بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وحمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في التعليق على النظم الصغير من مختصر التحرير وعلى شرحه الإيضاح والتقرير، وهو كتاب مختصر نافع بإذن الله في أصول فقه الحنابلة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا همة المداومة على طلب العلم وتحصيله والانشغال به، وتعلمه وتعليمه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
في المجلس الماضي بدأنا الحديث عن الحكم التكليفي الأول وهو الواجب، أليس كذلك؟ طبعا عند الأصوليين ما اسمه إيجاب، والحديث عنه باعتباره الواجب، وقلنا الواجب وصف للفعل. لكن من باب التسهيل على المبتدئين، لا نشدد في مثل هذه الأمور، فقلنا ما تعريف الواجب؟ ما طبقه الشارع؟ أحسنت؛ فعل طلب الشارع من المكلف أن يفعله طلبا جازما. كل فعل طلب الشارع منك أن تفعله طلبا جازما يسمى واجبا.
وقلنا الواجب ينقسم باعتبارات؛ أول اعتبار تكلمنا عن تقسيمه باعتباره إلى مضيق وموسع. فقلنا الواجبات ابتداء هناك واجبات أصلا هي غير مؤقتة، مثال: بر الوالدين، صلة الأرحام؛ هذه ليست مؤقتة، وإنما يجب عليك أن تفعلها على قدر استطاعتك. والنوع الثاني الواجبات المؤقتة لها مدة.
وقلنا توقيت العبادة المفروضة عقليا له ثلاثة احتمالات: الاحتمال الأول: أن يكون الوقت المقدر أضيق من الوقت الكافي لأداء العبادة، وقلنا هل هذا موجود؟ غير موجود؛ لأنه تكليف بالمحال، والشريعة لا تكلف بالمحال. النوع الثاني: أن يكون الوقت على قدر الواجب تماما، بحيث لا تستطيع أن تفعل جنس هذه العبادة داخل هذا الوقت أكثر من مرة، وهذا ما يسمى الواجب المضيق، مثاله صوم رمضان؛ فأنت خلال هذه المدة لا يمكن أن تفعل إلا صياما واحدا لرمضان. ومثال آخر: الحج، إذا جاء موعده فأنت خلال أيام الحج لا تستطيع أن تفعل إلا حجا واحدا، لا تستطيع أن تفعل حجتين وثلاث في خلال هذه المدة. الحالة الثالثة: أن يكون وقت العبادة أوسع من العبادة بحيث تستطيع أن تفعل جنس هذه العبادة داخل هذا الوقت أكثر من مرة، مثل أوقات الصلوات المكتوبات، وأيضا قضاء الصيام.
ويمكن البعض أن يقول: كل واجب فوري يمكن أن يعتبر من الواجب المضيق، وكل واجب على التراخي يمكن أن يعتبر من الواجب الموسع، البعض يجعل هذا من قبيل الأمثلة.
طيب، قلنا هناك أحوال ينقلب فيها الموسع إلى مضيق، اذكر حالتين؟ إذا تضيق وقت العبادة الموسع، إذا كانت العبادة وقت موسع ولم يبق إلا مدة زمنية قصيرة تكفي لأداء العبادة المفروضة فيها، فهنا سينقلب الواجب الموسع إلى واجب مضيق.
والحالة الأولى التي ينقلب فيها الموسع إلى مضيق: إذا شرع في العبادة ينقلب الموسع إلى مضيق، ولكن قلنا هذه لها استثناءات في بعض صورها. والحالة التي قبلها: إذا دخل وقت العبادة الموسع وغلب على ظني أنني لن أستطيع أن أفعل العبادة في آخر الوقت، فهنا يلزمني أن أؤدي العبادة في أول الوقت، ويتحول الواجب من موسع إلى مضيق.
إذن هي كم حالة ذكرنا؟ ثلاث حالات: ١. إذا ظن مانع يطرأ خلال الوقت يمنعه من أداء العبادة في أثنائه أو في آخره، يلزمه أن يؤدي العبادة أول الوقت. ٢. إذا لم يبق من الوقت إلا قدر ما يكفي لأداء العبادة الواجبة فيصبح مضيقا. ٣. إذا شرع في الواجب الموسع أصبح مضيقا.
نشرع الآن إن شاء الله في المسألة الثانية من مسائل الواجب، وهي مسألة تقسيم الواجب إلى معين ومخير.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين أجمعين، ونجِّ إخواننا المستضعفين من المؤمنين، آمين.
قال: المسألة الثانية: الواجب المعين والمخير. الواجبات التي أمر الشارع بها على نوعين: الأول منها: ما هو معين لا يقوم غيره مقامه في حال الاختيار، كالوضوء للصلاة، فليس المكلف مخيرا بين فعله أو فعل غيره بدلا منه، بل ملزم بفعله بعينه. الثاني: ومنها ما يكون المكلف فيه مخيرا بين عدة أشياء محصورة يسقط الواجب عنه بفعل أحدها، كخصم الكفارة في اليمين؛ يخير المكلف فيها بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، وكذا جزاء الصيد في الحج، قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95].
تمام، هذا الأمر سهل، وهو أن الواجب ينقسم باعتبار آخر إلى واجبات معينة، يعني شيء معين يلزم أن أفعله بذاته وما عندي خيار أن أفعل غيره، والنوع الثاني الواجب المخير؛ أن الشريعة أوجبت علي فعل واحد من أشياء محصورة، فالواجب هو فعل أحد الأشياء المحصورة.
لذلك مثلا الصلوات المكتوبة هل هي واجبات معينة ولا مخيرة؟ معينة؛ لأنه لا بديل عن صلاة الظهر، يا بتصلي الظهر يا مثلا بتركض عشرة كيلو، لا ما في غير أنك تصلي الظهر. طيب صيام رمضان، لكن كان قبل ما يكون معينا في بداية الإسلام مخيرا، صح؟ كان الله سبحانه وتعالى مخيرا الصحابة أن يصوموا رمضان أو يطعموا بدلا من صيام كل يوم مسكينا كما ورد في سورة البقرة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184].
الفطر معين؛ لأنه ليس فيه بديل يا تزوكي، إما الفطر أو تصوم مكانها أياماً، ليس إلا. زكاة الفطر في المقابل، هناك نوع آخر من العبادات المفروضة تكون طبيعتها مخيرة؛ يعني الله سبحانه وتعالى أوجب عليك فعل أحد الأشياء المحصورة، أعطاك عدة خيارات، وقال الواجب عليك أن تفعل واحداً منها.
مثال ذلك: ما هي كفارة اليمين؟ هي محصورة في ماذا؟ أنت مخير بين أن تطعم أو تصوم ثلاثة أيام. لا، لأن الناس فاهمين الموضوع غلط؛ كفارة اليمين التخيير فيها يا مشايخ بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة. هنا التخيير؛ إذا لم تستطع تنتقل إلى الحل البديل، أما إذا كنت مستطيعاً ابتداءً فعل واحداً من هذه الخصال الثلاث: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فلا يجوز لك العدول إلى البدل.
أيضاً مثال عبادة مفروضة مخيرة: جزء الصيد من صاد وهو محرم، صاد صيداً برياً وحشياً وهو محرم، تعرفون هذا لا يجوز وفيه كفارة. في الحج ما هي الكفارة؟ ليس موضوع التفصيل الآن، لكن الله عز وجل خيّره بين أن يذبح المثل، وطبعاً هناك فرق بين المثلي وغير المثلي. المهم الله عز وجل خيّره بين أن يذبح المثل أو يطعم بقيمة المثل مساكين، مثلاً لو المثل نعامة، كم قيمة النعام؟ أو عفواً مثل النعام الإبل، كم قيمة الإبل؟ خمسة آلاف، عليك أن تطعمها لمساكين على مقدار نصف صاع أو مد لكل مسكين، أو تصوم مكان إطعام كل مسكين يوماً. باختصار، أنت مخير بين الذبح أو الصيام أو الإطعام. وهناك كثير من الكفارات إن شاء الله لما نأتي لباب الحج، فكثير من كفارات الحج قائمة على فكرة التخيير، مثل فدية الأذى وغيرها.
إذن هذا كلام سريع عام؛ أن الواجبات منها واجبات معينة لا يوجد فيها تخيير، أنا ملزم بهذا الشيء، وإذا عجزت عنه يأتي لي البدل. أما إذا كنت لست عاجزاً، فأنا لست مخيراً. مثلاً: الوضوء هو معين، إذا عجزت عن الوضوء أنتقل إلى التيمم، لكن هل ابتداءً أنا مخير بين الوضوء والتيمم؟ لا، أنت ابتداءً ملزم بالوضوء، إذا عجزت تنتقل للحل البديل. أما المخير فهو أنني من البداية لست ملزماً بخيار معين، أنا عندي عدة خيارات محصورة الله عز وجل يقول لي: افعل واحداً من هذه الخيارات.
المسألة الثالثة: الواجب العيني والكفائي. إذا طلب الشارع فعل الواجب من كل فرد بعينه سمي هذا الواجب فرض عين، كالصلوات المكتوبة، فإن كل مكلف مخاطب بها بعينه ولا يجزئ قيام غيره عنه. أما إذا طلب الشارع فعل الواجب من مجموع الأمة بحيث إذا قام به من يكفي سقط الطلب عن الباقين، سمي هذا الواجب فرض كفاية، كتجهيز الميت وتكفينه ودفنه والصلاة عليه، فهذه كلها فروض كفايات، إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين.
إذن التقسيم الثالث هو أن يقسم الواجب إلى واجب عيني وواجب كفائي. وركزوا لأنه كثير من الطلاب هنا يخطئ بين هذا التقسيم والتقسيم السابق. في التقسيم السابق كان: معين ومخير، هنا نقول: عيني وكفائي. لا تدخل كلمة معين في عيني، فمن يقابل "معين" هو "مخير"، و"عيني" يقابلها "كفائي"، حتى لا تخطئوا.
ما الفرق بين الواجب العيني والواجب الكفائي؟ هنا النظر إلى المكلف في هذا التقسيم؛ النظر باعتبار المكلف وليس باعتبار نفس الفعل الذي كُلفت به. فإذا كانت هناك واجبات مطلوب من كل شخص مكلف أن يفعلها بعينه ولا يقوم غيره مقامه في فعلها، فهذه الواجبات تسمى واجبات عينية، كل شخص مكلف ملزم أن يقوم بها بنفسه وغيره لا يشيل عنه. وما يقابل فرض العين أو واجب العين هو الواجب الكفائي أو الفرض الكفائي.
