حياكم الله في مجلس يتجدد بنا في التعليق على كتاب الاعتصام ضمن برنامج المدارسة، هذا الكتاب الفذ العظيم من كتب التراث الإسلامي. كتاب الاعتصام وكتب الموافقات كلاهما للشاطبي من الكتب التي يفتخر بها بما فيها من العقل والتحليل والفهم والنضج؛ ليس أي كتاب يفتخر به، وليس أي كتاب تشعر أنه يمتلك الميزة التي يستحق من أجلها أن تثني الركب بين يديه. هذا الكتاب يستحق أن تثني الركب بين يديه لتقرأه وتتفحصه ولتعيد النظر في طريقة تفكير هذا الإمام الكبير وطريقة تحليله ونظرته وتوازنه في فهم النصوص والعمق والذكاء الذي منحه الله إياه.
وصلنا أيها الكرام إلى الباب الخامس من أبواب هذا الكتاب، وهذا الباب الذي سيعالج فيه البدع الحقيقية والبدعة الإضافية وكيف ينظر إلى هذه الأمور، وحقيقة الباب فريد ومميز في طريقة تحليله ونظرته للأمور. ستجد أن الشاطبي هنا ينقلك؛ أحيانا قد لا تحتاج أن تركز في بعض الأمور على قضية البدع بمعناها العامي، بل كيف تقود نفسك إلى الله في باب التعبدات، كيف تسوس نفسك في العبادة؛ ستجد أن الشاطبي تكلم بفن وإتقان ضمن هذه المساحة، وأضاء لك كثير من الأمور في طريقة سياسة النفس في التعبدات مع الله سبحانه وتعالى.
فما هي البدعة الحقيقية؟ وما هي البدعة الإضافية؟ وما هي الأحكام المتعلقة بالبدعة الإضافية؟ هذا موضوع سنعيش معه إن شاء الله في ثنايا هذا الباب بفصوله. نبدأ مستعينين بالله.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين. قال: الباب الخامس في أحكام البدع الحقيقية والإضافية والفرق بينهما.
قال: ولا بد قبل النظر في ذلك من تفسير البدعة الحقيقية والإضافية، فنقول وبالله التوفيق: إن البدعة الحقيقية هي التي لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا استدلال معتبر عند أهل العلم، لا في الجملة ولا في التفصيل، ولذلك سميت بدعة كما تقدم ذكره.
إذاً، البدعة الحقيقية هو كل تصرف ينسب إلى الدين لكن لم يدل عليه دليل شرعي أبداً، لا من الكتاب ولا من السنة ولا الإجماع ولا القياس ولا بأي شكل من أشكال الاستدلال، لا في الجملة دلت عليه الشريعة ولا في التفصيل. نحن هنا نتكلم عن البدعة الحقيقية؛ هو يتكلم عن شيء كله ليس موجوداً في الشريعة، كالرقص والزمر عند التعبدات، وكالاحتفال بالأعياد غير الشرعية وما شابه ذلك. فهو إذاً البدعة الحقيقية في مفهوم الشاطبي هو كل ما ينسب إلى الدين من التعبدات التي لم تدل عليها الشريعة لا جملة ولا تفصيلاً. مثال ذلك كما قلنا الرقص الصوفي وما يمكن أن يقاس عليه.
قال: لأنها شيء مخترع على غير مثال سابق، وإن كان المبتدع يأبى أن ينسب إليه الخروج عن الشرع؛ إذ هو مدعٍ أنه داخل بما استنبط تحت مقتضى الأدلة. ما في إنسان مبتدع سيعترف أنه مبتدع؛ في العادة المبتدع سيقول لك: لا، هذه ليست بدعة، ما قلته له مستند من الكتاب والسنة. سيحاول أن يدافع عن بدعته، لكنك أنت طالب العلم المؤصل المحكم لأصول الشريعة تعرف أنها بدعة، وتعرف أن ما يستدل به لبدعته ليس دليلاً على مقياس الشريعة.
قال: لكن تلك الدعوى غير صحيحة لا في نفس الأمر ولا بحسب الظاهر؛ أما بحسب ما في نفس الأمر فبالفرض. وأما بحسب الظاهر، فإن أدلته شبه ليست بأدلة إن ثبت أنه استدل، وإلا فالأمر واضح. لذلك يقول: وإن كان المبتدع يأبى أن ينسب إليه الخروج عن الشرع كما قلنا هو، إذا تقول له: أنت خرجت عن الشارع ما راح يرضى، إذ هو مدعٍ أنه داخل بما استنبط تحت مقتضى الأدلة، يقول لك: أنا مستدل، أنت الذي تبدعني، كلامك غير صحيح. قال: لكن تلك الدعوى -أنه داخل تحت مقتضى الأدلة- غير صحيحة لا في نفس الأمر ولا بحسب الظاهر من النصوص.
قال: وأما البدعة الإضافية فهي التي لها شائبتان: إحداهما لها من الأدلة متعلق، فلا تكون من تلك الجهة بدعة، والأخرى ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية. الآن هذا الذي يهمنا الآن أن نحرره؛ البدعة الإضافية لها جهتان؛ فهي بالإضافة إلى جهة ما لها متعلق من الأدلة فلا تكون من تلك الجهة بدعة، وأما باعتبار جهة أخرى ليس لها متعلق فيكون حالها كحال البدعة الحقيقية. ولذلك هي سميت بدعة إضافية؛ يعني هي بالإضافة إلى تلك الجهة بدعة، لكن لو نظرت إليها من زاوية أخرى لها أصل في الشريعة.
وهذا مثل ماذا؟ كصلاة الرغائب وغيرها من الأمور التي هناك نصوص عامة تحث عليها؛ كالنصوص العامة التي تحث على الصلاة، التي تحث على الصيام، التي تحث على الذكر، لكن أنت صليت ليس في الوقت الصحيح أو بالطريقة الصحيحة، أو ذكرت الله ليس بالهيئة الصحيحة أو بالكيفية الصحيحة، فأنت من حيث الأصل عبادتك لها وجود في الشريعة، لكن من حيث الوقت أو الكيفية أو التفصيل أو الآلية أنت خالفت الشريعة، فإذاً هذه تسمى بدعة إضافية. لها جهتان: من جهة ما فهمنا أصلها، لكن من جهة التفصيل والطريقة أنت ابتدعت فيها.
قال: فلما كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين وضعنا له هذه التسمية؛ أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة لأنها مستندة إلى دليل، وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير مستندة إلى شيء.
والفرق بينهما من جهة المعنى أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم، ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل أو الأوقات لم يقم عليها دليل، مع أنها محتاجة إليه. أي عبادة هي تحتاج إلى كيفية ووقت وأحوال وتفاصيل، فإذا أنت اخترعتها من عندك أصبحت بدعة، وأما إذا التزمت بالتفاصيل والكيفيات والأحوال التي شرعها الله يكون فعلك سنة. هكذا طبيعة التعبدات، لكن من أين آخذ التفاصيل والكيفيات والأحوال؟ يجب أن آخذها من الشريعة وليس من اختراعاتي.
قال: ثم نقول بعد هذا إن البدعة الحقيقية لما كانت أكثر وأعم وأشهر في الناس، وبها افترقت الفرق وكان الناس شيعاً وجرى من أمثلتها ما فيه الكفاية وهي أسبق في فهم العلماء، تركنا الكلام فيما يتعلق بها من الأحكام. الشاطبي سيقول لك: هذا الكتاب سنتكلم فيه عن أحكام وصور البدع الإضافية، لماذا لم تتكلم عن البدعة الحقيقية؟ لأن البدعة الحقيقية الكل يعرفها، وبسببها وقع الافتراق الكبير في الأمة، فالكلام فيها ليس من مقاصدي لأن غيري سد عني هذا المسد، أنا كشاطبي سأتخصص في الكلام وسأبدع في الكلام في تفصيل البدعة الإضافية.
قال: ومع ذلك فقلّ ما تختص بحكم دون الإضافية؛ بل الأحكام المتعلقة بالبدع الحقيقية هي أيضاً موجودة في البدع الإضافية، فلا يوجد أحكام خاصة بالبدع الحقيقية لا تعطى للبدع الإضافية.
الأحكام التي تخشى أنك جاهل بها في البدعة الحقيقية بمجرد دراستك للبدعة الإضافية ستعرفها، فكأنك تستغني بهذا عن هذا. ومع ذلك، فقلما تختص البدع الحقيقية بأحكام دون البدعة الإضافية، أما البدعة الإضافية فالعكس؛ لا تختص بأحكام دون البدعة الحقيقية. القاعدة هكذا: أحكام البدعة الحقيقية موجودة في البدعة الإضافية، لكن هناك أحكام في البدعة الإضافية لا توجد في البدعة الحقيقية؛ فلذلك أصبح الكلام في البدعة الإضافية أهم من هذه الجهة أيضاً.
بل هما معاً تشتركان في أكثر الأحكام التي هي مقصود هذا الكتاب. ما المراد بالأحكام؟ الأحكام من حيث مثلاً الذم، أنها مذمومة، وأن صاحبها يصدق عليه أنه مبتدع إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع، وأن الإنسان ينبغي أن يجتنبها؛ يعني هي الأحكام العامة كما هي في الحقيقية موجودة في الإضافية بشكل عام. لكن هناك أمور وأحكام تختص بالإضافية أكثر وأكثر ليست موجودة في الحقيقية، أحتاج أن أسبرها لك.
بخلاف الإضافية فإن لها أحكاماً خاصة وشرحاً خاصاً، وهو المقصود في هذا الباب، إلا أن الإضافية أولاً على ضربين. الآن وهو المقصود في هذا الباب، إذاً هذا الباب كله في تفصيل البدعة الإضافية. الآن سينطلق فيقول: البدعة الإضافية أولاً على نوعين؛ هناك بدع إضافية قريبة جداً من البدع الحقيقية، وهناك بدع إضافية هي قريبة جداً أن تكون سنة لولا بعض الشوائب الخفيفة فيها. فالبدع الإضافية مراتب؛ هناك بدع إضافية شديدة قاربت أن تصبح كأنها حقيقية، وهناك بدع إضافية خفيفة هي أقرب إلى السنة من غيرها من أنواع البدع. فإذاً حتى البدع الإضافية متفاوته في مراتبها.
أحدهما يقرب من الحقيقية حتى تكاد تكون أو تعد حقيقية، والآخر يبعد منها حتى تكاد تكون سنة محضة؛ يعني البدعة الإضافية مراتب؛ في منها نوع قريب جداً من البدعة الحقيقية حتى ممكن تعدها بدعة حقيقية تقول: والله هذا ليس لها أصل ولا فصل، لشدة اقترابها من البدع الحقيقية. وبعض أشكال البدع الإضافية والله قريبة جداً من السنة، شوائب خفيفة، فتكاد تقول: والله إنها تشبه السنة؛ فهذا يدل على أنها مراتب.
ولما انقسمت هذا الانقسام، صار من الأكيد الكلام على كل قسم على حدته؛ فلنعقد في كل واحد منهما فصولاً بحسب ما يقتضيه الوقت والحال وبالله التوفيق.
فصل: قال الله سبحانه في شأن عيسى عليه السلام ومن اتبعه: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 27]. الآن ركز، هذه النصوص في مجال نمر عليها سريعاً، وهي التي سيتكئ عليها الشاطبي في بيان فكرة البدعة الإضافية. الآن سيبدأ يتكئ على هذا النص وسيبدأ يشرح تفصيله في قضية الرهبانية. قال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾، كيف ربنا قال: ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ ثم قال: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾؟ يعني هي بدعة ولا رضا؟ ومن هنا سينطلق في قضية أنه في أشياء هي بدعة إضافية، يعني هي مشروعة من جهة، بس من جهة أخرى تكون بدعة.
خرج عبد بن حميد وإسماعيل بن إسحاق القاضي وغيرهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدري أي الناس أعلم؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصراً في العمل، وإن كان يزحف على استه». جميل، هذا الحديث فيه ضعف لكن معناه صحيح؛ أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصراً في العمل؛ يعني أحياناً قد يكون العالم ليس عابداً بشدة لكنه متبصر صحيح. في المقابل تجد كثيراً من الناس يغلب عليه التعبد والتنسك والقيام وأشياء كثيرة، لكنه يضيع في شبر ماء في الخلافات والشبهات، فيقول: أعلم الناس أبصرهم بالحق وإن كان مقصراً في العمل، أليس كذلك؟ يعني أن أكون متبصراً بالحق، أعرف الفتنة لما تأتي كيف أتعامل معها وكيف أعالجها، هذا أهم من أن أكون متقدماً في التعبد، وإن كان الجمع بين الأمرين هذا أعلى وأعلى، لكن أن تكون متبصراً بالحق أهم من أنك تكون عابداً متنسكاً لكنك جاهل، لكنك أحمق، لكنك مغفل؛ إذا جاءت الشبهات تضيع فيها، وهذا يدل على فضل العلم على التعبد.
واختلف من كان قبلنا على 72 فرقة نجى منها ثلاث وهلك سائرها؛ فرقة أزت الملوك وقتلتهم على دين الله ودين عيسى بن مريم عليهما السلام حتى قتلوا، وفرقة لم تكن لهم طاقة بمؤازرة الملوك، فأقاموا على دين الله بين ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله، فبعث إليهم الملوك فأخذوهم فنشروهم بالمناشير؛ رحمهم الله شهداءنا أحسبهم الله وحسيبهم. إذاً الطائفة الأولى التي خاضت معارك مع الملوك، الطائفة الثانية لم تستطع أن تخوض معارك فعاشت في المجتمع مستضعفة، ولما اطلعت الملوك على حالهم ماذا فعلوا؟ أخذوهم فنشروهم بالمناشير.
أما الطائفة الثالثة وهي التي تهمنا الآن، قال: وفرقة لم تكن لهم طاقة بمؤازرة الملوك، ولا بأن يقيموا بين ظهراني قومهم فيدعوهم إلى دين الله ودين عيسى بن مريم، فساحوا في الجبال وترهبوا فيها؛ هم الذين قال الله عز وجل فيهم. الفرقة الثالثة قررت قالت: نحن ما نستطيع نواجه الملوك عسكرياً ولا نستطيع أن نتحمل العذاب الشديد إذا بقينا بين ظهرانيهم، فاختاروا خيار العزلة، فذهبوا إلى الصحاري والجبال والفيافي والقفار ليترهبوا فيها وليختفوا فيها. تذكر قصة أصحاب الأخدود والشاب الذي وجد الراهب جالس في صومعة أو كهف وكان يذهب إليه ويقول له: لا تخبر الملك عني، لأنه إن فعلت ستبتلى، راح آخر شيء مع العذاب الشاب اعترف للملك أن الراهب هو الذي دلنا عليك، فالراهب أمسك وقتل؛ هذا مثال على هذه القصة. فالمهم فهؤلاء الطائفة الثالثة هم الذين أنزل الله فيهم ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾.
الآن سيبدأ الشاطبي يعالج هذا النص بالتفصيل. قال: فالمؤمنون الذين آمنوا به وصدقوا به، والفاسقون الذين كذبوا به وجحدوا به. الآن ربنا ماذا قال في الآية؟ خلينا نرجع لها: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. نحن قلنا لهم: الرهبانية أنتم ابتدعتموها، سنقبلها منكم إذا كانت ابتغاء رضوان الله، للأسف أكثرهم ما رعاها حق رعايتها؛ لم يوف بشرطها، وما شرطها؟ أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا خرج، هذا هو أظهر التفاسير. ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾؛ الذين لم يؤمنوا بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم لما خرج، لأن الرهبان الذين كانوا في الصوامع لما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالإسلام قليلاً منهم آمن وأكثرهم بقي فاسقاً مصراً على نصرانيته، فهذا معنى ما في ختام الحديث: فالمؤمنون هم الذين آمنوا بي، أي بمحمد صلى الله عليه وسلم، وصدقوا بي، والفاسقون هم الذين كذبوا بي وجحدوا به.
وهذا الحديث من أحاديث الكوفيين، وكأنه يشير إلى ضعفه، خاصة أن مدرسة العراق كانت معروفة بشيء من الضعف في أحكام أسانيدها؛ فهذا كأنها إشارة منه إلى وجود ضعف في الحديث، وهذا الضعف في النهاية لن يؤثر على الموضوع؛ لأنه هو الموضوع الفكرة العامة والآية ثابتة بحمد الله، هذا بس أتى به ليساعد على فهم الآية، يستانس به في فهم الآية.
والرهبانية فيه بمعنى اعتزال الخلق بالسياحة في الجبال واطراح الدنيا ولذاتها من النساء وغير ذلك، ومن صورها لزوم الصوامع والديارات؛ الديارات يعني هي أماكن التعبد بتاعتهم، على ما كان عليه كثير من النصارى قبل الإسلام، مع التزام العبادة، هذا فكرة الرهبانية حتى نبدأ نبني عليها، وعلى هذا التفسير جماعة من المفسرين.
ويحتمل أن يكون الاستثناء في قوله تعالى ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ متصلاً ومنفصلاً. الآن خلينا نفسر الآية، ومحتاجين للغة العربية شوي، بتعرفوا الاستثناء درسناه في الآجرومية؛ هناك استثناء متصل واستثناء منفصل، إيش الفرق بينهم يا عمار؟ الاستثناء المتصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه؛ قام القوم إلا زيداً. والمنفصل ويسمى المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه؛ قام القوم إلا حماراً، الحمار مش من القوم، طب ليش؟ فهو يكون كأنه شيء مختلف، لذلك سمي منفصلاً منقطعاً. الآن هنا لما ربنا قال: ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾، الآن هذا استثناء صح؛ هل هذا استثناء متصل؟ يعني ما كتبناها عليهم إلا على صورة معينة كتبت عليهم وهي صورة ابتغاء رضوان الله، أم منقطع والمعنى ما كتبناها عليهم، لكن إذا فعلوها ابتغاء رضوان الله راح أقبل منهم هذا؟
فإذا بنينا على الاتصال، فكأنه يقول: ما كتبناها عليهم إلا على هذا الوجه الذي هو العمل بها ابتغاء رضوان الله، فالمعنى أنها مما كتبت عليهم أي مما شرعت لهم لكن بشرط قصد الرضوان. فإذا قلنا الاستثناء متصل ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ ماذا سيكون تفسير الآية؟ أننا لم نكتبها عليهم إلا على وجه واحد، كتبناها عليهم إذا ابتغوا رضواني. إذاً هل الرهبانية بناءً على أن الاستثناء متصل، هل الرهبانية كلها بدعة على هذا الوجه من التفسير؟ لا، في صورة بتكون فيها الرهبانية بدعة، وفي صورة ما بتكون فيها الرهبانية بدعة. الصورة التي ما بتكون فيها بدعة ما هي؟ إذا ابتغي فيها رضوان الله؛ لأنها في هذه الحالة ستكون مكتوبة عليهم مشروعة لهم، وإذا فعلوها ليس على هذا الوجه، ليس على وجه ابتغاء رضوان الله، ستكون بدعة وغير مقبولة. إذاً صارت الرهبانية على هذا التفسير لها وجه شرعي ولها وجه بدعي؛ الوجه الشرعي إذا فعلت ابتغاء رضوان الله، لأنه معنى أنه أنا كتبتها عليهم إذا ابتغوا رضواني، وإذا لم يفعلوها على رضوان الله بهذا القيد فهي إذاً غير مكتوبة وليست مشروعة بهذه الصورة، فهي بدعة على هذه الحالة وعلى هذه الهيئة.
فما رعوها حق رعايتها؛ الآن بدنا نشير، ثم قال: هذا كله بناء على أن الاستثناء متصل؛ لم اكتبها عليهم إلا على صورة واحدة، إلا على صورة ابتغاء رضوان الله. لكن للأسف ماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ إذاً هم لم يلتزموا بالرهبانية على صورتها المشروعة، وبقيدها المشروع ابتغاء رضوان الله، وإنما فعلوها على صورتها غير المشروعة. فلذلك قال: ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾، كأنه يقول: رهبانية ابتدعوها، لماذا؟ إذاً هي مبتدعة لأنهم لم يراعوا حق الرعاية. فكان جملة ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ جملة معترضة، ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ ترجع تكمل. إذاً هي رهبانية ابتدعوها، ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. فالله عز وجل لما وصف الرهبانية بأنها مبتدعة على هذا الوجه، لماذا وصف أنها مبتدعة؟ لأنهم لم يلتزموا بصورتها المشروعة وصورتها المشروعة ابتغاء رضوان الله، ما فعلتها بهذه الصورة فبالتالي أصبحت بدعية. طب ما هو ابتغاء رضوان الله المقصود هنا؟ الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم.
يريد أنهم تركوا رعايتها حين لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم هذا معنى أنهم ما رعوها حق رعايتها. وهو قول طائفة من المفسرين، لأن قصد الرضوان إذا كان شرطاً في العمل بما شرع لهم، فمن حقهم أن يتبعوا ذلك القصد؛ فإلى أين سار بهم؟ ساروا وإنما شرع لهم على شرط. لأن الله عز وجل شرع لهم الرهبانية بشرط أن تكون على ابتغاء رضوان الله، فهذا معناه ما هو؟ أن الرهبانية يجب أن تكون بوصلتها ابتغاء رضوان الله، فحيثما كان.
رضوان الله تكونون، لما جاء بعثة النبي عليه الصلاة والسلام أصبح رضوان الله أن تكونوا أين؟ مع محمد صلى الله عليه وسلم، أنتم رفضتم أن تكونوا معه إذا أنتم لستم على رضوان.
قال: وإنما شرع لهم على شرط أنه إذا نسخ بغيره رجعوا إلى ما أحكم وتركوا ما نسخ، وهو معنى ابتغاء الرضوان على الحقيقة. فإذا لم يفعلوا وأصروا على الأول كان ذلك اتباعاً للهوى، رجعوا إلى ما أحكم التي هي شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وتركوا ما نسخ التي هي شريعة عيسى، هذا هو ابتغاء رضوان الله، أنهم إذا سمعوا بمحمد صلى الله عليه وسلم اتبعتموه وتركتم شريعتكم لأنها ستصبح منسوخة الآن. لكنهم أصروا على التمسك بشريعتهم المنسوخة ورفضوا اتباع شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فأصبح هذا النمط من الرهبانية بدعة.
نعم، قال: فإذا لم يفعلوا وأصروا على الأول كان ذلك اتباعاً للهوى. أصروا على الأول يعني على شريعة عيسى، واتباع المشروع هو الذي يحصل به الرضوان، وقصد الرضوان، فلذلك قال الله تعالى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 27]. فالذين آمنوا هم الذين تبعوا رهبانية ابتغاء رضوان الله، والفاسقون هم الخارجون عن الدخول فيها بشرطها إذ لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم مارسوا الرهبانية لكن ليس بشرطها وهو ابتغاء رضوان الله، مارسوها على أهوائهم وأمزجتهم.
قال: إلا أن هذا التقرير يقتضي أن المشروع لهم يسمى ابتداعاً وهو خلاف ما دل عليه حد البدعة. والجواب أنه يسمى بدعة من حيث أخلوا بشرط المشروع، إذ شرط عليهم فيه شرط فلم يقوموا به. الآن هي الشبهة يمكن تأتي على هذا التحليل، طرح قال: إلا أن هذا التقرير يعني هذا الفهم للآية بهذه الطريقة ماذا يمكن أن يرد عليه؟ أن المشروع لهم سمي بدعة لأنه قال: ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: 27]، فكيف يسمى البدعة؟ طبعاً هذا الوجه أظن الإجابة عنه واضحة، هو يتصور الشاطبي أن هناك من سيعترض على هذا التفسير، فسيقول له: ما دام هناك وجه من الرهبانية مشروع لهم فلماذا قال ابتداءً: ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾؟
أنت نفسك بدون ما تقرأ الجواب تبع الشاطبي ماذا ستقول؟ ما دام هناك وجه من الرهبانية مشروع وهي الرهبانية ابتغاء وجه الله، فلماذا وصف الله الرهبانية ابتداءً بأنها رهبانية ابتدعوها؟ نحن نقول ما هي في وجه منها مشروع، فلماذا قيل ابتداءً: ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾؟ ماذا ستجيب؟ أنه ما معنى ابتدعوها؟ ليس وصفاً لأصل الرهبانية، هذا هو وصف لحالهم لما لم يلتزموا بالرهبانية على الشرط المذكور، فبالتالي لا يرد هذا السؤال أن الوصف ابتداءً أنها رهبانية ابتدعوها. زي ما قلت لكم قبل قليل لماذا وصفها الله بأنها ابتدعوها؟ مش لأنه أصل الرهبانية مبتدع، لأنها بهذه الصورة وبهذه الهيئة مبتدعة، ولو فعلت على الصورة الشرعية لم تكن مبتدعة، فكل هذا السؤال لا يرد على التقرير حقيقة.
نعم، قال: وإذا كانت العبادة مشروطة بشرط فعمل بها دون شرطها لم تكن عبادة على وجهها، وصارت بدعة كالمخل قصداً بشرط من شروط الصلاة مثل استقبال القبلة أو الطهارة أو غيرها، بحيث عرف بذلك وعلمه فلم يلتزمه ودأب على الصلاة دون شرطها، فذلك العمل من قبيل البدع. فيكون تراهب النصارى صحيحاً قبل بعث محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بعث وجب الرجوع عن ذلك كله إلى ملته، فالبقاء عليه مع نسخه بقاء على ما هو باطل بالشرع وهو عين البدعة.
فالنصارى قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام رهبانيتهم ما كان عندنا مشكلة معها لحتى جاءت البعثة النبوية، بعد ما جاءت البعثة النبوية هم مطالبون الآن أن يوفوا بشرط الرهبانية ابتغاء رضوان الله، ورضوان الله واتباع محمد صلى الله عليه وسلم، فكل من لم يتبع رضوان الله في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم إذاً أصبحت رهبانية الآن ليست على الوجه المشروع فأصبحت بدعة، وهذا معناه قال وهي عين البدعة حينئذ، حين لم يتبعوا محمد صلى الله عليه وسلم، هذا كله على أن الاستثناء متصل.
طيب نجي الآن على الاحتمال الثاني أن يكون الاستثناء منفصل، قال: وإذا بنينا على أن الاستثناء منقطع، وهو قول فريق من المفسرين، فالمعنى ما كتبناه عليهم. نعم إذا قلنا منقطع سيكون تقدير الآية هكذا: رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم، انتهت، فإذاً هي كلها بدعة من الأصل، لكن ابتغاء رضوان الله، الآن بدك تحاول تفهم شو معنى، سيكون لكن ابتغاء رضوان الله هنا. فقال: ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فلم يعملوا بها بشرطه وهو الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بعث إلى الناس كافة.
وإنما سميت، ركز إذاً ما معنى لكن إلا ابتغاء رضوان الله على هذا التفسير؟ هذا الفصل دسم شوي في تحليلاته، ما معنى إذا قلنا الاستثناء منقطع؟ أصبح تقدير الآية هكذا: رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم، لكن ابتغاء رضوان الله، يعني لكن ابتدعوها هم بحثاً عن رضوان الله، فقلنا لهم ممتاز أنتم ابتدعتوها وتدعون أنكم تريدون بذلك رضوان الله، صحيح. طيب هل فعلاً التزمتم بالشرط اللي أنتم وضعتوه على أنفسكم؟ هسا أنتم ممتاز كثير من الناس بيبتدع بدعة، صح يا فلان ليش ابتدعت هي البدعة؟ والله ابتغاء رضوان الله، أنا بدي ربنا يرضى عني، بتقول له ماشي، هسا أنت في عندك بدعة بس أنا هسا بدي انتقل لبعد آخر، هل التزمت في البدعة اللي ابتدعتها رضوان الله؟ هل وفيت بهذا الشرط اللي أنت حضرتك من أجله ابتدعت البدعة؟
أنت تقول إنك ابتدعت هي البدعة ابتغاء رضوان الله واللي بحبوا ربنا صح، هل التزمت بهذا الشرط؟ هذا معنى إلا ابتغاء رضوان الله، يعني لكنهم صنعوها ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها، لم يوفوا بهذا الشرط، فجمعوا بين السيئتين: أنهم ابتدعوا بدعة، وزعموا أنهم يريدون ابتغاء وجه الله، فأول شيء ابتدعوا وثاني شيء لم يلتزموا بالشرط اللي ألزموا به أنفسهم أن تكون بدعتهم ابتغاء وجه الله، فأدخلوا فيها الهوى وأدخلوا فيها صنيعة النفس.
قال: ولكنهم ها لاحظ ابتدعوها ابتغاء رضوان الله بهذا الشرط فلم يعملوا بشرطها ولم يوفوا بابتغاء رضوان الله، ما لأنه ما هو رضوان الله؟ الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم إذ بعث إلى الناس كافة، هذا هو الأصل، يعني مش أنت بتقول إنك أنت ليش بتبتدع مش بدك ترضي رب العالمين؟ مش بدك ترضي رب العالمين؟ طيب لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم فيكم وعلامته هي العلامة الموجودة عندكم في الإنجيل والتوراة إذاً خلص اتبعه، لأنه أنت الأصل أنك إنسان تبحث عن رضوان الله، فاصبح رضوان الله لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم أن تتبعه، فأنت أصررت على عدم اتباعه.
إذاً واضح ابتداءً أن الرهبانية اللي ابتدعتها أنت، ابتدعتها وليست نيتك خالصة لابتغاء رضوان الله، وإنما هناك شوب هوى ولذة عندك، لذلك قال: وإنما سميت بدعة على هذا الوجه، على هذا الوجه إذا قلنا أن الاستثناء منقطع، أصبح قوله رهبانية ابتدعوها، هل هنا هي بدعة من حيث فقط عدم الوفاء بالشرط ولا بدعة من حيث الأصل بدعة حقيقية؟ هي بدعة حقيقية من حيث الأصل.
أصبح أولاً فيقول: فإنما سميت الرهبانية بدعة على هذا الوجه من جهتين، الوجه الأول أنها أصلاً بدعة حقيقية هنا، أنها لم تشرع لهم الرهبانية بأي شكل من الأشكال، وهذا هو تعريف البدعة الحقيقية، عبادة لم تشرع لا أصلاً ولا تفصيلاً. والوجه الثاني أنها أيضاً يمكن أن تسمى رهبانية بدعة إضافية من جهة ماذا؟ قال: يرجع إلى أنها بدعة إضافية لأن ظاهر القرآن دل على أنها لم تكن مذمومة في حقهم بإطلاق، بل لأنهم أخلوا بشرطها، فمن لم يخل منهم بشرط وعمل بها قبل بعث محمد صلى الله عليه وسلم حصل له فيها أجر حسب ما دل عليه قوله: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾، أي أن من عمل بها في وقتها ثم آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد بعثه وفيناه أجره.
قال: وإنما قلنا أنها في هذا الوجه إضافية لأنها لو كانت حقيقية لخالفوا بها شرعهم الذي كانوا عليه لأن هذا حقيقة البدعة، فلم يكن لهم بها أجر بل كانوا يستحقون بها العقاب لمخالفتهم لأوامر الله ونواهيه، فدل على أنهم إنما فعلوا ما كان جائزاً لهم فعله، وعند ذلك تكون بدعتهم جائزاً لهم فعلها، فلا تكون بدعتهم حقيقية، لكنه ينظر على أي معنى أطلق عليه لفظ البدعة، وسياتي بعد بحول الله.
أه شو معنى هذا الكلام؟ هذا الوجه الثاني قال: والثاني يرجع، يرجع يعني الاحتمال الثاني كأنه جعله لوجهين، الذي يظهر لي الاحتمالين الآن كما قلنا على الوجه الثاني، هي رهبانية مبتدعة، رهبانية مبتدعة لم تكتب عليهم بشكل من الأشكال، صح هيك اتفقنا؟ وعلى هذا كان ينبغي إذاً أن توصف أنها بدعة حقيقية، كان هكذا ينبغي أن توصف، لكن يقول هناك احتمال آخر أن يرجع في وصفها للبدعية إلى أنها بدعة إضافية.
كيف هذا الاحتمال الثاني؟ وهذا الذي سيختاره الشاطبي، يقول الاحتمال الثاني أو الوجه الثاني أن نقول سميت بدعة على هذا الوجه أيضاً. طب خليني أسألكم سؤال على الوجه السابق لما كان الاستثناء متصل، وصفها بالبدعية إضافي ولا حقيقي؟ إضافي لأنه على الوجه السابق كانت مكتوبة عليهم بس بشرط، هم لم يوفوا بالشرط أصبحت بدعة إضافية. على هذا الوجه الثاني والذي ظاهره أنها هي كلها بدعة ولم تشرع لها بشكل من الأشكال، ذكر لك هنا قال: وإنما سميت بدعة على هذا الوجه لأحد احتمالين: الاحتمال الأول أنها من جهة أنها بدعة حقيقية أصلاً لأنها لم تشرع لهم بشكل من الأشكال، الاحتمال الثاني أنه حتى على هذا الوجه أن تكون بدعة إضافية، ويرى الشاطبي بأن هذا أصلاً ظاهر النص حتى هنا.
لماذا؟ لا يعني لا حتى من نفس الآية هو ايش يقول لك؟ أيوه واللي قبلها أصلاً شو قال؟ فما لو كانت هي بدعة كاملة حقيقية لما احتاج أن يقول سبحانه وتعالى أو لما قال، بدناخذ لفظ الحاجه، فلما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، لو هي أصلاً كلها غلط من البداية ما فائدة إذاً فما رعوها حق رعايتها؟ يعني يا رب يعني لو رعوها حق رعايتها راح تمشي أمورها مع أنها بدعة، أنت فاهم كيف يفكر الشاطبي؟
الله قال: ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، إذاً ظاهر النص يقول الشاطبي أن المشكلة ما هي؟ ظاهر النص هل أنهم ابتدعوها أصلاً ولا ظاهر المشكلة أنهم لم يرعوها حق رعايتها؟ ظاهر النص أن الذم كان على أنهم لم يرعوها حق رعايتها، فهذا فتح للشاطبي نافذة على التفكير، فقال: هذه سياق الآية قد يعطيك شعور أنها بدعة إضافية مش بدعة حقيقية. كيف لاحظ؟
قال: ووجه الثاني يرجع إلى أنها بدعة إضافية، ليه؟ لأن ظاهر القرآن ظاهر الآية هي اللي نحن فيها دل على أنها لم تكن مذمومة في حقهم بإطلاق، بل من أين ذمتهم الآية؟ بل من جهة أنهم أخلوا بشرطها، أنت لما تسمع الآية راح تفهم أنه ذمهم الله من أي جهة؟ هل قال رهبانية ابتدعوها أنا ما كتبتها عليهم ليش تبتدعوها؟ هل الآية ذمتهم ليش ابتدعتوها ولا الآية ذمتهم على فما رعوها حق رعايتها؟ ذمتهم على أنهم لم يرعوها حق رعايتها، لم تذمهم من أجل أنهم ابتدعوها.
فيقول ظاهر القرآن يعني ظاهر هذه الآية دل على أنها لم تكن مذمومة في حقهم بالإطلاق ما تمام لم تكن مذمومة بالإطلاق بل ذمهم لأنهم أخلوا بشرطها، فمفهوم المخالفة فما رعوها حق رعاية، مفهوم المخالفة أنه من لم يخل بالشرط، بل ابتدعها ابتغاء رضوان الله وراعى فيها رضوان الله وعمل بها قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، مفهوم الآية أنه حصل له ثواب. طب كيف حصل له ثواب وهي بدعة؟ أه لو قلنا أنها بدعة حقيقية الأصل ما يحصل أي ثواب، فكيف حصل ثواب لها إذا رعاها حق رعايتها؟ أه هذا فتح للشاطبي بتفكير أنها قد تكون ماذا إذا مش بدعة حقيقية، لذلك لذلك ماذا قال في الأسفل؟
وإنما قلنا أنها في هذا الوجه إضافية لأنها لو كانت حقيقية كاملة لكانوا خالفوا بها شرعهم الذي كانوا عليه لأنه هذه حقيقة البدعة المخالفة للشريعة كاملة، هذه حقيقة البدعة الحقيقية، وبالتالي كان الأصل أنه ليس لهم أي أجر عليها سواء رعوها حق رعايتها أو لم يرعوها حق رعايتها، لو صنفناها أن بدعة حقيقية كان الأصل أنه ما يؤجر عليها أبداً سواء رعاها حق رعايتها أو لم يرعاها حق رعاية بدعة حقيقية، بل كانوا يستحقون بالعكس بها العقاب لمخالفتهم لأوامر الله ونواهيه، فدل هذا، دل وجود الثواب لهم.
فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم. هل هذا يدل على تثبيت الثواب لمن رعاها حق رعايتها؟ دل على أنهم إنما فعلوا ما كان جائزاً لهم فعله. ركز، الآية تثبت أن الذين منهم رعوها حق رعايتها أعطيناهم أجرهم. الرهبانية، أنتم فاهمين أين المشكلة؟ أنه كيف ستكون بدعة حقيقية والله سيثيبهم عليها؟ لأن القاعدة التي أصلناها في بداية الكتاب أن الإنسان لا يثاب على البدعة الحقيقية؛ لأنها باطلة من كل الوجوه. فكيف ربنا قال: فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم؟ هل سأثيبهم على هذه البدعة الحقيقية؟ مشكل.
فيقول الشاطبي: فدل على أنهم إنما فعلوا ما كان جائزاً لهم فعله من حيث الأصل، وعندئذ تكون بدعتهم -هم الرهبانية- جائزة لهم فعلها، فلا تكون بدعة حقيقية. طيب هيك نحن دخلنا الأمور ببعض؛ كيف صارت إذاً؟ ما أنت تحكي ابتدعوها من حيث الأصل، هم ابتدعوها، فكيف مش بدعة حقيقية؟ قال: لكن ينظر، ها لا الشاطبي عارف المشكلة التي ستأتي في دماغك الآن، لكن سيبقى نظر: إذاً لماذا سميت بدعة ما دام أنها من حيث الأصل جائز لهم فعلها، وإنما المشكلة في من أخل بشرطها؟ لماذا سميت ماذا؟ بدعة. لأنه قال: رهبانية ابتدعوها من حيث الأصل، أنا ما كتبتها عليهم، بس اللي سيرعاها حق رعايتها سأعطيه الثواب. طيب إذا لماذا سميتها بدعة؟ لأنها لو كانت بدعة من حيث الأصل فعلاً لما حصلوا الثواب. طب أنت أعطيتهم ثواب، إذاً هي مش بدعة من حيث الأصل. طيب لماذا سميت بدعة من حيث الأصل؟ مع أنها ليست بدعة من حيث الأصل. فهمتم أين المشكلة التي عم يروح فيها الشاطبي ويجي؟ يقول: وأقول وهذا سيظهر لنا بحول الله في الفصول القادمة، سيعلق الشاطبي وسيفهمك أكثر لماذا يأتي مثل هذا الإطلاق لما نأتي للفصول القادمة.
كمل قال: وعلى كل تقدير فهذا القول لا يتعلق بهذه الأمة منه حكم؛ لأنه قد نسخ في شريعتنا، فلا يعني هذه الآية كلها ليست لها علاقة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم. الآية تتكلم عن شريعة من قبلنا، لأن الرهبانية هذه في شريعة النصارى. قال: فلا رهبانية في الإسلام. نعم، لا رهبانية في الإسلام أصلاً. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني». على أن ابن العربي نقل في الآية أربعة أقوال: الأول ما تقدم، والثاني أن الرهبانية رفض النساء، وهو المنسوخ في شرعنا. الرهبانية هي فقط عدم الزواج وليس الذهاب إلى الجبال، وهذا أيضاً في شريعتنا التبتل بترك الزواج أيضاً نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام.
طيب التفسير الثالث للرهبانية أنها اتخاذ الصوامع للعزلة، وهذا داخل في المعنى الأول كما مر معنا، حقيقة لأنه لما ذكرنا المعنى الماضي قال: ويدخل فيه لزوم الصوامع والديارات. هذا الثالث الذي ذكره ابن العربي ليس بعيداً عن المعنى الأول وهو السياحة في الجبال؛ يعني هي صورة من الصور. السياحة في الجبال عادة أنك تروح بعيد، اتخاذ الصوامع لا، الصوامع ممكن تكون جنب بيتك، مش لازم تطلع على الجبال، بس أنك تجلس في مكان معين ولا تغادره هو قريب عند المعنى، كيف النفي من الأرض يفسر أحياناً أن الحاكم بالنسبة للمحاربين أن يطاردهم من جبل إلى جبل، ويحمل أيضاً على الحبس ولو كان السجن داخل المدينة؛ كله يحتمل معنى النفي من الأرض. قال: والرابع أنها السياحة، قال: وهو مندوب إليه في ديننا عند فساد الزمان. نعم، شيخنا ذكر في الحاشية ابن العربي علق هي على الثاني مش على الرابع.
قال: وظاهره يقتضي أنها بدعة؛ لأن الذين تراهبوا قبل الإسلام إنما فعلوا ذلك فراراً منهم بدينهم، ثم سميت بدعة، والندب إليها يقتضي أن لا ابتداع فيها، فكيف يجتمعان؟ ولكن للمسألة فقه يذكر بحول الله. طيب الآن ركز هنا ماذا يريد أن يقول: وظاهره يقتضي أنها بدعة. الآن لو فسرنا، مع أنه أنا شايف والرابع أنها السياحة، طب إيش الفرق بين الرابع والأول؟ قال: الأول ما تقدم. إيش ما تقدم؟ ما تقدم هو اعتزال الخلق بالسياحة في الجبال واطراح الدنيا ولذاتها من النساء وغير ذلك، يعني كانه الأول هو جامع لكل الصور مش خاص بالسياحة؛ يعني التفسير الأول للرهبانية هو اعتزال الخلق والسياحة في الجبال واطراح الدنيا وترك النساء، وهو الرابع أنها السياحة فقط، كانها ولا تشمل ترك النساء. يعني الرهبانية على الوجه الرابع عادي تتزوج ويكون معك نسوانك وعيالك وكذا بس أنها مجرد سياحة دون توابع ذلك من اعتزال النساء واطراح الدنيا وما شابه ذلك.
الآن هنا ظاهر كلام الشاطبي، ترى هو ظاهر كلامه أنه جعل: "وهو مندوب إليه في ديننا عند فساد الزمان" جعلها الشاطبي تعليقاً على الوجه الرابع. أنا بدي أمشي على أنها تعليق على الوجه الرابع، لأنه هذا ظاهر حتى تعليق ما بعد ذلك، وإن كان ممكن سهى الشاطبي هنا. قال: وظاهره، الآن ظاهره ظاهر النص لما ربنا قال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: 27]، الآن بغض النظر عن تفسير الرهبانية، ابن العربي ذكر للرهبانية كم تفسير؟ أربعة. بغض النظر عن تفسيرها الله عز وجل حكم عليها في ظاهر الآية بأنها ماذا؟ بدعة. فيقول: وظاهره، يعني ظاهر القرآن يقتضي أنها بدعة حتى في الصورة الرابعة لو قلنا أن الرهبانية هي السياحة، ربنا قال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: 27]، فظاهر النص يقتضي أنها بدعة؛ لأن الذين سواء في ديننا أو في دينهم، لأن الذين تراهبوا قبل الإسلام إنما فعلوا ذلك فراراً منهم بدينهم.
هو يعلق الشاطبي على كلام ابن العربي، ابن العربي تنزلاً قال السياحة، ثم قال: وهذا إذا قلنا الرهبانية هي السياحة، شو قال ابن العربي: وهو مندوب إليه في ديننا عند فساد الزمان. فكان الشاطبي ينتقد ابن العربي شوي، أو يعلق؛ بدي أقول يعلق، ماذا يقول؟ أنت قلت أن الرهبانية إذا فسرت بالسياحة هي مندوب إليها في ديننا عند آخر الزمان، مع أن ربنا شو سمى الرهبانية؟ هي بدعة. فيقول: تقول هنا في مشكلة؛ أنت تقول يا ابن العربي أن هذه الرهبانية التي بمعنى السياحة مندوب إليها في ديننا عند فساد الزمان، وربنا بيقول في القرآن إنه هي الرهبانية التي بمعنى السياحة بدعة، فكيف أنت بتقول أنها مندوب إليها وربنا بيقول أنها بدعة؟ لا يجتمعان. فهمتم الإشكال؟ فإذا ظاهر القرآن أن الرهبانية بغض النظر عن طبيعتها بدعة، وقول ابن العربي أنه يندب إليها عند فساد الزمان يدل على أنها مش بدعة، مشروعة بصورة معينة، ولا يجتمعان؛ يا بدعة يا سنة.
فيقول: وظاهر القرآن يقتضي أن الرهبانية بدعة؛ لأن القرآن وصفها رهبانية ابتدعوها، ولما ربنا وصفها بأنهم ابتدعوها، طبعاً نحن مر معنا في حديث عبد بن حميد قبل شوي أنهم أصلاً متى ابتدعوها؟ مش فراراً من دينهم من الفتن؟ هم أصلاً متى ابتدعوها كما مر معنا في الحديث السابق فراراً من دينهم من الفتن، ومع ذلك ربنا سماها بدعة، إذاً فهي بدعة في ظاهر القرآن، مع أن الذين ترهبوا قبل الإسلام ترهبنوها فراراً من دينهم من الفتن. والندب إليها، يعني وقولك أنت أنها مندوبة عند آخر الزمان للفرار من الفتن، يقتضي أنها مش بدعة، مندوبة. فكيف تقول أنها مندوبة مع أن الله سماها بدعة؟ وسماها بدعة وهم يمارسونها بنفس الصورة التي نحن سنمارسها؛ هم كانوا يمارسونها للفرار من الفتن ومع ذلك سماها بدعة. فقال: لا يجتمعان؛ وصفها بأنها بدعة مع وصفك يا ابن العربي أنها سنة. لكن الشاطبي عم يأجل، بيقول لك مش مشكلة رح نفهمكم هذا بعد قليل إن شاء الله، لماذا مثل هذا النمط يصح أن يسمى بدعة من بعض الصور ومن بعض الجهات، هذا سيأتي شرحه بعد قليل. يعني كان ابن العربي يشوقك للاستمرار، في هناك لغز ابن العربي سيفهمك إياه بعد قليل في مثل هذه النوع من أنواع البدع الإضافية.
قال: وقيل أن قوله تعالى ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: 27] معناه أنهم تركوا الحق وأكلوا لحوم الخنازير وشربوا الخمور ولم يغتسلوا من الجنابة وتركوا الختان. هذا معنى الرهبانية. نعم، قال: فما رعوها، يعني الطاعة والملة. فما رعوها، الضمير هنا على هذا التفسير لا يعود على الرهبانية، لا، فما رعوها يعود على الشريعة، يعني فما رعوا شريعتهم حق الرعاية، يعني لم يلتزموا ولم ينضبطوا بأحكام شريعتهم. طيب كيف أعاد الضمير على شيء ليس مذكوراً في السياق؟ لأنه إذا قلنا ما رعوها، الضمير الهاء يعود على شريعة عيسى، يعني لم يلتزموا بشريعة عيسى حيث أكلوا الخنزير وشربوا الخمور، نقول: ما رعوها، إعادة الضمير على الشريعة والملة هذا إعادة على غير مذكور في الآية. فيقول: يجوز أن يعاد الضمير على غير المذكور إذا كان مفهوماً من السياق، وهذا الذي سيعتمد عليه. فالهاء إذاً راجعة، لاحظ ماذا قال، قال: فالهاء راجعة إلى غير مذكور، إلى غير مذكور؛ لأنه لم يسبق في الآية ذكر الملة والشريعة. وهو الملة المفهوم معناها من قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: 27]؛ لأنه يفهم منه أن ثم ملة متبعة.
أحسنت، الآن لاحظ الذكاء، يقول: فما رعوها، الضمير يعود على الملة والشريعة. طب الملة والشريعة لم تذكر في الآية، يقول لك هي لم تذكر في الآية نصاً لكنها ذكرت معنىً، مين يحكي لي كيف ذكرت معنىً؟ أو أصحاب هذا القول، أي حدث كلمة الاتباع؟ أحسنت، لما قال سبحانه في منتصف الآية: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [الحديد: 27] كلمة الاتباع تدل على وجود ايش؟ ملة وشريعة. إذا ذكرت الملة ضمنياً في كلمة الاتباع، كما دل قوله مثلاً، يعني وسيقيس الآن على آية أخرى كما في قوله تعالى في سليمان: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: 31-32]، قال: على معنى الشمس حتى عاد عليها ضمير في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: 32].
نعم، لما ربنا قال: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: 31-32]، توارت هي بالحجاب، شو اللي توارت؟ الشمس. طيب هل سبق لها ذكر؟ ربنا قال: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيادُ﴾ [ص: 31]، فقال: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: 32]. الضمير في توارت يعود على الشمس مع أن الشمس لم تذكر في السياق، قال: لم تذكر صراحة لكنها فهمت ضمناً، كيف فهمت ضمناً؟ العشي أحسنت، كلمة العشي هي تدل ذهنياً على وجود شمس. شوف الفهم العميق للعلماء القرآن، كلمة العشي، العشي ما هو العشي إخواني؟ مش العشاء، العشي صلاة ما بين الظهر والمغرب، ما بين الظهر والمغرب يسمى هذا وقت العشي. فلما قال عشي، والعشي ما بين الظهر إلى المغرب، هذا يدل ضمنياً أنه في ايش؟ في شمس، فلما قال حتى توارت الشمس بالحجاب، أقول ليش الشمس مش مذكورة؟ أقول لك هي مش مذكورة صراحة لكنها مذكورة ضمناً بكلمة العشي.
نعم، قال: وكان المعنى على هذا القول ما كتبناها عليهم على هذا الوجه الذي فعلوه، وإنما أمرناهم بالحق. فالبدعة فيه إذاً حقيقية لا إضافية، وعلى كل تقدير فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء، فلا نظر فيه بالنسبة إلى هذه الأمة. نعم، وعلى كل تقدير فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء. الآن هو يقصد هذا الوجه الأخير الذي ذكره، وهو أن الرهبانية التي ابتدعوها هو تركوا الحق وأكلوا لحوم الخنزير وشربوا الخمر، هذا الظاهر يعني أن الشاطبي يقول أن تفسير الآية بهذا الوجه الأخير هو ما عليه أكثر العلماء، يعني هذا الذي يشعر به النص. قال: فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء.
وكان المعنى على هذا القول يعني على هذا التفسير الثالث للآية، أن الرهبانية أنهم تركوا الحق وأكلوا لحوم الخنزير وشربوا الخمر، ما معنى ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: 27] على هذا التفسير للرهبانية؟ شو هو أنه الرهبانية شرب الخمور وأكل الخنزير، شو معنى ما كتبناها عليهم؟ يعني هل شرعنا في شريعتنا شرب الخمر وأكل الخنزير؟ ما كتبنا هذا، يعني ما شرعناه. فرهبانية ابتدعوها أي أكلاً للحوم الخنزير وشرباً للخمور، هذا هم ابتدعوه على كيفهم وأهوائهم واستحلوا الحرام وأنا لم أكتبه.
هذا في شريعتي ولم أحلل لهم لحم الخنزير، ولم أحلل لهم شرب الخمر، وإنما أمرناهم بالحق في هذه المسائل، لكن للأسف لم يعملوا به. البدعة في هذا ستكون على هذا الوجه بدعة حقيقية؛ يعني تحليل الحرام -مش مرادنا معنى أنه بدعة- فتحليله من الخنزير مع أن الشريعة تبعتهم حرمتها، وتحليله من الخمور مع أن الشريعة حرمتها، تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله هذا شكل من أشكال البدع، مش الإضافية، الحقيقية. فلذلك قال: فالبدعة إذاً على هذا ستكون بدعة حقيقية لا إضافية.
ثم قال: وعلى كل تقدير فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء. أنا حقيقة مستغرب أنه قال هذا الوجه إذا كان يقصد به الوجه الأخير أن الرهبانية تفسيرها أكل لحوم الخنزير وشرب الخمر؛ لأنه ما أعرفه أن أكثر العلماء على أن الرهبانية بالمعاني السابقة، فلذلك أنا شاك في قوله: وعلى كل تقدير فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء، إلا أن يكون الشاطبي له استقراء معين أكثر منا، يعني موضوع مختلف. وعلى كل تقدير فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء فلا نظر فيه بالنسبة إلى هذه الأمة؛ يعني أيضاً هذه الأمة لا يجوز فيها إذا قلنا الرهبانية التي ابتدعوها هي أكل الخنزير وشرب الخمور، فهذا أيضاً محرم في شريعتنا، فلا يجوز شكل من هذه الأشكال في شريعتنا؛ شرب خمر ولا أكل لحوم ولا ترك الاغتسال من الجنابة ولا ترك الختان، بل في شريعتنا نحن مأمورون باجتناب كل هذه الأشياء.
قال رحمه الله: وقيل لما قال وقيل تدل لما في هذا الوجه الثالث يدل على أنه رأي ضعيف، فلماذا ماذا يقول؟ قيل ثم يختم فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء؛ يعني إلا أن يكون مثلاً فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء في قضية أنه فالهاء راجعة يعني في تفسير هذا الوجه مش أن هذا الوجه هو التفسير الأشهر للآية. إيش يعني فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء أنه هذا هو التوجيه للآية إذا قلنا أن المعنى بالرهبانية هو أكل الخنزير وشرب الخمور؛ فأكثر العلماء فهموها بهذه الطريقة أن الضمير فما رعوها يعود على الشريعة والملة، وإن كان هذا فيه تكلف أيضاً أن يفهم الأمر بهي الطريقة، لكن عموماً مش مشكلة.
كمل قال رحمه الله: فصل، وخرج سعيد بن منصور وإسماعيل القاضي عن أبي أمامة، خلينا نصلي لأن هذا الفصل سيدخلنا في دوامة فيها فهم عميق وتحليل عميق، فدعونا نصلي إن شاء الله وبعد الصلاة نعود إلى ما نحن فيه.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. طيب، خلاصة الوجه الأول أنه أراد أن يعطيك مدخل لفهم البدعة الإضافية في مشكلة. خلاصة القول الأول أنه أراد أن يعطيك آية قد تشكل إنارة أو إضاءة في مفهوم البدعة الإضافية؛ فالشاطبي يرى أن آية: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27] تقتضي منك توقف وتفهم لأنها في وجهة نظر الشاطبي على كلا الوجهين، سواء قلنا أن الاستثناء متصل أو قلنا الاستثناء منقطع، الشاطبي على كلا الوجهين يميل أن وصف الرهبانية في الآية على أنه بدعة إنما هو بدعة إضافية. على وجه الاستثناء المتصل واضح؛ باعتبار أنها من حيث الأصل شرعت لهم مقيدة بابتغاء رضوان الله، فهم فعلوها ولكنهم لم يفعلوها بهذا الشرط، فأصبحت بدعة إضافية وينطبق عليها تعريف البدعة الإضافية. وعلى الوجه الثاني أن الاستثناء منقطع فيرى الشاطبي أن الاحتمال الوارد ما هو أن كلمة ابتدعوها ليس على ما هو متناول في أيدينا أو ما هو متصور، نعم، أنه هذه الرهبانية لا حتى على الوجه الثاني الاستثناء منقطع هي كانت مشروعة عموماً أو جائز لهم أن يفعلوها تمام؟ لكنهم لم يفعلوها وفق مرضاه الله سبحانه وتعالى.
طبعاً جائز لهم أن يفعلوها، طيب لماذا سميت بدعة إذاً على هذا الوجه الثاني؟ هذا ما سيشرحه أو يبدأ بشرحه في الفصل الذي بين أيدينا الآن، على الوجه الثاني على الاستثناء منقطع ما دامت مشروعة ابتداءً وجائز لنا أن نفعلها لماذا سميت بدعة مع أن الظاهر على الوجه الثاني أن بدعة حقيقية؟ فالشاطبي يقول لك لا، الظاهر أنها بدعة إضافية حتى على الوجه الثاني، طب كيف ستكون بدعة إضافية على الوجه الثاني؟ هذا ما يريد أن يشرحه لك إن شاء الله. والذي يظهر ظهر لي أن قوله على كل تقدير فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء أنا أعتقد أنه قد يكون في هناك مشكلة في النسخ؛ يعني من حيث وضع النقطة، يعني وعلى كل تقدير ممكن تكون هذه طرف فقرة جديدة وهي ختامية لهذا، وعلى كل تقدير فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء، يقصد والله أعلم الوجه الثاني ما يقصد هذه، وقيل بس لأنها مربوطة مع بعضها البعض نحن عم نقرأها بهذه الطريقة. أنا أعتقد أن هناك فالبدعة فيه إذاً حقيقية لا إضافية، نقطة، ثم فقرة ختامية: وعلى كل تقدير فهذا الوجه يقصد بهذا الوجه أن الاستثناء منقطع وهو الذي قال به ولا نظر فيه بالنسبة إلى هذه الأمة لأن الرهبانية ليست مشروعة كما ذكر قبل قليل هذه الأمة ليست مشروع.
فقرة جديدة: إذاً كما قلت لكم هي مشكلة الرسالة أنهم وضعوها ضمن تابعة للفقرة السابقة فاعملت دربكة للقارئ، وفن وضع النقاط هذا فن مهم؛ لأنه أنت لما تحط النقطة في مكان صح هي تعبر، علامات الترقيم ترى هي يا إخواني تعبير تساعد على الإنسان أن يفهم أو لا يفهم. فانا أعتقد يعني إذا ما دامت في نسخة الشيخ مشهور بهذه الطريقة إذاً وعلى كل تقدير فهذا الوجه كلمة هذا الوجه يعود إلى الاستثناء المنقطع وليس إلى وقيل إن الرهبانية ترك الحق وأكل الخنزير فقط من باب التال. طيب خلونا الآن ندخل في هذا النص الفقرة أو هذا النص أو الفصل الجميل.
قال رحمه الله: فصل، وخرج سعيد بن منصور وإسماعيل القاضي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه قال: أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم، إنما شوف الآن هذا الأثر، سعيد بن منصور في سننه خرج حديثاً بإسناده إلى أبي أمامة الباهلي الصحابي الجليل، ماذا يقول أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه؟ يقول: أحدثتم -حط تحت كلمة أحدثتم خط- أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم، إنما كتب عليكم الصيام. طيب، ماذا قال أبو أمامة بعد ذلك؟ قال: فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإنما... لا، ركز على هذا مهم، شوف ماذا علق، الآن أنت إيش بتتوقع من صحابي لما يقول لك أحدثتم أنت هذا الشيء شو بتتوقع منه؟ يقول لك اتركه صح؟ لما أقول لك أنت هذا ابتدعته عادة الصحابي لما يقول لك عن شيء بدعة بقول لك مباشرة بعده اتركه لا تفعله لأنه بدعة، هنا في شيء غريب في هذا النص، أبو أمامة الباهلي يقول أحدثتم صلاة التراويح ولم تكتب عليكم، طيب إيش المطلوب منا نعمل يا أبا أمامة؟ قال: فدوموا على القيام إذ فعلتموه، أنت بتقول أحدثتم كيف بتقول لنا فدوموا على القيام إذ فعلتموه وإياكم أن تتركو؟ كمل قال: فإن ناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعاً لم يكتبها الله عليهم وابتغوا بها رضوان الله فلم يرعوها حق رعايتها، فعاتبهم الله بتركها فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ إلى آخر الآية. شوف كيف سيعتمد الشاطبي على هذا الأثر على فهم أبي أمامة الباهلي لآية: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾، سيعتمد في تفسيره ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ مش قال مش نحن أصلاً عننا شيء توقفنا فيه لغز توقف في الفصل السابق أنا رح أبين لكم إياه، شوفوا الآن كيف رح يبدأ يبين رويداً رويداً ما معنى البدعة في ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ وكيف تسقط على حياتنا التعبدية.
طيب، نعيد النص، أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم، إنما كتب عليكم الصيام، طيب بدل ما يقول اتركوه إيش قال: فدوموا على القيام إذ فعلتموه بالعكس قال لا تتركوه، شوف شو قال. طيب كيف أنت بتقول أحدثتم؟ كيف بتقول لنا آخر شيء لا تتركوه؟ مش في تناقض هون؟ طيب، ثم قاس هذا الموضوع على موضوع بني إسرائيل في الرهبانية على الآية، قال: فإن ناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعاً لم يكتبها الله عليهم، ابتغوا بها رضوان الله، فلما لم يرعوها حق رعايتها ولم يواظبوا عليها حق المواظبة ولم يتمسكوا بها حق التمسك، إذاً بده يجي الآن على هذا النوع، عاتبهم الله على تركها. غريب، فإن قوماً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعاً لم يكتبها الله عليهم ثم عاتبهم الله على تركها، طيب مش هو الأصل أنا أترك البدعة كيف عاتبهم الله على تركها مع أنهم هم اخترعوها؟ مش الأصل بالعكس ربنا يمدحهم على تركها؟ كيف ربنا عاتبهم على تركها مع أنها مع أنك تقول ابتدعوا بدعاً لم يكتبها الله عليهم ثم عاتبهم الله على تركها؟ فقال سبحانه: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾.
إذاً هنا الشاطبي كان هذه الآية فتحت آفاق الشاطبي أن هناك مفهوم البدعة الإضافية في الشريعة وأنه كلمة البدعة في هذه الآية ليست البدعة الحقيقية، طب كيف سيفهم الشاطبي والباهلي هذه الفكرة؟ قال: وفي رواية سعيد: فإن ناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة ابتغاء رضوان الله، فلم يرعوها حق رعايتها، فعاتبهم الله بتركها، فتلا هذه الآية: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخر الآية. وهذا القول يقرب من قول بعض المفسرين في قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ يريد أنهم قصروا فيها ولم يدوموا عليها، قال بعضنا... نعم، الآن هنا الشاطبي ذهب إلى تفسير آخر لـ ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، نحن قبل شوي قلنا ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ إيش هو عدم... صح؟ هنا في قول آخر ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ ما هو القول الآخر؟ لم يداوموا عليها، عاتبهم الله على أنهم لم يرعوها حق رعايتها على أنهم ماذا؟ لم يواظبوا ولم يداوموا عليها، هذا هو التفسير الآخر لـ ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾.
طيب، قال بعض نقلة التفسير: وفي هذا التأويل لزوم الإتمام لكل من بدأ بتطوع ونفل، وأنه يلزمه أن يرعاه حق رعايته، قال لا وهذا عند المالكية كثير، عند المالكية أصلاً في مذهبهم إذا شرعت في التطوعات يجب أن تكملها ولا يجوز الخروج عنها تمام؟ عند المالكية إلا طبعاً ما استثنوه استثناه الحطاب وغيرهم، لكن الأصل في مذهب المالكي أنه من شرع في تطوع وبدأ فيه لزمه ويحرم عليه الخروج منه. فلذلك قال بعض نقلة التفسير: وفي هذا التأويل يعني بناء على هذا التأويل إذا قلنا ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أن الله ذمهم على عدم المداومة على هذه الرهبانية مع أنهم أصلاً ابتدعوها، فماذا يمكن أن يستنتج من هذا؟ وفي هذا التأويل دلالة على لزوم إتمام المسلم لكل شيء يبدأ به من التطوعات والنوافل لأن الله يلوم من لا يداوم وأنه يلزمه أن يرعاه حق رعايته.
قال ابن العربي: نعم، وقد زاغ قوم عن منهج الصواب فظنوا أنها رهبانية كتبت عليهم بعد أن التزموها، قال وليس يخرج هذا من مضمون الكلام ولا يعطيه أسلوبه ولا معناه، ولا يكتب على أحد شيء إلا بشرع أو نذر، قال وليس في هذا اختلاف بين أهل الملل والله أعلم. طيب ماذا يقول ابن العربي هنا؟ وقد زاغ قوم عن منهج الصواب فظنوا أنها رهبانية كتبت عليهم بعد أن التزموها؛ يعني بعد أن هم ابتدعوها والتزموها لأنفسهم خلص، لأنهم التزموها أصبحت فرضاً عليهم. كيف أعطيك حتى تقرب عليك الصورة؟ أنت الآن تروح إيش تلتزم أنه أنا خلص يومياً بدي أذكر الله 100 مرة بقول خلص، ما دمت التزمت هذا أصبح فرض عليك، هيك هي الحياة، هل أنا إذا يومياً قلت بدي التزم يومياً بدي أقول أستغفر الله في الصباح 100 مرة هل إذا التزمت تصرف معين يصبح هذا التصرف فرض علي؟ ابن العربي يقول لا، وفهم الآية بهذه الطريقة خلاف منهج الصواب، البعض إيش يقول ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ لكن خلص لما التزموا فيها وصاروا يعملوا فيها كتبناها عليهم؛ لأنه أنت التزمت فيها أصبحت مكتوبة عليك لأنك التزمت فيها، ولا هي ابتداءً ما كانت واجبة عليك. فيقول ابن العربي: وقد زاغ قوم عن منهج الصواب فظنوا أن هذه الرهبانية متى كتبت عليهم؟ كتبت عليهم بعد أن التزموا بها وألزموا بها أنفسهم، خلص أصبحت فرضاً عليهم. فيقول ابن العربي: وليس يخرج هذا من مضمون الكلام، يعني سياق الآية لا يدل على هذا، الآية ما قالت: رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم، لكن خلص لما التزموا فيها كتبناها عليهم، الآية ما قالت كذا، يعني الآية لا تدل على هذا النوع من الفهم، لا تدل على أن.
الله كتبها عليهم بعد أن التزموها في أنفسهم، الآية لم تقل هكذا، ولا أسلوب الكلام يدل على هذا، ولا معنى الكلام يعني معنى الآية، قال: وكقاعدة عامة لا يُكتب على أحد شيء إلا بشرع أو نذر. أنت كيف يصبح الشيء فرضاً عليك؟ إما الشريعة تفرض ابتداءً أو أنت تنذر نذراً لله، تقول: نذر لله إذا ربنا شفى مريضي أفعل كذا؛ فيصبح فرضاً عليك. هل هناك طريقة ثالثة حتى يصبح الشيء فرضاً عليك؟ فكّر، هل هناك طريقة ثالثة حتى يصبح الشيء فرضاً عليك؟ الشيء يصبح فرضاً عليك يا أن الشريعة تفرضه يا أنت تنذر نذراً على نفسك.
أما إذا أنا عملت برنامجاً يومياً وأنا الآن لماذا أركز على الفكرة؟ لأنها هي المدخل للفكرة؛ إذا أنا عملت برنامجاً يومياً: الصباح خلص يومياً بذكر الله 100 مرة، عند العصر عندي ذكر 100 مرة، في المساء أقرأ القرآن جزئين، إذا أنا التزمت يومياً بهذا البرنامج، هل هذا يجعل هذا الشيء يصبح فرضاً علي بحيث إذا أنا قصرت فيه أكون آثماً عند الله؟ في يوم من الأيام ما ذكرت في الصباح 100 مرة، ما قرأت ورد المساء، هل إذا أنا ملتزم يومياً ببرنامج معين يصبح هذا الالتزام سبباً في إيجاب هذا البرنامج عليّ وأصبح آثماً إذا لم أفعل؟ شو رأيكم؟ لا، أنا عملت برنامجاً التزمت بس مش معنى التزامي أنه يصبح ماذا؟ فرضاً عليّ.
فهذا الذي ابن العربي عم بينكره، أن أحداً يقول إن الرهبانية هم التزموها ابتداءً كبرنامج زمني عندهم، لما التزموها خلص ربنا فرضها عليهم، أصبحت فرضاً عليهم لأنهم التزموها وصارت جدولاً. فيقول ابن العربي: ولا يُكتب على أحد شيء إلا بشرع أو نذر، أما إذا الإنسان التزم عبادة من المسنونات أو المندوبات لأنه التزمها وصارت من جدوله، أقول له: راحت عليك صارت فرضاً عليك؟ بقول لك: ما حدا بيلتزم بشيء، بقول لك: أنا معناته صارت ورطة هذه! ما في داعي إذا ألزم نفسي بجدول يومي أو بعبادة أواظب عليها وأعاهد عليها. لذلك قال: وليس في هذا اختلاف بين أهل الملة، وهذه الطريقة لا يُوجب شيء على الإنسان إلا بشرع أو نذر، وأن مجرد التزامك بشيء ليس بواجب لا يجعله واجباً؛ ها هي القاعدة: مجرد التزامك بشيء ليس بواجب لا يجعله واجباً.
ثم قال: وهذا القول محتاج إلى النظر والتأمل إذا بنينا العمل على وفقه، وهذا القول يقصد الآن رح يرجع يناقش فيما يظهر لي كلام الباهلي في بداية الفصل، وهذا القول -الذي هو قول الباهلي: "أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يُكتب عليكم"- يقول: هذا القول كلام أبي أمامة الباهلي نحتاج أن ننظر ونتأمل فيه إذا بنينا العمل على وفقه، ليه؟ إذ أكثر العلماء على القول الأول. ما هو القول الأول؟ أن البدع يجب تركها ولا يجوز العمل بها، وكلام الباهلي يدل على أنه يقول: ابتدعتم بدعة داوموا عليها. فيقول: كلام الباهلي يحتاج إلى نظر وتأمل، يعني أن نفهم بالشكل الصحيح إذا أردنا أن نبني العمل على وفقه، لأنه أكثر العلماء على القول الأول، فإن هذه الملة لا بدعة فيها ولا تحتمل القول بجواز الابتداع بحال.
وقد يكون يقصد بالقول الأول: لا يوجد بدعة حسنة أو بدعة مثابة، لأنه بتعرفوا أن العز بن عبد السلام والقرافي قالوا أن هناك بدعاً حسنة، فهو يقول: إذ أكثر العلماء على القول الأول، يعني لا يوجد في الشرع القول الأول الذي نصره الشاطبي بأنه لا يوجد ما يسمى بدعة حسنة، فبالتالي هذه الملة لا بدعة فيها مقبولة ولا تحتمل القول بجواز الابتداع والثواب عليه بحال؛ للقطع بالدليل الذي مر وأكده في الفصل الثاني أو الكتاب الثاني: "كل بدعة ضلالة". فالاصل إذاً أن يتبع الدليل ولا يعمل على خلافه، فكل بدعة ضلالة، فبالتالي كيف يقول أبو أمامة الباهلي: "أحدثتم قيام رمضان فداوموا عليه"؟ فهمتم الآن وين المشكلة؟ حتى نمشي نحاول نفكفكها.
قال: ومع ذلك فلنخلِ بحول الله قول أبي أمامة رضي الله عنه من نظر صحيح على وفق دليل الشرعي، وإن كان فيه بُعد بالنسبة إلى ظاهر الأمر، وذلك أنه عدّ عمل عمر رضي الله عنه في جمع الناس في المسجد على قارئ واحد في رمضان بدعة، لقوله حين دخل المسجد وهم يصلون: «نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل». نعم، أبو أمامة الباهلي هو لماذا قال: أحدثتم قيام رمضان؟ لأنه دخل المسجد في زمن عمر فرأى عمر بتعرفوا جماعة الناس على قارئ واحد أُبي بن كعب في مسجد واحد، وعمر نفسه لما رآهم قال: «نعم البدعة هذه»، صح؟ ونحن عرفنا في كلام ابن تيمية في "الاقتضاء" وهذا الكتاب أن البدعة يقصد بها عمر المعنى اللغوي، لكن هنا أبو أمامة لا يظهر أنه يقصد المعنى اللغوي البحت.
فلماذا وصف أبو أمامة الباهلي ما فعله عمر على أنه بدعة؟ قال: وقد مر أنه إنما سماها بدعة باعتبار المعنى اللغوي، أنه أعاد تأليفها بعد أن النبي صلى الله عليه وسلم تركها. نعم، وأن قيام الإمام بالناس في المسجد في رمضان سنة عمل بها صاحب السنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما تركها خوفاً من الافتراض. نعم، فاصلاً التراويح يا إخوان سنة، النبي عليه الصلاة والسلام وإنما تركها مع أصحابه في الليلة الثالثة أو الرابعة خشية أن تُفترض عليهم ليس أكثر.
قال: فلما انقضى زمن الوحي زالت العلة لعدم الاجتماع، العلة ماذا كانت؟ الخوف من أن تُفترض، وبوفاة النبي عليه الصلاة والسلام زالت العلة، فعاد الاجتماع؛ إذاً مسنونة، هكذا فهمها عمر وهذا الفهم الصحيح. قال: فعاد العمل بها إلى نصابه، إلا أن ذلك لم يتأتَّ لأبي بكر رضي الله تعالى عنه زمان خلافته. ممكن شخص يقول: طيب إذا عاد العمل على نصابه بعد الوفاة ليش أبو بكر ما جمع الناس؟ لأن أبا بكر كلها سنتين خلافته ما تفرغ ليجمع الناس على صلاة التراويح، يعني ما كان عنده وقت للتفكير بهذه التفاصيل.
قال: لمعارضة ما هو أولى بالنظر فيه، وكذلك حرب المرتدين، وكذلك صدر خلافة عمر رضي الله عنه حتى تأتى النظر، يعني حتى ظهر لعمر أن ينظر في هذا الموضوع ويعالجه، فلما جاءت الفرصة المناسبة عمر عالجها، بس هذا الموضوع. قال: فوقع منه ما عُلم، لكنه صار في ظاهر الأمر كأنه أمر لم يجرِ عليه عمل من تقدمه دائماً، فسماه بذلك الاسم؛ يعني فعمر لماذا سماها بدعة؟ لأنه عمر خلص صارت مثبتة في المسجد على قارئ واحد بشكل مستمر، فسماها بدعة لأنها لم تحصل على وجه الديمومة دائماً، لم تحصل على وجه الديمومة على قارئ واحد إلا في زمنه، فأصل مشروعيتها ثابت في السنة، لكن عمر أحياها بهذه الطريقة وبهذه الهيئة الدائمة، فسماها بدعة بالمعنى اللغوي ولا يقصد البدعة بالمعنى الشرعي.
قال: فسماه بذلك الاسم لأنه أمر على خلاف ما ثبت من السنة، لا أنه فعل فعلاً على خلاف ما ثبت من السنة. فكأن أبا أمامة رضي الله عنه اعتبر فيه نظر ترك العمل به فسماه إحداثاً؛ فأبو أمامة لما قال في الأثر قبل شوي: "أحدثتم قيام رمضان"، لماذا سماه إحداثاً؟ هو قد يكون نظر بنفس الزاوية نوعاً ما، أن الناس ما كانت تفعل أن تجتمع على قارئ واحد في كل ليلة من رمضان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وزمن أبي بكر، فلما رأى أبو أمامة هذا الاجتماع الدائم على قارئ واحد، رآه أنه شكل من أشكال الإحداث فسماه إحداثاً، بس نحن عرفنا أنه أصله موجود في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، حيث صلى جماعة بهم، وإنما منعه من الديمومة على ذلك خشية أن تفترض عليهم، فلما مات لا يمكن أن تفترض عليهم فعاد الأمر إلى ما هو عليه.
فكأن أبا أمامة اعتبر فيه -لما سماها إحداثاً- نظر إلى ترك العمل به، أن النبي عليه الصلاة والسلام ترك العمل بهذه الصورة، وأبو بكر ترك العمل، فلما عاد عمر فأحيا العمل كأنه شكل من أشكال الإحداث. قال: فسماه إحداثاً موافقةً لتسمية عمر رضي الله عنه؛ إذاً هنا على رأي الشاطبي أن كلمة "أحدثتم" عند أبي أمامة الباهلي هي نفس كلمة عمر: "نعم البدعة هذه"، فحملها الشاطبي على المعنى الإحداثي اللغوي وليس الإحداث البدعي. ثم أمر بالمداومة عليه بناءً على، فلذلك ها إذاً هنا أصبح واضحاً، أحدثتم الإحداث اللغوي وليس الإحداث البدعي، إذاً منطقي أن يقول لهم: داوموا عليها ولا تتركوها، لأنه أبو أمامة هو مش شايفهم بيعملوا غلط، اللي بتعملوه صح، بس سماه إحداثاً لغةً كما سماها عمر بدعة.
قال: بناءً على ما فهم من هذه الآية من أن ترك رعايتها هو ترك الدوام، أنهم، فأبو أمامة الباهلي لماذا قال للصحابة لا تتركوها؟ يعني بعد أن قُدِّر لكم أن تجتمعوا عليها بهذه الصورة وهذه لم تحصل لكم سابقاً، وإن كان أصلها مشروعاً، بعد أن قُدِّر لكم الاجتماع على هذه الصورة، احذروا أن تتركوها، وهذا بناءً على فهم أبي أمامة للآية: "فما رعوها حق رعايتها"، بمعنى أنه ماذا؟ لم يداوموا عليها ولم يستمروا عليها، فهو نهاهم أن لا يرعوا التراويح بعد أن كتب لهم الله الاجتماع عليها، كما أن بني إسرائيل لم يرعوا الرهبانية بعد أن التزموها حق رعايتها ولم يداوموا عليها.
إذاً هذا يدل على أن الرهبانية التي عند بني إسرائيل وعند النصارى لم تكن بدعة حقيقية، كانت مشروعة لهم كفكرة، كانت مشروعة لهم وهم واظبوا عليها ابتداءً، فلما ألزموا بها أنفسهم، كيف التراويح أنت يومياً؟ هم الرهبانية خلص كانت مشروعة ابتداءً، اللي حابب يترهبن يترهبن، هم خلص ألزموا بها أنفسهم، فربنا قال أو الشريعة تحثهم على ماذا؟ ما دمت يا أخي ألزمت بها نفسك يا أخي واظب عليها؛ يعني حتى تفهم أكثر، لو أن الناس اليوم تركوا التراويح، هل يؤنبون على هذا؟ نعم يؤنبون، يا شيخ ما هي سنة، هي سنة، لكن هي السنة ما دامت أُحيت في زمن الصحابة وزمن الخلفاء الراشدين وواظب الناس عليها بصورة اجتماعية على إمام واحد، الله يريد منا شوف هذا المعنى اللي عم بركز عليه الشاطبي، ما دام اتفقنا على أدائها والأمة استمرت عليها جيلاً بعد جيل إذاً الله يريد منا أن نلتزم بها وأن نحافظ عليها، وعدم المحافظة عليها بحجة أنها سنة مخالف لمقصد الشارع وعدم رعاية النهي وحق الرعاية.
إذاً هي صحيح سنة تراويح، بس أنتم التزمتم فيها صح يا جماعة، وعمر جمعكم على قارئ، وأصبحتم تقيمون كل ليلة من ليالي رمضان، إذاً واظب عليها كأنها عهد بينك وبين الله، ولا تخلف الله الميعاد، وهذا سيركز على أنها أخذت صبغة العهد، هذا سيركز عليه الشاطبي، أن هي مش نذر لكنها أخذت ما دمتم أنتم مشيتم عليها فترة طويلة أخذت صبغة ايش؟ العهد، "وكان عهد الله مسؤولاً" والله لا يحب أن تخلف معه حتى ولو كان في الأصل هو ايش؟ سنة ومش فرض.
وهذا هو ما يريد أن يقوله، إذاً في لغز الآية السابقة أنه هو قولهم رهبانية ابتدعوها، هم ما معنى ابتدعوها؟ يعني ألزموا أنفسهم بها، يعني هي مش غلط أصلاً، هي مشروعة الرهبانية لهم، بس هم التزموها، فلما التزموها مش أنت خلص التزمت؟ هي السنة التزمت هذا البرنامج اليومي، أحب الأعمال إلى الله أدومها، الله يحبك أن تؤدي ما التزمت به ولا يريدك أن تنقطع. فإذاً البدعة هناك في رهبانية ابتدعوها الشاطبي يرى أنها ليست بدعة ليست بدعة بالمعنى التام للبدعية، وإنما إلزام أنفسهم بها هو شكل من أشكال الابتداع الذي يكون مقبولاً، والله ينتظر منك أن تستمر عليه، كما أن التزام الصحابة بصلاة التراويح سماه عمر بدعة وأصبح المطلوب منهم الالتزام بها، فلذلك أبو أمامة ماذا قال لهم؟ أبو أمامة شبه ما حصل في صلاة التراويح بما حصل مع الرهبانية، عشان هيك قاس هي على هي، فهمتم؟ لأنه أبو أمامة شبه صلاة التراويح بالآية لذلك استدل بها.
فيقول: أنتم أحدثتم قيام رمضان، وفهمنا أن الإحداث هنا ليس بالمعنى البدعي، لا، الإحداث هنا بالمعنى اللغوي اللي هو التزمتم قيام هذه الصلوات 20 ركعة مع إمام، هذا الالتزام اللي هو مشروع في الأصل ما دمت التزمته فالله يريد منك أن تراعيه حق رعايته بالديمومة عليه، وأصل الفكرة لهون. ثم قاس موضوع صلاة التراويح، قال: لأن النصارى الله شرع لهم الرهبانية ابتداءً فهم التزموها بصورة واظبوا عليها، ثم بعد ذلك قطعوا المداومة عليها، فما رعوا ما عادوا يداومون عليها، فذمهم الله على عدم الدوام وليس على.
الرهبانية كأصل لأنها كانت مشروعة، فالبدعة إذاً في الآية ليست البدعة بالمعنى الحقيقي، بل هي البدعة القريبة من قول عمر: "نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ"، وقريبة من قول الشاطبي، فهي بدعة الالتزام، والالتزام بالشيء والمواظبة عليه. كيف آتي وأقول لك: ما هو برنامجك اليومي؟ والله أنا أصحو الصبح أستغفر مئة مرة، أصلي ثماني ركعات كذا، بعدين بعد الظهر خلص ملتزم أربع ركعات لله، بعد المسويات عندي صلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ألف مرة، تمام، بعدين أقرأ وِرْد العشاء؛ هذا أسميه أنا بدعة، بس هو ليس البدعة بالمعنى الشرعي، بل المعنى اللغوي. فأقول لك: أنت ابتدعت هذا البرنامج في حياتك، أنت ما عملت بدعة شرعية، أنا مجرد برنامج يومي يا شيخ مواظب عليه. خلص، أقول لك: هذا الالتزام، لاحظ هذا الالتزام المستمر هو شيء أنت استحدثته في حياتك.
لاحظ أن كلمة استحدثته أو ابتدعته ليست بالمعنى المذموم الشرعي، ليس بمعنى كل لا، أنا برنامج عملته استحدثته في حياتي ما كان موجوداً، بس الأصل أني أعمل برنامجاً يومياً وهو في الشريعة جائز، بس أنت استحدثت هذا الموضوع بمعنى التزمته، استحدثته بمعنى التزمته كجدول. فهنا تأتي الشريعة تقول لك: داوم عليه ولا تتركه؛ لأن استحداثك لهذا الجدول كانه عهد بينك وبين الله، أنه يا رب أنا هذا جدول الإيمان معك، كأنه عهد بينك وبين الله، والله يحب أن يُوفَى بعهده، ويذم الذين يضعون برامج وجداول لأنفسهم في حياتهم يلتزمون بها ثم يخرمونها.
معناته الله يحفظ علينا، بس هذا المعنى يريد أن يقوله الشاطبي، هذا هو الذي يريد أن يصل إليه الشاطبي في قصة الرهبانية، أن الرهبانية هي أصلاً مشروعة، لكن هم خلوها زي نظام حياة لهم، خلص أنت جعلتها نظام حياة، راعها حق الدوام عليها، فلما لم يداوموا عليها ذمهم الله على ماذا؟ على عدم الدوام، فما رعوها حق رعايتها. كيف هذا الشاب الذي يعمل برنامجاً يستمر عليه شهراً قيام ليل وكذا، وبعدين يفلت، هذا هو داخل تحتها؛ فما رعوها حق رعايتها. عمل برنامجاً التزم فيه، هذا برنامج مستحدث أنت استحدثته، وهو بدعة لغوية جزاك الله خيراً ما في مشكلة، والله يحب أنك تمشي وتعمل برامج، بس داوم، إذا لم تداوم أنت داخل في قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27]. هذا ما فهمه أبو أمامة الباهلي من الآية، ولذلك حذر الصحابة -عفواً- في قضية التراويح أن يقعوا فيما وقع فيه بنو إسرائيل في قضية الرهبانية، أن تقعوا في نفس الخطأ. فالبدعة إذاً في الآية بمعناها اللغوي العام، وليس بمعناها الشرعي، هكذا فهمنا، هذا هو اللغز الذي يريد أن يحكي لك إياه، أنه ليش سماها بدعة، هو أراد أنها بدعة الالتزام ووضعها كجدول، وهذا ليس حراماً، ليس البدعة التي نذمها ونسميها "كل بدعة ضلالة".
أحسنت، الانتكاس عن الخير بعد أن التزمت به أدبياً مع الله، يسمونه الالتزام الأدبي، أنت التزمت أدبياً مع الله كل يوم عندك كذا وكذا، هسا إذا تركته لعذر قاهر، والله الليلة تعبت تعبت فنامت عيني، ربنا يعطيك إن شاء الله الثواب لأنه عذرك قاهر، لكن الله لا يحب هذا الترك التام. بتلاقي شاباً ماشياً ببرامج فجأة فرطت كل الأمور، بطل يشارك في برامج، ولا يشارك في قيام ليل، ولا يشارك في صيام، يعني كل برنامجك الذي مشيت عليه شهرين ثلاثة ليش تركته؟ فما رعوها حق رعايتها. ولذلك قلت لكم الكلام هنا خطير ومهم الذي يقوله الشاطبي في قضية برنامجك العبادي مع الله، لاحظ معي، قال: ثم أمر بالمداومة عليه بناءً على ما فهم من هذه الآية من أن ترك الرعاية وترك الدوام، وأنهم قصدوا إلى التزام عمل ليس بمكتوب بل هو مندوب، فلم يوفوا بمقتضاه، وأنهم -أي أهل الكتاب النصارى- قصدوا هنا الكلام بالصمت إخواني، لأنه إذا كلمة واحدة راحت علينا مش رح تفهم الكلام. قصدوا إلى التزام عمل ليس بمكتوب بل هو، فما معنى ما كتبناها عليهم؟ أنه أنا الرهبانية ما ألزمتهم فيها بس ندبتها لهم، هم ماذا عملوا؟ ألزموا أنفسهم فيها أدبياً مع الله، ما دمت ألزمت نفسك أدبياً هي سنة صح، بس أنتم ألزمتم أنفسكم بها أدبياً مع الله، إذاً الله يحب أن تداوم على ما تلتزم به أدبياً، ويكره منك أن تكون منقطعاً عما التزمت به أدبياً، فاهم هنا يا عمار؟
لذلك قال: فهم النصارى قصدوا، أي عمدوا، أي توجهوا إلى فعل وهو الرهبانية، توجهوا إلى التزام عمل، شو هو العمل؟ الرهبانية، التزموا الرهبانية وهي ليست مكتوبة، أي ليست مفروضة عليهم، بل هي كانت في حيز المندوبات لهم، لكنهم قرروا التزامها، ممتاز. أنا أريد أن ألتزم بشيء مندوب، بس بدك تواظب عليه سيدي، ما بينفع أنك تكون عند الله ذلك الإنسان الذي يكون مقبلاً على الخير ثم فجأة يقطعه ويتركه بالكلية. ربنا بيعذرك مريض، تعبان، حصل لك ظرف، امتحان، لكنه يمقت أن يراك منقطعاً عن التزاماتك الأدبية معه، ولو كانت في حيز المندوب. الناس عندهم فكرة خاطئة أنه قضية المندوب ما هو خلص مندوب يا شيخ، تركته تمام، لذلك دائماً أنا أمثل بهذا المثال، قضية الأخت التي تلبس النقاب وتقول لك بعدين تخلعه، تقول شو أصلاً مندوب ما هو، ماشي، بغض النظر في خلاف صح، في خلاف بس أنت لما التزمتِ بهذا المندوب، التزمتِ بهذا المندوب هو التزام أدبي بينك وبين الله، فلا تأتي وتبرري لنفسك شماعة أني أريد أن أخلع النقاب بحجة إيش؟ ما هو مندوب، ما هي المسألة فيها خلاف. ماشي، أنا هذا من حيث البحث الفقهي صح، لكن من حيث البحث السلوكي مع الله أنت مقصرة ومفرطة وما رعيت النقاب حق رعايته، داخلة تحت قوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، لأنه أنت التزمتِ، حتى لو أنت تعتقدين أنه مندوب، خلص أنت التزمتِهِ بشكل دائم، مش هيك دخلتِ فيه؟ فأنت داخلة في ماذا؟ في التزام أدبي بينك وبين الله أن تحافظي على هذه الشعيرة، تركك لها بعد أن التزمتِ فيها معيب ونقص، وليس شيئاً طبيعياً تقولي ما هي مندوب، أنا أصلاً مقتنعة أنه مندوب، لا هو عيب ونقص.
طيب من أين أتيت يا شيخ أنه عيب ونقص؟ من نص القرآن، هكذا فهمنا أبو أمامة الباهلي، فما رعوها حق رعايتها، حتى لو كان مندوباً والتزمت به بدك تكمل، فرض يا شيخ أنا ما أستطيع، أقول لك فرض ولا الصوت يروح يقول لك فرض، بس رح يقول لك في إيش؟ في التزام أدبي، والله لا يحب المنقطعين. نعم قال: لأن الأخذ في تطوعات غير اللازمة ولا السنن الراتبة يقع على وجهين، أحدهما أن تؤخذ على أصلها فيما استطاع الإنسان، فتارة ينشط لها وتارة لا ينشط. شوف هذا كلام إخواني الآن كلام عظيم عظيم عظيم في فهم سلوكياتك التعبدية مع الله، يقول لك الأخذ في التطوعات غير اللازمة ولا السنن الراتبة، الآن هنا في سنن راتبة؛ ركعتان قبل الظهر ركعتان بعدها، التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم راتبة في أوقات محددة. الشاطبي يقول لك الآن لا، أنا أتكلم لك عن السنن الرواتب، أنا أتكلم لك عن التطوعات المفتوحة، أنتم تعرفون في شيء اسمه سنن رواتب تمام، وعبادات راتبة، مثلاً في عندنا صيام عرفة، صيام عاشوراء، هي أشياء راتبة سواء في الصيام أو في الصلاة. لا، يقول لك الشاطبي أنا الآن رح أتكلم معك في ماذا؟ في التطوعات غير اللازمة ولا السنن الراتبة، طبعاً هنا شوي المصطلح المالكي رح يدخل؛ لأن المالكية أصلاً تقسيماتهم للسنة كثيرة، عندهم السنة المؤكدة والسنة الراتبة والرغيبة والتطوع، هم أصلاً يفصلون كثيراً، فهنا شوي في تأثرات طبيعي، الشاطبي مالكي فعم يستعمل المصطلحات المالكية في أنواع ومراتب المندوب. المهم، ماذا يقول لك الشاطبي؟ أنا رح أتكلم لك عن التطوع المفتوح الذي ليس راتباً في أوقات حددتها الشريعة.
الآن التطوعات المفتوحة مثل إيش يا عمار؟ النفل المطلق، قيام الليل المطلق، الصيام المطلق، الصدقة المطلقة التي لم تحددها الشريعة في أيام مميزة أو بأوقات مميزة، هذه التطوعات أنت لما تدخل فيها كمسلم كيف تدخل فيها؟ قال على أحد وجهين؛ الوجه الأول: أن تؤخذ على أصلها فيما استطاع الإنسان، فتارة ينشط لها وتارة لا ينشط. يعني مثلاً قيام الليل، الصدقات المطلقة، الصيام المطلق، طريقة سياسة نفسك في علاقتك مع الله أن تأخذ هذه التطوعات على حسب التساهيل، يعني والله اليوم والله فيَّ حيل أصوم، خلص بصوم لله، مش ملزم نفسي بصيام محدد، صيام داود أو صيام لا، ماشي فيها على البركة على التساهيل. والله اليوم أنشط والله بدي أقوم الليل ثماني ركعات، بس يا رب أنا مش ملتزم ثماني ركعات، أنا بس اليوم أنا نشيط، اليوم الثاني والله اليوم أنا هذا أربع ركعات اليوم خليني أصلي، اليوم الثالث والله شوي هيك مكسل خليني أصلي ركعتين، فإنت ابتداءً داخل في هذه التطوعات على حسب النشاط والحيل. والله اليوم معي شيء حطيته، بكره لقيت في جبتي دينار تصدقت فيه، والله اليوم وجدت خمس ليرات في جيبتي مش محتاجها حطيتها، إذاً أنت ماشي بالتزام أدبي مع الله ولا على حسب التساهيل؟ الطريقة الأولى أن تمشي في التطوعات على حسب التساهيل.
فيقول الشاطبي: الأخذ، أي الشروع في التطوعات التي ليست لازمة في أوقات محددة أو سنن راتبة تقع على وجهين، طريقة تعاملك على وجهين؛ الطريقة الأولى أن تؤخذ على أصلها، هي أصلاً مفتوحة، تؤخذ على أصلها، هي أصلاً تطوع مفتوح مش راتب في أوقات معينة، فإنت تتعامل معها تارة تنشط لها وتارة لا تنشط على حسب الهمة كما يقولون، أو يمكنه تارة بحسب العادة أو لا يمكنه؛ أحياناً والله اليوم عندي شغل ما قدرت والله أعمل هذه الطاعة لتزاحم الأشغال الأسرية أو الحياتية علي. طيب اقرأ يا عمر قال: وما أشبه ذلك كالرجل يكون له اليوم ما يتصدق به فيتصدق، ولا يكون له ذلك غداً، أو يكون له إلا أنه لا ينشط للعطاء. نعم، يعني اليوم أنا معي دينار زي ما حكيت تصدقت به، بكره معيش أو معي بس والله دخلت، شوي نحن في النهاية نحكي عن تطوع مطلق ما حدا رح يلومك، لأنه أنت من البداية طريقة شروعك في هذا التطوع ليس على صورة الالتزام الأدبي ببرنامج معين، أنت من البداية يا رب أنا داخل حسب التساهيل.
أو يرى إمساكه وأصلح في عادته الجارية له، أو غير ذلك من الأمور الطارئة للإنسان، فهذا الوجه لا حرج على أحد في ترك التطوعات كلها ولا عتب ولا لوم عليه، إذ لو كان ثم لوم أو عتب لم يكن تطوعاً، وهو خلاف الفرض. آه، فهذه الحالة أنت اليوم تصدقت بكره ما تصدقت ما حدا يلومك صح، اليوم صليت أربع ركعات قيام ليل، اليوم ما صليت ما حدا يلومك، اليوم قرأت جزئين بكره قرأت جزء، لأنه أنت أصلاً ماشي ابتداءً على حسب التساهيل، فيوم عملت يوم ما عملت هو تطوع، فلا أحد يلومك على عدم الفعل.
نيجي على الحالة الثانية وهي بيت القصيد، قال: أن تؤخذ مأخذ الملتزمات كرجل... آه الحالة الثانية لا هي تطوعات مطلقة لكن أنا أخذتها على نفسي مأخذ الملتزمات، شو يعني؟ يعني ألزمت نفسي فيها، مش نذراً، أسميه أنا حتى الالتزام الأدبي مع الله، أنه أنا عملت جدولاً أنه خلص بدي أصير يومياً عندي صدقة دينار الصبح، وعندي جلسة للشروق يسموه التخطيط، بسموه التخطيط للحياة، وعندي درس أسبوعي لازم أحضره مع الشيخ، وعندي كذا قيام الليل خلص ألزمت نفسي أدبياً مع الله بهذه الخطة. آه، هنا ماذا سيقول الشاطبي في هذه الحالة؟ نعم قال: كالرجل يتخذ لنفسه وظيفة راتبة من عمل صالح في وقت من الأوقات؛ هو التخطيط اليومي، وظيفة راتبة التي هو أنك تخطط يومياً لأعمال أدبية تطوعية، نعم، كالتزام قيام حظ من الليل مثلاً، أو صيام يوم بعينه لفضل ثبت فيه على الخصوص كعاشوراء أو عرفة. نعم، ممكن أنت خلص أدبياً مع الله ماشي صيام عاشوراء سنة، بس أنا يا رب بدي ألتزمه، وإن كان هذا قد لا يكون ضمن التطوع المطلق، المطلق هو في نوع راتبية فيه بس يعني كمثال يمشي الحال، أو يتخذ وظيفة من ذكر الله بالغداة والعشي، يعني يكون مرتب نفسه أنه أنا من الفجر للشروق، وقت الغداة الذي هو وقت الفجر بذكر الله للشروق، وقت العشية يعني قبل المغرب بساعة، جدول يومي عنده ساعة ذكر، خلص أنت برمج حياتك على هذا.
نعم قال: فهذا الوجه أخذت فيه التطوعات مأخذ الواجبات؛ بس هل هو واجب بالمعنى الحقيقي؟ ولا واجب أدبي؟ كأنه أصبح واجباً أدبياً بينك وبين الله، لأنه في النهاية هي أشياء تطوعية بس لأني ألزمت نفسي فيها في خطة العبادية أصبحت تشبه الواجبات، أنه في التزام أدبي بيني وبين الله لازم أوفي فيه. نعم قال: مأخذ الواجبات من وجه، لأنه لما نؤخذ مأخذ الواجبات من وجه مش من كل الوجوه، نعم، قال: لأنه لما نوى الدؤوب عليها في الاستطاعة، لأنه لما نوى الدؤوب، ما معنى الدؤوب يا أسامة؟ الدوام، لأنه لما نوى الاستمرار على هذه العبادة في الاستطاعة، يعني ما دام هو...
يقول ما دمت مستطيعاً أنا سأستمر على هذه العبادة، فهكذا أصبحت هي العبادة التي أنت ألزمت نفسك فيها في وقت استطاعتك. أشبهت ماذا؟ قال: أشبهت الواجبات أو السنن الرواتب؛ أشبهت السنن الرواتب من حيث الإلزام. كما أنه لما كان ذلك الإيجاب غير لازم بالشرع لم يصر واجباً؛ إذ تركه أصلاً لا حرج فيه في الجملة.
أنا الآن ألزمت نفسي بهذا البرنامج، هل هذا أصبح واجباً شرعياً؟ لا، ما نحن حكينا هذا ليس واجباً شرعياً، هذا اسمه التزام أدبي. فبما أنها هي أصلاً ليست واجبة ابتداءً، يريد أن يقول لك: إن هذه البرامج التطوعية التي تُلزم فيها نفسك فيها شبه بالواجب من جهة وتخالف الواجب من جهة. هي تشبه الواجبات الشرعية من جهة ماذا؟ أنك التزمت بها، وتخالف الواجبات الشرعية من جهة أنها في الأصل تطوعات، فهي غير لازمة بالشرع فلم تصر واجباً.
نظيره عندنا النوافل الراتبة بعد الصلوات؛ فإنها مستحبة في الأصل، ومن حيث صارت رواتب أشبهت السنن والواجبات. الراتبة اللي هي ركعتان قبل الظهر والركعتان بعدها هي في الأصل مستحبات، لكن لما أصبحت راتبة فأنت ملزم فيها أدبياً. السنن الرواتب نحن ملتزمون بها أدبياً، أصبحت تشبه الواجبات من هذه الجهة من حيث أنها راتبة يومياً أنت ملتزم بها أدبياً مع الله.
هذا المعنى هو المفهوم من قوله صلى الله عليه وسلم في الركعتين بعد العصر حين صلاهما فسُئل عنهما، فقال: يا ابنة أبي أمية -التي هي أم سلمة- سألتِ عن الركعتين بعد العصر، إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان. هو يريد أن يستدل بهذا الحديث على فكرة قضاء السنن الرواتب؛ يدل على ضرورة الالتزام الأدبي، أنه ماشي هي سنة راتبة بس بدي أقضيها حتى أعود نفسي على أن الالتزامات الأدبية -ولو كان أصل الفعل سنة- أنا محافظ عليها. سنة الفجر والله يوم ما صليتها أن تقضي سنة الفجر، هذا من الالتزامات الأدبية بينك وبين الله.
وهكذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقضاء أي سنة هو من الالتزامات الأدبية، والإسلام يحث على هذا، وهو فعل النبي عليه الصلاه والسلام حيث إنه لما لم يستطع أن يصلي سنة الظهر بعد الظهر صلاها بعد العصر مع أنه وقت نهي، طبعاً في خلاف كثير في الحديث لكن هو وقت نهي؛ لأنه كان يحب إذا فعل شيئاً أن يواظب عليه الصلاه والسلام، حتى ولو كان في أصله مندوباً. لأنه سُئل عن صلاته لهما بعد ما نهى عنهما؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصليهما بعد الظهر كنوافل راتبة، فلما فاتتاه صلاهما بعد وقتهما كالقضاء لهما حسب ما يقضى الواجب.
فصار إذاً لهذا النوع من التطوع حالة بين حالتين؛ لا هو واجب شرعاً، ولا هو طبعاً تركه طبيعي؛ لأنه أنت قادر تتركه طبيعي لكن أنا التزمت أدبياً فيه مع الله، ولا هو في نفس الوقت واجب شرعاً لأن هو أصلاً في النهاية التزام في أمور تطوعية. فقال: هو حالة بين حالتين، أصبح كأنه منزلة بين منزلتين. إلا أنه راجع إلى خيرة المكلف في بداية الأمر؛ لأنه أنت أصلاً هو كله البرنامج في أمور تطوعية، وحتى في أثنائه لو لم تلتزم به أنت مذموم والله يذم هذه الحالة، بس ما أقدر أقول إنك فعلت حراماً؛ ليه؟ لأنه أنت ما تركت واجباً شرعياً، أنت تركت واجباً أدبياً. فقضية أنني مشيت ببرنامج عبادي أو تطوعي والتزمته أدبياً مع الله، أنت ما شُدَّ عليك الاختيار أن تتركه، بس ستكون مذموماً إذا تركته في منتصف الطريق، بس ابتداءً أنت لك الخيار أن تدخل في هذه التطوعات على وجه حسب البركة أو تدخل على وجه الإلزام، وأنت اخترت تدخل على وجه الإلزام فالاصل أنك تستمر.
نعم، الشريعة تراك مقصراً إذا التزمت بشيء أدبي مع الله ثم تركته، هذه قاعدة الآن فهمناها. أي التزام أدبي مع الله في تطوعات وأنت تركتها بالكلية، هذا تقصير وتفريط لا يحبه الله؛ لأن الله يحب من كان عمله ديماً. هناك أصل ثانٍ للشاطبي وهو أن الله سبحانه وتعالى لا يريد منك ولا يحب منك ابتداءً أن تلزم نفسك بتطوعات تكون مجهدة ومكلفة عليك؛ هذه قاعدة أخرى. كما أنه يحب من يداوم على عمله، كذلك يحب أن الأشياء التي أنت حضرتك بدك تحطها في جدولك اليومي في العبادة تكون ضمن الوسع والطاقة. لا تلتزم بينك وبين الله التزامات أدبية؛ كل يوم بدي أختم القرآن، يا أخي أنت قادر تختم كل يوم القرآن وحاط لي إياها التزام أدبي بينك وبين الله؟ والله كل يوم بدي أستغفر 5000 استغفار، طيب أنت يا زلمة 100 استغفار بتضيع فيهم، و5000 استغفار وأنت عندك شغل ومشاغل وزوجتك وأولادك!
يقول: وإذا كان كذلك فقد فهمنا أيضاً من مقصود الشارع -شوف هنا الشاطبي أنه مقاصدي بستعمل عبارة استقراءاته للنصوص- عرفنا من خلال تتبعنا للنصوص أن مقصود الشارع أن يأخذ الإنسان بالرفق والتيسير في سياسة نفسه في العبادات، وأنك لا تحمل نفسك في التطوعات شيئاً يثقل كاهلك؛ لا تلتزم ما لعله يعجز عنه أو يحرج بالتزامه. لا تلتزم شيئاً بكره تلاقي حالك والله ما أنا قادر؛ زي بعض الشباب اللي أول ما يلتزم تلاقيه مندفع، تمام، والله بدي أقوم كل يوم 20 ركعة، بعد شهر بتعطى وبفطر، طيب أنت طول عمرك ما بتصليش ركعتين، هسا من أول ما التزمت بدها تصير 20 ركعة؟ لا تكلف نفسك في الالتزام بشيء تعجز عنه أو على الأقل يحرجك الالتزام به. أنا كل يوم بدي أتصدق بـ 10 دنانير، وأخونا كل راتبه 300 ليرة، طيب ما أنت لما تلتزم والله لتتحرج؛ لا تضع التزامات أدبية فوق الوسع والطاقة.
فإن الالتزام إن لم يبلغ مبلغ النذر الذي يكره ابتداءً فهو يقرب من العهد الذي يجعله الإنسان بينه وبين ربه، والوفاء بالعهد مطلوب في الجملة، فصار الإخلال به مكروهاً. هذا حط تحته خط، هي مربط الفرس عند الشاطبي. الالتزامات الأدبية بينك وبين الله في البرامج اليومية، هسا نحن ما بنقول إنها نذر، صح هي لم تبلغ مبلغ النذر؛ النذر مكروه ابتداءً، أما هي الالتزامات الأدبية ففيها مشكلة، لكن هو بيقول لك: أنا ما أقول لك إنها نذر لأنه أنت ما قلت نذراً عليَّ أصلي، لا أنت بس عملت خطة يومية. هذه الالتزامات هي لا تبلغ مبلغ النذر لكنها تقترب من العهد الذي يجعله الإنسان بينه وبين ربه، وهذه كثير يفعلونها الناس، يجي يقول لك: والله أنا عاهدت ربي على هذه الشغلة بس ما قدرت أوفي فيها. العهد مش نذر، تمام، بس عيب ما توفي فيه، هيك عيب ما توفي فيه؛ لأن العهد كان مسؤولاً، هيك جاء في سورة الأحزاب ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]. فهي الخطط اليومية أنت صح جالس بس الله يراقبك وأنت بتحط خطتك اليومية، ويراقبك وأنت تكتب بدي أصلي كذا وبدي أجلس للشروق وبدي كذا وبدي أعمل كذا وخلص رح ألتزم بهذا؛ هذا الالتزام هو نوع من أنواع التعاقد والتعاهد بينك وبين الله، والوفاء بالعهد مطلوب في الجملة، فصار الإخلال بهذا العهد بينك وبين الله هو مش حرام بس ايش فيه كراهة.
والدليل على صحة الأخذ بالرفق والتيسير وأنه الأولى والأحرى وإن كان الدوام على العمل أيضاً مطلوباً عتيداً في الكتاب والسنة؛ عتيد يعني أصيل. لكثرة النصوص التي تدل على ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، ويسراً ولا تعسراً، وكان ينهى الصحابة عن التعسير على أنفسهم. وسياتي معنا حديث عبد الله بن عمرو لما كان يكثر على نفسه في العبادة النبي صلى الله عليه وسلم قال له: خطأ؛ أنت التزمت يا عبد الله بن عمرو التزامات شديدة ما بتصلح، فأمره أن يختم على الأكثر في كل ثلاثة أيام غير هيك لا تختم أقل من كذا، وأمره أن يعطي زوجته حقها، لأنه الزم نفسه عبد الله بن عمرو بن العاص بالتزامات أكبر من طاقة الإنسان الطبيعي.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: 7] على قول طائفة من المفسرين إن الكثير من الأمر واقع في التكاليف الإسلامية، ومعنى لعنتم لحرجتم ولا دخلت عليكم المشقة، ودين الله لا حرج فيه ولكن الله حبب إليكم الإيمان. هو في خلاف ما هو الأمر هنا؟ البعض حملها على الأمر الدنيوي والبعض حملها على الأمر الشرعي، فهو على القول الذي يرى أن الأمر هنا الأمر الديني -يعني لو يطيعكم في كثير من الأمر الديني حيث كانوا يلحون على النبي صلى الله عليه وسلم بدنا نجاهد بدنا نصلي بدنا كذا- فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم كل ما قلتوا له بدنا نجاهد بدنا كذا قال رد عليكم لشق ذلك عليكم، لكن البعض حمل الآية على الأمر الدنيوي، لو أطاعكم في كثير من أموركم الدنيوية لشق ذلك عليكم ولقعتم في المهلكة.
فبتكون معنى الآية شوف هذا التفسير للآية اللي بجوز أول مرة بتسمعوه في حياتكم: واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من إلحاحاتكم -يا رسول الله بدنا نجاهد، بدنا الصلاة، بدنا تفرض علينا قيام ليل، بدنا التراويح- لو مشى معكم بطلبكم للأمور العالية والله لعنتم، لوقعتم في الحرج، ولكن الله حبب إليكم الإيمان بالرفق والسهولة بالتدرج وكره إليكم. وهذا معنى جميل للآية، نعم قال بالتسهيل والتيسير وزينه في قلوبكم. وإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة، ووضع الإصر والأغلال التي كانت على غيرهم.
وقال الله تعالى في صفة نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]، عزيز عليه عنتكم أي وقوعكم في الحرج مثلاً. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقال ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، وسمى الله تعالى الأخذ بالتشديد على النفس اعتداءً، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87].
ومن الأحاديث كثير كمسألة الوصال؛ وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة بهم، قالوا: إنك تواصل، قال: إني لست كهيئتكم؛ إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني. ما هو الوصال يا شباب؟ أن يصوم يومين أو ثلاثة متتابعة، 48 ساعة متواصلة أو 72 ساعة متواصلة لا يفطر ليلاً ولا نهاراً، هذا يشق.
على الإنسان نعم. قال وعن أنس رضي الله عنه قال: واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر شهر رمضان. النبي عليه الصلاة والسلام هذا من خصائصه، أن الوصال مشروع له لأنه ليس كهيئتنا. فواصل ناس من المسلمين فبلغه ذلك فقال: «لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمق تعمقهم».
بعض الصحابة ما ردوا على النبي عليه الصلاة والسلام، أصروا أنهم يعملوا وصال، فقال لهم: بدكم تعملوا وصال بدكم تلزموا أنفسكم بهذا. واصل بهم يوما ثم يوما ثم رحمه ربنا أنه انتهى رمضان، وقال لهم: تعرفوا لو كان رمضان لسه لخليتكم تظلكم تواصلوا. كأنه يريد أن يعنفهم على عنادهم، قلت لكم من أول لا تواصلوا، لا تحملوا أنفسكم في العبادة فوق طاقتكم. فهذا معنى قوله: لو تأخر الشهر لزدتكم؛ كالمنكل، أي كالمعاتب لهم حين أبوا أن ينتهوا، لأنه قال لهم لا تواصلوا. بتعرف بعض الشباب متحمسين، بقول له يا ابن الحلال ما بتقدر، لا أنا بقدر، لا ما بتقدر أنت، لا بقول لك أنا بقدر، فعصوا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: خلص مش أنت بتقدر يلا بدي أواصل معك. خلاهم يواصلوا أول يوم وثاني يوم وانتهى رمضان، دخل شوال دخل العيد، والعيد لازم تفطر، فقال: والله لو تأخر رمضان شوي لضليت أواصل فيكم، وهذا نوع من أنواع العتاب، أنه أنتم ليش ما بتردوا من البداية.
ومن ذلك مسألة قيام النبي صلى الله عليه وسلم بهم في رمضان فإنه تركه مخافة أن يفرض عليهم فيعجزوا عنه فيقعوا في الإثم والحرج، فكان ذلك رفقا منه بهم. قال القاضي ابن الطيب: يحتمل أن يكون الله تعالى أوحى إليه أنه إن واصل هذه الصلاة معهم فرضت عليهم، يعني محتمل بس بغض النظر عن السلامة. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم. وقد قيل هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تخصوا يوم الجمعة بالصيام». وقال المهلب وجهه خشية أن يستمر بهم فيفرض، وهذا سيكون في حال حياته صلى الله عليه وسلم. وبهذا المعنى يجتمع النهي مع قول مالك رضي الله عنه في الموطأ، ولا يكون فيه إشكال.
يشير بقوله في الموطأ إلى قول مالك: لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة. تخيل مالك في عقر المدينة في دار الإسلام وعند أحفاد الصحابة ويقول لك: ما سمعت أحدا ينهى عن صيام يوم الجمعة. طب كيف الحديث واضح لا تصوموا يوم الجمعة، أو لا تخصوا يوم الجمعة بصيام، أو إذا صام أحدكم يوم الجمعة فليصومن يوما قبله أو يوما بعده. كيف يقول مالك: لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ينهى عن صيام يوم الجمعة؟ مالك فهم حديث «لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوما قبله أو بعده» أو «لا تخصوا يوم الجمعة بصيام» أن هذا النهي فقط في حياة النبي عليه الصلاه والسلام خشية أن يفرض عليهم إذا استمروا على صيامه، وأما بعد وفاته خلص لا يمكن أن يفرض شيء على الأمة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، فأصبح الأمر بصيام يوم الجمعة مشروعا بكل أريحية. هذا فهم مالك، الجمهور بجوز بيخالف مالك بس بقول لك إنه في فهم من هذه الأفهام بهذا الاتجاه، وهذا يدل على أن النهي عن تخصيص يوم الجمعة كان الهدف منه رفع الحرج والضيق عن الأمة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يفرض عليهم، فيعتبر هذا الحديث نموذجا من هذه النماذج.
كذلك بتعرفوا لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة فصلى فيها ثم خرج، فذهب إلى عائشة يشعر بالضيق قال: أخشى أني أكون كلفت أمتي. خشي النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعد ما صلى داخل الكعبة أن ينزل جبريل فيفرض على الناس أن يصلوا داخل الكعبة اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم صلى داخل الكعبة فلما خرج كانه تأسف ليش صليت داخل الكعبة، مع أنه كان يحب ذلك لكنه رأفة بهذه الأمة وخوفا من التعنت عليهم أو أن ينزل شيء من الله فيه إحراج لهم.
ومن ذلك حديث الحولاء بنت تويت قالت عائشة رضي الله عنها: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي امرأة، فقال: «من هذه؟» فقلت: امرأة لا تنام، تصلي. فقال: «عليكم من الأعمال ما تطيقون». وفي لفظ: هذه الحولاء بنت تويت زعموا أنها لا تنام الليل، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تناموا الليل، خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسام الله حتى تساموا». لاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر عليها أن حملت نفسها ما لا تطيق، تخيل أنك لا تنام في الليل أبدا، طب هذا مرض هذا يرهق أعصابك، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على هذه المرأة تشديدها على نفسها أنها لا تنام في الليل وبتقضي كل الليل صلاة، هذا خطأ. فإعادة لفظ «لا تنام الليل» منكرا عليها والله أعلم، غير راض لفعلها لما خافه عليها من الملل والسأمة، أو تعطيل حق آكد.
تخيل أنك ما بتنام بالليل، طول الليل قيام وقراءة قرآن، الصبح رح تروح على الشغل، هناك حق آكد هو لازم أشتغل في الصبح عشان أجيب طعام لعيالي. ففلسفة الشريعة تقوم على التوازن، أنه ما بصير تلتزم التزام أدبي طول الليل أظلني صاحي رفقا بنفسك، الصباح عندك أعمال وأشغال ستضيع حقوق أولى أن تهتم بإقامتها.
ونحو حديث أنس رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: «ما هذا؟» قالوا: حبل لزينب تصلي، فإذا كسلت أو فترت أمسكت به. فقال: «حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر قعد». وفي رواية قال: لا، حلوه. سيدتنا زينب بنت جحش كانت تصلي في المسجد وكانت حاطة حبل بين ساريتين حتى إذا نامت تمسك في الحبل ترجع تنهض، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال مش مطلوب من الإنسان يقوم الليل بهي الصورة، خلص صلي وأنت نشيط، إذا شعرت أنك نعسان ارجع نم، الشريعة تقوم على اليسر.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أني أصوم وأسرد وأصلي الليل، فإما أسرد يعني أصوم أشهر طويلة أو أصوم طول السنة صائم. قال فإما أرسل إلي وإما لاقيته فقال: «ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي الليل فلا تفعل، فإن لعينك حظا، ولنفسك حظا، ولأهلك حظا، فصم وأفطر، وصل ونم».
وفي رواية عن أبي سلمة قال حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة. قال: فإما ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم وإما أرسل إلي فأتيت، فقال: «ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟» فقلت: بلى يا رسول الله، ولم أرد بذلك إلا الخير. قال: «فإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام». فقلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. فقال: «فإن لزوجك عليك حقا، ولزورك عليك حقا، ولجسدك عليك حقا. فصم صوم داوود نبي الله فإنه كان أعبد الناس». فقلت: يا نبي الله وما صوم داوود؟ قال: «كان يصوم يوما ويفطر يوما. واقرأ القرآن في كل شهر». قال فقلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فاقرأه في كل عشرين». قال قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك، فإن لزوجك عليك حقا، ولزورك عليك حقا، ولجسدك عليك حقا».
قال فشددت فشدد علي. قال لي عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: ما أخذت بالنصيحة، يعني حمل نفسه أن يستمر على نوع أعلى من العبادات قال فشددت فشدد علي لما كبر في السن ندم أنه لم يأخذ بنصيحة النبي عليه الصلاة والسلام، لأن جسمه ترهل مبكرا، تعب حاله شاب كثير فأعصابه ما تحملت لما كبر، فقال: فشددت على نفسي فشدد علي. فهو يلوم نفسه لماذا لم يأخذ بتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق والتيسير على نفسه. قال: وقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر»، فصرت إلى الذي قال لي النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم. لاحظ الندم، فعلا النبي عليه الصلاة والسلام نصيحته في مكانها.
وفي رواية قال: «صم يوما وأفطر يوما، وذلك صيام داوود وهو أعدل الصيام». قال فقلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أفضل من ذلك». قال عبد الله بن عمرو: لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أهلي ومالي. فهمت، يعني هو النبي عليه الصلاة والسلام أول شيء شو قال له؟ هو الخيار الأول اللي ترك وما خالفه في الخيار الأخير، هو قال له لا أفضل من ذلك، هو صام صيام داوود بس هو النبي صلى الله عليه وسلم من البداية شو قال له؟ يا أخي صم ثلاث أيام بيكفي، يعني لازم صيام داوود؟ فهو قال لا إني أطيق أفضل أني حتى أوصل لصيام داوود، فهو ندمان ليش ما أخذ بالخيار الأول اللي هو ثلاث أيام من كل شهر، كانت بتكفيه حتى يقوى بدنه لما يكبر ما يختير على السريع ويهرم جسده.
وفي الترمذي عن جابر رضي الله عنه قال: ذكر رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة واجتهاد، وذكر عنده آخر بدعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يعدل بالدعة». قال: والدعة هنا المراد بها عندنا هنا الرعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يعدل بالرعة»، والرعة هنا المراد بها الرفق والتيسير، هكذا في النسخة عندنا وهذا هو المثبت في سنن الترمذي.
الرعة، إذا ما هي الرعة؟ ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجلان، أول واحد ذكروه أنه يا رسول الله هذا مجتهد في العبادة ويقرأ ويقوم ما شاء الله وقته مزحوم تماما، وآخر قيل يا رسول الله هذا ماشي بالهوينة، يعني شاب ماشي برامجه ماشية بس ما بيشدد على نفسه زي هذاك الشاب، النبي صلى الله عليه وسلم مدح من؟ مدح الذي لا يشدد على نفسه. أنت ستظل الوهلة الأولى أه هذاك أكيد أحسن، قال صلى الله عليه وسلم لا يعدل بالرعة يعني بالرفق والتيسير، لأنه هذا اللي مشدد على نفسه هذا رسمه له شهرين ثلاث أربعة بعدين بتفرط المسبحة، أما ذاك اللي ماشي بالهدوء على حسب توازناته الحياتية وعلى استطاعته يرجى له الديمومة أكثر.
والمشكلة بتعرف شو يا إخواني أن هي فقط فكرة عن الهامش، أحيانا أنت ممكن تضع برامج شديدة وكذا بعدين تتركها وترجع على حالة صاحبك المتوازن بس ايش رح يكون الفرق بينك وبينه؟ نعمت، أحسنت، أنه أنت قدمت ورجعت فستبقى تشعر بالانهزام، هو لا، هو من البداية ماشي بتوازناته فهو مش شاعر بالانهزام تمام. زي برجع بقول الأخت اللي تنقبت وتركت والأخت المنقبة ابتداء، والاثنتان بيعتقدا أنه الموضوع سنة فرضا، الاثنتان بيعتقدا أنه الموضوع سنة، هي مشكلة اللي تنقبت ورجعت هو الشعور بالانهزام أنه أنا تنازلت، فسيصبح قابليتها للانهزام أكثر بخلاف اللي لا هي ابتداء أنا عارفة نفسها، أنا واصل لمستوى معين أعتقد سنة ومش مش يعني لا أعتقد أنني الآن قادر أني أفعلها بس ما رح أتراجع خطوة.
للورا راح أظني ثابت؛ هذه ما صار عندها انهزامية فيمكن يكون ثباتها أعلى. لذلك دائما أقول للأخوات اللواتي يرغبن في التنقب: ترى هذا التزام أدبي بينك وبين الله، إذا أنت مش شايفة إنه واجب، طبعاً نحن الحنابلة والشافعية نفتي أنه واجب، بس أنا أقول إن كثيراً من الناس أكيد، بس هو في النهاية مش أنت بس حنابلة وشافعية، في مالكية وفي حنفية، وهذا عالم واسع. فدائماً أقول إذا أنت مش آخذة بقول إنه واجب وبدك تلبسيه التزام أدبي وسُنة، احذري أن تتراجعي؛ لأنه إذا تراجعتِ شعورك بالانهزام سيجعلك تقولين: لا، ما أنا هيني صرت زي فلانة، خلص هي مش لابسة وأنا مش لابسة. لا، فلانة ما طلعت ورجعت، أنتِ طلعتِ ورجعتِ، فقابليتك للانهزام بعد ذلك ستصبح أكثر، وسيأتيك الشيطان فيقول: أنتِ ضعيفة، أنتِ كذا، أنتِ مهزومة داخلياً، فستقبلين بعد ذلك ترك الجلباب، ثم تقبلين ترك الحجاب والعياذ بالله عند بعضهم.
قال: وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً. وقال الآخر: إني أصوم الدهر ولا أفطر. وقال الآخر: إني أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي بجملتها تدل على الأخذ في الأعمال بالتسهيل والتيسير. وإنما يتصور ذلك على الوجه الأول من عدم الالتزام. وكيف تدخل في الأعمال بالتيسير؟ نحن قلنا الشريعة إذاً، القاعدة الأولى: الشريعة تحب إذا التزمت بشيء من التطوعات أن تواظب عليه. الثانية: الشريعة تريد منك ألا تحمل نفسك في التطوعات ما لا تطيق، هذه قاعدة أيضاً. طيب، التيسير والسماحة في ألا أحمل نفسي ما لا تطيق يكون بأن أعتمد الوجه الأول في باب العبادات مش الوجه الثاني. شو الوجه الأول في باب العبادات التطوعية؟ أن تمشي فيها على حسب التيسير والتسهيل، مش على طريقة الالتزام الأدبي. يقول: مش أنت بدك التيسير والتسهيل؟ هذا منهج النبي عليه الصلاة والسلام، طريقته ألا تلزم نفسك التزامات أدبية، وإنما تفعل العبادات على وفق التيسير والتسهيل.
طبعاً أنت ممكن تناقش الشاطبي، تقول له: بس أحياناً وضع البرامج حقيقة يساعد الإنسان على الاستمرار، لما تقول لي خلص استغفر على حسب التيسير، هذا اللي بتقول استغفر على حسب التيسير راح يترك؛ لأنه سيشعر أن الأمور خلص، استغفر الله، هذا المتيسر، سيشعر دائماً بالضعف. أحياناً التخطيط يعطي الإنسان شعوراً بالجدية فتشعر أنه فيها إنجاز. طيب كيف سنعالج هذه القضية؟ سنعالج هذه القضية بأن نقول: التخطيط مطلوب في العبادات، لكن اجعل الأشياء التي تلتزم بها أدبياً مع الله أشياء سهلة ميسورة في متناول اليد، اجعل خطتك باختصار خطة سهلة ميسورة، بحيث لو تركت يكون لتركك عذر، واليوم الثاني تقدر ترجع تعمل، ولا تضع خطة أدبية عالية المعايير.
قال: وإنما يتصور ذلك على التيسير والتسهيل عليك، إنما يتصور أن تعتمد في التطوعات الوجه الأول، وهو أنك تأخذها على حسب التساهيل وليس على طريقة الالتزام الأدبي، لاحظ على الوجه الأول من عدم الالتزام. وإن تصور مع الالتزام فعلى جهة ما لا يشق الدوام فيه، حسب ما نفسره الآن. يعني إذا أنت بدك تأخذ بالرفق والتيسير مع أن تعتمد منهج الالتزام الأدبي التي هي الخطة اليومية، جميل، بس ضع خطة يومية لا يشق الدوام عليها. فهمتم علي؟ قال: وإن تصور التيسير مع الالتزام، كيف يمكن يجمع بينهما؟ أنه أكون أنا ماشي بمنهج سمح وسهل وعندي خطة أدبية مع الله، أن تجعل هذه الخطة في متناول اليد، هذا معنى قوله لا يشق الدوام عليها.
قال رحمه الله: فصل، فإما أن التزم أحد ذلك التزاماً فعلى أحد وجهين: إما على جهة النذر، وذلك مكروه ابتداء. ألا ترى إلى حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً ينهانا عن النذر، يقول: «إنه لا يرد شيئاً، وإنما يستخرج به من الشحيح». هذا الآن كلام عام يقول لك الالتزامات بينك وبين الله إما أن تكون التزامات نذرية وهذا مكروه، النذر مكروه ابتداء، وإما أن تكون التزامات أدبية، وهذا هو موضع نقاشنا، النوع الثاني الالتزامات الأدبية وليس الالتزامات النذرية، بس هو يؤصل لفكرة عموماً أن الالتزامات بينك وبين الله إما التزامات نذرية أو التزامات أدبية.
النذر مكروه، وحديث «لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل». ورد هذا الحديث والله أعلم تنبيهاً على عادة العرب في أنها كانت تنذر إن شفى الله مريضي فعلي صوم كذا، أو إن قدم غائبي أو إن أغناني الله فعلي صدقة كذا، فيقول لا يغني من قدر الله شيئاً، بل قدر الله له المرض أو الصحة أو الغنى أو الفقر أو غير ذلك. فالنذر لا يوضع سبباً لغير ذلك، النذر ليس سبباً لتحصيل خير ولا لدفع شر، مش الله وضع الأسباب والمسببات؟ الله وضع النار تحرق، وضع الطعام يشبع، طب هل وضع النذر سبباً للخير؟ هل هذا داخل ضمن قواعد السببية؟ لا، فانت لما تنذر لا تفكر أنك بتجيب خير أو أن هذا السبب لحصول الخير، لن يكون النذر سبباً لحصول الخير بنص الحديث النبوي.
فالنذر لا يوضع سبباً لغير ذلك، كما وضعت صلة الرحم سبباً في الزيادة في العمر مثلاً، والله مثلاً صلة الرحم بنص الحديث هي سبب للزيادة في العمر، هذا سبب شرعي. بل النذر وعدمه في ذلك سواء، ولكن الله يستخرج به من البخيل بشرعية الوفاء به؛ لأن البخيل لما ينذر نذراً غصباً عنه بده يدفع تمام، فالله يستخرج من البخيل من خلال النذر لأنه غصباً عنه رح يدفع إذا هو نذر يذبح ذبيحة إذا ربنا شفاه، بده يدفع ولا سيان. لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل: 91]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». وبه قال جماعة من العلماء والشافعي، ووجه النهي أنهم من باب التشديد على النفس، وهو الذي تقدم الاستشهاد على كراهيته؛ لماذا النذر مكروه ونهي عنه؟ لأنه تشديد على النفس، والإسلام يدعو إلى الرفق بالنفس وليس التشديد عليها.
الحالة الثانية وهي التي تهمنا وهي الالتزامات الأدبية، قال: فكأنه نوع من الوعد، «وآية المنافق ثلاث إذا وعد أخلف»، فبدك تحذر. والوفاء بالعهد مطلوب، فكأنه أوجب على نفسه ما لم يوجبه عليه الشرع، وهو تشديد أيضاً، وعليه يأتي ما تقدم من حديث الثلاثة الذين أتوا يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم لقولهم: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فلهذا نحن ليش بنقول لك ابتعد حتى عن الالتزامات الأدبية؟ يعني لا تقول عهد بيني وبينك يا رب، كل يوم أستغفر، ابتعد عن هذه الصيغ، لا تحكي عهد بيني وبينك، قل يا رب أعني على طاعتك، بس قل يا رب أعني على طاعتك، هيك كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: «اللهم أعني على ذكرك»، ربي أعني، لا تعطي التزامات وعهدية بينك وبين الله.
ونحوه وقع في بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: لأقومن الليل ولأصومن النهار ما عشت، وهو لا يعني بذلك النذر طبعاً، وإنما قصد بهذه العبارة التزام أدبي بينه وبين الله. وليس بمعنى النذر، إذ لو كان كذلك لم يقل له: «صم من الشهر ثلاثة أيام»، ولو كان هذا نذراً من عبد الله بن عمر لألزمه أن يصوم كل الدهر على الأقل، أو قال له: «أوفِ بنذرك»؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يقول: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». فإما الالتزام بالمعنى النذري فلا بد من الوفاء به وجوباً لا ندباً على ما قاله العلماء.
إذن الآن الالتزام النذري هذا يجب الوفاء به؛ لأنه «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، الوفاء بالالتزام النذري واجب ليس مندوباً. وجاء في الكتاب والسنة ما يدل عليه، المهم وهذا مذكور في كتب الفقه، وأما الذي يهمنا الثاني الآن: وأما بالمعنى الثاني الالتزام الأدبي، هل يجب الوفاء به؟ هذا الذي نحن كنا نناقش فيه، فالأدلة تقتضي الوفاء به في الجملة، لكن لا تبلغ مبلغ الإيجاب، الالتزامات الأدبية، نحن بنقول لك «آية المنافق ثلاث إذا وعد أخلف»، بنقول لك ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]، يعني يا شيخ واجب؟ أنا ما بقدر أقول لك واجب، لكنه مطلوب منك أن توفيه مع الله، مطلوب، بس ما بقول لك واجب، ولكن لا تبلغ مبلغ الإيجاب وإن بلغت مبلغ العتاب، ومش واجب لكن إذا قطعت الالتزام الأدبي تعاتب، كما عاتب الله النصارى فقال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27].
حسب ما دلت عليه الآية في مأخذ أبي أمامة، كما دلت عليه الآية: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27]. في مأخذ أبي أمامة، يعني في طريقة تفكير أبي أمامة؛ لأنه أبو أمامة ماذا فهمه؟ فما رعوها حق رعايتها لم يداوموا عليها، إن التفسير الأول الذي ذكرناه ما رعوه حق رعايتها أنهم لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، بس نحن الآن ماشيين على التفسير الثاني الذي هو تفسير أبي أمامة، فما رعوها يعني لم يداوموا. قال: فإنه لما نظر إلى ترتيب عمر رضي الله عنه للقيام في المسجد جماعة، كان ذلك بصورة النوافل الراتبة المقتضية للدوام في القصد الأول، فأمرهم بالدوام حتى لا يكونوا كمن عاهد ثم لم يوفِ بعهده، فيصير معاتباً لذلك، قال لهم: افعلوها ولا تتركوها.
هسه فهمنا ليش أبو أمامة قال افعلوا ولا تتركوا؛ لأنها لما صارت يومياً في رمضان على إمام راتب في المسجد، صار كأنه التزام بينكم وبين الله أدبي، فافعلوها ولا تنقضوا الميثاق مع الله. لكن هذا القسم الذي هو الالتزامات الأدبية على وجهين، الوجه الأول أن يكون التزاماً أدبياً مما لا يطاق، زي ما حكينا هذا، زي ما قال عبد الله بن عمرو بن العاص: لأصومن النهار ولأقومن كل الليل طول عمري، هسه هذا التزام أدبي بس لا يطاق، أنت حملت نفسك فوق طاقتك، أو مما فيه حرج ومشقة فادحة، أو يؤدي إلى تضييع ما هو أولى من الواجبات الحياتية، فهذه هي الرهبانية التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن رغب عن سنتي فليس مني»، إذن فكأن الرهبانية هنا صار فيها أيضاً طبعة النصارى، والتي أيضاً منعها الإسلام فيها تحميل للنفس. يعني هو التزام أدبي أنت وضعته، بس هذا أيضاً يشق عليك أن توفي به، إذا خاصة أدى إلى ضياع الحقوق الزوجية والأهلية والعائلية والمجتمعية، قال: فهذه هي الرهبانية التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني الالتزام الأدبي الذي لا يكون في الدخول فيه مشقة ولا حرج ابتداء، يعني هو شخص التزم أدبياً مع الله أنه كل يوم يتصدق بخمسة دنانير، هسه هو ممكن راتبه الشهري كم؟ ممكن راتبه الشهري مثلاً ألف، ممكن نقول ماشي الأمور، بس أنت شوف ابتداءً أول أسبوع أسبوعين بيمشي الحال، بس الدوام لخمس ست سنين راح يغلبك. فيقول: ألا يكون في الدخول ابتداءً فيه مشقة ولا حرج، ولكن متى تأتي المشقة والحرج؟ عند الدوام المستمر لسنوات، ولكنه عند الدوام عليه تلحقه بسببين المشقة والحرج، أو تضييع ما هو أولى من الواجبات العائلية أو الأسرية أو الاجتماعية، فها هنا أيضاً يقع النهي ابتداءً، وعليه دلت الأدلة المتقدمة.
لما النبي صلى الله عليه وسلم رأى هذه المرأة التي تصلي الليل نهاها عن ذلك، ولما رأى سيدتنا زينب وضعت حبلاً نهاها، عن أن الاستمرار والديمومة على هذه الحال ربما أول يومين بيمشي حالك، لكن بعدين ما راح تقدر، فقال: فها هنا أيضاً يقع النهي عن هذه التصرفات ابتداءً، أنك تدخل في التزام أدبي قد لا يكون أول أسبوع شاقاً، بس مع الديمومة راح يصير شاقاً، هذا أيضاً ينهى عنه الإسلام ولا يحثك عليه، فشددت فشد، لما قال عبد الله بن عمرها فشددت فشدد، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لا تدري لعلك يطول بك العمر». شوف الشاطبي لأنه أصولي مقاصدي عم يلحظ الدلالة العميقة للنصوص، لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لا تدري لعلك يطول بك العمر»، هو ماذا يقول لعبد الله بن عمرو بن العاص؟ أن التزامك الأدبي الآن أنت قادر عليه، بس أنا...
لا أظن أنه لما يصير عمرك 40 و50 رح تضلك مداوم عليه، فلا تقل لي لا أنا الآن أستطيع، ماشي أنت الآن تستطيع، بس لما يصير عمرك 50 رح تستطيع؟ لا. فلذلك جعل الالتزامات الأدبية على نوعين، الالتزامات الأدبية المنهي عنها التزام أدبي شاق ابتداء؛ كل يوم بدي أختم خمس ختمات، وهذا من البداية شاق، هذا من أول يوم شاق، هذا لا تدخل ولا تفكر فيه وإلا بتكون غلطان.
ثانياً التزام أدبي هو أول سنة سنتين ثلاثة أربعة مش شاق، لكن الديمومة عليه لسنوات طويلة سيصبح شاقاً، فهمتم شو الفرق بين الحالة الأولى والثانية؟ قال وكلاهما منهي عنه؛ لأن الإسلام يريد الرفق واللين. نعم، قال فتأملوا كيف اعتبر في التزام ما لا يلزم ابتداءً أن يكون بحيث لا يشق عليه الدوام، حيث لا يشق عليه الدوام إلى الموت.
آه إذا الالتزامات شوف الضابط الآن، الالتزامات الأدبية التي تضعها بينك وبين الله حتى تكون مقبولة شرعاً، متى تقول مقبولة شرعاً؟ إذا كان لا يشق الدوام عليها إلى الموت، هيك بتكون مقبولة وجميلة، غير هيك أنت فاعل شيئاً خطأ. فتأمل كيف اعتبر في التزام ما لا يلزم ابتداءً أن يكون بحيث لا يشق عليه الدوام إلى الموت.
من أين أخذ هذا الضابط الشاطبي؟ من الحديث السابق لما قال إنك لا تدري لعله يطول بك العمر، إذا هو صلى الله عليه وسلم يريد من عبد الله أن يواظب على عمل بينه وبين الله يستطيع الاستمرار عليه إلى أن يموت. صيام ثلاث أيام من كل شهر هي في متناول الجميع، حتى أمهاتنا اللواتي وصلن 50 و60 و70 بتلاقيهم سهل عليهم يصوموا ثلاث أيام من كل شهر. لكن اللي بده يصوم من كل شهر صيام داوود، يصوم يوماً ويفطر يوماً، هذا على السنة الثانية السيارة بتصف على جنب تمام، والسنة الثالثة لأنه متعب وفي مناسبات وحياة وكذا.
فلاحظ هذا الملحظ الدقيق في الاستنباط، هذا كلام تطرب له الأذن، هذا كلام علماء ينظر في النص فيستخرج لك منه ضوابط وقواعد وأفهام، هذا كلام عميق. إنه وضعت لك ضابط الالتزامات الأدبية التي يحبها الله هو الشيء الخفيف الذي تستطيع أن تستمر عليه إلى الموت، غير هيك خليها على التساهيل، فهمت علي؟ غير هيك من التطوعات خليها على ماذا؟ على التساهيل، ولا تعمل لي فيها التزامات أدبية تمام.
طيب قال فصرت إلى الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم. فصرت يعني كبرت، يعني فصرت إلى الذي قال فيه؛ يعني تقدم بي العمر فعلياً ولم أستطع أن أواظب على شيء. لما كبر به السن ما استطاع عبد الله بن عمرو بن العاص لا يحافظ حتى على قيام الليل، ولا قالوا ما استطاع إلا على عدة ومشقة شديدة أرهقت، هكذا قال بعضهم.
نعم، قال وعلى ذلك المعنى ينبغي أن يحمل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة رضي الله عنه: كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوماً؟ قال ويطيق ذلك أحد؟ شوف أبو قتادة يقول للنبي عليه الصلاة والسلام يعني لو شخص يا رسول الله يصوم يومين ويفطر يوماً، طبعاً هذا لسه أصعب، أصعب من صيام داوود، صحيح هو أصعب من صيام داوود. فقال وهل يطيق ذلك أحد؟ شو معنى هل يطيق ذلك أحد؟ هل يقصد هنا الإطاقة الابتدائية ولا الديمومة؟ الديمومة، هذا ملحظ أنه قال وهل يطيق ذلك أحد؟ هو لا يقصد صلى الله عليه وسلم أن ينفي الإطاقة الابتدائية، آه أنا ممكن لشهر شهرين أطيق ذلك. كيف يعني هل يطيق ذلك أحد؟ يقصد وهل يطيق أحد الديمومة على ذلك؟ فهذا ملحظ جميل للشاطبي من هذا الحديث، أنه هو قصد بالإنكار، بإنكار الإطاقة، إطاقة الديمومة مش الإطاقة الابتدائية، لأنه أنت ممكن لشهرين تستمر أنك تصوم يومين وتفطر يوماً، ممكن.
طيب قال ثم قال في صيام يوم وإفطار يومين وددت أني طوقت ذلك. فمعناه ثم قال في صيام أيش يوم وإفطار يومين، ثم قال في صيام يوم وإفطار يومين، لاحظ الذي هو أسهل من صيام داوود، هذا هي الصورة الثانية أسهل من صيام داوود، تفطر يومين وتصوم يوماً، تفطر يومين وتصوم يوماً. قال وددت أنني طوقت ذلك. كيف يا رسول الله أنت لا تستطيع ذلك؟ قال وددت أنني طوقت ذلك. فما معناه؟ قال معناه والله أعلم وددت أنني طوقت الدوام على ذلك. أنا أستطيع أن أفعل ذلك فترة ما عندي مشكلة النبي عليه الصلاة والسلام، لكنهم يتكلم عن ماذا؟ عن قدرته على الديمومة.
قال وإلا فقد كان عليه الصلاة والسلام في كثير من رمضان يواصل، يواصل يومين وثلاث، بس كان الوصال على حسب التساهيل وليس التزاماً يومياً أو شهرياً منه صلى الله عليه وسلم. وطبعاً لماذا النبي عليه الصلاة والسلام سيصعب عليه الديمومة على ذلك؟ لأنه هناك حروب هناك دولة، هو في النهاية جسمه بشري، جسمه بشري عليه الصلاة والسلام، ويقرأ جسده جيداً ويعرف أن الأولى في حقه عليه الصلاة والسلام ما هو؟ أن ينشغل بالجهاد والدعوة والأمور والوفود وكذا، فهذا أكد من أن أصوم يوماً وأفطر يومين؛ لأنه لن أستطيع أن ألتزم بذلك، مش لعدم القدرة الابتدائية، لعدم القدرة على الديمومة لطبيعة منصب النبوة الذي يستدعي من خلاف هذه الديمومة.
نعم، وفي الصحيح كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. شوف مثلاً هذا الحديث مثلاً أيش تأخذون فكرة ماذا؟ على التساهيل. أحسنت، يصوم يسرد مجموعة أيام صلى الله عليه وسلم حتى نقول خلاص واضح أنه لا يفطر، وبعدين بتجي عليه مجموعة أيام متواصلة أسبوع أسبوعين مفطر، ولم يصم بجوز اثنين وخميس مثلاً ممكن، لكن تأتي عليه مجموعة أيام مفطر، هذا يدل أنه صلى الله عليه وسلم كان يعتمد منهج التساهيل، أيش يعني؟ والله الفترة هاي في معركة فش وفود فش كذا بصوم، والله الفترة الجاية والله عندي شغل في معركة في غزوة في كذا في لا أفطر. هذا هو منهجه صلى الله عليه وسلم، وهذه السياسة الحكيمة للنفس.
نعم، قال رحمه الله فصل: إذا ثبت هذا فالدخول في عمل على نية الالتزام له إن كان في المعتاد بحيث إذا داوم عليه أورث ما لا ينبغي فلا ينبغي اعتقاد هذا الالتزام؛ لأنه مكروه ابتداءً. نعم، إذاً فالخلاصة التي استفدناها من الفصل الماضي يقول الدخول في عمل على نية الالتزام به إن كان هذا العمل ابتداءً ضمن المعتاد والمقدور عليه، لكن الديمومة عليه تورث ما لا ينبغي من المشقة أو تضييع الحقوق الأكد، فلا ينبغي أن تدخل نفسك في هذا الالتزام ولا تعتقده؛ لأن هذا الالتزام أصبح مكروهاً. من أين أخذنا الكراهة؟ من قوله ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27].
نعم، قال إذ هو مؤدٍ إلى أمور جميعها منهي عنه. نعم هذا الالتزام أن تلزم نفسك بشيء مقدور عليه ابتداءً لكنه شاق ديمومة، يسبب أشياء منهي عنها في الشريعة. سريعاً شو هي الأشياء؟ واحد: أن الله ورسوله أهديا إليه في هذا الدين التسهيل والتيسير، وهذا الملتزم يشبه من لم يقبل هديته، وذلك يضاهي ردها على مهديها، وهو غير لائق بالمملوك مع سيده، فكيف يليق بالعبد مع ربه؟
مين يحكي شو معنى هذا الوجه؟ هذا الوجه ما معناه؟ أنه مكروه ابتداءً هو يؤدي إلى أمور، شو هي الأمور هي؟ واحد، أحسنت، طيب وعلى الإنسان طيب، فإذا أنت التزمت بشيء يشق عليك مع الدوام كأنك رددت هدية الله عليه، وهذا ليس من أدب العبد مع ربك. ربنا يقول لك بدي إياك بدي أيسر عليك بدي أرفق بك، وأنت بتقول لا يا رب أنا بدي أشدد على نفسي، كأنك ترد هدية الله، وهذا ليس من أدب العبد مع ربه.
ثانياً: خوف التقصير أو العجز عن القيام بما هو أولى وأكد في الشرع، وقد قال صلى الله عليه وسلم إخباراً عن داوود عليه السلام: كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفر. إذاً لا، اه شوف شوف الفقه الجميل، أن داوود عليه السلام لما كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وداوم على ذلك، هو كان يعرف من نفسه قضية ما هي؟ داوود لما كان يصوم يوماً يفطر يوماً كان يعرف من نفسه قرأ نفسه جيداً، فكان يعرف من نفسه ماذا؟ أنه ديمومتي على هذا لن تجعلني أقصر في أعمال أخرى كالجهاد في سبيل الله.
أما طالب العلم الذي يعرف نفسه أنه إذا واظب مثلاً على صيام شهر ولن يحضر مجلس علم، يظل قاعد في الدار نايم. ليه؟ والله شيخ أنا ملتزم صيام شهر، طيب شيخ طب أنك تحضر مجلس علم هو أكد من أنك تصوم لشهر وتنام في الدار! صام شهر بطل يروح يحضر صلاة في المسجد، ليش؟ والله أنا صائم الشهر. فبقول أنك تلتزم بالتزامات أدبية مع الله تؤدي إلى تفريطك فيما هو أولى وأهم، لا ما بدنا هذا الالتزام، أصبح الالتزام هذا خطأ. فلا تعطي نفسك التزامات بالصيام أو بالأذكار أو ببرامج تؤدي إلى تضييع ما هو أكد وأهم في النظر الشرعي. لا خلي الأمور على التساهيل، والله الأيام هاي في عندنا دروس علمية الأمور واقفة بصوم، لا والله جاييني أنا برنامج وفي عندي يوم يعني لازم أركز في الدرس ما بصوم، بخلي الأمور على التساهيل؛ لأنه أنا هدفي ما هو أكد وأولى.
شوف هذا الفقه في التعبد، داوود كان يصوم يوماً يفطر يوماً بس هذا لم يؤد أن يقصر في الجهاد، قال ولا يفر، إذاً لم يقصر في الجهاد. أما تؤدي لي عبادة شخصية تقصر في 50 عبادة معها، لا هذا ليس التزاماً صحيحاً. نعم، قال تنبيهاً على أنه لم يضعفه الصيام عن لقاء العدو فيفر أو يترك الجهاد في مضده بسبب ضعفه. نعم، في مواطن تأكيده؛ يعني الجهاد في المواطن التي يتأكد فيها الجهاد ويتعين فيها الجهاد هو لم يتركها ويتحجج بأيش؟ والله أنا ضعيف لأني أنا بصوم، لا ما أنت إذاً داوود لم يكن هكذا، قرأ نفسه جيداً.
فمثلاً عبد الله بن مسعود كان قليل الصيام للنوافل طبعاً، فقيل له قال إنه يشغلني عن قراءة القرآن، يقول لك أنا إذا صمت تنهك قواي، شوف القراءة للنفس، قرأ نفسه جيداً يقول لك أنا إنسان إذا بصوم تنهك قواي ما بقدر، وأنا أحب، أحب إلي قراءة القرآن، فأنا بفطر مقابل أنني أزحم وقتي بقراءة القرآن.
نعم، قال ولذلك كره مالك إحياء الليل كله وقال لعله يصبح مغلوباً. يصبح مغلوباً يعني تعبان ما يروح على الشغل زي ما حكينا، لا تقوم لي كل الليلة إذا حضرتك بدك تصحى الصبح مغلوب لا قادر تصلي الفجر في المسجد، وبتعك بعض الشباب في رمضان بقوم طول الليل بعدين بينام عن الفجر، لا والله استفدنا، لا يا عم تقوم الليل وصلي الفجر هذا اللي بدنا إياه.
نعم، قال لعله يصبح مغلوباً وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، ثم قال لا بأس به ما لم يضر بصلاة الصبح. ثم يعني أحببت تقوم الليل كله لا بأس به بس بشرط مش تقومها كلها وما تصحى تصلي الصبح أو ترجع صلاة الصبح ولا أنت مستوٍ دايخ. نعم، وقد جاء في صيام يوم عرفة أنه يكفر سنتين، ثم إن الإفطار فيه للحاج أفضل، اه ليش الحاج يكره له صيام عرفة؟ لأنه أيوه أحسنت؛ لأنه اشتغالك بالذكر في عرفة وتتقوى على عبادة الله في عرفة أهم عندي من عبودية الصيام في عرفة، هذا أولى.
نعم، قال لأنه قوة على الوقوف والدعاء. ولابن وهب في ذلك حكاية وذكرنا في الحاشية، ذكرها في الحاشية ما هي حكايته؟ قال سحنون: نذر ابن وهب -ابن وهب من تلاميذ مالك- أن يصوم يوم عرفة أبداً، وذلك أنه صام مرة في يوم عرفة وكان على عرفة، فاشتد عليه الحر والعطش في الموقف، قال فكان الناس ينتظرون الرحمة وأنا أنتظر الإفطار.
قال وقد جاء في الحديث: «إن لأهلك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً»، فإذا انقطع إلى عبادة لا تلزمه في الأصل، فربما أخل بشيء من هذه الحقوق. وعن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال ما شأنك متبذلة؟ قالت إن أخاك أبا الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. طبعاً بتعرف النبي عليه الصلاة والسلام لما وصل المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار صحيح، فكان هناك أخوة بين سلمان الفارسي وبين أبي الدرداء، طبعاً سلمان الفارسي هو مش من مكة بس هو يعتبر مهاجر باعتباره جاء من عالم آخر، يعني جاي من بلاد الفرس فما له أهل في المدينة، فآخى بينه وبين أبي الدرداء.
ففي يوم من الأيام سيدنا سلمان الفارسي عم بزور أبو الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة يعني لابسة ملابس المهنة يعني مش لابسة ملابس مرتبة، باختصار ملابسها ملابس مهنة ضعيفة مش ملابس مرتبة راقية. فسلمان قال لأم الدرداء ما شأنك؟ ليش يعني هيك ثيابك ممتهنة؟ واضح أنه كان في البداية لما كان يراها ابتداءً كان يراها في أحسن الثياب وأجملها، طبعاً هو مش محرم عليها فاهم بس هي الفكرة ربما في هناك نوع من الفهم العالي لطبيعة الثياب، يعني أنت ممكن تشوف امرأة بجلبابها.
شوف مراه بعدين بتشوف الثلج، الباب مرقع والعباءة مرقعة، أو يعني غير نظيفة، أو مش مهتمة هي بأمورها بغض النظر عن طبيعة ذاك الزمان؛ عشان ما حدا يقعد يناقشنا في هذا البعد. سلمان يقول لأم الدرداء: ليه لماذا هيك الثياب عليك متبذلة؟ يعني مش شايفك زي ما كنت أراك قديماً، الثياب في أجمل أحوالها. قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. ما معنى هذا الكلام؟ يعني هي المرأة لمن تلبس الملابس الجميلة لزوجها حتى يقبل عليها، فأبو الدرداء كان نحى منحى الزهد، فما عاد له شأن في المرأة ولا في ثيابها ولا ينظر إليها ولا يهتم بها، فهي قالت: إذا ليش ألبس ملابس جديدة؟ خلص بلبس ملابس البيت ما دام زوجي مش شايفني. هيك النساء بتحكي لما يكون زوجها مش شايفها، بتقول: خلص بديش ألبس ما هو زوجي مش شايفني، يعني زاهد في.
فلما جاء أبو الدرداء، وطبعاً واضح أنه سلمان لما وصل البيت فتحت له الباب مين؟ أم الدرداء، كان أبو الدرداء لسه مش واصل البيت تمام، بس هي بتعرفه لأنه هو أصلاً في أخوة بين سلمان وبين أبي الدرداء، فشوي ولا أبو الدرداء واصل. طبعاً بعض الشباب يفكر طب هو دخل جوا الدار صافحه ولا ظل واقف على الباب؟ أنا ما كنت حاضر أكيد، بس لا أظنه أنه سيخلو بها لأنه يعرف الأحكام الشرعية حتى ما يروح دينك عن المقصود هنا. فجاء أبو الدرداء كان في عمل أو شيء، فصنع له طعاماً لأخيه، فقرب الطعام إلى سلمان وقال: كل. فقال سلمان: أنت ليش ما بدك تأكل؟ قال: إني صائم. فقال له: كل، فأنا ما أنا بأكل حتى تأكل، بدك تأكل الآن معي. ثم قال: طيب. فأكل.
فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم، فقال طيب فنام، سلمان نام هذه الليلة عند أبي الدرداء، ففي تالي هالليل أبو الدرداء قام ليجلس قيام الليل، فسلمان قال له: نم، فش تقوم، يعني سلمان بده يعطي أبا الدرداء درساً قاسياً ليفهمه منهج العبودية الصح. أبو الدرداء رضي الله عنه كان هو وأبو ذر رضي الله عنهما الاثنين كانوا ماخذين نفسهم بالشدة في هذا، فسلمان بده يعلم أبا الدرداء أنه ليست الأمور بالتشدد في هذا الباب. قال: فنام، ثم ذهب يقوم فقال له: نم، فنام. فلما كان عند الصبح قال له سلمان: قم الآن، فقام فصليا، يعني لما كان قريباً من صلاة الصبح قال بنقوم بنصلي ركعتين قبل الفجر وتكون أمورنا زينة والأمور طيبة.
فقال: إن لنفسك، ثم أعطاه الدرس سلمان، سلمان أعطى لأبي الدرداء الدرس: يا أبا الدرداء إن لنفسك عليك حقاً، ولربك عليك حقاً، ولضيفك عليك حقاً، ولأهلك زوجتك لها حق، بدك تكون متوازن في باب التعبد تمام. فالتعبد مش أنك أنت تجتهد اجتهاداً كبيراً في أبواب وتبالغ في التطوع فيها مقابل أنك تقصر في حقوق أنت مطالب بها تجاه أهلك وزوجتك وحياتك، هذا ما هو صحيح. حتى وهذه مهمة لطلاب العلم، بعض الشباب ينهمك في طلب العلم فيضيع زوجته ويضيع أولاده، هذا كلام ما هو صحيح. الانهماك في طلب العلم لا يعني أن تضيع حقوق الوالدين، والله أنا برد على أبوي وأمي، كثير مشاكل بتوصلنا ما برد على أبوه وأمه ليه؟ والله لأنه أنا بطلب العلم وأنا مش فاضي لهم، لا هذا كلام ما هو صحيح يا سيدي، كما أن طلب العلم حق، كذلك الرد على الوالدين حق. وبعد ما تتزوج إن شاء الله، وهذه وجوه نيرة بس تتزوج، في حق للزوجة، بدك تؤدي التزامات بيتية. بعض الشباب يعني كثير مشاكل عائلية بتصل للطلاق بين بعض الشباب، ليه الطلاق إخواني؟ هو لا يأتي بالطعام للمنزل، يعني الزوجة بتقول لا بيطلعنا ولا بيدخلنا ولا بيجلس معنا ولا يأتي بالطعام، ودائماً شو حجته؟ أنا جالس في المسجد مع الشباب نقرأ كتاب، لا يا أخي هذا ما هو صحيح، إن لأهلك عليك حقاً.
اطلب العلم وفي النهاية أدِّ الحقوق، وهذا هو المتعبد الحق، المتعبد الحقيقي الذي يؤدي حق العبودية في كل جانب من جوانبها، مش يختار لوناً من التعبد له فيه هوى فيبالغ فيه وينسى التعبدات الأخرى؛ معناتها أنت تطلب هوى النفس في هذه العبادة وليس التعبد لله حقيقة، لأنه أحياناً قد يحبب إليك لون من التعبد زي طلب العلم، فتجد نفسك تنهمك فيه، بتقول: ما هو أعظم العبادات. لا، أنا فاهم أنه أعظم العبادات، بس أنت لك فيه هوى مشان كان هيك عم بتقصر في حقوق الزوجة والوالدين والأبناء، وإلا لو كنت صادقاً فإنك قدر المستطاع، مش رح أقول لك دائماً قدر المستطاع أننا كلنا مقصرين يا جماعة، ستؤدي حقوق الزوجة والأبناء تمام.
هساه في تضحيات تدفعها الزوجات وكذا، لكن ضمن سقف المعقول، مش تطالبها بتضحية تكسر ظهرها فيها، أنه بعض الشباب يجلس: لازم تضحي في سبيل الله ونحن طريق الدعوة والطريق إلى الله عز وجل مملوء بالأشواك، بصير يعطيها درس في التضحية والمسكين بتضلها، آه والله خلص لازم تضحي، بتروح بيطلع هو بيظل قاعد مع الشباب ورايح وجاي وكذا، بعطيها درس في التضحيات اليومية. لا ما هو برضه لا تكن شديداً فتكسب لمرحلة معينة، بتقول: يا عمي هذه التضحية أنا ما بدي إياها، أنا بشوف شخص آخر ما عنده هذا السقف العالي من التضحيات. فالتوازن مطلوب، والصحابة الكرام هم أعلى من يعلمنا هذه المفاهيم والمعاني.
نعم، قال: وإن لأهلك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حق حقه. فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: صدق سلمان. قال الترمذي: صحيح، وهذا الحديث قد جمع التنبيه على حق الأهل بالوطء والاستمتاع وما يرجع إليه، والضيف بالخدمة والتأنيس والمؤاكلة وغيرها، والولد بالقيام عليهم بالاكتساب والخدمة، والنفس بترك إدخال المشقات عليها، وحق الرب سبحانه بجميع ما تقدم وبوظائف أخر فرائضه ونوافله، أكد مما هو فيه؛ يعني في هناك أمور حتى من النوافل أعلى مما أنت فيه يا أبا الدرداء من شكل من أشكال الصيام وشكل من أشكال القيام.
طيب، والواجب أن يعطى كل ذي حق حقه، وإذا التزم الإنسان أمراً من الأمور المندوبة أو أمرين أو ثلاثة فقد يصده ذلك عن القيام بغيرها أو عن إكماله على وجهه، فيكون ملوماً. هذا فقه، هذا فقه التعبد إخواني، فقه التخطيط للحياة الإيمانية، عم بتكلم هنا.
ثالثاً من الأوجه التي تقتضي كراهة الالتزام بما يشق الدوام عليه، أو إيش هو؟ شوف هذا الذكاء من الشاطبي، شوف هذا البعد الدقيق من الشاطبي، الشاطبي أحب أن أقرأ له، ذكرني بابن تيمية في ذكائه واستنباطاته وفهمه لطبيعة الإنسان والنفس البشرية، يقول الشاطبي: الوجه الثالث لماذا يكره أن تضع خطة عبادية أعلى من قدرتك على الالتزام والديمومة عليها؟ قال: خوف كراهية النفس لذلك العمل الملتزم، أنت لما تلزم نفسك بشيء وتضع خطة وتعاهد عليه ربنا بينك وبينه، يا رب خلص رح ألتزم فيه، مع الوقت لما يبدأ يشق عليك الالتزام به رح تصير تكره هذا العمل، رح يصير لما يأتي خاطره على ذهنك تقول: يا بي عنا صدقة! أنا ألزمت نفسي بهذه الصدقة، رح تصير تكره الصدقة، أنت حضرتك كاتب صدقة 10 دنانير يومياً، هيك الخطة، هساه أنت أول شهرين أمورك المالية كانت ماشية، بس بعدين تزوجت صار عندك التزامات، بتصير كثير لما واحد يجيب لك كلمة الصدقة ترجف تحكي إيش يا عمي؟ أنا والله هذه الصدقة بطلت أحبها. مين اللي كره الصدقة إليك؟ أنت اللي كرهت الصدقة لنفسك لما حطيت التزام أعلى من طاقاتك، فيقول: نحن بنخاف أنك تكره العبادة إلى نفسك، لا تكره قيام الليل إليك، فأول ما تبدأ: يلا أنا صار لي فترة مش قائم الليل، بدي أحط برنامج لقيام الليل، بدي أبلش بـ 20 ركعة، اليوم الثاني رح تكره قيام الليل لأنك أنت شعرت بالمشقة والتعب، لكن لو بلشت بركعتين أربع ركعات بس، رح تشعر بلذة قيام الليل لأنه خفيف ولطيف وفق إمكانيات النفسية.
فهذا معنى عظيم والله في الشباب اللي بتندفع بتحط خطط بعدين إيش بتكره، الشباب مثلاً يشرع في طلب العلم، بتلاقيه أول ما يشرع في طلب العلم حط 15 درساً في الأسبوع وكذا وقراءة 500 صفحة وكذا، مع الوقت يرهق ويشوف أنه هو مش معتاد على هذا النمط، بصير يكره طلب العلم، بينتكس عنه، بيقول لك: أنا ما بدي إياه كله، حرمني من لذاتي. لا هو ما حرمك من لذاتك، هو أنت اللي حرمت نفسك لما وضعت سقفاً عالياً أعلى من مستواك، فهذه قضية مهمة.
قال: لأنه قد فرض من جنس ما يشق الدوام عليه، فبدخول المشقة، لاحظ شوف هذا التحليل، فلما يصبح الدوام على هذا العمل شاقاً، لا يقرب من وقت العمل إلا والنفس تشمئز منه، خلص أنا حاط لنفسي 5 ساعات يومياً قراءة قرآن من الساعة 7 المساء للساعة 10 أو 12، لما تصير الساعة 7 المساء بدها تيجي ها قال: لا يقرب وقت العمل إلا بصير يا رب بس تتأخر الساعة شوي، يا رب، لأنه الساعة 7 رح أبلش قراءة للساعة 12 بالليل، رح تصير ما تتمنى ما تيجي الساعة 7، لأنه إذا جاءت أنت عارف أنه أنا خلص دخلت في دوامة العمل الذي أنا ألزمت نفسي فيه. شوف هذه السياسة في النفس هذا مهم، فيقول لك لا تكره العبادة إلى نفسك، قال: وتود لو لم تعمل أو تتمنى لو أن يا ريتني من البداية ما التزمت بهذا الجدول بيني وبين الله. وإلى هذا المعنى يشير حديث عائشة لما قال صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين متين قوي فأوغلوا فيه برفق»، ادخل شوي شوي في التدين في الصراعات في صناعة الإيمان في قلبك، ادخل شوي بهدوء مش باندفاع التدين، قال: ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله.
أحكم هذا الكلام النبوي، لا تبغض، لا تكره العبادة لنفسك، فإن المنبت تمام الذي مشى على ظهر جمل وقطع فيه في عرض الصحراء، لا أرضاً انقطع، لا هو خلص هذه الصحراء، ولا ظهراً أبقى، لما أنت تحمل الجمل فوق طاقته، تركب على جمل وتحمله فوق طاقته وتدخل فيه في عرض الصحراء، شو رح يصير؟ لا هو رح يخلص هذه الصحراء معك ولا هو رح يظل معك، قال: ولا ظهراً أبقى، يعني الجمل مات وبدنك هو هذا الجمل، إذا حملت بدنك فوق طاقتك ما راح تستطيع أن تنجز المشاريع التي بدك تعملها ولا حافظت على بدنك، راح عليك الاثنين لا بدنك ظل معك ولا المشاريع أنجزتها، فبالتالي التوازن بخليك تحافظ على بدنك، ومحافظتك على بدنك بتخليك تنجز المشاريع شوي شوي.
نعم، قال: فشبه الموغل بالعنف بالمنقطع في وسط الطريق تعنيفاً على الظهر، المنبت قال هو الإنسان الذي انقطع، خلص انقطع في نص الصحراء لأنه كان يعنف، يعني ظل زي ما هالسيارة تطلع فيها وهي في مية وفي شكل تقطعك في هالطريق، لا أنت قطعت مشوارك ولا في هساه حدا يجي يرجعك، وقفت في نص الطريق في منتصف المسير، مسافة السير إلى الله. نعم قال: حتى وقف فلم يقدر على السير، ولو رفق بدابته لوصل إلى رأس المسافة. قال: فكذلك الإنسان، عمره مسافة، والغاية الموت، ودابته نفسه، فكما هو مطلوب بالرفق على الدابة حتى يصل بها، فكذلك هو مطلوب بالرفق بنفسه حتى يسهل عليها قطع مسافة العمر بحمل التكليف. فنهى في الحديث عن التسبب في تبغيض العبادة لنفسه، وما نهى الشرع عنه لا يكون حسناً، وما نهى الشرع عنه لا يمكن أن يكون حسناً، فتكليف النفس بالتزامات لا تطيقها أو لا تطيق الديمومة عليها ليس حسناً بنص الشريعة، هذا يريد أن يقوله.
طبعاً هنا إخواني في مخادعات الناس بتصير في قضية أنه خلص إذا عرفنا منهج الشريعة أنه إيش؟ الرفق واللين بالنفس، بطل يتعبد أصلاً، بقول لك إيش الرفق واللين يا شيخ؟ أنا خايف أني أبغض العبادة لنفسي، فبصير لا يطلب علماً ولا يقوم الليل. لا، ما هي هذه القضية توازن الله يكرمك، يعني الذي قال هذا الكلام هو الذي واظب على قيام ثماني ركعات في كل ليلة، ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يترك قيام الثماني ركعات حتى أصبح عمره 63 سنة، أليس كذلك صلى الله عليه وسلم؟ فالذي قال هذا الكلام لا هو أعطاك توازنات في هذا الباب، فأنت لا تخادع نفسك لا هنا ولا هنا.
نعم، قال وخرج الطبري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: 45-46] قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً ومعاذاً فقال: «انطلقا، فبشرا ويسرا، ولا تعسرا، فإني قد أنزلت علي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾».
وخرج مسلم عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ومعاذ إلى اليمن فقال: «بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا». وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض أمره قال: «بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا»، وهذا نهي عن.
التزام الحرج في التعبد نوع من التعسير، فالتزام الشيء الشاق في التعبدات هو نوع من التعسير، أليس كذلك؟
وفي الطبري عن جابر بن عبد الله قال: مر النبي ﷺ على رجل يصلي على صخرة بمكة، فأتى ناحية مكة فمكث مليًا ثم انصرف، فوجد الرجل يصلي على حاله، فقال: «يا أيها الناس، عليكم بالقصد، عليكم بالقصد، عليكم بالقصد؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا». وعن بريدة الأسلمي أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي، فقال: «من هذا؟» فقلت: هذا فلان، فذكرت من عبادته وصلاته، فقال: «إن خير دينكم أيسره». قال: وهذا مشعر بعدم الرضا بتلك الحالة، وإنما ذلك مخافة كراهية العمل، وكراهية العمل مظنة الترك الذي هو مكروه لمن ألزم نفسه لأجل نقض العهد.
الوجه الرابع: فذلك المهم في النظر الشرعي هو الديمومة وليس كمية الإنجاز، هذه قاعدة مهمة في الشريعة. الله عز وجل، أيهما أهم في النظر الشرعي في مقصد الشارع؟ كمية الإنجاز ولا الديمومة إلى الموت؟ الديمومة أهم عند الله من أن تنجز لي كميات كبيرة، الهدف أن تستمر على هذا العمل إلى أطول فترة ممكنة، بل إلى الموت، هذا أهم من كمية الإنجاز اليومي.
قال: وقد مر في الوجه الثالث ما يدل عليه. قال: وهو الوجه الرابع. نفس الفقرة الوجه الرابع من أوجه فهم لماذا ينهى الإنسان عن التزام ما يشق. أظن هو يقصد أن الوجه الرابع مبني على الوجه الثالث؛ الوجه الثالث أنه يكره الالتزام بالأعمال الشاقة خشية كراهتها، والوجه الرابع مبني عليه، فإذا كرهت العمل فهذا مظنة ماذا؟ الترك له. فاصبح الوجه الرابع ما هو؟ الوجه الثالث عدم تبغيض العمل إلى قلبك، والوجه الرابع لماذا يكره عن التزام الأعمال الشاقة؟ لأنك إذا التزمت أعمالًا شاقة ستتركها، لماذا ستتركها؟ لأنك كرهتها. فيقول: وكراهية العمل مظنة للترك الذي هو مكروه؛ لأنه ترك العمل الذي أنت عاهدت عليه الله هو مكروه. أنت ألزمت نفسك بشيء يشق عليك الدوام عليه، ونحن حكينا إذا ألزمت نفسك بشيء بينك وبين الله يكره أن تترك هذا الالتزام، أنت بتحميل نفسك ما لا تطيق عم تؤدي لنفسك لترك الالتزام؛ لأنك وضعت خطة أكبر من طاقتك، فحلّت نفسك ما لا تطيق في الدوام عليه، فبغضت العمل إلى نفسك، وإذا بغضت العمل إلى نفسك ستتركه، وإذا تركته وقعت في المكروه؛ لأنك تركت شيئًا عاهدت الله عليه.
نستطيع أن نضع من عند قوله: كراهية العمل مظنة لتركه، وتركه هو الصفة المكروهة كما قلنا التي لمن ألزم نفسه لأجل أنه نقض للعهد. لماذا الترك مكروه؟ لأنك نقضت العهد بينك وبين الله، فلذلك الترك مكروه. نحن ما بدنا نوصل لهي المرحلة، ما بدنا نوصل أنه نترك الشيء اللي عاهدنا ربنا عليه، فمن البداية خذ شيئًا يسيرًا حتى لا تحرج نفسك بترك العهد بينك وبين الله.
قال: وقد مر في الوجه الثالث ما يدل عليه، فإن قوله ﷺ: «فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى» مع قوله: «ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله» يدل على أن بغض العمل وكراهيته مظنة الانقطاع والترك. ولذلك مثل ﷺ بالمؤب، وهو المنقطع عن استيفاء المسافة، وهو الذي دل عليه قول الله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27] على التفسير المذكور الثاني: ما رعوها حق رعايتها أي لم يداوموا عليها.
الخامس: الخوف من الدخول تحت الغلو في الدين. في الوجه الخامس من الأوجه التي تكره لك أن تلتزم بينك وبين الله شيئًا يصعب الدوام عليه، الخوف من الدخول تحت الغلو في الدين؛ أن يكون شك من أشكال الغلو، فإن الغلو هو المبالغة في الأمر ومجاوزة الحد إلى حيز الإسراف. وقد دل عليه مما تقدم من الأحاديث أشياء، حيث قال ﷺ: «عليكم بالقصد»، والقصد ما هو؟ الاعتدال، إذا تجاوز القصد هو شكل من أشكال الغلو، فالتزام عبادات يشق عليك الالتزام عليها غلو في التدين. وقال ﷺ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾.
عن ابن عباس قال: لي رسول الله ﷺ غداة العقبة -غداة يعني رمي جمرة العقبة في حجة الوداع-: «القط لي حصيات»، من حصى الخذف، حصى الخذف هو الحصى الذي يرمى به ويكون صغيرًا، كانوا يرمون به الطيور. ثم قال بعد أن أخذ الحصى، مسك الحصى بيده وقال: «بأمثال هؤلاء»، لا ما في داعي تجيب حجرًا كبيرًا ودبشًا، لا خلص بأمثال هؤلاء يكفي، «إياكم والغلو في الدين»، وتقول لا أنا بدي أرمي إبليس بحجر ضخم، قال: «فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين». فأشار إلى أن الآية في النهي عن الغلو يشتمل معناها على كل ما هو غلو وإفراط.
وخرج أيضًا عن يحيى بن جعدة قال: كان يقال: اعمل وأنت مشفق، ودع العمل وأنت تحبه، عمل دائم وإن قل. وأتى معاذ رجل، فقال: أوصني. قال: أطيعني أنت؟ قال: نعم. قال: صلي ونم، وصم وأفطر، واكتسب، ولا تأتِ الله إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة المظلوم. وعن إسحاق بن سويد قال: تعبد عبد الله بن مطرف، فقال له مطرف يا عبد الله: العلم أفضل من العمل، والحسنة بين السيئتين، وخير الأمور أوسطها، وشر السير الحقحقة.
الآن سيشرح هذا الأثر، مطرف يعني يقول لابنه عبد الله: عبد الله انقطع للتعبد، مطرف عنده ابن اسمه عبد الله، عبد الله قرر أنه ينقطع للعبادة، فماذا قال له والده؟ شوف النصيحة، قال: يا بني يا عبد الله العلم أفضل من العمل، يعني احضر مجالس العلم ولا تنقطع في البيت وفي الزاوية بس تظلك تتعبد، لأن العلم ولو قل، العمل أفضل من العمل إذا قل معه العلم. والحسنة بين السيئتين، ما هما السيئتان؟ الغلو والتقصير، فهذا وكانه يقول: وخير الأمور أوسطها، هي معنى الحسنة بين السيئتين؛ فالغلو سيء والتقصير سيء، خليك معتدل، فهناك الحسنة بدك الحسنة، بدك الخير، الحسنة بين الغلو والتقصير.
ومعنى قوله: الحسنة بين السيئتين أن الحسنة هي القصد والعدل، والسيئتان مجاوزه الحد والتقصير، وهو الذي دل على معناه قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: 29]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: 67]. ومعنى الحقحقة: أرفع السير وأتعبه للظهر، وهو راجع إلى الغلو والإفراط. لما قال: وشر السير الحقحقة، الحقحقة سير متعب مرهق، فقال لك هذا شر السير السير المنهك؛ ليه؟ لأنه مثل المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهراً أبقى، لا يساعدك على قطع المسافات، دائمًا السير بهدوء وتوازن هو اللي بخليك تنجز، أما سير الحقحقة، السير اللي يلا وتضرب فيه بتعبك وما بخليك تنجز.
ونحوه عن يزيد بن مرة الجعفي قال: العلم خير من العمل، والحسنة بين السيئتين. وعن كعب الأحبار قال: إن هذا الدين متين، فلا تقذر إليك دين الله. شوف شوف هذا الكلام، فلا تقذر إليك دين الله، ايش يعني لا تقذر إليك دين الله؟ لا تخلي نفسك تكره التدين، لا تخلي نفسك تكره التدين، تصير تتقذر من العبادات فتمل منها، تبغضها، اليسر والسهولة.
ولذلك لماذا نحن نذم دائمًا الفكر المبني على الغلو إخواني؟ لأن الغلو يقذر الدين إلى الناس، لما أنت تأتي إلى مجتمع بعيد عن الله سنوات وعقود، فجأة بدك تنزل عليهم كل الأحكام الشرعية، هذا الشيء فوق طاقتهم. ما تيجي تقول بس ما هو الصحابة ما كانوا يشربون الخمور، يا أخي الصحابة متى ما كانوا يشربون الخمور؟ بعد 10 سنوات. القضية هي أنه بعض الناس يكره الدين إلى العوام؛ لأنه يريد ياتي على مجتمع هو لم ينصبغ بصبغة الدين، يريد أن ينزل عليه تفاصيل تفاصيل أحكامه. في كليات جميل نحافظ عليه ولا بد، كتحريم الفواحش والزنا وغيره، لكن أنا أقصد تفاصيل العمل وتفاصيل التعامل مع الحالة، كل إنسان له، لا تقذر الدين إلى الناس، لا تبغض الدين إلى الناس، وهذه القاعدة اللي قالها كعب الأحبار بتخليني أنتقي عباراتي، أنتقي مسائلي، أنتقي أحكامي، أنتقي ما أقوله، حتى لما تطلع على السوشال ميديا وتشتغل، برجع بقول وكنت دائمًا: التكفير والتبديع أمام الناس بشكل علني هو المسكين يظن أنه ينصر دينًا، ولا أنت تقذر الدين إلى الناس؛ لأنه العامي المسكين لما يفتح مقاطعك ويشوفك نازل دك في أبي حنيفة ولا النووي، ولا هو ماذا سيقول؟ يقول لك هذول المشايخ هذول داقين في بعض، شو هالدين تبعهم؟
يعني هو لن يأخذ الموضوع حتى بالناحية اللي أنت بتفكر فيها أنه لا نحن سامحني أيها العامي، نحن عندنا مشكلة بباب الصفات وعمنا نعالجها، وأنا معالج أنه هذاك طلع كافر. يعني مش هو مش رح يحسب، سيحسب ماذا؟ أنه هذول المشايخ ما سواليفهم إلا التكفير والتبديع وهذا يطعن في هذا وهذا يبدع هذا. لذلك هذه المسائل كانت تطرح في أروقة معينة أو في مساقات علمية في كتب، كان يعرف أنه من يقرأها ومن المستوى الذي سيصل إليه، ما كان عند العلماء الكبار انسى الشذوذ الذي كان يحصل هنا وهناك من كلام غير محسوب، لكن الحالة المتزنة للعلماء أنه لا يطرح هذه المسائل بين أيدي العوام؛ لأن العامة سيكره التدين بهذه الطريقة. تخيل أنك في خطبك وفي مجالسِك وفي تسجيلاتك حديثك العام يدور حول مسائل تكفير أو ذم أو إسقاط أو لمز، سيصبح مجلسك يقذر الدين إلى الناس، سواء غلاة التبديع أو غلاة التفسيق أو غلاة التكفير، الكلام ينطبق على الجميع وسواء من الأشاعرة والماتريدية أو من أهل الحديث أو من أي طائفة، إياك أنك تكره الدين إلى الناس، أنك مسؤول أمام الله سبحانه وتعالى عن أقوالك واختياراتك وتصرفاتك.
واعمل برفق فإن المنبت لم يقطع بعدًا ولم يستبقِ ظهرًا، اعمل عمل المرء الذي يرى أنه لا يموت إلا هرمًا، واحذر حذر المرء الذي يرى أنه يموت غدًا. رح تقول لي لا يا شيخنا ما مستحيل؛ لأنه النبي ﷺ قال: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء»، كيف آخذ بنصيحة كعب الأحبار؟ لا، ما هو كعب الأحبار يقصد شيئًا أنت مش فاهمه، هو إيش قصده؟ هو مش بقول لك أنه حتى هو ماذا سيقول؟ واحذر حذر المرء الذي يرى أنه يموت غدًا. لما النبي ﷺ وعمر عبد الله بن عمر لما قال إذا أصبحت فلا تنتظر المساء هو يحفزك على المثابرة وعدم التسويف، لكن لما كعب الأحبار يقول لك اعمل عمل المرء الذي يرى أنه لا يموت إلا هرمًا ماذا يقصد؟ التوازن في الأعمال، يعني افرض أنك رح تعيش للسبعين، بالتالي اعمل أعمال تستطيع أن تستمر بك إلى السبعين، وهو معنى قول النبي لعبد الله بن عمرو: «إنك لا تدري لعله أن يطول بك العمر»، هي نفس الفكرة.
وخرج ابن وهب نحوه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: وهذه إشارة إلى الأخذ بالعمل الذي يقتضي المداومة عليه من غير حرج، وعن عمير بن إسحاق قال: لمن أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر ممن سبقني منهم، فما رأيت قومًا أيسر سيرة ولا أقل تشديدًا منهم.
قال وقال الحسن: دين الله وضع فوق التقصير ودون الغلو، وهذا هو الوسط، والأدلة على هذا المعنى كثيرة جميعها راجع إلى أنه لا حرج في الدين. والحرج كما ينطلق على الحرج الحالي كالشروع في عبادة شاقة في نفسها، كذلك ينطلق على الحرج المالي إذا كان الحرج لازمًا مع الدوام. جميل، هو يقول مفهوم نفي الحرج يحتمل الأمرين، يشمل الأمرين الحرج الحالي والحرج المالي. الحرج الحالي ما هو؟ أنك ابتداء كما قلت أنه أنا يوميًا بدي أقرأ أجزاء، هذا بجوز حاليًا عليك حرج، أو يوميًا بدي أختم القرآن، فهذا هو من البداية حرج، والحرج المالي أنه هو شيء أنت ابتداء هو ليس حرج، لكن تتوقع بعد سنة سنتين أن يصبح متعبًا، فنفي الحرج، وهذه قاعدة جميلة في الشريعة، أن نفي الحرج حرج في الشريعة الحالي والمالي، ممتاز، الشريعة نفت الحرج الحالي والذي يمكن أن يؤول إلى حرج مستقبل.
مع أن الدوام مطلوب حسب ما اقتضاه قول أبي أمامة رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27]، وقوله ﷺ: «أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل»، فلذلك كان ﷺ إذا عمل عملًا أثبته، حتى قضى ركعتين بعد الظهر بعد العصر أثبته، يعني داوم عليه، هذا كان منهجه ﷺ.
يكلف من العمل إلا ما يطيق، لذلك جاء في الحديث: «اكلفوا من العمل ما تطيقون». فلما تضع التزامات ضمن سقف الممكن، ويمكن تداركها في أسرع وقت وتقضيها بسهولة، ليس كما تضع أعمالًا فوق طاقتك. نعم، قال هذا؛ وإن كان العامل لا ينوي الدوام فيه فكيف به إذا عقد في نيته ألا يتركه؟ فهو أحرى بطلب الدوام، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل»، وهو حديث صحيح. فنهاه صلى الله عليه وسلم أن يكون مثل فلان، وهو ظاهر في كراهيته لترك من ذلك الفلان وغيره.
قال: فالحاصل أن هذا القسم الذي هو مظنة للمشقة عند الدوام مطلوب الترك؛ لعله أكثرية. هي صراحة العبارة شوي غامضة، لعله أكثرية، في حدا عنده غير "لعله أكثرية"؟ إيش لعله؟ لعله كثرتها؟ قصدك لعله كثرته، يعني الذي يظهر لي أن هذا القسم الذي هو مظنة المشقة عند الدوام عليه، يعني أن تلتزم بعبادة بينك وبين الله، ستحصل مشقة أو يظن حصول مشقة عند الدوام عليها في المستقبل، ولماذا مطلوب الترك؟ لعله أكثرية، وهنا يقول لعله كثرته. الظاهر يعني لعله تكاثر الأمر عليه على صورة يصعب المواصلة فيها، فكأنها تدل على كلمة التكاثر بمعنى تزاحم الأمور. نعم، هو شوف هو قال "لعله أكثرية"، يفهم عند تقريرها أنها إذا فقدت هذه العلة زال طلب الترك، يعني نحن الآن نقول لك اترك، نحن نطلب منك أن تترك عقد التزام بينك وبين الله في شيء يغلب على الظن أنك لن تستطيع الاستمرار عليه، متى ما نعود نطلبك بالترك ونقول لك لا؟ بالعكس، اعمل عقودًا بينك وبين الله إذا زالت هذه العلة.
يعني هناك علة معينة أو علل أكثرية، وهي كل العلل هذه التي أصلاً مرينا عليها نحن ممكن نعتبرها هي العلل، يعني هناك علل بسببها نحن بنقول لك لا تجعل بينك وبين الله التزامًا أدبيًا في شيء قد يشق عليك الالتزام، هذه هي العلة. إذا ذهبت هذه العلة؛ خلص، يصبح التزامك أدبيًا مع الله في أشياء جائز، بل مطلوب ومحبوب، كأن يكون العمل ضمن الطاقة والإمكان وباليسر وبالرفق. فهذا معنى قوله، فالحاصل يعني خلاصة هذا الفصل: أن هذا القسم من الالتزامات الذي هو مظنة للمشقة عند الدوام عليه، مطلوب منك أن تتركه لعله أكثرية. الآن شو قصد بأكثرية؟ ما زلت أعتقد أن العبارة موهمة شوي، في أكثر من احتمالات، أما لعله أكثرية بمعنى هناك أمور متكاثرة تزدحم عليك تمنعك من، أو لعله أكثرية، لعله أغلبية، يعني علة أغلبية، يعني يغلب على الظن أنك لن تستطيع المواظبة، لكن الخلاصة مفهومة، ويفهم عند تقرير هذه العلة بالأوجه السابقة أنها إذا فقدت هذه العلة زال طلب الترك.
أنا أعتقد أن العلة التي يقصدها هي ما سبق ذكره، الأوجه الخمسة هذه هي العلل التي من أجلها كرهنا ذلك. أنت إذا بدأت، عدت إلى أول الفصل وماذا قال: فلا ينبغي اعتقاد هذا الالتزام، إذ هو مؤدٍ إلى أمور جميعها منهي عنها؛ واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، أنك لا تقبل هدية الله، أن هذا خوف التقصير أو العجز، أن هذا يكرهك بالعبادة، أن هذا يؤدي إلى انقطاعك عن العبادة، أن هذا يدخلك تحت الغلو؛ فهذه علل قد تكون متكاثرة. ممكن برضه نقول يعني العبارة ما زالت غامضة، المهم هذه العلل إذا زالت، خلص، عادة دخولك في التزام مع الله سبحانه وتعالى ما في مشكلة؛ لأنك التزمت التزامًا سهلاً فيه رفق ولين ضمن سقف المعقول، أشياء متاحة يمكنك تستمر عليها حتى تموت. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص، والله التزم مع الله بثلاثة أيام في كل شهر، صح ولا لا؟ إذا أوصى بها أبا هريرة، "أوصاني خليلي بثلاث، ومنها صيام ثلاثة أيام من كل شهر"، أن هذا النوع من الالتزامات ما في مشكلة؛ لأنه ضمن المعقول وهو مليء بالرفق واللين.
قال: لعله أكثرية، يفهم عند تقريرها أنه إذا فقدت زال طلب الترك، وإذا ارتفع طلب الترك رجع إلى أصل العمل وهو طلب الفعل. نعم، رجعنا إلى طلب الفعل، هذا نوع من التعبد. قال: فالداخل فيه على التزام شرطه داخل في مكروه ابتداءً من وجه؛ بإمكان عدم الوفاء بالشرط، وفي مندوب إليه حملاً على ظاهر العزيمة على الوفاء. فالداخل فيه الآن، فالداخل في التزام يشق عليه الاستمرار عليه، الداخل في التزام أدبي مع الله يغلب على الظن أنه سيشق عليه الاستمرار فيه، هو داخل في أمر مكروه ابتداءً من وجه، كيف؟ بإمكان عدم الوفاء بالشرط الذي هو الالتزام، وعدم الوفاء بالالتزام مكروه، وفي مندوب من جهة أخرى، من جهة ماذا؟ أنه دخل في أمر ابتداءً على ظاهر العزيمة على الوفاء، أنه هو داخل، أنت لما تحط برنامج وبعدين ما راح تقدر عليه، أنت أول أسبوع داخل وأنت ناوي تكمل صح؟ داخل وظنك المبدئي عندك عزيمة على الوفاء، بس أنت ما قرأت نفسك جيدًا، فبعد سنتين اكتشفت أنه أنا مش قادر، فإذا هو مكروه من جهة إمكان عدم الوفاء وهذه مظنة واضحة، ومندوب من جهة أنها في النهاية طاعة، وأنت داخل على عزم منك أنك ستنفذها إلى آخر العمر وما كنت قارئًا نفسك جيدًا ابتداءً.
فمن حيث الندب أمره الشارع بالوفاء، ومن حيث الكراهة كره أن يدخل فيها؛ فإذا هذا الشيء له جهتان، من جهة هو مكروه ومن جهة هو مندوب. فمن جهة خوفنا أنك ما راح تستطيع تكمل بنقول: يا أخي، لا تدخل في هذا الالتزام وخليها على التساهيل، ومن جهة أنها طاعة وعبادة وأنك عازم على الوفاء بها بينك وبين الله والله إيش يقول؟ قال: ومن جهة، فمن حيث الندب أمره الشارع بماذا؟ بالوفاء، بس هذا متى؟ بعد ما تصير داخل، يعني إذا أنت دخلت والتزمت وخلص صرت داخل فيها نعم الله يأمرك بالوفاء، ويذمك إذا لم تفِ ويقول: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27]، بس إذا واحد جايك لساته ما دخل لسه بده يدخل، شو بتقول له؟ تدخل في هذا الدخول ابتداءً مكروه، لكن إذا دخلت، أنت ما بدي أقول واجب عليك الوفاء، لكن ايش؟ تحث على الوفاء.
هذا معنى قوله فمن حيث الندب أمره الشارع بالوفاء وحثه على الوفاء، هذا بعد ما يدخل، خلص، يعني كأنه ورط حاله ودخل، بتقول له ارجع ولا بتقول له لا؟ بالعكس أحثك على الوفاء، أقول لك كما قال أبو أمامة الباهلي، مش قال لأصحابه: "أنتم خلص التزمتم أدبيًا بالتراويح فافعلوها ولا تتركوها"، ما دمتم دخلتم بهذا الالتزام الأدبي مع الله افعل. طب لو جاءني قبل ما يدخل في الالتزام الأدبي، شو راح أقول له؟ والله هذا يغلب على ظني أنك لن تستطيع الالتزام به، فنصيحتي لا تدخل في التزام تعبد الله في هذا الموضوع بالتساهيل، ما بنصحك تدخل بالتزام أدبي. طبعًا هذا بدك تقيم له، يعني هذا تقييمك على حسب معرفتك بالشخص ومعرفتك بطبيعة الأمور اللي ناوي يلتزم فيها، فانت كناصح أو طالب علم بدك تنصح الناس، بده يكون عندك فراسة في الشخص وفراسة في طبيعة الأعمال. بيجيني شاب بقول له: شيخ أنا بدي أحفظ الزاد وبدي وبدي أحفظ كذا من الشباب، هؤلاء أنا متفرس فيه، يا أخي هو مجلس علم في ملكة ما كان يواظب، مجلس علم في ملكة ما كان يواظب، فتجي تقول له أنا بدي أحفظ الزاد، فأكون مثلًا زاد المستقنع، يدخل في التزام أدبي في الحفظ، أقول له أنا نصيحتي لك لا تدخل شيخ؛ لأنه أنا معرفتي بك ومعرفتي بالكتاب بتخليني أعرف أنك أنت ماشي الآن عندك داخل كما يقول الشاطبي على ظاهر عزيمة الوفاء، أنت داخل لا أنا رح أخلص الكتاب كله، لكن من هو خبير بك وعلى دراية بالكتاب يعرف أنك لست أهلًا لهذا الكتاب، شخصيتك متفلتة والكتاب صعب.
لو شخص غيرك ممكن أقول له آه، أو أنت نفسك بس كتاب ثاني بقول لك آه، لكن أنت مع هذا الكتاب بقول لك لا. بس إذا دخلت وصرت قاطع منه شوط، دخلت في الالتزام الأدبي بحفظه، ماذا؟ ساقول لك يعني ممكن أقول له خلص كمل يعني صرت داخل، إذا كان قطع نصف الكتاب أو أكثر من نصفه، رح أقول له كمل، يعني مش رح أكسر عزيمته وأقول لك هذا التزام أدبي، بالعكس أكمل لا تعود نفسك الانقطاعات، فهذه سياسة مهمة للداعية أو المصلح.
قال: وحين صارت الكراهية هي المقدمة كان دخوله في العمل بقصد القربة يشبه الدخول فيه بغير أمر، فأشبه المبتدع الداخل في عبادة غير، وحيث صارت الكراهية هي المقدمة؛ لأنه أنا أولًا ابتداءً رح أنصحه أنه ما يدخل ويكره له الدخول من هذه الجهة. فلما صارت الكراهية هي المقدمة كان دخوله في هذا العمل الذي سيشق عليه بقصد القربة، شوف التحليل، يشبه الدخول فيه بغير أمر من الله؛ لأنه هذا الدخول ابتداءً شو قلنا حكمه يا جماعة؟ مكروه، مش قلت أنا لو جاني ابتداءً أقول له لا تدخل ورح أقول له دخولك مكروه؛ لأنه يغلب على الظن أنك ما رح توفي بهذا الالتزام الأدبي، فأصبح دخولك بهذا الالتزام الأدبي الذي سيشق عليك مستقبلًا شو حكم الدخول فيه؟ مكروه. فإذا أنت دخلت فيه كانك دخلت في شيء تعبدي لم يأمرك الله به، ومن دخل في شيء تعبدي لا تأمر به الشريعة اليس هذا هو مفهوم البدعة اللي حررناه من أول الكتاب، أن يدخل الشخص بشيء على وجه التعبد أو على وجه المبالغة في التعبد حتى لما عرفه الشاطبي "بدعة"، لكنه ليس على طريقة مأمورة شرعًا، شو تعريف البدعة؟ "طريقة في الدين مخترعة تضاهي الطرق الشرعية، يقصد بها صاحبها المبالغة في التعبد". فأنت لما دخلت في هذا الالتزام أنت دخلت طريقة في الدين، هذا الالتزام الذي سيشق عليك ركز، مش أصل الالتزام لا الالتزام الذي سيشق، هذا مكروه، فإذا هو طريقة في الدين مخترعة تضاهي الطرق الشرعية تقصد بها المبالغة في التعبد، نفس تعريف الشاطبي للابتداع اللي بدأ به.
فيقول: وحيث صارت الكراهية هي المقدمة في هذه الصورة من الالتزام كان دخوله في هذا العمل بقصد القربة والتعبد يشبه الدخول في أعمال شرعية بغير أمر شرعي، يعني ليس داخلًا ضمن الشريعة، فأشبه المبتدع الداخل في عبادة غير مأمور بها. فقد يستسهل بهذا الاعتبار إطلاق البدعة عليها كما أطلقها مين؟ أبو أمامة، يعني بالتالي يجوز لي أن أقول أنه هذا الشخص اللي ألزم نفسه شيء فوق طاقته أنه مبتدع، هو نوع من التوسع في مفهوم ماذا؟ البدعة. إذا هو مبتدع، مش أنه أتى بعبادات غير مشروعة، هو مبتدع على طريقة "رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم"، ألزموا أنفسهم بالتزام أدبي مع الله، هو أصله مشروع لكن الالتزام ما تستطيعوه، فلا تدخل فيه بطريقة الالتزام، ما دمت دخلت فيه بطريقة الالتزام الذي يغلب على الظن أنك لن تؤديه ولن تداوم عليه، فما رعاه حق رعايتها، صح أن تسمى بدعة من هذا الوجه، هذا من أوجه تسمية الرهبانية بدعة بهذه الطريقة.
ومن حيث كان العمل مأمورًا به ابتداءً قبل النظر إلى المآل، وأنك لن تستطيع المداومة عليه، أو مع قطع النظر عن المشقة فيه، أو مع اعتقاد الوفاء بالشرط، أصبح صاحبه أو أشبه صاحبه من دخل في نافلة قصدًا للتعبد بها، والدخول في النوافل الطبيعية قصدًا للتعبد بها، وذلك صحيح جارٍ على مقتضى أدلة الندب، ولذلك هو قبل الدخول قلنا له مكروه، لكن بعد الالتزام وصار ماشي في هالسفينة قلنا له كمل. ولذلك أمر بعد الدخول بالوفاء؛ فهو لذا هي لاحظ وهذا وجه أنها بدعة إضافية، أنت فاهمين ايش هي بدعة إضافية؟ أن هو قبل الدخول أشبه المبتدع؛ لأنك ما راح تقدر، وهذا النوع من الالتزامات الأدبية ربنا ما بده إياه منك، فالتزامك فيه يشبه البدعة، بس هي بدعة بالإضافة إلى هذا الوجه، لكن إذا دخلت فيه وخلص ومشت سفينتك، آه لا هون هي بدعة إضافية مش بدعة كاملة، فالبدعة الإضافية وهذا أحد الأحكام التي تختص به البدع الإضافية في بعض صورها، البدع الإضافية في بعض صورها قد يطلب منك الاستمرار عليها، هذه غريبة، لذلك هو مش قال لك أنه بعض أحكام البدعة الإضافية لا توجد في البدعة الحقيقية؟ البدعة الحقيقية لا يجوز تستمر عليه مهما كان الأمر، البدع الإضافية في بعض صورها قد يطلب منك الاستمرار عليها، زي هي الحالة، أنه أنت ابتداءً قبل ما تدخل شو قلنا لك يا أخي؟ مكروه هذا النوع ويشبه البدعة، بس بعد ما مشت فيك السفينة كما قال أبو أمامة خلص كمل ولا تتراجع بل مطلوب منك الوفاء، بل يكره منك الآن التراجع، كان يكره منك الدخول، بعد ما تدخل يكره منك التراجع وأنت مطالب بالإكمال، فهذه من بعض الأحكام الخاصة بالبدع الإضافية نعم.
قال: أشبه صاحبه من دخل في نافلة قصدًا للتعبد بها وذلك صحيح جارٍ على مقتضى أدلة الندب، ولذلك أمر بعد الدخول فيه بالوفاء، كان نذرًا أو التزامًا بالقلب غير نذر، ولو كان بدعة داخله في حد البدعة لم يؤمر بالوفاء ولكان عمله باطلًا، كان بدعة كاملة لم يؤمر بالوفاء نعم، ولذلك جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا قائمًا في الشمس فقال: ما بال هذا؟ فقالوا:
نذر ألا يستظل، وألا يتكلم، وألا يجلس، وأن يصوم، فقال رسول الله ﷺ: «مروه فليجلس، وليتكلم، وليستظل، وليتم صومه». لماذا؟ لأنه قضية أن تتقرب إلى الله بنذر ألا تجلس في ظل؛ هذه بدعة حقيقية؛ لأنه لا يوجد لها أي نمط من أنماط التعبد في عبادات الشريعة؛ أن تظل واقفاً في الشمس؛ فهذه بدعة حقيقية. فلذلك نهاه عنها، ما قال له: كمل. هذا رجل نذر أن يقف في الشمس، هل قال له: خلص صار نذراً يلا خليه يكمل؟ لا، بل قال: لا بد أن يجلس؛ لأنه بدعة حقيقية.
فالنذر فيها أشبه بنذر المعصية الذي لا يجوز الإيفاء به، بخلاف الصوم؛ فلما كان الصوم في الأصل مشروعاً ثم أنت نذرته؛ فما حكم النذر ابتداءً؟ مكروه، مكروه أن تنذر الصوم ابتداءً، لكن إذا نذرته وخلص صرت داخلاً؛ يجب الوفاء. هذه الفكرة التي أحاول أن أوصلها لك: أنه في أشياء ابتداءً قبل الدخول تكون مكروهة، بس إذا دخلت بدك تكمل. فهذا فيه نوع ما يسمى بالبدعة الإضافية، هذه كأنها بدعة إضافية.
قال: فإذن أنت ترى كيف أبطل عليه التعبد بما ليس بمشروع البتة، اللي هو عدم الاستظلال، وأمره بالوفاء بما هو مشروع في الأصل؛ فلولا أن للفرق بينهما معنى، لم يكن للتفرقة بينهما معنى مفهوم. يعني ليش فرق؟ فقال: لا، ما تكمل نذرك في موضوع عدم الاستظلال؛ استظل وتكلم واجلس، بينما الصوم قال: كمل. أكيد في فرق بين الصوم وبين الظل؛ أن هذا بدعة من أصله فلا يجوز، وأما نذر الصوم، وإن كان مكروهاً ابتداءً، لكن بعد أن دخلت فيه بدك تكمله؛ لأنه أصله مشروع، ولكن الكراهة جاءت من جهة إلزام النفس فيه بما يشق عليها.
وأيضاً، فإنه إذا كان الداخل مأموراً بالدوام، لزم من ذلك أن يكون الدخول طاعة؛ فالمباح، فضلاً عن المكروه والمحرم، لا يؤمر بالدوام عليه، ولا نذراً لذلك في الشريعة. وعليه يدل قوله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». ولأن الله مدح من أوفى بنذره في قوله سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] في معرض المدح وترتيب الجزاء الحسن، وفي آية الحديث: ﴿فَآتَيْنَاهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [الحديد: 27]، ولا يكون الأجر إلا على مطلوب شرعاً.
هذا هو الذي كان يحاول الشاطبي أن يفهمك إياه؛ قضية أنه في أشياء بدك تنظر إليها بجانبين، إذا هو كان من حيث الابتداء مكروهاً، بس لما دخلت فيه هو في الأصل طاعة. يعني أن تدخل في برنامج قيام ليل، أن تدخل في التزام أدبي قراءة قرآن؛ يعني في شغلات باختصار أنت بدك تنظر إليها من زاويتين، من هذا الوجه هي طاعة، ولذلك أمر بالدوام عليها بعد الدخول بالالتزام الأدبي. ولو كان بعد الدخول بالالتزام الأدبي هي ما زالت بدعة وما زالت باطلة، لما أمر بالالتزام بها؛ فهي في الأصل طاعة، ما بنقدر نقول هي ليست طاعة، ولما دخلت -نحن ابتداءً نقول لك: لا تدخل، لا تكلفش حالك، مكروه هذا النوع من الالتزام- بس صرت داخلاً، صرت داخلاً، وهي طاعة، يعني في النهاية أنت مش داخل بشيء هو بدعة حقيقية، خلص بنقول لك: لا تكمل. فإذا كان نذراً يجب تكمل، وإذا كان التزاماً أدبياً يستحب أن تكمل ويكره الانقطاع.
فهمتم قدرة الشاطبي على أن يشاهد القضية من أكثر من وجه؟ هو عم ينظر إليها من قبل ما تدخل فيها، بيقول لك: يكره تدخل بهذه الطريقة، بس إذا دخلت هي في النهاية طاعة، فلا بد تستمر فيها. فهذا معنى أنها بدعة إضافية؛ هي قبل الدخول بدعة أو بالنسبة إلى ما قبل الدخول بدعة، أو بالنسبة إلى قضية أن الخوف من عدم الدوام بدعة، بس من جهة أنها طاعة في أصلها، وأنت دخلت فيها، لأصبحت من هنا مقبولة ومندوبة وطاعة. هل هذا موجود في الشريعة؟ نعم، الشاطبي أتى بهذه الفكرة وهو استطاع أن يرتب الأفكار فيها بهذه الطريقة، طبعاً هي محتاجة منك أن تعيد النظر أكثر من مرة ودقيق في هذا التحليل.
قال: فتأملوا هذا المعنى، فهو الذي يجري عليه عمل السلف الصالح رضي الله عنهم. يقول الشاطبي: هذا معنى عظيم الذي وصل إليه، هذا التحليل عظيم، وهو الذي يجعلك تفهم السلف. بيجي شخص بيقول لك إن فهم السلف هذا سهل للجميع؛ فهم السلف، شوف الطرح، من يستطيع منا، إلا من فتح الله عليه، أن يدخل بهذا التحليل لفهم كلام السلف وتصرفات السلف؟ لو أنا أعطيت لهذا المعاصر الذي يقول لك: فهم كلام السلف سهل، هذا بدي أجيب له كلام أبي أمامة الباهلي، أقول له: تفضل افهم لي إياه، أعطني الصورة التي يريد أبو أمامة الباهلي أن يقولها، هل يستطيع أن يحلل كلام السلف بهذه الطريقة التي حللها الشاطبي؟ ولا هي طريقة عالم، وذاك رجل مسكين ما زال في أوائل طلبه للعلم؟ لا تقل لي كلام السلف سهل؛ ماشي، في أشياء سهلة، نعم أنا أتفق معك، في أشياء سهلة كلامهم في الورع في السلوك في كذا، بس في أشياء بدها تحليل عميق وقدرة جهابذة علماء على فهم لماذا الباهلي يقول للصحابة: أحدثتم القيام فواظبوا عليه؟ يعني يقول لهم: أنتم ابتدعتم القيام واظبوا عليه، كيف بدي أفهم هذا؟ كيف أنت تقول لي: أنت ابتدعت هذا الشيء وواظب عليه؟ كيف بتركب هذه؟ هذا بده تحليل بعقلية الشاطبي، بعقلية العلماء الذين عندهم استقراءات وتحليل عميق وهدوء في فهم الأمور.
المهم قال: وبه يرتفع إشكال التعارض الظاهر لبادي الرأي، حتى تنتظم الآيات والأحاديث وسير من تقدم، والحمد لله، غير أنه يبقى بعد هذا إشكالان قويان، بالنظر في الجواب عنهما ينتظم معنى المسألة على تمام بحول الله، فلنعقد في كل إشكال فصلاً. سأقف عند هذا القدر إن شاء الله اليوم، ونكمل إن شاء الله، إن كان في العمر بقية، تمام؟ بس لا بد تراجع أن الإشكالين هما تمام الإجابة، أنا كنت حابب أنني أكمل، يعني كأني خلصنا اليوم كل المسألة، بس الملف طويل، وأنا عارف أن الشباب كلت، ولا هي عبارة عن شبكات متواصلة، هو حاول يطرح الشبهات على جوابه بعدين يرجع يجاوب عنها، وهذه عقلية الشاطبي رحمه الله تعالى عليه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل