غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في عودة ميمونة بإذن الله إلى مجالس المدارسة، هذه المجالس النافعة العظيمة التي نتلاقح فيها عقولنا وأفكارنا مع كلام الأئمة الكبار رضوان الله تعالى عليهم، ونقف على ما بين الأسطر والتفاصيل التي يصعب على الإنسان أن يأخذها في مجالس كتب الفقه الطبيعية أو كتب الاعتقاد الطبيعية، لا، هذه لها نوع خاص من الكتب والمصنفات هي التي تركز على جوانب تكمل شخصية طالب العلم وتجعله أكثر بصيرة.
ما زلنا نعيش في أفياء هذا الكتاب الطيب المبارك، كتاب الاعتصام، وهو أحد الكتب العظيمة حقيقة في الفكر الإسلامي في اعتقادي، لأن كاتبه أولاً عالم كبير نحرير صاحب عقليّة كبيرة، وفتح النقاش في مسائل مهمة وعويصة، وكيف نفهم تصرفات السلف تجاهها؟ يعني هو يعطيك تصرفات السلف في جوانب كثيرة، ويعطيك كيف تقرأ، لأن هذه التصرفات إذا بقيت منثورة هكذا وطالب العلم لم يحسن معالجتها سيظن أن هذه التصرفات تصطدم مع الأصول، فإما أن يغير الأصل وإما أن ينقض التصرف، وهذا ليس مسلك العلماء الربانيين، بل يحاولون بعد أن يحكموا الأصول ما جاء من تصرفات السلف فيما يظهر أنه مخالف لتلك الأصول يحاول أن يعطيك قراءة صحيحة له، وهذه القراءة الصحيحة ليس من السهل أن يقدمها أي شخص.
اليوم كثير بتسمع في البودكاستات أن بيخرج لك شخص معاصر مثقف بده يحاول يعطيك قراءة عن السلف، ويعطيك كيف تفهم تصرفاتهم ضمن سياق معين، حقيقة هذا ليس أي شخص يتقنه، وليس أي شخص يدعي أنه فهم السلف وأنه قراهم قراءة عميقة محررة إلا بعد أن يكون عالماً شهدت له العلماء ومصنفاته وكتبه تشهد له بالذكاء والتقدم والتوسع والنظر، هذا الذي يعطي نفسه الأحقية لأن يخوض في محاولة فهم تصرفات السلف، وكيف نجمع بينها وبين الأصول العامة في السنة والبدعة والعقيده والفقه وما شابه ذلك.
فالشاطبي رحمه الله الأئمة من شهدت لهم الركبان والأئمة الكبار بعلو كعبهم في هذا الميدان، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما كتب، وأن يجعلنا من الواعين لعمق هذا الكلام وتحريراته، وفي البداية نسأل الله سبحانه وتعالى أيضاً أن يفرج عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها، وأن يجعل لهم من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجاً، فإن البلاء اشتد على هذه الأمة، وأن الأمة اليوم حقيقة أحوج ما تحتاج إلى طلاب العلم الكبار العقلاء حتى يساهموا في عزها ورفعتها.
هذه المجالس أيها الكرام هذه مجالس نحتاجها لا يمكن النوم عنها، لا يمكن انقطاع عنها ونجلس في البيوت، إنه هي التي تصنع قادة للأمة، تصنع فقهاء، مفكرين، رجال يعملون هم أمتهم ويعرفون كيف يتصرفون ويصولون بها ويجولون، نسأل الله عز وجل أن تكونوا من هذا الجيل، من جيل النصر، من جيل التمكين، من جيل الرباط والجهاد، وأن يجعلنا على درب أبطال هذه الأمة، سائلين أنه ولي ذلك والقادر عليه.
اليوم إن شاء الله نكمل أين وقفنا قبل العيد وقبل رمضان كذلك، كنا وقفنا مع تقسيم الشاطبي رحمه الله عليه البدعة إلى حقيقية وإضافية، هذا كان أصل هذا الباب. نحن طبعا كان الباب الأول في الكلام عن مفهوم البدعة، والباب الثاني كان عن الأدلة عليها وضرورة المحافظة على كلية هذه الأدلة وذم البدع على وجه العموم، وأنه الأصل لا يستثنى، فلا تقسم إلى حسنة وقبيحة، بل الأصل في مفهوم البدعة في الإسلام أنه مذموم، وأنه ما جاء مما يسمى أو سماه البعض بدعة حسنة فهذا ليس من قبيل البدعة بل هو من قبيل المصالح المرسلة، ومن سماه بدعة فقد جانب الصواب حتى ولو كان من الأئمة الفضلاء، وقد ناقشنا هذه الفكرة.
كان الباب الثالث أظن يتكلم عن القواعد العامة كذلك في باب التبديع وما شابه ذلك، نحن الآن في الباب الخامس، الباب الخامس يتكلم فيه كما قلنا عن تقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية. البدعة الحقيقية هي البدعة التي هي خالصة في بدعيتها ومرفوضة تماماً، والبدعة الإضافية هي البدعة التي في الأصل لها ما يشهد لها لكن يدخل عليها الابتداع من بعض الجوانب، يعني هي في الأصل ليست بدعة، هذا معنى البدعة الإضافية في مفهوم الشاطبي، ولا أعلم هل أحد سبقه إلى استعمال هذا المصطلح كبدعة اضافية أم هو من افتض بكارته؟ ما عندي إحاطة بهذا، لكن ما يقوله هو كلام غيره أن بعض الأمور هي في الأصل ليست بدعة وإنما يدخلها الابتداع مما يكتنفها من بعض التخصيصات الزائدة أو بعض الإلزامات الزائدة، فتتحول من كونها عمل مقبول مشروع إلى بدعة من هذا القبيل.
أظن أننا تكلمنا في هذا بتفصيل في البدايات، وأتينا بكلام أبي أمامة الباهلي في تعليقه على أولا كان أول شيء ابتدا به آية سورة الحديد، ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 27]، عالجنا كيف فهم الشاطبي رؤيته لهذه الآية وهل هي هذه الرهبانية كانت مبتدعة ابتداءً أم الابتداع وقع في آلية التعامل معها وإن كانت في الأصل مشروعه، وهذا هو الذي مال إليه.
كذلك انتقلنا أيضاً إلى تعليق أبي أمامة الباهلي على صلاة التراويح وكيف أنه سماها بدعة ولكن قال داوموا عليها، وأنه حاول الشاطبي يعطيك ماذا قصد أبو أمامة الباهلي باطلاق البدعة في هذا المساق، وأنه إنما أراد ما أراده عمر رضي الله عنه وأنه قصده بالدوام عليها أنكم ما دمتم خلاص ستقيمونها جماعة في المسجد بهذه الصورة فداوموا عليها، وهذه الصورة لم يكن مواظباً عليها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الهيئة، لكن أصلها كان موجوداً لأنه صلى فيهم يومين وثلاث وأربع ثم ترك إقامة التراويح في المسجد عليه الصلاه والسلام حتى لا تفرض عليهم، كان هذا فقط الدافع، فكان اجتماعهم في زمن عمر على هيئة واحدة بصورة مواظب عليها هو الذي قصد به الابتداع وإن لم يكن بالمعنى المذموم، لذلك قال داوموا عليه، أنك إذا لم تداوم عليه فقد خالفت سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الدوام على العبادة.
الآن بعد ذلك نقلنا الشاطبي إلى قضية أن يلزم الإنسان نفسه بالعباده، هو الفصل رقم صفحة 406. فاما إذا التزم أحدنا فعلا، يتكلم بشكل عام عن قضية التزام الإنسان لعباده من العبادات في حياته، وهل هذا الالتزام الذي لم يلزمك به الشارع ابتداء -يعني ألزمت نفسك بورد معين يومي من القرآن أو من الذكر أو من الصلاة- هل هذا الالتزام يعتبر شكل من أشكال الابتداع؟ أنني التزمت شيئاً من العبادات في حياتي كبرنامج وجدول يومي. يقول: فاما هذه بس هيك إشارات سريعة من باب الذكريات، فإما أن يكون التزامه ذلك على وجه النذر، وذلك مكروه ابتداء، وهذا مش موضوعنا، أن تقول لله عليَّ إن شفى الله مريضي أن أفعل كذا وكذا لمدة مثلا، هذا من باب النذر والنذر في أصله مكروه، لكنه لو فعل هو في النهاية يقع وأنت ملزم بإيقاعه، وليس هذا موطن النقاش الشاطبي.
موطن النقاش الشاطبي أن يلتزم الإنسان فعلاً من الأفعال يومياً من ذكر أو صلاة أو قرآن على غير وجه النذر، قال: وأما أن يلتزمه على جهة الالتزام غير النذري فكانه قال نوع من الوعد بينك وبين الله والوفاء بالوعد مطلوب، فكانه أوجب على نفسه ما لم يوجبه عليه الشارع وجوباً.
وأما بالمعنى الثاني وهو أن تلتزم عبادة لا على وجه النذر وإنما على وجه العهد بينك وبين الله سبحانه، فالأدلة تقتضي الوفاء به في الجملة ولكن لا تبلغ مبلغ الإيجاب، وإن بلغت مبلغ العتاب، عاهدت الله على عبادة ثم لم توفي بها حسب ما دلت عليه حديث أبي أمامه، لأنه حديث أبي أمامة لما قال للصحابه إنكم واظبتم على صلاة التراويح فدوموا عليها ولا تفعلوا كما فعل من قبلكم، رهبانية ابتدعوها، دل على أن التراويح كأنها بهذه الصورة التي جمع عليها عمر الناس أصبحت نوع من التعاهد بيننا وبين الله، وبالتالي تركها والانتكاس عنها بعد أن مضينا عليها كأنها نوع من إخلاف الوعد بينك وبين الله فتعاتب على هذا النوع.
ثم قال: فاذا ثبت، في الفصل الذي يلي أنا بس هيك عم نستقرئ سريعا ما مر معنا، في الفصل الذي يلي قال: إذا ثبت هذا، فالدخول في عمل على نية الالتزام له، إذا أنت دخلت برجع بنقول على عمل من الأعمال الصالحه المشروعة ابتداءً -لاحظوا نحن بنتكلم عن أعمال مشروعة ابتداءً- لكن أنت دخلت على نية الالتزام بها يومياً، فقال: إن كان في المعتاد بحيث إذا داوم عليها يومياً أورثه ما لا ينبغي من التقصير في الحقوق الأسرية والعائلية وما شابه ذلك، زي ما صار مع عبد الله بن عمرو بن العاص لما أراد أن يدخل في برنامج يومي بينه وبين الله، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لاحظ أن هذا البرنامج سيجعله يقصر في أمور وحقوق لابد من المحافظة عليها، فقال فلا ينبغي اعتقاد هذا الالتزام، لأنه مكروه ابتداءً إذ هو مؤد إلى أمور.
أن تلزم نفسك بعبادات حتى ولو كانت مشروعة ابتداءً على وجه يؤدي إلى تقصيرك في منظومة الحقوق اللي يجب توفي بها، لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، أن تلزم نفسك بعبادات بحيث تقصر في هذه الالتزامات يعتبر شكل من أشكال البدعة الإضافية، ولذلك هو يناقشها هنا، فهو في الأصل مش بدعة، لكن لما أنت ألزمت نفسك فيه بطريقه أصبحت مقصراً في أمور الحياتية، هذا لم تأت به الشريعه ولا تريده الشريعة، إذاً هو فيه شكل من أشكال الابتداع، فيه شكل من أشكال من هذه الزاوية وإن كان في الأصل مشروعاً.
ثم ذكر ما الأمور التي ستقصر فيها ولماذا هذا الالزام الذي يؤدي إلى التقصير في الحقوق لماذا هو لا يقبل شرعاً؟ ذكر علل وأظن أننا ناقشناها بالتفاصيل: الوجه الأول والثاني والثالث والرابع والخامس إلى أن وصلنا إلى فصل جديد، هو طبعا قال في خطاب الفصل السابق: غير أنه يبقى بعد هذا إشكالان قويان بالنظر في الجواب عنهما ينتظم معنى المسألة على تمامه بحول الله.
صحيح، هذا آخر شيء قرأناه، بعد أن بين لماذا إلزام الإنسان نفسه بعبادات يومية بحيث يقصر في أمور أخرى هذا ليس من الإسلام وأن هذا بدعة إضافية، أعطاك الأوجه الخمسة التي تدل على تأصيل هذه القاعدة أن هذا غير مقبول.
لكن نقول وبقي إشكالان نبغي أن نجيب عنهما حتى يتم عقد هذه المسيلة: لماذا الدخول في الالتزامات اليومية الذي يؤدي إلى تقصير وتجديد غير مقبول؟ قال: والإشكال الأول.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
قال رحمه الله تعالى: فصل: الاشكال الأول، أن ما تقدم من الأدلة على كراهيه الالتزامات التي يشق دوامها معارض بما دل على خلافه. إذاً الإشكال الأول ما هو الذي سيطرح هنا الآن في النقاش الفكري؟ هو أنت الآن يا شاطبي في الفصل السابق ذكرت مجموعة من الأدلة تدل على كراهية الالتزامات التي يشق دوامها، هذا كان موضوع الفصل السابق، ذكرت مجموعة من الأدلة تدل على أن الأصل العام في الإسلام كراهية أن يلزم الإنسان نفسه بعبادة يشق عليه أن يداوم عليها، لكن هذا معارض بما يدل على خلافه.
ما هي هذه الأدلة التي تعارض تلك الأدلة؟ سيبدا النقاش هنا، نعم قال: فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تورمت قدماه، فيقال له: أو ليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ويظل في اليوم الطويل في الحر الشديد صائماً، أليس هذا من إزام النفس بأمور تشق عليها؟ أي النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، طب هذه ليست مشقة زائدة؟ فكيف تقول: يكره أن تلزم نفسك بعباده تؤدي إلى مشقة؟
نعم قال عليه السلام: يواصل الصيام ويبيت عند ربه يطعمه ويسقيه، ونحو ذلك من اجتهاده في عباده ربه، وفي رسول الله أسوة حسنة ونحن مأمورون بالتأسي به. فإن أبيتم هذا الدليل بسبب أنه عليه السلام كان مخصوصاً بهذه القضية، ولذلك كان ربه يطعمه ويسقيه وكان يطيق من العمل ما لا تطيقه أمته، فما قولكم فيما ثبت من ذلك -أجاب عن هذا الاعتراض-.
فإن قال البعض: أن هذا يا اخي حال النبي عليه الصلاه والسلام وهو مستثنى، فإنه كان يعطى من الجلد في العباده وفي الوصال ما لا يعطاه غيره، إذا أجاب شخص بهذا، فما قولكم؟
نعم قال: فما قولكم فيما ثبت من ذلك عن الصحابة والتابعين وائمة المسلمين العارفين بتلك الأدلة التي استدللتم بها على الكراهية، حتى إن بعضهم قعد من رجليه من كثرة التنفل، وصارت جبهة بعضهم كركبة العنز من كثرة السجود، وجاء عن عثمان بن عفان أصبحت جبهة بعضهم كركبة العنز وعندنا البعير من كثرة السجود تمام، يعني حصل فيها نوع من الدخول في الداخل يعني الندبة.
نعم قال وجاء عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه
كان إذا صلى العشاء أوتر بركعة يقرأ فيها القرآن كله، وكم من رجل صلى الصبح بوضوء العشاء كذا وكذا سنة، وسراد الصيام كذا وكذا سنة، وكانوا هم العارفين بالسنة لا يميلون عنها لحظة.
وروي عن ابن عمر وابن الزبير أنهما كانا يواصلان الصيام، وأجاز مالك بن انس وهو إمام في الاقتداء صيام الدهر يعني إذا أفطر أيام الأضحى والفطر.
نعم، صيام الدهر أجازه بعض الفقهاء بشرط أن تفطر الأيام التي يحرم صيامها، الأيام التي يحرم صيامها هي أيام التشريق وعيد الأضحى ويوم الفطر.
قال يعني إذا أفطر أيام الأضحى والفطر، وحمل النهي في ذلك على أن المراد إذا لم يفطر أيام العيد.
نعم، هناك وردت أحاديث تنهى عن صيام الدهر، فمالك حمل الأحاديث التي تنهى عن صيام الدهر على من صام الدهر مطلقا ولم يفطر أيام الاعياد، قال هذا: أما إذا صمت الدهر وأفطرت أيام الأعياد فلا حرج في ذلك، هذه قراءة مالك للنص.
نعم، قال: وما يحكى عن أويس القرني أنه كان يقوم ليلة حتى يصبح، ويقول: بلغني أن لله عبادا قياما أبدا، ثم يركع أخرى حتى يصبح، ويقول: بلغني أن لله عبادا ركوعا أبدا، ثم يسجد ليلة حتى يصبح، ويقول: بلغني أن لله عبادا سجودا أبدا، ويريد أنه كان يتنفل بالصلاة فتارة يطول فيها القيام وتارة الركوع وتارة سجود.
وعن الأسود بن يزيد أنه كان يجهد نفسه في الصوم والعبادة حتى يخضر جسده ويصفر، فكان علقمة يقول له: ويحك لما تعذب هذا الجسد؟ فيقول: إن الأمر جد، إن الأمر جد.
وعن أنس بن سيرين أن امرأة مسروق قالت: كان يصلي حتى تورمت قدماه، فربما جلست خلفه أبكي مما اراه يصنع بنفسه سبحان الله.
وعن الشعبي قال: غشي على مسروق في يوم صائف وهو صائم، فقالت له ابنة: أفطر.
قال: ما اردت؟
بي قالت: الرفق.
قال: يا بنية، إنما طلبت الرفق لنفسي في يوم كان مقداره خمسة آلاف سنة.
وعن الربيع بن خثيم أنه قال: أتيت أويس القرني فوجدته قد صلى الصبح وقعد، فقلت: لا أشغله عن التسبيح، فلما كان وقت الصلاة قام فصلى إلى الظهر، فلما صلى الظهر صلى إلى العصر، فلما صلى العصر قعد يذكر الله إلى المغرب، فلما صلى المغرب صلى إلى العشاء، فلما صلى العشاء صلى إلى الصبح، فلما صلى الصبح جلس فأخذته عينه، ثم انتبه فسمعته يقول: اللهم إني أعوذ بك من عين نُوامة وبطن لا يشبع.
والآثار في هذا المعنى كثيرة عن الأولين، وهي تدل على الأخذ بما هو شاق في الدوام، ولم يعدهم أحد بذلك مخالفين للسنة بل عدوهم من السابقين جعلنا الله منهم آمين.
إذا هذه النصوص والاثار عن السلف تدل على أنهم ألزموا أنفسهم بالتزامات هي شاقة ولم يروا أنفسهم مبتدعين بذلك، ولم يسمهم أحد بأنكم أهل بدع إضافية على الأقل.
طيب، فكيف ستجيبون عن هذا الاشكال إذا فهمتم هذا؟
ما أقول إن الشاطبي يحاول أن يقرأ لك تصرفات السلف لتفهمها في سياقها، لأنه هذا حقيقة بده دقة أن تفهم طبائع النفوس والواقع والشريعة والكليات والجزئيات.
نعم، قال: وأيضا فان النهي ليس عن العبادة المطلوبة بل هو عن الغلو فيها، غلو يدخل المشقة على العامل، فاذا فرضنا من فقدت في حقه تلك العلة فلا ينتهض النهي في حقه، كما إذا قال الشارع: لا يقضي القاضي وهو غضبان، وكانت علة النهي تشويش الفكر عن استيفاء الحجج اضطرد النهي مع كل مشوش وانتفى عند انتفاء فائه، حتى إنه منتف مع وجود الغضب اليسير الذي لا يمنع من استيفاء الحجج، وهذا صحيح جار على الأصول.
ما معنى هذا الكلام؟
أيوة، نعم، آه بس ايش معنى وأيضا فإن النهي ليس عن العبادة المطلوبة بل هو عن الغلو فيها، غلوا يعني كيف يعترض هؤلاء على قاعدة الشاطبي؟
يعني كيف هذا أيضا من أوجه الاعتراض على القاعدة عدة الشاطبي أنه أنت كيف تقول إن الزام النفس بالعبادات الشاقة هو بدعة؟
أولا: اعترض بفعل السلف أنهم ألزموا أنفسهم بعبادات شاقة، ثم اعترض بهذا الاعتراض أيضا على القاعدة.
ما الاعتراض؟
أيوة، أنهم جعلوا النهي معلل بعلة الضرر على النفس، فإذا انتفت هذه العلة انتفى النهي.
أحسنت، إذا الان الأصل أن الغلو في العبادة متى ينهى عن هيك بده يقولها، أن الغلو في العبادة إنما ينهى إذا كان يدخل عليك أنت ضرر، يعني فكل إنسان بحسبه، فلان يشق عليه هذا النمط من الالتزام لكن فلان الآخر لا يشق عليه، فلا يجوز أن تقول كقاعدة عامة أن تحميل النفس في العبادات مقدار شاق هو بدعة لماذا؟
قال: الغلو يدخل على حسب العامل، فإذا فرضنا من فقدت في حقه تلك العلة فلا ينهض النهي في حقه.
يعني النبي عليه الصلاة والسلام -حتى أقرب لك الصورة- مش نهى عبد الله بن عمرو بن العاص عن الغلو الذي كان يريد أن يفعله في العبادات؟
لكن ربما شخص آخر لم ينهوه، لأن عبد الله بن عمرو فرضا فرضا جسمه ضعيف وحبته ليله وكذا، فلذلك نهاه لأنه يغلب على الظن أنه سيضعف، لكن شخص آخر لو فعل كما يفعل عبد الله بن عمرو بن العاص أراد أن يختم في كل يوم وأراد أن يفعل كل هذا ربما لم ينهوه، لأن العلة منتفية في حق ذلك الشخص الآخر، إذا لا يصلح أن تعطي قاعدة عامة يا شاطبي أن الزام النفس بالعبادات الشاقة ليس من الإسلام في شيء، لا يصلح أن تعطي هذه القاعدة العامة لأن هذه هذا معلل، والعلة أو الحكم ينتفي بانتفاء علته، فلذلك قال: فإن النهي ليس عن العبادة المطلوبة، بإنما النهي هنا عن الغلو الذي يدخل مشقة على العامل، فإذا فرضنا من فقدت في حقه تلك العلة وهي المشقة فلا ينتهض النهي في حقه، فما نهي عنه عبد الله بن عمرو بن العاص قد لا ينهى عنه أبو بكر الصديق، ما نهي عنه أبو بكر قد لا ينهى عنه عمر فرضا، كل إنسان بحسبه، فإذا ليست قاعدة عامة فبطل استدلال، فبطل تأصيلك.
طيب، قال: وحال من فقدت في حقه العلة حال من يعمل بحكم حكمه غلبة الخوف أو الرجاء أو المحبة، فإن الخوف صوت سائق والرجاء حاد قائد والمحبه سيل حامل، فالخائف إن وجد المشقة فالخوف مما هو أشق يحمله على الصبر على ما هو أهون وإن كان العمل شاقا، فالراجي يعمل وإن وجد المشقة لأن رجاء الراحة التامة يحمله على الصبر على بعض التعب، والمحب يعمل ببذل المجهود شوقا إلى المحبوب فيسهل عليه الصعب ويقرب عليه البعيد، ويفني القوي ولا يرى أنه أوفى بعهد المحبة ولا قام بشكر النعمة ويعمر الأنفاس ولا يرى أنه قضى نهمته.
ما معنى هذا الكلام؟
قال: وحال من فقدت في حقه العلة وهي المشقة مثلا المقعدة عن العمل، قال: كأنه يقول هذا كلام شوي إيماني يعني متى يفق متى هذه المشقة الموجودة في العمل والالتزام به لا تؤثر على الإنسان؟
إذا كان عنده خوف من الله كبير أو رجاء عظيم أو محبة عظيمة، فإن الإنسان هؤلاء السلف يعني لماذا كانوا يلتزمون بهذه العبادات مع أنك عندما تنظر يعني مسروق لما كان يسقط ولما كانت مرته تبكي عليه من شدة قيامه، ما الذي يجعل مسروق يقوم حتى تنتفخ قدماه وزوج تبكي عليه من ورائه ويصوم حتى يسقط وابنته تقول له يا أبت يعني ارفق بنفسك، هؤلاء ما الذي يجعلهم يلتزمون بهذه الأمور مع أنهم كانوا يجدون شيئا من المشقة فيها؟
قال: إنما هو خوف وإما رجاء وإما محبة، قال: فإن الخوف صوت سائق، لما أنت تخاف من النار ومن الله فكلما اشتغلت بالعبادة وجاءك نوع من المشقة تتذكر نار جهنم، فكان هذا يعني كيف أنت تضرب الدابة لما تفتر فتصبح تركض أكثر، نفس الشيء أنت عندما تفتر عن العبادة أو تشعر بمشقتها تضرب نفسك بسياط الخوف فتنهض هذه النفس من جديد، وكذلك إذا شعرت بمشقة من العبادة فرجوت ما عند الله من الجنة، هذا الرجاء يجعلك حتى لو شعرت بشيء من المشقة والتعب تنفض هذا الغبار وتعود من جديد، وكذلك المحبة لله المحبة الصادقة لله تجعل الإنسان يفنى في محبوبه، فحتى لو شعر بمشقة ما عنده مشكلة، يعني عباد بن تميم لما كان يحرس الثغر مش وقعت ثلاث أسهم في قلبه أو في معدته ومع ذلك استمر في قراءة القرآن في الصلاة ولم يسلم أو لم يبطل صلاته أو لم يغادرها؟
قال: إنه اشتغل بالمحبوب فأشغله اشتغاله بمحبوبه عن ألم نفسه، فهكذا أيضا يقول: كثير من الناس قد يواظب على عبادات ويلتزم بها وتشقة عليه هذه العبادات، لكن الذي يسليه عن هذه المشقة خوف يسوقه إلى الله أو طمع ورجاء لما عند الله أو محبته العظيمة لله، وبالتالي لا يجب أن ننكر هذا النوع من المشقة والالتزام به، هذا ما يقوله أصحاب الطرف الثاني.