الواجب الكفائي هو الذي -انتبهوا إخواني لأن بعض الطلاب لا يحسن التعبير عنه- هو الذي إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين. ولا نقول إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين؛ لماذا؟ لأن هذا التعبير خاطئ. تفضل، أحسنت، لأن البعض قد لا يكفي. تمام، البعض قد لا يكفي في أداء هذا الشيء، مثلاً دفع العدو الصائل إذا كان هو فرض كفاية في إحدى صوره، حتى يتحقق فرض الكفاية، إذا قام به واحد أو اثنان لن يكفيا، هذا عدو، تحتاج مئة، إذا لم يكفوا يزيدون مئتين، حتى يستطيعوا دفع الصائل. وهكذا بالتالي فرض الكفاية هو إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين.
طيب، من يعطيني نموذجاً على عبادة فرض كفاية أخذناه في بداية العبادات؟ أه يا عبد الرحيم، الأذان. ولاحظوا، نريد أن نطبق تعريف فرض الكفاية على الأذان؛ فقلنا ما معنى فرض الكفاية؟ إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين. بالتالي لو كانت قرية كبيرة ومؤذن واحد يصل صوته إلى أرجاء القرية، فهذا يكفي. ولو كبرت القرية وصار صوت هذا المؤذن لا يصل إلا للحي الشرقي فقط، والحي الغربي لا يسمع الأذان، ماذا نقول هنا؟ لاحظوا هنا قام به البعض ولكن لم يسقط الإثم، ليه؟ لأنه هذا البعض لم يعد يكفي، صوته فقط يصل للحي الغربي، أما الحي الشرقي فليس فيه أحد يؤذن ويحتاجون أن يسمعوا الأذان، فنحتاج أن ننشئ مؤذناً ثانياً، وإذا كبرت المدينة أكثر وأكثر سنزيد المؤذنين حتى تحصل الكفاية.
إذن الواجب العيني هو الذي يجب على كل شخص أن يقوم به بعينه، والواجب الكفائي هو الذي إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين. الآن سنطرح سؤالاً: لماذا الشريعة الإسلامية جعلت بعض الواجبات عينية وجعلت بعض الواجبات كفاية؟ لماذا الشريعة جعلت بعض الواجب عينيّاً يجب على كل واحد فينا أن يؤديه كالصلاة المكتوبة؟ لازم أنت تصلي وهو يصلي، وليس إذا صلى خمسة من أهل الحي خلص، ربنا مسامحهم، لا، الكل لازم يصلي. لماذا الشريعة الإسلامية قسمت بعض العبادات إلى واجبات عينية وواجبات كفاية؟ سيأتي معنا الآن. طبعاً هنا ذكرنا من أمثلة فرض الكفاية تجهيز الميت، وهذا سيأتي معنا إن شاء الله أيضاً في بداية العبادات، أن تغسيل الميت وتكفينه ودفنه والصلاة عليه؛ هل هم كل أهل البلد ملزمون بذلك؟ لا، أصلاً الرجل سيُ...
يموت إذا مرتين، إذا كل البلد بتغسله، اللي بده يغسله خلص واحد اثنين وسقط الإثم عن الباقين. واللي بده يكفنه واحد اثنين، هذه الطبيعة في العادة ثلاثة أربعة، وليس كل البلد ملزمة بتكفين هذا الشخص. فما يتعلق بأمور الأموات كتجهيز وتكفينهم ودفنهم والصلاة عليهم، هذه أيضًا من أمثلة فروض الكفايات.
والفرق بين فرض العين وفرض الكفاية هو أن فرض العين ينظر فيه إلى الفاعل وإلى الفعل معه. هذا هو الذي قصدت أن تفهمه؛ لماذا الشريعة قسمت بعض الواجبات إلى كفائية وبعض الواجبات إلى عينية؟ الفرض إذا كان عينيًا يكون هناك مصلحة شرعية في أن يقوم كل شخص به، مصلحة تعود لك ولغيرك، فالمقصود ليس فقط حصول الفعل في الواقع الخارجي، بل مقصود الشارع أن يحصل الفعل ومن كل شخص.
مقصود الشارع إيش بيكون يا شيخ حذيفة؟ إيش هم؟ حصول الفعل ومن كل شخص. أما الواجب الكفائي بالعكس، يكون مطلوب الشارع ما هو مجرد حصول الفعل بغض النظر من الشخص الذي قام به. فالمقصود للشارع بالنسبة للأذان ما هو حصول الإعلام بدخول وقت الصلاة، مش لازم كل واحد في المدينة يأذن؛ لأن الذي يريده الشارع ما هو أن يحصل الإعلام، الفعل الآن أنت أذنت، فلان أذن، فلان أذن، مش مهم، المهم أن يحصل ماذا؟ الفعل. والذي انتدب نفسه ليقوم بأداء هذا الفعل عن غيره جزاه الله خيرًا هو الذي سيحصل ماذا؟ الثواب.
نفس الشيء بالنسبة للأموات؛ مقصود الشارع ما هو حصول النتيجة النهائية، أنه هذا الميت يتم تكريمه بتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، هذا هو المراد، سواء أنا عملت هذا المطلوب، أنت عملته، أي واحد بيؤدي الغرض؛ لأن ملحظ الشارع ما هو إخواني، الذي يريده الشارع أن يحصل الفعل، وأما من الذي قام به ليس مهمًا.
وأما الفرض العيني، لا مقصد الشارع ليس فقط أن يوجد الفعل، بل أن يوجد الفعل وأن يقوم كل شخص به؛ لأنه لذلك أيهما أعلى وأهم في الشريعة الإسلامية، الفرض العيني أو الكفائي؟ الفرض العيني أعلى من الفرض الكفائي. قال: وذلك لأن مصلحة الفعل تتكرر بتكرر فعله من كل فرد بعينه؛ فصلوات المكتوبات تتكرر مصلحتها من الخضوع لله والانكسار له بتكرر إيقاعها من كل فرد.
أما فرض الكفاية فينظر فيه إلى الفعل فقط دون الفاعل، فرض الكفاية ينظر فيه إلى الفعل فقط، النتيجة إحنا بهمنا النتيجة فيه، لأن مصلحة الفعل لا تتكرر بتكرر كإنذار ودفن الميت. يعني في الكتاب أنا عرضت الموضوع بصورة أخرى، فقلت أصلاً أي إنقاذ الغريق شو حكمه؟ فرض كفاية كذلك وليس فرض عين، ليش هو فرض كفاية؟ لأن المطلوب هو النتيجة النهائية أن يتم إنقاذ هذا الإنسان من البحر ولا يغرق، فلا يوجد مصلحة أنه يتم إنقاذه من كل شخص، أنه كل البلد لازم كل واحد يرجع ينقذه؟ طب ما هو بيفضل غريق في البحر عشان هذاك ينقذه؟ مش منطق أصلاً، من ناحية منطقية غير مقبولة، هذا المطلوب حصول النتيجة أن يتم إنقاذه، إذا أنقذوا شخص خلص، ذا الله وقف المؤمنين من القتال، واللي أنقذه جزاه الله خيرًا هو الذي حصل ثواب فرض الكفاية.
لكن مما ينبغي التنبيه عليه أن فرض الكفاية يصبح فرض عين إذا شرع فيه المكلف، فيحرم عليه قطعه بلا عذر، كما يلزم فرض العين بالشروع. هذا هو المعتمد في مذهب أحمد؛ كما أن الواجب الموسع ينقلب إلى مضيق في ثلاث أحوال، كذلك الواجب الكفائي ينقلب إلى واجب عيني في عدة أحوال، منها الصورة التي ذكرتها، أنه الواجب الكفائي يتحول إلى واجب عيني عليَّ إذا أنا شرعت في أدائه.
يعني مثلاً شخص كان غريق في البحر، واحد سباح خلع ملابسه نط في البحر، قال لك بدي أروح أنقذه، في نص الطريق غير رأيه، قال لك خلص بديش أنا أنقذه خلي غيري ينقذه، ظل راجع على الشاطئ، بيطلع له؟ لا، بنقول له ما هو صح إنقاذ الغريق فرض كفاية، لكن ما دام حضرتك تطوعت أن تؤدي هذا الفرض وشرعت في أدائه، يلزمك أن تكمل، طبعًا يلزم أن يكمل ما دام قادر. هسه إذا صار معه اختناق أثناء ذهابه للإنقاذ وعذر يرجع، ما عندي مشكلة، لكن هو قادر لكن خلص غير رأيه، قال لك أنا ليش أكمل؟ أنا خلي غيري ينقذه، هل يحق له أن يرجع؟ لا. لذلك كما يقول الصوت في الكوكب وبشرو في الأصح: تلزموا أنه فروض الكفايات إذا شرع الشخص في أدائها عن الآخرين أصبحت فرض عين على هذا الشخص.
مثلاً صلاة الجنازة إيش حكمها؟ فرض كفاية، فإذا أنا بدأت أصلي على الميت قلت يا عم أنا فرض كفاية ليش ألزم حالي؟ خلص بدي أكمل الصلاة خلي غيري يصلي عليه، بيطلع لك؟ لا، ليه؟ لأنك شرعت في أداء فرض الكفاية. الأذان شو حكمه؟ قرية فيها أكثر من مؤذن واحد، قال أنا خلص أنا بأذن لكم اليوم، في نص الأذان غير رأيه، قال يا عمي ليش أذن لهم؟ خلي واحد غيري يأذن، بيطلع له يتراجع؟ شرعت فرض الكفاية.
طيب واحد شرع في طلب العلم يا شيخ محمد شاهين، واحد شرع في طلب العلم، شرع في معهد، ملكه وبلش يتفقه وكذا، شو حكم أنه يتراجع الآن؟ ما عنده شغلة بده يقعد في الدار، قال لك أنا عمي رايح جاي مواصلات وكذا بدي أريح حالي، شو حكم الإنسان أن يتراجع عن طلب العلم؟ حرام. صحيح، خلينا نطبق القاعدة، ما هي القاعدة، تمشي مش بطبقها.
ما حكم طلب العلم؟ فرض كفاية. إيش يعني فرض كفاية؟ فرض الكفاية إذا قام به من يكفي، يعني إذا البلد مليانة بالفقهاء والعلماء العدول خلص سقط الإثم عن الباقين وصار طلب العلم مستحب. طب هل في هناك البلد مليئة بالفقهاء العدول الأتقياء الأنقياء؟ بدون ما نضحك على أنفسنا، مش موجودين، تمام، إنما يعد على الأصابع في العالم الإسلامي. بالتالي نحن اليوم عندنا فجوة كبيرة في طلب العلم، سواء على مستوى الفقهاء، على مستوى العقدي، على مستوى المفسرين، على مستوى اللغويين، فطلب العلم اليوم فرض كفاية، بدنا نقول صحيح فرض كفاية. فإذا أنت حضرتك دخلت في فرض الكفاية وقلت يا رب أنا خلص بدي أكون طالب علم وأصير متمكن، أصير فقيه أو كذا وأعلم أمتي، أنت الآن أصبح طلب العلم فرض عين عليك. يعني باختصار قضية أنك تروح تنسحب وتغير رأيك، لا لا بطلت بدي أطلب وكذا، حرام. يعني مش قضية خلص تكاسلت.
