الجميع سيشارك في دفع الدية. وافقني إذاً على وجود حكم من أحكام هذه العلة، وهو أن الجناية العمدية توجب الدية. هذا الحكم هو يوافقني على وجوده في الفرع ويوافقني على وجوده في الأصل. يعني لو أن جماعة اشتركوا في قتل شخص، فأولياء المقتول قالوا نحن بدنا الدية بدناش القصاص، الدية مين راح يدفعها؟ الكل. طيب لو جماعة اشتركوا في قطع يد شخص، فالمجني عليه قال أنا ما بدي القصاص بدي الدية، مين راح يدفع الدية؟ الكل.

وهذا يوافقني الخصم عليه، فأقول: إذاً أنت مش موافقني على الجناية العمدية، طب أنا بدي ألزمك؛ هل توافقني أن الدية ملزمة في هذه الحالة في حال طلبها كما هي ملزمة في هذه الحالة؟ رح يقول لي: آه والله بوافق. بقول: ممتاز، ما دمت وافقتني على وجود حكم من أحكام العلة وهو الدية، فيلزمك أن توافقني على وجود الحكم الآخر وهو ماذا؟ القصاص في حال طالبوا بالقصاص.

فهمتم هو شو عمل وكيف ألزم المخالف له؟ أنا الآن في مقام مناظرة، بدي أثبت أنه يقطع الجماعة بالواحد كما يقتل الجماعة بالواحد، فما استطعت أني أعتمد على العلة نفسها، فاضطررت أني أعتمد على ماذا؟ على حكم من أحكام العلة. هذا الحكم هو ليش اعتمدت على هذا الحكم؟ لأنه الفقيه الذي يخالفني هو معترف به، لأنه لو قلت له: هل يدفع الدية الجماعة في القطع قياساً على...

دفع الدية للجماعة في القتل، أقول له: إذا وافقتَ على أحد أحكام العلة، ستوافقني على الحكم الآخر، وبالتالي العلة أصبحت موجودة، وعليك أن تتجه بالاتجاه الفقهي الذي قلته؛ ما دمت وافقتني على الدية، ستوافقني على ماذا؟ على القصاص؛ لأن الدية أصلاً -لماذا قلت بالدية؟- لأن في جناية متعمدة، أنت قلت أصلاً وجود الدية لأن في جناية متعمدة، فإذا وافقتني على وجود الحكم الآخر وهو القصاص.

طبعاً هذا يُعترض عليه، أنا فاهم أن هناك اعتراضات على هذا الكلام، لكن هذه إحدى الممارسات التي يفعلها الفقهاء في مقام المناظرة، لذلك هو قياس دلالة. أنا أقول هو قياس ينجي من الورطات أكثر من كونه قياساً في الصميم في كثير من صوره؛ بعض صوره قوية، وهو أول نوع: أن تجمع بلازم العلة، أن تجمع بلازم العلة قوي، لكن أن تجمع بأثر من آثار العلة أو بحكم من أحكامها، ستجد في العادة اعتراضات.

لذلك دعوني أقرأ الصورة الموجودة هنا مرة أخرى: فقلنا قطع الجماعة بالواحد قياساً على قتل الجماعة بالواحد. طبعاً القطع والقتل كلاهما هو الحكم أصلاً، وهو القصاص بجامع وجوب الدية. إذاً ما الجامع الذي اعتمدت عليه؟ وجوب الدية. لو أن واحداً سأل: قطع الجماعة بالواحد يجب قياساً على قتل الجماعة بالواحد بجامع وجوب الدية؟ أنت راح تقول: ما دخل القياس ببعضه؟ أنا أحس الأمور هكذا داخلة ببعضها. يجب أن يقتص من الجماعة إذا قطعوا يد شخص، قياساً على أنهم يقتلون إذا قتلوا شخصاً، بجامع وجود الدية.

ستقرأ في كتب الفقهاء وتقول: ما دخل الدية في الموضوع؟ هذا هو البعد الذي لازم تفهم في أصول الفقه، أنه هنا الدية ليست العلة حقيقة، وإنما هي حكم من أحكام العلة. العلة التي نحن الأصل متفقون عليها، والتي لازم تكون واضحة، هي الجناية المتعمدة. يعني الأصل: يقطع الجماعة بالواحد قياساً على قتل الجماعة بالواحد بجامع وجود الجناية على وجه العمد، هذه ستكون واضحة، لكنهم لا يتحدثون بجامع وجود الجناية على الجناية العمدية لأن أحد الفقهاء أو أحد المذاهب يخالف أو ينازع لسبب من الأسباب، فيضطر أنا حتى أبين حجتي وألزم المخالف لي، أقول له: أنت لست موافقاً عليها، سأجعلك توافق من خلال ذكر حكم من أحكامها الذي توافقني عليه.

ما هو الحكم الذي يوافقني عليه الطرف المخالف؟ الدية؛ فيقول: إذا قطع جماعة واحداً تجب الدية، صحيح كما إذا قتلوا جماعة واحداً وجب الدية، فيوافقني على الدية، وهي حكم من أحكام العلة، فإذاً يلزمك أن توافقني على الحكم الآخر، وهو ماذا؟ القصاص. طبعاً هل يلزمه لزوماً يقينياً؟ أم ممكن يعترض عليه ويقول: يا أخي حتى لو قلت إنه في دية، لماذا تلزمني أن أقول وجوب القصاص؟ لأن الدية أمرها أسهل، أما القصاص فأمره أصعب، فهل وجوب الدية يلزم منه دائماً وجود القصاص؟ ممكن يعترض على هذا.

لا أريدك أن تفكر أن هذا هو القياس الأوحد الذي لا يُعترض عليه، في اعتراضات عليه أصلاً عند المخالف، لكن أنا فقط أريد أن أعطيك فكرة كيف نجمع بذكر حكم من أحكام العلة. فالدية أو وجوب الدية هو حكم من أحكام العلة، أنا اتكأت عليه واعتمدت عليه لإيجاد الحكم الأصلي للقياس وهو وجوب القصاص، ووجوب القصاص أصلاً هو الفرع الثاني من فروع العلة، وهو الحكم الذي أنا أصلاً أريد إثباته، فالقصاص هو الحكم الذي أنا أصلاً أريد إثباته من القياس، فاعتمدت في إثباته على نظيره وهو الدية.

لذلك قلنا: قطع الجماعة بالواحد قياساً على قتل الجماعة بالواحد بجامع وجود الدية في كلا الصورتين. قال: في حالة غير العمد. حتى هنا، يعني أنا في المثال الذي أتيت به هنا أتيت بمثال في حالة غير العمد؛ في حال كون الخصم يقول لك: لا ما هي غير عمد. غير العمد حتى في حالة غير العمد نحن متفقون على وجود الدية، طيب إذاً بجامع وجوب الدية في كلا الصورتين في حالة غير العمد، ووجوب الدية هو حكم العلة الحقيقية التي هي الجناية. أنا المثال الذي ذكرته هنا جعلت العلة هي الجناية، لكن لما مثلت على الشاشة جعلت العلة هي الجناية المتعمدة والأمر سهل، لكن هناك لأنني أطلقت الجناية، فالجناية تشمل عمد وغير عمد، أنا هنا خصصت بالجناية العمدية.

المهم، حاصل هذا القياس أنه استدل بوجود أحد موجب الجناية، أي أحد أحكام الجناية -إذا أردت أن تسهل على نفسك اكتبها- استدل بوجود أحد أحكام الجناية، والجناية هي العلة، ما هو الحكم الذي وُجد من أحكام العلة؟ وهو الدية في حالة غير العمد، أو في حال العمد لكن رُضي بالدم، وهذا يضبط على وجود الموجب الآخر وهو القصاص في حال العمد. هم مصرون على وجود القصاص، فأنت إذا أردت أن تعبر عن هذه الفكرة باختصار كما بينا لكم: الجامع بين الفرع وبين الأصل ليس بذكر العلة، لأن الخصم يخالف بوجودها، بل بذكر حكم من أحكام العلة، أنت عبر بهذه الطريقة وهو الدية؛ فلما استطعت أن ألزم الخصم بهذا الحكم، لزمه أن يوافقني على الحكم الآخر وهو القصاص.

يجب أن تقعد في الدار وتفكر فيها حتى تفتح عليك. هل هناك أحد لديه تساؤل صغير فيها، ليس فاهماً هذا الموضوع حتى أعالجه سريعاً؟ - الدية دائماً شيء أسهل، أنا يمكن أوجب الدية على الجميع، لكن أني أقطع الجميع، ممكن يقول لك أنت بترت أيدي ستة! نعم، تمام، لكن في النهاية، حكم الدية كحجم وتأثير، هل هي كحكم القصاص كحجم وتأثير؟ لا، هذا الحكم سهل أن يشتركوا في دفعه، لكن ليس سهلاً أن أستغني عن أيدي الجميع، فآثار ذلك الحكم أعلى بكثير من آثار ذاك الحكم، هناك فرق بين الحكمين حتى من حيث الآثار.

طيب، إذا كان رأيه هكذا، أصلاً ينتهي القياس، طبعاً، ولكن أنا متفق -أو أفترض أنه متفق- على أن الدية تلزم الجميع؛ هو لازم يكون متفق معي أن الدية تلزم الجميع، لأنه إذا قال لي الدية تلزم واحداً ولا تلزم الجميع، انتهى القياس كله. طبعاً أنت تحتاج لهذا الافتراض، افتراض أنه متفق أن الدية تلزم الجميع، فكأني قلت له: ما دمت متفقاً معي أن الدية تلزم الجميع، إذاً اتفق معي أن القصاص يلزم.

الجميع ترى هي الخلاصة، شايفين كل هذه الحفلة بيبقى كأنك تختصرها بهذه العبارة: إذا كنت متفقاً معي أن الدية تلزم الجميع في حال طلب الدية أو في حال غير العمد بالضبط، فيلزمك أن تتفق معي أنه القصاص يلزم الجميع.

فباختيارك معي على أحد الأحكام، سألزم أن يتفق معي على الحكم الآخر؛ لأنه متفق معي أن الجناية المتعمدة تولد الدية، فإذا لم يريدوا القصاص أو في حال غير العمد، إذا كان جناية غير عمد كله مضبوط، إذ يلزمك أن تتفق معي على الفرع الآخر، أو النتيجة الأخرى، أو الحكم الآخر الذي تولده العلة وهو القصاص في حال كان عمداً ولم يرضوا إلا بالقصاص. فأنا باختصار، من خلال إقراره بحكم أريده، ألزمته أن يقر بالحكم الآخر؛ ها هي الطريقة باختصار.

لكن نحن بالفلسفة، شفتوا شو يسمونها؟ الجمع بين الفرع والأصل بذكر حكم من أحكام العلة، وإلا فهي عبارتها السهلة: يمكن لديكم أن إذا ألزمتم بهذا الحكم يلزمكم أن تقروا بالآخر. هي هذه الفكرة، بس أنا الأصل أن ألزمة بالعلة، بس أنا مش قادر ألزمة بالعلة، فألزم بحكم من أحكامها وقلت له: إذا أقرت بهذا الحكم من أحكام العلة، يجب في الأصل والفرع أن يلزمك أن تقر بالحكم الآخر في الأصل والفرع. تمام، أنا عارف أشياء كثيرة في أذهانكم، بس نختصر على هذا.

أكمل، ثالثاً: قياس الشبه. الآن النوع الثالث من أنواع الأقيسة هو قياس الشبه، وهذا أضعف أنواع الأقيسة، ولكن يمكن أن تحتاجه في بعض الأحكام. قال: اختلفت عبارات العلماء في التعبير عن هذا النوع من الأقيسة، والذي عليه الأكثر أنه: تردد فرع بين أصلين لشبه أحدهما في الأحكام أكثر من شبهه بالآخر.

هنا إخواني الكرام في قياس الشبه، يوجد عندي فرع، هذا الفرع أنا لا أجد أصلاً أقيسه عليه باستعمال العلة ولا باستعمال دليل العلة؛ يعني ما صلح معي لا استعمال العلة ولا استعمال حتى دليل العلة، لا صفة من صفاتها ولا أثر من آثارها ولا حكم من أحكامها. لا أرى شيئاً يستحق أن يكون علة أو دليل علة، لكن في النهاية هذا الفرع أنا مضطر لازم أعطيه حكماً شرعياً، لازم أعطيه حكماً شرعياً.

فهنا سأعتمد على ما يسمى بالشبه؛ أن هذا الفرع هو يشبه أكثر شيء من أصول الشريعة، لأن ما في علة هنا ولا يوجد حتى دليل علة، وإنما سأعتمد على شبه ممكن في الصورة، ممكن شبه في أحكام عامة، مع أني أنا عارف أنها ليست علة ولا حتى دليل علة، لكن هي فقط مشابه.

ممتاز، فيقولون إن تجد فرعاً، هذا الفرع أنت محتاج أن تعطيه حكماً شرعياً؛ نازلة من النوازل الناس يستفيدون منها شرعياً، ما يصير نازلة لا يوجد لها حكم شرعي في الإسلام، لكن أنا كفقيه لم أجد علة أربطها بأصل معين أو دليل علة أربطه بأصل معين، وإنما وجدت مجرد أشباه عامة، فأقول والله هذا الفرع يشبه هذا الأصل في كذا وكذا وكذا، وفي نفس الوقت يشبه ذاك الأصل برضه في كذا وكذا وكذا، فأنا متردد ألحق هذا الفرع بهذا الأصل في الحكم، أو ألحقه بالأصل الآخر، أو ممكن حتى أصل ثالث ورابع.

طبعاً هذا التردد ناشئ عن ماذا إخواني؟ أنه أنا هنا مش بعتمد على وجود علل، ما في علة تربط بينهم ولا حتى دليل علة، أنا بعتمد فقط هو بشبه إيش أكثر؟ هو يشبه هذا ولا يشبه هذا؟ وهون بتصير المسألة نسبية، ممكن أنا أقول والله يشبه هذا أكثر، أنت ممكن تقول لي: لا، أنا شايفه من حيث الشبه يشبه الأصل الآخر. فهذا ما قلنا؛ هو تردد فرع بين أصلين، أو حتى أكثر من أصلين عادي، بين أصلين وأكثر لشبهه بأحدهما في الأحكام أكثر من شبهه بالآخر.

طبعاً هي العبارة أظن لا بد تعدل؛ هو تردد فرع بين أصلين، فالحق بأحدهما. عدلوا العبارة، العبارة مش كاملة بهذه الطريقة؛ تردد فرع بين أصلين فالحق بأحدهما لشبهه به أكثر من الآخر، هكذا تكون العبارة صحيحة. أعيد صياغة التعريف: تردد فرع بين أصلين فالحق بأحدهما لشبهه به أكثر من الآخر.

يا رب، ناخذ مثالاً. اقرأ يا شيخ مثالاً. المذي متردد بين المني والبول في الحكم عليه بالطهارة أو النجاسة، إذ له شبه بهذا وهذا. فمن غلب شبهه بالبول قال: هو يشبه البول في كونه خارجاً من الفرج لا يجب به الولد ولا يجب به الغسل، فأخذ حكم البول في النجاسة. ومن غلب شبهه بالمني قال: هو خارج بسبب الشهوة ويشعر معه بلذة، فأخذ حكم المني في طهارته.

طيب الآن، انظر في هذه المشكلة: المذي، هل هو طاهر أم لا؟ ما في عندنا حديث عن النبي ﷺ يفصل لنا هذه المسألة. في حديث عن النبي ﷺ أنه يتوضأ منه، والوضوء لا يستلزم أن يكون نجساً، صح؟ فالمذي ما في عندنا حديث أنه... فبالتالي اختلف الفقهاء: هل المذي طاهر أم لا؟

الآن لماذا ما استطعنا أن نجد علة أو دليل علة يربطه بأصل من الأصول؟ التي هي النجاسات إخواني، لا تعلل النجاسات؛ حكم تعبدي أصلاً، صح؟ يعني أن تقول هذا الشيء طاهر أو نجس، هل لها فلسفة؟ أن الشيء يكون مثلاً إذا كان مستقذراً في النفوس، هناك أشياء مستقذرة مثل المخاط، ومستقذرة مثل اللعاب، فتقول النجاسة أو الطهارة؛ هذا حكم تعبدي. الله سبحانه هو الذي يقول إن هذا الشيء وهذا الشيء طاهر. ممكن أنت تتلمس حكماً بعيداً، ممكن تتلمس، لكن لا تستطيع أن تطرد؛ ليه؟ لأنك ستجد أنه في أشياء مثل المني طاهرة مع أنها قد تستقذر، وأشياء أخرى قد تكون أقل استقذاراً.

فإذا وجدت أن الحكم على شيء أنه طاهر أو نجس يغلب عليه جانب أنه تعبدي، ما في علة أستطيع أبني عليها لأقيس. والله أقيس المذي على البول بعلة ماذا؟ علة نجاسة البول. إذا قلت لي القذارة، بقول لك يضبط، لأنه إيش؟ حكينا المخاط قذر ومش مشكلة، أعطني يلا، أعطني علة مهما حاولت تعطيني علة لماذا البول؟ ما راح تقدر، أنت ممكن تجد لي حكماً عاماً، جزاك الله خيراً، لكن لن تجد علة؛ لأن العلة لازم تطرد ومش مضطردة. هذا يدل على أنها أمر تعبدي أن يحكم على الشيء بالنجاسة أو يحكم عليه بالطهارة.

طيب، إذا بناءً على هذا أن النجاسة أمر تعبدي، لا أستطيع أن أقيس المذي على شيء من الأشياء النجسة أو على شيء من الأشياء الطاهرة بجامع العلم أو بجامع...

دليل علة، طهر أم لا؟ أنا الآن لست عارفًا، هل هي طاهرة ما دام لا يوجد دليل علة؟ كيف سأعرف حكمها؟

نعم، الآن يأتي قياس الشبه. مخلص الكلام أنه يقول: المذي يشبه ماذا أكثر؟ أنا الآن ليس عندي علة، أنا فقط سأطلع على الشبه، كمثله في أحكام أو تفاصيل أو أمور عامة، بس هي ليست عللًا ولا أدلة علل.

قال بعض الفقهاء: المذي نراه يشبه المني أكثر؛ لأن المذي والمني يكونان مثلاً عند الشهوة، فالمذي أثر شهوة والمني أثر شهوة. ويأتي طرف آخر يقول: لا، أنا أرى أن المذي يشبه البول أكثر؛ لكونه لا يوجب الغسل، والمذي في الإسلام لا يوجب الغسل، بينما المني يوجب الغسل، إذاً هناك فرق بين المذي والمني في أحكام معينة؛ فالمذي لا يوجب الغسل مثل البول.

ويمكن ذكر شبه آخر، وهو أن المذي لا ينتج ولداً، فالبويضة المخصبة عند المرأة لا تنتج من المذي، بل لا بد أن يكون منِيًّا. وكذلك البول؛ لا يمكن أن تكون الخلفه من بول. طبعاً لاحظ، هذه الأشباه التي أذكرها، هل هي علل مؤثرة؟ لا. هل هي أي دليل علة؟ لا، هي مجرد أشباه؛ إما في أحكام شرعية، أو في أمور طبيعية حياتية، أو خصائص كيميائية. يمكن لشخص أن يخرج لي أشباهًا عامة لا تمثل عللاً ولا دلائل علل.

فأنت كفقيه ترى أن المذي أشبه بالبول في ثلاثة أشياء، وأشبه بالمني في شيء واحد، إذاً هو أشبه بالبول. فإذا خلص الأمر، يكون حكمك عليه فقط اعتماداً على الأشباه؛ لأنه يشبه البول أكثر من شبهه بالمني، فهذا اسمه قياس الشبه. جمعت بالشبه، والشبه هو الجامع فقط، وليس العلة ولا دليلاً من دلائل العلة.

فهمتم الفكرة؟ وهذا طبعاً ضعيف، هذا القياس ضعيف، ولكن ماذا نسميه؟ هو أفضل من أن تبقى المسألة معلقة؛ فأنا أحاول إيجاد هذه الطريقة، وهو اجتهاد جيد. ليس معناه أن الكلام غير صحيح، بل هو من وسع المجتهد، وهذه طاقتك التي أعطاك الله إياها، وهذا هو المطلوب منك، وممكن بعدين تنقضه.

أنا أقصد من حيث القوة؛ هو ليس كقياس العلة. قياس العلة أجمع فيه بالعلة المؤثرة أو دليل العلة، ودليل العلة يشير إلى وجودها ولو بشكل خفي، أما هنا فأنا أجمع مجرد أشباه، فهي ليست قوية وقابلة للنقض؛ إذ سهل أن يأتي فقيه آخر ينقض عليه ويقول: لا، أنت وجدت بين المذي والبول ثلاثة أشباه، وأنا وجدت بين المذي والمني خمسة أشباه، وبالتالي يقول لك: لا، أنا أرى أن المذي طاهر مثل المني، وبالتالي تبقى المسألة ظنية والخلاف فيها فيه سعة.

نعم، الآن إذا أردت القول بالبقاء على الأصل، ولكن عندك قرائن كثيرة، فهذه هي الفكرة. وجود قرائن كثيرة تجعلك تحاول البحث: هل يمكن أن يكون له حكم آخر؟ القرائن الكثيرة، مثل خروجه من مخرج البول، وقضية أنه أمر بالوضوء، هذه القرائن تعطيك مؤشراً أنه ليس كالريق أو النخاع، لأن تلك ليس لها أحكام، أما هذا فيُعطى أحكاماً خاصة به، وهذا يعطيني مؤشراً أنه قد يكون حكمه مختلفاً.

والكلام الذي تفضلت به، قد يقول البعض: أنا سأبقى على أن الأصل في المذي أنه طاهر حتى تثبت النجاسة. يمكن للفقيه أن يسلك هذا المسلك ما دام أصل الموضوع هو اعتماد على قياس الشبه. لكن للفقهاء الذين ذهبوا إلى نجاسته -وهم الجمهور- اعتمدوا على الأقيسة؛ لأن هناك قرائن تشير إلى أنه ليس كاللعاب، فهو يخرج من مخرج البول نفسه، والذي يخرج مخرج البول في العادة يكون مختلطاً بنجاسة، فتصبح هنا قضية تقديرية لدى الفقيه.

أكمل مثالاً آخر لقياس الشبه: الرأس متردد بين الحق في سائر أعضاء الوضوء، لشبهه بها في كونه ركناً فيثلث مسحه كما يثلث غسل باقي الأعضاء، وبين الحق في التيمم والمسح على الخفين، لشبهه بها في كونه عضواً ممسوحاً فلا يثلث مسحه.

نذكر مثالاً آخر على قياس الشبه: مسح الرأس. هل الحكم الذي نبحث عنه هل يثلث أم لا؟ هذه المسألة وقع فيها خلاف. لما أمسح رأسي في الوضوء، هل أمسحه ثلاث مرات مثله مثل غسل الوجه واليدين والرجلين، أو أمسحه مرة واحدة؟ هي مسألة وقع فيها خلاف بين الفقهاء.

الذي يدير هذا الخلاف هو قياس الشبه؛ من قال إن مسح الرأس يشبه الأعضاء المغسولة في الوضوء، قال إنه يثلث قياساً على الأعضاء المغسولة. ومن قال إن مسح الرأس يشبه المسح على الجورب أو التيمم، بجامع أن هذه كلها ممسوحة، فقال يكون مرة واحدة.

الآن إذا كان عندي فرع وهو مسح الرأس، وعندي أصل هنا وأصل هنا، سأسألك سؤالاً: لماذا أصلاً لا يمكن اعتماد قياس علة ولا قياس دليل علة هنا؟ فهم كلامي قبل قليل، لماذا لا يمكن أن أذهب لقياس علة أو قياس دليل علة؟ ما الذي يجبرني في هذا القياس أن أذهب لقياس شبه؟ لماذا لا أحاول الجمع بين مسح الرأس والأصل من خلال علة أو دليل علة؟

لماذا جزمت أنك لا تستطيع؟ سهل أن يقول أحد: لا، ليس هناك علة ولا دليل علة. سؤالي هو: لماذا لا توجد علة؟ لماذا لا يوجد دليل علة؟

أحسنت، لأن العدد -إني أمسح مرة أو اثنتين أو ثلاث- هل هو أمر معلل أم أمر تعبدي؟ هو أمر تعبدي، وهذا ليس بالقياس. أصلاً هو ليس حكماً قياسياً معللاً حتى أبحث له عن علة أو دليل علة. فالحكم الذي نحن نتناقش فيه هو أصلاً بطبيعته ليس حكماً يُعلل؛ هذه الأعداد، هل أغسل وجهي ثلاثاً أم أربعاً أم خمساً؟ هذه الأرقام توقيفية، الأصل ليس أرقاماً تُعلل لي.

لماذا يجب أن نغسل نجاسة الكلب سبع مرات؟ لماذا الرقم سبعة؟ هل يستطيع أحدكم أن يعطيني علة لهذا الرقم؟ لماذا سبعة وليس ستة ولا ثمانية؟ لماذا أمرنا النبي ﷺ أن نغسل نجاسة الكلب والخنزير سبع مرات؟ هذا الرقم لا أستطيع أن أقول لك فيه إنه تعبدي، انتهينا سمعنا وأطعنا. مثلما نسأل: لماذا الظهر أربع ركعات؟ ولماذا الفجر ركعتان؟ لا أحد يستطيع أن يعطيني علة ولا دليل علة، فأنت ستذهب إلى مساحة "قياس الشبه".

طبعاً هو ممكن واحد يقول أصلاً إذا وجد نص يجب أن يُحسم المسألة، وهذا هو الصواب. ولذلك الجمهور أصلاً يرى أنه لا داعي لقياس الشبه كله ما دام هناك نص بأن النبي ﷺ مسح برأسه مرة واحدة، خلصنا تمام. لكن أحياناً يجب أن تفهم، أنا هنا أذكر كما يقول الشان، لا يعترض المثال، أنا فقط أريد أن تفهم كيف يمكن للبعض أن يقيس؛ لأن أظن الشافعية قاسوا، أو على الأقل بعض الشافعية اعتمدوا على القياس.

وهذا ليس مشكلة، أخبرك حتى تفهم أن الموضوع ليس بهذه السهولة. الفقهاء لا يجلسون هكذا فحسب، بل أحياناً قد يكون الفقيه لم يثبت عنده الحديث الذي ثبت عندك. تقول لي: "حديث مسح رأسه مرة واحدة ثابت عندي"، فأقول لك: "ليس ثابتاً عندي"، وبالتالي أنا أريد أن أبحث عن دليل حتى أعرف كم يمسح الرأس. وهذا يحصل عندما يكون الحديث غير ثابت عند الخصم، فيحاول أن يبحث عن طريق آخر للوصول للحكم الشرعي.

إذاً، من سيذهب إلى القياس يقول: "أنا ليس عندي نص"، وسيحاول أن يقول إن مسح الرأس لم يثبت عندي حديث فيه، فهل يُسقى على الأعضاء المغسولة في الوضوء؟ الأعضاء المغسولة كلها: يثلث الوجه، يثلث اليدين للمرفقين، يثلث غسل الرجلين. فقال: "صح، هذا ممسوح وهذا مغسول، لكن هذول كلهم ضمن عبادة واحدة اسمها الوضوء، فهو الأصل أن يشبه أقرانه التي تكون قبله وبعده، الأصل أن يلحق بأقرانه التي قبله وبعده؛ الوجه واليدين والرجلين، لأنه معهم في نفس العبادة". هذا هو وجه الشبه، أنهم عبادة واحدة، فالأصل أن يكونوا متشابهين في الأرقام.

البعض يقول له: لا يا أخي، هناك فرق؛ هذا مسح وهؤلاء غسل. فيقول: "لا، أنا شايف أن المسح يجب أن يلحق بممسوح في الجوارب مرة واحدة، فالحاج مسح الرأس كالمسح على الجوارب بجامع كذا". لاحظ هو الجامع هنا شبه فقط، ما الجامع؟ أنه كله مسح. طبعاً كلمة مسح هي ليست علة ولا حتى دليل علة، هي فقط شبه في الصورة الخارجية؛ هذا مسح وهذا مسح، إذاً كلاهما مرة واحدة.

البعض يقول لك: لا، لأنه هذا مع الوضوء، فالأصل أعطيه حكم أعضاء الوضوء، أي سأجعلهم ثلاثة. لذلك بعض الفقهاء قال: "المسح على الرأس يثلث"، ويمسح الرأس ثلاث مرات قياساً على غسل الأعضاء. أما الجمهور فهم على إلحاقها بالممسوحات، وعلى التمسك بالنص أصلاً؛ الوارد في المسألة أنه ﷺ مسح برأسه مرة واحدة، وإذا وجد نص فالأصل أنه لا قياس، فالنص يحسم المسألة. فهمتم إخواني؟

هذه مجرد صبّ لقياس الشبه تقرب لكم الصورة. نكمل، وهكذا نكون قد انتهينا من أقسام القياس. تفهمون إخواني أن مبحث القياس هو أدق مبحث في علم أصول الفقه؛ نحن نتكلم في مستوى أول، وأنتم ملاحظون كيف الأمور تحتاج إلى تفكير، ولسه عندما تدخل أكثر وأكثر في علم القياس ستجده باباً كبيراً. لذلك طالب العلم محتاج إلى دراسة مجهدة لباب القياس، ويقرأ حتى بعض الكتب مثل كتب الغزالي المخصصة للقياس وكيفية استنباط العلل وما شابه ذلك. سنكمل بعد قليل في بعض أمورها، لكن القياس ليس أمراً هيناً، بل هو باب عظيم وأصل كبير بُنيت عليه المذاهب الفقهية الأربعة، بالتالي لا تتعامل معه على أنه شغلة سهلة؛ لا بد أن تتعب حتى تفهمه، ولا تسارع في الاعتراض على العلماء لأن العلماء يفكرون بطريقة دقيقة جداً في هذا الباب.

أكمل، قال أركان القياس: قال الناظم أركانه ذكرها الأجلة: فرع وأصل وحكمه والعله. يعني أركان القياس ذكرها العلماء الأجلة، وهي واضحة وتؤخذ من تعريف القياس. ما هو تعريف القياس يا عمر؟ إذاً الأركان هي: الأصل، والعله، والحكم.

هذه أركان القياس سهلة. من خلال التعريف السابق للقياس نستطيع أن نخلص إلى أن أركان القياس أربعة: أولاً: الأصل، وهو المقيس عليه المعلوم. ثانياً: الفرع، وهو المقيس، أي النازلة الجديدة التي لا نعرف حكمها، أو المسألة التي لم يرد نص بحكمها ويراد إلحاقها بحكم الأصل عن طريق القياس. ثالثاً: الحكم، وهو الحكم الشرعي الثابت للأصل والمراد تعديته إلى الفرع. رابعاً: الجامع، وهو المعنى المشترك بين الأصل والفرع الذي اقتضى التسوية بينهما في الحكم.

لذلك، لماذا عبرت بالجامع وليس العلة؟ من يقول لي أحسنت؟ الجامع أوسع من العلة؛ الجامع قد يكون علة، قد يكون دليل علة، قد يكون شبه، فالتعبير بالجامع أفضل ليكون التعريف جامعاً لصور القياس الثلاث: قياس العلة، وقياس الدلالة، وقياس الشبه.

وكل ركن من هذه الأركان له شروط تتعلق به حتى يصح توظيفه في عملية القياس. وقد عد الناظم بعض هذه الشروط، والآن سنبدأ بما أن عندنا أربعة أركان، فكل ركن منها له شروط خاصة به؛ الأصل له شروط، والفرع له شروط، والعله لها شروط، والحكم الشرعي له شروط حتى يكون القياس صحيحاً. القياس ليس شيئاً سهلاً، فالقياس مبني على شروط كثيرة تحتاج أن تتقنها وتتدرب عليها.

نبدأ بشروط الأصل. قال الناظم: "وشرط الأصل العقل للمعاني، أحكامه لا بقياس". أولاً: أن يكون حكمه معقول المعنى، أي يدرك العقل الحكمة من تشريعه، كتحريم الخمر وإيجاب القصاص. أما إذا كان حكم الأصل تعبدياً، فلا تعدية لهذا المعنى إلى الفرع. فإذا لم ندرك هذا المعنى لم يصح القياس أصلاً. هذا هو الشرط الأول للأصل، وقد أشرنا إليه قبل قليل؛ حتى يصح القياس يجب أن يكون الأصل ليس تعبدياً بل يُعقل معناه، لأنه إذا كان حكم الأصل من الأحكام التعبدية التي لا يُعقل معناها، فلا يجوز القياس عليه، على الأقل في قياس العلة وقياس الدلالة، أما قياس الشبه فأمره سهل وهو من باب إيجاد مخرج. لكن كقياس علة وقياس دلالة، العلة أو دليل العلة لا يمكن استعماله إذا كان الأصل تعبدياً.

تعبدي، بتعرفوا طبعًا إيش يعني تعبدي؟ ما معنى الأصل تعبدي إخواني؟ في أحكام يستطيع العقل أن يدرك عللها الشرعية، وفي أحكام ربنا أنزلها لا نستطيع أن نعرف عللها الشرعية. الظهر أربع ركعات، في حدا بيقدر يقول لي ليه؟ ما حدا بيقدر يقول لي ليه، لماذا المغرب ثلاث ركعات؟ حتى ما يذكره بعض المتكلفين، هذه مجرد إيمانيات وروحانيات في الأعداد، لكن لا يوجد أحد يستطيع أن يقول لي لماذا الظهر أربعة والعصر أربعة والمغرب ثلاثة.

فإذا كان حكم الأصل تعبديًا غير معقول المعنى، هنا لا يمكن أن تمارس قياس علة وقياس دلالة. ممتاز، قياس الشبه كما قلت أمره أسهل، لكن قياس علة وقياس دلالة لا يمكن أن تمارسه. قلنا أما إذا كان الحكم أصلًا تعبديًا بمعنى أن العقل لا يدرك الحكمة من تشريعه، فلا يصح القياس عليه؛ لأن مبنى القياس، يعني فكرة القياس، تقوم على إدراك المعنى الباعث على التشريع في الأصل حتى أستطيع تعديته إلى الفرع. فإذا كان الأصل أصلاً ما فيه باعث أنا أدركه، هو له باعث عند الله لكن أنا ما أدركه، فإذن كيف سأقيس؟ القياس مبني على وجود علة ستتعدى من الأصل إلى الفرع.

في مسألة مرت معنا قبل يومين في باب الصيام، قلنا هي مسألة تعبدية بالتالي لا يقاس عليها. مسألة تعبدية لا يقاس عليها. طبعًا بدك تفهم شغلة، أحيانًا قد يكون خلاف بين المذاهب؛ هل الأصل تعبدي ولا لا؟ فإنا قد يكون الحنبلي يقول لك هذا تعبدي، تيجي أنت تقول لي لا مش تعبدي. إذاً لما نقول إن الأصل هنا حكم تعبدي لا يمكن إدراك علته، هذا قد يتباين فيه الفقهاء أحيانًا؛ فيرى مذهب أنه هذا تعبدي والمذهب الآخر يقول لك مش تعبدي، يمكن إدراك علته. المهم في البداية، مر معنا قبل يومين مسألة قلنا هي تعبدية بالتالي لا يصح القياس عليها.

أحسنت، الحجامة للصائم، مش سؤال الأخ قبل قليل، سال هل سحب الدم يفطر قياسًا على الحجامة؟ إيش قلنا؟ إحنا لا نقيس سحب الدم على الحجامة، ليه؟ لأن إبطال الصيام بالحجامة عند الحنابلة تعبدي، بالتالي لا يقاس عليه. لا الفصد حتى الحنابلة ما قاسوا عليه، لا الفصد ولا الشرط ولا يقاس عليه أيضًا سحب الدم، لأن حكم الأصل إيش؟ تعبدي. لو كان معقول المعنى، والله لو واحد قال الحجامة تفطر الصائم لمعنى معقول، شو هو؟ خروج الدم، لو كانت هذه العلة كان نعم سنقيس عليها سحب الدم والفصد والشرط وتكون كلها مفطرة، لكن الحنابلة يقولون إحنا حكم الأصل تعبدي، بالتالي لا تقاس عليه أي سبب من أسباب خروج الدم الأخرى. واضح؟

طيب اقرأ المثال. مثال: ذهب أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه حين سأل رجل النبي ﷺ فقال: «أتوضأ من لحوم الإبل؟» فقال: «نعم». فالعلم من أجلها أوجب الشارع الوضوء من لحم الإبل، غير معلومة على المشهور من كلام أهل العلم. نعم، لو سألتك لماذا يتوضأ من لحوم الإبل عند الحنابلة؟ أيضًا مسألة تعبدية، لا يوجد أحد يستطيع يعطيني علة حقيقية، وكل ما يذكر أنه لحم الإبل يعني يورث الغضب، هذه حكم وأفكار عامة، لكن ما تستطيع تقول لي ها هي العلة حقيقة حتى أعدي عليها.

وإن حاول بعض الفقهاء أن يذكروا مناسبات لها لكنها تبقى احتمالات لا دليل لها. فلو أن أحدهم قال لحم النعام ينقض الوضوء قياسًا على لحم الإبل لشبهه في الهيئة ولأن النعام يعدل بالإبل في جزاء الصيد في الحج، قلنا له: إن حكم الأصل وهو الوضوء من لحم الإبل حكم تعبدي غير معقول المعنى، فلا يصح تعديته إلى فرع آخر، فالقياس باطل. يعني لو شخص قال أريد أن أقول إن لحم النعام يبطل الوضوء؛ ليه؟ والله قياسًا على لحم الإبل. شو بنقول له؟ ما يصح القياس. ليه؟ يعني حتى على مستوى قياس الشبه؛ لاحظ هذا المذكور أن النعامة حجمها كبير كزي حجم الإبل، هذه كلياتها أصلًا قياس شبهي، حتى على هذا المستوى لا نحتاج إليه، ما فيش قرائن تقتضي أصلًا هذا القياس، والأصل أن نبقى فيها على طهارتها.

أكل لحوم الإبل، الوضوء من أكل لحوم الإبل مسألة تعبدية بحتة، فلا يصح تقيس عليه أكل لحوم النعام وأكل لحم الضبع وأكل لحم الغنم وما شابه ذلك. يا عمر، هو قياس الشبه، لذلك أنا قلت لك موضوع القياس وتفاصيله فيها تفاصيل كثيرة. يعني قياس الشبه إذا كانت هناك قرائن تدفع إليه ستذهب إليه؛ لأن المذي أنا لازم أعطيه حكمًا، هو طاهر ولا أنا في النهاية لازم أعطيه حكمًا؟ وفي عندي قرائن تدل على احتمال النجاسة وقرائن تدل على الطهارة، فهنا تضطر أن تذهب إليه اضطرارًا.

وترى بعض الأصوليين يلغي قياس الشبه كله، يعني بعض الأصوليين لا يعترف أصلًا بقياس الشبه، يقول لك هذا لا يستعمل. هذه بس حتى تعرف أبعاد الخلاف في موضوع القياس وكم الموضوع ليس بتلك الصورة، وأن الذي يدفعني إلى قياس الشبه هو الضرورة فقط. يعني قياس الشبه لا أذهب إليه في حالة التطرف، لا أذهب إليه إلا عند الضرورة ووجود قرائن تدفعني إلى اتخاذه، وإلا الأصل أني ما أعتمدُه وأبقى على البراءة الأصلية أو الحالات الطبيعية.

أكمل، الشرط الثاني من شروط الأصل أن يكون حكم الأصل ثابتًا بنص الكتاب أو السنة أو الإجماع. لابد أن يكون الأصل الذي أقيس عليه حكمه ثابتًا بآية في الكتاب أو السنة أو الإجماع. أما إذا كان حكم الأصل الذي أريد أن أقيس عليه هو أصلًا ثابت بالقياس، فإذا ما ينفع أقيس عليه، على الأقل عند الحنابلة والجمهور، بل أذهب فاقي على ماذا؟ على الأصل الذي جاء هذا من أجله. قال: أما إذا كان حكم الأصل ثابتًا بالقياس فلا يصح القياس عليه، وعللوا ذلك بأن العلة الجامعة في القياس الثاني، إذا كانت هي العلة في القياس الأول، كان ذكر الأصل الثاني تطويلًا لا فائدة فيه.

مثال الآن شوف هذه الفكرة بس حتى تفهم لماذا اشترطوا هذا؛ الآن الأصل الذي بدي أقيس عليه لازم يكون ثابت حكمه بأيش يا جماعة؟ بالكتاب أو السنة، ما ينفع يكون الأصل ثابت حكمه بقياس سابق. ما ينفع يكون الأصل اللي بدي أقيس عليه الفرع هو حكمه أصلًا ثابت بقياس سابق. ليه؟ قالوا هذا الفرع الذي بدك تقيسه على هذا الأصل، هذا الأصل كيف ثبت حكمه عندك؟ قلت لي بقياس سابق. بقول طيب إذا هذا الأصل...

كان في السابق فرع وكان في أصل قبله، هذا الأصل كان فرعًا في السابق وقستَه على أصل، ثم حبيت تخليه أصلًا جديدًا. خليني أحكي: هذا أصل واحد، وهذا أصل اثنين، حبيت تخلي أصلًا جديدًا لفرع جديد، بنقول إذا العلة التي جمعت فيها بين هذا وهذا هي نفس العلة التي ستجمع فيها بين هذا وهذا، فليش تطول لي الطريق؟ خلص هذا بالأصل مباشرة.

أعيد مرة أخرى؛ هذا كيف ثبت بالقياس؟ يعني في علة في الأصل صحيح، إذا كان هذا الأصل ثبت بالقياس على أصل سبق بوجود علة جامعة، بقول لك: هذا الفرع الجديد بدك تلحقه، الأصل رقم واحد إذا كانت العلة هنا هي نفس العلة هنا، إذاً ليش مطول الطريق؟ خلص هذا يلحق بالأصل الأول باعتبار أنه الأصل الأول مثلاً ثبت بالكتاب، اعتبر أن الأصل الأول ثبت بالكتاب، ألحقت به فرعًا، هذا الفرع بعد ما وصلت لحكمه خليته أصلًا جديدًا وبدي ألحق فيه فرعًا جديدًا، أقول إذا كانت العلة هنا هي نفس العلة هنا، ليش تطول علي الطريق؟ خلص الحق الفرع هذا بنفس الأصل، فإن الأصل هذا كما أنتج هذا سينتج هذا، وإلا فأنت تطول بدون فائدة.

فهمنا الفكرة؟ إذا قال لي: يا شيخ، العلة التي سأجمع فيها بين هذا الفرع وبين هذا الأصل تختلف عن العلة التي جمعت فيها وأثبتت حكم هذا الأصل قياسًا على الأصل الأول، نقول له: لا ينعقد هذا القياس كله أصلاً. ليه؟ ما يصير تختلف العلة الثانية عن العلة الأولى. يعني حكم الأصل هذا، التحريم من أين جئت به قياسًا على هذا الأول؟ لعلة معينة، فإذا بدك تقيس فرعًا جديدًا على هذا الأصل لازم تظل هي نفس العلة الموجودة، ما يصير تعلل التحريم هنا في أثناء هذا القياس بعلة أخرى غير العلة الأولى.

يعني أنت الآن لماذا حكمت على هذا الأصل بالتحريم؟ لعلة، فرضًا أعطيك أن الخمر حرام، في مشروب جديد مثلاً نبيذ، فقلنا النبيذ حرام قياسًا على الخمر، شو العلة؟ الإسكار. النبيذ حرام قياسًا على الخمر، شو العلة؟ الإسكار. طيب، طلع اليوم مشروب معاصر من هالمشروبات الرذيلة، ما ينفع تيجي تقول المعاصر حُرّم قياسًا على النبيذ. ليه؟ بنقول تعال، هذا لماذا حرام؟ بتقول لي قياسًا على النبيذ أن النبيذ حرام، طيب بدي أقول لك النبيذ لماذا حرام؟ بتقول لي قياسًا على الخمر لأن الخمر حرام، أقول لك: طيب تعال معي، إذا أنت قلت حرام قياسًا على الخمر، لماذا العلة؟ الإسكار، صحيح؟

طيب، إذا بدك تقول إن هذا المشروب المعاصر حرام قياسًا على النبيذ، ستكون العلة هي نفسها الإسكار، النبيذ لماذا حرام؟ للإسكار، فإذاً هذا الشراب المعاصر سيكون حرامًا للإسكار قياسًا على النبيذ. فبقول لك: ليش طولت عليه؟ ليش تقيس على النبيذ؟ خلص هذا المشروب المعاصر قيسوه على الخمر الذي ثبت بالكتاب والسنة، وأقول هذا المشروب المعاصر حرام لأنه مسكر بدون ما تطول علي؛ هذه الطريقة.

طيب إذا قال لي: هذا المشروب المعاصر سأقول حرام قياسًا على النبيذ لعلة جديدة، أنه مثلاً لونه أصفر، بقول له: لا، هذا ما ينفع، ليه؟ لأنه حكم الأصل شو هو؟ التحريم، شو الذي أوجبه؟ الإسكار. فما ينفع الآن تيجي تقول لي حكم الأصل حرام لعلة جديدة تطلعها، لأننا متفقون أن هذا النبيذ لماذا حكمنا بتحريمه؟ لعلة الإسكار، فلما تيجي تقيس المشروب المعاصر على النبيذ ما يطلع لك تجيب علة جديدة لحكم الأصل، لأن حكم الأصل أصلاً نتج من الإسكار، ما يطلع لك تنتج له الآن علة أخرى وتقيس عليه فرعًا آخر، ما دام ثبت بالإسكار، بده يظل الإسكار هو العلة حيثما وجد. فإذا كان هناك شيء جديد، لا تقيس على النبيذ، لأن النبيذ ثبت بالقياس، تقيسه على أصل الأصول وهو ما ثبت بالكتاب والسنة.

خلنا نكمل، ما ينفع، ما هي خلص الإسكار -الأشد المطرب- هي دليل العلة، أصلاً هي دليل العلة. نعم، مثال قياس الذرة على الأرز في جريان الربا بجامع الاقتيات والادخار؛ الآن لو قلنا الأرز هو الأصل والذرة هي الفرع، الرز لماذا لا يجوز فيه الربا عند بعض المذاهب؟ بجامع العلة فيه أنه قوت مدخر، هذا رأي عموم المالكية أنهم يقولون إن الأموال الربوية العلة في الربا فيها هي أن تكون مقاتة، أي من الطعام الذي يحتاجه الناس وتقبل الادخار، هي بتشبه علة الزكاة عندنا في بعض المذاهب.

فنقول: الرز وهو الأصل يجري فيه الربا بجامع العلة أنه مدخر ويقتات، وبالتالي الذرة يجري فيها الربا قياسًا على الرز لأن الذرة أيضًا فيها نفس العلة: تقتات وتدخر. بس بنقول: تعال، الأصل هنا ايش هو؟ الرز. الرز ثبت حكمه بالكتاب والسنة؟ لا، ما في أي شيء في الكتاب والسنة تكلم عن الرز في الأموال الربوية، الرز أصلاً الذي أنت جعلته أصلًا هو مقيس على غيره، هو مقيس على البر، فأنت فعليًا ماذا فعلت؟ كان عندي البر، البر ثبت الكلام عنه في الحديث النبوي، قاسوا عليه الرز. أنت رحت قست الذرة على ماذا؟ على الرز! أقول لك: ما ينفع تقيس الذرة على البر، على الأصل، مش تقيسه على ما قيس عليه.

فلا يجوز أن يكون الأصل إذا ثبت بالقياس، الأصل الفرع يقاس على ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع. اقرأ: «وثبوت الربا في الأرز ابتداء ثبت بالقياس على البر لذات العلة». نعم، فنأتي لنقول: البر الذي هو وارد في الحديث النبوي لماذا يجري فيه الربا؟ للاقتيات والادخار عند المالكية لأنه قوت مدخر، فقيست الأرز على البر بجامع القوت والادخار.

طيب، فهذا تطويل وحشو لا فائدة منه، فبالتالي قياس الذرة على الرز هو تطويل، إذا الذرة مقاتة مدخرة، خلص قيسها على البر مباشرة، ليش تحط الرز في منتصف الطريق وتخليه أصلًا جديدًا؟ بل الواجب أن تقاس الذرة على البر مباشرة إذا وجدت فيها ذات العلة. أما إذا كانت العلة في القياس الثاني مبينة للعلة في القياس الأول، لم ينعقد القياس الثاني ابتداءً.

أما إذا قلت: لا، أنا والله الذرة بدي أقيسها على الرز بجامع أنه كلاهما بحمص فرضًا، بقول لك: لا، تعال، ما هو الرز؟ إحنا علة الربا فيه أنه بحمص؟ لا، علة الربا فيه أنه قوت مدخر، فبالتالي لما بدك تقيس الذرة على الرز، بدها تكون بنفس العلة؛ لأن الأصل أصلاً ثبت الربا فيه لأنه قوت مدخر، مش لأنه بحمص، وبالتالي ما يصير تقيس الفرع الذي هو الذرة على الرز بعلة أخرى جديدة غير العلة.

التي ثبت فيها حكم الرز ابتداءً؛ لأن العلة التي أوجبت الحكم في الأصل الثاني ليست موجودة في فرعه. مثال: إذا قسنا الرز على البر في جريان الربا بجامع الاقتيات والادخار، ثم بعد ذلك قسنا الفجل على الرز في جريان الربا لعلة أخرى، وهي كون كليهما نباتًا مثلاً، لم يصح هذا القياس.

لو شخص قال: الرز أقيسه على البر بجامع أنه مدخر، ثم ساق الفجل على الرز بجامع أن كليهما نبات، نقول: هي العلة الجديدة مخالفة للعلة الأولى. والرز إنما ثبت فيه الربا ليس لأنه نبات، بل لأنه قوت مدخر، فما يصير تنتج لنفس الحكم علة جديدة تقيس عليه؛ لأن العلة التي أوجبت الربا في الأصل الثاني، وهو الرز، هي الاقتيات والادخار وليس كونه نباتًا، فلا يصح إثبات حكمه لفرع آخر شاركه في صفة أخرى ليست هي التي أوجبت الحكم فيه.

هكذا إذاً ننتهي من شروط الأصل ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قراس العلم طريقك نحو علم شرعي.