طيب، الآن سيبدا الشاطبي يحاول الجمع بين وجهتي النظر.
نعم، قال: وإذا كان كذلك صح الجمع بين الأدلة وجاز الدخول في العمل التزاما مع الإيغال فيه، أما مطلقا وأاما مع ظن انتفاء العلة وإن دخلت المشقة فيما بعد، إذا صح من العامل الدوام على العمل ويكون ذلك جاريا على مختطى الأدلة وعمل السلف الصالح رضي الله عنهم.
إذا هذه خلاصة أصحاب الرأي الثاني واضح، إذا القول الثاني الاتجاه الثاني يقول: يجوز الدخول في العمل وأن يلتزمه الإنسان يوميا مع الإيغال فيه حتى لو كان في نوع من الإيغال والتعمق، أما أن هذا جائز مطلقا بدون أن نحدد أو مع ظن انتفاء العلة وهي المشقة التي تقعدني عن القيام بالحقوق الأخرى، وحتّى لو دخلت المشقة علي فيما بعد إذا صح من العامل أنه إذا شغل في شيء داوم علي (حتى لو دخلت المشقة إذا كان يعرف الإنسان من نفسه أنه حتى أنا لو تعرضت لمشقة بعدين زائدة أنا طبيعتي أصبر لأني عندي خوف ورجاء ومحبة تجعلني أتحمل المشاق، وحتى لو شق علي بدي أمشي حالي)، إذا كان الإنسان يعرف من نفسه ذلك لا أشكال أن يقيم التزامات تعبدية مع الله سبحانه وتعالى ولو مع شيء من الإيغال.
الان ماذا سيجيب الشاطبي؟
عندك شيء يا شيخ أحمد؟
طيب، أو قال: والجواب -الآن سيجيب قال الشاطبي- قال والجواب: إن ما تقدم من أدلة النهي صحيح صريح، وما نقل عن الأولين من الإيغال يحتمل ثلاثة أوجه.
طيب، الآن يقول الشاطبي: حقيقة الأدلة التي أنا استدللت بها كشاطبي هي أدلة صحيحة صريحة، وأرجعوا للفصل السابق حتى تعرفوا أدلته وناقشناها في الدرس آخر درس، وما نقل عن السلف من نوع من الإيغال هي القصص التي نقلتموها لي قبل قليل عن مسروق وعن غيره، هذه التي تحتاج إلى دراسة وتدرس من ثلاثة أوجه أو تحتمل ثلاثة أوجه.
الوجه الأول قال أحدها: أن يحمل على أنهم إنما عملوا على التوسط الذي هو مظنة الدوام، فلم يلزموا أنفسهم ما لعله يدخل عليهم المشقة حتى يتركوا بسببه ما هو أولى، أو يتركوا العمل أو يبغضوه لثقله على أنفسهم، بل التزموا ما كان على النفوس سهلا في حقهم، فانما طلبوا اليسر لا العسر، وهو الذي كان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحال من تقدم النقل عنه من المتقدمين، بناء على أنهم عملوا بمحض السنة والطريقة العامة لجميع المكلفين، وهذه طريقة الطبري في الجواب وما تقد.
أيوة، أكمل.
أيوة، قال: وما تقدم في السؤال مما يظهر منه خلاف ذلك فقضايا أحوال يمكن حملها على وجه صحيح إذا ثبت أن العامل ممن يقتدى به.
نعم، طيب ما هو الاحتمال أسد؟
نعم، يعني أولا أنه هذا هو نوع من التوسط في حقهم، بس كلما ابتعدنا في الزمن يعني الناس اليوم يعتبرون عشرين ركعة من التراويح أشقلوا، مع أنه في الزمن السابق كان يعتبر هو التوسط، فأحيانا أولا نظرتك للعمل أنه نوع من الغلو هي قد تكون أصلا نسبية، قد يكون هو التوسط في حقهم وفي حق مستواهم ومجتمعهم وحياتهم، وأنت في القرن الثامن والتاسع لا تقارن مجتمعك ونمطك على نمط القرن الأول، فضلا أنه هم هل دخلوا في هذه الأمور هي القصص هل دخلوها على وجه الالتزام أم أنهم فعلوها أحيانا بدون أن يلزم نفسه فيها؟
لذلك قال: فلم يلزموا أنفسهم ما لعله يدخل عليهم المشقة حتى يتركوا بسببه ما هو أولى، يعني يمكن أصلا أنهم فعلوها على وجه ماذا؟
الأحايين، مش كان يصوم أحيانا ويفطر أحيانا صلى الله عليه وسلم؟
فأنت لما تقول لي إن مسروق حصل منه كذا أو كذا أو بعضه فعل كذا وكذا أو عثمان كان يقوم الليلة الواحدة بالقرآن كله، هل هو أخذها على وجه الالتزام أم صادف ذلك في بعض الأحايين وكان عنده همة في يوم ما، وأنت بدك تعملها كأنه التزمها؟
ففرق بين فـ (بيسموها قضايا الأعيان لا عموم لها)، ما يصير أنت تاخذ قضية عين نقلت وتعطيني لها أنها عممت، وانه هكذا التزم مع ربه، ولم يقل عثمان إنني التزمت مع الله أن أقوم كل ليلة بالقرآن كامل، ومسروق لم يقل إنني التزمت مع الله طوال السنة أن أقوم حتى تنتفخ قدماي، من وين أخذت لأنه التزم ذلك؟
إنما هي قد تكون قضايا أعيان، قد تكون في بعض الأحايين كان لديه شيء من الهمة فلذلك شد على نفسه، لكن لم يكن التزاما.
فهذه أول طريقة أنه لا يجوز أن تحمل قضايا الأعيان على أنها التزامات، وإنما على أنها فورات في الهمم أو وجود حالة من النشاط في بعض الأيام ففعل ذلك.
ثانياً، الاحتمال الثاني وهو الذي يظهر لي لكن أحتاج إلى نظر أكثر، قال: والثاني يحتمل أن يكونوا عملوا على المبالغة فيما استطاعوا لكن على غير جهة الالتزام، لا بنذر ولا بغيره. وقد يدخل الإنسان في أعمال يشق الدوام عليها ولا يشق في الحال فيغتنم نشاطه في حاله الخاص. هذا ربما الذي قلته أنا الآن، يعني هو الحالة الأولى أنه توسط وليس غلو، وأنه لو فرضناه غلواً فهذا يكون في بعض أحيان النشاط وليس حالاً دائماً. قال: غير ناظر فيما يأتي، ويكون فيه جارياً على أصل رفع الحرج، حتى إذا لم يستطعه تركه ولا حرج عليه، وهو هدي النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: لأن المندوب لا حرج في تركه في الجملة، ويشعر بهذا المعنى ما في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت استكمل صيام شهر قط إلا رمضان الحديث. فتأمل وجه اغتنام النشاط أو الفراغ من الحقوق المتعلقة أو القوة في الأعمال، وكذلك قوله في صيام يوم وإفطار يومين ليتني طوقت ذلك؛ إنما ما يريد والله أعلم المداومة؛ لأنه قد كان يوالي الصيام حتى يقول لا يفطر. يعني فهو لما قال ليتني طوقت ذلك أي أن أقدر على أن أداوم على هذا، لكنه لم يكن يقدر على المداومة لأنه يدرك أن هناك حقوقاً أخرى للدولة المسلمة، فهناك سلم وحرب وذهاب وعودة وزوجة عليه الصلاة والسلام.
قال: ولا يعترض هذا المأخذ بقوله عليه السلام: «أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل»، وأنه كان عمله ديمة، لأنه محمول على العمل الذي لا يشق فيه الدوام. يعني لو واحد اعترض فقال: طيب النبي عليه الصلاة والسلام كان دائماً ينصح أن يكون عملنا ديمة، كيف تقول إن هذه الأمور تحمل على أنهم كانوا يعملون في النشاط فقط وأما في غير النشاط يعودون إلى الحالة الطبيعية؟ فنقول: نعم، النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب أن يكون العمل ديمة وأن يواظب عليه الإنسان، لكن بشرط فيما لا يشق فيه الدوام. أما الأعمال التي يشق فيها الدوام فهو صلى الله عليه وسلم كان يفعله أحياناً ويتركها أحياناً. النبي عليه الصلاة والسلام له طريقتان في حياته، وهذا مهم افهموه: في أعمال بطبيعتها يشق الدوام عليها فهذه ما كان يداوم عليها، فكان يسرد الصوم أياماً ويفطر أياماً؛ لأن المداومة على الصوم يومياً هذا يشق، وهو الذي قال ليتني طوقت ذلك. وفي نوع من الأعمال لا، هي ضمن سقف الممكن لا مشقة فيه، مثلاً تحافظ على أذكار الصباح والمساء، هذا ليس من الأمور الشاقة الشديدة على النفس، فمثل هذا هو الذي يصدق عليه «كان عمله ديمة»، وكان يقول فيه «أحب الأعمال إلى الله أدومها». انظر الشاطبي كيف يعطيك قراءة صحيحة أنه ليس كل شيء السنة فيه الدوام أو المطلوب فيه الدوام.
كل العبادات أو الأعمال التي إذا داومت عليها شق ذلك عليك بحيث تقصر في حقوق والتزامات، خطأ تقول إن الأصل فيها الدوام وتأتي وتستشهد بحديث «كان عمله ديمة»، هذه ليس مطلوبها الديمة، بل هو نفسه صلى الله عليه وسلم كان يفعل بعض الأمور أحياناً ويتركها أحياناً ولم يكن يداوم عليها؛ لأن طبيعتها أن الدوام عليها يورث مشقة. وأما حديث «كان عمله ديمة» و«أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، إنما هو فيما هو في سقف ما لا مشقة فيه، مثلاً قراءة جزء يومياً، هذا لا مشقة فيه، هنا نقول لك لابد تواظب على ذلك وكان عمله ديمة؛ لأنه هذا سقف ممكن متاح بأيسر الأمور. وبالتالي الأعمال التي عملوها ديمة هي الأعمال التي كما قال محمول على العمل الذي لا يشق فيه الدوام.
قال: وأما ما نقل عنهم من إدامة صلاة الصبح بوضوء العشاء، وقيام جميع الليل، وصيام الدهر ونحوه، فيحتمل أن يكون على الشرط المذكور، هو ألا يلتزم ذلك. فعلوها ليس على وجه الالتزام وإنما على وجه النشاط فقط. قال: وإنما يدخل في العمل حالاً يغتنم نشاطه، فإذا أتى زمان آخر وجد فيه النشاط أيضاً ولم يخل بما هو أولى عمل به كذلك، فيتفق أن يدوم له هذا النشاط زماناً طويلاً. فيمكن طيب تقول يا شيخ ما هو مر جلس خمس سنين على هذا؟ قل: فيتفق أن نشاطه استمر لخمس سنوات، لكن هو محافظ على القاعدة أنني لا ألتزم، لكن أحياناً ممكن أنت والله تمر عليك شهرين كل يوم تقوم بالقرآن كامل، ممكن، ممكن شخص عليه خمس أشهر، ممكن شخص سنة؛ فالنشاط هذا شيء نسبي يختلف من شخص إلى آخر.
قال: وفي كل حالة هو في فسحة الترك، لكنه ينتهز الفرصة مع الأوقات، فلا بعد في أن يصحبه النشاط إلى آخر العمر فيظنه الظان التزاماً وليس بالتزام. وهو هنا يعني يقول لك ممكن يظل نشيطاً طول عمره ومع ذلك هو لم يجعله التزاماً بينه وبين الله. في شخص ربنا معطيه همة عالية جداً جداً، ممكن يجلس 30 و40 سنة ملتزم بعبادة، لكنه في النهاية هو لم يلتزمها التزاماً، يعني ما قال يا رب هذا وعد بيني وبينك يا رب، هذا على حسب نشاط وربنا رزقه النشاط 30 سنة، وما ذلك على الله بعزيز ممكن يعني.
يعني كان هناك أصلاً قدر ضعيف والله أن يحافظ على مثلاً خمس ركعات قيام، هذا نفسه ليس غلو العبادة ولكن هو يشق عليه. هو متعود الليل كل يوم ساعة أو ساعة، بيد أن يلزم نفسه بهذه الساعة، هي ليست غلو في العبادة ولكن بالنسبة له هي مشقة عالية. لذلك هناك ما هو مشقة معتادة معروفة عند الناس، وهناك ما هو معروف أنه ليس مشقة، لكن هو في حق ذلك الشخص بحد ذاته لأنه لم يعتد أصل العبادة مشقة تماماً، فهذا النقاش معه مختلف تماماً. هذا ليس غلواً، لكن إذا كان هذا الالتزام سيؤثر على حقوق أخرى هي أوجب، سينهى عن ذلك. ونقول: لو أنت انتقلت إلى مربع ليس مربعك، فهذه المشقة التي تتكلم عنها، مشقة قيام أربع ركعات في الليل هذه ليست مشقة معتادة ما فيها مشقة في العرف العام، لكن لضعف في هذا الشخص بعينه هو يراها مشقة، وأن المداومة عليها مشقة تؤدي إلى الإخلال بأمور أخرى، فإذا أدت إلى الإخلال بأمور أخرى نعم سينهى عن هذا النوع من الالتزامات. وأما إذا كان لا يؤدي إلى الإخلال بشيء وإنما هو مجرد نوع من الكسل والعجز والتفريط فعليه أن يلوم نفسه والله أعلم.
ما يعرفه العقلاء ويعتاده الناس، يعني أربع ركعات في الليل، ما هي المشقة فيها في عرف العقلاء الناس الطبيعيين؟ هي لا مشقة فيها، مشقة غالبة تقهر الإنسان وتمنع من القيام بأعماله، يعني هي تأخذ 10 دقائق زي قراءة جزء التي حكيت لك عنها، يعني قراءة جزء في اليوم ما تأخذ معك ربع ساعة، فهذه مشقة متحملة عند أوساط الناس، فإنه وجد إنسان نفسه عاجزاً حتى عن هذا النوع، معناته في مشكلة خاصة به، فينصح بما يلائم حاله، فنقول له قد يكون خطأ إذا أدى إلى تقصيرك في أمور مقدمة وإن كانت هي في الوضع الطبيعي لا مشقة فيها لأوساط الناس، فينظر إليه بحسبه والله أعلم.
قال: وهو صحيح لا سيما مع سائق الخوف أو حاد الرجاء أو حامل المحبة، وهو معنى قوله عليه السلام: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»، فلذلك قام عليه السلام حتى تورمت قدماه امتثالاً لأمر ربه في قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 2] والله أعلم.
والثالث أن دخول المشقة وعدمه على المكلف في الدوام أو غيره ليس أمراً منضبطاً، بل هو إضافي يختلف بحسب اختلاف الناس في قوة أجسامهم أو في قوة عزائمهم أو في قوة يقينهم أو نحو ذلك من أوصاف أجسامهم وأنفسهم. فقد حتى ضمن الزمن الواحد، يعني مسألة فعلاً كلمة المشقة هي كلمة غير منضبطة، لذلك حتى في الفقه هل يعلل بها؟ لا صحيح، لو واحد لماذا تقصر الصلاة؟ قلنا ما بيصير في الفقه تقول العلة هي المشقة هي حكمة، لكنها هي وصف غير منضبط؛ لأنها نسبية تختلف من شخص لآخر ومن زمان لآخر، فما يقوى عليه مسروق بن الأجدع قد لا يقوى عليه شخص حتى في زمن السلف في نفس حقبتهم وفي نفس زمنهم. فإذا أكمل قال: أو نحو ذلك من أوصاف أجسام أو من أنفسهم، فقد يختلف العمل الواحد بالنسبة إلى رجلين لأن أحدهما أقوى جسماً أو أقوى عزيمة أو يقيناً بالموعود، والمشقة قد تضعف بالنسبة إلى قوة هذه الأمور وأشباهها وتقوى مع ضعفها نعم.
فنحن نقول كل عمل يشق الدوام عليه بالنسبة إلى زيد فهو منهي عنه، ولا يشق على عمرو فلا ينهى عنه. فنحن نقول، شوف هذا الكلام: كل عمل يشق الدوام على مثله بالنسبة إلى زيد فهو منهي عنه بالنسبة إلى زيد، قال: ولا يشق على عمرو فلا ينهى عنه. فنحن نحمل ما داوم عليه الأولون من الأعمال على أنه لم يكن شاقاً عليهم، وإن كان ما هو أقل منه شاقاً علينا. يعني إحنا لما تقرأ كلام مسروق بن الأجدع وإيش كان يفعل بالنسبة له هو، لا يكون شاقاً عليه، بالنسبة نحن ظروف حياتنا، يعني عفواً هذه أمور ترى سبحان الله يدخل فيها حتى نوع الغذاء، نحن طبيعة تغذيتنا المعاصرة وطبيعة ضجيج الحياة ونمط الحياة الذي وضعنا فيه جعلنا نضعف عن أمور في العبادات هي بالنسبة لزمن السلف بسبب طبيعة غذائهم وطبيعة حياتهم ونشاطهم، الجماعة ينامون بعد العشاء ويستيقظون في الوقت المناسب ما في سهر ليلي، طب هذا كله ترى من حيث العلوم اليوم المعاصرة صحة بدن، نحن نتأخر دوماً في النوم بعد العشاء وطبيعة الحياة الجامعية وحياة العمل والمهنة وطبيعة تعرضنا للشاشات يومياً جعل أبداننا فيها من الوهن ما لا يوجد في أبدان السابقين. فأنت لما تشوف نفسك: أوف أنا خمس أيام صيام متواصل أتعب، وهم بالنسبة له لا، هو شيء عادي، فبرضه لا تقيس جسدك وطاقتك وظرفك وحياتك على حياة السابقين فتعتقد أن ما هو مبالغ فيه عندك مبالغ فيه عندهم، بل قد يكون هو المتوسط بل يكون هو الشيء نوعاً ما ضمن المعقول، وإن كان هذا لا يظهر في كثير من الأمثلة لكن هذا إحدى التوجيهات.
فليس عمل مثلهم بما عملوا به حجة لنا أن ندخل فيما دخلوا فيه إلا بشرط أن يتحد مناط المسألة فيما بيننا وبينهم، وهو أن يكون ذلك العمل لا يشق الدوام على مثله علينا تماماً. وليس كلامنا في هذا لشهادة الجميع، فإن التوسط والأخذ بالرفق هو الأولى والأحرى بالجميع، وهو الذي دلت عليه الأدلة دون الإيغال الذي لا يسهل مثله على جميع الخلق ولا أكثرهم، بل على القليل النادر منهم. هذه هي الفكرة التي أعتقد أنه يريد أن يختم فيها هذه الحالة الثالثة. قال: وليس كلامنا في هذا لشهادة الجميع، فإن التوسط والأخذ بالرفق هو الأحرى بالجميع كخطاب أصلي عام، وهو الذي دلت عليه الأدلة دون الإيغال الذي لا يسهل مثله على جميع الخلق، بل ولا على أكثرهم بل إنما يسهل على القليل النادر منهم. فكأنه هذا الجواب الثالث هو نوع من التنزل، يريد أن يقول لك: لو فرضاً فعلاً يعني بدي أمشي معك وهذه فيها نوع من الغلو، لكن هذا الغلو نسبي، ما بالنسبة لنا هو غلو، بالنسبة لهم ليست غلواً، قد يقبل هذا من القليل النادر في حقه، لكن كخطاب تأصيلي عام نقول الشريعة تدعو إلى...
الرفق وعدم التشديد والغلو كأصل خطابي عام لا نقول الشريعة تدعو إلى الرفق والأخذ باللين، فلان على جنب لحاله حمل نفسه وكذا ويرى أن هذا ليس شاقاً عليه كما يشق على الناس، هذا شيء يرجع له هو نفسه، لكن لا يكون خطاباً شرعياً. فبدك تفرق أنت كطالب علم غداً لما تخاطب الناس بين ما أخاطب به وأدعو الناس إليه وبين الحالات الفردية التي لا يقاس عليها وليست أصلاً تشريعياً.
فما ورد عن بعض السلف من التشديد في أنفسهم، قد يكون هو بالنسبة له لما أعطاه الله من الملكات النفسية والجسدية أمراً طبيعياً عنده، لكن بالنسبة للسواد الأعظم ليس طبيعياً عندهم؛ لأنه حتى في زمن السلف مين الذي كان يفعل فعل مسروق من الإجهاد؟ حتى في زمنهم مين الذي كان يفعل؟ إنما هم طبقة معينة، ومجتمع السلف عبارة عن مجتمع ناس في بلدان ما كان ينقل هذا عنهم. بالتالي الخطاب العام الذي نحافظ عليه أن الدين لا يريد منك هذا، وأنك لست مطالباً بهذا، ولا تقص نفسك على تلك الحالات.
وهذا ترى إخواني جيد في الخطاب الوعظي خاصة الإخوة غداً إن شاء الله في خطب الجمعة، تجد بعض الخطباء الله يكرمه لما يأتي يستشهد للناس: أين أنتم من فعل عثمان لما كان يقوم الليل بالقرآن كاملاً؟ أين أنتم من فعل فلان؟ أيش أنتم، يرضى عليك سيدنا الشيخ؟ أنت الخطاب الجمهوري في خطب الجمعة والأعياد لا يؤتى بالنماذج الفردية، ما تروح لي على حالات عالية ربنا معطيها قدرات نفسية وجسدية قادرة على مثل هذا، وتطالب الناس أو تقيس الناس عليهم. لا، أنا أقيس الناس على سنة النبي صلى الله عليه وسلم المعتادة التي طلب منا أن نقومها. ومن كان يقوم ثلاثمائة ركعة، الله يسامحك يا شيخ ناجي، كان أحمد بن حنبل يقوم في اليوم ثلاثمائة ركعة يا شيخ؟ الله يرضى عنك، هؤلاء قوم لهم ظروفهم وأحوالهم وتوفيقاتهم، أما الخطاب الجمعي فثمان ركعات فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، وشيخنا عائشة وصفت صلاة النبي عليه الصلاة والسلام.
فهذا ما أعتقد أن الشاطبي يريد أن يرسخه، فرق بين الخطاب التأصيلي الجمعي وبين الخطاب الاستثنائي الذي يكون في أحوال بعض الأشخاص في ظروف معينة. نعم، أفلح إن صدق، نعم قبل منه الفرائض بس أنت، بس مش بالضبط تماماً أنه هو سنن الرواتب في الإسلام أيضاً هو حد معقول للجميع؛ سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي التوسط والاعتدال، هي المقياس الذي نقيس عليه التشديد من عدم التشديد. النبي عليه الصلاة والسلام لم ينقل عنه أنه كان يصوم الدهر، لم ينقل عنه أنه كان يقوم القرآن كاملاً في كل ليلة، كان يقرأ على حسب ما يتيسر له من الاجتهاد، فهذه هي المسطرة التي نقيس عليها. فالأعرابي كان سقفه نازلاً، لكن هذا ما يستطيعه فقد قال خلص، الله يعطيه العافية: «أفلح إن صدق».
السقف الكامل المتكامل الذي يخاطب به الناس هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم وتوسطه، بعض السلف التابعين روي عنهم شيء أعلى وزائد، نقول حالة نادرة وظرف خاص بفلان وفلان هيئ له لم يهيأ لغيره، فلا أطالب الناس به ولا أدعو الناس إليه ولا يكون ضمن خطاب الوعظ أو مصنفاتي أو كتبي كقاعدة عامة.
قال: والشاهد لصحة هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»، يريد عليه السلام، ولذلك بعض الأعمال الشاقة بالنسبة لنا التي كلف نفسه عليه الصلاة والسلام فيها هو نفسه يقول لنا: «لست كهيئتكم»؛ يعني هذا مش موضوعكم هذه من خصائصي، لست كهيئتكم. نفس الشيء مثلاً إذا قلنا إن الوتر كان فرضاً عليه وقيام الليل فرض عليه؛ لأنه أعطي من الأمور في بعض خصائصه الجسدية ما لم يعطه غيره عليه الصلاة والسلام.
قال: يريد عليه السلام أنه لا يشق عليه الوصال ولا يمنعه عن قضاء حق الله وحقوق الخلق، فعلى هذا من رزق أنموذجاً مما أعطيه عليه السلام، فصار يغل في العمل مع قوته ونشاطه وخفة العمل عليه، فلا حرج. ماذا يعني من رزق أنموذجاً مما أعطيه صلى الله عليه وسلم؟ يعني من نوع من أنواع الخصائص، من أعطي نموذجاً يعني ربنا خصه بخصائص جسدية ونفسية كما خص النبي صلى الله عليه وسلم، أعطاه قوة زائدة، بعض الناس ربنا بيفتح عليه، بيعطيه قوة زائدة على القراءة، في طلب العلم بيعطيه قوة زائدة على قيام الليل، فمن رزق أنموذجاً يعني شكلاً من أشكال الخصائص البدنية والنفسية فصار يوغل في العمل مع قوته ونشاطه وخفة العمل عليه فهذا لا حرج عليه، بس تبقى حالة استثنائية ولا يقاس الجمهور عليها ولا يخاطبون بها.
أما رده عليه السلام على عبد الله بن عمر فيمكن أن يكون شهد بأنه لا يطيق الدوام، ولذلك وقع له ما كان متوقع، حتى قال: ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما كبر أصبح يقول ليتني قبلت الرخصة. ويكون عمل ابن الزبير وابن عمر وغيرهما في الوصال جارياً على أنهم أعطوا حظاً مما أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا بناء على أصل مذكور في كتاب الموافقات، والحمد لله كتاب الموافقات نسأل الله أن ييسر لكلنا وقفة معه؛ لأنه هذا الكتاب إنما يكتمل فهمك للاعتصام مع الموافقات، فهما كتابان متكاملان، صح هذا موضوع في البدعة ولكن الموافقات أيضاً فيه من القواعد الكلية في الشريعة ما لا ينبغي التفريط في دراسته وقراءته، وإن كان في مرحلة متقدمة لطلاب العلم.
وإذا كان كذلك، لم يكن في العمل المنقول عن السلف مخالفة لما سبق. إذاً هو بهذه الطريقة أجاب عن هذا الإشكال، ما نقل عن السلف من خلال حملها على هذه الاحتمالات الثلاثة. الاحتمال الأول: أنه يحمل على أنهم إنما عملوا على التوسط الذي هو مظنة الدوام، فلم يلزموا أنفسهم ما لعله يدخل عليهم المشقة حتى يتركوا بسببه ما هو أولى. هذا الاحتمال الأول؛ يعني أنهم عملوا بشيء متوسط فهو مظنة الدوام بالنسبة لهم، فلم يدخلوا في المحظور. نحن محظورنا ايش هو؟ كل فكرة الشاطبي أنه لا تلتزم بشيء هو مظنة إخلالك بالحقوق في المستقبل، فإذا لم يكن هو مظنة الإخلال بالحقوق في المستقبل الشاطبي ما عنده مشكلة أنك تلزم نفسك ببرامج يومية سهلة التناول. فالاحتمال الأول أن يحمل على أنهم حملوا أنفسهم على أشياء متوسطة أصلاً لا غلو فيها، بالتالي هي مظنة الدوام، فلم يقووا أنفسهم فيما ممكن أن يدخل عليهم مشقة في المستقبل. الاحتمال الثاني: يحتمل أن يكون عمل على المبالغة، لكن ليس على وجه الدوام وعلى وجه الالتزام، بل على وجه النشاط أحياناً وأحياناً. الوجه الثالث: أن دخول المشقة وعدمه على المكلف في الدوام أو غيره ليس أمراً منضبطاً، بل هو إضافي مختلف بحسب اختلاف الناس في قوة أجسامهم وفي قوة عزائمهم، فيختلف من شخص إلى آخر. فنحن نقول كل عمل يشق الدوام على مثله بالنسبة إلى زيد فهو منهي عنه، ولا يشق على عمرو فلا ينهى عنه، ولكن يبقى خطابنا الجمعي العام هو أنه ينصح الناس بالرفق واللين، وأن هذه تكون حالات نادرة.
قال رحمه الله فصل: ولكن يبقى النظر في تعليل النهي وأنه يقتضي انتفاءه عند انتفاء العلة، وما ذكره فيه. الآن سيجيب عن الإشكال الثاني الذي وجهوه، الذين اعترضوا على الشاطبي في قاعدته في منع الالتزامات استدلوا أولاً بفعل السلف، فهو الآن كل هذه الإجابة عن فعل السلف، لكن تذكروا كان في اعتراض آخر أن هذا معلل بعلة، فإذا انتفت العلة الأصل أن يبقى الأمر مشروعاً؛ العلة في منع الالتزامات الشاقة على النفس إنما هو خوف التقصير، فإذا انتفت هذه العلة لست أخاف أقصر أنا، أريد أن ألزم نفسي بعشر ركعات يومياً وخمسة أجزاء ولا أخشى التقصير، فالأصل أنك لا تنهى عن مثل هذا الالتزام لانتفاء العلة في حقه. كيف سيجيب الشاطبي؟
قال: وما ذكره فيه صحيح في الجملة، وفيه في التفصيل نظر، وذلك أن العلة راجعة إلى أمرين. إذاً هو الشاطبي يقول من حيث النظر الأول كلامكم صحيح، يعني أن الأصل أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا وجد غلبة ظن أنه سيقصر نهي عن الالتزام، وإذا غلب على ظنه أنه لا يقصر فالأصل فعلاً أن يكون هذا الالتزام حقاً له، لكن يقول من حيث التفصيل لو بدنا نعمق شوي في نظر ما هو هذا النظر. قال: وذلك أن العلة راجعة إلى أمرين: أحدهما الخوف من الانقطاع والترك إذا التزم الدوام فيما يشق فيه الدوام، والآخر الخوف من التقصير فيما هو آكد من حق الله وحقوق الخلق.
نحن لما قلنا يكره الالتزام الذي فيه مشقة على الدوام، يكره أن تلزم نفسك بما يشق عليك الدوام فيه، ما هو علة ذلك؟ قال العلة راجعة إلى أمرين. الكاميرا الآن بدها توسع عدستها، تقول لك لما قلنا لا يشرع -لأنه هذا كله كلام ترى عن البدع الإضافية- أن من البدع الإضافية أن يلزم الإنسان نفسه بالتزامات يشق عليه الدوام عليها، علة هذا تعود إلى أمرين:
الأمر الأول: الخوف من الانقطاع والترك إذا التزم الدوام فيما يشق فيه الدوام، نخشى أنه تدخل في الأمر ثم بعد ذلك يشق عليك الدوام فتنقطع عن العمل بالكلية، بل كما مر معنا سابقاً تبغض العبادة إليك، مش بس تنقطع، بتصير تكره هذه العبادة لكثرة ما ألزمت نفسك فيها، بتصير تكرهها. وهذا ذكره طرف الأدلة السابقة في الدرس قبل الأخير. إذاً الخوف من الانقطاع والترك لهذه العبادة، نحن خائفين تصير تكرهها، خائفين تتركها بالكلية، بينما لو أخذتها بالقسط المريح ما تركتها وما أبغضتها إلى نفسك.
اثنين: الخوف أيضاً من أنك تقصر فيما هو آكد عليك سواء من حقوق الله أو حقوق العباد، أنه أنا إذا التزمت بهذا الالتزام ممكن أصير أقصر فيما هو أولى من حق الله في الجهاد والرباط، أو أقصر في حقوق زوجتي وعائلتي وما شابه ذلك. والله واحد التزم عشرة أجزاء يومياً بطل يطلع يشتغل، بطل يروح على الشغل، طيب شو استفدنا؟ أنت عندك حقوق بدك تنفق على زوجتك وأولادك وعائلتك، فهذا الالتزام ولو لم يؤد إلى الانقطاع والترك وتبغيض العبادة إليك، لكنه أدى إلى مشكلة في الجانب المقابل، ما هو أنك قصرت في حقوق هي أولى في النظر الشرعي؛ حق الله سواء من حقوق الله أو من حقوق العباد. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما كان سائر في فتح مكة، الصحابة كانوا صائمين، كان أصلاً في رمضان، فالصحابة صاموا، فنصحهم ابتداء أن يفطروا حتى يقووا على السفر، لكن في مرحلة معينة ألزمهم بالفطر آخر قبل شوط من مكة، ألزمهم بالفطر قال: لا، لأنه هنا في حق الله، في هنا حق لله آكد من الحق الآخر، الصيام حق لله لكن فتح مكة الآن والدخول فيها بقوة حق لله آكد من أن تحافظ على الصوم، فلذلك ألزمهم إلزاماً. هذه فلسفة حقوق الله والتعارض بينها وتقديم ما هو أعلى في النظر الشرعي هذا مهم. فإذاً العلة تأتي من جهتين وليس من جهة واحدة: الخوف من الانقطاع وترك نفس العبادة وكرهها، أو الخوف من التقصير في حقوق لله آكد أو في حقوق للعباد آكد.
قال: أما العلة الأولى فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصل فيها أصلاً راجعاً إلى قاعدة معلومة لا مظنونة، وهي بيان أن العمل المورث للحرج عند الدوام منفي عن الشريعة. فالآن يقول لك أما العلة الأولى وهي الخوف من الانقطاع والترك إذا التزم العمل على وجه الدوام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أصل فيها أصلاً راجعاً إلى قاعدة معلومة يقينية وليست قاعدة مجرد ظنية. ما هي هذه القاعدة؟ وهي بيان أن أي عمل مورث للحرج عند الدوام منفي في الشريعة. هذه القاعدة من أين أنت تيقنت أنها يقينية وليست مجرد قاعدة ظنية؟ استقراء الأحاديث النبوية؛ لما جاء الثلاثة الذين سألوا عن عبادته، فقال شخص: لا أكل اللحم، نهاهم عن ذلك وأعطى خطبة وقال: «من رغب عن سنتي فليس مني»، ولما أراد عثمان بن مظعون التبتل، استقراء نصوص الشريعة وتصرفات النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه ومع عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره يعطيك نوعاً من اليقين التام أن أي عمل يورث حرجاً عند الدوام فالشريعة ترفض.
لأنه عليه السلام كما أن أصل الحرج منفي عنها -لاحظ كما الآن الله عز وجل يقول في القرآن: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]- كما أن أصل التكاليف الشرعية أصلها لا حرج فيه، كذلك لا ينبغي أن يكون في المداومة على شيء حرج؛ فالحرج منفي في أصل التكاليف ومنفي.
والحرج منهي عنه إذا نتج عن المداومة عليها. فالحرج أنت منهي عنه من جهتين: أنه أصلاً في الشريعة لا ينبغي أن تقوم على الحرج، بل إحدى القواعد الفقهية الكبرى هي: المشقة تجلب التيسير. إذن الشريعة لا يجوز أن يكون فيها حرج، وهذا الكلام حتى إخواني له بعد سياسي، لكن هذا ليس وقت الكلام فيه؛ ما بصير الشريعة حتى في الأبعاد السياسية والعمل السياسي والاجتماعي أن تورث الناس حرجاً. الشريعة مبنية على التيسير والموازنات العلمية الواقعية، وليس تحميل الناس ما لا تطيق، هذا مهم جداً. فالحرج منفي عن الشريعة أصلاً، وهو منفي عنها من حيث الأصل، وإذا كان عملاً مشروعاً ابتداءً وأدى الدوام عليه إلى حرج أيضاً فهذا منفي عن الشريعة. ما بصير أنك تشق على الناس والشريعة أتت للتيسير عليهم؛ أنت تخالف مقصد الشارع، الله أراد أن تكون شريعته شريعة يسر، أنت لما تشدد على الناس أنت تجعل شريعته شريعة عسر، فهذا يُنتبه له.
هذا يعود إلى طبيعة الناس والزمان والمكان؛ هو في الأصل سنة داخلة في حد المستطاع، لكن لما ضعف دين الناس وضعف اهتمامهم بالصلاة وضعفت كثير من الأمور، قد يكون فعلاً كثير من الناس في بعض المناطق هذا شاق عليهم. فمن فقهك في الشريعة ألا تلزمهم بذلك، لكن الوضع الطبيعي إذا كان صوت الإمام جيداً وقراءته حدر والناس بشكل عام وراءك مطمئنون، ترى الأمور سهلة. وأحياناً نحن شوية بنتبع رغبات الناس، ففيها نوع من الموازنة؛ الناس دائماً بدها إياك تنزل تنزل تنزل حتى تصلي التراويح أربعة، وإذا صح أصلّي التراويح ركعتين! في هناك ما هو مشقة فعلاً، وفي هناك ما هو تخاذل عن الدين، وهذه برضه بدك تفهمها؛ فرق بين ما هو حرج ومشقة وبين ما هو تخاذل عن التدين والالتزام. أنا لن ألبي رغباتك إذا أنت متخاذل عن الدين والالتزام؛ أنا أفهم ضمن واقع الذي أعيشه ومعادلاته ما هو فعلاً مشقة وما هو نوع من التخاذل، فهذا أشدد فيه وهذا أسهل فيه، وهذا نوع من الفقه تحتاجه.
قال: لأنه عليه السلام بُعث بالحنيفية السمحة، ولا سماح مع دخول الحرج؛ فكل من ألزم نفسه ما يلقى فيه الحرج فقد خرج عن الاعتدال في حق نفسه، وصار إدخاله للحرج على نفسه من تلقاء نفسه لا من الشارع. فإن دخل في العمل على شرط الوفاء، فإن وفى فحسن بعد الوقوع؛ إذ قد ظهر أن ذلك العمل إما غير شاق لأنه قد أدى به بشرطه، وإما شاق صبر عليه فلم يوفِ النفس حقها من الرفق، وسياتي. وإن لم يوفِ فكأنه نقض عهد الله، وهو شديد؛ فلو بقي على أصل براءة الذمة من الالتزام لم يدخل عليه ما يُتقى منه.
ماذا يقول هنا؟ فكل من ألزم نفسه ما يلقى فيه الحرج فقد خرج عن الاعتدال في حق نفسه، وصار إدخاله للحرج على نفسه من تلقاء نفسه لا من الشارع؛ يعني لا تنسب إدخالك الحرج على نفسك إلى الشريعة، أنت الذي أدخلت حالك، مش الشريعة التي أدخلتك في الحرج؛ لأن بعض الناس قد يوهم أنه الشريعة تريد مني هذا، لا. في بعض الأمور أنت ورطت نفسك فيها، والتزمت فيها، وأنت مسؤول عنها مش الشريعة مسؤولة عنها؛ الشريعة جاءت بالتيسير، جاءت بالرفق بالناس. أنت حضرتك التزمت هذا أمر آخر يتعلق بك.
فهذا الشخص الذي أدخل الحرج على نفسه من نفسه، إن دخل في العمل على شرط الوفاء، فإن وفى فخلص هو يُحمد بعد الوقوع، قال: «فحسن بعد الوقوع» يعني بعد وقوع الوفاء، إذا وفى أو التزم فيُحمد بعد الوفاء. وهذا الحمد قد يكون قد ظهر أن ذلك العمل هو أصلاً غير شاق عليه؛ فبالتالي لما ألزم نفسه فيه هو للوهلة الأولى ظنه أنه شاق لكن لا ما شاء الله، هو وفى به ولم يقصر، إذاً هو غير شاق بس نحن كنا متوهمين توهماً خاطئاً. أو الاحتمال الثاني: لا، أن يكون هو فعلاً شاقاً ولكنه صبر عليه، إما بسائق الخوف أو بسائق الرجاء أو بسائق الحب الذي ذكرناه قبل شوي، أو أنه هو فعلاً شاق نوعاً ما لكنه صبر عليه، فلم يوفِ النفس حقها من الرفق، وسياتي التعليق على هذه الحالة.
قال: وإن لم يوفِ فكأنه نقض عهد الله وهو شديد، فلو بقي على أصل براءة الذمة من الالتزام لم يدخل عليه ما يُتقى منه. لكن لقائل أن يقول: وإن لم يوفِ أصلاً، لا هو دخل والتزم ولم يوفِ، فهذا نقض عهده مع الله، والعهد كان مسؤولاً، وأنت ستتحمل نتيجة خرمك لهذه المواثيق مع الله؛ لأن دائماً الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]. هذه مش فقط عقود البيع والشراء؛ العلماء يحملون هذه الآية حتى على العهود بينك وبين الله، والله عز وجل دائماً يسمي العلاقة بينه وبين العبد ميثاقاً: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: 40]. سماها عهداً، فالعلاقة بينك وبين الله حتى طه عبد الرحمن لما يتكلم عن النظرية الائتمانية يتكلم عنها في فلسفته، أن النظرية الائتمانية أن أنت داخل مع الله على أن الله ائتمنك على هذه الشريعة، فهو نوع من العهد والمواثيق يجب أن تحافظ عليها؛ لأنها عقود ومواثيق بينك وبين الله سبحانه وتعالى.
قال: لكن لقائل أن يقول إن النهي هاهنا معلل بالرفق الراجع إلى العامل، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمةً بهم»؛ فكأنه قد اعتبر حظ النفس في التعبد، فقيل له: افعل واترك، أي لا تتكلف ما يشق عليك كما لم تُكلّف في الفرائض ما يشق عليك. لأن الله إنما وضع الفرائض على العباد على وجه من التيسير مشترك للقوي والضعيف، والصغير والكبير، والحر والعبد، والرجل والمرأة؛ حتى إذا كان بعض الفرائض يدخل الحرج على المكلف، أسقط عنه جملةً أو عوض عنه ما لا حرج فيه، كذلك النوافل المتكلم فيها. وإذا روعي حظ النفس فقد صار الأمر في الإيغال إلى العامل، فله ألا يمكنها من حظها، وأن يستعملها فيما قد يشق عليها بالدوام بناءً على القاعدة المؤصلة في أصول الموافقات في إسقاط الحظوظ.
التي هي الفكرة الثانية التي قال عنها قبل شوي، هو قال: الإنسان إذا دخل في العمل على شرط الوفاء، فإن وفى فحسن بعد الوقوع، قد ظهر أن ذلك العمل إما غير شاق وإما شاق صبر عليه فلم يوفِ نفسه حقها من الرفق. هو يريد أن يقول لك: طيب الآن إنسان هو ألزم نفسه بعبادات بينه وبين الله وفعلاً كانت شاقة عليه لكنه وفى، هو في النهاية يقول لك: أنت إيش علاقتك فيه؟ ما دام هو وفى الرجل حتى ولو كانت شاقة عليه، هو أراد أن يسقط حظ نفسه من الرفق، لماذا تنكر عليه ذلك يا شاطبي؟ لماذا ترى أنه في مشكلة هنا ما دام هو نعم يريد أن يشق على نفسه وهو راضٍ بإسقاط حظ نفسه من الرفق؟ ما علاقتكم أنتم بهذا الموضوع؟
فقال: وإذا روعي حظ النفس فقد صار الأمر في الإيغال – الإيغال يعني هو الغلو في العمل – هذا له العامل، هو حر، حابب يسقط حظ نفسه يسقط ما حدا بيجبره، مش حابب يسقط حظ نفسه برضه بيرجع له؛ هذا أمر أنت مخير فيه، هل أنا بدي أشد على نفسي ولا ما بدي أشد على نفسي؟ هذا أمر يتعلق به، المهم أنني لا أطالب الآخرين بسقفي، أنا بتعامل مع نفسي وأروّضها شخصياً. بناءً على القاعدة المؤصلة في أصول الموافقات في إسقاط الحظوظ، فلا يكون إذاً منهياً على ذلك التقدير، فكما يجب على الإنسان حق لغيره ما دام طالباً له وله الخيار في ترك الطلب به فيرتفع الوجوب، كذلك جاء النهي حفظاً على حظوظ النفوس، فإذا أسقطها صاحبها زال النهي ورجع العمل إلى أصل الندب.
قاس ماذا على ماذا؟ شو هي المسألة التي جعلها أصلاً وقاس عليها؟ فكما يجب على الإنسان، نعم أسقط حقوق المخلوقين من مثل دين أو نحوه. يعني لو أنا بدي من زيد أنا أطالب بشيء وأنا حبيت أسقط حقي، في حدا بيعترض علي؟ لا، أنا بدي من زيد مال وأنا أسقطت حقي ما أحد يطالبني، لأنه هذا حقي الشخصي. ما حدا راح يأتي يقول لك: لا كيف تسقط حقك لا بدك تأخذ منه؟ يا عمي أنا خلص سامحته. في المنطق السوي وحتى في الإسلام، إذا الإنسان أسقط حقه فلا أحد يلزمه أن يأخذه، هذا في حقك للآخرين؛ قال: فكذلك حقك مع نفسك. إذا أنا نفسي أتعامل معها وأشق عليها الأمر، أنا أريد أن أسقط حقي ولا أريد أن آخذها بالرفق، مش هذا موضوع متعلق بي؟ فكما أن علاقتي مع الآخرين أنا لي الحق أن أسقط حقوقي معهم لأنه هذا الأمر يعود إلي شخصياً، فكذلك في علاقتي مع نفسي وجسدي هذا موضوع يتعلق بي شخصياً، فإذا أنا أحببت أن أسقط الرفق بنفسي ليس لأحد أن يعترض علي.
والجواب: أن حظوظ النفوس بالنسبة إلى الطلب بها قد يقال إنه من حقوق الله على العباد، وقد يقال إنه من حقوق العباد؛ فإن قلنا إنه من حقوق الله فلا ينهض. هل صحيح أن نقول إنه حظ نفسك لك الحق أنك تسقطه وألا تسقط وأنت حر في التعامل مع نفسك؟ هسا نحن قلت أنا بدي مصاري من زيد، هل حقيقة القياس هنا صحيح؟ هل حظ نفسي هو حق الشخصي لي أن أسقطه وبالتالي أطالب نفسي بمشقة زائدة ولي أن أحافظ عليه؟ فالجواب: أن حظوظ النفس بالنسبة إلى الطلب بها قد شخص يقول لك إنه من حقوق الله على العباد، لا أنت نفسك مش حر فيها، مين الذي قال لك أنت حر مع نفسك ولك أن تعاملها كما تشاء وأن تقسو على نفسك؟ ومن قال لك إن لك أن تقسو على نفسك وليس للشريعة أن تتدخل في هذا؟
فإذا قلنا إن حظوظ النفس هذه ليست حقك بل هي حق الله سبحانه وتعالى، فلا ينهض ما قلتم، صار القياس قياساً خاطئاً؛ لأن حقك على الآخرين نعم هو حقك الشخصي، لكن حق نفسك هذا مش حقك الشخصي هذا حق لله، فلا يجوز لك أن تتلاعب فيه وأن تسقطه؛ إذاً سقط القياس الذي قلتموه، إذ ليس للمكلف خيار في إسقاطه، فكما أنه متعبد بالرفق بغيره كذلك هو مكلف من الله بأن يرفق بنفسه. ودل على ذلك قوله عليه السلام: «إن لنفسك عليك حقاً» إلى آخر الحديث. شوف الحديث والاستدلال الجميل، النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن لنفسك عليك حقاً»، يعني هذا مش حق لك أنت تسقطه، وبالعكس؛ النفس هي التي تريد منك حقاً مش أنت الذي بدك منها حق ولك أن تسقط وقت ما تشاء، الأمور أنت فاهمها بالعكس؛ هي تريد منك حقاً وهي لا تسامحك فيه، وهذا حقها من الله.
فقرن حق النفس بحق الغير في الطلب الذي هو قوله: «فأعطِ كل ذي حق حقه». فكما قال: «إن لنفسك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً»، كما أن هناك حقوقاً للناس تجاهك، وممن يريد حقاً منك نفسك التي بين جنبيك، ولذلك ختم قال: «فأعطِ كل ذي حق حقه». إذاً الشريعة تلزمني أن أعطي نفسي حقها، فأنت فاهم الأمر بالعكس، أنت تفكر أنه هو الحق لك وأنت بدك تسقطه بدي أشق على نفسي، لا، الموضوع تماماً معاكس، هو حق لنفسك تريده منك فلازم تعطيها إياه. ثم جعل ذلك حقاً من الحقوق، ولا يطلق هذا اللفظ إلا على ما كان لازماً.
هذا اللفظ، وهو الحق، لا يطلق إلا على شيء إلزامي، ليس شيئاً مستحباً تبذله ولك الخيارات فيه. ويدل على ذلك أنه لا يحل للإنسان أن يبيح لنفسه ولا لغيره دمه، ولا قطع طرف من أطرافه، ولا مسه بشيء من الآلام، ومن فعل ذلك أثم واستحق العقاب. وهو ظاهر؛ فالإنسان لا يجوز له أن يسمح للآخرين أن يعتدوا على بدنه ولو بقطع يد أو عين أو ما شابه ذلك، وهنا تأتي أيضاً مسألة التبرع بالأعضاء والخلاف في هل يجوز للإنسان أن يتبرع بالأعضاء وهو على قيد الحياة.
وإن قلنا إنه من حق العبد وراجع إلى خياراته فليس ذلك على الإطلاق، إذ قد تبين في الأصول أن حقوق العباد ليست مجردة من حق الله. لو قال شخص: لا يا جماعة، هذا حق نفسي ليس حقاً إلهياً، وأنا يجب أن أوفي به، وهذا حق لي شخصياً ولي أن أسقطه ولي أن لا أسقطه؛ نقول: إن هذا ليس على الإطلاق أبداً، إذ قد تبين في الأصول الشرعية وفي القواعد الكلية أن حقوق العباد ليست مجردة من حق الله. يعني باختصار، وباللغة السهلة: ما في شيء اسمه أنا حر بنفسي مطلقاً، بل كل ما تسميه حرية لك في جسدك، هناك حق لله يدخل معك سيزاحمك ولا بد، فعليك أن تعطي حق الله عز وجل.
والدليل على ذلك فيما نحن فيه أنه لو كان إلى خياراتنا بإطلاق لم يقع النهي فيه علينا، بل كنا نُخَيَّر فيه ابتداءً، وإلى ذلك يشير قوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». فإنه لو كان لخيارة المكلف محضاً لجاز للناذر لعبادة أن يتركها متى شاء ويفعلها متى شاء، وقد اتفق الأئمة على وجوب الوفاء بالنذر، فيجري ما أشبهه مجراه.
قال: والدليل على ذلك فيما نحن فيه أنه لو كان إلى خياراتنا بإطلاق -أن حق النفس هذا حق لي شخصياً لي أن ألزم النفس وألا ألزمها- لو كان إلى خيارتنا بإطلاق، وأن الله عز وجل لا يشاركني في هذا الحق، لم يقع النهي فيه علينا، بل كنا نُخَيَّر فيه ابتداءً. وإلى ذلك يشير قوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». فإنه لو كان لخيارة المكلف محضاً -يعني أبداً لا يوجد أي تداخل بين حق العباد وحق الله في النفس- لجاز للناذر لعبادة أن يتركها متى شاء وأن يفعلها متى شاء، وقد اتفق الأئمة على وجوب الوفاء بالنذر فيجري ما أشبهه مجراه.
شخص كان يعمل عبادة معينة، هو كأنه يملك حق نفسه، فهو في هذا أُمِر أن يستوفي حقه لنفسه، وليس له الخيار أن يعطيها أو يسأل. مثلاً لو كان عنده مال لشخص، يستطيع أن يأخذها وأن يعطيها هنا؛ كُلِّف بأحد الأمرين، فدل على أن هذا الحق ليس محضاً بينه وبين نفسه، بل له علاقة بالله عز وجل.
والدليل على ذلك أنك لو فرضنا أن لك حقاً لنفسك، أو حقاً تملكه من نفسك، أن هذا ليس على الإطلاق، بل لا بد أن تتداخل حقوقك في نفسك مع حقوق الله. والدليل على ذلك فيما نحن فيه أنه لو كان حقنا من أنفسنا إلينا بإطلاق، لو كان إلى خيارتنا بإطلاق، لم يقع النهي فيه علينا. لم يقع النهي فيه علينا؛ ايش يعني لم يقع النهي فيه علينا؟ لا يمكن أن تُقِر فيه بإيجاب، أما فيما يتعلق بماذا؟ يعني مثلاً الله عز وجل قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]. لو كانت فكرة أنه أنت حر بجسدك بإطلاق، إذاً لما صح أن تأتي الشريعة تتحكم فيك في بعض الأمور المتعلقة بجسدك.
وهذا يريد أن يقوله: لم يقع النهي فيه علينا في أي حكم شرعي كان الخطاب فيه متعلقاً بجسدك. لو كان الإنسان حراً فيما يفعله في جسده، لما نهتنا الشريعة عن أشياء نفعلها في أجسادنا. خلص، ما أنت هذا مش هو حقك الشخصي والله عز وجل ليس له علاقة فيه كما تصوّر؟ إذاً ليس للشريعة أن تقول لك لا تقتل نفسك، هذا حق شخصي، أنا بدي أقتلها أقتلها، ما بدي أقتلها لا تعترضوا علي. بدي أبتر يدي أبترها، ما بدي أبترها، لم تنهني الشريعة. أنا بدي أغير، مثلاً عمليات التجميل؛ مش نحن ننهى النساء عن عمليات التجميل التي فيها تغيير خلق الله؟ يا أخي هذا حق شخصي! لا، بقول لك: لو كانت فعلاً أنت تملك نفسك تماماً وجسدك تماماً، وأن الله ليس له حق في ذلك، لما نهتك الشريعة عن الأمور المتعلقة ببدنك وجسدك، ولما توجه الخطاب في نهيك عن بعض الأعمال المتعلقة بجسدك. فورود الخطاب بالنهي عن بعض الأعمال المتعلقة بجسدك دليل على أن -على الأقل إذا لم نقل جسدك حق خالص لله- على الأقل أنه حق مشترك بينك وبين الله، ولذلك للشريعة الحق أن تتدخل في بعض الأمور، وليست حقاً محضاً لك نفسك.
إذاً، والدليل على ذلك وهو أننا لا نملك حقاً محضاً لأنفسنا أنه لو كان إلى خياراتنا بإطلاق لم يقع النهي فيه علينا في أي أمر من أمور النفس، بل كنا نُخَيَّر في أمور النفس والبدن ابتداءً، وبدنك حر اعمل اللي بدك إياه مع جسدك مع بدنك مع نفسك. وإلى ذلك يشير قوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه».
هذا الحديث كيف إسقاطه على هذا الموضوع؟ لأن لو كان حقاً محضاً للنفس، يلزم الإنسان نفسه بالنذر ثم يزيل هذا الحق كما يريد. لكن، وهو كلام الأخ أيضاً، لو كانت أنت فعلاً حراً تماماً في جسدك، وأن الله سبحانه وتعالى ليس له أن يأمرك في ذلك بشيء وليس له حق فيه أبداً، لكان حتى لو نذرت نذراً ألزمت به نفسك؛ نذر عليَّ أصلي 100 ركعة، والله هذا مع نفسي، هذا ما حدا له فيه، فأنا لي الحرية أن أكمله ولي الحرية أن أنقضه، والله عز وجل ليس له أي حق فيها. لا، مجرد أنه ﴿من نذر أن يطيع الله فليطعه﴾ دلالة أن الله يخاطبك ويلزمك بشيء في نفسك. مش أنت نذرت أن تطيع الله؟ بدك تطيعه ولا يجوز لك أن تخرم ذلك. ما دام قال بدك تطيعه جبراً، إذاً هو سبحانه يتدخل في نفسك ويلزمك بأشياء في نفسك، وأنه مجرد.. وإذا أنت قلت شيئاً في حق نفسك، الله عز وجل له أن يلزمك أن تلزم نفسك بهذا الموضوع. إذاً الله عز وجل له حقوقه تتداخل مع حقوقك في أمر نفسك. فإنه لو كان لخيارة المكلف محضاً لجاز للناذر لعبادة أن يتركها متى شاء، لأن الله لا يتدخل في نفسه وأنا مالك تام لحقوقها، ويفعلها متى شاء، وقد اتفقت الأمة على وجوب الوفاء بالنذر. إذاً هذا أحد المؤشرات أن الله سبحانه وتعالى له أن يلزم نفسك بأمور ويلزمك تجاه نفسك بأمور، أما ابتداءً وإما بالنذر إذا أنت ألزمت، أن ينذبك لا بد أن توفي.
وأيضاً فقد فهمنا من الشرع أنه حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، ومن جملة التزيين تشريعه على وجه يستحسن الدخول فيه، ولا يكون هذا مع شرعية المشقات. وإذا كان الإيغال في الأعمال من شأنه في العادة أن يورث الكلل والكراهية والانقطاع، الذي هو كالضد لتحبيب الإيمان وتزيينه في القلوب، كان مكروهاً لأنه على خلاف وضع الشريعة، فلم ينبغي أن يدخل فيه على ذلك الوجه.
جميل، هذا كلام عظيم إخواني. وأيضاً فقد فهمنا من الشريعة أنه سبحانه وتعالى حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، ومن جملة هذا التزيين -مش قال: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 7]؟ صح، مش في سورة الحجرات؟ شوف هذا البعد!- من جملة التزيين الشريعة تشريعها لهذا الدين على وجه يستحسن الدخول فيه؛ فيه يسر، فيه هدوء، فيه تؤدة، ولا يكون هذا الوجه المستحسن إذاً مع شرعية المشقات. وإذا كان الإيغال في الأعمال من شأنه في العادة أن يورث الكلل والكراهة والانقطاع، الذي هو كالضد لتحبيب الإيمان إليكم وكالضد لتزيين الشريعة في قلوبكم، كان هذا النوع من الغلو وإدخال المشقات مكروهاً؛ لأنك كأنك تضاد مقصد الشارع. مقصد الشارع أن تبقى الشريعة جميلة في عينيك، محبوبة إليك، وأنت بالإيغال الذي يورث الكلل أنت عم بتكره الشريعة إلى نفسك. وهذه فكرة مرت، خالفت مقصود الشارع، وليس لك أن تخالف مقصود الشارع حتى ولو أنت تحملت.
ركز هنا؛ كل الكلام أنه إنسان التزم بالتزامات تشق عليه وأجبر نفسه على الالتزام فيها، بس أنت فعلياً شو عملت؟ ماشي، أنت جزاك الله خيراً، أنت التزمت، بس التزمت مع المشقة الزائدة، التزمت مع إسقاط حظوظ النفس، وهذا قد يكون شوّه نوعاً ما الشريعة في وجدانك وأنت لا تشعر. إخواني هذا كلام عميق، عميق في فهم فلسفة النفس الإنسانية وفلسفة الشريعة العظيمة. الشريعة لا تريدك أن تفعلها وأنت كاره لها. أنا ايش مصلحتي أعطيك حتى مثال تفهم أكثر وأكثر: ايش مصلحتي أنه أنت التزمت يومياً بقراءة نصف القرآن واستمريت ووفيت جزاك الله خيراً، لكن صرت تعمل هذا العمل وأنت كاره، وأنت يا رب أخلص؟ ماشي جزاك الله خيراً، أنت عملت وأنجزت، أنت ما خرمت، بس أنت بتعمل هذا العمل وأنت كاره؛ بدي أخلص أنا، خلص ألزمت نفسي بس لأن العهد كان مسؤولاً، بدي أكون ممن خرموا العهود مع الله، فأصبحت أمارس الشريعة التي ألزمت نفسي بها والتي لم تلزمني ابتداءً، ووفيت، بس وفيت على وجه الكره والسام والملل.
الله لا يريد هذا منك، من قال لك إن الله يريد منك هذا؟ الله يريدك أن تفعل، أن تقرأ وردك من القرآن وأنت مقبل منشرح، أن تذكر وأنت في قمة السعادة والانشراح، وليس وأنت تحمل نفسك ثقلاً وعبئاً، أنني بدي أخلص من هذا الموضوع لأنني ألزمت نفسي به. فهمتم هو ماذا يقول هنا؟ هذا مهم إخواني، وهذا من عظمة الشريعة، الشريعة لا تريدك أن تفعلها وأنت كاره لها. نحن مش نمطية، نحن مش عبارة عن سلوكيات وتكاليف بدنا نعمل وخلص وننجز، نريدك أن تفعلها وأنت منتمٍ لها، محب لها، عاشق لها، مشتاق لقراءة وردك، مشتاق لقراءة أذكارك، وهذا لا يكون مع الإلزام الشاق. فلذلك لا أريدك أن تلزم نفسك بإلزام شاق. شفت هذا البعد؟ هذا البعد إخواني انقلوه لجوانب كثيرة، برجع بقول، في الحياة السياسية والاجتماعية والنفسية لا تكرهوا الشريعة للناس، لا تشعروا الناس أن الشريعة تقوم على أمور مبغوضة فيها إتلافات مهلكة، إن شريعة الله سبحانه وتعالى تحبب ولا تباعد، هذا مهم جداً.
وأما الثاني، فإن الحقوق المتعلقة بالمكلف على أصناف كثيرة وأحكامها تختلف حسب ما تعطيه أصول الأدلة. ومن المعلوم أنه إذا تعرض على المكلف حقان ولم يمكن الجمع بينهما، فلا بد من تقديم ما هو آكد في مقتضى الدليل. فلو تعارض على المكلف واجب ومندوب، لقُدِّم الواجب على المندوب، وصار المندوب في ذلك الوقت غير مندوب، بل صار واجب الترك عقلاً أو شرعاً من باب ما لا يتم الواجب إلا به. وإذا صار واجب الترك، فكيف يصير العامل به إذ ذاك متعبداً به؟ بل هو متعبد بمطلوب الترك في الجملة، فأشبه التعبد بالبدعة من هذا الوجه. ولكنه مع ذلك متعبد بما هو مطلوب في أصول الأدلة، لأن دليل الندب عتيد -عتيد يعني قوي أصيل- ولكنه عرض فيه بالنسبة إلى هذا المتعبد مانع من العمل به وهو حضور الواجب، فإن عمل بالواجب فلا حرج عليه، فلا حرج في ترك المندوب على الجملة، إلا أنه غير مخلص من جهة ذلك الالتزام المتقدم، وقد مر ما فيه، وإن عمل بالمندوب عصى بترك الواجب. لاحظ، يقول لك إذا تزاحم واجب مع مندوب، في الوضع الطبيعي ماذا ستقدم؟
إذا أنت ما كنت ملزم نفسك بذلك المندوب وعامل عهود بينك وبين الله، فأنت ستكون مستريحاً وفي كل أريحية؛ إذا تعارض واجب مع مندوب رح أترك المندوب وأعمل الواجب. لكن لما تكون أنت ذلك المندوب داخل فيه على وجه الالتزام مع الله، فإذا تعارض هذا المندوب الذي التزمت فيه مع الواجب الشرعي، أنت مضطر أنك تترك المندوب من أجل الواجب الشرعي. لكن تركك للمندوب في هذه الحالة، هل سيكون تركاً بريئاً من الإشكال؟ لا، يقول: فإذا عمل بالواجب فلا حرج في ترك المندوب على الجملة، إلا أنه غير مخلص؛ يعني سيكون هناك شوائب في تركك للمندوب هذا الذي أنت ألزمت نفسك فيه من جهة ذلك الالتزام المتقدم.
ماذا يريد أن يقول؟ أنت الآن لا تلزم نفسك بأمور تشق عليك؛ لأنه في لحظة من لحظات الحياة سيتزاحم المندوب مع الواجب، وستفعل الواجب لأنه هذا هو المقدم عند الله، هذا حق الله الأكد. صحيح؛ يعني صلاة ظهر مع سنة ظهر، أيهما المقدم؟ قدم صلاة الظهر. صوم رمضان مع صوم نافلة، صوم رمضان، أليس كذلك؟ حقوق الله هناك آكد من بعضها. فإذا تعارض الواجب مع المندوب، الوضع الطبيعي أنك لازم تترك المندوب وتفعل الواجب. لكن ذلك المندوب إذا حضرتك دخلت فيه على وجه الالتزام، وكنت عاهدت الله ألا تتركه في يوم من الأيام، ماذا سيحصل؟ أنه في هذا اليوم الذي تعارض فيه الواجب مع المندوب، أنا مضطر أن أترك المندوب لأفعل الواجب الأكد عند الله.
لكن تركي لذلك المندوب هل هو سليم خالص سيكون، ولا سيكون علي فيه نقاط سوداء؛ لأنه أنا أصلاً داخل فيها على نية الالتزام؟ أنت اللي ورطت نفسك في نية الالتزام، ما حدا قال لك تورط نفسك في هذا المندوب على نية الالتزام الدائم. فلذلك يقول: فإذا انعمل بالواجب فلا حرج سيكون في ترك المندوب على الجملة، إلا أنه لن يكون إلا أنه غير مخلص، رح تكون عليك نقاط سوداء من جهة ذلك الالتزام المتقدم. ها شايف هيك اضطريت اليوم تترك ذلك المندوب مع أنك ملتزم فيه، رح تقول بس أنا تركته لأنه تعارض مع حق لله مقدم. طيب إذا أنت ابتداءً ليش ألزمت نفسك فيه ما دام أنت تعلم أنه في يوم من الأيام سيتعارض هذا المندوب الذي ألزمت نفسك فيه على وجه المشقة مع حقوق لله ومع حقوق للعباد؟ لماذا ألزمت نفسك فيه وعرضت نفسك لأن تترك العهد مع الله؟
قال: ويبقى النظر في المندوب هل وقع موقعه من الندب أم لا؟ فإن قلنا إن ترك المندوب هنا واجب عقلاً فقد ينهض المندوب سبباً للثواب مع ما فيه. هو يتكلم عن الحالة الثانية هنا أنه عمل بالمندوب عصى بترك الواجب؛ يعني في شخص قال لا، أنا عندي ندب وعاهدت ربنا فيه رح أواظب عليه حتى لو أدى إلى ترك واجب. هسا هذا شو الورطة اللي ورط حاله فيها يا أحمد؟ شخص عنده مندوب ملتزم فيه خلص عامل عهد بينه وبين الله، وتعارض في يوم معين مع واجب، إذا قرر قال أنا ما بدي أفعل الواجب لأني داخل عهد مع الله في مندوب، شو عمل؟ ترك الواجب وفعل المندوب، ففعل حراماً في ترك الواجب. طيب المندوب اللي فاعله شو رح يكون توصيفه الآن في اللحظة اللي ترك فيها الواجب وهو عصى بترك الواجب، هل هذا المندوب سيبقى مندوباً في هذه الحالة؟ قال: ويبقى النظر في المندوب، أيوه في هذه الحالة هل وقع موقعه من الندب أم لا؟ هل بقي مندوباً لما أصبح سبباً في ترك الواجب؟
فإن قلنا نعم، قال: فإن قلنا إن ترك المندوب هنا واجب عقلاً فقد ينهض المندوب سبباً للثواب مع ما فيه من كونه مانعاً من أداء الواجب، فإن قلنا إن ترك المندوب هنا أي في هذه الصورة في صورة التعارض واجب عقلاً، فقد ينهض المندوب سبباً للثواب من جهة الندبية مع ما فيه من كونه أصبح مانعاً من أداء الواجب من الجهة الأخرى. أنه هنا العقل يقبل هذا الانفكاك، هذا الذي يظهر لي أنه لو قلنا من جهة العقل الموضوع عقلي مش شرعي، فمن جهة العقل العقل بيقول لك ما في مشكلة أنه يبقى مندوب ويحصل ثواب الندب من جهة أنه مندوب، وإن كان مانعاً من القيام بالواجب. وإن قلنا لا أنه واجب شرعاً، نعم قال: وإن قلنا أنه واجب شرعاً بعد انتهاضه سبباً للثواب إلا على وجه ما وفيه أيضاً ما فيه.
وأما إن قلنا إن ترك المندوب في هذه الحالة مش واجب عقلي، واجب شرعي؛ بعد في هذه الحالة أن نقول إنه إذا أصبح المندوب سبباً في ترك الواجبات أنه يكون مندوباً في هذه الحالة، هذا كلام بعيد بعيد جداً أن تقول المندوب الذي كان وسيلة لترك الواجب بعد أن يبقى مندوباً في هذه الحالة؛ هكذا طريقة الشريعة لأنك أنت هنا عم تفعل المعصية، وأنه هذا أصلاً يصعب فيه انفكاك الجهه، يعني لو صح في العقل انفكاك الجهة هنا يصعب؛ لأنه هل معقول أن الله سبحانه وتعالى سيقول: أنا عاصي بفعلك هذا المندوب لأنك تركت فيه الواجب، وسأثيبك عليه من جهة أنه مندوب؟ ليه؟ لماذا هذا يصعب وبعيد؟ لأن هنا سيكون السؤال: هذا المندوب الذي فعلته، هل الله يريد مني الآن أن أفعله أم لا يريد مني أن أفعله؟ هو ما دام الآن سبباً في ترك الواجب إذا هو مئة بالمئة لا يريد مني أن أفعله، هو ليس مراداً لله الآن، إذا هو لا يأخذ ثواب أبواب الندب بشكل من الأشكال، وهذا هو الكلام من جهة الشرع، أما من جهة التعذير والتقبيح العقلي هذا المعتزلة يدبروا أنفسهم.
هسا إذا بدك تحسبها من ناحية عقلية على طريقة المعتزلة، يتصور انفكاك الجهة أن تقول إنه هو من حيث إنه مندوب تحصل ثواب الندب تمام، وإن كان واجب من جهة العقل عليك ألا تفعله منعاً من ترك الواجب؛ واجب أن العقل يقبلها كفكرة، لكن الشرع لا يقبل أن يكون الله أمرني به ونهاني عنه في نفس الوقت. نعم، قال: فانت ترى ما في التزام النوافل على كل تقدير فرض إذا كان مؤدياً إلى الحرج، وهذا كله إذا كان الالتزام صاداً عن الوفاء بالواجبات مباشرة قصداً أو غير قصد، ويدخل فيهما حديث سلمان مع أبي الدرداء رضي الله عنهما. إذا فبالتالي بناءً على الكلام السابق، فأنت ترى ما في التزام النوافل على كل تقدير فرض على أي وجه فرض إذا كان مؤدياً إلى الحرج، وهذا كله إذا كان الالتزام صاداً عن الوفاء بالواجبات مباشرة على وجه القصد أو على غير وجه القصد. ويدخل فيهما حديث سلمان وأبي الدرداء رضي الله عنهما، إذ كان التزام قيام الليل مانعاً له من أداء حق الزوجة من الاستمتاع الواجب عليه في الجملة، وكذلك التزام صيام النهار؛ تعرف لما سلمان أنكر على أبي الدرداء أنه قال له: إن لزوجك عليك حقاً، ما بصير، ولنفسك عليك حقاً، فقال إذا كان التزامك يا أبا الدرداء قيام الليل سيكون مانعاً من أداء حقوق الزوجة من الاستمتاع الواجب في الجملة، وكذلك التزام صيام النهار؛ إذا أصبح هذا غير مندوب في حقك.
نعم، قال: ومثله لو كان التزام صلاة الضحى أو غيرها من النوافل مخلاً بقيامه على مريضه المشرف، يعني على الهلاك المحتضر، أو القيام على إعانة أهله بالقوت أو ما أشبه ذلك، ويجري مجراه وإن لم يكن في رتبته أن لو كان ذلك الالتزام يفضي به إلى ضعف بدنه ونهك قواه حتى لا يقدر على الاكتساب لأهله، أو أداء فرائضه على وجهها، أو الجهاد، أو طلب العلم؛ يعني ممكن شخص يقول لك لا أنا شيخ أنا بصوم النهار بس بكسب لأهلي. الشاطبي بقول لك ماشي، يعني هسا إذا كان انشغالك بالصيام سيجعلك مباشرة لا تكسب لأهلك وتنام في الدار، هذا عرفنا أنه هذا غير مشروع، أنه هنا الندب تعارض مع واجب. قال: ويقرب منه لو كان التزامك بالندب هو ما بخليك تنام في الدار بس بخليك تروح على الشغل وأنت تعبان، تروح على الشغل وأنت في قمة الإرهاق، برضه هنا لذلك قال ويجري مجراه وإن لم يكن في رتبته.
ليش وإن لم يكن في رتبته؟ أنه هنا هو ما ترك العمل لأهله بس يؤديه وهو في قمة الفتور والضعف بحيث تنخفض الإنتاجية لمستوى عالٍ تمام، حتى لو مش في الكسب حتى لو في العشرة الزوجية؛ يعني ممكن أنت مواظبتك على أشياء عالية في العبادة تقول لا بس أنا بفعل العشرة الزوجية يا شيخ، ما هو برضه شو مستوى فعلك لها؟ هل تفعلها وأنت عفواً متبرم، مستمتع، تعطيها حق المتعة، أم وأنت كـ -أنتم عارفين- هل تفعلها وأنت مستمتع بها ولا وأنت تعبان مرهق بس بدك تأديه كواجب وطني وتنتهي؟ ففي أناس لا خلص بده يؤديه وبس يخلص لأنه هي أعطيتك حقك وأنا بدي أرجع للعبادة وطلب العلم. طيب هل الشريعة تريد هذا؟ وهذا هنا تعطيك عظمة الشريعة في النظر للبعد النفسي، أنه هنا أيضاً لا البعد النفسي له حظه، أنه أريدك أن تفعل هذا الشيء وأنت مستريح نفسياً، مش بس جسدياً، حتى نفسياً لما تؤدي هذه الحقوق ما تؤديها وكانها عبء وبدك تخلص منها وبدك ترجع لمرغوباتك في طلب العلم أو في القراءة أو ما أشبه ذلك. لا، بدك تنتبه هذه الأمور يجب أن تؤدى وبحالة نفسية متوازنة، وهذا الذي يحقق استقرار الأسر؛ لأن المرأة تشعر بالإنسان الذي يفعل هذا الفعل وهو فقط يؤديه على أنه بدك تؤدى الحق وينتهي مش هو فعلاً مستمتع به، وبين يؤديه برغبة وبنفس منشرحة وبجسد قوي.
هذا الكلام دقيق من الشاطبي يقول: ويجري مجراه وإن لم يكن في رتبته أن لو كان ذلك الالتزام الذي يورث المشقة مع الوقت يفضي إلى ضعف البدن أو نهك قواه حتى لا يقدر على الاكتساب لأهله، أو أداء فرائضه على وجهها، "على وجهها" متعلق بالاثنتين، يعني لا يقدر أن يكتسب على الوجه الذي ينبغي أن يكون، هو بيشتغل بس انخفضت إنتاجيته، هو يؤدي حق أهله بس بشكل منخفض جداً، أو أداء فرائضه على وجهها أو الجهاد أو طلب العلم، كما نبه عليه حديث داود عليه السلام أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً لكن ولا يفر لاقى؛ يعني داود عليه السلام لما كان يصوم صيامه يفطر يوماً ويصوم يوماً كان هذا لا يظهر عليه أي شكل من أشكال الضعف، حتى على مستوى الجهاد اللي هو أعلى مشقات النفس كان قوياً. هل أنت زي داود؟ هذا السؤال: هل أنت عندك قوة بدن داود عليه السلام؟ اعرف نفسك.
وقد جاء في مفروض الصيام في السفر من التخيير ما جاء، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: إنكم قد دنوتم من عدوكم، الفطر أقوالكم. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: فأصبحنا منا الصائم ومنا المفطر، قال: ثم سرنا فنزلنا منزلاً فقال: وإنكم تصبحون عدوكم الفطر أقوالكم فافطروا. قال: فكانت عزيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، شوف كما قلنا في البداية رخص لهم، اللي بده يصوم يصوم اللي بده يفطر يفطر، لما اقتربوا من فتح مكة وأصبحوا على أبوابها، لا جبراً عنه الجميع بده يفطر؛ لأنه في حق مقدم الآن من حق الصيام، في حق فتح مكة والجهاد، وأنتم أغلبكم جمهوركم لا يستطيع ذلك أن يجمع بين حق الصيام وحق الجهاد وفتح مكة، فألزمهم بالفطر جميعاً.