خلص، مليت يا شيخ من هذه البرامج وكذا، بدي أقعد في الدار، أفكر الأمور هيك أريحية. أنا كنت بعمل تطوع، خلص بدي أوقف هذا الباب. لا، مش باختيارك ما دمت تمتلك الآن. لو شخص عرض له عارض، نرجع نقول مرضي أو طبي، أي عارض يمنعه من استمرار، خارج عن إرادته هو معذور عند الله، هذا أظن أنكم تفهمونه جيدًا. لكن الكلام في قضية أنه شرع في طلب العلم ثم قرر ينسحب، مش حاب هذا الميدان، هذا حرام، هذه هي القاعدة.
إذاً هي الحالة الأولى التي ينقلب فيها فرض الكفاية إلى فرض عين؛ ما هي؟ إذا شرع هو في رفع الإثم عن الأمة فأصبح فرض عين. في حالة ثانية أنا ما ذكرتها لكن تذكرونها أيضًا، وهي تحول فرض الكفاية لفرض عين إذا لم يوجد في البلدة من يؤدي فرض الكفاية إلا هو. يعني بلدة ليس فيها مغسل أموات، ومن يعرف تغسيل الأموات إلا شخص واحد؟ هذا يصبح فرض الكفاية في حقه فرض عين. الأذان، ما في واحد في البلدة بيعرف يؤذن وبيعرف صيغة الأذان إلا شخص واحد؟ هنا أصبح فرض الكفاية تحول إلى فرض عين في حق هذا الشخص.
فهذه الحالة الثانية التي يتحول فيها فرض الكفاية إلى فرض عين، وهو إذا كان لا يوجد من يستطيع أن يؤدي فرض الكفاية إلا شخص واحد، فإن فرض الكفاية يصبح فرض عين في حق هذا الشخص. لذلك بدك تعرف متى ينقلب الواجب الموسع إلى مضيق، وبدك تعرف متى ينقلب فرض الكفاية إلى فرض عين.
نكمل، هذا هو المعتمد في مذهب أحمد كما نص عليه الحجاوي في الإقناع، فقال: «وإن دخل في فرض كفاية أو واجب موسع حرم خروجه منه بلا عذر»، بلا خلاف، شايف، حرم هكذا نص في الإقناع للشيخ موسى الحجاج؛ حرم خروجه منه بلا عذر، أما إذا في عذر فنحن نتفق على هذا. وعليه من شرع في فرض صلاة الجنازة حرم قطعه لها بلا عذر؛ لأنها بمجرد شروعه فيها أصبحت فرض عين في حقه. جميل، واكتبوا الحالة الثانية التي ذكرتها لكم لأنها غير منصوص عليها هنا.
انتهينا من التقسيمات الثلاثية؛ تقسيم الواجب إلى موسع ومضيق، وإلى معين ومخير، وإلى عيني وكفائي. المسألة الرابعة والأخيرة من مسائل الواجب وهي القاعدة الشرعية الشهيرة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». دعونا ندرس هذه القاعدة.
هذه القاعدة من أهم القواعد الأصولية، وينبغي عليها كثير من الفروع الفقهية؛ لذا اعتنى الأصوليون بتحرير الكلام حولها. وخلاصة ما يقررونه في هذا السياق: «إن ما يتوقف عليه وجوب الفعل ليس بواجب إجماعًا». هذه قاعدة أصولية، ونحن أصلاً ماذا قلنا في تعريف أصول الفقه؟ قواعد أدلة الفقه الإجمالية، صح؟ هذه مثال على قاعدة.
يجب أن أعرف هذه القاعدة وأفهمها، ثم أعرف كيف أطبقها في الساحة الفقهية. وخلاصة ما يقررون في هذا السياق أن ما يتوقف عليه وجوب الفعل ليس بواجب إجماعًا. الآن، حتى نبدأ التفكير من البداية: إذا الشيء ليس واجبًا في ذمتك أصلاً، فالبحث عما يجعله واجبًا في ذمتي ليس مطلوبًا مني. إذا كان الفعل إلى الآن غير واجب في ذمتك، هل يلزمني أن أسعى لجعله واجبًا في ذمتي؟ لا.
مثال: أنا الآن طفران ليس معي مال، هل عليّ زكاة لما يأتي الحول؟ لا، ليس عليّ زكاة؛ لأنني لا أملك النصاب. هل يجب عليّ أن أسعى لأشتغل وأجمع المال حتى تجب عليّ الزكاة؟ لا، إذا رزقت المال نعم تجب عليك، لكن لا يلزمني أن أسعى لجعل الزكاة واجبة عليّ.
مثال آخر: إنسان دخل قرية، وهذه القرية فيها 38 أو 39 شخصًا، هل تجب عليهم الجمعة عند الحنابلة؟ لا؛ لأنه لكي تصح الجمعة لازم يكون في 40 فصاعدًا. فالآن، هل مطلوب مني أروح أبعث جوازات سفر لناس برا القرية أستقدمهم للقرية حتى تصير الجمعة واجبة علينا؟ باختصار، القرية التي فيها 38 أو 39 شخصًا الجمعة غير واجبة عليهم ولا تصح أصلاً. حتى لو اجتمع أهل القرية وقالوا: ما رأيكم أن نجعل الجمعة واجبة علينا؟ ما الحل؟ أن نستقدم اثنين من قرية ثانية ليصبحوا معنا، هل واجب عليهم اتخاذ هذا الإجراء؟ لا طبعًا.
إذاً القاعدة تقول: إذا كان الشيء ليس واجبًا عليّ ابتداءً، ما لم يتعلق وجوبه بذمتي، لا يلزمني أن أسعى لجعله واجبًا. إذا صار واجبًا لحاله، خلص يجب. أما أنا، فالسعي لجعله واجبًا لست ملزمًا به. واذكروا واحفظوا هذين المثالين: مثال القرية التي فيها 39 شخصًا، والمثال الأول قضية الزكاة.
إن ما يتوقف عليه وجوب الفعل ليس بواجب إجماعًا؛ هذا يعني أن ما يتوقف عليه وجوب الفعل، مثل وجوب الزكاة الذي يتوقف على ملك النصاب، أو وجوب صلاة الجمعة الذي يتوقف على وجود 40، نقول: الشيء الذي يتوقف عليه وجوب الفعل ليس بواجب عليّ أن أحصله إجماعًا. فبلوغ النصاب، بتفسيرها بالشيء، هو الصحيح؛ الشيء الذي يتوقف عليه وجوب الفعل لا يلزمني أن أحصل هذا الشيء.
واذكروا هذين المثالين، سواء كان مقدورًا للمكلف تحصيله -مثل استقدام اثنين للقرية أو جمع المال للنصاب- أو غير مقدور. مثل وجوب صلاة الظهر المرتهن بزوال الشمس، هذا ليس مثالًا؛ لأن زوال الشمس ليس في أمري بإذن الله سبحانه وتعالى، فيحكم بالمسألة.
فالفرق بين ما يجب بشيء يمكنك أن تحصله، وبعض الأشياء وجوبها مرتهن بشيء لا يمكنك تحصيله؛ مثل وجوب شهر رمضان المتعلق برؤية الهلال، فهل أقول يلزمني أن أجعل الهلال يخرج؟ لا طبعًا، لأن هذه أمور سماوية. لكن بعض الأمور وجوبها يمكن أن أكون سببًا فيه، من خلال جمع المال للزكاة أو جمع 40 لصلاة الجمعة، لكن حتى إذا كان مقدورًا عليّ أن أجعله واجبًا، هل أنا ملزم أن أجعله واجبًا؟
إذا فهمتم الحالة الأولى، فإخواني، لا أريد أن تختلط عليكم الأمور. في الحالة الأولى، ما نتحدث عنه لا يتوقف عليه وجوب الفعل في ذمتي؛ ليس واجبًا علي أن أفعل هذا الشيء، سواء كان هذا الشيء الذي يتوقف عليه الوجوب ضمن مقدور المكلف وطاقته، كجمع الأربعين، أو غير مقدور له، كقضية زوال الشمس وخروج الهلال.
فوجوب الصلاة على المكلف يتوقف على دخول الوقت، وهو غير مقدور للمكلف؛ فإدخال وقت الصلوات هذه أمور سماوية لا أستطيع أن أفعلها أنا أصلاً. وكذلك وجوب الجمعة على مذهب الشافعي وأحمد يتوقف على حضور أربعين مستوطنين؛ مستوطنين -أخوان هنا الله يرضى عليكم، لا أقصد بها اليهود، بل أقصد من أهل الوطن- وهذا مقدور للمكلف بأن يجمع أربعين من أهل القرية، لكن في كلتا المسألتين لا يجب ذلك عليه؛ سواء كان مقدورًا ولا غير مقدور، أنا لست ملزمًا أن أسعى في تحصيله لأنه لم يخاطب بالوجوب بعد، فنطق في هذه الحالة قاعدة: «ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب».
إذن، عندنا قاعدتان يا إخوان؛ قاعدة تقول: «ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب»، ولا أريدكم أن تخلطوا بين هذه القاعدة وبين القاعدة الأخرى التي أبحث فيها الآن، وهي: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». ما الفرق بين القاعدتين؟ الفرق هو في كلمتي «واجب» و«وجوب».
عندما نقول: «ما لا يتم الواجب إلا به»، فكلمة الواجب تدل على أنه أصبح مستقرًا في ذمتك وانتهى. لكن عندما نقول: «ما لا يتم الوجوب إلا به»، فهو الآن لست مُوجبًا، بل أنت تريد أن تسعى لتجعله واجبًا. فما معنى الواجب الذي هو الآن في ذمتي أصبح واجبًا علي؟ نقول: الشيء الآن في ذمتك واجب ولا يتم إلا بشيء يجب علي أن أحصل هذا الشيء. أما إذا كان الشيء أصلاً ليس واجبًا عليك ولست مخاطبًا به الآن، فهل أنا مطالب أن أجعل نفسي مخاطبًا به وملزمًا به؟ لا، إذ «ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب».
وذكرنا الأمثلة عليها. يهمني الآن أن تأتي القاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». دعونا نذكر أمثلتها. أما إذا ثبت الوجوب على المكلف وتعلق بذمته، وأصبح هذا الشيء واجبًا ومتعلقًا بذمتك، وكان إيقاعه على الوجه المجزئ متوقفًا على تحصيل أمور، فإننا ننظر في إيقاع هذه الأشياء التي أصبحت واجبة في ذمتك، لكن شرعيًا لا يمكن أن يتم إيقاعها بوجود مقدمات.
حتى أفهمك إياها، لو قلت لك: «اطلع على السطح»، فماذا ستفهم ضمنيًا؟ سألتزم أنا كأب بأن أصعد ابني إلى السطح، وسألزمه ضمنيًا بأن يصعد الدرج حتى يصل إلى السطح، لأنه لا توجد طريقة للوصول إلى السطح غير صعود الدرج، إلا إذا كان هناك حل آخر مثل وضع سلم أو مصعد. فإذا قلت لابني: «اصعد على السطح»، فماذا لو جاء بعد ساعة أو ساعتين وقال: «لماذا لم تفعل يا أبي؟ أنت قلت لي اصعد على السطح ولم تقل لي جلب سلم أو اطلع على الدرج؟».
سأتعامل معه بطريقة ثانية وأقول: «ماشي، أنا قلت لك اصعد على السطح، فماذا طلبت منك ضمنيًا؟». طلبت منك فعل المقدمات التي بواسطتها ستطلع على السطح. لست مضطرًا أن أقول لك: «يا بني افتح الباب، ثم اضغط على زر المصعد رقم واحد، ثم اضغط...»، لأن إعطاء هذه التفاصيل كلها سيطيل الجملة من الصباح إلى المساء. يكفي أن أقول لك: «اصعد على السطح»، فستفهم ضمنيًا أنه مطلوب منك فتح باب الدار، ثم التوجه إلى جهة المصعد، ثم الضغط على الزر، ثم الكبس على الطابق الرابع لتصل.
فبهذا المعنى، أنا أوجبت على ابني الصعود إلى السطح، وسيطبق ابني قاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». والدي ألزميني بالصعود إلى السطح، ولا أستطيع الصعود إلا بأن أفتح باب البيت، وأضغط على المصعد، وأخرج فيه، وأضغط زر السطح، وأدخل. هذه المقدمات هل هي واجبة؟ نعم واجبة. ووالدي لم ينص عليها، ولم يقل لي: «افتح الباب واضغط على زر المصعد»، ولكن سنطبق قاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». الصعود إلى السطح أصبح ملزمًا به، ولا يمكن أن تصعد إلا بفعل هذه الأمور. صحيح أن والدك لم ينص عليها، لكنها تكون واجبة ضمنيًا.
وهذه أمانة مهمة جدًا في فلسفة الشريعة، وهي أن القرآن والسنة مبنيان على الإيجاز. فالشريعة لما تلزمك بشيء وكان إيقاعه متوقفًا على مقدمات، يجب أن تفهم ضمنيًا أن هذه المقدمات مطلوب مني فعلها ولو لم ينص الشارع عليها صراحة؛ لأن القاعدة تقول: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».
أليس كذلك؟ فالشريعة أمرتك بالوضوء -وهذا في تفصيل أكثر، لكني أحب دائمًا أن أفهم القاعدة ثم ندخل في التفاصيل حتى لا يتشتت الطالب- الشريعة أمرتك بالوضوء؛ فلا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يتوضأ. ففهمت أنني مكلف بالوضوء إذا دخل وقت الصلاة.
خلونا نفكر مع بعض؛ الشريعة أمرتني بالوضوء، فما هي المقدمات التي يجب أن تحدث حتى أستطيع أن أتوضأ؟ إحضار الماء هي أول نقطة، وأن يكون الماء طهورًا، أليس كذلك؟ فلو قال شخص: «الشريعة قالت لي أتوضأ، لكنها لم تقل لي أحضر الماء إلى البيت»، أقول له: لا، هي قالت لك أحضر الماء إلى البيت. سيقول لي: «أين النص يا شيخ؟ أعطني حديثًا نبويًا يقول: أحضروا الماء إلى بيوتكم!». أقول له: ماشي، الشريعة قالت لك توضأ، ومعلوم عرفيًا وعقليًا أن الوضوء لا يمكن أن يتم بالماء إلا إذا أحضرت الماء؛ إما بأن تتصل بشركة المياه لتصل إليك للبيت، أو تجلب تنكًا وتجيب الماء للبيت، أو تشتري الماء من محل المياه. المهم أن واجبًا عليك أن تحضر الماء إلى البيت ما دام...
الماء متوفر، كيف أوجبت علي أن أحضر الماء إلى البيت مع أنه ما في حديث في ذلك؟
بقول الشريعة مبنية على منطقية واضحة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». والوضوء واجب في ذمتك، ولا يتم إلا بجلب الماء إلى البيت، فإذا أصبح جلب الماء إلى البيت ما حكمه؟ واجب، أليس كذلك؟
الشريعة -بدي أحكي بكلام عام مثلا- الشريعة أمرتك بماذا؟ أمرت أمة الإسلام أن ينجبوا الأولاد، صحيح؟ عموماً نحن مأمورون بأن ننشئ الذرية المؤمنة الصالحة، فهذا يتطلب مني ماذا؟ الزواج؛ لأنه إذا قلنا إن إنتاج الذرية الصالحة واجب على عموم المسلمين، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الشباب يقول لك: هذا أحلى واجب، بس زوجوني!
فإننا ننظر إن كانت هذه الأمور التي يتوقف إيقاع الواجب عليها جزءاً من الواجب نفسه، كالركوع والسجود في الصلاة، فإنه لا نزاع في وجوبها؛ لأن الأمر بالماهية المركبة هو أمر بجميع أجزائها.
سأقسم هذه القاعدة لأن لها فروعاً. الأشياء التي يتوقف عليها فعل الواجب، ركزوا معي، قلت يتوقف عليها فعل الواجب، لو قلت الأشياء التي يتوقف عليها الوجوب رجعنا للقاعدة الأولى: «ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب»، أما هنا الفعل أصبح واجباً خلاص. فهنا الأشياء التي يتوقف عليها فعل الواجب لها صورتان:
الصورة الأولى: أن تكون هذه الأشياء من ماهية الواجب، يعني حقيقة الواجب، وليست من مقدماته. سندخل الآن في التفصيل؛ الحالة الأولى: أن تكون هذه الأشياء التي يتوقف عليها فعل الواجب هي حقيقة مش من مقدماته السابقة عليه، بل هي جزء منها. مثال ذلك: الله أمرك بالصلاة، الصلاة ما هي أركانها؟ 14 ركناً عند الحنابلة ما شاء الله. فإذا أمرك الله بالصلاة، فهو ضمنياً أمرك بكل ركن من أركانها، فكل ركن لا تتم الصلاة الواجبة إلا بأدائه.
إذن، إذا أمرك الله بفعل، وهذا الفعل طبيعته مركب من أجزاء، فإنه إذا أمرك بالفعل هو ضمنياً أمر بكل جزء من أجزائه. إذا حبيت تكتب هذه الصيغة عندك ممكن تكون أسهل من العبارة الموجودة أمامك: «إذا أمرك الله بفعل معين وكانت طبيعة هذا الفعل مركبة من عدة أشياء، فإنه إذا أمرك بهذا الفعل فهو ضمنياً أمر بكل جزء من أجزائه».
ناخذ مثالاً: الله أمرك بالصلاة، والصلاة مركبة من أجزاء: ركوع، سجود، جلوس بين السجدتين، تحيات، تشهد؛ فالله إذا أمرك بالصلاة فهو ضمنياً أمر بكل جزء من أجزاء الصلاة. طبعاً أنت ستقول لي: كيف عرفت أنه هذا جزء من أجزاء الصلاة؟ هل تحتاج دليلاً منفصلاً من قرآن أو من حديث النبي ﷺ أو شيء من ذلك؟ لكن خلاص، إذا عرفت أن هذا الفعل الذي أمرت به يتركب من داخله وليس من مقدماته، فالأمر بالفعل هو أمر بكل جزء من أجزائه. وهذا نموذج يمكن أن يدخل تحت قاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». والبعض يقول لك: لا، هذا لأنه واضح ذهنياً، لكن لنوسع الأمثلة، اعتبره جزءاً من أجزاء قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به»، ولكن هنا هذا الشيء ليس من مقدمات الواجب، بل هو جزء من أجزاء الواجب.
من يعطيني مثالاً آخر؟ الحج، ممتاز. الله عز وجل أمرك بالحج، والحج يتركب من أجزاء: عرفة، مبيت بمزدلفة، رمي جمار، ذبح، طواف إفاضة، أليس كذلك؟ فالأمر بالحج هو أمر بفعل كل جزء من الأجزاء التي لا تتم صورة الحج إلا به.
مثلاً، الله عز وجل أمرك بالنكاح، والنكاح يتكون من أجزاء: مثل العقد، والمهر، ووجود الشهود. فإذا قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32]، فهو أمر بفعل كل ما لا يتم الزواج وحقيقة الزواج إلا به؛ فحقيقة الزواج تتطلب وجود عريس وعروس ومهر وعاقد وعقد وصيغة، فهو أمرك بها ضمنياً. ومن هنا يولد العلماء في كتب الفقه؛ كثير من الواجبات -ليس كل الواجبات إخواني- غير منصوص عليها في القرآن والسنة صراحة، فمن أين أخذها العلماء؟ جزء منها من القواعد الأصولية؛ هو فاهم أن الله أمرنا بالزواج، والزواج لا تتم حقيقته إلا ببعض الأجزاء، فحقيقته كفعل تحتاج عدة أجزاء، فإذا أمر الله بالزواج، فهو يوجب عليّ ما لا يتم الزواج إلا به من حقيقته. هذه الحالة الأولى.
الحالة الثانية: إن كانت هذه الأمور التي يتوقف إيقاع الواجب عليها خارجه عنه، لكن يتوقف وجوده شرعاً أو عقلاً أو عرفاً عليها، سواء كانت من قبيل الأسباب أو الشروط. إذا كانت الحالة الأولى أن الأشياء هي جزء من حقيقة الفعل، فالحالة الثانية أن تكون هذه الأشياء التي يتوقف عليها فعل الواجب متقدمة عليه، وهي التي عبرت عنها في الكتاب بأنها «خارجة عن حقيقته»، أي متقدمة عليه لكن لا يتم الفعل إلا بها؛ مثل الصعود للسطح، السطح هو الثمرة النهائية، لكن قبله مقدمات: فتح باب المنزل، الضغط على المصعد، الدخول للمصعد. هذه تسمى مقدمات، فهي أشياء يتوقف عليها فعل الواجب، لكن هل هي من نفس صورته؟ لا، هي متقدمة عليه، خارجة عنه وليست من داخل الفعل.
الآن سنقسم الحالة الثانية؛ سواء كانت من قبيل الأسباب أو الشروط، ننظر إن جاء نص شرعي بإيجاب هذه الأمور فلا نزاع في وجوبها كذلك. وسأرجع قليلاً لأوضح: إن كانت هذه الأمور التي يتوقف إيقاع الواجب عليها خارجه عنه، لكن يتوقف وجوده شرعاً أو عقلاً أو عرفاً عليه، لا يهمني الآن التفصيل في هذا الكلام، لكن عندما نقول هناك أشياء تتقدم على الواجب ولا يحصل الواجب إلا بها، ماذا يعني لا يحصل الواجب إلا بها؟ لا يحصل شرعاً.
ولا عقلًا ولا عادة، كل هذا للاعتبار. الصلاة تتوقف على وجود الطهارة، صح؟ فرض نأخذ واحدًا منها، تتوقف على وجود الطهارة. هل توقف الصلاة على أن تتطهر قبلها هذا التوقف هل هو توقف من الشريعة، ولا في العقل والمنطق؟ مش ممكن أصلي إلا إذا في وضوء، هل هذا شريعة أم في المنطق والعقل؟ ممكن أصلي بدون وضوء، بس الشريعة هي التي ألزمتني بذلك.
هناك أمور عقليًا، في العقل والمنطق، لا يمكن أن تصبح أن تكون إلا بماذا؟ هناك أفعال وأشياء لا يمكن أن تحصل عقليًا إلا بحصول أشياء قبلها، مثل ماذا؟ هنا أقول لكم شغلة إخواني: التفريق بين العقلي والعادي. كثير من الطلاب يخطئون فيه، بل حتى المشايخ والمحققين لا يفرقون بين الذي لا يمكن عقلًا أو لا يمكن عادة.
بدي أعطيك مثال، لو قلت لك: حصول ولد بدون زواج مستحيل عقليًا ولا مستحيل عادي؟ اللي بيقول مستحيل عقلي يرفع إيده، واللي بيقول مستحيل عادي يرفع إيده. ليش عادي مش عقل؟ سأعيد عبارة أخرى: وجود ولد بدون أحد الجنسين، يعني وجود ولد بس من امرأة بدون أن يمسها رجل، مستحيل عقلًا ولا عادة؟ أعد السؤال مرة أخرى: أن تنجب المرأة طفلًا بدون زواج ودون أن يقربها رجل، مستحيل عقلًا ولا عادة؟ أنت الآن شو السؤال؟ عبد الرحيم، خلص حكلي مستحيل، قصة كاملة؛ مستحيل عقلًا. ليش؟ عادي. أحسنت، شفت؟ عشان نعرف إنه أحيانًا نخطئ.
هذا مستحيل، ماشي. المعجزة هل هي خرق للقواعد العقلية ولا القواعد العادية؟ العادية، تمام، مش هو أصلاً بيقول شيء على خلاف العادة، مش خلاف العقل. إخواني كثير ما يحصل خلط عند الطلاب بين الأحكام العقلية والأحكام العرفية العادية، لأنه نحن اعتدنا أنه ما في امرأة جابت ولد إلا من زوج أو بالزنا، يعني باختصار وجود الجنسين. فأنت لما تيجي تسمع ولد بدون أن يمس المرأة رجل، هذا مستحيل عقلًا، ونحن هكذا بسهولة في كلمة «مستحيل عقلًا» نطلقها على عاداتنا، لكن هو مش مستحيل عقلًا علميًا، هو مستحيل إيش؟ عادة، تمام، هو مستحيل عادة.
المستحيلات العقلية هي مثل اجتماع النقيضين، هذا يقول مستحيل إيش؟ عقلي. اجتماع النقيضين، مثل إيش؟ مثل أن يكون جزء الشيء أكبر من كله، كيف بده يكون جزء الشيء أكبر من كله؟ العقل يرفض هنا، مستحيل. فالأحكام العقلية هي أحكام محددة يسمونها الممتنعات أو المستحيلات العقلية. المستحيلات العقلية شيء والمستحيلات العادية شيء. من الآن بدك تفهم 90% من أمور حياتك هي مستحيلات عادية مش مستحيلات عقلية، يعني كتقدير، كنسبة، ما عملت أنا استقراء طبعًا علمي، بس أنا أغلب الشباب كل شيء مستحيل عقلًا، لا هو فعليًا 80% أو 90% بتسميه مستحيل عقلًا هو مستحيل عادة، بس لأنه المستحيل عادة نحن ما ألفنا عدم وجوده، فبنسميه مستحيل عقلي.
يعني أن الشيخ يمشي على الهواء، مستحيل عقلي ولا عادي؟ مستحيل عادي، يعني عقلًا يجوز أن يمشي الشيخ على الهواء، نعم ممكن، الله عز وجل قادر على هذا. وطبعًا هذه إخواني لها آثار مهمة في علم العقائد؛ يقولون: القدرة الإلهية لا تتعلق بالمستحيلات العقلية لكنها تتعلق بالمستحيلات العادية. يعني القدرة الإلهية، يجوز أن تقول: هل الله سبحانه وتعالى قادر أن يجعل امرأة تخرج ولدًا بدون زوج وبدون أن يقربها؟ نعم، وصارت معجزة لعيسى، فالله قادر، القدرة الإلهية تتعلق بالمستحيلات العادية. فربنا عز وجل قادر يخليك تمشي على الهواء، الله قادر يجعلني أمشي على الهواء.
لكن لو قيل لك: هل الله سبحانه وتعالى قادر أن يخلق إلهًا آخر؟ شوف هذا السؤال كيف نكك فيه. هل الله قادر؟ كلمة «قادر» بالنسبة لك أنت أكيد تنزه الله عنها، ما في شيء مش قادر عليه، بقول أصلاً هذا السؤال غلط. إذا واحد قال لك: هل الله قادر يخلق إلهًا آخر؟ شو بتقول له؟ السؤال غلط. ليش السؤال غلط؟ لأنه هذا مستحيل عقلي، والمستحيلات العقلية ممتنعة أصلاً، فلا تتعلق بها القدرات. لا يجوز أن تجعل القدرة متعلقة بالمستحيل العقلي، هو شيء عدمي لا وجود له، لا يمكن أن يوجد. فخطاب: هل يمكن قدرة الله تخلق إلهًا آخر؟ السؤال خطأ من بدايته، لأن وجود إله آخر هذا مستحيل عقلي، العقل يمتنع وجود إلهين لهذا الكون، فما دام مستحيل عقليًا إذًا هو ليس ضمن هذا المجال.
فأنا ذكرت هذا حتى تعرف أن كثير من استعجالات الشباب أنه مستحيل عقلي، هو يكتشف أنه مش مستحيل عقلي، هو أنت ما ألفت وجوده بس هو مستحيل عادي. طيب، فما الذي جاب كل السالفة؟ السالفة أجابها كلها أنه هناك أشياء متقدمة على الشيء ويتوقف عليها وجود الشيء. ما معنى يتوقف عليها وجود الشيء؟ قد يكون هذا التوقف شرعيًا، يعني شرعًا لا يمكن أن يوجد هذا الفعل إلا بأشياء قبله لكن عرفًا وعقلًا يمكن أن يوجد، بس الشريعة هي التي منعت. أحيانًا قد يكون العقل هو الذي يمنع وجود شيء إلا بوجود شيء قبله، وقد يكون الذي يمنع هو العرف، العرف والعادة، العرف والعادة هي التي تمنع وجود هذا الشيء إلا إذا وجدت أشياء قبله.
فتوقف فعل الشيء على أمور سابقة عليه، تقول قد يكون هذا التوقف من جهة الشريعة هي التي عملت هذا التوقف، قد يكون من جهة العقل، وقد يكون من جهة العادة المطرده. سنأخذ أمثلة إن شاء الله ونفهم هذه الأمور، سواء كانت من قبيل الأسباب أو الشروط. النظر طبعًا التقسيم إلى أسباب وشروط هذا يهمنا في الناحية الفقهية التفصيلية، أنت الآن حبيت تسميها كلها شرط: شرط شرعي، وشرط عقلي، وشرط عادي، بيمشي الحال، مش رح يهمني كثير.
ننظر، إن جاء نص شرعي بإيجاب هذه الأمور فلا نزاع في وجوبها، كذلك ولا نحتاج حينئذ لاستخدام هذه القاعدة لأن إيجابها ثبت بالنص الشرعي وهو أقوى من القاعدة، إلا أنه يمكن الاستئناس بها في الاستدلال. الحالة الأولى، إذا كان هناك قلنا واجب يتوقف على وجود أشياء قبله، طبعًا هذه الأشياء نحن الآن بدنا نتفق عمومًا نسميها إيش؟ شروط. مثلاً الصلاة في قبلها إيش؟ شروط. الصلاة، الحج في قبله إيش؟ شروط. الزكاة في قبلها شروط. الزواج في قبله شروط. الشروط هي أكبر نموذج على ماذا؟ على أشياء يتوقف عليها وجوب الشيء. نحن إيش قلنا لما درسنا في بداية العبد، شو يعني شروط الصلاة أو شروط الوضوء؟ درسنا شروط الوضوء في بداية العبد، شو يعني الشروط؟ يعني أشياء تكون خارج حقيقة الشيء.
ولكن لا يصح الشيء إلا بها، وإذا تركتها جاهلا أو عامدا لا يوجد هذا الشيء، صحيح. أخذنا شروط الوضوء، وشروط الغسل، وشروط التيمم، وشروط الصلاة؛ هذا هو الكلام هنا عن الشروط، ما يسميه الفقهاء الشروط.
الآن نقول هذه الشروط التي يتوقف عليها وجود الوضوء، أو وجود الصلاة، أو وجوب الزكاة، عفواً أو وجود كذا؛ هذه الشروط إذا كان الشرع قد نص على كل شرط على حده، قال لك: الصلاة تتوقف شرعاً على وجود ستة أشياء. ما هي؟ يلا من يحكي لي ما شرط الصلاة؟ طهارة الحدث، دخول الوقت، ستر العورة، استقبال القبلة، النية، واجتناب النجاسة. صح؟ إذاً هذه الستة شرعية، ولا عقلية، ولا عادية؟ شرعية، صح. هي عبارة عن أشياء شرعية متقدمة على الصلاة، لكن لا تصح الصلاة إلا بها.
طيب، هذه الأشياء التي سميناها الشروط الشرعية المتقدمة على الصلاة، والتي لا تصح الصلاة إلا بها، إذا كانت الشريعة قد نصت على كل شرط على حده، سواء بحديث نبوي أو آية قرآنية، قالت: يجب حتى تصلي تتوضأ، يجب حتى تصلي تستر العورة، كذا فعلياً؛ هل أنا محتاج أن أطبق قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»؟ أم خلص سأعتمد على النص وأمشي؟ فعلياً خلص، ما دام الشرط الشارع هو الذي نص عليه، أنا فعلياً لست محتاجاً أن أطبق قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»؛ لماذا؟ لأن الشرع كفاني المؤنة.
خلص، النص الشرعي قال لي إن الصلاة لا تصح إلا بوضوء، فأقول الحديث النبوي دل على هذا. فبعض الفقهاء في استدلالاتهم ماذا يقولون لك؟ «والصلاة لا تصح إلا بوضوء، فيجب الوضوء قبلها لأن القاعدة تقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». إذا وجدت بعض الفقهاء استعملوا هذه القاعدة في موضوع الوضوء للصلاة، اعرف أن هذا من قبيل الاستئناس، أو زيادة التثبيت، وفي الأصل أنا عندي نص شرعي يدل على أن الصلاة لا تصح إلا بوضوء قبلها، فليس محتاجاً لتطبيق هذه القاعدة.
هذه القاعدة باختصار، متى أحتاج تطبيقها يا شيخ محمد؟ إذا لم يوجد نص، ولكن لا يوجد الشيء إلا بهذا الأمر الشرعي أو العقلي أو العرفي، أحتاج أن أطبق قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». لكن إذا كانت الشريعة ابتداءً قد نصت نصاً صريحاً: «لا تصح صلاتك إلا باستقبال القبلة»، خلص ما في داعٍ أطبق قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، ما هو خلص النص الشرعي قال لي بوضوح: لا تصح صلاتك إلا باستقبال القبلة، لا تصح صلاتك إلا بستر العورة. فذكر هذه القاعدة يفعله بعض الفقهاء والأصوليين في هذه الحالة لكن على سبيل الاستئناس، يعني زيادة التثبيت، وإلا فالدليل الشرعي قائم على اشتراط الطهارة للصلاة، أو على اشتراط استقبال القبلة للصلاة وهكذا.
إذاً هي الحالة الأولى، مثال ذلك اشتراط الوضوء للصلاة؛ جاء النص الشرعي عن النبي ﷺ باشتراط الطهارة للصلاة فقال: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» [متفق عليه]. فهذا دليل على اشتراط الوضوء للصلاة، وهذا الحديث هو خلاص دليل على أن الوضوء شرط للصلاة، فلا تصح الصلاة إلا بهذه المقدمة وهي الوضوء. فهل سأحتاج أن نطبق قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»؟ لا تحتاج أن تطبقها، إذا طبقتها لا أقول لك غلط، بس أقول هذا استئناس وليس هو أساس الدليل؛ أساس الدليل النص.
نعم، لكن الفقهاء والأصوليين كثيراً ما يذكرون أن وجوب الطهارة للصلاة من باب «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». فنقول الاستدلال بهذه القاعدة على هذه المسألة من باب تعاضد الأدلة، لا من باب أن هذه القاعدة فقط هي التي دلت على وجوب الوضوء للصلاة. نعم، فليست القاعدة هي التي دلت، بل النص ابتداءً. نعم، وإن لم يأتِ نص شرعي بإيجاب هذه الأمور، فإن الصحيح عند جمهور الأصوليين وجوبها استناداً إلى قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».
أما إذا جاء نص شرعي واضح في ذكرها، لا أحتاج إلى القاعدة لأن النص أعلى منها؛ أما مقدمات الواجب إذا لم يأتِ نص شرعي على النص عليها واشتراطها، فهنا سأحتاج أن أطبق قاعدة ماذا؟ «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»؛ لأنها السبيل الوحيد للاستدلال على وجوب هذه المقدمات. واضح؟
نأخذ مثالاً، طبعاً ما هو الفرق بين السبب والشرط؟ هذا لا تشغل نفسك به الآن، سيأتي معنا إن شاء الله في الحكم الوضعي. ما هو الفرق بين السبب والشرط من الناحية الشرعية؟ طيب، مثال السبب الشرعي: من وجب في حقه النكاح، وجب في حقه ما لا يصح النكاح إلا به كالإيجاب والقبول. مثال هذا ذكرناه قبل شوي؛ ربنا أوجب عليك النكاح في بعض الصور، في بعض الحالات، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّكاحُ﴾، هل هناك ذكر في حديث نبوي أو آية قرآنية تقول يجب عليك أن تفعل إيجاباً وقبولاً حتى يصح النكاح؟ في الصلاة جاء حديث: «لا تصح الصلاة إلا بوضوء»، بس في النكاح، هل جاء حديث: «لا يصح النكاح إلا بصيغة»؟
طيب، من أين قال العلماء بوجوب الصيغة، الإيجاب والقبول؟ من قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». فهمتم؟ هذا هو المراد، أنه هنا ما في نص على اشتراط الصيغة، فمن أين اشترطها وأوجبها؟ من القاعدة أنه لا يتم النكاح إلا بوجود إيجاب وقبول يدل على الرضا، كالإيجاب والقبول، لأنه لا يمكن أداء هذا الواجب إلا بها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
طيب، لماذا جعلت هذا شرعياً يا شيخ حمزة؟ مش عقلي ولا عرفي؟ لماذا جعلت الصيغة هنا؟ قلنا الصيغة يتوقف عليها النكاح، أو الإيجاب والقبول يتوقف عليه النكاح؛ هذا التوقف شرعي ولا عقلي ولا عادي؟ شرعي، صح. لأنه عقلاً ممكن أتزوج بدون ما يصير إيجاب وقبول، ممكن تأخذ المرأة من بيت أبيها، وعادةً كثير من الناس أصلاً يفعلون ذلك، لا يسألون لا في إيجاب ولا في قبول ولا كذا. إذاً، أن نقول إن النكاح متوقف على الإيجاب والقبول، هل هذه العادة هي التي ألزمت به؟ ولا العقل؟ ولا الشرع؟ شرع؛ لذلك جعلته شرعياً. وهل نص الشرع على وجوب الإيجاب والقبول لصحة النكاح؟ ماذا تقول لي؟ لا. طيب كيف عرفت أنه واجب؟ تقول لي من...
قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». الشرع جعل النكاح عقداً، وقاعدة النكاح أنه لابد من تراضٍ فيه، فلا يوجد أحد يغصب بنتاً من دار أبيها. كيف نريد أن نعرف التراضي؟ الإيجاب والقبول هو دليل التراضي، فعرفنا إذاً أن النكاح متوقف على الإيجاب والقبول؛ لأن الرضا لا بد منه ولا يُعرف الرضا إلا بالإيجاب والقبول، فأصبح لا يمكن النكاح إلا بالإيجاب والقبول. هذه هي طريقة التفكير.
لو قال قائل: إذا كان الشرع جعل الصيغة سبباً لاعتبار العقود، فلا بد من نص شرعي دل على ذلك؛ فعاد وجوب الصيغة إلى النص وليس إلى القاعدة التي سبق ذكرها. الجواب: الشرع لم ينص على أن الصيغة واجبة في العقود، وهذا سؤال وإجابة مهمة. الشرع لم ينص على أن الصيغة واجبة في العقود، فلا يوجد حديث يقول لك: إذا بعت لازم صيغة، أو إذا نكحت لازم صيغة، ليس هناك حديث يقول كذا، ولكن الصيغة واجبة.
كيف استنبطناها؟ الشرع نص على أن التراضي بين طرفي العقد واجب، ولا تصح العقود دونه، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]. ولما كان الرضا أمراً قلبياً لا يمكن معرفته إلا بأمارة ظاهرة وهي الصيغة، قلنا الصيغة سبب لصحة العقد لا تصح إلا به. والذي جعلنا نقول بوجوبها ليس العقل ولا العادة، بل الشرع لما أمر بالتراضي.
هنا أريد أن أقول كلاماً، إن شاء الله تستوعبونه، بالنسبة للأفعال التي يتوقف وجودها على أمر شرعي، فالشرع لابد أن يتدخل. لكن الشرع هنا لم ينص صراحة؛ فتدخل الشرع في قضية إيجاب الصيغة ليس بأنه نص الحديث على وجوب الصيغة، بل تدخل الشرع أنه دلني على لزوم التراضي. فلما دل الشرع على وجوب التراضي، عرفت أن الرضا أمر في داخلك لا أحد يعرف رضاك إلا إذا نطقت وحكيت.
فلما دل الشرع على وجوب التراضي في النص، بدأنا نفكر كيف سنعرف التراضي من هذا الشخص؟ قلنا لا يوجد حل إلا من خلال الإيجاب والقبول، فإذاً الإيجاب والقبول أصبح واجباً حتى يصح عقد النكاح الواجب. فالنكاح واجب في حق، ولا يتم هذا الواجب إلا بوجود مقدم له وهو الصيغة. الصيغة ما في حديث دل على وجوبها صراحة، ولكن عندي آية قالت: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ﴾. فلما قالت الآية لازم يكون في تراضٍ، وأنا ضمنياً وذهنياً عرفت أن الرضا يحتاج إلى صيغة، قلت إذاً الصيغة واجبة من باب «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».
فإذا كان التوقف على أمر شرعي، فالشريعة لازم تكون لمحت عليه، ولكني أكملت التلميح وبنيت عليه وجوب الصيغة. فقلت كيف سيحصل التراضي؟ محتاج إيجاب وقبول، فقلنا إذاً الإيجاب والقبول شرط شرعي حتى يصح النكاح، أو يصح عقد البيع، أو يصح جميع العقود.
مثال الشرط الشرعي: من حضر مصلى العيد حرم عليه الانصراف إذا كان هو تمام الأربعين. لأن الواجب وهو صلاة العيد، شرطه حضور 40 مستوطناً على مذهب الشافعي وأحمد، ولا يتم هذا الواجب إلا ببقاء هذا الشخص، فصار حضوره واجباً عينياً.
لنأخذ مثالاً لنرى إن كنتم فاهمين عليّ؛ إذا كانت القرية فيها 39 شخصاً فقط، هل يلزمني أن أحضر صلاة العيد؟ البعض سيقول لا، والبعض سيقول نعم. إذا كانت القرية فيها 39 شخصاً فقط، هل تجب عليهم أصلاً صلاة العيد؟ لا؛ لأنه لم يكتمل النصاب الذي به يحصل الوجوب، فالفعل أصلاً ليس واجباً عليهم، وبالتالي أنا لا ألزمني الذهاب لصلاة العيد لأنه لا يوجد وجوب في الذمة.
لكن إذا كانت القرية 40 بالعدد، ودخل وقت صلاة العيد، هل العيد واجب عليهم؟ نعم، لأنه وجد العدد الشرعي وهم 40. فإذا كانت القرية 40، صارت صلاة العيد أو صلاة الجمعة واجبة عليهم. فصار حضوري أنا، إذا اعتبروني واحداً من الأربعين، واجباً من جهة أنه الآن أصبحت واجبة علينا، وكل شخص فينا به يتم الأربعين، ولا يمكن إكمال الأربعين إلا إذا ذهب الجميع، وإذا تخلف واحد خرب الأمور؛ فصار حضور كل شخص بعينه واجباً من باب «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». صلاة العيد واجبة علينا لأننا 40، ولا يتم هذا إلا بحضور كل واحد من الأربعين، فإذا تخلف أي واحد منهم بدون عذر فهو آثم.
لو كانوا 45 شخصاً، هل يلزمني أن أحضر صلاة العيد؟ هنا يجب أن نتحدث عن حكم صلاة العيد عند الحنابلة، فهي فرض كفاية؛ إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وليست مثل صلاة الجمعة التي هي واجبة عينياً. صلاة العيد عندنا فرض كفاية، فإذا قام بها الأربعون سقط الفرض عن باقي أهل القرية، فتكون صلاة العيد في حقهم مستحبة، فإذا حضروا أنا كإبراهيم لا يلزمنا الحضور لأن رقمي 41 وقد سقط فرض الكفاية بالأربعين.
لكن إذا كنا نحن 40 بالضبط، فليس هناك مجال لأن لا يحضر أحد؛ لأنه لن يتم قيام هذا الواجب إلا بحضور الأربعين، فكان هذا الواجب كأنه تحول من فرض كفاية إلى فرض عيني لأنهم 40. لذلك قال المثال: من حضر مصلى العيد حرم عليه الانصراف إذا كان هو تمام الأربعين، هو الذي يكمل الأربعين. والواجب وهو صلاة العيد واجب كفائي شرطه حضور 40 مستوطناً على مذهب الشافعي وأحمد، أي من أهل القرية وليسوا مسافرين، ولا يتم هذا الواجب وهو إقامة صلاة العيد في هذه القرية إلا بحضوري أنا لأنني تمام الأربعين، فصار حضوري واجباً. كيف استدللت على أن حضوري أصبح فرضاً؟
أصل صلاة العيد فرض كفاية، كيف يعني تحولت إلى أن أصليها حضوراً فرض عين؟ من قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، صلاة العيد فرض بغض النظر هل هي فرض كفاية أم لا، لكن إذا كان عددها الأقل هو 40، وأنا إذا تخلفت فصار العدد 39، أصبح حضوري فرض عين؛ لأن القاعدة تقول: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، وهذه القرية لا يتم إقامة واجب صلاة العيد فيها إلا بحضوري، فأصبح حضوري فرض عين من هذا البعد.
مثال الشرط الشرعي أخذنا عليه أمثلة على أمور شرعية يتوقف عليها وجود الواجب، خلونا نأخذ مثالاً على شرط عقلي ثم شرط عادي. قال: مثال الشرط العقلي ترك أضداد المأمور به واجب، لا يتم المأمور إلا به؛ فالشارع أمر بالقيام في صلاة الفرض، ولا يتحقق هذا الواجب عقلاً إلا بترك القعود والاضطجاع وسائر ما يخالف القيام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ناخذ مثالاً على الشرط العقلي، الشروط الشرعية شفنا أمثلتها كالأركان أو الصيغة، وما نناقش الآن على أشياء متقدمة على الواجب ولا يحصل هذا الواجب عقلاً إلا بحصول هذه الأشياء؛ في أشياء ربنا أوجبها علينا ولا تصح، ليس فقط شرعاً بل عقلاً، لا يمكن أن تصلح إلا بفعل مجموعة أشياء أو شيء ما، بغض النظر عن المثال الذي ذكر، قد يُعترض عليه ببعض الأمور ولكن الشأن لا يُعترض على المثال.
أكد الفرض والاحتمال كما قال الحريري: الآن ربنا أمرك في الصلاة بماذا؟ صلاة الفرض، أنك تصلي قائماً القيام، في صلاة الفرض ما حكمه؟ ركن، صح؟ فرض، الآن إذا كان هناك نص يوجب عليّ القيام في صلاة الفرض، فالقيام في صلاة الفرض لا يتم إلا إذا اجتنبت مجموعة أمور، ما هي هذه الأمور العقلية؟ قال: حتى يصح القيام، حتى تستطيع أن تؤدي القيام، يجب عليك أن تترك كل ما هو ضد القيام عقلاً من حيث العقل والمنطق.
إذا ربنا أمرك بالقيام منطقياً، يجب عليك أن تترك كل ما هو مناقض للقيام، مثل القعود والاضطجاع والنوم. سؤال: هل يمكن لشخص أن يكون جالساً وقائماً في نفس اللحظة؟ سأترككم من الخرافات، أصحاب الخطوة، خلينا على المنطق والعقل؛ من حيث العقل نحن قلنا من الأحكام العقلية لا يمكن اجتماع الضدين والنقيضين، هل يكون شخص قائماً وقاعداً في نفس الوقت؟ ممكن أم مش ممكن؟ هذا من حيث العقل، لأنه اجتماع للنقيضين أو الضدين.
فنقول: إذا ربنا أمرني بالقيام، فهو يأمرني ضمنياً بترك كل الصور التي تنافي القيام، فماذا ينافي القيام؟ القعود، والاضطجاع، والنوم. فنقول: إذا الله عز وجل أوجب عليّ القيام، فمن باب «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، يجب عليّ أن أترك كل ما هو ضد القيام من القعود والاضطجاع. ومن أين أخذت وجوب ترك هذه الأمور؟ من قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».
هل هذا الشرط حتى يصح قيامي لازم أترك القعود والنوم والاضطجاع هو شرط فرضته الشريعة أم العقل والمنطق؟ أصلاً العقل والمنطق يقول إنه إذا أردت القيام في صلاة الفرض، لازم أترك النوم والقعود والاضطجاع، وبالتالي أصبح ترك الاستلقاء والقعود والاضطجاع واجباً لأنه يتوقف عليه فعل الواجب وهو القيام في الصلاة، ولكن هل هو واجب من جهة عقلي أم شرعي أم عادة؟ العقل. فهذا مثال على شرط عقلي يتوقف عليه أداء الواجب.
مين ممكن يعيد صياغته؟ شوف أبو سند، صحح ولا نايم معنا؟ يلا، شو اللي فهمته من كلامي الآن حتى أتأكد أنك فاهم؟ هذا المثال ذكرته، عيد لي؛ أنا أريد أن أرى قدرتك على صياغة الفكرة أو فهمك لها. حدد لي ما هو الواجب، وما الذي لا يتم إلا به، وما هي الأشياء التي يتوقف عليها الواجب ضمن المثال الذي ذكرته؟ ما هو الواجب الأساس المرتبط في ذمتك الآن؟ القيام في الصلاة المفروضة، مش قلنا أول ركن من أركان الصلاة المفروض هو القيام؟ هذا هو الفعل المطلوب.
طيب، هذا الفعل المطلوب يتوقف على ماذا؟ لا يمكن فعله إلا إذا تركت... إيوه، تركت أضداد... عبر بعبارة واضحة، إلا إذا تركت أضداداً، مثل أضداد الجلوس والاضطجاع والاستلقاء، فأصبح ترك الأضداد واجباً من باب «ما لا يتم الواجب إلا به». القيام واجب ولا يتم إلا بترك الأضداد، فأصبح ترك الأضداد واجباً، هل هذا الواجب من جهة الشرع أم العقل أم العادة؟ المنطق والعقل؛ لأنه ليس ممكناً أن أقوم حتى أترك القيام، وهكذا فهمنا.
نأخذ مثالاً على شرط عادي، أي العادة والعرف هي التي دلت عليه: غسل الزائد عن حد الوجه في الوضوء ليتحقق غسل جميعه، فإن الشارع أمر بغسل جميع الوجه في الوضوء، لكن تحقق غسل الجميع لا يتم عادة إلا بالزيادة على حد الوجه قليلاً، فتكون هذه الزيادة واجبة لأنه لا يتحقق فعل الواجب إلا معها عادة. كثير من فقهائنا الحنابلة والشافعية يقولون: إذا غسل الإنسان وجهه فيجب عليه أن يدخل قليلاً في حد الشعر، وقليلاً إلى أسفل الذقن، أو إذا غسل يده يلزمه أن يدخل قليلاً إلى ما بعد المرفق.
وإذا مثلاً في الصيام، إذا أراد الإنسان أن يصوم، يلزمه أن يمسك عن الأكل آخر ثانية من الليل، وإذا أراد أن يفطر من الصيام على المغرب، يلزمه أن يمسك إلى ما بعد الثانية من الغروب. لماذا نأتي لمسألة الإمساك؟ خلينا نأخذ مثال الصيام؛ لماذا يقول الفقهاء إن الصائم يلزمه أن يتوقف عن الأكل قبل أذان طلوع الفجر بثانية؟ مع أن الصيام الشرعي يبدأ من طلوع الفجر الصادق وينتهي في الثانية التي يغيب فيها قرص الشمس بالضبط، هذا هو الصيام الشرعي.
الصيام الشرعي في الثانية التي يطلع فيها الفجر الصادق، وينتهي في الثانية التي تغيب فيها الشمس، فإذا كان هذا هو الصيام الشرعي، لماذا يا فقهاء تلزمونني أن أمسك عن الطعام قبل أذان الفجر بثانية؟ الصيام الواجب يبدأ من أذان الفجر فرضاً، لماذا تلزمونني أن أترك الطعام قبل أذان الفجر بثانية؟ الوقت لم يدخل بعد، لا تزال هناك ثانية، فلماذا يلزمونني؟
أحسنت، أحسنت. قالوا من حيث العادة والعرف، ليس من حيث العقل. أن تمسك من لحظة طلوع الفجر بالثانية إلى لحظة مغيب الشمس بالثانية. ويتوقف هذا عادة على أن تمسك قبل الأذان بثانية، حتى يكون صيامك صحيحًا مئة بالمئة ولا يكون فيه أي خرم. لا بد أن تمسك قبل أذان الفجر بثانية أو ثانيتين؛ لأنه إذا لم تمسك بثانية أو ثانيتين في العادة -وليس من حيث العقل- فقد تكون أكلت لقمة والفجر يطلع، فتكون قد خرقت صورة الصيام الشرعية. وحتى لا تخرق صورة الصيام الشرعية، ألزمنا أن نتوقف عن الأكل قبل الأذان بثانية أو ثانيتين.
إلزام الصائم بأن يتوقف عن الأكل قبل ثانية أو ثانيتين؛ هل في حديث نبوي؟ لا، هل في آية قرآنية؟ لا. ويلزم الصائم أن يتوقف عن السحور قبل الأذان بثانية أو ثانيتين، فليس عندي حديث ولا آية. طيب، من أين أخذ الفقهاء هذا الحكم؟ الفقيه الذي يلزمك بأن تمسك قبل أذان الفجر بثانية أو ثانيتين، من أين أخذ هذا الحكم؟ تقول من قاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». والصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس واجب، ولا يتم على صورة تامة إلا في العادة إذا أمسك الإنسان ثانيتين قبل أذان الفجر.
فنقول: إذا كان اشتراط إمساك ثانيتين قبل أذان الفجر، هل هو من جهة الشرع أم العقل أم العادة؟ العقل يصور أنه ممكن لشخص أن يبلع آخر لقمة على الوقت، فالعقل يتصوره، صح؟ لكن في العادة لا يتصور؛ لأنك إذا أكلت آخر لقمة مع أذان الفجر، فإن عملية إدخالها ستكون قد حدثت والفجر قد طلع في ثانية. فقالوا: في العادة لا يتصور أن يمسك على الوقت إلا إذا منعناه من الأكل قبل الأذان بثانيتين.
فإلزام الصائم بأن يمسك قبل الأذان بثانية أو ثانيتين جاء ليس من جهة الشرع وليس من جهة العقل، وإنما من جهة العادة. الواضح والمضطر في الإنسان أنه يصعب عليه الالتزام بالمدة الشرعية إلا إذا أمسك قبل الأذان ثانية أو ثانيتين، فهذا يسمى شرطًا عاديًا. ومن أين جاء اشتراطه؟ من قاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».
ولاحظوا إخواني، هذه القاعدة -وأزعم أنها من أكثر القواعد المؤثرة في الفقه الإسلامي- هي من أكثر القواعد مؤثرة في إيجاب الأمور على الإنسان. ولو نظرت في حياتك ستجد أن كثيرًا من الحياة قائمة على هذه القاعدة، وليس فيها حديث نبوي ولا آية قرآنية. من يعطيني أمثلة من واقع الحياة العملية على قاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»؟ تفضل، أحسنت.
مثلاً: والدتك مريضة، ويلزمك أنت أن تبرها، صح؟ فيلزمك بالتالي -من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب- ماذا؟ أعطني مثالًا. مثلاً: تركب السيارة وتأخذها على المستشفى. هذا الشرط الذي ذكرته، هل هو من ناحية الشرع أم العقل أم العادة؟ عادي، أحسنت. طيب، ماذا يلزم أيضًا؟ لو كانت أمك مريضة وتحتاج موعدًا مع الدكتور، فلا بد أن تذهب إلى المستشفى، وهذا أمر أيضًا عادي، لأن الدواء مساعد في العادة على عملية الشفاء، فأصبح ذهابي لاشتراء الدواء واجبًا من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهذا شرط عادي، وليس عقليًا؛ لأن الدواء يشفي، والله هو الشافي، ولكن من حيث العادة أن الدواء يعمل كذا وكذا. أحسنت. وأيضًا إحضار طعام وشراب إذا كان الطبيب قد أمر بذلك.
جميل، كلامك ممكن أن نعتبره شرطًا عقليًا؛ إذا أمرني الله أن أبر والدتي -وأنت مأمور ببرها عمومًا- لكن في حال مرضها، أنت مأمور ببرها، وهذا الواجب لا يتم عقليًا إلا بترك أضداد البر، مثل التضجر والسب والصراخ. فنقول: ما دمت مأمورًا بالبر، فأنت عقليًا مأمور بترك جميع أضداده؛ لأن اجتماع المتناقضين أو الضدين ممتنع عقلاً.
سألت عن الرقية والدعاء، هل نقول هذا سبب شرعي من باب ما لا يتم الواجب إلا به؟ هو الأقرب أن يكون شرعيًا؛ لأن الملحظ هنا ليس من جهة العادة وإنما من جهة الشرع، فالأصل أن نضيف إلى الشرع ما دام الملحظ فيه من الشرع. ولو كان المرض معديًا وحاولت تجنبه، فهذا ليس له علاقة بالبر وليس ملزمًا بهذه الصورة.
حتى في موضوع الدواء، إذا أردنا التدقيق: هل الدواء هو ما لا يتم البر إلا به؟ قد يقول البعض: «ما أنتم الحنابلة أصلاً تركوا الدواء أفضل والسوالف هذه»، ولكنني أريد أن أمشي على ما هو معروف عند الناس.
مثلاً: وجود نظام قضاء في النظام الإسلامي واجب، فما الذي يجب بناءً على هذا؟ إذا كان وجود نظام قضائي في الدولة المسلمة واجبًا، فلا يتم هذا الواجب إلا بإيجاد قضاة. وبالتالي، إيجاد القضاة يلزم منه وجود العلم، أي وجود تدريس وإقامة معاهد شرعية لتجهيز القضاة، وهذا واجب. من أين أخذنا هذا؟ ليس هناك حديث يقول لك: «اعمل معهدًا شرعيًا للقضاة»، ولكن هناك آيات وأحاديث تدل على وجوب إقامة العدل. ما دام يجب إقامة العدل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فلا يتم إقامة العدل إلا بوجود قاضٍ.
والقاضي يحتاج أن يتعلم، فنحتاج معلمين ومدرسين، فيصبح وجوب إنتاج جامعات ومعاهد شرعية، ووجوب إيجاد مدرسين، ووجوب وضع نظام قضائي، ووجوب تجهيز محاكم. فستمسك حوالي مئة ومئتين وثلاثمئة واجب، ليس فيهم نص مباشر، ولكن كله من أين أُخذ؟ من قاعدة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». فالقاعدة تعطيك واجبات، وأنت ضمنيًا تفهم أنه كل ما لا يتم هذا الواجب إلا به، يجب عليك فعله جبراً عنك.
ما تأتي تقول لي لا، ما هي يا رب، ما أنت نصيت على كذا والحديث لا، ما هو أنت خلص بدك تفهم لحالك، أنا أمرتك بكذا، معناتها هذا ضمن الوسع والطاقة.
طب نعطيك مثال نختم به درس اليوم: واجب عليك اجتناب المعاصي، واجب عليك اجتناب المعاصي. ما الذي سيبنى على هذا؟ ما لا يتوقف عليه الواجب إلا به فهو واجب. يجب عليك، أقول لك بدي آخذ معصية معينة حتى نفهم أكثر، يجب عليك غض البصر، شو حكم غض البصر؟ واجب. يلا أعطوني أمثلة على ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
أن لا أتقصد المرور في طريق فيه نساء مع معرفتي بضعف نفسي. اثنين، تزكية النفس؛ إذا أنا فاشل كل مرة أسقط، أسقط، أسقط، أصبح أني أحضر دروس تزكية، أحضر دروس تزكية وأعمل شيء تزكو، واجب مش مستحب، أو جزاك الله خيراً. يلا بدي أحضر؛ لا، واجب؛ لأنه غض البصر واجب، وأنت كشخص لا يتم هذا الواجب عندك إلا بزيادة الإيمان، أنت المطلوب منك زيادة الإيمان.
طبعاً الآلية التي راح تزيد فيها إيمانك ممكن واحد عن طريق سماع دروس، ممكن واحد عن طريق قراءة القرآن، فعليك أن تبذل. أيضاً الصيام، الصيام لا، شوف هون إحنا دخلنا، أنت الواجب عليك التزكية، ركز، الواجب عليك ايش؟ التزكية. هسه الوسيلة التي سأختارها أنا، ما بقدر ألزمك بوسيلة معينة، ما بقدر ألزمك بالصيام إلا إذا كان هو الحل الوحيد، أما أنا أقول لك أنت غض البصر يجب التزكية، لا يتم الواجب إلا به، الوسيلة التي ستستعملها في التزكية قد تختلف من شخص إلى آخر، أو ممكن يكون عندك عدة وسائل أنت مخير بينها، فلا أستطيع أوجب واحدة منها، المهم أن تفعل التزكية.
أحسنت، ممكن شخص مش ضابطة معه، والله يا شيخ لا تزكية ضبطت معه ولا كذا، الحل الوحيد تزوج، يصبح الزواج واجب عليك من باب ما لا يتم الواجب إلا به. طب ممكن نقول مثلاً شخص مشكلته في الجوال، هذه هي الآفة، بقول لك أنا يا شيخ تزوجت وصمت وصليت وعملت كل شيء وشفت زوجة صالحة بس هذا الجوال هو اللي عامل لي المصيبة، ما حكم ترك الجوال هذا وشراء جوال "لوكس" مكانه؟ واجب. إذا شخص جرب نفسه فعرف أنه دائماً يسقط بسبب الجوال، وأنه لا زواج نفع معه ولا ذكر ولا كل الأشياء ما جاوبت، لأنه في شيء في حياته عم يذكره بالمعصية، فيصبح ترك الجوال وإغلاق السوشيال ميديا واجباً في حقه من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
أنت واجب عليك تغض البصر وأنت عارف أنه تسقط، فكيف بدي أعرف أنه أصبح هذا هو الحل الوحيد؟ فاصبح واجباً بحد ذاته أنه بتجربتك المتكررة أنني من أين يأتي الشيطان؟ يعني حكى معي قبل فترة شاب يسقط في كثير من هذه الأمور، طيب أقول له أنت شو فاتح سوشيال ميديا؟ يقول لي أنا بس بتابع الفيس، بس كل ما بفتح الفيس يا شيخ والله بتيجي عيني، وأقول له أنت حرام تفتح الفيس. طبعاً هو متعجب: حرام أفتح الفيس؟ المعقول في شيء اسمه حرام نفتح السوشيال ميديا مع أني أنا شيخ يعني بفتح على مواقع عادية بس أحياناً بتطلع صورة بالخطأ؟ نعم حرام؛ لأن وجوب غض البصر واجب، ولا يتم هذا الواجب في حقك إلا بترك السوشيال ميديا، فترك السوشيال ميديا واجب.
لذلك إخواني تطبيقاتها كبيرة وهائلة، وإحنا مش قدها، ممكن نكون مش منتبهين، ومغالطات مرة، مرتين، ثلاث، طب أربعة، طب خمسة، طب عشرة، ودائماً من نفس المكان تلدغ، ودائماً من نفس المكان. فإذا أنا جربت أنك بالعادة تلدغ من نفس المكان، خلص يصبح هذا المكان تركه واجباً، للقاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
إذا أنت وصلت لقناعة أنه لا يمكن، يعني قلت لك أنا أتخلى عن الجوال، وأشتري جوال "لوكس"، وهذا حجب عفواً، لما أنزل من جوال عادي لجوال "لوكس"، مش هذا شكل من أشكال الحجب؟ أني رجعت لجوال فيش مجال. إذا أنت استطعت توفر البديل الذي يحجب كل شيء، خلص، يعني باختصار ضمنت لي أنه ما يكون هذا سبب لسقوطه، أصبح سبب السقوط شيء آخر.
أقول لك تمام، فهمت علي؟ إذا استطعت أن تصل للضمان التام أنه هذا لا يمكن أن يؤتى من قبله، أصبح يؤتى من قبل الجامعة، خلص بنروح نبلش موضوع الجامعة، وهذا الموضوع خلصنا منه. أما ما دمت تؤتى من قبله، فاصبح تركه واجباً، سوشيال ميديا، أو والله تركت السوشيال ميديا بس بروح أبحث في الجوجل، تترك الجوجل، بعرف إذا في أي طرق ثانية التوائية، ما دمت تشعر أنه هذا هو مشكلتك، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يجب أن يُترك.
فما يطلع لك شخص يقول يا شيخ أعطيني إيه أنه يجب نترك الجوال، يعني بعض الناس شو ضحل شوي في تفكيره، أعطيني حديث، لا يجوز، حمل هيك مفكر كل عملية الاستدلال الفقهي هي يا إيه يا حديث، ما بيعرف أنه عندنا قواعد أصولية بناءً عليها نولد الأحكام الشرعية، وهذا مثال عليها.
إحنا اليوم أنهينا الكلام عن الواجب، إن شاء الله المحاضرة القادمة نشرح في المستحب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. خلص إخواني، طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل