دخولتسجيل الدخول

التعليقُ على كتاب الاعتصام للشاطبي | برنامج المُدارسة | المجلس الثالث عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن بنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في التعليق على كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي رحمه الله تعالى. هذا الكتاب الذي يتكلم عن مفهوم السنة والبدعة والقواعد العامة للتفريق بينهما، وحقيقةً دائمًا أقول: هذا الكتاب أعظم بكثير من مجرد قضية تقرير الفرق بين السنة والبدعة. هذا الكتاب حقيقةً يمثل قواعد منهجية حتى في نظرتك للشريعة الغراء عمومًا، وطرق سير الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى، وكيف تعالج الشبهات والأفكار الدخيلة على هذا الدين، ويعطيك تصورًا عن طبيعة الإسلام وعن طبيعة الشريعة، وكيف يتعامل معها الناس بدون إفراط ولا تفريط.

هذه الدقائق التي هي آليات التعامل مع الشريعة وإسقاطها على واقع الأمة، والتخلص من الأفكار الدخيلة مع عدم التشنج والغلو في الأفكار الأصيلة، هذا كله يحتاج إلى تحريرات ونظر ومناقشة لهذه الأفكار. قليلة جدًا الكتب التي بنفس مستوى كتب الشاطبي؛ بالكاد تجد إمامًا عنده من هذا التحرير إلا على سياق ابن تيمية وابن القيم والقرافي وابن دقيق العيد؛ هؤلاء الذين أسميهم مفكرين، والغزالي وابن حزم أحيانًا؛ عندهم قدرة على التفكير والتحليل وتصوير المشهد ومحاولة الخروج بحلول وإعطائك توازنات معينة. أغلب الكتب ربما تميل إلى قضية المتن والنقل، وفي كتب سبحان الله تجد فيها البركة العظيمة والله فتح على أصحابها، ومن هذه الكتب كتاب الإمام الشاطبي عليه رحمه الله.

نحن وصلنا أيها الكرام إلى الباب الخامس، وهذا الباب الخامس الذي عقده الشاطبي يتكلم في الفرق بين أحكام البدع الحقيقية والإضافية. عرفنا الفرق سابقًا بين البدعة الحقيقية، وهي التي ليس لها في الأصل مستند في الأدلة الشرعية، وأما البدعة الإضافية فهي البدعة التي لها في الأصل مستند، لكن بسبب بعض التقييدات والتخصيصات والممارسات التي مورست عليها انتقلت من حيز كونها سنة إلى حيز كونها بدعة من تلك الجهة، من جهة التخصيص والإضافة وليس من جهة الأصل؛ ولذلك سماها إضافية. وعالجنا بعض النصوص التي تحوم حول هذه الفكرة، سواء من آية ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: 27]، أو حديث أبي أمامة في صلاة التراويح.

وصلنا إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 87]. تكلمنا أيضًا كيف أن هذه الآية حرمت الاعتداء في تحريم الطيبات، وهنا ناقش الشاطبي ما هو التحريم وما هو الاعتداء المقصود هنا؛ هل هو التحريم الحقيقي أن تحرم ما أحل الله وهذا كفر؟ أو المراد مجرد الترك لا لغلط، وقلنا هذا لا إشكال فيه؟ أو هو أن يمتنع الإنسان عن الشيء على وجه النذر، أن ينذر أنني أمتنع عن هذا الشيء ولا آكله، أو على وجه قريب من النذر؟ لذلك قال: أن يمتنع لنذره التحريم، أو ما يجري مجرى النذر من العزيمة القاطعة للعذر. عرفت، وهذا هو الذي حمل عليه الشاطبي الآية ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾، قال المراد هذا المعنى الثالث، وإن كان المعنى الأول يمكن أن يدخل بشكل من الأشكال وهو التحريم الحقيقي، لكن يرى أن أساس الآية لأنها خطاب للمؤمنين، فالمؤمن لا يتصور منه أن يحرم ما أحل الله ديانة، لا يتصور منه ذلك؛ لأن هذه ردة.

فإذا ما معنى توجيه الله للمؤمنين أن يحرموا طيبات ما أحل الله لهم ولا يعتدوا؟ قال: إذًا هو المعنى الثالث، هو أن ينذروا أو يفعل ما هو شبيه بالنذر كقطع العهد بأن لا يفعل هذا الشيء طوال عمره، كأن لا يتزوج النساء ولا ينام على فراش، كما قال: وتحريم الضرع ألا يأكل ضرعًا، وتحريم الانتصار، وكل هذا. الوجه الرابع وهو أن يحلف على بعض الحلال ألا يفعله ليس على وجه النذر أو على نية العزيمة القاطعة، وإنما خلينا نقول لموقف تفاعل معه؛ والله زوجته زعلت منه قال خلص والله ما بفعل كذا لموقف معين، فهذه قال هذه يمين وتكفر بكفارة اليمين، ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2]. ومثالها عندما حرم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه العسل أو الجارية التي كانت عنده على قول بعضهم، لذلك كانت هي النقطة الأولى التي ناقشناها.

النقطة الثانية أن الآية التي نحن بصددها ينظر فيها على أي معنى يطلق التحريم من تلك المعاني، هذا أيضًا هو الوجه الثاني. وصلنا إلى الوجه الثالث في التعليق على هذه الآية في صفحة 446.

الوجه الثالث من التعليق على هذه الآية، بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين ونجِّ المستضعفين من المؤمنين. قال المصنف رحمه الله تعالى: والثالثة أن هذه الآية يشكل معناها مع قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: 93]. فإن الله أخبر عن نبي من أنبيائه عليهم السلام أنه حرم على نفسه حلالًا، ففيه دليل لجواز مثله.

هذه الآية في الظاهر تتعارض مع قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾. من هو إسرائيل؟ يعقوب. وظاهر آية ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ على ماذا يدل؟ على جواز أن يحرم الإنسان على نفسه بعض الأمور. فإسرائيل -يعقوب- حرم على نفسه اللبن وقيل لحوم الإبل، بغض النظر. إذًا لماذا تقولون لا يجوز أن يحرم الإنسان على نفسه شيئًا؟ فهذه الآية تتعارض مع آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ في الظاهر، والآن سيحل المشكلة.

والجواب أنه لا دليل في الآية؛ لأن ما تقدم يقرر أن لا تحريم في الإسلام، فيبقى ما كان شرعًا لغيرنا منفيًا عن شرعنا كما تقرر في الأصول. الإجابة واضحة وسهلة، يعني أن هذا شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا إذا جاء في شرعنا ما ينفيه انتهى، وما عاد يعتمد عليه، حتى لو إسرائيل حرم على نفسه عليه السلام بعض الأمور، نحن في شرعنا لا يجوز أن نفعل ذلك. ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: 134].

قال خرّج القاضي إسماعيل وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن إسرائيل وهو يعقوب النبي عليه السلام أُخذ عرق النسا، فكان هذا نوعًا من العرق هنا يكون في القدم فخذ، كأنه عرق الفخذ يسبب ألمًا شديدًا، فكان يصرخ قالوا من شدة الوجع، فكان يبيت وله زقاء؛ زقاء يعني صراخ من شدة الوجع. فجعل عليه إن شفاه الله ليحرمن عليه العروق، وذلك قبل نزول التوراة. فهو جعل نوع نذر، قال عليّ إذا ربنا شفاني من عرق النسا إني أحرم عروق الشاة، تمام يعني زي نوع من أنواع العروق في الشاة، ماذا يمكن أن نسميها اليوم؟ شو بتسموها في عرف اللحم؟ زي مثلا المصران وكذا، المهم فحرم على نفسه أن يأكل العروق سواء من الإبل أو من البقر أو الغنم، فلذلك قالوا فلذلك تسل اليهود العروق ألا يأكلوها، لذلك اليهود أصبحوا يقتدون بيعقوب فكانوا إذا ذبحوا شاة أو بقرة يأخذون العروق يسلونها حتى لا يأكلوها. وفي رواية جعل على نفسه ألا يأكل لحوم الإبل فحرمتها اليهود. وعن الكلبي أن يعقوب عليه السلام قال: إن الله شفاني لأحرمن أطيب الطعام والشراب، أو قال أحب الطعام والشراب إليّ، فحرم لحوم الإبل وألبانها.

قال القاضي: الذي نحسب والله أعلم أن إسرائيل حين حرم على نفسه ما حرم من الحلال لم يكن في ذلك الوقت منهيًا عن ذلك، وأنهم كانوا إذا حرموا على أنفسهم شيئًا من الحلال يحرم عليهم، كما كان الحالف إذا حلف ألا يفعل شيئًا من الحلال لم يجز له أن يفعله حتى نزلت كفارة اليمين، قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2]. والحالف إذا حلف على شيء ولم يقل إن شاء الله كان بالخيار؛ إن شاء فعل وكفر، وإن شاء لم يفعل.

قال: وهذه الأشياء وما أشبهها من الشرائع يكون فيها الناسخ والمنسوخ، فكان الناسخ في هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فهذه الآية هي ناسخة لما ورد في الشرائع السابقة من جواز التحريم، خلاص انتهت القضية. فلما وقع النهي لم يجز للإنسان أن يقول: الطعام عليَّ حرام، وما أشبه ذلك من الحلال، فإن قال إنسان شيئًا من ذلك كان قوله باطلًا، وإن حلف على ذلك بالله كان له أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه. هذه سهلة.

الرابعة قال: والرابعة أن نقول مما يُسأل عنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1]، لأن فيها إخبارًا بأنه عليه السلام حرم على نفسه ما أحل الله له، وقد نزل عليه: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾، ومثل هذا يجل مقام النبي صلى الله عليه وسلم عن مقتضى الظاهر فيه، وأن يكون منه شيء هو اعتداء، ثم يأتيه حتى يقال له فيه: لِمَ تفعل؟ فلا بد من النظر في هذا المعارض.

يعني هو يريد أن يقول هل معقول أن النبي عليه الصلاة والسلام يخالف ظاهر هذه الآية: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾، فيذهب هو صلى الله عليه وسلم يحرم على نفسه أشياء؟ هذا الاستشكال أيضًا الذي قد يُطرح. الله عز وجل عاتب نبيه عليه الصلاة والسلام في سورة التحريم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. طيب في السؤال هل يعقل أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ما أحل الله له مع أن الله كان أنزل عليه: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾؟ أليس في هذا مخالفة منه صلى الله عليه وسلم للآية؟ وهذه المخالفة يجل النبي صلى الله عليه وسلم أن يقع فيها. فهمتم أين الإشكال؟

طيب نجي على الحل الآن، كيف تحل؟ كيف نجمع بين آية سورة التحريم وبين آية سورة المائدة التي تسمى سورة العقود؟ كيف يجمع بينهما؟

قال: والجواب أن آية التحريم إن كانت هي السابقة على آية العقود فظاهر أنها مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم. هناك احتمال، قال الجواب أن هناك احتمالين؛ الاحتمال الأول أن تكون آية سورة التحريم نزلت قبل آية سورة المائدة (سورة العقود)، والاحتمال الثاني العكس؛ أن تكون آية سورة المائدة نزلت قبل آية سورة التحريم. نيجي الآن على الاحتمال الأول: إذا كانت آية سورة التحريم نزلت قبل آية سورة المائدة، فالله قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قبل أن ينزل: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. كيف سنحل هنا الإشكال؟ قال: فظاهر أنها مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ لو أريد الأمة على قول من قال به من الأصوليين لقال: لِمَ تحرمون ما أحل الله لكم؟ كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1].

وهو بين، يعني باختصار سيكون المراد أن آية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ هذا كلام خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وأمته لم تكن مشمولة في النهي بعد، فكان هذا معاتبة خاصة للنبي بدليل أن الله لم يقل: يا أيها النبي لِمَ تحرمون ما أحل الله لكم؟ قال: لِمَ تحرم أنت ما أحل الله لك؟ ولو كانت الأمة مشمولة معه في ذلك الخطاب لكان قال كما قال في سورة الطلاق لأن الأمة كانت مشمولة معه، ماذا قال يا...

أيها النبي إذا طلقتم، فكان الخطاب للأمة جميعًا، أما هذه الآية فالخطاب فيها خاص للنبي صلى الله عليه وسلم. لكن إلى الآن هل زال الإشكال؟ هو سواء الخطاب خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام ولا الخطاب للأمة، أنت تقول إن آية التحريم نزلت قبل آية العقود. طيب إذا الاختصاص هنا، هو عالج ماذا؟ كنت بدي أعترض على قضية أنه هل يشترط إذا كان خطابًا للأمة أن يقول: لما تحرمون؟ الأصل في الخطاب أنه إذا كان الخطاب لعموم الناس هل يشترط أن يقول لما تحرم؟ والأصل في الخطاب للمعين والترك فيه لعموم البينة؛ فقد يكون الترك من باب المجاز، أنت تقصد أنه قد يكون الخطاب خاصًا بالنبي عليه الصلاة والسلام من حيث الصيغة، لكن المراد هذا أيضًا من الإشكالات الواردة على هذا الكلام أنه أيضًا في أحكام أيضًا الكلام فيها موجه للنبي عليه الصلاة والسلام بصيغة الإفراد ولكن المراد أمته. تمامًا كما قال في الشرك: ﴿فَاللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: 66]. هو صح الخطاب له، لكن أمته تدخل تبعًا.

اقرأ الآن بس قال: وهو بين؛ لأن سورة التحريم قبل آية الأحزاب، وذلك لما آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه شهرًا بسبب هذه القصة، نزل عليه في سورة الأحزاب. نعم، النبي عليه الصلاة والسلام لما انزعج من نسائه بسبب موضوع التحريم وكشف الله له ما وقع فيه نساؤه من المكر بينهن إذا صح التعبير، غضب النبي صلى الله عليه وسلم، فآلى من نسائه شهرًا، ثم أعطاه الله حق التخيير الذي ورد في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28]. هو يقول إن سورة التحريم كانت هي سبب في نزول سورة الأحزاب والتخيير بعد ذلك.

طيب، انتهى هنا الجواب. تفضل شيخ، هو يريد أن يقول إن هذه الآية مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن للمؤمنين؛ أنه لو كانت للمؤمنين لقال: لما تحرمون. نعم، هذا دل على أن آية لا تحرم بعدها دلت على أن آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا﴾ بعدها أن الأول مختص، ثم جاء التعميم على الصحابة، وأنه لو كان الأصل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا﴾ ستكون هذه الآية بعدها كأنها لا معنى لها. يعني هو إذا ما خلاصة هذا الرد؟ هل النبي عليه الصلاة والسلام بناءً على هذا الكلام خالف آية: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾؟ لا، لأنه ابتداءً كان النبي عليه الصلاة والسلام هو المخاطب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، يعني كانت فقط هي معاتبة من الله خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن الأمة أصلاً مشموله فيها، هي فقط كانت معاتبة له صلى الله عليه وسلم. ثم نزل بعد ذلك الأمر العام للجميع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نبياً وغير نبي: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فالقضية الأولى كانت أصلاً قبل نزول الآية، وكان العتاب فيها للنبي صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص، وأما الأمة فلو فعلت مثل ذلك لم يكن عليها في ذلك حرج. وهذا طبعًا كلامه بغض النظر عن مدى الاقتناع أنه هل هذا الكلام فقط كان خاصًا فعلاً بالنبي عليه الصلاة والسلام، لأنه الآن سيقدم وجهة نظر في معالجة الموضوع.

أنا أعتقد أنه ليس أقوى أوجه الاستدلال. أنا أعتقد أن الشاطبي حاول أن يعالج أمرًا معالجة عامة، لكن لا أعتقد أن هذه الإجابة هي أفضل ما يمكن أن يقال هنا، صعب أقول لك خطأ، لكن لا يمكن أن يقال أنها أفضل ما يقال؛ لأنها مبنية على فكرة الاختصاص. دعوى الاختصاص دائمًا تفتقر إلى دليل، وحتى سبب النزول العبرة بعموم اللفظ، والنبي صلى الله عليه وسلم الحكم له حكم لأمته، فهو مشرع ويشرع له، فدعوى الاختصاص هنا أعتقد أنها تحتاج إلى دليل.

قال: وأيضًا فيحتمل أن يكون التحريم بمعنى الحلف على ألا يفعل، والحلف إذا وقع فصاحبه مخير بين أن يترك المحلوف عليه وبين أن يفعله ويكفر، وقد جاء في آية التحريم: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2]، فدل على أنه كان يميناً حلف عليه الصلاة والسلام بها. وهذا أظنه أقرب؛ أنه هي الفكرة أن آية سورة التحريم ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ليست من قبيل النوع الثالث من التحريم أنه خلاص أخذ عزيمة قاطعة أن يحرم النساء أو يحرم شيء، هي الصورة الرابعة من التحريم وهو أنه حلف بسبب موقف معين انزعج منه صلى الله عليه وسلم، حلف: والله ما بعمل هذا الشيء، وليس تبييت نية أنني أريد أن أقطع هذا الشيء في حياتي التي هي موطن الإشكال هنا، إنما هو مجرد حلف: والله ما بشرب العسل، والله ما بعمل كذا، وشرع له أن يكفر هذا اليمين. فقد فرض في نفس السورة: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، وهذا أقرب اعتبارًا أن القضية كانت مجرد حلف لموقف عابر انفعالي وليس الصورة الثالثة التي هي الإشكال الأكبر فيها، وهو أن تحرم الشيء على وجه النذر أو على وجه العزيمة القاطعة.

تذكروا أن التحريم له أربعة أوجه ذكرناها في الدرس الماضي، فهو يرى أنه لا يمكن أن يحمل تحريمه على الوجه الرابع، وهو أنه مجرد حلف لموقف معين انزعج منه، وليس التحريم المقصود في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. يعني كأنه يقول الآن عندك آيتين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، وآية ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. هل كلمة التحريم هنا هي نفس دلالة كلمة التحريم هنا؟ لا، كلمة التحريم في سورة التحريم المراد بها أنه حلف ألا يفعل الشيء، وكلمة التحريم في آية المائدة المراد بها النذر أو العزيمة القاطعة على ترك الشيء بدون انفعال من موقف معين، فباختصار تحمل كلمة التحريم في كل آية على معنى مختلف من المعاني الأربعة التي سبقت.

هذا واقع، هو اعتبره اجتهادًا من النبي عليه الصلاة والسلام ثم عاتبه الله فيه، لكن إحنا ايش فكرتنا أنه لا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خالف آية المائدة. هو ماذا يريد أن يفعل؟ أنه لا تقصد أن يخالف آية المائدة، وإنما فعلاً اجتهاد قبل نزول آية المائدة وربنا عدله وانتهى الموضوع، هذا الذي يريد أن يقوله الشاطبي. وذلك قال: وذلك أن الناس اختلفوا في هذا التحريم، فقال جماعة إنه كان تحريمًا لأم ولده مارية القبطية بناءً على أن الآية نزلت في شأنها، وممن قال به الحسن وقتادة والشعبي ونافع مولى ابن عمر، أو كان تحريماً لعسل زينب وهو قول عطاء وعبد الله بن عتبة. وقال جماعة إنما كان تحريماً بيمين، قال إسماعيل بن إسحاق: يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم حرمها -يعني جاريته- بيمين بالله؛ لأن الرجل إذا قال لأمته: والله لا أقربك، فقد حرمها على نفسه باليمين، فإذا غشيها وجبت عليه كفارة اليمين. ثم أتى بمسألة ابن مقرن التي مرت معنا لما قال ابن مسعود إنه حرم النوم على نفسه سنة، تذكروها؟

قلت لكم لما مرت معنا في الصفحات السابقة أن ابن مقرن قال لابن مسعود: حلفت ألا أنام سنة، فهي نفس الفكرة، حلف وليس نذرًا، والحلف يبقى أهون من النذر أو ما يقوم مقام النذر. قال: ويمكن أن يكون السبب شرب العسل، وهو الذي وقع في البخاري من طريق هشام عن ابن جريج قال فيه: شربت عسلاً عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا. وإذا كان كذلك، لم يبق في المسألة إشكال، ولا فرق بين الجارية والعسل في الحكم؛ لأن تحريم الجارية كيفما كان بمنزلة تحريم ما يؤكل ويشرب، يعني هي في النهاية سواء كان حرم الجارية ولا حرم العسل، إذا حملنا التحريم أنه مجرد حلف فهذا أصلاً لا يتعارض مع آية المائدة بشكل من الأشكال؛ لأن آية المائدة تتكلم عن النذر أو ما يقوم مقام النذر، وسورة التحريم تتكلم عن الحلف.

أما إذا قلنا لا، آية العقود آية المائدة: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ هي التي نزلت أولاً، ثم وقع ذلك الموقف من النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت آية التحريم، فهنا يحتمل وجهين كالاول، هو نفس الوجهين اللي ذكرناهم في الحالة الأولى؛ التخصيص أو الحلف. فسيكون نعم: أحد هما أن يكون التحريم في سورة التحريم بمعنى الحلف، نقول نعم صحيح سورة التحريم نزلت بعد آية المائدة مثلاً، لكن المراد بالتحريم هنا الحلف، والمراد بالمائدة النذر. أو قال: والثاني أن تكون آية العقود غير متناولة للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا﴾ لا يدخل فيه بناءً على قول من قال بذلك من الأصوليين، وعند ذلك لا يبقى في القضية ما ينظر فيه. أو أن نقول إن آية سورة المائدة النبي صلى الله عليه وسلم مستثنى منها، هذا هو الاختصاص هنا، أن نقول من خصائصه أنه مستثنى من آية المائدة، فلما نزلت ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ النبي صلى الله عليه وسلم غير مشمول فيها تمامًا، وهكذا فهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه غير مشمول فيها، وأن هذا فقط خطاب للأمة، فلما حرم على نفسه بعد ذلك العسل أو الجارية عاتبه الله سبحانه وتعالى وعرفه أنه مثلاً حكمه داخل في تلك الآية، هذا بناءً على رأي الأصوليين ورأي ليس بالقوي، أن الخطابات التي تكون للأمة لا يدخل فيها النبي عليه الصلاة والسلام. إن الله إذا خاطب الأمة: يا أيها الذين آمنوا، يا أيها الناس، لا يدخل فيها النبي صلى الله عليه وسلم إلا بدليل، والأشهر عند الأصوليين لا، أنه الخطاب للأمة هو خطاب له صلى الله عليه وسلم، هذا هو الأشهر إلا إذا جاءت قرينة تصرف عن ذلك.

فصل: إذا ثبت هذا، فكل من عمل على هذا القصد فعمله غير صحيح؛ لأنه عامل إما بغير شريعة لأنه لم يتبع أدلتها، وإما عامل بشرع منسوخ. كل من حرم شيئاً على وجه النذر أو ما في معنى النذر من القطيعة العازمة، كأن حرم على نفسه النوم أو النساء، فهذا عمل بدعي غير صحيح، وداخل في قوله: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. لماذا هو عمل غير صحيح؟ قال لأنه عامل إما بغير شريعة لأنه لم يتبع أدلتها، وأدلة الشريعة تمنع ذلك، أو عامل بشرع منسوخ، والعمل بالمنسوخ مع العلم بالناسخ باطل، مثل قصة يعقوب أنه يقول لك: أنا بدي أعمل زي يعقوب عليه السلام، نقول له: لا، هذا منسوخ في شريعتنا، ما يطلع لك.

قال لأن الترهب والامتناع من اللذات والنساء وغير ذلك، إن كان مشروعًا ففيما قبل هذه الشريعة من الشرائع، وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، وهو معنى البدعة.

قيل فقد تقدم من نقل ابن العربي في الرهبانية أنها السياحة واتخاذ الصوامع للعزلة، قال: وذلك مندوب إليه في ديننا عند فساد الزمان. تذكروا هذا، طبعاً الذي فيكم يراجع أولاً بأول سيتذكر أنه لما شرحنا آية ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: 27] ذكر الشاطبي أقوال العلماء في تفسير الآية، ومن الأقوال كان قول ابن العربي: ما هي الرهبانية التي كانت في أزمنتهم؟ السياحة واتخاذ الصوامع. ثم علق ابن العربي على الآية فقال: وذلك مندوب إليه في ديننا عند فساد الزمان، في آخر الزمان يُندب إلى السياحة واتخاذ الكهوف في الجبال. فإذن يقول: هذه جائزة الرهبانية، بس متى؟ عند فساد الزمان. فالشاطبي سيناقش الآن هذه الفكرة.

فقال: وقد بسط الغزالي هذا الفصل في الإحياء حين ذكر العزلة، وذكر في كتابه آداب النكاح من ذلك ما فيه كفاية، وحاصله أن ذلك مشروع، بل هو الأولى عند عروض العوارض، وعندما يصير النكاح ومخالطة الناس وبالاً على الإنسان، ومؤدياً إلى اكتساب الحرام والدخول فيما لا يجوز، كما جاء في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن». وسائر ما جاء في هذا المعنى. وأيضاً فإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 8]. وهذا كله الآن يختصر ما قاله الغزالي في الإحياء، ثم الشاطبي سيدلي بدلوه.

ومما قاله الغزالي في الإحياء أيضاً استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ قال: والتبتل على ما قاله زيد بن أسلم رفض الدنيا. ركز على زيد بن أسلم، ماذا فسر التبتل؟ رفض الدنيا. طبعاً الله يقول لنبيه: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾. إذاً ما معنى ذلك على رأي زيد بن أسلم؟ ارفض الدنيا، وهذه هي السياحة واتخاذ الصوامع، إذاً نحن مطلوب منا ذلك، وليس هذا بدعة كما يقول البعض.

قال: من قولهم: بتلت الحبل بتلاً إذا قطعته، ومعناه انقطع من كل شيء إلا منه. وقال الحسن وغيره: بتل إليه نفسك واجتهد. هذا تفسير آخر للآية: بتل، واجتهد. وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته. هذا إلى ما جاء عن السلف الصالح من الانقطاع إلى عبادة الله، ورفض أسباب الدنيا، والتخلي عن الحواضر إلى البوادي، واتخاذ الخلوات في الجبال والبراري، حتى إن بعض الجبال الشامية قد خصها الله تعالى بالأولياء والمنقطعين، كجبل لبنان ونحوه. فما وجه ذلك؟ فالجواب أن الرهبانية إن كانت بالمعنى المقرر في الشرائع الأول، فلا نسلم أنها في شرعنا الآن.

فالجواب أن الرهبانية إن كانت بالمعنى المقرر في الشرائع الأول، وهو أن تنقطع عن النساء، ولا يتزوج الراهب، ويبقى داخل صومعة ويلزمها إلى أن يموت بهذه الصورة، لا، نحن لا نسلم أنها في شريعتنا، أن تقول لرجل: خلص اجلس في حجرة على رأس جبل، لا تتزوج النساء، تأخذ من الطعام على قدر حاجتك، تلبس الثياب الخشنة. وهي كانت الرهبانية على التصور في الشرائع الأولى، لا نسلم أنها في شريعتنا بحال، لا في آخر الزمان ولا في أول الزمان، لا عند فساد الفتن ولا عند غيرها، ليست أبداً مطلوبة بهذه الصورة بحال.

لما تقدم من الأدلة الدالة على نسخها، كانت لعارض أو لغير عارض، ليست مقبولة أبداً بذاك التصور. قال: إذ لا رهبانية في الإسلام، وقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم التبتل حسب ما تقدم، التبتل قد رد النبي صلى الله عليه وسلم التبتل لما عثمان بن مظعون طلبه وهو الاختصاء للابتعاد عن النساء، قال له: لا، ما في عندنا هذا.

أما إذا فسرت الرهبانية بمعنى الانقطاع إلى الله لكن بحسب ما شرع وفق القواعد الشرعية، بحيث إنه ممكن أن أنقطع إلى الله بس عادي آكل طعاماً جيداً وعادي أتزوج ويكون عندي أبناء بالمعنى المتوازن، فعندئذ نعم، وعلى حد من انقطع إلى الله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المخاطب بقوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾، فهذا هو الذي نحن في تقريره، وأنه السنة المتبعة والهدي الصالح والصراط المستقيم. فهذا ما عندنا فيه مشكلة، بحيث إنه ممكن أنا فعلاً أتفرغ للعبادة، بس بشرط ما أختصي، ما أترك الزواج، ما أضع دائماً طعاماً خشناً، لا، آكل ما تيسر، هكذا كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما فعل في غار حراء، هكذا كانت حياته، كان يطلع على غار حراء يفر بدينه من كفار قريش لكن كان متزوجاً خديجة، وكان يأكل الطعام المتوفر، يعني لم يضع طقوساً ورسوماً معينة لهذا التبتل، وإنما على السهالة كما يقولون.

وليس في كلام زيد بن أسلم وغيره في معنى التبتل ما ينافر هذا المعنى، لأن رفض الدنيا الذي فسر به زيد بن أسلم الآية السابقة، ليس بمعنى طرح اتخاذها جملة، وإنما بل بمعنى ترك الشغل بها عما كلف الإنسان به من الوظائف الشرعية. هذا معنى رفض الدنيا في كلام زيد بن أسلم في تفسير الآية، بمعنى ألا تشغلك الدنيا عن القيام بالوظائف الشرعية، وهذا يمكن أن يجمع بينه وبين أن تتزوج عادي جداً وتكتسب وتأكل طعاماً جيداً لكنني لست متعلقاً بالدنيا، انتهت القضية.

واجعل سير السلف الصالح مرآة لك تنظر فيها معنى التبتل على وجهه اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كانوا رضي الله تعالى عنهم مكتسبين للمال، متمتعين به فيما أبيح لهم، منفقين له حيث نُدبوا، لم يتعلق بقلوبهم منه شيء إذا عنَّ لهم أمر أو نهي، بل قدموا أمر الله ونهيه على حظوظ أنفسهم العاجلة على وجه لم يخل بحظوظهم فيه، وهو التوسط الذي تقدم تقريره. بل قدموا أمر الله ونهيه على حظوظ أنفسهم العاجلة على وجه لم يؤدِّ إلى الإخلال بأصل حظوظهم؛ صحيح، يعني هل تقديمهم أمر الله على حظوظهم منعهم من الزواج؟ لا، تزوجوا، منعهم أن يأكلوا اللحم المشوي والخروف المشوي؟ لا، الصحابة يأكلون ويتزوجون، لكن إذا جاء أمر الله بالجهاد يرمون الدنيا وراء ظهورهم ويجاهدون، ففي توازن. وهو التوسط، هذا هو التوسط، أن تأخذ حظوظ النفس بالاعتدال المطلوب، ولكن إذا جاء أمر الله سبحانه وتعالى فأنا أستطيع أن أتخلى عن حظوظ نفسي تقديماً لأمر ربي، هكذا نكون ماشيين باعتدال.

ثم ندبهم الشارع إلى اتخاذ الأهل والولد، فبادروا إلى الامتثال ولم يقولوا هو شاغل لنا عما أمرنا به. لأن هذا القول مشعر بالغفلة عن معنى التكليف به، فإن الأصل الشرعي أن كل مطلوب هو من جملة ما يتعبد به إلى الله تعالى ويتقرب به إليه، فالعبادات المحضة ظاهر فيها ذلك، والعادات كلها إذا قُصد بها امتثال أمر الله عبادات، إلا أنه إذا لم يقصد بها ذلك القصد وجيء بها نحو الحظ مجرداً، فإذ ذاك لا تقع متعبداً بها ولا مثاباً عليها، وإن صح وقوعها شرعاً. يريد أن يقول إن قولك إني أنا ما بدي أتزوج هذا دال على أنك أصلاً لم تفهم مفهوم العبادة بمعناه الشامل في الشريعة، أنه من الذي قال لك إن العبادة لله هي فقط أن تصلي؟ الصلاة والزكاة هذه عبادات محضة، لكن من جملة العبادات أيضاً لله أن تتزوج، وأن تأكل وتشرب، وتثاب على ذلك إذا كانت لك نية صالحة.

فالصحابة رضي الله عنهم قد فهموا هذا المعنى، ولا يمكن مع فهمه أن تتعارض الأوامر في حقهم، ولا في حق من فهم منهم منها ما فهموا، فالتبتل على هذا الوجه صحيح أصيل في الجريان على السنة، وكذلك كلام الحسن وغيره في تفسير الآية صحيح. الحسن البصري لاحظوا في الصفحة السابقة ماذا فسر آية: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾؟ بتل إليه نفسك واجتهد، وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته. هذا هو التبتل المشروع في الإسلام، وهو أن تشغلك الدنيا عن القيام بأمر الله، لكن هذا لا يعني اطراح حظوظ النفس بالكلية، ففرق بين التبتل المشروع والتبتل الذي نُسخ في الإسلام.

صحيح إذا أُخذ هذا المأخذ، أي لا تتبع الهوى واتبع أمر ربك فإنه العليم بما يصلح لك والقائم على تدبيرك، ولذلك قال على أثرها: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 9]، أي فكما أنه وكيل لك بالنسبة إلى ما ليس من كسبك، وكذلك هو وكيل على ما هو داخل تحت كسبك مما هو تكليف في حقك، ومن جملة ما توكل لك فيه ألا تدخل نفسك في عمل تحرج بسببه حالاً أو مآلاً. ومن جملة ما توكل لك فيه، شوف هذا المعنى الجميل: ومن جملة ما توكل لك فيه ربك ألا تدخل نفسك في عمل تحرج به نفسك حالاً أو مآلاً، أنك تروح تنذر على نفسك نذراً أو تتخذ عهداً أو تقسم على الله أنك ما تفعل شيئاً وتوقع نفسك في الحرج، يعني ربنا عز وجل لما يقول: ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ من معنى الآية: خَلِّ التشريع لله، لا تدخل في التشريعات برأيك وتفرض على نفسك طقوساً وعبادات وأحوالاً أنت تورط نفسك فيها ولا تقوم بها، مثل فكرة الالتزامات التي ذكرناها في الدرس الماضي، أن تلزم نفسك بعبادة شاقة على مدى طويل، يا أخي ربنا ما طالب منك ذلك وأنت لماذا تتعب نفسك؟ فيقول: ومن جملة ما توكل الله لك فيه ألا تدخل نفسك في عمل وعبادة على وجه تحرج به نفسك حالاً أو مآلاً؛ جميل.

الآن إذا كانت الخلوة بهذا المعنى الذي يقوله الشاطبي، خلوة لا تؤدي إلى رفض النساء والانعزال عن المجتمع وترك الطعام والشراب الجيد، إذا كانت خلوة معناها كغار حراء، ما عندنا مشكلة، مقبولة ومطلوبة. وأظن أعطينا إحدى دروس الأمسية «فأووا إلى الكهف»، تكلمنا عن فضيلة الخلوات، أما الممنوع هو الخلوات التي على طريقة النصارى التي تؤدي إلى أنه خلاص ما أتزوج، لا آكل إلا الطعام الرديء، لا ألبس إلا الثياب الخشنة، لا، هكذا أنت عم بتزيد أشياء برأيك وذوقك ما أنزل الله بها من سلطان.

وقد فسر التبتل بأنه الإخلاص وهو قول مجاهد والضحاك، وقال قتادة: أخلص له العبادة والدعوة، فعلى هذا التفسير لا متعلق فيها لمؤم. وإذا تقرر هذا، فالفرار من العوارض بالسياحة واتخاذ الصوامع وسكن الجبال والكهوف إن كان على شرط ألا يحرم ما أحل الله من الأمور التي حرمها الرهبان، بل على حد ما كانوا عليه في الحواضر ومجامع الناس، لا يشددون على أنفسهم بمقدار ما يشق عليهم، فلا إشكال في صحة هذه الرهبانية غير أنها لا تسمى رهبانية إلا بنوع من المجاز، فهذا المعنى الشرعي للخلوات أصلاً خطأ يسمى رهبانية، وإذا بدك تسميه رهبانية على نوع من المجاز فقط وتشبيه الشيء بالشيء، لا تدخل في مقتضى قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ لا في الاسم ولا في المعنى؛ لأنها ليست رهبانية بالمعنى المذموم.

إذا دخل على خلوة ليمتنع حتى من المباحات هذا أصبح بدعة، الامتناع من المباحات بالكلية هذا بدعة، الله شرع المباحات لتأخذ منها حظ نفسك، فهمت علي؟ أما إذا دخلت في خلوة لكن مع ذلك تأخذ من المباحات ما تحتاجه فتتزوج امرأة مثلاً وتأكل وتشرب ما هو متناول، هذا لا إشكال فيه.

وإن كان على التزام ما التزم الرهبان المتقدمون فلا نسلم أنه في هذه الشريعة مندوب إليه ولا مباح، بل هو مما لا يجوز لأنه كالتشريع بغير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. فبالتالي هنا كان الشاطبي يخطئ ابن العربي لما قال عن أن الرهبانية هي السياحة وهو مندوب إليه في آخر الزمان، يقول له: لا ما بصير تفسر الرهبانية التي في الآية بأنها السياحة المندوب إليها في آخر الزمان، تلك رهبانية باطلة على كل الوجوه، ولا تشرع لا في آخر الزمان ولا في أول الزمان، والصواب أن الإنسان في آخر الزمان يفعل نوعاً من الانقطاع بدون تلك.

الصورة من ترهب النصارى والانقطاع الكامل عن المباحات، قال لأنه كالتشريع بغير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا ينتظمه معنى قوله عليه السلام: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن»، وإنما ينتظمه معنى قوله عليه السلام: «من رغب عن سنتي فليس مني». فالرهبانية التي امتدحتها يا ابن العربي هي داخلة تحت «من رغب عن سنتي فليس مني»، ولا تدخل في الرهبانية أو في الانقطاع في آخر الزمن.

قالوا: أما ما ذكره الغزالي وغيره من تفضيله العزلة على المخالطة، وترجيح العزبة على اتخاذ الأهل عند اعتراض العوارض، فذلك يستمد من أصل آخر لا من هنا. أما ما ذكره الشاطبي والغزالي من ترجيح العزبة على الزواج في بعض الأزمنة التي يعرض فيها عوارض، كأن يكون الإنسان مسجونا في بلاد الكفار، أو مجبرا أن يقيم فيها، ويشعر أن إذا أتى بأولاد هناك قد يؤخذوا منه؛ هذه مسائل تطرح، بعض الناس مثلا لاجئ سياسي، يقول أنا يا شيخ مش قادر أتزوج؛ لأنه في أنظمة هذا البلد إذا تزوجت وأتيت بأولاد ممكن يسحبوا أولادي مني، فبدي أجل الزواج أو سأبقى عزبا إلى أن يفرجها الله. لاحظ هنا أنه متخذ القرار لعارض لسبب، قال: فهذا موضوعه يعالج من أصل آخر، ليس من قضية الرهبانية؛ فهذا ما له علاقة بموضوعنا هنا، موضوع البدعة والمش بدعة، هذا له علاقة بالمصالح والمفاسد.

لذلك قال: وبيان هذا الوجه أن المطلوبات الشرعية لا تخلو أن يكون المكلف قادرا على الامتثال فيها مع سلامته عند العمل بها من وقوعه في وجه منه، أو لا. قال: فإن كان قادرا؛ الآن هو يعطيك الفكرة، الأحكام الشرعية التي ربنا أمرك أن تفعلها أو أمرك أن تتركها، لما ربنا أمرنا بأحكام شرعية قد أحيانا أمر شرعي أمرك الله أن تفعله، لكن في واقعتك وفي حالتك يتعارض مع أمر آخر أنت منهي عنه، فتزاحم الواجب مع المنهي، فهنا ستأتي عند التعارض، ستزن هل سأفعل الواجب أو سأترك المنهي؟ وأنا بده نوع من الموازنات، أليس كذلك؟

قال: فإن كان قادرا في مجال العادات بحيث لا يعارضه مكروه أو محرم، فلا إشكال في كون الطالب متوجها عليه بقدر استطاعته، على حد ما كان السلف الصالح عليه قبل وقوع الفتن، بالتالي إذا كان ربنا أمرك بأمر ولم يعارضه في واقعة شيء مكروه أو محرم، فأنت يجب أن تفعل هذا الأمر الذي أمرك الله فيه على قدر استطاعتك، هكذا كان حال السلف الصالح قبل وقوع الفتن. وإلا قال: وإن لم يقدر على ذلك إلا بوقوعه في مكروه أو محرم؛ إذا لم تقدر على أن تفعل الواجبات إلا بالسقوط في مكروهات أو محرمات، يعني أنت بتقول يا شيخ ماشي، أنت بدك إياني أتزوج والزواج فرض علي، ماشي أنا بتزوج، بس أنا بقول لك إذا تزوجت ممكن أقع في محرم أو مكروه من جهة أخرى، أنه أولادي يطلعوا نصارى لأنه أنا في بلد كافر وراح يسحبوا الأولاد مني، أو يحصل ظرف معين ويصير أولادي عندهم شبهات وما شابه ذلك، فأنا ممكن أفعل الأمر، بس بدك تكون على دراية أنه سيقع مكروه أو محرم مقابل امتثالي للأمر، هنا أنت بدك تشغل الموازين، هل أقول له افعل الأمر ولو وقعت في حرام، أو أترك الحرام ولو أدى ذلك إلى ترك الأمر؟

قال: وإن لم يقدر على ذلك إلا بوقوعه في مكروه أو محرم، ففي بقاء الطلب هنا تفصيل بحسب ما يظهر من كلام أبي حامد رحمه الله تعالى، إذ يكون المطلوب مندوبا لكنه لا يعمل به إلا بوقوعه في ممنوع، فالمندوب ساقط عنه بلا إشكال. الآن سيفرض لك عدة حالات، إذا كان الأمر مش أمر إيجاب، أمر ندب، ولكنه سيؤدي إلى الوقوع في حرام، الآن ماذا ستفعل؟ لا، ما بدي أفعل هذا الأمر لأنه مندوب، حتى لا أسقط في حرام، إذا تعارض المندوب مع الحرام، فترك الحرام مقدم على فعل المندوبات، هذه واضحة ما بدناش نفكر فيها، لذلك قال: سقط المندوب بلا إشكال.

ثانيا قال: كالمندوب للصدقة على المحتاج لا يجد بيده إلا مال الغير، ذكر لك مثال، الآن ربنا ندبنا بالصدقة، بس الإنسان بقول لك ماشي أنا بتصدق، بس ما راح أتصدق حتى أسرق مال حتى أتصدق فيه، لا يا عمي الله يرضى عليك، أنت لو تروح تتصدق فمن أجل أن تتصدق تسرق مال الغير، هنا تعارض مندوب وهو الصدقة مع محرم وهو سرقة مال الغير، فإذا كان فعل المندوب لا يحصل إلا بسرقة مال الغير فماذا سيقدم؟ أكيد لا تسرق مال الغير ولا نريد منك صدقة الآن. نعم، قال: فلا يجوز له العمل بالندب لأنه يقع بسببه في التصرف في مال الغير بغير إذنه وذلك لا يجوز، هو كالفاقد لما يتصدق به، وكالقائم على مريضه المشرف، أو دفن ميت يخاف عليه تغيره بتركه ثم يقوم يصلي نافلة، والمتزوج لا يجوز. المثال الثاني إنسان مسؤول عن مريض، والمريض هذا عم بيحتضر أو في حالة عليه أجهزة، والآن جاء وقت سنة الظهر، هسا بين أمرين: يا بيصلي سنة الظهر وممكن المريض اللي أنت مشرف عليه يموت، أنك رح تترك الأجهزة، أو أنك تدير بالك على الأجهزة مع فوات سنة الظهر، ماذا ستقدم؟ لا، تفوت سنة الظهر وأحافظ على حياة الإنسان المشرف عليه، أو إذا كان ميت يخشى أنك إذا صليت تتغير رائحته، فالمحافظة على حرمة الميت مقدمة على أن تصلي سنة الظهر وهكذا. قال: والمتزوج لا يجد إلا مالا حراما، إنسان بده يتزوج بس بقول لك شوف، أنا بتزوج بس ما راح أتزوج إلا بمال حرام، لا بقول لا تتزوج، لأن أصل الزواج مندوب، وبيتكلم عن الزواج في الوضع الطبيعي مندوب، وأنك تتزوج بمال حرام ما بيصير، فلا لا تتزوج حتى يسر لك المال الحلال.

قال: وقد يكون المطلوب واجبا إلا أن وقوعه فيه يدخله في مكروه، هذا غير معتد به لأن القيام بالواجب أكد، أو يوقعه في ممنوع، فهذا هو الذي، أما إذا كان المطلوب واجبا والقيام فيه سيوقعك مش في مكروه، في ممنوع يعني حرام، فهذا هو الأصعب في الموازنات الفقهية، أنه تعارض الواجبات مع المحرمات، إذا فعلت هذا الواجب 100% سأسقط في حرام، فماذا أقدم فعل الواجب أو ترك الحرام؟ قال: إن الواجبات ليست على وزان واحد كما أن المحرمات كذلك، فلا بد من الموازنة، فإن ترجح جانب الواجب صار المحرم في حكم العفو أو في حكم التلافي إن كان مما تتلافى مفسدته، وإن ترجح جانب المحرم سقط حكم الواجب أو طلب بالتلافي، وإن تعادل في نظر المجتهد؛ الآن شو بقول لك؟ بقول لك إذا تعارض واجب مع محرم، أصلا المحرمات على مراتب في درجة تحريمها على حسب المفاسد، أليس كذلك؟ مش في عنا كبائر وصغائر مثلا؟ وكذلك الواجبات أيضا متفاوتة في درجة وجوبها، يعني في أهميتها من حيث الوجوب باعتبار ما يترتب عليها من مصالح، فهنا بدك توازن، فإذا كان الفعل الواجب مصلحته أعلى من حيث الموازنة الذهنية من مفسدة الفعل الحرام، فيفعل الواجب ولو أدى إلى السقوط في حرام، والعكس بالعكس، إذا كانت مفسدة الحرام أعلى من مصلحة الواجب، فإنك لا تفعل الحرام ولو أدى إلى تفويت الواجب، وإذا تساوى يعني فرضا مصلحة الواجب مساوية تماما لمفسدة الحرام، فهنا عند كثير من المقاصديين يقولون: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإذا تساوت المفسدة مع المصلحة، لا، يقدم درء المفسدة فتترك الحرام ولو أدى إلى فوات الواجب، والبعض يقول لا، تحصيل الواجبات مقدم على درء مفاسد المحرمات، فيقول لك تفعل الواجب ولو أدى إلى الوقوع في محرم بسبب التساوي.

قال: وإن تعادل في نظر المجتهد فهو مجال نظر المجتهدين، يعني مسألة خلافية. قال: والأولى عند جماعة رعاية جانب المحرم لأن درء المفاسد أكد من جمع المصالح. قال في الفقرة: فإن ترجح جانب الواجب صار المحرم في حكم العفو أو في حكم التلافي إن كان مما تتلافى مفسدته، أحسنت، العفو بمعنى أنه مسامح فيه. طيب شو يعني أو في حكم التلافي إن كان مما تتلافى مفسدته؟ شو يعني التلافي؟ معنى يتلافى معنى التجنب، فما معنى في حكم المتجنب؟ يعني هذا الكلام جيد، يعني إذا كان جانب الواجب مقدم على جانب الحرام فالمفسدة التي في الحرام كاننا تجنبناها، أنت لم تتجنبها حقيقة، لكن لأن مصلحة الواجب أعلى بكثير منها فكأنها أصبحت في حكم التلافي، يعني كأنك في حكم التلافي، لكنه ايش قال بعدها: إن كان مما تتلافى مفسدته، يعني إن كان يتصور أنك تلافيت المفسدة وجانبتها، فهي أصبحت في حكم العفو المسامح فيه، أو كانك تجنبتها، وإن كان في الواقع حقيقة أنت لم تتجنبها 100% لكن لمصلحة الواجب الغالبة اعتبرناك كأنك تلافيت المفسدة، وإن كنت في الواقع في اعتقادي لم تتلافاها 100%.

فإن كانت العزلة مؤدية إلى السلامة فهي الأولى في أزمنة الفتنة، فالآن سيسقط هذا الكلام على ما نحن فيه، الآن إذا كانت العزلة تؤدي إلى السلامة فهي الأولى في أزمنة الفتن، والفتن لا تختص بفتن الحروب فقط، بل قال: والفتن لا تختص بفتن الحروب فقط فهي جارية في الجاه والمال وغيرهما من مكتسبات الدنيا، وضابطها ما صد عن طاعة الله، ومثل هذا النظر يجري بين المندوب والمكروه، وبين المكروهين. وإن كانت مثل هذا النظر إذا تعارض مندوب مع مكروه، فإن كانت مصلحة المندوب أعلى من مفسدة المكروه يقدم المندوب، وإن كانت مفسدة المكروه مقدمة على مصلحة المندوب يقدم المكروه يعني تركه، وإن تساويا فدرء المفاسد، كما إذا تعارض الواجب مع المحرم طبقنا تلك القواعد، كذلك إذا تعارض المندوب مع المكروه سنطبق نفس الآلية والقواعد، وكذلك إذا تعارض مكروه مع مكروه، إذا تركت هذا المكروه سأقع في المكروه الآخر، وإذا تركت هذا سأقع في هذا، أيهما أفعل؟ ستنظر أيهما مفسدته أكثر فيتم تلاشيه، وما مفسدته أدنى فيرتكب، وإن تساويا فاختر منهما ما شئت.

قال: وإن كانت العزلة مؤدية إلى ترك الجمعات والجماعات والتعاون على الطاعات وأشباه ذلك، فإنها أيضا سلامة من جهة أخرى، ويقع التوازن بين المأمورات والمنهيات، هذا نص شوي شعرته غامض، هو يقول: وإن كانت العزلة مؤدية إلى ترك الجمعة والجماعات والتعاون على الطاعات وأشباه ذلك، فإنها أيضا سلامة من جهة أخرى. وماذا يريد أن يقول شيخنا؟ اللي هو الحديث أنه يسكن في مناطق بعيدة جدا، هذا سيؤدي إلى أن يترك الجمعات والجماعات؛ لأنه هو سيصلي هو في الكهف أو في كذا، ولكن هو يطلب السلامة لدينه من الفتن. فكأنه يقول: إن العزلة مفاسدها أنك ستضطر إلى ترك الجمعة والجماعات، وستضطر إلى ترك التعاون مع إخوانك في الطاعات، بتبطل تحضر مجالس العلم وما شابه ذلك، لكنها من الجهة المقابلة سلامة من جهة أخرى، سلامة للقلب من أمور كثيرة، وبالتالي بدك تصير أنت ايش تعمل؟ التوازن بين المأمورات وبين المنهيات، فأنا منهي عن ترك الجمعات والجماعات، منهي عن ترك التعاون على الطاعات، لكنني في نفس الوقت مأمور بأن أحافظ على سلامة قلبي، ومأمور بغض بصري، ومأمور، فهنا بالتالي بدي أصير أشوف أيهما أفضل في حقي، وما هو أفضل في حقي قد لا يكون هو الأفضل في حق غيري، كل على حسب درايته بنفسه، وهذه تحتاج إلى نوع من استفتي نفسك، نوعا ما.

طيب، هل هو تركها لأنه إذا ذهب إلى المسجد سيفتن في دينه؟ لا، لا هذا خطأ، أنك تتربى وتزكية النفس، لا، أبدا لا تقوم بترك الجمعة والجماعات، الكلام أنك تترك الجمعة والجماعات إذا كنت تخشى بالذهاب.

إليها من الوقوع في الحرام والمنكرات، تمام؟ إذا كان في طريق المسجد منكر تريد أن تصرف قلبك عنه، أما خلوة فقط تأديبية تربوية فقط لا يوجد منكر إذا ذهبت إلى المسجد، لا يجوز مثل هذا؛ فهمت علي؟ إذا كان بس مجرد طريقة تربوية، فأعظم ما تربي به نفسك حضور الجمعة والجماعات ومجالس العلم؛ لا تقترح طريقة أخرى غير الطريقة الشرعية.

فالكلام هنا إذا تعارضت مصلحة مع مفسدة، حرام مع واجب؛ فهمت علي؟ فلينظر ما هو أولى بقلبه، أولى به، إذا كان هناك حرام وواجب، إذا كانت العزلة مؤدية إلى ترك الجمع والجماعات لكنها سلامة من منكرات؛ فينظر ما هو الأصلح له. أما إذا كانت: لا، أنا ما تركت الجماعة لأنني أخشى من منكرات، أنا تركتها بس لأني حابب أعتزل في بيتي ليصفو لي قلبي ولأربي نفسي، لا، هنا ما يجوز أنك تركتها دون وجود ما يعارضها من المنكرات؛ فهمت؟ طيب.

قال: وكذلك النكاح إذا أدى إلى العمل بالمعاصي ولم يكن في تركه معصية، كان تركه أولى. طبعاً، مثلاً إذا كان نكاحك سيؤدي إلى أن تؤذي زوجتك وتظلمها، فنقول لك لا؛ إذا كنت تعلم أنك ستؤذي وتظلم، لا تتزوج أفضل. نعم، قال من أمثلة ذلك: غير أنه مشكل ما ذكر الوليد بن مسلم بسنده إلى حبيب بن مسلم، أنه قال لمعن بن ثور السلمي: هل تدري لما اتخذت النصارى الديارات؟ قال معن: ولما؟ قال: إنه لما أحدثت الملوك في دينها البدع، وضيعوا أمر النبيين، وأكلوا الخنزير؛ اعتزلوه في الديارات، وتركوهم وما ابتدعوا، فتخلوا للعبادة. قال حبيب لمعن: فهل لك؟ قال: ليس بيوم ذلك. فقال حبيب لمعن: فهل لك؟ يعني أنه الآن نفعل ذلك زي ما فعلوا السابقين، قال: ليس بيوم ذلك، يعني اليوم لا، لسه خلفاؤنا اليوم لم يقعوا فيما وقع فيه ملوك بني إسرائيل.

طيب، ماذا قال هنا؟ قال: فاقتضى أن مثل ما فعلت النصارى مشروع في ديننا، وليس أن نعتزل المجتمع إذا انتشرت فيه المنكرات؛ مش هيك ظاهر هي القصة؟ أنه إذا الملوك أظهروا المنكرات، فإنه مشروع أن نتركهم وأن نعتزل المجتمع ونفعل كما فعل أصحاب الكهف، نذهب إلى كهف بعيد ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: 16]؛ لأنه هو ماذا قال له معن؟ ليس بيوم ذلك، ما قال له أنه هذا لا يجوز، شو قال له؟ أنه هذا مش اليوم، أنه لسه ما وصلنا لهي المرحلة. مفهوم الكلام أننا إذا وصلنا لهي المرحلة يجوز لنا أن نفعل كما فعل هؤلاء الرهبان من اعتزال المجتمع.

فقال الشاطبي معلقاً على هذه القصة: قال فاقتضى أن مثل ما فعلت النصارى مشروع في ديننا، وليس كذلك. وهذا ليس كذلك، كلا نعم؛ ومراده أن اعتزال الناس عند انتشارهم بالبدع، وغلبة الأهواء، على حد ما شرع في ديننا مشروع. نعم، المراد على حد ما شرع في ديننا، هو بيركز على هي الفكرة أن الاعتزال الذي لا يؤدي إلى ترك الزواج وترك الطعام وترك اللباس، هذا هو الاعتزال المقبول في شريعتنا، نعم. قال: لا أن نفس ما فعلت النصارى في رهبانيتها يشرع لنا، لما ثبت من نسخه. فعلى هذه الأحرف جرى كلام الإمام أبي حامد وغيره ممن نقل هو عنهم واحتج بهم، ويدل على ذلك أن جماعة ممن نقل عنهم الترغيب في العزبة كانوا متزوجين، ولم يكن ذلك مانعاً لهم من البقاء على ما هم عليه، بناءً منهم على التحري في الموازنة بين ما يلحقهم بسبب الزواج.

جميل، لاحظ هذه الملاحظة، أنه كثير ممن كانوا ينصحوا بالعزبة في بعض الأحيان هو كان متزوج بس بينصح بالعزبة، طيب أنت ليش بتنصح بالعزبة وأنت متزوج؟ لأنه هو كان يرى في حقه أن الزواج مصلحته أعلى، لكنه قد ينصح طالباً أو شباباً في بيئة معينة أن العزبة في حقكم أولى، هذا ما يريد؛ فإذن بناءً منهم على التحري في الموازنة فيما يلحقهم هم بسبب الزواج. يعني أحياناً مثلاً كيف بعض المشايخ ممكن يشتغل في عمل مختلط، بس يقول له: لا تشتغل فيه، ليه؟ لأنه قد يرى أنه يقوى على شيء لا يقوى عليه عموم الناس، وأن وجوده هنا في هذا المكان فرضا محوري، مثلاً كثير من المشايخ الذين يعتقدون جواز التدريس في الجامعات؛ هناك كثير مشايخ أفاضل يعتقدون أن الجامعات المختلطة التي فيها محرمة، صحيح، لكنه يدرس فيها. ما وجه ذلك؟ وإذا أنت قلت له: طيب شو رأيك أدرس مثلك؟ شو بيقول لك؟ لا، يقول: هذا نوع من التناقض. هو مش تناقض، هو الفكرة أنه قد يرى أن وجوده في مكان معين، وإن كان المكان حراماً، لكنه يسد ثغراً قد لا يسده غيره، ويؤدي إلى حالة من الصلاح مع قدرته هو على تحمل ما يمكن أن ينتج منها من مفاسد، لكنه لا يعطيها كفتوى عامة؛ لأنه يعلم أن أكثر الناس قد لا يقوون على ما يقوى عليه هو.

مش لأنه هو طبعاً معصوم، لا، من جهة أنه قد يكون الله سبحانه وتعالى أمتن عليه بعقل راجح أو قدرة جيدة أو كذا، فيعلم من نفسه قدرة على التوازن، هو يعلم أن أغلب الشباب لا يستطيعونها. فهذه فكرة أن الإنسان قد ينصح بشيء هو لا يفعله، ويفعل غيره، ولكن هو يرى من نفسه له عذر وقدرة ليست موجودة عند الآخرين. لذلك قال: ويدل على ذلك أن جماعة ممن نقل عنهم الترغيب في العزبة كانوا يرغبون من يخاطبونهم بالعزبة، كانوا هم متزوجين؛ طيب أنت كيف بترغبني في العزبة وأنت متزوج؟ قال: ولم يكن ذلك مانعاً لهم من البقاء على ما هم عليه، شو يعني؟ يعني حثهم الشباب على العزبة ما كان سبباً في أنهم هم يطلقوا ويصيروا هم عزاب، لا، هم ظلوا متزوجين؛ حثهم الشباب على العزبة لم يكن مانعاً لهم من البقاء على ما هم عليه، أي من الزواج، هو ظل متزوج مش طلق زوجته، قال: أنا بنصحكم بالعزبة وراح أصير زيكم أعزب، يلا راح أطلق! لا، لا، هو ظل متزوجاً وعادياً ومتوازناً، بس قال للشاب هذا: والله يا شيخ أنا أنصحك في هذا الظرف أنك ما تتزوج، أو اليوم الأمة بتمر في ظرف يعني أنصحكم أنكم خليكم شوي عزاب، طيب شيخي أنت ليش مش أعزب شو بتحكي لي؟ قال إن هو السلام ورحمة الله، هسا أنت سيبك مني، بقول لك سيبك مني، أنا عندي ظروفي وقدرتي على الموازنة اللي بتخليني أستمر على الزواج، لكن هي نصيحة لك؛ لأنه أنت قد لا تمتلك ما عندي، أو قد يكون ظرفك مختلفاً عن ظرفي، يعني أشياء أخرى.

فيقول: ولم يكن ذلك مانعاً لهم من البقاء على ما هم عليه بناءً منهم على التحري في الموازنة بين ما يلحقهم هم بسبب الزواج وما يلحق تلاميذهم بسبب الزواج. شوف هذا الكلام الدقيق، بين ما يلحقهم هم هسا أنا بقول لك خليك أعزب، طيب أنا متزوج، أنا عارف شو بيلحقني بسبب الزواج، وبعرف أنت شو بيلحقك، هسا أنت بكون وضعك المادي متدهور، وأنا بجوز ما لقيت لي كنز في منطقة هسا، أنا مسلك حالي أموري ماشية، بس أنت أمورك مش زي أموري، فهمتوا كيف الفكرة؟ التي تكون الظروف الحياتية والاجتماعية تمنع القياس، تمنع إيش القياس. أنت بعض الشباب هو بس بقيس، خلص هي الشيخ بدرس في جامعة مختلطة خلينا ندرس زيه، يعني هو ثبت وأنا بثبت؛ لا ما تقيس فيها، نصيحة لك لا تقيس في هي الأمور، وابتعد عن القياس؛ لأنه كل شخص ربما شخصيته، ظروفه، أحواله، تختلف عن الآخر في هي الموازنات. فهنا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول للصحابة: استفت نفسك، أنت يا عمي اعرف، أنت يا عمي قد تكون من الذين في قلبه مرض في الشهوات، الشيخ قد يكون لا، عنده من التحصينات النفسية والإيمانية مش عندك أنت؛ لا تطلع على الشكل الخارجي، كل شخص ظروف حياته مختلفة، الشيخ ممكن يكون متزوج أربعة وأنت مش متزوج حالياً، فأنت تورط والشيخ ما يتورط. يعني بس هي الفكرة اللي بيركز عليها الشاطبي، أنه التحري في الموازنة بين ما يلحقهم هم بسبب الزواج وما يلحق تلاميذهم وطلابهم، ففي كثير أمور فيها موازنات.

وليس أن الشيخ ينصحك بشيء هو لا يفعله بالضرورة أن الشيخ يقول ما لا يفعل؛ لأنه بعض الشباب يستعجل: يا أخي الشيخ الفلاني بيحكي لنا شغلات هو لا يفعلها، ليس دائماً قد يكون نعم منافق الشيخ عادي، يعني هذا أحد الاحتمالات الواردة، بس في احتمال آخر أن الشيخ يقوى على أمور يعرف أن من يخاطبه أو من يسأله هو لا يقوى عليها، ومش مطلوب من الشيخ أنه كل شيء يقدم لك فيه تبريرات أنه أنا سامحني أنا رح أضل؛ هسا إذا هو الشيخ شعر أنه ممكن يحدث فتنة يبين مبرراته، لكن هو ليس مطالباً إذا كان صادقاً مع ربه سبحانه وتعالى.

طيب قال: فلا إشكال إذاً على هذا التقرير في كلام الغزالي ولا غيره ممن سلك مسلكه؛ لأنهم بنوا على أصل قطعي في الشرع محكم، لا ينسخه شيء، وليس من مسألتنا بسبيل. نعم، هي إذاً نحن مسألتنا مسألة الترهبن من دون وجود المعارض وبدون الطريقة الشرعية، أما ما قاله الغزالي عن قضية العزلة، وأن الإنسان يختارها في حال عوارض الزمان، وأن هذا يكون أحد الخيارات بعد التوازن؛ فحتى هي العزلة اللي بيحكي عنها الغزالي هي ليست عزلة بالمعنى النصراني، هي عزلة عادي ممكن آخذ فيها قدراً من المباحات وقدراً من المشروعات، لكنني أفضلها عن الاختلاط بالناس لما عرض من فساد الزمن.

نعم، قال: ولكن ثم تحقيق زائد لا يسع إيراده ها هنا، وأصله مأخوذ من كتاب الموافقات، هو خلص لما يشوف الشاطبي الأمور سفت لك ارجع جاه الموافقات بدبر حالك هناك. طيب، قال: من تمرن فيه حقق هذا المعنى على التمام وبالله تعالى. شوف من تمرن، شوف من تمرن، يعني في أفكار إخواني في الفتوى بدها إيش تتمرن؛ الفتوى إخواني غير المذهب، المذهب تحفظ وقال الحنابلة المياه ثلاثة، طهور، طاهر، نجس، الفتوى باب آخر، الفتوى ذكاء، الفتوى توفيق، الفتوى فهم للواقع، الفتوى أن يكون ربنا رزقك عقلاً راجحاً بعد التمذهب أنك توازن الأمور، وأطرح فتوى في واقعة أو نازلة معينة. الناس اليوم تعتبر الفتوى أسهل شيء، وهي أصعب شيء؛ الناس اليوم تتكلم في أمور الدين وكأنها شربة ماء، وهي من أصعب الأمور؛ لأن الفتوى تمرن، شو قال؟ من تمرن فيه حقق هذا المعنى على التمام، وأصبح يفهم كيف يوازن الأمور في حياته وفي حياة المجتمع والأمة.

نعم، قال: والحاصل أن مضمون هذا الفصل يقتضي أن هذا الفصل اقتضى أن العمل على الرهبانية المنفية في الآية قصداً بدعة من البدع الحقيقية الإضافية، لرد رسول الله صلى الله عليه وسلم لها أصلاً وفرعاً. آه، فهو أراد أن يبين أن الرهبانية بالمعنى الذي نفته الآية من فعلها قاصداً فهذه مش بدعة إضافية، لا بدعة حقيقية؛ أن تلك الرهبانية ممنوعة في أصالتها التي يقصد بها الانقطاع عن النساء والطعام والشراب وحظوظ النفس بالكلية، هذه ممنوعة تماماً.

نعم، قال: فصل، ثبت بمضمون هذه الفصول المتقدمة آنفاً أن الحرج منفي عن الدين جملة وتفصيلاً، وإن كان قد ثبت أيضاً في الأصول الفقهية على وجه من البرهان أبلغ، فلنبني عليه فنقول: طيب، إذاً بناءً على الفصول السابقة، لما عرفنا أن الإسلام حرم الرهبانية وراها وأنها بدعة، وأيضاً نهى عن أن يلزم الإنسان أيضاً نفسه بعبادة يشق عليه الدوام عليها، وأنا تكلمنا عنه كثيراً وقضية ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87]، وأن هذا نوع من المشقة لا يريده الله؛ كل ما سبق معنا في فصول هذا الباب أعطانا خلاصة نهائية، ما هي؟ أن الإسلام وشريعة الإسلام، الفكرة العامة التي تقوم عليها لا يجوز أن يقع الناس في الحرج لا جملة ولا تفصيلاً، هذا خلاصة ما وصلنا إليه؛ أن الإسلام لا يريد أن نوقع أنفسنا والمجتمعات في حرج عند القيام بالتكاليف. وبناءً على هذا، قال: فلنبني عليه فنقول، قال: قد فهم قوم من أحوال السلف الصالح وأهل الانقطاع إلى الله ممن ثبتت ولايتهم أنهم كانوا يشددون على أنفسهم ويلزمون غيرهم الشدة أيضاً، فأخذ هؤلاء الشدة وإلزام الحرج ديدناً في سلوك طريق الآخرة، وعدوا من لم يدخل تحت هذا الالتزام مقصراً ومطروداً ومحروماً، وربما فهموا ذلك من بعض الإطلاقات الشرعية، فرشحوا بذلك ما التزموه، فأفضى أمرهم إلى الخروج عن السنة للبدعة الحقيقية أو الإضافية.

نعم، إذاً في مشكلة هنا، أن بعض المتأخرين فهموا من أحوال السلف وانقطاعهم إلى الله سبحانه وتعالى، هذا فهم للمتأخرين، فهم بعض المتأخرين من أحوال السلف الصالح وانقطاع بعض السلف كالجنيد والداراني انقطاعهم لله، فهموا أن هؤلاء السلف كانوا يشددون على أنفسهم وأنهم كانوا يلزمون غيرهم بالشدة، فأخذ هؤلاء المتأخرون الشدة منهجا، فأخذ هؤلاء الشدة والتزام الحرج ديدناً في سلوك طريق الآخرة، وعدوا من لم يدخل في هذا الالتزام أنه هذا مش من الإخوة، هذا مقصر، هذا مفرط، هذا محروم، تمام؛ وربما فهموا ذلك حتى من بعض إطلاقات الشريعة، فبالتالي رشحوا خطاباً دعوياً؛ شو صار؟ الخطاب الدعوي لديهم أنه يا شباب.

هذا هو الخطاب الدعوي، فأفضى بهم الأمر إلى الخروج عن السنة إلى البدعة الحقيقية أو الإضافية. هذا كلام مهم إخواني، هذا الكلام نحن الآن نحمله -أو الشاطبي يقصد به في البداية- جانب السلوكيات، لكن أنا أريد أن أطور هذا الكلام؛ فهذا الكلام يشمل جانب المناهج الفكرية.

يأتي شاب أو طلبة علم من المتأخرين يفهمون من السلف فهماً معيناً، يأتي بعض طلبة العلم -أنا أريد أن أحسن الظن- في زماننا فيفهمون منهج السلف بقراءة معينة، هي قراءة هو فهمها؛ ليس السلف نطقوها ببنات ألسنتهم، لكن هو جاب كلاماً من هنا وهنا؛ قال أحمد بن حنبل، قال فلان، قال فلان كذا، ففهم منهج السلف وبنى عليه تصوراً معيناً: كيف يكون الدين في باب التكفير، كيف يكون الدين في باب التبديع، كيف يكون الموقف من ولاة الأمور، والعلاقة بهم. هو بناء على قراءته وتحليله وصل إلى هذا الفهم.

ثم ماذا حصل؟ مش فقط هو اقتصر، أصبح يعتقد أن فهمه هو العقيدة، ويعتقد أن فهمه هو السنة، ويدعو الناس إليها ويلزمهم بها. وكل من لم يدخل معي في طريقة التفكير في منهج التكفير أو منهج التبديع أو منهج التعامل مع ولاة الأمر، يصبح مطروداً محروماً مقصراً. تصبح تطلق عليه الألقاب؛ إذا كان هذا المنهج الذي تبناه هذا الشاب المتحمس منهج غلو في التكفير، سيعتبر الإمام الذي ليس ماشياً معه: مميع، متساهل، مدجن. هذه عبارات جديدة طلعت؛ مدجن، لأنه واضح أنك متواطئ مع الأشاعرة وهؤلاء، بالتالي لازم تطلق عليك هذه العبارات.

سؤال: كيف عرفت أن منهجك هو الصحيح؟ يقول لك: أنا قرأت. ماشي، أنت قرأت، بس أنت اللي فهمت؛ يعني أنت فهمك لا يعني أنه عقيدة السلف. فرق بين عقيدة السلف الواقع، وبين أن تجعل فهمك أنت وقراءتك لكتب السنة للخلال وكتب أحمد هي السنة. أنتم فاهمين أين المشكلة العويصة الخطيرة؟ أن يجعل فهم بعض طلبة العلم المعاصرين هو العقيدة وهو السنة، وكما قال الشاطبي: "وعدوا من لم يدخل تحت هذا الالتزام تحت طريقتهم في التفكير مقصراً"؛ أنه أنت مش فاهم السلف، أنت اللي مش داري. طبعاً يكون كل العلماء المعاصرين أو ماشين على طريقته هم كم خمسة، عشرة ماشين على طريقته، بيعتبروا اللي مش ماشي معهم هو المقصر، هو المطرود، هو المحروم من الفهم، هو حضرته هذا الشاب وكم شيخ معه هم الفهمانون وهم الموفقون. والمشايخ الأفاضل ممن أفنوا عمرهم في التدريس وبلغوا في الكبر عتياً، ممن نحسن الظن بهم، هؤلاء عندهم نوع من الخوف أو عدم الجرأة، هم اللي فهموا؟ هذا خطير.

يقول لك: هذا خطير أن تجعل فهمك حاكماً، خاصة هذا الفهم الذي يوقع الأمة في الحرج، سواء كما قلنا فتنة غلاة التكفير وما أدت إليه للأسف من سفك لدماء المسلمين في واقعنا المعاصر وخروج التنظيمات التكفيرية وما شابه ذلك، أو فتنة غلاة التبديع على مختلف أشكالها، أو غلاة الطاعة الذين لا يوافقون منهجهم في ولاة الأمر، فيتبهدل الشخص: كيف تنكر على ولي الأمر علناً؟ أنا جديد بدأت أفهم أن فيه مشاكل ومنكفئون عليها، أتذكر الإخوة الذين أتونا من إحدى الدول منقسمون هناك، 15 فرقة ومنكرون على بعض، لأن المسألة أن هناك شيخاً من مشايخهم غير رأيه وصار يعتقد جواز الإنكار العلني على ولاة الأمور فذبحوا بعض.

المسألة أننا نختلف والعدو واقف على أبوابنا على مسألة الإنكار العلني؟ هم يعتقدون أنه لا يصير أي إنكار علني، وإن رأيته فعل ما فعل، لا تنكر عليه علناً. طيب يا سيدي، واحد غلط، بدي أعتبره غلط، وأنا أريد أن أنكر عليه، هو ترك القرآن؟ هو خرج من الإسلام؟ اعتبر شيخك له رأي آخر غير رأيك وأنه جوز؛ لا، أنت هنا -مع أن الشيخ يوافقهم في التوحيد والأسماء والصفات والقضاء والقدر ومذهبه في الصحابة في كل شيء- بس ليش أنت خالفتهم في قضية كيف يتعامل مع الإنكار على ولاة الأمور؟ هي لحالها بدنا نذبح بعض عليها، وهي لحالها بدك تفرق وينزل فيك الأوراق وعلى السوشيال ميديا وتحذر منك وتبدع.

هذا دلالة -سامحني- على الجهل، وعدم معرفة مقامات المسائل الشرعية يفرق الشباب المسلم ويضيعهم، وهذا غلو، غلو في الطاعة، الغلو الذي لا يقبل وجود رأي. ممكن أنا أخالفك في جزئية معينة وتكون قراءتي لطريقة السلف، وبجيب لهم أدلة أنه في إنكار علني واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة؛ لا، هذه النصوص أنت ما فهمت! يا سيدي اعتبرني ما فهمتها، أنا ما لي حق أني أجتهد زي ما أنت اجتهدت؟ ما لي حق أن أفكر؟ أنت فقط من لك حقية التفكير؟ وبالتالي إذا أنا خالفتك فهذه القضية التي يتكلم عنها الشاطبي قضية بليت بها الأمة في واقعنا المعاصر، قضية الغلو في مختلف جوانبه المبني على فهم بعض الشباب المعاصرين أو المشايخ المعاصرين لكتب معينة، ويرون أن من لم يوافقهم في طريقة الفهم هذه مقصر مطرود محروم.

عبارة ثلاث: مقصر في العلم، مخذول من الله سبحانه، ربنا خذله، هكذا يرى هذا الكلام؛ ربنا خذله سبحان الله! أما شيخهم دائماً بتلاقي في التعليقات: يا أخي سبحان الله ربنا كتب له القبول. يعني أنت، أنا أحياناً أستغرب، كل المشايخ المتناقضين ربنا كتب لهم القبول! دائماً أقرأ في التعليقات: يا أخي سبحان من كتب لك القبول، مع أنها كلها متناقضات. يعني هذا الذي هنا بالمخالف وكذا وكذا، كل أتباعهم يرون أن شيخه كتب الله له القبول. حتى تعرف أن أغلب ما تراه في الساحة للأسف، خاصة ساحة السوشيال ميديا، هي غثاء. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17].

العلم النافع هو الذي يفيد الناس، وهو الذي يحمي الناس من الحرج والعنت. الدين لا يصح أن تجعل الشريعة توصل الناس إلى أفق مسدود، حتى في السياسة الشرعية وغيرها لا بد وأن تعرف الحلول الشرعية ومراتب المسائل وتعرف هذه القواعد الكلية. ليش نحن -عفواً- ماذا يتعب الواحد أن يقرأ كتاباً مثل الاعتصام؟ مع أنه 800 صفحة، لأنه أدرك أنه فيه قواعد في الشريعة لازم ترسخ في أذهان الجيل القادم من طلاب العلم، ما يصير تبقى طريقتنا في مخاطبة الناس والخطاب الدعوي طريقة توقع الناس في الحرج والعنت وسفك الدماء وذهاب الأرواح والتفرقة والخلاف وما شابه ذلك.

لا بد أن يكون العالم يستطيع أن يقلل الفوهة، يقلل حجم النزاع، يشغل الناس بما ينفعهم. لاحظ الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله عليه- ومشايخ معاصرين، أو البشير الإبراهيمي، أو هذه النماذج الرائقة التي تشعر في خطابها نوعاً من الهدوء، نوعاً من أنه لما يطرح المسألة يحسب هذه الكلمة أين يمكن أن يلقى صداها؛ فإذا رأى صداها يمكن أن يأتي بمفاسد -يا أخي- ما يحكيها، وإذا رأى أن المصلحة أن يتكلم بيتكلم، المصلحة أن يسكت يسكت، هذا صنيع العلماء. العالم الرباني الذي يستطيع أن يقود الأمة ويوجهها.

طبعاً ليس معنى هذا أنه ما فيه خطأ، ما فيه عالم معصوم في النهاية، كلنا أصحاب أخطاء، لكن من غلب خيره وفضله وعطاؤه على أخطائه يحمد، وانتهت القضية بدون تشنج وبدون إسقاط. بعض المناهج الفكرية، خاصة مناهج الغلو، تبنت فكرة الإسقاط؛ أن الشيخ الذي لا يوافق منهجنا، مش أنه تحفظ حرمته وخير وبركته، لا يسقط. هذا خطير جداً، خطير على الكل، سواء غلاة التكفير ولا غلاة التبديع ولا كذا؛ أي شيخ يخالف يسقط، هذا احذروه، ما في هذا الكلام في الإسلام. الإنسان يحفظ ما ينظر ما فيه من الخير وعناصر الخير في كتبه في شروحه في مصنفاته، تحفظ له حرمته، وإن قصر أو أخطأ، كلنا ذاك الرجل. وهل ترى شيخك الذي أنت تتبع خلى من هذه الأمور؟ حتى ما في إلا أنك ترى في شيخك القدسية، عاد ساعتها أنت أكبر المبتدعين، أنك ترى العصمة التامة في كلام الشيخ.

هنا تأتي فكرة أنه أنا دائماً نصيحتي للشباب: لا تتحزب ولا تتعصب ولا تنتمي إلا للإسلام العظيم. ودائماً حتى الذين نحن نخالفهم الآن، وأنا أشد عليهم برضه أحياناً، أنظر في خير بعضهم فأقول: "بس فلان، إني أرى أنه وضعه مش تمام في الغلو، بس ممكن يستفاد منه في كذا وكذا"، يحصل هذا، يحصل. فهذا التوازن مطلوب، وأنا أقع في هذا لأننا هدفنا أن نخرج الناس من الحرج في الشريعة، هذه من القواعد الكلية التي لما أغفلت في واقعنا المعاصر وقع الخلل والخطأ في للأسف مختلف الخطابات الإسلامية ومختلف الجماعات الإسلامية.

يقع الناس في حرج، حتى -سامحني- في التضحيات والبذل -وأنا شوي أخرج عن النص- حتى في التضحيات والبذل يجب ألا يقع الناس في الحرج، فيضحي الناس بدمائهم على قدر معقول، ولا تأخذ خطابات اندفاعية: "فليمت الناس جميعاً من أجل..." لا، شو فليمت الناس جميعاً؟ الله يرضى عليك! ﴿لَأَن تَهْدِمَ الْكَعْبَةَ حَجَرًا حَجَرًا أَهْوَنُ عِندَ اللَّهِ مِن دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ﴾. حتى في هذا الخطاب، ينظر كما قال: الناس مندفعون إليه، فلا أوقع الناس أيضاً في دفع ثمن من التضحيات أكثر من المصلحة المرجوة.

هذا جزء من الموازنات عن الشاطبي، لأنني إذا فعلت ذلك أكون أوقعت الناس في حرج؛ إذا جعلت الناس يدفعون أثماناً أعلى من المصلحة المرجوة، ماذا أكون أنا؟ أكون أوقعت الناس في حرج. وهذا الكلام يجب تفهموه، حتى في السياسة الشرعية وقيادة العمل الدعوي، ما بصير توقع الناس في أفق مسدود وحرج ويكون فيه الثمن باهظاً جداً أكثر من المتوقع. هذا أمر بعض الناس يخشى الكلام فيه، ولكن ما بصير نخشى الكلام فيه، لأن هي أمتنا وهذه عقيدتنا وهذا إسلامنا، يجب أن تبقى المسائل تدرس كما هي، ولا تضبب بأي جهة من الجهات، لا من جهة غلاة التكفير، ولا من جهة غلاة التبديع، ولا من جهة غلاة الاندفاع، ولا من جهة المطبلين، ولا من هذا؛ دين رب العالمين يجب أن يدرس، وأن يقوم ثلة من طلاب العلم بحمله بكليته.

أكمل، قال: "فمن ذلك أن يكون للمكلف طريقان في سلوكه للآخرة". سيطرح خمس أمثلة على أي أشكال التعنت والتشدد التي يمكن أن تصبح عند بعض الشباب؛ خمس أمثلة على أشكال التعنت والتشدد، بس هو طبعاً لأنه موضوع الكتاب كان يعالج قضايا التصوف، هو بسلط الضوء عليها، بس ليش أقول لك الكتاب عظيم؟ لأنه الكتاب -أنا أريد أن أوسع دائرته في ذهنك- هو كان يعالج موضوع التصوف، بس أنت الآن بنفس النصوص عالج بها المشاكل الفكرية في واقعك المعاصر، نفسها. التصوف نموذج من نماذج الحرج، مش هو فقط الحرج، أنت عندك نماذج كثيرة. جمالية الشاطبي في الاعتصام أنه يعطيك قواعد يمكنك أن تخاطب بها أي شكل من أشكال التشنج الفكري، سواء في التصوف، في الغلو، في السياسة وما شابه ذلك.

قال: "فمن ذلك أن يكون للمكلف طريقان في سلوكه للآخرة، أحدهما سهل والآخر صعب، وكلاهما في التوصل إلى المطلوب على حد واحد، فيأخذ بعض المتشددين بالطريق الأصعب الذي يشق على المكلف مثله، ويترك الطريق الأسهل، بناءً على التشديد على النفس". مثال، يعني يقول لك: فيه طريقان يوصلان إلى الجنة، واحد طريق صعب يتعب فيه الإنسان ويحفى، وواحد طريق سهل يوصل لنفس النتيجة، هل من المنطق أني أروح أترك الطريق الصعب الذي يحفى فيه الإنسان ويتعب ويصير يلهث، وأترك الطريق السهل؟ أن يسر للناس، هذا لا يقوله هو عاقل بشكل عام، بس بعض الناس يستهويهم الشيطان هنا، وهذا أعتقد هو شكل أشكال البدع الإضافية. هذا هو شكل أشكال البدعة الإضافية التي يريد الشاطبي أن كيف تحصل؛ أنه ماشي، هذا طريق يوصل وهذا طريق يوصل، لكن ما دام فيه مساحة للطريق الأسهل ليش تختار الطريق الأصعب؟ قال: "لا، أنا أشدد على نفسي". مين اللي قال لك لازم تشدد؟ هذا خطأ، الله لا يريد منك ذلك، والمشكلة أنك مش فقط تشدد على نفسك، بل تطالب الناس بهذا النمط من التجديد على النفس. هذا إخواني خطير جداً الكلام، دائماً إذا رأيت طريقاً سهلاً توصل الناس فيه إلى الله، فلا تسلك بهم الطريق الوعر، حتى في التدريس والتعليم واختيار المصنفات. والله نحن بدنا ندرس كتاب في أصول الفقه، أروح أختار لك كتاب ابن أمير الحاج ولا كذا وفيه 100 ألف كتاب سهل ويوصل نفس المعلومة وزيادة؟ لا، أنا عشان أظهر أمامهم...

بأنني أستطيع أن أفك التعدات، وهو يشرح للطلاب الكتاب الصعب الذي هم مش فاهمينه، وإذا فهموه بالعنت وتعب النفس وبيلهث الطالب آخر الكتاب، والكتاب الذي وصل نفس المعلومة وكلام موضح موجود، فلماذا سلكت بالطلاب الطريق الوعر في الوصول للمعلومة مع أن الطريق السهل موجود؟ أحيانا هو قد يكون نوع من الاستعراض، وأحيانا نوع من التجديد والتحذلق الذي لا معنى له.

هسّه إذا كان قصده والله تمرين العضلة الذهنية هذا شيء ثاني، بس أنه دائما في العلوم، في التدريس، في اختياراتك الحياتية، حتى مثلاً في اختياراتك الأسرية، اختياراتك في الزواج، قراراتك المنزلية، قراراتك في أي شيء، إذا في قرار صعب وقرار سهل وكلاهما يوصل لنفس النتيجة، لا تروح على القرار الصعب، روح على القرار السهل، اختر القرار السهل؛ لأنه هذا هو المنطق السوي في الحياة، والله إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً، مش هيك النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل؟ ما في داعي أن تشقى ويشقى الناس معك من أجل أن توصل، حتى في النصر والفتوحات نفس الشيء، إذا كان في طريقين، طريق فيه تضحية باهظة وطريق فيه تضحية أقل، كلاهما بوصل إن شاء الله، ماشي بجوز واحد وصل قبل الثاني، وخذ الناس بالطريق السهل حتى تبقى الشريعة جميلة في قلوب الناس.

كمل قال: كالذي يجد للطهارة ماءين سخناً وبارداً، فيتحرى البارد الشاقة استعماله ويترك الآخر، فهذا لم يعطِ النفس حقها الذي طلبه الشارع منه. أعطاك مثال بس تطبيقي سريع، عندك ماء فاتر ساخن يعني، وماء بارد، وأنت في منتصف الشتاء، الآن شو المنطق السوي أنك تتوضأ بأي ماء؟ الماء الفاتر السخن، بعض الناس لا، أنا بدي أتوضأ من البارد، طيب ليه؟ بدي أظهر الشدة. هل هذا يريده الله منك؟ هذا لا يريده الله منك، من قال لك إن اختيارك للماء البارد مع توفر الماء الساخن منقبة وفضيلة؟ أبداً، بل أنت خالفت مقصد الشارع، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ﴾، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.

قال وخالف دليل رفع الحرج من غير معنى زائد. نعم، وخالف الأدلة الدالة على رفع الحرج من غير معنى زائد؛ يعني أنت ما حصلت فضيلة لم يحصلها الذي توضأ بالماء الساخن. نعم، قال فالشارع لم يرضَ بشرعية مثله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]. فصار متبعاً لهواه، ولا حجة له في قوله عليه الصلاة والسلام: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء عند الكريهات».

الحديث جميل، الآن ممكن البعض هذا الذي يختار الماء البارد يجي يقول لك: لا، أنا عندي دليل على اختيار الماء البارد مع وجود الماء الساخن، ما هو دليلك؟ النبي صلى الله عليه وسلم امتدح الذين يسبغون الوضوء عند الكريهات؛ يعني في الأوضاع الشاقة في الأجواء الباردة والمياه الباردة، شوف دائماً كما قلنا صاحب بدعة سواء حقيقية أو إضافية له شبهة يتعلق بها، هذا الرجل من أين أتى؟ هل هذا برأيكم دليل له؟ والخطأ في الاستدلال الذي يستدل على استعمال الماء البارد مع وجود الماء الساخن بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مما يمحو الله به الخطايا إسباغ الوضوء على المكاره أو عند الكريهات»، وين الخطأ في الاستدلال؟ ممتاز، إسباغ الوضوء على المكاره لما تكون المكاره أنت مجبر عليها مش أنت تروح تطلبها تأتي بها، فرق بين من يطلب هو المكروه وبين من يفرض عليه المكروه، يعني الجو بارد وما في إلا ماء بارد، فرض الواقع علي سعيت نعم أن أحرص على إتمام الوضوء إلى آخره، يحمدك الله عليه لأنه أنت وضعت في ظرف صعب ومع ذلك تحملت، أما أن تستدعي أنت الظروف الصعبة مع أنها مش موجودة لا يا أخي عندك ماء ساخن، هذا لا يدخل تحت إسباغ الوضوء على المكاره، أنت من استكرهت نفسك على شيء.

لاحظ كيف الإنسان يخطئ في فهم النص ومشكلته يصمم بعد ذلك على عقيدة ما ذكر الشاطبي قبله، قال: فالشارع لم يرضَ بشرعية مثله، قبل الآية مباشرة نعم، قال فالشارع لم يرضَ بشرعية مثله، شو قصده؟ يعني لم يرضَ أن تشرع مثل هذه الأمور، أن تختار الطريق الصعب مع وجود الطريق السهل، هذا لم يختاره الشارع مسلكاً ولا طريقاً، قال الحديث كان من حيث كان الإسباغ مع كراهية النفس سبباً لمحو الخطايا ورفع الدرجات فيه دليل على أن للإنسان أن يسعى في تحصيل هذا الأجر، وذلك بإكراه النفس ولا يكون إلا بتحري إدخال الكراهية عليها. لأنا نقول، لا دليل في الحديث على ما قيل شايف، ولا يكون إلا بتحري أن تتقصد إدخال الشيء المكروه عليها.

الآن الشاطبي سيجيب، يقول غلط من قال إننا نتحرى إدخال الكراهية، يقول الشاطبي لأننا نقول سيجيب، قال: لأننا نقول لا دليل في الحديث على ما قلتم، وإنما فيه أن الإسباغ مع وجود الكراهية فيه أمر زائد كالرجل يجد ماء بارداً في زمان الشتاء ولا يجد سخناً، فلا يمنعه شدة برده عن كمال الإسباغ، وهذا هو المعنى المحمود، أن تجد ماء بارد ولا تجد دافئاً والزمن شتاء وتصر مع ذلك على الوضوء، هذا الذي فيه معنى زائد، أما أنك أنت تستجلب الكراهية هذا خطأ، وأما قال وأما القصد إلى الكراهية فليس في الحديث ما يقتضيه، بل في الأدلة المتقدمة ما يدل على أنه مرفوع عن العباد، ولو سلم أن الحديث يقتضيه لكانت أدلة رفع الحرج تعارضه وهي قطعية وخبر. يعني ولو سلمنا تنزلاً أن هذا الحديث يدل على جواز إدخال الكراهية والمشقة على النفس، لكن الأحاديث والنصوص الدالة على رفع الحرج متواترة تواتراً معنوياً قطعية، وهذا الحديث ظني، يعني بعد إذا سلمنا وتعارض القطع مع الظن يقدم القطع فيه نعم، قال وخبر الواحد ظني فلا تعارض بينهما للاتفاق على تقديم القطع.

ومثل الحديث قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 120] الآية. طب كيف هذا مثل الحديث؟ من يخبرني ماذا قصد مثل الحديث هذا الأخوة يفكروا، نعم يعني لو أن شخص قال لك يا شيخ بصير نحن ندخل المشقة على أنفسنا؟ كيف مش ربنا قال ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح؟ هي ربنا بيقول الظمأ والنصب والجوع كله يكتب فيه أعمال صالحة، الآية تتكلم عن ظمأ ونصب وجوع فرض عليك ولا أنت استدعيته؟ فرض عليك، لا تستدل في الآية على غير موضعها، الآية تتكلم عن ظمأ ونصب وجوع فرض عليك فتحملته في سبيل الله، نعم يثيبك الله عليه، أما أنت تقرر لا أنا بدي أجوع أنا بدي أدخل الظمأ على نفسي هذا لا تثاب عليه.

ثم قال المثال الثاني: إذا المثال الأول سلوك الطريق الصعب مع إمكانية سلوك الطريق السهل. اثنين قال: ومن ذلك الاقتصار من المأكول على أخشنه وأفظعه لمجرد تشديد لا لغرض سواه، فهو من النمط المذكور فوقه؛ لأن الشرع لم يقصد إلى تعذيب النفس في التكليف. يعني واحد بيقول لك أنا خلاص ما راح آكل إلا الخبز الناشف طول حياتي، بنقول له يا أخي طيب ليش تأكل الخبز؟ ماله الخبز الطري؟ ماله رغيف الخبز السخن لما يطلع من الفرن؟ شو مشكلتك معه؟ قال خلص هو نوع من تأديب النفس، وهذا يفعله الصوفية كثيراً، لا هذا لا يريده الله. الفكرة يا أخي إذا وجدت رغيف سخن كله، ما وجدت وفرض عليك الرغيف اليابس كله، أما أن تتقصد أنني لا آكل إلا الطعام قال الخشن الفظيع يعني الذي لا يأكله الإنسان إلا بتجرع، هذا لا يريده الله. نعم، قال لأن الشرع لم يقصد إلى تعذيب النفس في التكليف، وهو أيضاً مخالف لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن لنفسك عليك حقاً»، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الطيب إذا وجده، وكان يحب الحلواء والعسل، ويعجبه لحم الذراع، ويستعذب له الماء، فأين التشديد من هذا؟

ولا يدخل الاستعمال المباح في قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: 20]. اه، الشاطبي بيعرف شو الأدلة التي يستدلون فيها الصوفية، قال: فإذا واحد طلع لي وقال لي يا شيخ لا بصير الواحد يتعمد أكل الخشن لأن الله قال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾، فإذاً كل من أكل الطعام الطيب فهذا ممن أذهب طيباته في حياته الدنيا، فيقول: لا ليس هذا معنى الآية، هي هي دائماً إشكاليات الفكر، إسقاط النصوص في غير موطنها، قال أذهبتم طيباتكم، قال لأن المراد به الإسراف الخارج عن حد المباح، هذا معنى أذهبتم طيباتكم وليس المراد به أن تأكل الطعام الجيد بدليل فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الاقتصار على البشيع في المأكول من غير عذر تنطع، وقد مر ما في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87].

ومن ذلك المثال الثالث نعم، قال ومن ذلك الاقتصار في الملبس على الخشن من غير ضرورة، نفس هذا في اللباس المثال أن تلبس اللباس الخشن ولا تتقصد الملابس الجميلة من غير ضرورة، فإنه أيضاً من قبيل التشديد نعم، قال فإنه من قبيل التشديد والتنطع المذموم، وفيه أيضاً من قصد الشهرة ما فيه، طبعاً لأن الصوفية أصبحوا كما قال تذكر ابن الجوزي لما كان يقول: كانوا يتقصدون لبس الثياب المقطعة حتى يظهر أنه صوفي وتلاقيه من بعد ذلك يأخذ مال من الحاكم ولا شيء من ذلك، قال وفيها أيضاً قصد الشهرة أن يُعرف بذلك.

نعم، قال وقد روي عن الربيع بن زياد الحارثي أنه قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أعينني على أخي عاصم. أعينني يعني انصرني على أخي عاصم، قال ما علي بن أبي طالب؟ قال ليه؟ ماله؟ قال لبس العباءة يريد النسك، قال أخوي عاصم قرر يلبس العباءة وينقطع للتنسك، يعني لبس العباء كأنه زي يعني لبس الخرقة، يعني خلص يريد التنسك وهذا غلط، فعلي بن أبي طالب قال عليَّ به نادي لي أخوك عاصم، طيب قال فأتي به مؤتزراً بعباءة مرتدياً بالأخرى شعث الرأس واللحية، فعبس في وجهه وقال: ويحك، شعره منفوش هكذا ولابس واضع العباية زي كأنها إزار وواضع عباية ثانية رداء يعني وضعه مكركب، فعلي قال: ويحك، نعم قال ويحك أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أترى الله أباح لك الطيبات وهو يكره أن تنال منها شيئاً؟ بل أنت أهون على الله من ذلك، أما سمعت الله يقول في كتابه: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: 10] إلى قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22]. أترى الله أباح هذه لعباده إلا ليبتذلوه ويحمد الله عليه؟

في يعني لما ربنا قال ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾، ليش ربنا بيذكر لنا النعم التي في الأرض حتى نتناولها ونحمد عليها، أما أنك تنقطع عنها كأنك تعاند الله، طيب قال: وإن ابتذالك نعم الله بالفعل خير منه بالقول، وإن ابتذالك يعني أن تتعاطى نعم الله بالفعل بأن تأكلها وتشربها وتلبسها ترى خير من أن أقول والله الحمد لله الذي جعل في الأرض نعم، هذا كلام جميل يعني أنه أيهما أعظم؟ أنك تمارس النعم ولا بس تحمد الله عليها دون أن تمارسها؟ أنك تأخذ النعم وتتعامل معها أعظم من أنه فقط تقول الحمد لله الذي وضع نعم بس أنا ما راح آخذها، لا، أن تمارس النعم هذا خير عند الله، طبعاً تمارس النعم فتحمد الله عليها خير من مجرد أن تقول الحمد لله على النعم بدون أن تتعاطاها، طيب قال عاصم: فما بالك في خشونة مأكلك وخشونة ملبسك؟

هنا عاصم شو بيقول لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يعني بعد ما علي بن أبي طالب غسله قال له: إي طب أنت يا علي بن أبي طالب انظر إلى ملابسك أيضاً، أنت تلبس الملابس الخشنة وتأكل الطعام الخشن، فقال له علي رضي الله عنه: نعم، قال ويحك إن الله فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس، يعني أنا لي عذري أنه أنا إمام المسلمين والله افترض على الإمام أن يأكل كما يأكل أفقر الناس ويلبس كما يلبس أفقر الناس، يعني يقتدي بأضعفهم وليس بأغناهم ليكون قدوة، يعني عكس ما هو عليه الحال اليوم يعني بشكل عام، تمام أنه الأصل في الحاكم أن يلبس كما يلبس أدنى الناس حتى لا يكسر قلوبهم، طبعاً هذه في النهاية برضه وجهة نظر لعلي بن أبي طالب ضمن ظرف معينة، ولا معاوية بن أبي سفيان الله يرضى عنه كان له وجهة نظر أنه نحن متاخمون للروم وبالتالي يجب أن يظهر من أبهاء الملك وقدرة الملك ما يريهم أن للمسلمين عزة، فهذا طبعاً ليس معناها يعني كلام علي بن أبي طالب اجتهاد منه نظراً بحال الصحابة الكرام الأوائل أبي بكر وعمر والنبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، لكن في زمن آخر لا في موطن آخر قد يكون إظهار للأمير اللباس الجميل والملبس القوي هو قوة للمسلمين في مواجهة عدوهم، فهي قضية فقهية هذه طيب.

فتأملوا، قال فتأملوا كيف لم يطالب الله العباد بتكذيذات وإنما طالبهم بالشكر عليها إذا تناولوها، فالمتحري للامتناع من تناول ما أباحه الله من غير موجب شرعي مفتات على الشرع مفتات يعني كأنه متقول على.

الشرع نعم. قال: وكل ما جاء عن المتقدمين من امتناع بعض المتناولات ليس من هذه الجهة، وإنما امتنعوا منه لعارض شرعي يشهد الدليل باعتباره، كالامتناع من التوسع لضيق الحلال في يده أو لأن المتناول الآن.

كل قصة وردت عن السلف أنهم كانوا لا يلبسون الثياب الجيدة، هذا يكون لعارض بدك تفهمها، وليس لأنهم يريدون التضييق في اللباس؛ طبعاً الكلام عن السلف لأنه هم زمن الاحتجاج، أما ما بعد ذلك أنا لا علاقة لي بالصوفية.

مثل ايش عندهم عوارض؟ مثلاً أن الرجل أصلاً دخله محدود ضيق الحلال في يده، ألجأه إلى أن يلبس لباساً رديئاً، أو لأن المتناول ذريعة إلى ما يكره أو يمنع، أنه كان يخشى من لباس معين أو طعام، بس من جهة يخشى أن يوقعه فيما يكره أو يمنع أو يحرم، أو لأن في الشيء المتناول من اللباس أو الطعام شبهة، وهو يريد أن يتقي الشبهات، تفطن إليه التارك ولم يتفطن إليه غيره ممن علم بامتناعه.

قال: وقضايا الأحوال لا تعارض الأدلة بمجردها لاحتمالها في أنفسهم. أحسنت، اللي هي قضايا الأعيان؛ لا تستدل أنه والله الحسن البصري روي أنه لبس وفلان الداراني أكل، وهذه قضايا أحوال الله أعلم بحال أصحابها، في النهاية أنا لي نصوص الكتاب والسنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم والحاكم.

قال: وهذه المسألة مذكورة على وجهها في كتاب الموافقات، والحمد لله، من ذلك الاقتصار في الأفعال والأقوال على ما يخالف محبة النفوس وحملها على ذلك في كل شيء من غير استثناء.

الرابع من الأمثلة التي فيها تنطع: أن تتقصد في أفعالك وأقوالك أن تفعل أفعالاً وتقول أقوالاً تخالف محبوبات نفسك، تتعمد في الأفعال والأقوال أن تفعل ما تخالفه محبوبات النفس، وحمل النفس على ذلك من غير استثناء، فهذا من قبيل التشديد.

ألا ترى مثلاً شخص يريد: لا بد أجلس سبع ساعات يومياً أذكر الله عز وجل بشكل متوالي، أنت هكذا تتعب نفسك؛ سبع ساعات من الظهر إلى المغرب بس أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، هل هذا هدي محمد صلى الله عليه وسلم؟ لا، لو فعلتها يوماً يومين تربية ما عندنا مشكلة، بس من غير استثناء، يعني أن تبقى ملزماً نفسك، طيب من طلبها منك؟ هذا تنطع في الأقوال ولم يكن هكذا، لم يروَ هذا لا حال الصحابة ولا حال النبي عليه الصلاة والسلام.

قبل ذلك كان يروى أنه يقوم الليل، ماشي، قيام الليل مساحة واسعة، لكن شخص يلزم نفسه يومياً من الفجر للظهر يومياً عشرين ألف مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هذا الالتزام ليس من الشريعة في شيء، لأنه ستتعب سترهق، أنت في النهاية تحتاج إفطاراً وطعاماً، وبدك تروح تكسب، والحياة الأسرية، وزوجتك، وفي واحد بده يحكي معك، يعني في حياة لها حوائج ستُقضى.

كذلك في الأفعال: أني كل يوم بدي أصلي ثلاثمائة ركعة من الفجر إلى العصر، برضه هذا زيادة، عرفت؟ بس خلينا نخلص الصف نذهب للصلاة وأكمل معك.

قال: فهو من قبيل التشديد، ألا ترى أن الشارع أباح أشياء مما فيه قضاء نهمة النفس وتمتعها واسترذاذها، فلو كانت مخالفتها براً لشرع ولندب الناس إلى تركه، فلم يكن مباحاً بل مندوب الترك أو مكروه الفعل. الله عز وجل أباح لنا أشياء تقضى فيها نهمة النفس من النكاح والوطء والطعام والشراب، فلو كان مخالفة النكاح والطعام والشراب براً مطلوباً من الشارع، لأصبحت هذه الملذوذات من قبيل المكروهات أو من قبيل ما تركه أولى، ونحن نرى أن الزواج والنكاح والوطء والطعام والشراب ليس تركه أولى، وليس مكروهاً، وليس خلاف الأولى، بل مطلوب من الشارع، فكيف أنت تفعل أفعالاً وأقوالاً تلزم بها نفسك تفضي إلى ترك ما فيه نهمة للنفس ومحبوبات لها؟

وأيضاً فإن الله تعالى وضع في الأمور المتناولة إيجاباً أو ندباً أشياء من المستلذات الحاملة على تناول تلك الأمور لتكون تلك اللذات كالحادي إلى القيام بتلك الأمور. شو معنى هذا الكلام؟ أن الله عز وجل حتى إذا فرض أو ندب إلى شيء، فيجعل معه من المتعة أو من اللذة ما يعينك على القيام بهذا الأمر.

يعني الله عز وجل أراد أن يبقى النسل في الجنس البشري، حتى أنت تفكر تشكل أسرة وتروح تجيب ولد، وتروح تصرف وتكسب من أجله وتتعب، حتى تتم العملية، من حكمة الله أن جعل لك في الزواج لذة وهي لذة الوطء، تخيل أنه ما في لذة وطء، وما في وطء في كل الزواج، ستكون لذتها أخروية في الحسنات، لأنه أنت ما الذي يجعلك تستفز لفعل الطاعات؟ معرفتك أنه في حسنات، وما الذي يجعلك تترك المعاصي؟ معرفتك أنه في سيئات، وهذا نوع من التحفيز.

كما جعل في الأوامر إذا امتثلت، وفي النواهي إذا اجتنبت، أجوراً منتظرة، ولو شاء لم يفعل، وجعل في الأوامر إذا تركت والنواهي إذا ارتكبت جزاء على خلاف الأول ليكون جميع ذلك منهضاً لعزائم المكلفين. حتى إنه وضع لأهل الامتثال المثابرين على متابعة أنفس التكاليف أنواعاً من اللذات العاجلة والأنوار الشارحة للصدور ما لا يعدله شيء من لذات الدنيا.

يعني حتى على مستوى مش فقط الثواب الأخروي، زي ما قلنا: وجعلت قرة عيني في الصلاة، أرحني بها، فجعل حتى في الصلاة والصيام من اللذات العاجلة ما يجعل الإنسان يحب الصلاة ويحب الزكاة ويحب الصيام، حتى يكون سبباً لاستلذاذ الطاعة والفرار إليها وتفضيلها على غيرها، فيخف على العامل العمل، حتى في العلم الشرعي ما الذي يجعل الإنسان يستحمل يقعد معه أربع خمس ساعات؟ اللي هي فكرة لذة العلم، يعني لذة أنه والله في معلومة اكتسبتها، ما هي لذة ربنا بيعطيك إياها مشان تستمر، وإلا لو كان العلم الشرعي فيه لذة للنفس رح تتعب، هذا علم طويل وحفظ منظومات وكتب ومصنفات، لكن في نوع من اللذة يهبها الله لمن يشاء، يصبح يستلذ: والله ما أجمل هذه الفائدة رائعة، وتطرب لها، فبتصير عندك أني بدي أكمل حتى أحصل فائدة ثانية، في ناس ربنا جعل لذتهم في هذا الباب.

حتى يتحمل منه ما لم يكن قادراً قبل على تحمله إلا بالمشقة المنهية عنها، فإذا سقطت، سقط النهي، يعني هو قبل بدون هذه اللذة هو لم يكن قادراً على تحمل هذا الفعل إلا بالمشقة المنهية عنها، المشقة التي تؤدي إلى الانقطاع والتعب، اللي هي هذه نهى الله عنها، فجعل هذه اللذائذ تجعلك تتحمل في هذه الأمور أشياء لولا وجود اللذة لما استطعت أن تتحمل هذه العبادات إلا بالمشقة.

بل تأملوا كيف وضع للأطعمة على اختلافها لذات مختلفات الألوان، وللأشربة كذلك، وللوقاع الموضوع سبباً لاكتساب العيال، وهو أشد نصباً على النفس من الجماع، إلى غير ذلك من الأمور الخارجة عن النفس المتناول، كوضع القبول في الأرض وترفيع المنازل والتقدم على سائر الناس في الأمور العظام، وهي أيضاً تقتضي لذات تستصغر في جنبها لذات الدنيا.

أيضاً من اللذات لذة القبول في الأرض، وهي لذة نفسية أنه أنا بالعلم الشرعي أو بسلوك المخاطر، وأن أكون قائداً دعوياً ولا مصلحاً ولا شيئاً، هذا يحبنا الله فتحبنا الملائكة، ويضع القبول في الأرض، هي لذة طلبها إبراهيم عليه السلام: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: 84]، إذا كنت لا تقصدها لذاتها وإنما تبعاً لمحبتك لله هذه لذة. وأنت رفيع المنازل، يعني عفواً لو ما في رفعة منازل ما حدا بيطلب الرفعة في الماجستير والدكتوراه، لأنه يشعر أنه كل ما ارتفع في التخصصية ترتفع منزلته الاجتماعية، فالإنسان يحب اللذة، هكذا الإنسان، فاللذة تدفعه للعمل سواء في الأمور الشريفة أو في الأمور الوضيعة.

وإذا كان كذلك، فإن هذا الوضع الكريم من الرب اللطيف الخبير، ممن يأتي متعبداً بزعمه بخلاف ما وضع الشارع له من الرفق والتيسير والأسباب الموصلة إلى محبته ويأخذ بالأشق والأصعب؛ أين هذا الوضع الكريم؟ يقول لك الشريعة وضعت فكرة اللذات، فأينما أتت به الشريعة مما يأتي به هذا الإنسان المتعنت لنفسه من التشديد والمشقة وحرمان نفسه من اللذات؟ يا أخي الله يريد أن يضع اللذات مشانك حتى أنت تتحمس، أنت بتقول لا يا رب أنا بدي أشيل اللذات وبدي أمارس العبودية على وجه العند، أليس هذا مضادة لمقصود الشارع؟

فيأخذ بالأشق والأصعب ويجعله هو السلم الموصل بالطريق الأخص، هل هذا كله إلا غاية في الجهالة وتلف في الضلالة، عافانا الله من ذلك بفضله. فإذا سمعتم بحكاية تقضيت تشديداً على هذا السبيل يظهر منها تنطع أو تكلف، فإما أن يكون صاحبها ممن يعتبر كالسلف الصالح رضي الله عنهم، أو من غيره ممن لا يعرف ولا ثبت اعتباره عند أهل الحل والعقد من العلماء، فإن كان الأول فلا بد أن يكون على خلاف ما ظهر لبادي الرأي كما تقدم؛ أي قصة عن السلف فيها تشديد زائد اعرف أنه في قصة وأنت مش عارفها في علة، وليس لأنه يريد التشديد إذا كان من القرون الثلاثة المفضلة من الصحابة أو التابعين، وإن كان لا فلا حجة فيه، وأما إذا كان الذي فعل من متأخرة الصوفية فهذا أصلاً لا تقرأ، دعك منه لأنه ليس حجة علينا.

إنما الحجة في المقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذه أمثلة خمسة في التشديد على النفس في سلوك طريق الآخرة يقاس عليها ما سواها، وأيضاً فإن الله وضع في الأمور المتناولة ما تستلذ به، فيأتي إنسان يريد أن يدفع اللذات عنها، وضع في النكاح لذة الوقاع، ووضع في العلم لذة العلم، ووضع في أشياء العبادات، فقطع هذه اللذات أيضاً مخالفة لمقصود الشارع، فهذا يمكن تكون هي النقطة الخامسة.

نصلي إن شاء الله ونعود إلى مجلسنا، وصلى الله على سيدنا محمد، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

نشرع في المجلس الثاني اليوم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف والحاضرين والسامعين.

قال رحمه الله تعالى: فصل، قد يكون أصل العمل مشروعاً ولكنه يصير جارياً مجرى البدعة من باب الذرائع، ولكن على غير الوجه الذي فرغنا من ذكره وبيانه.

الآن طريقة أخرى من طرق أو شكل آخر من أشكال البدع الإضافية، وهو أن يكون العمل مشروعاً من أصله ولكنه يصير جارياً مجرى البدعة، يأخذ حكم البدعة من باب الذرائع. الذرائع هي الوسائل، إذا أصبح وسيلة إليها، هو في وضعه الطبيعي مشروع، لكن لما أصبح يستعمل بطريقة يفضي إلى بدعة، أصبح بدعيته من هذه الجهة، دعونا نرى كيف حصل هذا.

بيانه أن العمل يكون مندوباً إليه مثلاً، فيعمل به العامل في خاصة نفسه على وضعه الأول من الندبية، فلو اقتصر العامل على هذا المقدار لم يكن به بأس، ويجري مجراه إذا دام عليه في خاصته، غير مظهر له دائماً، بل إذا أظهره، لم يظهره على حكم الملتزمات من السنن الرواتب والفرائض اللوازم، فهذا صحيح لا إشكال فيه.

بيان ذلك أن هناك أعمالاً الشارع ندب إليها، مثل صلاة الضحى، مثل الوتر، قراءة القرآن، هذه أمور ندب إليها الشارع، فيعمل بها العامل في خاصة نفسه على وضعها الطبيعي الأول من الندبية، صلاة الضحى مندوبة صليتها، فلو اقتصر العامل على هذا المقدار لم يكن به بأس لأنه فعل ما هو مندوب شرعاً. ويجري مجراه إذا دام عليه في خاصته غير مظهر له دائماً، يعني هذه الأشياء المندوبة بتفعلها أنت، زي الضحى، بتفعلها يوم وتتركها يوماً، أو بتقرأ مثلاً يوماً قرآناً، بس يوماً تقرأه بعد الظهر بعد العصر، على حسب التساهيل.

الضحى عند الحنابلة مثلاً أنها تصلى غباً، وقس عليه أي مندوب الشريعة طلبته على وجه الإطلاق، ولم تطلبه على أنه راتب يومي أي سنة هذا حالها. إذا فعلتها في خاصة نفسك أيضاً بشكل عشوائي أو أجريتها مجراها، قال: ويجري مجراها إذا داوم عليها في خاصته كذلك. لا، أنا ما أخذتها بس على شكلها الأولي أنها تفعل وقت ما أريد، لا عملتها دوام، أحببت أن تصبح ماذا في حياتي شيء أداوم عليه، ويجري مجراها إذا دام عليه، بس في إيش؟ في خاصته بينك وبين نفسك غير مظهر له دائماً أمام الناس، شوف هذا القيد أن هذه كلها قيود مهمة، غير مظهر له دائماً. يعني لو ظهر أمام الناس، يظهر مرة في الأسبوع بشكل ليس متقصداً بشكل دوري، فإذا ندبت الشريعة إلى شيء ندباً مطلقاً -هذه القاعدة- ندبت الشريعة إلى ذكر مثلاً، صلاة الضحى ندباً مطلقاً، وهذا الإنسان عمل بهذا الندب في خاصة نفسه على الإطلاق، أو واظب عليه بشكل يومي لكنه لم يظهره أمام الناس إلا في النادر، يعني ظهر أمام الناس غير مظهر له دائماً، قال: بل إذا أظهره لم يظهره على حكم الملتزمات والسنن المؤكدات والرواتب المؤكدة والفرائض اللازمة، فهذا النوع من التعبد صحيح لا إشكال فيه، وعليه كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف في هذا النوع من المندوبات المطلقة التي لم تشرع مشروعية السنن الرواتب.

الآن في بعض المندوبات لا، هي شرعت على أنها رواتب، صحيح؟ سواء على وجه الخصوص أو على وجه العموم، لاحظ ماذا سيقول الآن، قال: وأصل ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإخفاء النوافل والعمل بها في البيوت. وقوله: «أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة». فاقتصر في الإظهار على المكتوبات كما ترى، وإن كان ذلك في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا أن نظهره أمام الناس في المساجد الجامعة، ما هي المكتوبات وما يجري مجرى المكتوبات من صلاة العيد والكسوف وهذه الأمور، صحيح؟ طيب، وما سوى ذلك من النوافل كالنفل المطلق في النهار والنفل المطلق في الليل، انسَ التراويح، النفل المطلق في الليل أمر به أن يكون ماذا؟ بينك وبين ربك وحدك في المنزل، هكذا هو الوضع الطبيعي فيها. نعم، قال: وإن كان ذلك في مسجده عليه السلام أو في المسجد الحرام أو في مسجد بيت المقدس، حتى قالوا إن النافلة في البيت أفضل منها في أحد هذه المساجد الثلاثة، بما اقتضاه ظاهر الحديث. يعني ظاهر الحديث أن تصلي السنة الراتبة في البيت أفضل من أن تصليها في المسجد النبوي، وإن كانت الصلاة في المسجد النبوي بألف، لكن التزامك بسنة النبي عليه الصلاة والسلام يعطيك درجة أعلى من الألف، هذا قاله كثير من أهل العلم. والذي يظهر لي أن هذا الصواب لمن كان مقيماً في مكة والمدينة، أما لمن كان أتى زائراً معتمراً لأيام محدودة ويغادر فهذا يريد أن يستكثر من الصلاة في المسجد، فبالتالي قد يستثنى ويقال لا، مثل هذا يحث على أن يصلي حتى السنن في المسجد النبوي أو الحرام أو شيء من باب أن يحصل أطول مدة للإقامة فيها، وأما أهل مكة والمدينة فحالهم الطبيعي أن الأفضل وهذا حال النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي السنن الراتبة في بيته.

نعم، قال: وجرى مجرى الفرائض في الإظهار السنن كالعيدين والخسوف والاستسقاء وشبه ذلك. السنن طبعاً هنا الآن شوي رح ندخل على مصطلح مالكي عم بيستعمله الشاطبي، المالكية رضوان الله عليهم يفرقون بين الندب والسنة. المالكية يفرقون بين مصطلح الندب ومصطلح السنة في أصول الفقه، فالسنة عندهم اشتملت على أمرين: المداومة والإظهار. ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم دواماً وإظهاراً يسمى عندهم شو؟ سنة، أما ما فعله ليس على وجه الدوام أو دائماً ولكن ليس مظهراً في المسجد، فهذا يسمى مندوباً. الآن ركز على المصطلح، قال: وجرى مجرى الفرائض في الإظهار السنن، ما قال المندوبات لأنه عندهم فرق، المالكية مثل ايش السنن عندهم كالعيدين، وإن كان العيد عندنا فرض كفاية الحنابلة، لكن عند المالكية يعتبر سنة وليس مندوباً، لأنه دائماً يصلى في وقته على وجه الإظهار في المحافل العامة، وكذلك الخسوف والاستسقاء وشبه ذلك التراويح، طيب. قال: وشبه ذلك، فبقي ما سوى ذلك حكمه الإخفاء، ومن هنا ثابر السلف الصالح رضي الله عنهم على إخفاء الأعمال فيما استطاعوا وخف عليهم، اقتداءً بالحديث وبفعله عليه الصلاه والسلام لأنه القدوة والأسوة. ومع ذلك فلم يثبت فيها إذ أعمالها في البيوت أن تقام جماعة في المساجد البتة، ما عدا روخ... إذاً ومن هنا ثابر السلف على إخفاء الأعمال الباقية فيما استطاعوا وخف عليهم، اقتداءً بالحديث اللي هي «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لأن القدوة الحسنة. ومع ذلك يعني ومع حرصهم على إخفاء الأعمال فيما استطاعوا في بيوتهم فلم يثبت فيها إذا عمل بها داخل البيوت أنهم كانوا يصلونها جماعة في المساجد البتة.

تمام، يعني بالتالي هم كانوا يحرصون على عملها في البيوت، ولم يثبت أنهم كانوا يقيمونها جماعة في المساجد البتة، لا قيام الليل ولا الوتر ولا السنن، مش نحكي سنن الرواتب، خلينا نحكي مثال الضحى مثلاً، لم ينقل أنهم كانوا يفعلونها جماعة في المساجد البتة، ما عدا رمضان التي هي صلاة التراويح، أنه هذا هو قيام ليل، ثبت أنهم كانوا يصلون في المسجد. لكن ما عدا ذلك من قيام الليل لطوال السنة، هل كان الصحابة يجتمعون جماعة في المسجد يصلونها؟ هل كان هذا حالهم؟ لا. فيقول: ومع ذلك فلم يثبت فيها أي في هذه الأمور التي يسن فيها أن تعمل في البيوت لم يثبت فيها أن تقام جماعة في المساجد البتة، ولا في البيوت دائماً، وإنما وقع ذلك في الزمان الأول في الفَرْط، إيش يعني في الفَرْط؟ يعني في الحين بعد الحين، كما كمثل قيام ابن عباس مع النبي صلى الله عليه وسلم عندما بات عند خالته ميمونة. الآن في غير رمضان، هل كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي قيام الليل جماعة بشكل دائم؟ سؤال: غير رمضان هل كان النبي عليه الصلاة والسلام عادته أنه يصلي قيام الليل جماعة سواء في المسجد أو في بيته؟ لا. وإنما يقول لك طيب ما هو ثبت أن ابن عباس صلى معه جماعة، ما هو يقول لك هذا في الفَرْط، يعني لكل مثلاً شهرين تصدف أن صحابياً صلى معه، مثل ما صلى معه حذيفة مرة لما قرأ البقرة والنساء وآل عمران، ومرة صلى معه ابن مسعود، ومرة صلى مع ابن عباس، هذا شيء ايش فَرْط؟ فَرْط يعني من الحين للحين، لكن الوضع الطبيعي أن هذه الأمور المندوبات كان يصليها في بيته وبدون صلاة جماعة، هذا هو الحال.

طيب، قال: وما ثبت من قوله عليه الصلاه والسلام «قوموا فليصلِّ لكم»، وما في الموطأ من صلاته، يرفع عمر بن الخطاب مثلاً «قوموا فليصلِّ لكم»، هي كانت في النهار تطوع في النهار، مرة قال لأهل بيت، بيت أنس بن مالك «قوموا فليصلِّ لكم»، لكن هل كان عنده تطوع في النهار جماعي يواظب عليه؟ لا، إذا حب يتطوع ممكن مرة يقول اثنين ثلاث يلا تعالوا شوركم نصلي مع بعض، هيك أو قوموا لأصلي لكم على وجه من الحين إلى الحين، ممتاز. قال: وما في الموطأ من صلاته يرفع، عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقت الضحى كذلك يرفع، وأظن هذا هو خادم عمر، صلى مرة مع عمر بن الخطاب صلاة الضحى جماعة، مرة، يعني ثبت هذا. فمن فعله في بيته وقتاً ما فلا حرج، وقد نص العلماء على جواز ذلك بهذا القيد المذكور، وإن كان الجواز قد وقع في المدونة مطلقاً، فما ذكره تقييد له، وأظن ابن حبيب نقله عن مالك مقيداً. فمن فعله في بيته وقتاً ما فلا حرج، يعني إذا أنت مثلاً حبيت تصلي الضحى في بيتك جماعة مع زوجتك مرة وقتاً ما، ما في حرج، بس بهذا القيد وقتاً ما.

أي اليوم حبيت أصلي صلاة قيام الليل مع أصدقائك في مسجد أو في مركز أو شيء وقتاً ما، برضه ما في حرج، ممتاز. قال: فلذلك نص العلماء على جواز أن مثل هذه الصلوات التي الأصل فيها صلاة شخصية مندوبات مش سنن تظهر في الجوامع، هي الصلوات الشخصية لو أنت في الفَرْط بعض الأيام صليتها جماعة، سواء في المسجد أو في مركز قرآني أو وحدك في المنزل، أو عفواً في المنزل مع زوجتك وأصدقائك، ما في مشكلة، بس بشرط أن تبقى شو؟ وقتاً ما، تصبح شيء دائم أنه لازم نصلي كل يوم نحن العشرة في المسجد جماعة، أو كل يوم تجتمع أنا وعشيرتي ببيتي وبنصليها جماعة، لأنه هي وقعت في السنة وقتاً في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وقتاً ما فَرْط، فأن تحولها لإلزام وبشكل دائم، هي التقييدات هي المشكلة بتصير. فالشيء هو في أصله مشروع لكن أنت أدخلت عليه البدعية من جهة التخصيص والتقييد الدائم.

طيب، فإيش قال؟ قال: فإذا اجتمع في النافلة أن تلتزم التزام السنن الرواتب، إما دائماً وإما في أوقات محدودة وعلى وجه محدود، وأقيمت في جماعة وكان ذلك في المساجد التي تقام فيها الفرائض أو المواضع التي تقام فيها السنن الرواتب، فذلك ابتداع. آه، فذلك ابتداع، الآن إذا لاحظ أن العمل كان مشروعاً في أوله، الآن كيف تحول إلى أنه أصبح بدعة إضافية، قال: فإذا اجتمع في النافلة -النافلة اللي هي المندوب- أنك أصبحت تلتزمه التزام السنن الرواتب، زي سنة الظهر أو ما شابه ذلك، إما دائماً بتصليها، بتصليها خلص أنا قلت رح التزم هذول الركعتين دائماً دائماً لا أتخلف عنهما، قال: وإما في أوقات محدودة وعلى وجه محدود، أنه خلص بدي أصلي ركعتين الساعة 9:00 مساءً، خلص كل ساعة 9:00 مساءً بدي أصلي ركعتين، قال: إما دائماً وإما في أوقات محدودة، مثلاً ممكن يوم بعد يوم، يعني مثلاً اليوم ما راح أصلي بكره بصلي، اللي بعده ما بصلي، بعد وعلى وجه محدود، وأقيمت في جماعة، وصرت أنت تصليها برضه إيش؟ جماعة بشكل دائم مش على حسب التساهيل، لا بشكل دائم لازم تعمل لها جماعة، وكان ذلك في المساجد التي تقام فيها الفرائض أو في المواضع التي تقام فيها السنن الرواتب، وهي في البيوت ممكن تكون هي الجماعة اللي أنت عملتها، مش مش في المساجد، قد تكون في البيوت اللي هي هذا قصده المواضع التي تقام فيها السنن الرواتب، فذلك ابتداع.

باختصار: الشيء إذا شرعه الله مطلقاً لا بد تبقيه مطلقاً، ولا تلتزم فيه بكيفيات معينة إلا على وجه الفَرْط، شو يعني على وجه الفَرْط؟ يعني على التساهيل، والله اليوم حبينا نصلي جماعة صلينا، بس أنا مش ملتزم، اليوم حبيت أصليها في المسجد، حبيت أصليها في البيت، أنا مش ملتزم، على تسهيل هكذا تبقى. متى انتقل الأمر إلى حدود وتقييدات دائمة لازمة، انتقلنا إلى نوع من الابتداع الإضافي -مش الابتداع الحقيقي حتى نكون دقيقين- أسف، فيها الجماعة في مساجد أو... نعم أن تكون دائمة وملتزمة. قال: وأقيمت في الجماعة وعلى وجه الالتزام هكذا يكون بدعة. قصدك فإذا أقيمت جماعة وحدها لكن ليس على وجه الدوام، فمش مشكلة، ما نحن قلنا يجوز الفَرْط، يعني لا بد أن تقيمها دائماً جماعة سواء في المسجد أو في بيتك، هنا أنت حولتها من مندوب إلى سنة، لأنه السنة عند المالكية ما اجتمع فيه شو؟ الإظهار والدوام، فإذا أنت حولت شيئاً هو أصله نافلة إلى سنة، هذا رأي في التشريعة، هو ربنا أراد تبقى نافلة، أنت نقلت إلى مرتبة السنة من خلال الدوام والإظهار لها على صورة مجتمعة في مسجد أو في بيت.

ممتاز، قال: والدليل على ذلك، قال: بس خلينا نكمل، قال: والدليل على ذلك أنه لم يأتِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على أحد من أصحابه ولا التابعين لهم بإحسان فعل هذا المجموع، هكذا مجموعاً، وإن أتى مطلقاً من غير تلك التقييدات مشروعة. لم يأتِ فعل هذا المجموع هكذا مجموعاً يعني على وجه الدوام مظهراً جماعة في مسجد أو في بيت بهذه الصورة المؤتلفة هذه، لم يأتِ، مثلاً في صلاة الضحى هل ورد في صلاة الضحى أنهم كانوا يفعلونها دائماً جماعة في مسجد أو في بيت؟ لا. هل جاء في قيام الليل في غير رمضان أنهم يفعلونه دائماً جماعة في بيت أو في مسجد؟ لا. فأنت التزامك بالدوام والجماعة في مسجد أو في بيت هو نوع من الازدياد على هدي النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، قال: فالتقييد في المطلقات التي لم يثبت بدليل الشرع تقييدها رأي في التشريعة، آه، رأي في التشريعة. إذاً لماذا اعتبرت بدعة؟ لأن هذه السنة وردت ابتداءً مطلقة، عفواً هي النافلة على طريق هي النافلة وردت ابتداءً مطلقة، أنت أصبحت تقيدها بشكل دائم وبهذا الظهور، فهذا رأي ولا يجوز الرأي في التشريعة. نعم، قال: كما أن إطلاق المقيدات شرعاً رأي في التشريعة. يعني كما أن الشيء المقيد أن تحول أنت إلى مطلق، رأي في التشريعة، يعني لو

لا، انظر سنن الرواتب القبلية والبعدية، نحن نريد أن نصليها؛ مثلاً أنا رأيي أن تُصلى يومًا وتُترك يومًا، هي وردت مقيدة يوميًا؛ فلا يحق لك أن تحولها لمطلقة. فما ورد مطلقًا لا يصح أن تحوله مقيدًا، وما ورد مقيدًا لا يجوز لك تحويله مطلقًا، هكذا هي الفكرة.

لنكمل، قال: فكيف إذا عارضه الدليل؟ وهو الأمر بإخفاء النوافل مثلًا، فكيف إذا كانت هذه النافلة أصلاً جاء الدليل يطلب منك إخفاءها؟ نحن نتحدث عن النوافل، ولو لم يأتِ أمر بإخفائها فمجرد أنها نافلة وليست سنة، فالمطلوب ألا تحرص دومًا على فعلها على وجه الجماعة في المسجد أو في البيت، فما بالك أن النوافل أصلاً جاء أمر بإخفائها وأنك تصليها وحدك في المنزل؟ هذا أدعى أن يكون الذي يريد أن يجعلها جماعة دائمة مخالفًا لمقصد الشارع.

قال: ووجه دخول الابتداع هنا أن كل ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من النوافل وأظهره في الجماعات فهو سنة. إذاً هذا ضابط السنة عند المالكية: ما واظب عليه النبي عليه الصلاة والسلام زائد أظهره في الجماعات، هذا هو ضابط السنة. فالعمل بالنافلة التي ليست بسنة على طريق العمل بالسنة؛ إخراج للنافلة عن مكانها المخصوص بها شرعًا؛ فالشيء الذي أراد الله أن يبقى في حيز النوافل ولا يرتقي إلى مرتبة السنن بقاؤه في حيز النوافل يكون بالإخلال بشرط من الشروط السابقة، فلا يجوز لك أنت أن تحوله إلى سنة. هذه عبادة أراد الله أن تبقى في حيز النوافل بحيث لا تظهر في الجوامع، ولو واظبت عليها في المنزل تواظب عليها وحدك دون أن تظهرها في الجوامع، يعني لو واظبت عليها شخصيًا في المنزل إخفاءً؛ ليس عندي مشكلة، لكن اجتماع الصورة المركبة أن تواظب عليها جماعة في المسجد أو في مكان، هنا أنت أردت أن تنقل شيئًا أراد الله أن يبقى نافلة لتحوله إلى سنة، وهذا لا يجوز لك.

ثم يلزم من ذلك اعتقاد العوام فيها ومن لا علم عنده أنها سنة، وهذا عظيم؛ شغله أن صحتها شكلها شكل السنة، بس أنا عارف أنها مش سنة، لكن الناس الذين حولك من العامة ماذا يعرفون عندما يراك العامة تصلي الضحى يوميًا في المسجد جماعة؟ سيعتقدون أنها سنة، هكذا ما سيعرفون أنك فقط نوعت من التربية النفسية والإيمانية، أو أنك أردت أن تنشطهم فقط، فأنت لا تقِس أن كل الناس يفهمون عليك. فإذاً هناك مشكلتان: مشكلة أن هذا الشيء أراد الله أن يكون في حيز النوافل وأنت أردت أن تحوله إلى حيز السنن، وثانيًا أن العامة سيضلون في هذا ويفهمون أن هذه النافلة أصبحت سنة على مصطلح المالكية، فأنت ارتكبت خطأين في هذا المكان.

لأن اعتقاد ما ليست بسنة سنة، والعمل بها على حد العمل بالسنة؛ نحوٌ من تبديل الشريعة، نعم، أن تعتقد شيئًا نافلةً أنه سنة وتعمل بها على أنها سنة هو لعب بالشريعة أو تغيير فيها، كما لو اعتقد في الفرض أنه ليس بفرض، أو فيما ليس بفرض أنه فرض ثم عمل على وفق اعتقاده، فإنه فاسد؛ فعملٌ في الأصل صحيحٌ فإخراجه عن بابه اعتقادًا وعملًا من باب إفساد الأحكام الشرعية.

ومن هنا ظهر عذر السلف الصالح رضي الله عنهم في تركهم سننًا قصدًا لئلا يعتقد الجاهل أنها من الفرائض كالأضحية وغيرها، لاحظ أن السلف الصالح بعض السنن كالأضحية كانوا أحيانًا يتركونها قصدًا خشية أن يعتقد الناس أنها فرض، لاحظ البعد هذا عند السلف في تصرفاتهم، إذا كان السلف يتخلون أحيانًا عن بعض السنن المؤكدة والراتبة كالأضحية في كل عيد يحث عليها ومع ذلك كانوا يتركونها أحيانًا لما يخشون أن الناس يعتقدون فرضيتها؛ فما بالك أنت أن تأتي إلى نافلة تريد أن تنقلها إلى حيز السنة وتؤثر على تصور الناس لها؟ هذا نوع من التغرير بالناس، فضلًا أنه شكل من أشكال التبديل في الشريعة.

ولا لأجل هذا أيضًا أكثروا عن اتباع الآثار كما خرج الطحاوي، اتباع الآثار أي تتبع آثار النبي عليه الصلاة والسلام، نهى أكثر السلف عن اتباع الآثار، يعني الأماكن التي كان يزورها النبي صلى الله عليه وسلم، مثل هذه الشجرة التي بايع تحتها، هذه الشجرة وقف عندها، هذه الشجرة بال عندها، هذه الشجرة نام تحتها، كانوا ينهون عن اتباع هذه الآثار وتقصد زيارتها. كما خرج الطحاوي وابن وضاح وغيرهما عن معرور بن سويد الأسدي قال: وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما انصرف إلى المدينة انصرفت معه، فلما صلى لنا صلاة الغداة فقرأ فيها ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ و﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، ثم رأى ناسًا يذهبون مذهبًا، يعني بعد ما سلم من الصلاة رأى عمر بن الخطاب الناس تخرج من المسجد باتجاه مكان معين، فقال عمر: أين يذهب هؤلاء؟ قالوا: يأتون مسجدًا ها هنا صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا؛ يتبعون آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعًا، ومن أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فليصلِّ فيها، وإلا فلا يتعمدها؛ يعني لا تتقصد الصلاة مثلًا في مكان معين.

طبعًا هي فكرة أنه أنت لو دخلت إلى مكان نام فيه النبي صلى الله عليه وسلم عرضًا فنمت فيه فليس في مشكلة، أو ذهبت إلى مكان النبي صلى الله عليه وسلم جلس فيه عرضًا فليس في مشكلة، لكن يصبح عندك برنامج مستمر أن تتقصد الشجرة التي نام تحتها، والبقعة التي نام تحتها، والمكان الذي بال فيه، تصبح مشكلة؛ فلذلك ماذا قال عمر؟ من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فليصلِّ، صلوا فيها عرضًا، لكن لا يكون لك برنامج تتعمد فيه، ما دام الإسلام لم يعطِ لهذه المساجد أي أفضلية، الإسلام أعطى الأفضلية للمسجد الحرام والمدني والأقصى وقباء مثلًا، لكن غير ذلك ما عندنا مسجد فيه فضيلة عن مسجد آخر، فتصبح تعطي مسجدًا فضيلة بدون وجود تفضيلة بنص من الشارع، قال: بهكذا هلك من قبلنا.

وهذا ما انتشر عند الصوفية، اللي هو تقصد زيارة البقاع والأماكن بشكل دوري، برجع بقول لو زرتها عرضًا ما في مشكلة، لكن تصبح لك زيارة دورية تتقصد الصلاة في هذا المكان لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك أو كذا، جمهور السلف لا يقبل ذلك. طبعًا ممكن البعض يقول طيب ابن عمر مش كان يثبت أنه كان يتقصد أن يبول أو أن يلف أو أن يمشي حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي؟ أولًا ما فعله ابن عمر الجمهور خالفوه فيه من الصحابة، فلما يكون جمهور الصحابة لم يفعلوا فعل ابن عمر إذا هذا اجتهاد منه قد يخطأ فيه، ثانيًا قد يكون له عذره، هو أنه قد يكون نوع من التربية النفسية على طاعة النبي صلى الله عليه وسلم وكان يفعله لفترة معينة، يعني هي ما سماها قبل شوي الشاطبي قضايا الأعيان، أنه قد يكون له نوع من التربية أو المقصد، وليس أنه يرى أن هذا يفعل ويأمر الناس بذلك ويحثهم عليه؛ تربية شخصية قد يكون فعلها لفترة وتركها، فقضايا الأعيان لا يبنى عليها قواعد عامة.

وقال ابن وضاح سمعت عيسى بن يونس مفتي أهل طرسوس يقول: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعها؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة، إذا لاحظ سد الذرائع، لما شيء يخشى منه، الآن هم الناس فقط كانوا يصلون عندها، لكن عمر خائف من الجيل الثاني، الجيل الأول صلى، الجيل الثاني رح يعبدها زي ما صار مع قوم نوح، الجيل الأول بس كان يصلي جنب التماثيل، الجيل الثاني والثالث صار يعبد التمثال، فهذا خاف وهذا معنى سد الذرائع اللي بلشنا فيه الفصل، أنه أنت ماشي ابتداءً أنك تصلي تحت الشجرة اللي بايع النبي صلى الله عليه وسلم تحتها، كفعل ابتداءً مشروع، بس لما يصبح فيه تواتر للأقدام وتزاحم وتصبح ترى الناس أصبحوا مفتونين فيها، تصبح هذه الزيارة والصلاة تحتها بدعة؛ لأنها أصبحت ذريعة لمكروه أو لشيء يخشى فيه من تبديل الشريعة أو اعتقاد ما ليس بمشروع مشروعًا.

وابن وضاح يقول: كان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي صلى الله عليه وسلم ما عدا قباء، لاحظ مالك كان يكره زيارة آثار النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة إلا قباء. الآن واحد بيطلع إعلان على مالك، شوف مالك لا يعطي النبي صلى الله عليه وسلم حقه من الاحترام والتقدير، بالعكس هو لشدة احترامه لسنة النبي عليه الصلاة والسلام ترك زيارة هذه الآثار. تعرف مثلًا لما أنت ما تحتفلش بالمولد النبوي شو بقول لك؟ الله المستعان هذول مش محبين للنبي عليه الصلاة والسلام، ضعف من قلوبهم الحب، ولو أحبوه كما أحببناه لفعلوا كما فعلنا، هذا من الكلام الفاسد، بالعكس من شدة حبك للنبي صلى الله عليه وسلم أن تأتسي بسنته؛ مالك بن أنس كان لا يزور المساجد التي يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيها، والآثار التي يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نام عندها أو مشى إليها، لماذا؟ خشية أن يعتقد الناس فيها اعتقادات لا تصح.

قال أيضًا: وسمعتهم يذكرون أن سفيان دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه ولم يتبع تلكم الآثار ولا الصلاة فيها، سفيان يعني إما سفيان بن عيينة أو سفيان الثوري الله أعلم، كان يدخل مسجد بيت المقدس وصلى فيه، لكن ما راح عند الصخرة وقبة الصخرة وصار يتمسح فيها ويقول: والله هذا مكان اللي عرج منه النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء؛ خلص صلى في مسجد بيت المقدس وغادر، لماذا لم يزر قبة الصخرة أو الصخرة نفسها؟ خشي أن الناس تعتقد أنه إذا زارها أن هذه الزيارة مطلوبة، لاحظ كيف السلف ينظرون إلى مآلات الأمور، النظر البعيد لديهم.

وكذلك فعل غيره أيضًا ممن يقتدى به، وقدم وكيع أيضًا مسجد بيت المقدس فلم يعدو فعل سفيان؛ يعني فعل كما فعل سفيان لم يتجاوز ذلك. قال ابن وضاح: فعليكم باتباع أئمة الهدى المعروفين؛ فقد قال بعض من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس فكان منكرًا عند من مضى! سبحان الله، كم من عادة اليوم وأمر معروف عند الناس هو حقيقة عند السلف الصالح منكر، كحال كثير من البدع التي أصبحت في مجالس العزاء وفي المجالس العامة والخاصة وفي طقوس العيد وأشياء ذلك ما كانت تعرف عند السلف.

وقد كان مالك يكره كل بدعة وإن كانت في خير، وجميع هذا ذريعة لئلا يتخذ سنة ما ليس بسنة، أو يعد مشروعًا ما ليس بمشروع، أن يكون الشيء نافلةً أنت تحوله إلى سنة، أو يكون هو أصلاً غير مشروع أنت تحوله إلى مشروع، هذا نوع من التبديل في الشريعة مشكلة.

وقد كان مالك يكره المجيء إلى بيت المقدس خيفة أن يتخذ ذلك سنة، شوف يعني حتى وين واصل الأمر عند مالك حتى زيارة بيت المقدس مالك وقفها، مع أنه تُشد الرحال إليه، لكنه لأنه إمام يقتدى به خشي أنه إذا ذهب أن يصبح الناس يعتقدون ويسنوا زيارة بيت المقدس، وهذا فعل مش سنة، وإنما إذا توفرت لك الظروف وحصل عرضًا زره تأخذ ثوابًا، لكنه مش سنة تفعل بشكل دوري.

لا يصبح الأمر كأن الناس تذهب عمرة، فتنتهي سنتها الدائمة أن تذهب إلى بيت المقدس؛ وهذا شيء لم يطلبه النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما أخبر عن فضيلة الصلاة في بيت المقدس، فإذا صحت لك فرصة روح، بس ليس سنة تفعل بشكل مواظب.

قال: وكان يكره مجيء قبور الشهداء، ويكره المجيء قباء خوفاً من ذلك مع ما جاء من الآثار في الترغيب فيه؛ ولكن لما خاف العلماء عقبه ذلك تركوه. وهنا مثلاً يقول حتى قباء مالك كان يتخفف من الذهاب إليه لأنه كان يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يذهبه في الحين والحين، وهو خشي إذا ذهب بشكل دوري إلى قباء أن يعتقد الناس أن هذا من الأمور التي لا بد أن يواظب عليها.

وقال ابن كنانة وأشهب: سمعنا مالكاً يقول لما أتاها سعد بن أبي وقاص قال: وددت أن رجلي تكسرت وأني لم أفعل. وسئل ابن كنانة عن الآثار التي تركوا بالمدينة فقال: أثبت ما عندنا في ذلك قباء، إلا أن مالكاً كان يكره مجيئها خوفاً أن يتخذ سنة.

وقال سعيد بن حسان: كنت أقرأ على ابن نافع، فلما مررت بحديث التوسعة ليلة عاشوراء قال لي: حوق عليه. قلت: ولم ذلك يا أبا محمد؟ قال: خوفاً من أن يتخذ سنة. تعرف في حديث يحسنه بعضهم في التوسعة على العيال ليلة عاشوراء، فسعيد بن حسان يقول كنت أقرأ على ابن نافع كتاب الحديث جزءاً في الحديث، فلما مررت على حديث التوسعة على العيال ليلة عاشوراء، قال: حوق عليه؛ زي أحط عليه تمام. أو أنت قلت: ولم ذلك ليش هذا الحديث؟ قال: خوفاً من أن يتخذه الناس سنة؛ يعني هذا الشيء إذا فعل يفعل من فضائل الأعمال عرضاً إن صح الحديث، فكان يخشى أن الناس تظن أن عاشوراء زيها زي الأعياد بالضبط؛ فقالوا لا الله يرضى عليك تحكيهش أمام الناس أو حوق عليه حتى لا يتخذه الناس سنة.

فهذه أمور جائزة أو مندوب إليها، ولكنهم كرهوا فعلها خوفاً من البدعة؛ لأن اتخاذها سنة إنما هو بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها. وهذا الشيء متى يصبح السنة؟ الشيء المندوب متى يصبح سنة؟ لأن اتخاذها سنة إنما يكون إذا واظب الناس عليها مظهرين لها، وهذا شأن السنة عند المالكية: مداومة وإظهار. وإذا جرت مجرى السنن صارت من البدع بلا شك، فهذه بدع إضافية أيضاً أنك حولتها من نافلة طبيعية تفعل بالعفوية وبالبساطة إلى سنة تواظب عليها مع الإظهار.

فإذا قيل: فكيف صارت هذه الأشياء من البدع الإضافية والظاهر منها أنها بدع حقيقية؟ لأن تلك الأشياء إذا عمل بها على اعتقاد أنها سنة فهي حقيقية؛ إذ لم يضعها صاحب السنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الوجه، وصارت مثلما إذا صلى الظهر على أنها غير واجبة واعتقدها عبادة، فإنها بدعة من غير إشكال. هذا إذا نظرنا إليها بمآلها، وإذا نظرنا إليها أولاً فهي مشروعة من غير نسبة إلى بدعة أصلاً. يعني نوع من الاعتراض، يعني هذه الأمور يا شاطبي أما تعتبر بدعة حقيقية إذا نظرنا إليها الآن؟ الآن أصبحت تعمل جماعة في المسجد بشكل دائم، خلص هي بدعة حقيقية، وإذا نظرت إلى أولها هي أمر مشروع؛ فلماذا وضعتها في المنتصف بدعة إضافية؟

قال: فالجواب أن السؤال صحيح، إلا أن لوضعها أول النظرين؛ أحدهما من حيث هي مشروعة فلا كلام فيها الآن من حيث هي مشروعة ابتداء كصلاة الضحى، هي مشروعة ابتداء، هذا لا أحد ينازع فيه. والثاني من حيث صارت كالسبب الموضوع لاعتقاد البدعة، أو للعمل بها على غير السنة، فهي من هذا الوجه غير مشروعة. إذاً هي فيها نظريتان، هي الأمور من حيث أن صلاة الضحى أو قيام الليل أو الأذكار مشروعة ابتداء هي مطلوبة، ما حد بيستطيع يقول هي بدعة من البداية، هي مشروعة ابتداء، لكن المشكلة في الأمر الثاني؛ من حيث أصبحت تعامل كسبب موضوع لاعتقاد البدعة.

إيش يقصد اعتقاد البدعة؟ أنت لما تحول الشيء من نافلة إلى سنة، هذا الاعتقاد بدعي، فهمتم؟ أن تحول عقيدة الناس في هذا التصرف، الناس كانت مؤمنة فيه أنه نافلة، أنت من خلال مواظبتك وإظهارك أصبحوا يعتقدون أنه مش مطلق هي سنة؛ فأصبح فعلك هذا سبباً في اعتقاد بدعي عند الناس، أنه كانوا يعتقدونه نافلة ارتقوا به إلى درجة السنة، أو فعلك هذا أصبح موضوعاً سبباً للعمل بهذا الشيء على غير الوجه الذي شرع عليه، فهو من هذا الوجه يصبح غير مشروع وليس من وجه وضعه الأول، فلذلك هو بدعة إضافية وليس حقيقية.

لأن وضع الأسباب للشارع لا للمكلف؛ الله سبحانه هو الذي يضع الأسباب، وأنت ليس لك أن تضع سبباً من عندك، أن تقول والله هذا الشيء يعتقد فيه كذا وهذا الشيء يعتقد فيه كذا، الذي يضع الأسباب هو الله. فوضع المكلف لها كذلك رأي غير مستند إلى الشرع فكان ابتداعاً، وهذا معنى كونها بدعة إضافية. أما إذا استقر السبب وظهر عنه مسببه الذي هو اعتقاد العمل سنة والعمل على وفقه، فذلك بدعة حقيقية لا إضافية. ما معنى هذا الكلام؟ أما إذا استقر السبب وظهر عنه مسببه الذي هو اعتقاد العمل سنة والعمل على وفقه فذلك بدعة حقيقية لا إضافية.

تفضل شيخي، ممكن أنه ابتداء الذي فعلها ابتداء وهو يعلم أن هذه الكيفية ليست بسنة هذا بدعة إضافية، أما إذا عمل أحد من بعده وهو يعتقد أنها سنة بهذه الهيئة فهي بدعة حقيقية.

إذاً الآن الشاطبي له كلام دقيق هنا، يقول: أنت إذا بدأت هذا الموضوع وبدأت تحاول أن تقنع الناس بأن هذا الشيء يمكن أن يواظب عليه بشكل دوري ومظهراً، فعلك هذا بدعة إضافية. فإذا استقر هذا الاعتقاد عند الناس وفعلاً اقتنعوا بكلامك وأصبحوا يفعلون مثلك، يقول تحول من بدعة إضافية إلى بدعة حقيقية.

يعني نعود فنقول: أنت كشخص فعلت هذا الشيء على وجه دائم مظهر، ولسه الناس مش منتبهة على هذا الموضوع، أنت تكون شاركت في بدعة إضافية، أنه في فعل مشروع أنت حرصت على أن تفعله بصورة دائمة مظهراً أمام الناس، ونقول لك سامحنا ما أنت فيه بدعة إضافية، أنت صح بتفعل فعل مشروع لكنك تفعله بطريقة نخشى فيها أن يعتقد الناس أن هذه النافلة سنة، نخشى فيها أن الناس يفعلونها بهذه الطريقة بشكل دائم ولا ينفكون عنها، فما أنت تفعله هو بدعة إضافية.

فإذا استقر هذا الأمر في المجتمع وأصبح الناس يتبعونك، قال: أما إذا استقر السبب وظهر عنه مسببه، إذا أنت فعلك اللي دعوت إليه الناس وفعلته مع الناس استقر في حياة الناس، فأصبح الناس يعتقدون: آه والله فعلاً صلاة الضحى تصلى جماعة في المسجد يومياً. هسا أنت فعلتها كم مرة كانت بدعة إضافية إذا واظبت عليها أنت، لكن لما أقنعت الناس بهذا الموضوع وأصبح المجتمع كله على هذه العادة ويعتقد كما أنت تعتقد أو كما أنت تفعل، أصبحت أنت هنا أديت إلى استقرار السبب وإقناع الناس بأن هذا الفعل سنة وهو ليس سنة. لو أنك مثلاً ذهبت إلى بيت المقدس وأصبحت أنت تذهب إليه يومياً وتظهر هذا أمام الناس، أنت في بدعة إضافية؛ فإذا اقتدت الناس بك وأصبحت في المجتمع فكرة سائدة أنه: آه والله فعلاً لازم نحن يومياً نزور بيت المقدس ونصلي في صلاة بشكل مظهر، هنا استقر السبب وظهر عنه مسببه.

المسبب يقصد به الاعتقاد البدعي أو العمل البدعي، الذي هو قال: اعتقاد العمل سنة والعمل على وفق هذا الاعتقاد، فعندئذ تحولت من بدعة إضافية إلى بدعة حقيقية. ولهذا الأصل حتى مثلاً قضية النصف من شعبان، بتلاقي واحد صلاها في يومين جماعة في المسجد أو واظب، ثم واظب عليها بعد ذلك، ثم صاروا أهل هذه القرية يعتقدون أنه ليلة النصف من شعبان لا بد تحيا جماعة في المسجد؛ كثير من البدع اللي الناس اليوم تراها سنة ويواظبون عليها نشأت بسبب ماذا؟ مواظبة، أنه شخص أو شخصين في المدينة معظمين واظبوا عليها بشكل علني، فأصبحوا يعتقدون فضيلة الصوم في ليلة في منتصف من شعبان.

هذا من أنشأه في الناس بعض الأفاضل للأسف، أو بعض أهل البدعة اللي هم فعلوا هذا الشيء وحرصوا على إظهاره بشكل دوري، ثم اعتقده الناس. ماذا الآن أن تفعل أفعال صالحة في يوم النصف من شعبان؟ ما في مشكلة، صح أفعال صالحة بس بدون تقصد شيء معين، أن تتقصد شيئاً معيناً من الأعمال وتظهره، أنت هنا في بدعة إضافية، وإذا استقر هذا الأمر عند الناس وأصبحوا يعتقدون فيه السنية ويفعلونه كما تفعله أنت، أصبح بدعة حقيقية.

لا، في حق الجميع أصبح الآن؛ لأنهم أصبحوا يتواطؤون على هذه الحالة. يعني الآن إدخال صاحبها وعدم إدخال صاحبها أنا في اعتقادي ما عاد له أهمية، لكن هي الآن نحن توصيفنا للفعل؛ الفعل نفسه إذا استقر بهذه الصورة في المجتمع، أصبح من بدعة إضافية إلى بدعة حقيقية.

ولهذا الأصل أمثلة كثيرة وقعت الإشارة إليها في أثناء الكلام، فلا معنى للتكرار. وإذا ثبت في الأمور المشروعة أنها قد تعد بدعاً بالإضافة، فما ظنك بالبدع الحقيقية؟ فإنها قد يجتمع فيها أن تكون حقيقية وإضافية معها، لكن من جهتين. قال: وإذا كان هذا كله في أمر مشروع ابتداء ثم أنت حولته إلى بدعة إضافية ثم إلى حقيقية من خلال المواظبة والإظهار، فما بالك بشيء هو أصلاً ليس مشروعاً ابتداء؟ يعني بدعة أنت تبتدعها ابتداء من كيسك ثم تواظب عليها وتظهرها، فهنا ستكون حقيقية وإضافية من جهتين؛ حقيقية من جهة أنه أنت أصلاً أتيت بفعل غير مشروع، وإضافية من جهة أنك أظهرته وواظبت عليه بطريقة تؤدي رويداً رويداً إلى إقناع الناس بمشروعيته وفضيلته. فهنا هي بدعة حقيقية وإضافية في نفس الوقت، لكن من جهتين؛ حقيقية من جهة أنه أصلاً هو فعل غير مشروع.

مثل ايش؟ مثلاً ممكن نقول زي المولد، هو أصلاً غير مشروع ابتداء، ثم إظهاركم له في المساجد والمحافل وفي كل سنة جعلت الناس تعتقد فيه الفضيلة والسنية وأنه لازم، فهو إضافية من هذه الجهة، فهو بدعة حقيقية وإضافية لكن من جهتين. فإن قال: فإن بدعة أصبح ولله الحمد في نداء الصبح ظاهرة، ثم لما عمل بها في المساجد والجماعات مواظباً عليها لا تترك كما لا تترك الواجبات وما أشبهها، كان تشريعها أولاً يلزمه أن يعتقد فيها الوجوب أو السنة، وهذا ابتداع ثاني إضافي. ثم إذا اعتقد فيها ثانياً السنية أو الفرضية صارت بدعة من ثلاثة أوجه.

الآن كأنها انتشر في الأندلس أو لا أعرف أين انتشرت، أنهم كانوا في أذان الفجر يقولون: أصبح ولله الحمد، كانوا يقولون هذا في أذان الفجر؛ حي على الصلاة، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر أو الصلاة خير من النوم، يقول أصبح ولله الحمد؛ صارت جملة من جمل الأذان. يقول هي ابتداءً بدعة بحد ذاتها لأنها لم تنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة والتابعين، فهي بدعة حقيقية. ثم لما عمل بها بشكل مستقر ظاهر في المساجد والجماعات مواظباً عليها لا تترك كما لا تترك الواجبات وما أشبهها، كان تشريعها أولاً يلزمه أن يعتقد فيها الوجوب أو السنية، وهذه المواظبة عليها بشكل دوري ابتداع ثانٍ إضافي؛ يعني تشريعها أولاً بدعة حقيقية والمواظبة عليها وإظهارها الذي هو الثاني سماه بدعة إضافية، ثم في بدعة ثالثة نشأت؛ ثم إذا اعتقد فيها الناس وأصبح الناس يعتقدون فيها هذا الشيء أصبحت بدعة من جهة ثالثة؛ أنه هي كأنها ثلاث مراحل.

الحالة الأولى: أنه أنت أنشأت البدعة واعتقدتها وهي لم تأتِ عن النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً في شيء، هي بدعة حقيقية. ثم واظبت أنت كعالم أو كمجموعة من العلماء على إظهارها وإلزام الناس بها بشكل عام، هذا أصبح بدعة إضافية. ثم أصبح الناس يعتقدون كما أنت تعتقد، هذه البدعة الثالثة.

حقيقة، ليست مشروعًا ابتداءً، أنت أَلَّفْتَه ثم عوَّدت الناس عليه بشكل ظاهر دائم، فهذا بدعة إضافية من هذه الجهة. ثم الناس صارت تعتقد ـ كما أنا أعتقد ـ يعتقدون فيه الفرضية أو السنية، فهذا بدعة حقيقية، وهو النوع الثالث من الابتداع في هذه الحالة، فهكذا بَنَى لك الثلاث أوجه. قال: ومثله يلزم في كل بدعة أُظهِرت والتُزِمت، وأما إذا خَفِيت واختص بها صاحبها فالأمر عليه أخف. نعم، أما إذا أنت حضرتك اخترعت بدعةً بس عملتها بينك وبين نفسك ولم تُظهِرها أمام الناس، فهذا الأمر فيه أخف وإثمك عند الله أقل، نعم وإن كان لا تجوز أصلاً.

قال: فيا لله ويا للمسلمين، ماذا يجري المبتدع على نفسه مما لا يكون في حسابه، وقال الله ﴿وَمَا نُبَرِّئُ نَفْسَنا﴾ إن المبتدع الذي أنشأ البدعة هو ليس فقط ابتدع، هو ابتدع ثم أظهر والتزم، ثم الناس أصبحت تعتقد مثله؛ فعليه ثلاث مصائب، كان بإمكانه يكتفي بالمصيبة الأولى وهي الابتداع، كان بإمكانه أصلاً ما يبتدع. أقصد لو اكتفى بالمصيبة الأولى لكان خيرًا له، أما وقد أقحم نفسه في هذه المهالك ونسأل الله العافية. تفضل.

يلزمه أن يعتقد فيها الوجوب أو السنية، وإن كان تشريعها أولًا يلزمك أنك أنت ابتدأت بهذا الموضوع، يلزمه أن يعتقد هو الذي أنشأ هذا الموضوع فيها الوجوب أو السنية، وهذا إشارة، إظهارها في المساجد والجماعات مواظب عليها ابتداع ثانٍ لكنه إضافي من جهة المواظبة والالتزام، وين المشكلة؟ قال: ثم إذا اعتقد فيها الفرضية، كان تشريعها أولًا يلزمه أن يعتقد، ثم إذا اعتقد ـ مش اعتقد، اعتقد من الناس، اعتقد هو ـ هكذا ينبغي يقولون: كان تشريعها أولًا يلزمه أن يعتقد فيها من جهته الوجوب أو السنية، ثم لما أُظهِرت وواظب عليها هذا ابتداع ثالث إضافي، ثم إذا اعتقد فيها ثانيًا من قِبل الناس أنها سُنة أو فرضية، صارت بدعة من ثلاثة أوجه؛ فالمبتدع هو الأول، ثم واظب وأظهر، ثم اعتقد من جهة الناس اعتقد؛ هكذا يكون مفهوم أكثر النص، نعم.

لا هو راجع الآن هنا، لاحظ أنه يجعلها إضافية من جهة ماذا؟ ما احتفَّ بها من الأحوال: المواظبة والإظهار. أنت الآن ارجع للحالة الأولى، الحالة الأولى فعل مشروع، متى تحوَّل بدعة إضافية؟ لما أنا أظهرته وبصورة دائمة، صح؟ لما أنا أظهرته وبصورة دائمة، ثم لما غيَّرت بسبب هذا الإظهار الدائم عقائد الناس تجاهه واستقر الأمر على صورته الجديدة كليًّا، عاد إلى بدعة حقيقية. طيب هسا الحالة الثانية التي تحكيها؟ نعم، إذا واحد آخر في بلد آخر قام به الاعتقاد والعمل قام به، لا يعتبر؛ يبقى ضمن البدعة الإضافية، بس إن نحن الكلام الآن أن المجتمع خَلُص، استقرت فيه هذه القضية، بس لو شخص في مجتمع آخر بدأ يعمل فيها من جديد، نعم ستبقى بدعة إضافية إلى أن تستقر. أما هنا خَلُص نحن بنحكي استقرت استقرارًا إلى أن يستقر في الناس اعتقادها، يعني أن يستقر في الناس اعتقادها خَلُص ويصبح يواظب عليها الناس في الأماكن العامة والخاصة، إذا استقر هذا أصبحت بدعة حقيقية، فهمت علي؟ نعم، لكن قبل، كأنه كأنه في شيء قبل الاستقرار وبعد الاستقرار، قبل الاستقرار ما زلنا في حيز البدعة الإضافية، إذا استقرت خَلُص، والناس شاب كما يقول: كَبُر عليها الصغير وشاب عليها الكبير، لا هي تحولت إلى بدعة حقيقية يقول بهذا المعنى.

نعم، ثم لما أمر بها في المساجد مواظبًا عليها كان تشريعًا، ولا يلزمه أن يعتقد فيها الوجوب أو السُنة؛ هو كان ما سبق الكلام أن مجرد الإظهار مع المواظبة هذا هو لحاله ابتداع دون اشتراط أن يلزم أن تكون هناك اعتقاد سُنية أو فرضية. هو كأنه في الأول قال أنه صار في، أنا فهمت عليك، ثم مواظبة بدون، هو المواظبة أصلًا هذا تشريع، ولا يلزمه مع ذلك ـ يعني مش أولًا هي ـ ولا يلزم أن يعتقد فيها سُنية أو فرضية، والثالث تزداد سوءًا إذا اعتقد فيها سُنية أو فرضية. طيب في نسخة قالت هكذا بين أيديكم: ايش مكتوب تشريعها، تشريعًا صح؟ كان تشريعًا، بس كلمة "أولًا" في حدا قال: "أولى"؟ إيش بدك تخليها؟ تشريعًا ولا، ثم إذا اعتقد فيها ثانيًا كانت، لا أنا فاهم شو قصدك؛ يعني تريد أن تقول أنه فعلها ولا يلزمه أن يعتقد فيها الوجوب أو السُنية، يعني كان تشريعًا ولا يلزمه في الحالة الأولى أن يعتقد فيها الوجوب أو السُنة حتى نحكم ببدعيتها فهي بدعة ولو لم يعتقد فيها شيء، ثم إظهارها مواظب عليها في المساجد والجماعات ابتداع ثانٍ إضافي، ثم إذا اعتقد فيها ثانيًا السُنية أو الفرضية صارت بدعة من ثلاثة أوجه.

آه، يعني كلامك ممكن يؤيده إذا بدي أقول يؤيده، أنه لو رجعنا للفقرة السابقة من عند "فالجواب"، وأن السؤال الصحيح التي هي فكرة إذا كان عمل مشروع، لما قال: أن السؤال صحيح إلا لوضعها أو النظرين؛ أحدهما من حيث هي مشروعة فلا كلام فيها، والثاني من حيث صارت كسبب موضوع لاعتقاد البدعة؛ فهي الآن ليست يُعتقد فيها البدعة، لكنها أصبحت كأنها هنا يعني تهيئ لاعتقاد الناس البدعية فيها، أنت مواظبتك عليها وإظهارها أصبحت كالسبب، هي الآن لسه ما استقرت سبب، هي كالسبب الموضوعي الذي يؤول إلى اعتقاد البدعية فيها، أما إذا استقر السبب استقرت كونها سببًا لاعتقاد البدعية وظهر عنه مسببه فعندئذ أصبحت بدعة حقيقية لا إضافية. بناءً على هذا الكلام أعتقد أن كلامك له وجهة من النظر حقيقة، لو نظرنا في نسخ أخرى من ال أو مخطوطة أخرى، يعني هذا الكلام قد يتفق مع الكلام السابق أنه هو يقول: إنسان أصبح يفعل بدعة تمام، فهذا تشريع ولا يلزم حتى يسمى تشريعًا أن يعتقد الوجوب أو السُنية، بل هي تشريع حتى ولو لم يعتقد فيها وجوبًا أو سُنية؛ أنت مارست التشريع هنا فحدث وهذا بدعة، ثم المواظبة عليها في الجمع والجماعات والأماكن العامة هذا ابتداع ثانٍ إضافي، ثم إذا استقر عند الناس أن اعتقدوا فيها السُنية أو الفرضية صارت بدعة من ثلاثة أوجه.

يعني الكلام حقيقة معقول الذي تفضلت به، الكلام الذي تفضلت به معقول، ويمكن أن يكون أقرب في تلاؤم هذه الفقرة مع الفقرة السابقة، بس تبقى قضية المخطوط: هل هناك نسخة من النسخ أو وُجِد في مخطوط من المخطوطات قضية "كان تشريعًا لا يلزمه أي أو ولا يلزمه أن يعتقد فيها الوجوب"؟ يعني هل هي الهمزة زائدة تحتاج إلى نظر؟ لكن حقيقة الكلام في جانب كبير من الصواب، نعم.

تشريعها بس هو هل اعتقد فيها الوجوب أو السُنية؟ مجرد تشريعها بدعة، آه بس هل اعتقد فيها الوجوب أو السُنية؟ يعني اعتقد أنها شيء منيح، لكن كلمة فريضة أو سُنية هذا مصطلح خاص؛ هو قد يكون لم يشرعها ابتداءً بهذه الطريقة أنه يريد أن يجعلها سُنة، لكنه اعتقدها فضيلة ثم واظب عليها بشكل علني فاستقر عند الناس اعتقاد خاطئ أن هذا الشيء سُنة أو فريضة، فلذلك استقرار هذا عند الناس جعله يعود إلى بدعة حقيقية مش بس إضافية، لأنه معتقد فاسد، فلذلك عاد من كونه إضافي إلى حقيقي، لأنه اعتقاد كله يخالف الشريعة ولم تأتِ فيه الشريعة بشكل من الأشكال. فأنا عمومًا أرى أن ما قاله أخونا سند له وجه كبير من الصواب في هذا المقام.

فصل، قال رحمه الله: فصل من تمام ما قبله، وذلك أنه وقعت نازلة بإمام مسجد، ترك ما عليه الناس بالأندلس من الدعاء للناس بآثار الصلوات بالهيئة الاجتماعية على الدوام، وهو أيضًا معهود في أكثر البلاد، فإن الإمام إذا سَلَّم من الصلاة يدعو للناس ويؤمِّن الحاضرون، وزعم التارك أن تركه بناء منه على أنه لم يكن من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعل الأئمة بعده، حسب، هي قصة صارت في الأندلس، وقعت نازلة بإمام مسجد، هذا الإمام أراد أن يخالف ما عليه الناس في مساجد الأندلس، ايش كان الناس يفعلوا من البدع؟ الدعاء بعد الصلوات بالهيئة الاجتماعية على الدوام، لاحظ داوموا، الآن خلينا نحللها شوي شوي، إنك تدعو بعد الصلاة أنت بشكل شخصي الدعاء أدبار الصلوات مشروع، صح؟ أنه بعد ما بالعكس من مواطن استجابة الدعاء أن تدعو الله عز وجل في خاصة نفسك بعض الصلوات، الآن انتشر في كثير من المساجد في الأندلس وحتى اليوم موجود بعض المساجد أنه لا، بعد ما يخلصوا صلاة يدعون الله بصورة جماعية وبشكل دائم، ها مواظبة مع إظهار، فالشيء كان الدعاء بعد الصلوات كان نافلة يعني لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله دائمًا، ما ثبت أنه كان يفعله دائمًا هو كان نافلة، حوَّلوه إلى سُنة من خلال المواظبة والإظهار الجماعي، هيك صارت بدعة مش هيك اتفقنا؟ الآن بناءً على التأصيل السابق، فإمام المسجد هذا الذي في الأندلس أراد أن يترك ما عليه الناس وأراد أن يقول لهم: والله هذا الدعاء الجماعي بعد الصلوات بشكل دائم بدعة.

قال: وهو معهود في أكثر البلاد، فإن الإمام إذا سَلَّم من الصلاة يدعو للناس ويؤمِّن الحاضرون، وزعم التارك أن تركه بناء منه على أنه لم يكن من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعل الأئمة بعده، حسب ما نقله العلماء الكبار في دواوينهم عن السلف والفقهاء، إمام مسجد جريء بده يخالف عادة مجتمعه، طيب قال: على أنه لم يكن من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعل الأئمة بعده حسب ما نقله العلماء في دواوينهم عن السلف والفقهاء، أما أنه لم يكن من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فظاهر، لأن حاله عليه السلام في أدبار الصلوات مكتوبات أو نوافل كانت بين أمرين: إما أن يذكر الله تعالى ذكرًا هو في العرف غير دعاء فليس للجماعة منه حظ، مثل استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله، بعدين بيسبح سبحان الله والحمد، التسبيح الطبيعي وهذا ليس دعاء بالمعنى المشتهر.

نعم، قال: إلا أن يقول مثل قوله أو نحوًا من قوله كما في غير أدبار الصلوات، كما جاء أنه كان يقول في دُبُر كل صلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، وقوله: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، وقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 180-182] ونحو ذلك، فإنه كان يقول في خاصة نفسه كسائر الأذكار، فمن قال مثل قوله فحسن ولا يمكن في هذا كله هيئة الاجتماع، يعني هذه الأمور ما في اللهم أنت السلام، وبعد بصوت عالي ما ما تفعل على هيئة اجتماع هذه الأمور.

وإذا كان دعاء فعامة ما جاء من دعائه عليه السلام، وأما إذا دعا دعاء وليس مجرد أذكار، إذا دعا دعاء بعد الصلاة فما الذي صح عنه في ذلك؟ نعم، فعامة ما جاء من دعائه عليه السلام بعد الصلاة مما سُمِع منه إنما كان يخص به نفسه دون الحاضرين، نعم هذه سُنة، أنه كان إذا دعا يدعو في خاصة نفسه، لم يثبت ولا مرة أنه صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة التف: يلا يا جماعة ندعوا، أمِّنوا، اللهم اغفر للحاضرين، آمين؛ هذا ما فعله، وإنما ما دعا به في بعض الصلوات دعا في خاصة نفسه كما في الترمذي، قال كما في الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة»، الحديث، إلى قوله: «ويقول عند انصرافه من الصلاة: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وأنت إلهي، لا إله إلا أنت» حسن صحيح، وفي رواية أبي داود: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم من الصلاة قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت»، فخرَّج أبو داود: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول دُبُر صلاته: اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن محمدًا عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شيء، اجعلني مخلصًا لك وأهلي في كل ساعة في الدنيا والآخرة يا ذا الجلال والإكرام، اسمع واستجب، الله أكبر، الله أكبر، الله نور السماوات والأرض، الله أكبر، الله أكبر، حسبي الله ونعم الوكيل». ولأبي داود في الباب رَبِّ أعني ولا تُعِن علي، وانصرني ولا تنصر علي.

لي ولا تمكر علي واهدني ويسر هداي إلي وانصرني على من بغى علي. إلى آخر الحديث.

وفي النسائي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول في دبر الفجر إذا صلى: «اللهم إني أسألك علماً نافعاً وعملاً متقبلاً ورزقاً طيباً».

وعن بعض الأنصار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر الصلاة: «اللهم اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم»، حتى بلغ مئة مرة. وفي رواية أن هذه الصلاة كانت صلاة الضحى.

فتأمل سياق هذه الأدعية، كل مساق تخصيص نفسه بها دون الناس؛ لأنه كان يقول: «اغفر لي وتب علي» بضمير الواحد، ولو كان يدعو للجميع، لكان ماذا قال؟ اغفر لنا وارحمنا. لاحظ يقول لك فكلها ضمير متكلم؛ دلالة على أنه دعاء شخصي.

قال: أفيكون مثل هذا حجة لفعل الناس اليوم؟ إلا أن يقال: قد جاء الدعاء للناس في مواطن كما في الخطبة التي استسقى فيها للناس ونحو ذلك. فيقال: نعم، فإن التزام ذلك جهراً للحاضرين في دبر كل صلاة مشكلة، والخطأ الأصولي أن الأفعال لا عموم لها. النبي عليه الصلاة والسلام ألم يمر عليه على المنبر لما جاءه الرجل قال: يا رسول الله هلكت الأموال من قلة المطر فادع الله أن يغيثنا، فرفع يديه وقال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» والناس أمنوا. ماشي، هذا فعله مرة على المنبر، فمن أين استفدت التزام الدعاء جهراً بعد الصلوات بشكل مستمر؟ الأفعال لا عموم لها، لو فعلته مرة لمشيناها، لكن نحن مشكلتنا معك أنها بعد كل صلاة وبصورة جماعية، هذا لم يأتِ عنه صلى الله عليه وسلم.

قال: ثم نقول إن العلماء يقولون في مثل الدعاء والذكر الوارد على أثر الصلاة أنه مستحب لا سنة ولا واجب. والدعاء أصلاً بعد أدبار الصلوات هو مستحب مندوب وليس سنة، وعرفنا شو الفرق بين المستحب المندوب والسنة؛ يعني ليس يواظب عليه، شيء شخصي تفعله في بعض الأحايين، هذه هي منزلة الدعاء بعد أدبار الصلوات ليس أكثر.

قال: وهو دليل على أمرين؛ أحدهما أن هذه الأدعية لم تكن منه عليه السلام على الدوام. يعني هذه الأدعية مثلاً، هل كان يدعو بها بعد كل صلاة عليه الصلاة والسلام؟ لا، كان يفعلها أحياناً.

والثاني أنه لم يكن يجهر بها دائماً ولا يظهرها للناس في غير مواطن التعليم، إذ لو كانت على الدوام وعلى الإظهار لكانت سنة، ولم يسع العلماء أن يقولوا فيها بغير السنة؛ إذ خاصية السنة حسب ما ذكروه الدوام والإظهار في مجامع الناس، هي خاصية السنة؛ يعني الصفة المميزة للسنة. خصائص السنة ما هي؟ إظهار زائد دوام، مش هيك حكينا؟ عند المالكية السنة لا تكون إلا بخاصيتين؛ إظهار زائد مواظبة، وهذا لم ينقل عن الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد كل صلاة كان يدعو هذه الأدعية أو يخصها بدعاء.

الآن هون يقول إنه نفي السنة دليل على أنها لم تكن على الدوام ولم تكن على الإظهار، يعني نفى الشرطين المفروض لو اختل شرط واحد منهم خلص لا تعتبر سنة، مفهومها إذا اختل شرط منهما لا تعتبر سنة. بس هون استدل بأنها ليست سنة بأن العلماء قالوا إنها مستحب، وأنها ليست على الدوام ولا على الإظهار، إنه الاثنين انتفيا، فهذا زيادة تأكيد على أنها ليست سنة؛ أنه لا كان يواظب ولا كان يجهر.

لكن أقصد استدل بكلام العلماء، قال إنه العلماء يقولون في مثل هذا إنه مستحب لا سنة ولا واجب، هو دليل على أمرين: أن الأدعية لم يداوم عليها، وأنه لم يكن يجهر بها. قد يكون دليل على أحدهما، يعني ممكن من ناحية منطقية تناقش بهذا أنه هذا ليس دليلاً، لكن هو أراد أن يقول إن الأدلة الأثرية تدل على انتفاء الأمرين، فلا يؤاخذ في مثل هذا، جزاكم الله خيراً.

قال: ولا يقال لو كان دعاءه عليه السلام سراً لم يؤخذ عنه؛ لأننا نقول: من كانت عادته الإسرار، فلا بد أن يظهر منه ولو مرة، أما بحكم العادة، وأما بقصد التنبيه على التشريع. فإن قيل: ظواهر الأحاديث تدل على الدوام؛ بقولهم كان يفعل، فإنه يدل على الدوام كقولهم: كان حاتم يكرم الضيفان. يعني الآن في أصول الفقه إذا جاء في الحديث كان صلى الله عليه وسلم يفعل كذا، تجدهم في كتب أصول الفقه يقولون: كان تدل على الدوام، هل صحيح أن كل حديث مصدر بكان صلى الله عليه وسلم يفعل تدل على الدوام المطلق؟ قلنا ليس كذلك، بل تطلق على الدوام وعلى الكثرة والتكرار على الجملة. ورود كلمة كان في الحديث لا يدل شرطاً لازماً على الدوام الذي لا ينقطع، فإن كان تطلق على الدوام أحياناً فعلاً، وعلى الكثرة والتكرار على الجملة وإن لم يكن على وجه الدوام، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وروت أيضاً أنه كان عليه السلام ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء، فهما حديثان متعارضان وفي كل حديث كان. إذاً هذا يدل على الكثرة هنا وهنا.

قال: بل قد يأتي في بعض الأحاديث كان يفعل فيما لم يفعله إلا مرة واحدة، بل ثبت أن بعض الأحاديث يقول كان يفعل وهو لم يفعله إلا مرة واحدة، فبالتالي لا تأخذ القواعد الأصولية على إطلاقها. ولو كان يداوم المداومة التامة لألحق بالسنن كالوتر وغيره. ولو سلم فأين هيئة الاجتماع؟ فقد حصل أن الدعاء بهيئة الاجتماع دائماً لم يكن من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما لم يكن من قوله ولا من إقراره، وروى البخاري من حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكث إذا سلم يسيراً، قال ابن شهاب: حتى ينصرف النساء فيما نرى. وفيه مكث يسيراً يدل على أنه ما كان في وقت حتى يجمع الناس للدعاء، هكذا يقول لك؛ يعني هو كان يجلس دقيقة دقيقتين ويقوم، ولم يكن يحرص على أن يبقى في مجلسه بعد الصلاة بل كان سريعاً ما يغادر مجلسه، فهذا يدل على أنه لم يحرص على الدعاء الجماعي بعد الصلوات.

وفي مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». وأما فعل الأئمة بعده، فقد نقل الفقهاء من حديث أنس في غير كتب الصحيح.

أنا بس أقف اليوم عند هذا المقدار، سامحوني؛ لأنه عندي ظرف لازم أغادر، لكن نقف اليوم عند هذا المقدار، ونكمل هذه قضية الدعاء بالهيئة الاجتماعية بعد الصلوات في الدرس القادم إن شاء الله، وسامحونا كان لازم أنهي هذا الفصل، لكن سبحان الله الوقت. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.