نعم قال: وهذه إشارة إلى أن الصيام ربما أضعف عن ملاقاة العدو وعمل الجهاد، فصيام النفل أولى بهذا الحكم. وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يظلل عليه والزحام عليه فقال: ليس من البر الصيام في السفر؛ يعني أن الصيام في السفر وإن كان واجباً ليس براً إذا بلغ به الإنسان إلى ذلك الحد مع وجود الرخصة، فالرخصة إذاً مطلوبة في مثله بحيث تصير به من أداء الواجب فما ليس بواجب في أصله أولى. فحاصل أن كل من ألزم نفسه شيئاً يشق عليه فلم يأتِ طريق البر على حده. نعم، إذاً فالحاصل أنه ركزوا شوي: لو ألزمت نفسك بشيء من النوافل وفعلته، لكنه فعلته مع مشقة على نفسك، هذا أيضاً غير مطلوب شرعاً ولم تأتِ طريق البر تمام. لذلك هو الآن أجاب عن هذه الفكرة أن الإنسان هو حر في نفسه يفعل ما يشاء، لا، قال لك حتى لو ألزمت نفسك بشيء وشققت عليها من أجل أن تقوم بهذا الشيء أنت لم تأتِ بالطريقة التي يريدها الله سبحانه وتعالى.
فهكذا انتهى من الإجابة عن هاتين النقطتين أو عن هذين التعليلين؛ التعليل الأول الخوف من الانقطاع والترك إذا التزم الدوام فيما يشق فيه الدوام، وأجابك عن ذلك إجابة ممتازة، خاصة في قضية أن حق فهمك أنه نفسك مش أنت، لا تملك الحرية في تحميلها ما لا تطيق وأن الله.
سبحانه له حق في نفسك أيضًا، فعليك أن تفهم ذلك، وأن الله يريد أن تبقى الشريعة جميلة في وجدانك، فليس لك أن تشوهها من خلال تحميل النفس ما لا تطيق. وبالنسبة للعِلة الثانية، وهي الخوف من التقصير فيما هو آكد، فإنه توجد شبكة حقوق، إن الإنسان حياته تقوم على شبكة حقوق، سواء حقوق الله أو حقوق العباد؛ وحتى حقوق العباد وحقوق الله بينها ما هو واجب وما هو مندوب. فليس لك أن تُدخل نفسك في التزامات بحيث تتلف هذه الشبكة، وتصبح أنت تقدم ما لم يقدمه الله ورسوله، فاترك الشبكة على ما هي عليه بدون التزامات يشق عليك فعلها ويؤدي بعد ذلك إلى إخلال في شبكة الحقوق. وهذا كلام نافع، ونصلي العصر إن شاء الله ونعود إلى ما نحن فيه.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. هكذا نكون انتهينا من الإشكال الأول المطروح على نظرية الشاطبي في قضية الالتزام. أنا يهمني دائمًا أن يكون الكلام مرتبطًا في أذهانكم؛ الشاطبي إذا بدي أسميها وضع نظرية في قضية الالتزام أنه من البدع الإضافية -خلينا نسميها- ومن المكروهات أن يلتزم الإنسان عبادةً يشق عليه الالتزام فيها على وجه الدوام؛ لأن هذا الالتزام هو نوع عهد بينك وبين الله، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]. والله لا يريدك أن تلتزم بينك وبينه بعبادات يشق عليك الدوام عليها.
الآن أورد إشكالين على هذه النظرية. الإشكال الأول مر معنا الآن ودرسناه في الجلسة الأولى، وهي قضية حال بعض السلف؛ أن الظاهر أنه كان يلتزمون بعبادات تشق عليهم كمروق بن الأجدع وغيرهم، وأن قضية المشقة هذه علة تدور مع الحكم وجودًا وعدمًا، فإذا وجدت المشقة في شخص قلنا له بالنهي، وإذا انتفت انتفت. تمام، هذه أبرز ما ورد في الإشكال الأول: حال السلف وقضية أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
كيف أجاب الشاطبي عن قضية حال السلف؟ آه يا أسامة، ثلاث تخريجات: القضية الأولى أنه هو أصلًا توسط، ما كان مبالغة أصلًا وأنت بذهنك عم بتصوروه أنه مبالغة. اثنين، أنه هي فعلوها وهذا أقوى الإجابات أنهم وإن شقوا على أنفسهم في بعض الأمور، لكن لم يكن أبدًا التزامات بينهم وبين الله.
طيب بس هذا راح يقول لك إذا هذا هو الاعتراض، وهذا هو الوجه الثاني؛ أن هي القضية نسبية، إذًا الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. كمل الوجه الثاني والوجه الثالث بده تكملة يعني، صح المشقة لا تنضبط وبالتالي ما هو شاق على فلان قد لا يكون شاقًا على غيره، فماذا نقول في النهاية؟ أحسنت، أن العبرة بالخطاب العام، الخطاب العام للجمهور أو للأكثر، أنك لا تحمل نفسك، وما ورد من بعض القصص من الالتزامات فهي اعتبرها أشياء نادرة تتعلق ببعض الأشخاص ربنا مقدرهم، ليس هذا خطابي العام كتأصيل، وإنما يبقى استثناء.
طيب، هذا الإجابة عن قضية حال السلف. الإجابة عن قضية أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا؛ فما كان شاقًا على فلان وغير شاق على فلان، فلماذا تعطيني نظرية عامة أن الأصل أنه لا يدخل الإنسان في التزامات تشق عليه؟ كيف أجاب عنها في الفصل الذي يليه؟ هو قال: مش أن هذا الحكم أو هي النظرية التي أتيت بها تقوم على علتين؟ أن الدخول في التزامات يشق عليك الدوام عليها لماذا منهي عنه؟ إما من جهة أنه يُخشى الانقطاع وكره العبادة، وإما من جهة الخوف من التقصير في حقوق آكد.
طيب، كيف أجاب عن العلة الأولى؟ وأنا بدي إياك تفهم كيف هو أجاب بطريقة ترد على أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وأنتم فهمتوا الآن هم شو اعترضوا؛ أنه هي قضية إذا كان هذا يشق عليه خلص بنقول له لا تلتزم، وإذا كان فلان لا يشق عليه التزم. فهو كيف أجاب من جهة العلل؟ مين فيكم أدرك؟ ما ظن الكلام الشاطبي يا إخواني عميق، ما تأخذوه بأوله. أنت بدك تفهم هو كيف أجاب عن هي الفكرة؛ هم الآن شو قالوا؟ "لكن يبقى النظر في تعليل النهي، وأنه يقتضي انتفاء النهي عن الالتزام ينتفي النهي عند انتفاء العلة". نحن لماذا نهيناك عن أن تلتزم بعبادة يشق عليك الالتزام فيها؟ عرفت لعلتين. فالفكرة إذا خلص إذا انتفت العلة انتفى النهي وعدنا إلى الحالة الطبيعية، وهو أنه يجوز أن ألزم نفسي بعبادات تشق علي. فهو شو قالهم؟
قال لهم: هذا الكلام نظري من الناحية العامة صحيح، كلامكم صحيح أن الأصل أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وأنه إذا انتفت العلة انتفى الحكم، لكن يبقى أنه في تفصيل شوية في داخل إطار العلل، "وسع العدسة في العلل". قال: أيوه، قال بالنسبة للعلة الأولى وهي أننا كرهنا الالتزام الشاق خوفًا من الانقطاع، فلو قال شخص هذه العلة مش موجودة عند فلان بدليل أنه استمر وأنجز، فهو الشاطبي وضع لك احتمالات ثلاث، شو هي؟
لا، خلينا نبلش في الحالة الأولى، أنه هي في فلان التزم بعبادة وهي الحمد لله وفى، ربنا. شو الاحتمالات الثلاث؟ أنه هو صح وفى بس العمل أصلًا طلع غير شاق، نحن كنا متوهمين أنه شاق بس هو طلع أصلًا غير شاق، فبالتالي ما حدا يعترض علي، أنا نظريتي في الأعمال الشاقة التي يشق الدوام عليها مش في الأعمال السهلة. فهو إذا التزم مع الله بشيء وواظب عليه ونجح إذًا العمل غير شاق، وبالتالي هذا مش موطن النظرية. الاحتمال الثاني، أن يكون شاق بس هو صبر عليه للنهاية، طيب هذا محمود ولا داخل تحت النظرية؟ في إشكال، حتى هذا وهو موطن النزاع هو هذا اللي هو ايش استطاع أن يصبر، استطاع أن يصبر لكنه شق عليه. هذا موطن الإشكال، فهو ايش قال هنا الشاطبي؟ أحسنت، أنه أنت منعت نفسك من حظ الرفق، وأن النفس تأخذ حظها من الرفق، هذا مش حريتك الشخصية وبالتالي لك أن تسقطها على رغباتك، لا، هذا إما حق الله الخالص أو حق مشترك بينك وبين الله، وبالتالي مين قال لك أنك لك أن تسقط حظ النفس بين الرفق؟ صح أنت نجحت، بس نجحت بعد ما أرهقت نفسك وذبحتها، فمن قال لك أنك لك الحقية في هذا؟ ثم اتبع هذا بالكلام عن ايش؟ عن قضية أن الشريعة تريد أن تتزين، أن الله زين الشريعة إلى نفسك، فأنت لو التزمت وأنجزت أنت أنجزت مع كامل الإرهاق النفسي، وهذا نوع من تشويه الشريعة لقلبك بدلا من أن تبقى مزينة جميلة أنت شوهتها، وخليت زي كأنه هم وبدك تخلص منه، ماشي أنت خلصت وأنجزت بس مش بالطريقة اللي بدها إياها رب العزة سبحانه وتعالى.
طيب، بالنسبة للعلة الثانية شوف مين بده يجاوبنا؛ بالنسبة للعلة الثانية وهي علة الخوف من التقصير في الحقوق، هي سهلة هذه، أيوه أن التزام الندب قد يتعارض مع واجب، فحسب الأولى أن يقدم الواجب، فإذا كان هذا الندب ملتزمًا سيكون تركه فيه أيضًا إشكال، أنك أنت تركت؛ صح؟ اللي هي فكرة أن الحياة بطبيعتها ستتعارض الواجبات مع المندوبات، هي هكذا بطبيعة الحياة، سيأتي عليك يوم يتزاحم حق الوالد مع حق مندوب أنت التزمت فيه، أو يتزاحم حق زوجتك مع مندوب أنت التزمت فيه، وأنت ملزم بالشريعة أن تقدم الواجب، وستترك المندوب، لكن هذا المندوب لأنك التزمت فيه كعهد بينك وبين الله، تركك له الآن لن يكون تركًا خالصًا سليمًا، بل سيكون مع وجود بقع سوداء أنك تركته مع أنك داخل في التزام بينك وبين الله؛ بخلاف لو كان هذا المندوب أنت بتعمله على التساهيل، فلما تعارض مع الواجب تركته بكل أريحية، ما شعرت أني تركت عهد بيني وبين الله، لأنه أصلًا مش داخل كعهد، أنا داخل على التساهيل؛ فهكذا أيضًا يجب أن ينظر للعلة الثانية. فلا تقل لي أن والله هذه قضية الالتزام علة مربوطة بحكم وتدور مع حكمها وجودًا وعدمًا؛ على كلا العلتين سنجد إشكالًا، على كلا العلتين سيجد إشكاله أنه تقريبًا نستطيع أن نقول انتفاء الحكم لانتفاء العلة مش متصور هنا تمامًا، سيبقى هناك شكل من أشكال الخطأ، سواء على العلة الأولى لأنك شوهت الشريعة في نفسك، أو على العلة الثانية لأن لا يمكن إلا أن تتزاحم واجبات ومندوبات وستضطر أن تترك المندوبات مع وجود بقع سوداء إذا كنت أنت داخلًا فيها على وجه الالتزام. هذا الكلام بدك تعيده وتكرره حتى تفهم ماذا يريد الشاطبي بعمق.
طيب، الإشكال الثاني على نظرية الشاطبي سنبدأ فيه الآن. نعم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا شيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: "فصل: إذا ثبت ما تقدم، ورد الإشكال الثاني، وهو أن التزام النوافل التي يشق التزامها مخالفة للدليل، وإذا خالفت فالمتعبد بها على ذلك التقدير متعبد بما لم يشرع، وهو عين البدعة، فإما أن تنتظمها أدلة ذم البدعة أو لا؛ فانتظمتها أدلة الذم فهو غير صحيح عند أمرين: أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كره لعبد الله بن عمرو ما كره، فقال: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال له عليه السلام: لا أفضل من ذلك، تركه بعد على التزامه؛ ولولا أن عبد الله بن عمرو فهم منه بعد نهيه الإقرار عليه لمن التزمه داوم عليه حتى قال: ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو قلنا أنها بدعة وقد ذم كل بدعة على العموم لكان مقرًا له على خطأ، وذلك لا يجوز".
إذا الإشكال الثاني: أنا يا شاطبي لو بدنا نمشي على نظريتك التي وضعتها، وهو أن الالتزام بما يشق على النفس ليس مشروعًا، هذا ماذا سينتج منه؟ أن هذا بدعة، صح؟ مش أنت تحكي أنه غير مشروع؟ إذًا هذا أصبح من قبيل البدع. إذًا الإشكال الثاني: أن التزام النوافل التي يشق التزامها على النظرية التي أنت وضعتها مخالف للأدلة الشرعية، وكل ما خالف الأدلة الشرعية إذًا نحن لسنا متعبدين به شرعًا، وكل ما لم نتعبد به شرعًا وفعلناه هو عين البدعة، خلص هذا بدعة؛ فإذا كان بدعة إذًا هو داخل في عموم الأدلة التي تدل على ذم البدع.
إذًا إما أن تنتظمه الأدلة التي تدل على ذم البدع ويدخل في عمومها -فهو داخل تحت قوله: «كل بدعة ضلالة»- وإما ألا يدخل تحت عموم أدلة ذم البدعة. طيب، يجي على الاحتمال الأول: أن يكون داخلًا عموم أدلة ذم البدعة، قال: هذا لا يصح أن تكون هذه المسألة -وهو التزام الشاق على النفس مما أصله مشروع- أن يكون داخلًا عموم ذم البدع؛ لا يصح من جهة من عدة أمور أو ذكر أمرين:
الأول، استدل بالنص أن عبد الله بن عمرو العاص التزم ما يشق عليه، والنبي عليه الصلاة والسلام قال له: لا تفعل ذلك، فعل النبي صلى الله عليه وسلم معه في النهاية تركه وأمره، مش ما دام تركه وشأنه بعد أن نصحه إذًا هذا يدل على أن ما فعله عبد الله بن عمرو ليس حرامًا، وليس داخلًا عموم أدلة ذم البدع؛ لأنه لو كان داخلًا تحت عموم الأدلة الذامة للبدع لأنهاه عنها، قال له لا هذه بدعة ولازم تتركها؛ تركه له ليختار ما يشاء دال نوعًا ما على أنه لا، من الذي قال أن إلزام النفس بما يشق بدعة ومذموم على هذا الوجه؟ فهمت ماذا يريد أن يقول؟
أنت عم بتحاول -يعني هو التسلسل منطقي- أنت تقول إلزام النفس بما يشق لم يدل عليه الدليل الشرعي، هي المقدمة الأولى؛ إذًا ماذا ستكون النتيجة؟ إذًا هو بدعة. طيب إذا كان بدعة على نظرياتك السابقة وعلى الفصول السابقة، إما أن يكون داخلًا تحت أدلة ذم البدع أو مش داخل. إذا كان داخل تحت عموم أدلة ذم البدع، فهذا سيعترض عليك فيه من جهتين: الجهة الأولى من النص أن عبد الله بن عمرو ترك يمارسها ولم يعترض عليه النبي صلى الله عليه وسلم في الممارسة، ولو كانت بدعة تامة لنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن الممارسة. إلى الآن شابك الأمور؟ طيب، كما أنه قال كما أنه لا ينبغي أن يعتقد في الصحابي أنه خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قصدًا للتعبد بما نهى عنه، فالصحابة رضي الله عنهم أتقى لله من ذلك، وكذلك ما ثبت عن غيره من وصال الصيام وأشباهه، وإذا كان كذلك لم يمكن أن يقال أنها بدعة.
والثاني: إذا ثبت أنه تركه وشأنه، إذًا لا يمكن أن يقال أنها بدعة، وبالتالي بدك ترجع تسلسلي، وإذا لم يقال أنها بدعة، إذًا لا يمكن أن تقول أنها خارجة عن أدلة الشريعة قضية التزام النفس بما يشق. نعم.
قال: والثاني: أن العامل بها دائمًا بشرط الوفاء، إن التزم الشرط فأداها على وجهها فقد حصل مقصود الشارع، فارتفع النهي، إذًا فلا مخالفة للدليل، فلا ابتداع. الثاني مما يدل على أنها ليست داخلة تحت أدلة ذم البدع هو، قال: فهو غير صحيح لأمرين؛ الأمر الثاني ما هو؟ أن من التزم شيئًا يشق عليه الالتزام فيه، أن العامل بها دائمًا بشرط الوفاء إن التزم الشرط ووفى لربه، فأداه على وجهها فقد حصل مقصود الشارع فارتفع النهي، إذًا فلا مخالفة للدليل.
للدليل، ما هو النهي؟ النهي أنه قال: التزام النوافل التي يشق التزامها يعتبر مخالفاً للدليل. هو يقول لك على الوجه الثاني أنه إن التزم الشرط فأداها على وجهها فقد حصل مقصود الشارع؛ وأنت مباشرة بخبرتك ستعرف لا أنه ما حصل مقصود الشارع تماماً، لأنه من المقصود ما أنت عملتها، لكن أنت عملتها وقد أصعبتها على نفسك وخرمت حظوظ النفس وفعلت أشياء كثيرة. فهذا الثاني يمكن الإجابة عنه بما سبق في الفصل السابق، لكن تبقى قضية الحالة الأولى؛ قال: وإن لم يلتزم أداءها، فإن كان باختياره فلا إشكال في المخالفة المذكورة كالناذر يترك المندوب من غير عذر، ومع ذلك فلا يسمى تركه بدعة ولا عمله في وقت العمل بدعة، فلا يسمى بالمجموع مبتدعاً. وإن كان لعارض مرض أو غيره من الأعذار فلا يسلم أنه مخالف، لأنه أصلاً مخالف؛ فهذا شيء طارئ.
قال: كما لا يكون مخالفاً في الواجب إذا عارضه فيه عارض فلم يستطع أن يفعل الواجب لمرض أو شيء؛ كالصيام للمريض والحج لغير المستطيع. فالابتداع إذاً، وأما إن لم تنتظمها أدلة الذم، فقد ثبت ما أردت أن تنسفه أنت سابقاً؛ هو ماذا أراد أن ينسف سابقاً؟ أنه في شيء اسمه بدعة حسنة، فإذا هذه لم تدخل تحت أدلة ذم البدع وأنت شايفها بدعة، إذا هي بدعة حسنة. لاحظ، قال: فقد ثبت إذاً أن من أقسام البدع ما ليس بمنهي عنه، إذا لم تدخل هذه القضية تحت عموم الأدلة الذامة للبدع وثبت هذا بهذين الدليلين؛ إذاً هي لا تدخل تحت البدع المذمومة، إذاً هي من البدع المستحسنة المقبولة. وهذا ينسف قاعدتك التي بدأت بها كتابك الاعتصام، أنه لا يوجد شيء اسمه بدعة حسنة، فانتقض كل كلامك.
فالآن سيجيب، قال: بل هو مما يتعبد به وليس من قبيل المصالح المرسلة ولا غيرها مما له أصل على الجملة، وحينئذ يشمل هذا الأصل كل ملتزم على وجه التعبد، كان له أصل أم لا، لكن بحيث يكون له أصل على الجملة لا على التفصيل. قال: كتخصيص ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام فيها ويومه بالصيام أو بركعات مخصوصة، وقيام ليلة أول جمعة من رجب، وليلة النصف من شعبان، والتزام الدعاء جهراً بأدبار الصلوات مع اغتصاب الإمام لذلك، وما أشبه ذلك مما له أصل جملي. وعند ذلك ينخرم كل ما تقدم تأصيله؛ يعني خلص كل الكتاب فرط، إذا خربت هذه النقطة معناه كل الكتاب وكل نظرياتك التي أتيت بها انحل عقدها، ونرجع ونقول جواز قيام ليلة المولد النبوي وجواز كذا وجواز كذا، لأنه ثبت أنه في شيء اسمه بدعة حسنة، شيء على خلاف الدليل وهو بدعة لكنه ليس داخلاً تحت ذم البدعة. فهكذا ينخرم كل الكتاب.
فقال: والجواب عن الأول أن الإقرار صحيح، ولا يمتنع أن يجتمع مع نهي الإرشاد لأمر خارجي؛ فإن النهي لم يكن لأجل خلل في نفس العبادة ولا في ركن من أركانها، وإنما كان لأجل الخوف من أمر متوقع، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها إن النهي عن الوصال إنما كان رحمة بالأمة، وقد واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن تبعه في الوصال كالمنكل بهم، ولو كان منه بالنسبة إليهم لما فعل. ما معنى هذا الكلام؟ الآن سيجيب عن القضية الأولى، الآن هما شغلتان؛ إما أن يكون داخل. قال: فإن انتظمها أدلة الذم فهذا غير صحيح لأمرين، قصة عبد الله بن عمرو بن العاص؛ فالآن أراد أن يجيب عن قصة عبد الله بن عمرو بن العاص، فكيف أجاب عنها؟ قال: هذا على أصول المالكية أن هذا نهي لأمر خارج عن العبادة، فتصح العبادة بها، أما إذا كان لازماً أو لذاته فهو وهذا هو المنهي.
والجواب عن الأول -الذي هو قصة عبد الله بن عمرو بن العاص- أن الإقرار صحيح -يعني مش هو أقره النبي صلى الله عليه وسلم وتركه يفعل ما يشاء؟- أن الإقرار صحيح، ولا يمتنع أن يجتمع إقراره له على أن يفعل مع نهي الإرشاد، هو سماه نهي إرشاد، مش نهي تحتم، هو نهي إرشادي؛ يعني كأنه يقول أنصحك نصيحة بس أنا ما بلزمك، أنا فقط أرشدك إرشاداً أنه الذي بتعمله غلط، الذي بتعمله ما راح تقدر تكمل عليه، فقط أنا وظيفتي الإرشاد وليس التحتم. فإذاً الإقرار مع نهي الإرشاد لأمر خارجي لا إشكال فيه. قال: فإن النهي لم يكن لأجل خلل في نفس العبادة في هيئة الصلاة أو في هيئة قراءة القرآن ولا في ركن من أركانها، وإنما كان لأجل الخوف من أمر متوقع في المستقبل، وهو الفتور والتعب وعدم القدرة على الاستمرار.
كما قالت عائشة إن النهي عن الوصال إنما كان هدفه الرحمة بالأمة، وقد واصل النبي صلى الله عليه وسلم بمن تبعه كالمنكل بهم؛ يعني كالمعاقب بهم، ويريد أن يريهم حجم العنت الذي سيحصل لهم، ولو كان منه بالنسبة إليهم لما فعل. جميل هذا الكلام، يعني أراد أن يقول لك طيب شوف الوصال، مش النبي عليه الصلاة والسلام نهى أصحابه عن الوصال؟ شو هو الوصال؟ هو أنك تصوم يومين وثلاثة بدون ما تفطر أبداً، يعني تصوم 48 ساعة أو 72 ساعة أو أربعة أيام، هذا نهى عنه. لما بعض الصحابة أظهر شيئاً من العناد وقال: لا يا رسول الله بدنا نواصل كما أنك تواصل، طيب واصل بهم يوماً ويومين وثلاثاً كالمنكل بهم؛ شو يعني كالمنكل بهم؟ يعني كأنه يريد أن يعاقبهم ويريهم حجم العنت الذي سيحصل لهم.
طيب كيف يواصل بهم مع أنه نهاهم عن الوصال؟ هل النبي صلى الله عليه وسلم ينهى الشخص عن الشيء ثم يفعله معه؟ كيف؟ مش هو نهاهم عن الوصال؟ هي واصل بهم، قال: ولو كان منه بالنسبة إليهم لما فعل؛ فإذاً نهيه عن الوصال كان لأمر خارجي، رحمة بأبدانهم الضعيفة وليس لخلل في نفس الوصال، التي هي نفس قضية عبد الله بن عمرو، ولو كان هو نفسه خللاً مستحيل النبي عليه الصلاه والسلام يجعلهم يواصلون يومين أو ثلاثة كالمنكل بهم، فلما واصل بهم يومين أو ثلاثاً عرفنا أن نهيه عن الوصال كان لأمر إرشادي، ونهي إرشادي على سبيل الكراهة وليس على سبيل التحتم. لذلك شو حكم الوصال عند الحنابله؟ مكروه مش حرام؛ لأنه أمر إرشادي أو نهي إرشادي، مش نهي تحتم.
فإذاً قال: اقرأ، فانظروا، قال فانظروا كيف اجتمع في الشيء الواحد كونه عبادة ومنهياً عنه لكن باعتبارين. ونظيره في الفقهيات ما يقوله جماعة من المحققين في البيع بعد نداء الجمعة، فإنه نهي لا من جهة كونه بيعاً بل من جهة كونه مانعاً من حضور الجمعة. فالجمهور البيع عند أذان الجمعة عند الجمهور -مش عند الحنابلة- شو حكمه؟ هو حرام من جهة أنه يشغل عن صلاة الجمعة، وصحيح من جهة أنه بيع، انفكاك الجهة. طبعاً الحنابلة لا يعتقدون انفكاك الجهة هنا، لكن المالكية والشافعية والحنفية يعتقدون انفكاك الجهة، وبالتالي هو يريد أن يقول لك الشاطبي يتصور أن يكون الشيء منهياً عنه من جهة وصحيحاً ومقبولاً من جهة أخرى.
قال: فيجيزون البيع بعد الوقوع ولا يجعلونه فاسداً، وإن وجد التصريح بالنهي فيه للعلم بأن النهي ليس راجعاً إلى نفس البيع بل إلى أمر يجاوره، ولذلك يعلل جماعة ممن قال بفسخ البيع بأنه زجر للمتبايعين لأجل النهي عنه، فليس عند هؤلاء بيع فاسد أيضاً، ولا النهي راجع إلى نفس البيع. فالأمر بالعبادة شيء وكون المكلف يوفي بها أو لا شيء آخر، فإقرار النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو على ما التزم دليل على صحة ما التزم، ونهيه إياه ابتداءً لا يدل على الفساد وإلا لزم التدافع وهو محال. لزم أنه في تدافع، التدافع أنه في تناقض لو كان ينهاه عنه ثم يقره عليه، إذاً صار في تدافع يعني تناقض، كيف النبي عليه الصلاة والسلام ينهاه نهياً تحتمياً أنه لا تفعل يا عبد الله بن عمرو ثم يدعه يفعل ما يشاء؟ هذا تدافع تعارض وتناقض.
فإذاً ما وجه الجمع؟ وهذه هي من أحكام البدع الإضافية التي تختلف فيها عن البدع الحقيقية، أن البدعة الإضافية يتصور أن يكون منهياً عنها من جهة ويسكت عن صاحبها من جهة أخرى؛ يعني إذا بدنا نعتبر أنه ما فعله عبد الله بن عمرو شكل بأشكال البدعة الإضافية من الأحكام التي تتعلق بالبدع الإضافية، وليست في البدع الحقيقية، أن البدعة الإضافية يتصور أن ينهى عنها من جهة وتكون صحيحة مقبولة من جهة أخرى، يتصور فيها انفكاك الجهة بخلاف البدعة الحقيقية التامة لا يتصور فيها انفكاك الجهة، بل هي مذمومة على الإطلاق من كل الجهات.
لا هسه هو أنت في موضوع البيع وقت أذان الجمعة على أصول الحنابلة، لا من جهة أننا لا نتصور انفكاك الجهة في الفعل نفسه حتى في الوصف الخارجي، لكن أنت بتحكي عن برضو جمهور الفقهاء يعني أنت بتحكي حنفية شافعية مالكية يتصورون انفكاك الجهة في الأمور ويقبلون أن يكون الشيء صحيحاً من وجه ومذموماً من وجه، بالنسبة له ما عنده مشكلة، لكن أنت كحنبلي قد تواجه مشكلة في هذا النوع من الإجابات، يعني أنه نؤيه هو طبعاً هذا كلامه هذا مش كلام الحنابلة، طبعاً نحن مش هيك تعليلنا، نحن تعليلنا أن لا نتصور انفكاك الجهة هنا، لكن هو يقول إنه حتى من رأى فسخه إنما رأى فسخه عقوبة وليس لأن نفس البيع غلط، لا نحن كحنابلة نرى أن نفس البيع غلط حتى من هذه الجهة، لكن هو يحاول أن يعلل أنه الذين قالوا بأننا نفسخه إنما كان الفسخ على وجه العقوبة لصاحبه وليس لوقوع خلل في ذات البيع هذا الذي يقصده.
قال: إلا أن ها هنا نظراً آخر وهو، قال: إلا أن هنا نظراً آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صار في هذه المسائل كالمرشد للمكلف، وكالمتبرع بالنصيحة عند وجود مظنة الاستنصاح؛ فلما كالمرشد للمكلف وكالمتبرع بالنصيحة عند وجود مظنة الاستنصاح، فلما اتكل المكلف على اجتهاده دون نصيحة الناصح الأعرف بعوارض النفوس صار تبعاً لرأيه مع وجود النص وإن كان بتأويل، فإن سمي في اللفظ بدعة فبهذا الاعتبار، وإلا فهو متبع للدليل المنصوص من صاحب النصيحة، وهو الدال على الانقطاع إلى الله تعالى بالعبادة.
إذاً في مس فصل بارك الله فيك رجاء؛ الحمد لله، أنه ما فعله عبد الله بن عمرو بن العاص جاءته نصيحة من صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم أعرف منه بعوارض النفوس، وقال له: لا تفعل نفسك لا تطيق، ومع ذلك أصر على رأيه، فهذا الإصرار على الرأي ومخالفته للنصيحة يمكن أن يسمى بدعة من هذا الوجه، لكنه بدعة إضافية. وأما من حيث الأصل فالأفعال التي يقوم بها هي مأخوذة من صاحب الشريعة، وهو الانشغال بالعبادة والقيام والقرآن وما شابه ذلك، فهي ليست بدعة تامة حتى نقول إنه وقع فيها.
قال: من هنا قيل فيها أنها بدعة إضافية لا حقيقية، ومعنى كونها إضافية أن الدليل فيها مرجوح بالنسبة إلى من يشق عليه الدوام عليها؛ أن الدليل الحاث عليها يعني الدليل الذي يحث على قراءة القرآن، والدليل الذي يحث على الصيام، والدليل الذي يحث على القيام يكون مرجوحاً بالنسبة لهذه الحالة، والأفضل أن تصلي في هذه الحالة، والأفضل ألا تقرأ في هذه الحالة، وألا تصوم في هذه الحالة، وهي حالة المشقة مع الديمومة. قال: ولذلك وفى بها، ويكون راجحاً بالنسبة إلى من أوفى بشرطها ويبقى على أصله، ولذلك أوفى بها عبد الله بن عمرو بعدما ضعف وإن دخل عليه فيه بعض الحرج، شق عليه ذلك، ولذلك تأسف أنه لم يأخذ بالنصيحة من أولها.
قال: حتى تمنى قبول الرخصة، بخلاف البدعة الحقيقية، فإن الدليل فيها مفقود حقيقة فضلاً عن أن يكون مرجوحاً، فهذه المسألة تشبه مسألة خطأ المجتهد، فالقول فيها متقارب وسياتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى. وأما قول السائل في الإشكال أن التزم الشرط فأدى العبادة على وجهه، كيف أجاب عن قضية عبد الله بن عمرو بن العاص؟ أننا أنه أنا نظريتي قبليها لقضية أن كل البدع مذمومة أن تلك النظرية وين بطبقها الشاطبي؟ على البدعة الحقيقية يعني لا تعترض علي بهذا النوع؛ نحن هنا لما قلت إن التزام النوافل التي يشق التزامها مخالف للدليل، هو مش مخالف للدليل من كل الجهات، لأنه هي أصلاً كعبادة مشروعة، وإنما دخلت المخالفة من أي جهة؟ من جهة المشقة، فالأدلة التي تدل على ذم البدع هي محافظة على كليتها، محافظة على عمومها ويدخل فيها كل البدع الحقيقية، أما البدع الإضافية وهي التي تكون بدعة من جهة دون، فهي لا تخضع لنفس القانون، لا تخضع لنفس.
القانون، بل يتصور فيها انفكاك الجهة، وأنه يمكن أن تكون مثابًا محمودًا عليها من جهة أن أصلها مشروع، وتكون أنت مؤاخذًا أو ملامًا من جهة ماذا؟ أنك لم تتبع وجه الكمال المطلوب. فهمتم؟ نعم.
قال: واما قول سائل في الإشكال: أن التزم الشرط فأدى العبادة على وجهها إلى آخره، فصحيح. إلا قوله: "فإن تركها لعارض فلا حرج كالمريض"، فإن ما نحن فيه ليس كذلك، بل ثم قسم آخر، وهو أن يتركها بسبب تسبب هو فيه، وإن ظهر أنه ليس من سببه. فإن ترك الجهاد مثلًا باختياره مخالفة ظاهرة، وتركه لمرض ونحوه لا مخالفة فيه. فإن عمل في سبب يلحقه عادة بالمرضى حتى لا يقدر على الجهاد، فهذا واسطة بين الطرفين.
أحسنت، إنه أنت ما تقول لي يعني إذا إنسان التزم بعبادة وبعدين مع الوقت تركها لعارض هذا لا يلام لأنه في عارض جاء، وبيقول لك لا، هي الاحتمالات ثلاثة مش اثنين. الآن ارجعوا للصفحة السابقة لما قال: إذا لم يلتزم الإنسان بما التزمه مع الله، فإن كان عدم التزامه باختياره الشخصي فهذا نحن متفقين جميعًا أنه مخالف، وأما إن كان عدم التزامه لعارض عرض عليه من الخارج فهذا لا يجوز أن نقول إنه مخالف وأنه نقض العهد مع الله، لأن الترك هنا جاء من جهة.
الشاطبي شو بقول؟ شوف تدقيق النظر، قال: لا، القسمة مش ثنائية، مش بس إنه تركه باختياره وتركه بغير اختياره، فما تركه باختياره فهو مخالف، وما تركه بغير اختياره لا يعتبر مخالفًا؛ لا، القسمة ثلاثية. هناك نعم من ترك باختياره بدون أي سبب هذا مخالف، وأما من ترك بغير اختياره قسمين هؤلاء مش واحد. من ترك بغير اختياره ولم يتسبب هو بالوصول إلى ذلك فهذا الذي هو معذور عند الله. أما من ترك عبادة أو التزامًا بغير اختياره لكن كان هو السبب في الوصول إلى غير اختياره، أنهك نفسه وأتعبها، صح أنت في النهاية تركت لأنك مرضت، بس مين اللي وصلك للمرض؟ أنت من تسببت بذلك؛ إصرارك عليها لسنوات هو اللي وصل عبد الله بن عمرو بن العاص أنه أصبح يتعب ولا يستطيع، فهذه لماذا لم تنقعها ولم تظهرها؟
فيقول: إذا اقرأ قال: وإن ظهر أنه ليس من سبب؛ إذاً: فإن عمل في سبب. نقرأ من نعم، قال: فإن عمل في سبب يلحقه عادة بالمرضى حتى لا يقدر على الجهاد، هل نقول إنه: آه والله هذا ترك الجهاد بغير اختياره؟ لا، هو ترك الجهاد صح لمرض، بس هذا المرض مين اللي وصله له؟ هو، المقصر هو المخطئ ابتداء. نعم قال: فهذه واسطة بين الطرفين، فمن حيث تسببه في المانع لا يكون محمودًا عليه، نعم، وهو نظير الإيغال في العمل الذي هو سبب في كراهية العمل أو في التقصير عن الواجب، وهذا المكلف قد خالف النهي، ومن حيث وقع له الحرج المانع في العادة من أداء العبادة على وجهها قد يكون معذورًا، فصار هنا نظر بين نظرين لا يتخلص معه العمل إلى واحد منهما.
إذا باختصار، فقولك أنه: فإن انتظمتها أدلة ذم البدع فهذا غير صحيح، لامرين أنه يمكن أن يتركها ولا يلتزم بأدائها لعامل خارجي وليس باختياره، قل هذا الكلام مش صحيح، وإن تركها لعامل خارجي وكان هو المتسبب فهو داخل في أدلة ذم البدع من هذا الوجه، فلا تقل لي هو لا يدخل لأنه تركها بغير اختياره، لا، هو داخل فيها من هذا الوجه.
نعم، قال: وأما قوله: ثبت أن من أقسام البدع ما ليس بمنهي عنه، فليس كما قال، وذلك أن المندوب من حيث هو مندوب يشبه الواجب من جهة مطلق الأمر، ويشبه المباح من جهة رفع الحرج عن التارك، فهو واسطة بين طرفين لا يتخلص إلى واحد منهما. إلا أن قواعد الشرع شرطت في ناحية العمل شرطًا، كما شرطت في ناحية تركه شرطًا، فشرط العمل به ألا يدخل فيه مدخلًا يؤديه إلى الحرج المؤدي إلى انخرام الندب فيه رأسًا، أو انخرام ما هو أولى منه، وما وراء هذا موكول إلى خيرة المكلف، فإذا دخل فيه فلا يخلو أن يدخل فيه.
إذاً قوله الآن الأشياء المندوبة اللي ربنا ندبنا لها؛ من قيام الليل، من قراءة القرآن، من أي طاعة؛ المندوب هو منزلة بين منزلتين، بين الواجب والمباح. هو يشبه الواجب من أي جهة؟ المندوب مأمور به من جهة أن كلاهما مأمور به، ويشبه المباح من أي جهة؟ أنه لا حرج على من تركه؛ إلا ها، إذاً المندوب يشبه الواجب من جهة ويشبه المباح من جهة، إلا أن قواعد الشرع، بدك تفهم هي شغلة في المندوب، أن قواعد الشرع شرطت في ناحية العمل بالمندوب شرطًا كما شرطت في ناحية تركك للمندوب شرطًا.
نيجي على الجهة الأولى التي تهمنا: ما هو شرط العمل بالمندوب؟ شرط العمل بالمندوب: أيوه لا، هو مندوب أصلًا موافق للشريعة تلقائيًا. شرط العمل بالمندوب ألا تدخل فيه دخولًا يوقعك في الحرج والتعب. ماشي، أنا بدي إياك تعمل المندوب وأمرت شرعًا أنك تعمله، بس أنا ما بدي إياك تدخل في المندوب بطريقة توقعك في ماذا؟ في الحرج والعنت، لا أريد ذلك منك. فشرط العمل بالمندوبات ألا يدخل فيها مدخلًا يؤدي إلى الحرج والعنت المؤدي إلى انخرام الندب فيه رأسًا، لأنه في النهاية أنت لما تشق على نفسك فيه رح تتركه، صح ولا لا؟ فمن الذي قال لك أريدك أن تعمل بالمندوب على أي وجه؟ كلا، أنا أريدك أن تدخل في المندوب على شرط، وهو ألا تدخل فيه دخولًا منهكًا يؤدي إلى انقطاعه بعد فترة، فهمتم؟
نعم، قال: فإذا دخل فيه فلا يخلو أن يدخل فيه على قصد انخرام الشرط أو لا؛ فإن كان كذلك، فإذا دخل الإنسان في المندوب وعمل به، فلا يخلو إما أن يدخل في المندوب على قصد انخرام الشرط، يعني يدخل فيه مع أنه سيدخل فيه دخولًا منهكًا، أو يدخل في المندوب بدون أن يدخل فيه دخولًا منهكًا.
نجي على الحالة الأولى: أن يدخل فيه دخولًا منهكًا متعبًا، يعني يقصده إلى المشقة الزائدة. قال: فإن كان كذلك، نعم قال: فإن كان كذلك فهو القسم الذي يأتي إن شاء الله، وحاصله أن الشارع طلبه برفع الحرج وهو يطالب نفسه بوضعه وإدخاله على نفسه وتكليفها ما لا يستطاع، مع زيادة الإخلال بكثير من الواجبات والسنن التي هي أولى مما دخل فيه، ومعلوم أن هذا بدعة مذمومة.
وإن دخل فيه على غير ذلك القصد، فلا يخلو أن يجري المندوب على ما أجراه أو لا. فإن أجراه كذلك؛ بأن يفعل منه ما استطاع إذا وجد نشاطًا ولم يعارضه ما هو أولى مما دخل فيه، فهذا هو محض السنة التي لا مقال فيها لاجتماع الأدلة على صحة ذلك العمل، إذ قد أُمر فيه، فهو غير تارك، ونُهي عن الإيغال وإدخال الحرج، فهو متحرز، فلا إشكال في صحته، وهو كان شأن القرن الأول وما بعده.
آه، إذاً إذا قلنا فإن دخل في المندوب فلا يخلو إما أن يدخل في المندوب على قصد انخرام الشرط، يعني يدخل فيه على وجه ينهك نفسه، أو لا. هو الاحتمال الثاني، بدأ بالاحتمال الأول، فإن كان كذلك؛ شو "إن كان كذلك" اللي هي الحالة الأولى؟ يعني إن دخل في المندوب على قصد انخرام الشرط، يعني دخل فيه دخولًا منهكًا، فهذا القسم الذي يأتي إن شاء الله، وحاصل خلاصته أنه هذا نعم هذا بدعة مذمومة.
من دخل في مندوب على وجه يوقعه في الكلل والتعب والسأم حتى يترك المندوب، هل هذا دخول في المندوب على وجه صحيح أو على وجه مبتدع؟ قال فهذا وجه مبتدع، وهو داخل تحت عموم الأدلة الدالة على ذم البدع، فلا تقل لي والله أدلتك على ذم البدع ليست عمومًا، لا، هي داخلة، هذا النوع من الدخول في المندوب هو بدعة مذمومة وداخل تحت قوله: «كل بدعة ضلالة»، فإذا أدلتي على عموم البدع وأنها مذمومة على العموم ما زلت محافظًا عليها.
أما إذا دخلت في المندوب لا على ذلك القصد، بل دخلت في المندوب بدون إرهاق بتؤدة وبهدوء وهو الحالة الثانية، فهذا هو شأن السلف الصالح رضوان الله عليهم، أنهم يدخلون في المندوبات بدون التزامات، وإنما يفعلونها على وجه السعة والنشاط، فإذا شق عليهم تراجعوا بدون ما يكون عقد التزامات وعهود بينه وبين الله.
طيب قال: وإن لم يجريه على مجراه ولكنه أدخل فيه رأي الالتزام والدوام، فذلك الرأي مكروه ابتداءً، لكن فهم من الشرع أن الوفاء إن حصل فهو إن شاء الله كفارة له، كفارة النهي. آه بس خلينا هون إذا بدنا نركز شوي، قال: وإن دخل على غير ذلك القصد، لأنه هذه الفقرة مرتبطة بالفقرة السابقة، إذا دخل في المندوب على غير ذلك القصد؛ أي على غير قصد انخرام الشرط، فلا يخلو أن يجري المندوب على مجراه، يعني على التساهيل إذا كان نشيطًا فعل، وإن تعب ترك، أو لا يعني أو لا يجري المندوب على مجراه، بل يحمل نفسه فيها المشقات.
هو كيف أقول لك؟ لم يقصد خرم الشرط لكنه لم يجرِ المندوب أيضًا على مجراه في نفس الوقت، هو لم يقصد خرم الشرط ولم يقصد إدخال المشقة والعنت على نفسه، لا ما هو الشرط ما هو لا يجوز أن تدخل المشقة على نفسك، إذا شخص تقصد إدخال المشقة على نفسه هذا مذموم، إذا لم يتقصد إدخال المشقة على نفسه هذا قسمين؛ هكذا ظاهر كلام الشاطبي أنه يقسم دخول الإنسان في المندوبات، نعمل تشجير، دخول الإنسان في المندوبات على قسمين: أن يتقصد إدخال المشقة والملل إلى نفسه، فهذا قال وهذا بدعة مذمومة.
الحالة الثانية: أن يدخل في المندوبات ويمارسها ولا يتقصد إدخال المشقة والعنت على نفسه، مش متقصد هذا بحد ذاته ما جعله مقصودًا له، فهذا شرطين حالتين: الحالة الأولى أن يعمل بالمندوبات على التساهيل اللي سميناها على التساهيل، إن كان نشيطًا فعل ولو شق عليه، وإن كان مرهقًا أو متعبًا ترك، فهذا حال السلف. الحالة الثانية، تمام ولم يتقصد إدخال العنت، قلنا هذا حالتين؛ حالة جراها على مجراه، الحالة الثانية هو لم يتقصد إدخال العنت، لكنه التزم، ها هو جعلها عهودًا بينه وبين الله على وجه الالتزام مش على التساهيل، لكن والله يا شيخ أنا ما قصدت إدخال العنت على نفسي، وهذه مرتبة دقيقة لاحظها الشاطبي، يقول: وإن لم يجره على مجراه يعني على التساهيل، ولكنه أدخل فيه رأي الالتزام والدوام، فذلك الرأي مكروه ابتداءً.
آه بنقول حتى لو لم تتقصد خرم الشرط ولم تتقصد العنت، لكن مجرد أنك دخلت في المندوب على طريقة الالتزام والدوام، فذلك الرأي مكروه ابتداءً، نحن ما بنفضل ذلك، طريقة السلف أن الدخول في المندوبات على التساهيل، خلص خليهم هيك يعني سهلة دون دخول في التزامات، حتى ولو لم تتقصد أن تعنت نفسك، فذلك الرأي، إذا وهو الالتزام مكروه ابتداءً، لكن قال: لكن فهم من الشرع أن الوفاء إن حصل فهو إن شاء الله كفارة النهي. لكن فهم من نصوص الشريعة أنه إذا أنت وفيت في هذه الحالة، ها لاحظ هذه الحالة شو هي؟ أنا لم أقصد العنت لنفسي، ولكنني ألزمتها بيني وبين الله، في هذه الحالة إذا أنت لم تقصد العنت بحد ذاته ولكنك دخلت على وجه الالتزام، ما فهم من نصوص الشريعة أنك إذا وفيت خلص ربنا بيتقبل منك عبادتك وجزاك الله خير، وإن كنا لا نفضل هذا ابتداءً.
طيب وإن لم توفِّ، نعم قال: فلا يصدق عليه في هذا القسم معنى البدعة، لأن الله مدح الموفين بالنذر والموفين بعهدهم إذا عاهدوا، وإن لم يحصل الوفاء تمحض وجه النهي وربما أثم في الالتزام النذري، قال: ولأجل احتمال عدم الوفاء أطلق عليه لفظ البدعة. آه وإن لم يحصل الوفاء هنا أصبح ما فعلته منهيًا عنه وبدعة مذمومة ويدخل أيضًا في الأدلة العامة لذم البدع، ولأجل آه طيب طب إذا لماذا أنتم سميتوها بدعة إضافية مع أنه في احتمال أوفى هون وفي احتمال ما أوفى؟ قال: ولأجل احتمال عدم الوفاء أطلق عليه لفظ البدعة لا لأجل أنه ابتداء عمل لا دليل عليه، بل الدليل عليه قائم، لكن إطلاق البدعة عليه في هذه الحالة هو بدعة إضافية وليس بدعة حقيقية. هو هنا ماذا يحاول أن يفهمك؟ هو يحاول أن يفهمك أنه لا، أنا قاعدتي في ذم البدع وأنها كلها مذمومة، أنا ما حافظت عليها، لأنه هو مش قلنا قبل شوي أنه يعني المعترض على الشاطبي يحاول أن يفرغ كل كتابه وأن يثبت أنه هناك بدعة حسنة، فهو قال له لا، ما في بدعة حسنة، البدع كلها مذمومة وكلها داخلة تحت عموم النهي عن البدع، لكن هذا القسم الذي نحن فيه وهو.
التزام عبادة فيها مشقة ما وجهه؟ قال: هو أن تأتي إلى شيء مندوب ابتداءً، لكنك تعرف أنه لا يجوز أن تدخل في المندوبات على وجه العنت والمشقة. ربنا يريدك أن تدخل في المندوبات، لكن لا تدخل فيها على وجه العنت والمشقة. فالآن دخول الناس في المندوبات -أعمل لك التشجير-: أما أن يدخل وهو يقصد أن يعنت نفسه فهذا بدعة مذمومة، وداخلة تحت عموم ذم البدع، ولا يريده الله أن تتقصد العنت.
الحالة الثانية: أن يدخل وهو لا يقصد العنة بحد ذاته، وهذا على قسمين: الذي لا يقصد العناء؛ إما أن يدخل في المندوبات على التساهل ولا يعطي أي التزام، فهذا هو طريقة السلف الصالح ولا إشكال فيها، بل هي المطلوبة. الحالة الثانية: أنه لا يقصد العنت لكنه ألزم نفسه، قال: بدي أعمل التزامات بيني وبين الله. فهذا نقول له ابتداءً: الأصل أنك ما تدخل في أي التزام؛ لأن العهد كان مسؤولاً. ليش تعرض نفسك لاحتمالية الخلل؟ ليش تعرض نفسك لاحتمالية عدم الوفاء؟ لا تدخل في التزامات. طيب إذا دخل، قال لك: لا، صرت داخلاً. بنقول: يا سيدي إذا وفيت فإنه إن شاء الله يتقبل منك، ويعتبر وفاؤك نوعاً من الكفارة لك، حتى ولو شققت على نفسك؛ بس إن لم توفِ فأنت خالفت، وهذا أصبح داخلاً كأنه تحت عموم البدع المذمومة في حال عدم وفائك، وأصبحت في بدعة ضلالة. ولأجل احتمال عدم الوفاء سمينا هذه العهود والمواثيق بهذه الطريقة بدعة؛ فأي عهد والتزام يؤدي إلى مشقة هو نوع من أنواع البدعة، وإن لم تقصد أنت أن توقع نفسك في المشقة فعلياً.
فهمتم؟ قال: ولذلك -يعني هو لم يتقصد فعلاً إيقاع نفسه في الحرج- على غير مجراه، يعني أن يدخل فيه الالتزام، نحن قلنا ما معنى مجراه؟ التساهل. وهذا شرح، يعني ايش يعني ألا أجري على مجراه؟ لا، ولكنها هي صحيحة من حيث المبنى البناية اللغوية، يعني إذا لم أتركه على التساهل بل أدخلته على التزام ودوام، فهي من حيث الاستعمال، لكن ما في مشكلة من حيث الصياغة الأدبية يا شيخنا، هو جواب الشرط، فذلك الرأي مكروه، مش ولكنه لا، أنا فاهمه، مش بتكلم عن جواب الشرط، هو يقول: وإن لم يجره على مجراه بل أدخل فيه رأي الالتزام والدوام. بده إياها بل بدل لكن، لكن استدراك، فهو بيقول: ليش استعمل لكن هنا؟ هو ماذا استدرك؟ فأقول: لا هو من حيث الصياغة اللغوية أيضاً تصح هنا، أقول: وإن لم أجري هذا الشيء على مجراه، ولكني دخلت فيه على رأي الالتزام والدوام، فاستعمال لكن مقبول، وكأنه استدراك ليس على الجملة السابقة، بل على ما سبق في الفقرة الماضية، نعم.
قال: ولذلك إذا التزم الإنسان بعض المندوبات التي يعلم أو يظن أن الدوام فيها لا يوقع في حرج، أصلاً وهو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة المنبه عليها، لم يقع في نهي، بل في محض المندوب كالنوافل الرواتب مع الصلوات والتسبيح. نعم، ولذلك إذا التزم الإنسان بينه وبين الله في بعض المندوبات التي يعلم يقيناً أو يظن ظناً غالباً أن الدوام فيها لا يوقع في أي حرج، يعني أذكار الصباح والمساء، خلص التزمت بيني وبين الله، يا رب عهد بيني وبينك أني ما أتركها، هسة هذه لا تدخل أنها منهي عنها. هذا النوع من الالتزام مش داخل في نظرية الشاطبي وغير الشاطبي أنه لا إشكال فيه؛ ليه؟ لأنه هذا نوع مقدور عليه للجميع عموماً، يعني مهما كان ظرفك، طيب.
نعم هذه الالتزام تكون بالقول، يعني قد يكون بالقول وقد يكون بالنية، مثلاً أنا أفعله لكن ما أن أقول كل يوم أفعل، خلص إذا أنت مش ملتزم الله يجزاك الخير، لكن لو التزمت قلت: يا رب لزاماً عليّ، مش نذر طبعاً، من باب الإلزام النفسي يعني بيني وبينك أني أحافظ على أذكار الصباح والمساء، ما دامت هي عمل يسير لا يشق ولا يوقع الناس في الحرج، هذا النوع من الالتزام لا يراه الشاطبي بدعة إضافية. نظرية الشاطبي أن الالتزام الذي يكون بدعة إضافية الالتزام الذي يشق الدوام عليه، أما الالتزام الخفيف اليسير مش داخل في كل كلامنا يا جماعة. نعم قال: كالنوافل الرواتب مع الصلوات والتسبيح والتحميد والتكبير في آثارها، وذكر اللسان الملتزم بالعشي والأبكار، وما أشبه ذلك مما لا يخل بما هو أولى، ولا يدخل حرجاً بنفس العمل به، ولا بالدوام عليه. وفي هذا القسم جاء التحريض على الدوام صراحة، منه كان جمع عمر رضي الله عنه الناس في رمضان في المسجد، ومضى عليه الناس؛ لأنه كان أولاً سنة ثابتة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه قام للناس بما كانوا قادرين عليه ومحبين فيه، وفي شهر واحد من السنة دائماً. آه يعني مثلاً عمر لما ألزم الناس في الاجتماع في صلاة التراويح، هو شهر واحد، يعني لو كان طول السنة، آه والله كان شاقاً على الناس، لكن هو كله شهر واحد، مش شيء دائم. فكان هذا الالتزام العهد الالتزامي هو أولاً فيه دليل شرعي على مشروعيته، أنه فعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأيام، ثم هو جعله سنة مستمرة على وجه ميسور، فكان التزاماً ضمن السقف الممكن، خاصة أنه لشهر واحد شهر رمضان.
نعم قال: وموكولاً إلى اختيارهم، لأنه قال: والتي ينامون عنها أفضل. نعم، لأنه أيضاً كان يقول: «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ». شو تكملة الحديث؟ والتي ينامون عنها أفضل، وبالتالي هو كأنه حتى يقول لهم هو مش فرض لا بد تفعلونه، ترى لو صليتم التهجد في ساعات الليل المتأخرة، التهجد في ساعة الليل المتأخرة من حيث الثواب أفضل من صلاة التراويح؛ لأنه وقت النزول الإلهي وما شابه ذلك. نعم، قال: وقد فهم السلف الصالح أن القيام في البيوت أفضل، فكان كثير منهم ينصرفون فيقومون في منازلهم، ومع ذلك فقد قال: نعم البدعة هذه، فأطلق عليها لفظ البدعة كما ترى، نظراً والله أعلم إلى اعتبار الدوام وإن كان شهراً في السنة، أو أنه لم يقع ممن قبله عملاً دائماً، أو أنه أظهره في المسجد الجامع مخالفاً لسائر النوافل. آه، إذا عمر لماذا لما نظر إلى الصحابة يصلون التراويح قال: نعمة البدعة، من أي جهة سماها بدعة؟ ليس من جهة أصلها، فأصلها كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما سماها بدعة بالمعنى اللغوي في جهة ماذا؟ أنه أدامها، أنه خلص جعلها سنة راتبة لمساجد المسلمين في كل رمضان، هي الديمومة، هذا النوع الجديد الذي دخل. قال: لم يقع في...
إذاً إما أنه اعتبر فيها الدوام وإن كان شهراً في السنة، أو أنه لم يقع ممن قبله على وجه الدوام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو لأنه أظهره في المسجد الجامع مخالفاً لسائر النوافل التي الأصل تصلى في البيت كالوتر وسنن الرواتب، وإن كان ذلك في أصله واقعاً كذلك، أنه حتى النبي عليه الصلاة والسلام لما أول ما صلاها بالصحابة التراويح صلاها جماعة، بعدين تركها خشية أن تفترض عليهم. فلما كان الدليل على ذلك القيام على الخصوص واضحاً قال: نعمة البدعة هذه، فحسنها بصيغة نعم التي تقتضي من المدح ما تقتضيه صيغة التعجب، لو كما لو قال: ما أحسنها من بدعة، وذلك يخرجها قطعاً عن كونها بدعة. تمام، وذلك يخرجها أنها كانت موجودة في الأصل، صلاها زمن النبي عليه الصلاة والسلام ومورس حتى جماعة، بس هي فقط قضية عدم الدوام؛ أنه لم يداوم عليها النبي عليه الصلاة والسلام، ونحن عرفنا سابقاً لماذا لم يداوم عليها؟ ما علة عدم الدوام؟ ليس أنها منسوخة أو أنه لا يريدهم أن يداوموا عليها، إنما قال: خشيت أن تفترض عليكم. في زمن عمر خلص صارت على وجه الدوام، فهو قال البدعة باعتبار الديمومة التي حصلت في زمانه.
س: أنا أعتقد أنه يعني هو الشاطبي عم يضع عدة احتمالات، مش أنه في صح وخطأ هنا، هي عدة احتمالات لماذا سماها بدعة، كلها تصب في نفس الاتجاه وكلها صحيحة، لكن المهم أن نفهم أنها ليست بدعة بمعنى أنه لا أصل لها في الشريعة. نعم، قال: وعلى هذا المعنى جرى كلام أبي أمامة مستشهداً بالآية، حيث قال: أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم. آه مش قلنا أبو أمامة شو قال: أحدثتم قيام رمضان، ماذا قصد أبو أمامة بالإحداث؟ إذاً هي الآن نحن في ختام تعليقنا على كلام أبي أمامة، ماذا قصد أبو أمامة بالإحداث؟ هو ما قصده عمر بنعمة البدعة الذي هو الدوام، مش أصل الفعل. نعم قال: إنما معناه ما ذكرناه، ولأجله قال: فدوموا عليه، لذلك قال: فدوموا عليه، هيك ختم أبو أمامة. نعم قال: ولو كان بدعة على الحقيقة لنهى عنه، ومن هذه الجهة أجرينا الكلام على ما نهى عليه السلام عنه من التعبد المخوف الحرج في المال، واستسهلنا وضع ذلك في قسم البدع الإضافية تنبيهاً على وجهها، ووضعها في الشرع مواضعها؛ حتى لا يغتر بها مغتر، فيأخذها على غير وجهها، ويحتج بها على العمل بالبدع الحقيقية قياساً عليها. وهذا كلام مهم إخواني، حقيقة اليوم عندنا أزمة في كثير من المتصدرين للكلام في الدين، في تشويشهم على الناس من خلال هذه النصوص، يعني يأخذ كلمات عامة للسلف، يأتي شخص يقول: هي أبو أمامة الباهلي قال: أحدثتم قيام رمضان، أو يأخذ كلمة عمر: نعم البدعة هذه، فيخلط بين البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية، ولا يظهر له الفرق بين الأمرين.
لهذا هذا هو عمق الشاطبي في التحليل، أنه لا بد نفهم كلام السلف في سياق، ومستحيل كلام السلف يعارض كلام النبي عليه الصلاة والسلام، مستحيل النبي عليه الصلاة والسلام يعطي إطلاقات ولا يستثني منها ويقول: «كل بدعة ضلالة»، «كل بدعة ضلالة»، ويأتي الصحابة ويقولون: نعمة البدعة هذه، وأحدثتم بدعاً، مستحيل! فكيف يمكن أن يجمع بين هذا وهذا ويفهم كل شيء ضمن سياقه؟ ها هي النظريات اللي الشاطبي يعني جلس ٥٠ صفحة وهو يحاول يحلل لك المشهد لتفهموه ضمن هذه الرؤية المتكاملة. دين الله الكلام فيه مش سهل، مش كلمة من هنا وهنا ولا مقطع يوتيوب تأخذه وتبدأ تنظر بناءً عليه، وقال الشيخ الفلاني وأعلم أهل الأرض، سيبك من هذه الإطلاقات، أنت تحتاج إلى كلام عميق وتحليلي نفهم منه الإشكالات، وكيف نجمع بين تصرفات الصحابة والسلف وبين إطلاقات النبي صلى الله عليه وسلم العامة، هذا مهم جداً أن يتقنه الطالب في الردود والنقاشات مع المخالفين، طيب.
فصل قال: قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: 87-88]. روي في سبب نزول هذه الآية، انتقل لدليل آخر أو آية أخرى يريد أن يناقشها في باب البدع الحقيقية والبدع الإضافية، يعني نستطيع نقول نحن كلامنا السابق في كل ما سبق في هذا الباب الخامس باب أحكام البدع الحقيقية والبدع الإضافية، ابتدأ بماذا؟ لو رجعنا هيك شوي حتى نربط الكلام ببعضه البعض، ابتدأ بآية سورة الحديد: ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: 27]، بعدين انتقل لمباشرة أثر أبي أمامة الباهلي، صفحه ٣٩٨: أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم، وكل ما من ٣٩٨ لـ ٤٣٦ هو مناقشة لهذا الأثر لأثر أبي أمامة الباهلي وكيف نفهمه في ضوء الشريعة، وهنا دخلنا في موضوع قضية التزام النفس بالعبادات وكيف تكون بدعة إضافية ومتى لا تكون بدعة إضافية، وناقشنا هذا على كافة الصعد. الآن سيأتي بدليل أو نقاش ثالث في آية تتكلم عن البدع الحقيقية والإضافية، دعونا ننظر هذا النقاش الجديد.
قال: روي في سبب نزول هذه الآية أخبار جملتها تدور على معنى واحد وهو تحريم ما أحل الله من الطيبات تديناً أو شبه تدين، وأن الله تعالى نهى عن ذلك وجعله اعتداءً. هي الآية: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87] منطوقها الواضح ما هو؟ أن الله ينهانا عن ماذا؟ عن تحريم ما أحل الله لنا من الطيبات تحريماً على وجه التدين أو شبه التدين، شبه التدين كما يكون على صيغة النذر، خلص نذراً علي ما آكلش، غلط يا شيخ تمام! الآن تحريم التدين كفر؛ لأنك تقول هذا الشيء الحلال حرام، زي النباتيين اليوم قلت لكم عنه كثير مرة، اللي بيقول اللحم حرام نأكله ديانة، هذا شو حكمه؟ هذا كفر، أنك تطلع نفسك مشرع مع الله، أو يقول شرب المياه لو واحد قال لك أكل الخبز حرام تديناً إذا كان فعلاً صاع، ماذا يقول؟ هذا كفر؛ لأنه هذا أنت تضع تشريع مع الله، فهذا معنى أن تحرم الأشياء على وجه التدين لا يجوز، وهذا يخرج الإنسان من الإسلام أو شبه التدين، لا هذا لا يخرج صاحبه لكنه يوقع في البدع وفي إشكالية أنك تنذر، نذر عليّ ما آكل كذا، فهذا فيه، أو الآن سيأتي إلى أحوال، يعني هو الآن سيقسم ترك الأشياء إلى أقسام منها أن تحرمها تديناً، ومنها أن يكون...
على وجه النذر أو على وجه العهد بينك وبين الله، ومنها أن تترك الأشياء من باب لا تديّن ولا شبه تديّن، هذا لا إشكال فيه؛ كأن يترك أكل السكر أو الخبز «رجيم»، قال: أنا خلص ما بدي آكل، هل هذا حرّم طيّبات ما أحل الله له؟ قال: خلص، لا والله يا شيخ، أنا بيعمل لي سمنة وأنا ما لي مصلحة فيه. هذا الترك لا إشكال فيه؛ لأنه ليس تديّناً ولا شبه تديّن، وإنما بده يحافظ على جسده وبنية الجسد.
ثم قرر الإباحة تقريراً زائداً على ما تقرر بقوله: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 88]، ثم أمرهم بالتقوى، وذلك مُشعر بأن تحريم ما أحل الله خارج عن درجة التقوى.
نعم، فخرج إسماعيل قاضم من حديث أبي قلابة، قال: أراد ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا ويتركوا النساء ويترهبوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلّظ فيهم المقالة، فقال: «إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع؛ اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم بكم». قال: ونزلت فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87].
وفي الترمذي عن ابن عباس أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي -يعني إذا أكلت اللحم أشتاق للنساء وأريدهن- فحرمت عليّ اللحم، فأنزل الله تعالى الآية؛ حديث حسن.
وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعثمان بن مظعون، والمقداد بن الأسود الكندي، وسالم مولى أبي حذيفة. تجتمع في دار عثمان بن مظعون الجمحي، فتوافقوا أن يجبوا أنفسهم -يعني يقطعوا الذكر- نوع من الاختصاء، من أجل أنه خلاص ما نتزوج ونتفرغ للجهاد وقيام الليل وقراءة القرآن، وأن يعتزلوا النساء، ولا يأكلوا لحماً ولا دسماً، وأن يلبسوا المسوح، ولا يأكلوا من الطعام إلا قوتاً -يعني زي الخرق لباس أهل الصوامع- وأن يسيحوا في الأرض كهيئة الرهبان.
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمرهم، فأتى عثمان بن مظعون في منزله فلم يجدهم، فقال لامرأة عثمان، أم حكيم ابنة أبي أمية بن حارثة السلمي: أحقّ ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟ قالت: ما هو يا رسول الله؟ فأخبرها، فكرهت أن تحدّث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألها، وكرهت أن تبدي على زوجها -شوف الأخلاق، كرهت أن تفشي سر زوجها، بس في نفس الوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم سألني معقول ما أحكي له؟-.
فقالت يا رسول الله: إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك؛ شوف الإجابة الدبلوماسية، شوف الذكاء؛ قالت: إن كان أخبرك عثمان أنه قال كذا وكذا فقد صدق هو. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قولي لزوجك وأصحابه إذا رجعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لكم: إني آكل وأشرب وآكل اللحم والدسم وأنام وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
فلما رجع عثمان وأصحابه أخبرته امرأته بما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا فما أعجبه، فذروا ما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87] قال: من الطعام والشراب والجماع، ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 87] قال: في قطع المذاكير، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87].
لاحظ أن الآية ورد في نزولها أسباب كثيرة؛ الآن ذكر لك أربع خمس قصص كلها ورد أن الآية نزلت فيها، وكلها كما قال ابتداء تدور على معنى واحد، وهو أن يحرّم الإنسان ما أحل الله له من الطيبات على وجه التديّن أو شبه التديّن.
في الصحيح عن عبد الله قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، فرخّص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل، والله أعلم نكاح المتعة المنسوخ؛ هو منسوخ، هذا كان في بعض الغزوات أجاز لهم نكاح المتعة ثم نسخ ذلك إلى يوم القيامة. ثم قرأ ابن مسعود: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87].
وذكر إسماعيل عن يحيى بن يعمر أن عثمان بن مظعون همّ بالسياحة، وهو صوم النهار وقيام الليل، وكانت امرأته عطرة، فتركت الكحل والخضاب، فقالت لها امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: أمشهد أنتِ أم مغيب؟ -يعني زوجك مش موجود ولا غايب؟- لأنه لما شافتها بتترك الكحلة وبطلت تتعطر، كما تعرفون عادةً مَن المرأة التي تترك التزيّن في زمنهم؟ هي المرأة التي يكون زوجها مسافراً، خلص لا ترجو أن أحداً يعاشرها.
فلما رأتْها إحدى أمهات المؤمنين لا تكتحل ولا تختضب، قالت: أمشهد أنتِ أم مغيب؟ يعني زوجك موجود في البلد ولا مسافر؟ الظاهر صار لك فترة تاركة التجمل، فهي كأنها في ذهنها أنه شكله زوجها مسافر فترة طويلة عشان هيك تركت الزينة. فقالت: بل مشهد، غير أن عثمان لا يريد النساء، لا، زوجي موجود بس خلص زوجي لا يريد النساء، فلذلك تركت الزينة. فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «يا عثمان، أتؤمن بما نؤمن به؟» قال: نعم. قال: «فاصنع مثل ما نصنع، لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم».
وخرج سعيد المنصوري عن حسين بن أبي مالك عن أبي مالك قال: نزلت في عثمان وأصحابه، كانوا حرّموا عليهم كثيراً من الطعام والنساء، وأمّ بعضهم أن يقطع ذكره، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ﴾ [المائدة: 87] الآية. وعن عكرمة قال: كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم همّوا بترك النساء واللحم والخصاء، فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ﴾ [المائدة: 87] الآية. وعن قتادة قال: نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرادوا أن يتخلوا من الدنيا ويتركوا النساء ويترهبوا، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون.
وخرج ابن مبارك أن عثمان بن مظعون أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ائذن لنا في الخصاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من خصى واختصى، إن خصاء أمتي الصيام». قال: يا رسول الله، ائذن لنا في السياحة، قال: «إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله». قال: يا رسول الله، ائذن لنا في الترهب، قال: «إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة». وفي الصحيح ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم التبتل على عثمان بن مظعون، ولو أذن له لاختصينا.
وهذا كله واضح في أن جميع هذه الأشياء تحريم لما هو حلال في الشرع، وإهمال لما قصد الشارع إعماله، وإن كان بقصد سلوك طريق الآخرة، لأنه نوع من الرهبانية، ولا رهبانية في الإسلام. يعني حتى لو كان مقصدك التعبد، ما بصير تعمل هذه الأشياء؛ لأن هذا نوع من الرهبانية، ولا رهبانية في الإسلام.
وإلى منع تحريم الحلال ذهب الصحابة والتابعون ومن بعدهم، إلا أنه إذا كان التحريم غير محلوف عليه فلا كفارة فيه، وإن كان محلوفاً عليه ففيه الكفارة، وليعمل الحالف بما أحل الله له.
يعني وإلى منع تحريم الحلال على وجه التديّن أو شبه التديّن ذهب الصحابة والتابعون ومن بعدهم، إلا أنه في نوعين: في واحد يحرّم الزواج على نفسه، خلص بدي أحرّم الزواج على نفسي مشان أتفرغ للعبادة. هسّة إذا حلف، حلف أن يترك الزواج تفرغاً للعبادة، هذا عليه كفارة يمين إذا حرّمه على نفسه، ولكن بدون أن يحلف فهذا لا، بنقول له روح تزوج بس ما عليه كفارة يمين؛ لأنه لم يستعمل ألفاظ اليمين.
من ذلك ما ذكر إسماعيل القاضي عن معقل بن مقرن أنه سأل ابن مسعود فقال: إني حلفت ألا أنام على فراش سنة. فتلا عبد الله -احفظوها قصة معقل بن مقرن لأنها رح تتكرر معنا أثناء التحليل كمان شوي كثير- معقل بن مقرن سأل عبد الله بن مسعود، قال: إني حلفت ألا أنام على فراش سنة، فإذا حلف وعلى وجه التديّن أو شبه التديّن يعني التعبد لله، فماذا قال له؟ قال: فتلا عبد الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا﴾ [المائدة: 87] الآية، كفّر عن يمينك ونم على فراشك. وفي رواية أن معقلاً كان يكثر الصوم والصلاة فحلف ألا ينام على فراشه، فأتى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فسأله عن ذلك، فقرأ عليه الآية.
وعن المغيرة قال: قلت لإبراهيم في هذه الآية: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87] قال: هو الرجل يحرّم شيئاً مما أحل الله له. قال: نعم. وعن مسروق قال: أُتي عبد الله بضرع، فقال لقوم: ادنوا، فأخذوا يطعمون، فقال رجل: إني حرّمت الضرع، فقال عبد الله: هذا من خطوات الشيطان، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87] الآية، ادنُ فكفّر عن يمينك.
والضرع هو الذي يخرج منه اللبن من الناقة أو ما شابه ذلك، لكن هذا المراد: أُتي بذات ضرع، يعني أُتي بشاة، المهم الضرع نفسه يؤكل؛ لأن الضرع ما هو؟ هو الذي يُؤخذ منه الحليب، تحلب منه الناقة أو الشاة أو البقرة. فقوله أُتي عبد الله بضرع، هذا المراد أنه نفس الضرع، فأخذوا يطعمون، يعني مثل الكرشات أنتم بتحشوها وتأكلوها.
وعلى ذلك جرت الفتيا في الإسلام أن كل من حرّم على نفسه شيئاً مما أحل الله له فليس ذلك التحريم بشيء، فليأكل إن كان مأكولاً، وليشرب إن كان مشروباً، وليلبس إن كان ملبوساً، وليملك إن كان مملوكاً. وكأنه إجماع منهم، منقول عن مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم، لكن الحنابلة يقولون فيها كفارة يمين.
لما نقول إن كل من حرّم على نفسه شيئاً ما أحل الله له فليس ذلك التحريم بشيء، هي مسألة فيها خلاف؛ لو قال: يحرّم عليّ أكل هذا الطعام، يحرّم عليّ أكل اللحم، يحرّم عليّ أمشي في هذا الطريق، يحرّم عليّ أزورك. لو قال هكذا، الآن بعض الفقهاء يقولون إنه هذه ما فيها أي شيء، ليست يمين، فلا كفارة فيها، وارجع للأمر بكل أمر صورة طبيعية. وعند الحنابلة يقولون: لا، فيها كفارة يمين، وأخذوها من سورة التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1]، قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2]، فقالوا: من حرّم على نفسه طعاماً أو شراباً، حتى ولو لم يحلف، لو لم يقل أقسم بالله، من حرّم على نفسه شيئاً فهذه يمين يكفّرها. هي مسألة فيها خلاف؛ لكن الجميع متفقون أنه لا يصح للإنسان أن يستمر على تحريم هذا الشيء على نفسه.
واختلفوا في الزوجة؛ إذا شخص قال: تحرّم عليّ زوجتي. الآن كثير من أهل العلم يراه من قبيل الظهار، كثير من أهل العلم يرى أن من قال تحرّم عليّ زوجتي أن هذا ظهار، البعض قال لا، هو طلاق. مشان هيك بعض الناس يتساهل اليوم، بتلاقيه على الطالع والنازل: زوجتي عليّ حرام إذا كذا، تحرّم عليّ زوجتي. بعض أهل الفقه، لاحظ ماذا قال: مذهب مالك أن التحريم طلاق كطلاق الثلاث، شوف مذهب المالكية، وما سوى ذلك فهو باطل؛ لأن القرآن شهد بكونه اعتداء.
حتى أنه إن حرّم على نفسه وطء أمته غير قاصد به العتق، فوطؤها حلال، وكذلك سائر الأشياء من اللباس والمسكن والكلام والصمت والاستظلال والاستضحاء. وقد تقدم الحديث في النادر للصوم قائماً في الشمس ساكتاً، فإنه تحريم للجلوس والاستظلال والكلام، والنبي صلى الله عليه وسلم أمره بالجلوس والتكلم.
الاستضلال مر معنا الرجل الذي نذر أن يقف في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم، فأمره لا؛ لأنه يترك كل هذا بدون كفارة فيمـا يظهر، هكذا قال بعضهم، وإن كان البعض يقول: لا، الكفارة موضوعها مختلف. المهم قال مالك: أمره أن يتم ما كان لله فيه طاعة، ويترك ما كان عليه فيه معصية. نعم، لأنه هو كان أيضاً نذر الصوم، فالصوم أمره أن يتم صومه، لكن ما كان فيه ترك للظل والكلام والصمت إلى المساء، هذا كله مباشرة أمره أن يتركه؛ لأنه لا يوافق الشريعة، وهو من الاعتداء، ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾.
تأملوا كيف جعل مالك ترك الحلال معصية، وهو مقتضى الآية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾، ومقتضى قول ابن مسعود رضي الله عنه لصاحب الضرع؛ هذا من خطوات الشيطان. وقد ضعف ابن رشد الحفيد الاستدلال من المالكية بالحديث وتفسير مالك له، وذكر أن قوله في الحديث: «ويترك ما كان عليه فيه معصية»، ليس بالظاهر أن ترك الكلام معصية، وقد أخبر الله تعالى أنه نذر مريم؛ وكذلك يشبه أن يكون القيام في الشمس ليس بمعصية، إلا ما يتعلق بذلك من جهة تعب الجسم والنفس، وقد يستحب للحاج ألا يستظل، فإن قيل فيه معصية فبالقياس على ما نهي عنه من التعب، لا بالنص، والأصل فيه أنه من المباحات.
ما قاله ابن رشد غير ظاهر، ولم يقل مالك في الحديث ما قال استنباطاً منه، بل الظاهر أنه استدل بالآية المتكلم فيها، وهي آية ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. مالك لما كان يعلق على حديث الرجل الذي نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يتكلم، هكذا استنباطاً منه أن هذا النذر معصية، بل هو اعتمد على الآية، وهي أن هذا الرجل حرم على نفسه ما أحل الله له، فهو فعلاً معصية.
حمل الحديث عليها، فترك الكلام وإن كان في الشرائع الأولى زمن مريم عليها السلام مثلاً مشروعاً، فهو منسوخ في شريعتنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صمات يوم إلى الليل. فهو عمل في مشروع بغير مشروع، أي عمل في أمر مشروع سابقاً في وقت ليس هو بمشروع في وقت شريعتنا، فلا أحد يقول والله الصيام عن الكلام مشروع، هذا غير صحيح. وكذلك القيام في الشمس زيادة في العبادة من باب تحريم الحلال، وإن استحب في موضع فلا يلزم استحبابه في آخر، فلو فرضنا أنه يستحب للحاج أن يستظل بظل، وهذا قاله بعض الفقهاء، وأنه يبقى تحت الشمس إذا قيل إنه في باب الحج يستحب للحاج ألا يستظل وأن يظهر رأسه لله سبحانه وتعالى، وهذا استدل به بعض الأدلة، لكن هذا كشف الرأس تحت الشمس وإن شرع في الحج، لكنه ليس مشروعاً في كل العبادات الأخرى في خطبة الجمعة والصلاة، لذلك قال: وكذلك القيام في الشمس زيادة عن القدر المطلوب في العبادة من العبادات كخطبة الجمعة، هذا كله من باب تحريم الحلال، وإن استحب كشف الرأس في موضع كالحج مثلاً فهو غير مستحب في المواضع الأخرى.
فصل: ويتعلق بهذا الموضع مسائل، إحداها أن تحريم الحلال وما أشبه ذلك يتصور على أوجه. الآن أردنا أن نعرف ما هي صور تحريم الحلال؟
الأول: التحريم الحقيقي، وهو الواقع من الكفار كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وجميع ما ذكر الله تعالى تحريمه عن الكفار بالرأي المحض، ومنه قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾، وما أشبهه من التحريم الواقع في الإسلام رأياً مجرداً، وهذا كما قلنا الأصل فيه أنه مخرج من الملة. التحريم الحقيقي، الآن الكفار جعلوا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وقالوا: هذه الناقة جابت عشر بطون خلص ما حدا يركبها حرام ركوبها، هذه الناقة جابت ولدين، على قصص جعلوها، ولذلك سورة الأنعام كان تفصيلها تحريم هذا النوع؛ أنه ما بصير أنت كإنسان تضع لنفسك أحقية أن تحرم ما أحله الله، وعالجت هذا الموضوع سورة الأنعام، لأن هذا من أكبر نواقض التوحيد ومن أكبر نواقض الإسلام أن تعطي لنفسك أحقية التشريع، كما أن إباحة الحرام جريمة فكذلك تحريم الحلال جريمة، نفس الفكرة.
الثاني: أن يكون مجرد ترك لا لغرض، بل لأن النفس تكرهه بطبعها، أو لا تتذكره حتى تستعمله، أو لا تجد ثمنه، أو تشتغل بما هو آكد منه، أو ما أشبه ذلك، ومنه ترك النبي صلى الله عليه وسلم لأكل الضب لقوله فيه: «إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه»، ولا يسمى مثل هذا تحريماً، لأن التحريم يستلزم القصد إليه، وهذا ليس كذلك. إذا أنت تركت شيئاً كما قلنا من باب المحافظة على الريجيم الخاص، أو من باب أنه والله ما بحب طعمه، أو ذوقه، أو هيك نفسياً أتقزز منه، هذا كله لا يسمى تحريماً، يجوز أن تترك الطعام بهذا النفس وبهذا البعد، أو اللباس، أو الشيء، ولا يعتبر هذا منهياً عنه، ولا يدخل تحت قوله ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. لماذا؟ لاحظ هنا البعد، قال: ولا يسمى مثل هذا تحريماً، قال: لأن التحريم يستلزم القصد إليه، أي حتى تحرم شيئاً على نفسك يجب أن تقصد أن تمنع نفسك عنه، أن تقصد منع النفس منه تحريماً، لأن التحريم يستلزم القصد إلى التحريم، مش الترك الناشئ عن اشمئزاز منه، أو عدم رغبة فيه، أو انشغال عنه بما هو أولى، يجب أن تكون تقصد في البعد الداخلي أنني أريد أن أحرم هذا الشيء على نفسي، هذا هو التحريم المنهي عنه.
وهو الصورة الثالثة التي ستأتي، قال: وأن يمتنع لنذره، التحريم أن يمتنع على وجه النذرية، نذراً علي إذا ربنا شفى مريضي أني لا آكل لبناً مثلاً. قال: أو يجري مجرى النذر من العزيمة القاطعة للعذر كتحريم النوم على الفراش سنة، وتحريم الضرع، وتحريم الادخار لغد، وتحريم اللين من الطعام واللباس، وتحريم الوطء أو الاستلذاذ بالنساء في الجملة وما أشبه ذلك، وإن لم يكن فيه لفظ النذر، لذا قال: أو ما جرى مجرى النذر من العزيمة القاطعة للعذر كما حصل مع ابن مقرن قبل شوي لما قال: حرمت على نفسي الفراش سنة، أو الرجل الذي قال حرمت الضرع مع ابن مسعود، وهكذا.
الرابع: أن يحلف على بعض الحلال أن لا يفعله، مثل الصورة الرابعة التي يمكن أن تدخل تحت تحريم الحلال أن يحلف ألا يفعل بعض الحلال، يقول: أقسم بالله لا آكل لحم الشاة، أو أقسم بالله ما أشرب لبناً، هذا أيضاً البعض يدخله تحت صور التحريم للحلال أن يحلف على بعض الحلال ألا يفعله، ومثله قد يسمى تحريماً. قال إسماعيل القاضي: إذا قال الرجل لأمته والله لا أقربك فقد حرمها على نفسه باليمين، فإذا غشيها وجبت عليه كفارة اليمين. ومسألة ابن مقرن في سؤال ابن مسعود رضي الله عنه إذ قال: إني حلفت ألا أنام على فراش سنة، فقال فتلى عبد الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا﴾ الآية، كفر عن يمينك ونم على فراشك، فأمره أن يحرم ما أحل الله له أن يكفر من أجل اليمين، فهذا الإطلاق يقتضي أنه نوع من التحريم، وله وجه ظاهر، فقد أشار إسماعيل إلى أن الرجل كان إذا حلف ألا يفعل شيئاً من الحلال لم يجز له أن يفعله حتى نزلت كفارة اليمين، فيحل ما كان قبل من التحريم، وإن وردت الكفارة يسمى تحريمه، ومن ثم والله أعلم سميت كفارة.
نعم، فهذا الإطلاق نوع من التحريم، فقد أشار إسماعيل القاضي إلى أن الرجل كان إذا حلف ألا يفعل شيئاً من الحلال في زمن النبوة، الرجل كان إذا حلف ألا يفعل شيئاً من الحلال خلص لم يجز له أن يفعله حتى نزلت كفارة اليمين، فأصبحوا بالتالي يفعلون هذه الأشياء التي حرموها على أنفسهم ويكفرون كفارة اليمين، فلأجل ما كان قبل من التحريم وورود الكفارة يسمى تحريماً.
تفضل، الأولى نذر وإلزام للنفس بعدم فعل هذا الشيء وعزيمة قاطعة، الرابعة أنه استعمل فيها الحلف بس مجرد حلف ولم يقصد ربما العزيمة على القطع التام، خلص حلف ألا يفعل هذا الشيء ولم يقصد فيها العزيمة على المعنى التام، فهذا الذي يظهر لي، قال: مثله هذا قد يسمى تحريماً، يعني الشخص في الحالة الثالثة هو قصد الامتناع التام المطلق عن هذا الشيء وعن سبق إصرار وترصد، يعني هو لا يريد وخلص يفعله، في شخص لا، أحياناً بسبب غضبه أو انفعالاته أو أشياء يقول مثلاً خلص والله ما بدي آكل هذه الشغلة ويحرمها على نفسه مش بما هو مجرى النذر من العزيمة القاطعة، لم يصل في الحالة الرابعة إلى الحالة الثالثة، وإن كانت الحالة الرابعة البعض لا يقول هي مثل الثالثة، والآن سيناقش هذه القضية.
أقرأ، قال: والثانية أن الآية التي نحن بصددها ينظر فيها على أي معنى يطلق التحريم من تلك المعاني، طيب إذا عرفنا أن تحريم الحلال هذا لفظ مشترك بين هذه الإطلاقات الأربع، يطلق تحريم الحلال على التحريم الحقيقي، على مجرد الترك لا لغرض معين، يطلق تحريم الحلال على الامتناع عن الشيء بالنذر أو العزيمة القاطعة، ويطلق تحريم الحلال على من حلف ألا يفعل بعض الحلال، الآن في قوله تعالى ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ هنا التحريم في هذه الآية على أي نوع من هذه الأنواع الأربعة يحمل؟
قال: أما الأول فلا مدخل له هاهنا، أما الأول وهو التحريم الحقيقي، قال: فلا مدخل له هنا، كأنه يرى في وجهة نظر الشاطبي أنه لا مدخل له من جهة أن ذلك كفر مخرج عن الملة، وبالتالي لم يكن يتصور أن الصحابة يفعلونه، أن يأتي صحابي ربنا يقول له الشيء هذا حلال، هو يقول لا هذا حرام، ويعارض رب العالمين في التشريع، فهذا قال لا يتصور من الصحابة الكرام فلا مدخل لحمل الآية عليه هكذا يقول. لأن التحريم تشريع كالتحليل، والتشريع ليس إلا لصاحب الشرع، صاحب الشرع الله سبحانه. قال اللهم إلا أن يدخل مبتدع رأياً كان من أهل الجاهلية أو من أهل الإسلام فهذا أمر آخر، يجل السلف الصالح عن مثله فضلاً عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخصوص. ايش يعني هذا الكلام؟ كما قلت لا يتصور في الصحابة الكرام أن يحرموا الحلال على الوجه الأول، لأنه هذا مضادة لله في التشريع ومخرج من الملة فلا يتصور في الصحابة، وين ممكن يتصور؟ شو هي الحالة الوحيدة التي تصورها؟ أيوه، اللي لا مش إلا أن يدخل مبتدع شو يعني هذه الحالة الوحيدة التي استثناها؟ قال: اللهم إلا أن يدخل مبتدع رأياً كان من أهل الجاهلية أو رأياً في الإسلام، تدخل شبهة على من يحرمها، يعني يأتي شخص لا يقصد معارضة الله، لكنه ابتدع فأدخل شيئاً من أفكار الجاهلية أو رأياً اخترعه في الإسلام، فحرم الحلال ديانة وتشريعاً، لكن كان متأولاً في ذلك، هو مبتدع لكنه تأول في ذلك، هذا التأول جعلنا لا نكفره، بس هو في النهاية قول بدعي.
فيأتي أن يحمل التحريم في الآية على أنه يكون تحريماً على وجه معارضة الله في التشريع، أنه ربنا يقول هذا حلال أنت تقول لا هو حرام، هذا لا نحمل الآية عليه، لأنه لا يتصور في الصحابة أن يقول يا أيها الذين آمنوا، الله يخاطبهم بالإيمان، هذا خطاب للمؤمنين، مش معقول أن الصحابة يقولون لا لا رب نحن راح نأتي بأحكام مخالفة لأحكامك، هم يعرفون أن هذا كفر، فلذلك استبعد الشاطبي أن يكون هذا داخلاً في الآية من جهة استبعاد أن يكون الصحابة يصدر منهم ذلك، اللهم كما قال إلا أن يكون قولاً مبتدعاً أدخله أحد المبتدعة فحرم.
الحلال بسببه، فحرم الحلال ديانة بسببه، وهذا يجل السلف الصالح أن يقعوا في مثله. نعم، قال: وقد وقع للمهلب في شرح البخاري ما قد يشعر بأن المراد في الآية التحريم بالمعنى الأول. الآن المهلب وقع في شرحه للبخاري ما يمكن أن تفهم منه لا، أنه حتى الآية ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يمكن أن يدخل فيها التحريم بالمعنى الأول، وهو معارضة الله في التشريع. يمكن ما هو هذا الذي وقع للمهلب في شرح البخاري؟ قال: فقال التحريم إنما هو لله ولرسوله، فلا يحل لأحد أن يحرم شيئاً، وقد وبخ الله من فعل ذلك فقال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾.
إذاً المهلب ماذا قال؟ استدل بهذه الآية ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ على ماذا؟ على أن التحريم إنما هو حق لله، فلا يحل لأحد أن يحرم شيئاً مخالفاً لشرع الله. إذاً المهلب حمل الآية على ماذا؟ على التحريم بالمعنى الأول، إنه قال لأن الله يقول: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وكلامه السابق كان يتكلم عن التحريم بأي معنى؟ بالمعنى الأول وهو التشريعي. فإذاً يمكن أن تُحمل الآية على التحريم التشريعي، وإن لم يكن هذا هو المتبادر منها.
نعم قال: فجعل ذلك من الاعتداء، فمعنى ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي لا تعتدوا فتحرموا ما أحل الله تشريعاً. نعم قال: وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾، قال: فهذا كله حجة في أن تحريم الناس ليس بشيء. وما قاله المهلب يرده، سيرد الشاطبي على المهلب ماذا قال؟ قال: وما قاله المهلب يرده السبب في نزول الآية، وليس فيه ما يشعر بهذا المعنى، وإنما نصت الأسباب على التحريم بالمعنى الثالث كما تقرر.
قال: حقيقة رد الشاطبي برضه رد دامغ على المهلب، لو كانت أسباب نزول الآية تشير أن التحريم المراد بها ليس التحريم بالمعنى الأول، لكن ألا يجوز أن نستعمل الآية التي تتكلم في معنى على معنى أوسع منها؟ أليس نحن كان الصحابة والسلف يستعملون الآيات التي تتكلم في الشرك الأكبر ويحملونها على الشرك الأصغر، أو في الشرك الأصغر ويحملونها على الشرك الأكبر؟ ففي اعتقادي قول الشاطبي: "وما قاله المهلب يرده السبب في نزول الآية" ليس رداً قوياً على المهلب؛ لأن المهلب لم يقل إن سبب نزول الآية هو المعنى الأول، هو قال إن الآية بعمومها وبإطلاقها يصلح أن تحمل على المعنى الأول، وهو التحريم التشريعي، وأنه لا يجوز لأحد أن يشرع خلاف ما شرعه الله، وإن كانت أسباب نزول الآية نعم تشير إلى أن التحريم فيها المراد به المعنى الثالث، وهو النذر أو ما جرى مجرى النذر، لكن لا أعتقد أن المهلب أخطأ في حمل الآية على المعنى الأول، خلي الآية واسعة وتحمل كل المعاني، وإن كان أظهر معانيها هو المعنى الثالث.
نعم قال: ولذلك لم يُعدَّ المحرم الحكم لغيره كما هو شأن التحريم بالمعنى الأول، فصار مقصوراً على المحرم دون غيره. ما معنى هذا؟ الآن التحريم بالمعنى الأول لماذا هو جريمة كبيرة؟ لأنه أنت لما تقول هذا الشيء ربنا جعله حلالاً أنا بدي أخليه حراماً، أنت هنا ما بتخليه حراماً بس عليك، أنت بتخليه حراماً على المجتمع كله، تشريع بغير ما أنزل الله. التشريع بغير ما أنزل الله مثل هذه القوانين الوضعية، أنت هنا مش عم بتحرم الشغلة بس على نفسك، أنت عم بتقول للناس: يلا يا ناس اعتقدوا اعتقادي، وأنه هذا الشيء اللي ربنا أحله حرام، أو اللي ربنا حرمه حلال، فهذا متعدي الأثر، بخلاف التحريم بالمعنى الثالث وهو أن تنذر ألا تفعل هذا الشيء، فهذا شيء متعلق بك أنت ولا يتعدى إلى غيرك. والآية لما قالت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ كل أسباب النزول كانت تتكلم عن تصرفات صحابة جزئية، حرموا فيها على أنفسهم اللحم دون أن يحرموا على غيرهم، فالآية أنسب أن تحمل على المعنى الثالث وهو التحريم بالنذر أو ما يقوم مقام النذر من القطيع من العهد اللازم.
نعم قال: وأما التحريم بالمعنى الثاني فلا حرج فيه في الجملة. أما أن تحرم بالمعنى الثاني اللي هو الامتناع لأنه ما لك مصلحة في هذا الشيء، فهذا لا حرج فيه من أجل المحافظة على جسمك بدنك لا تشتهيه، هذا كله لا إشكال في أن تحرم من هذه الجهة. نعم قال: لأن بواعث النفوس على شيء أو صوارفها عنه لا تنضبط لقانون معلوم؛ لأنه إنسان بحب الرز ما بحب الخيار، بحب الخيار، هذه نفوس بشرية وكل نفس لها دوافعها.
نعم قال: فقد يمتنع الإنسان من الحلال لألم يجده في استعماله، ككثير ممن يمتنع من شرب العسل لوجع يعتريه به، حتى يحرمه على نفسه، لا بمعنى التحريم الأول ولا الثالث، بل بمعنى التوقي منه، كما يتوقى سائر المؤلمات. قال: ويدخل هنا بهذا المعنى امتناع النبي ﷺ من أكل الثوم لأنه كان يناجي الملائكة. وقضية هل النبي ﷺ حرم على نفسه الثوم بالمعنى أنه كان حراماً عليه؟ لم تُعرف. البعض يذكر في خصائص النبي ﷺ أن من خصائصه أن الله حرم عليه الثوم والبصل. الشاطبي يقول: ما في دليل على هذا النص، أنه حرم الله عليه الثوم والبصل، وإنما حرم النبي ﷺ على نفسه الثوم من جهة المعنى الثاني، أنه كان يناجي الملائكة، وعلاقة معهم علاقة مختلفة عن علاقتنا، فحتى لا يتأذوا فيها حرمه على نفسه، ومثل هذا لا إشكال فيه. يعني شخص مثلاً ممكن يخاطب الجمهور يومياً ويتعامل مع الناس يومياً، فقال: أنا ما بدي آكل الثوم، بلاش أنا أُحرج مع الناس، خلص ما بدي آكله أبداً، في مشكلة في هذا؟ لأنه هو بس قرار دفع مؤذية عن نفسه.
نعم قال: ولعل هذا المحمل أولى من قول من قال إن الثوم ونحوها كانت محرمة عليه بالمعنى المختص بالشارع، أنه من خصائصه، نعم. قال: والمعنيان متقاربان، وكلاهما غير داخل في معنى الآية. وأما التحريم بالمعنى الرابع فيحتمل أن يدخل في عبارة التحريم، فيكون قوله تعالى ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قد شمل التحريم بالنذر والتحريم باليمين. والدليل على ذلك ذكر الكفارة بعدها بقوله تعالى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى آخرها، مما يؤكد أنه التحريم من خلال الحلف وهو الرابع يشبه الثالث. أن الله متى ذكر كفارة اليمين في ترتيب المصحف بعد هذه الآية مباشرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ثم بعدها مباشرة ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ فذكر كفارة اليمين هنا في نفس السياق يدل على وجود ارتباط بين هاتين الصورتين، وأنه من تحريم الحلال الحلف على تركه.
نعم قال: وما تقدم من أنه كان تحريماً مجرداً قبل نزول الكفارة، وأن جماعة من المفسرين قالوا في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ أن التحريم كان باليمين حين حلف النبي ﷺ ألا يشرب العسل، وسياتي ذكر ذلك بحول الله تعالى. فإن قيل: هل يكون قول الرجل لرسول الله ﷺ: إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء، الحديث، من قبيل التحريم الثاني لا من الثالث؟ هذا سؤالك يا شيخ عمر، قصة الرجل اللي قال: يا رسول الله أنا بدي أحرم اللحم على نفسي؛ لأني إذا أكلت لحم أشتاق للنساء، هل هذا يعتبر ترك وأذى، بالتالي جائز من قبيلة الترك الثاني أو من الثالث المحرم الذي لا يجوز؟ قال: لأن الرجل قد يحرم شيئاً للضرر الحاصل به، وقد تقدم آنفاً أنه ليس بتحريم في الحقيقة، وكذلك هنا لا يريد بالتحريم التدين، يعني هذا الرجل لما بده يحرم اللحم هو لا يريد بالتحريم هنا التدين، بل يريد أن يتوقى العلاقة مع النساء.
نعم قال: أي أني أخاف على نفسي العنت. وكان هذا المعنى والله أعلم هو مقصود الصحابي رضي الله عنه، يعني يشتاق وبالتالي يخشى على نفسه الوقوع في الحرام في الزنا. فالجواب: قال فالجواب أن من يلحقه الضرر وقتاً ما بتناول شيء، يمكنه أن يمسك عنه من غير تحريم، إذ التارك لأمر لا يلزمه أن يكون محرماً له، فكم من رجل يترك الطعام الفلاني أو النكاح لأنه في ذلك الوقت لا يشتهيه أو لغير ذلك من الأعذار، حتى إذا زال عذره تناول منه، وقد ترك عليه السلام أكل الضب، ولم يكن تركه موجباً لتحريمه له. والدليل على أن المراد بالتحريم الظاهر وأنه لا يصح، وإن كان لعذر، أن النبي ﷺ رد عليه بالآية، فلو كان وجود مثل تلك الأعذار مبيحاً للتحريم بالمعنى الثالث لوقع التفصيل في الآية بالنسبة إلى من حرم لعذر أو لغير عذر.
والدليل على أن المراد بالتحريم الظاهر، والرجل قال: إني أريد أن أحرم اللحم على نفسي، ماذا قصد بتحريم اللحم على نفسه؟ لا، الظاهر وهو المعنى الثالث، شبه وليس نعم هو نوع من النذر والعزيمة القاطعة، وأنه لا يصح، وإن كان لعذر، أن تحرم اللحم على نفسك حتى لو عندك عذر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ماذا أجابه؟ كما مر معنا قبل صفحات، ماذا أجابه لما أراد أن يحرم اللحم على نفسه بالآية ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾؟ إذاً النبي ﷺ هو أدرى بمقصد ذلك الرجل، وأنه إنما أراد بتحريم اللحم على نفسه ليس فقط دفع الأذى، لا قصد التعبد بترك اللحم، فصار فيه نوع من التدين، وبالتالي لا يجوز مثل هذا ولو كان لعذر. فلو كان وجود مثل تلك الأعذار مبيحاً للتحريم بالمعنى الثالث، لوقع التفصيل. بالتالي حتى لو كان عندك عذر ما بصير تحرم هذا التحريم التام الشامل. يعني الآن لاحظ فلو كان وجود مثل تلك الأعذار هو إيش يقول؟ إنِّي أخشى العنت على نفسي، يا أخي في اللحظة اللي أنت بتشعر فيها خوف من هذا لا تأكل، بس ما بصير تعطي قراراً عاماً جزماً حتمياً إني ما رح آكل اللحم طول حياتي. أنت ممكن الآن متخوف منه، ممكن أتركه ماشي، بس إنك تعطي قاعدة عامة حتمية إني طول حياتي ما رح آكل اللحم، حتى ولو كان عندك عذر ابتداءً خوف العنت ما بيحق لك تعطي حكماً عاماً؛ لأنه في لحظة من اللحظات ممكن خلص خوف العنت هذا يروح، صح؟ وبالتالي خلص بترجع تأكل اللحم. فالإشكال أنه أراد أن يعطي حكماً عاماً لعذر معين، نقول لا، أنت عند وجود هذا العذر لا تأكل، بس لا تعطي حكماً عاماً بترك اللحم.
نعم قال: وأيضاً فإن الانتشار للنساء ليس بمذموم، فإن النبي ﷺ قال: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج». الحديث، فإذا أحب الإنسان قضاء الشهوة تزوج، فحصل له ما في الحديث، زيادة إلى النسل المطلوب في الملة، فكان محرم ما يحصل به الانتشار ساعياً في التشبه بالرهبانية، فكان ذلك منتفياً عن الإسلام كسائر ما ذكر في الآية. ممكن أيضاً هذا بُعد آخر، أنه هو الرجل أراد يعني لا أريد أن أنتشر للنساء، أنه ما بده الزواج، قد يكون هذا هو المراد، فالنبي ﷺ يقول له: لا، خلي شهوة النكاح عندك موجودة، روح تزوج، مين اللي قال لك إنه أنا ما بدي إياك يكون عندك شهوة نكاح؟ يعني كأن الرجل أراد أن يخفف من اللحم ويقطعه أو يحرم من أجل أنه لا ينتشر للنساء، بمعنى لا يريد الزواج، فقال: لا، أنا من قال لك إنني أريد أن تُقطع هذه الشهوة منك، بل أريد أن تبقى حاضرة، وهذا بُعد آخر في طريقة فهم الآية.
طيب، نقف خالص عند هذا القدر، وباقي الاستشكالات في فهم الآية نتركها للدرس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل