دخولتسجيل الدخول

التعليقُ على كتاب الاعتصام للشاطبي | برنامج المُدارسة | المجلس السابع عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

حياكم الله في مجلس يتجدد بنا في التعليق على كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي ضمن برنامج المدارسة. هذا الكتاب العظيم الذي يشكل أصلاً من أصول التفرقة بين السنة والبدعة، بتفصيل عميق وتدقيق كبير لعالم محقق كالإمام الشاطبي رحمه الله تعالى. وحري بمثل هذه الكتب أن تقرأ مرات ومرات؛ فمثل هذه الكتب لا يكتفى فيها بالقراءة الأولى. القراءة الأولى هي قراءة الشرح والتفصيل والبيان، ولكن تحتاج حتى تتشرب الأفكار أن تعيد قراءتها ثلاثاً وأربعاً وخمساً. هذه كتب تعتبر أمهات وأصلية في بابها وفي مضمونها وفي طريقة تعاطيها مع المواضيع، بحيث يحتاج الطالب أن يعكف عليها في قراءات متتالية حتى ترسخ وتتخمر الأفكار الموجودة فيها.

نرجو الله أن يجزي الإمام الشاطبي خير الجزاء على هذه المادة الفريدة التي بالتأكيد لم تكتب إلا بالتوسع في القراءة والنظر والبحث والتدقيق في المسائل والاستنباط. وهذا الذي يحتاجه طالب العلم اليوم؛ فللأسف كثير من طلاب العلم اليوم فقدوا مهارة التأمل والتدبر والاستنباط، لأن الكل أصبح يتعامل مع السوشيال ميديا. السوشيال ميديا حرمتنا من أن نعطي أذهاننا فترة من التفكر في المسائل والتدقيق فيها والتحليل، لأنك دائماً تشاهد وتقلب، فيصبح العقل نفسه نمطه لا يعتمد على التأمل ولا على التفكر، وإنما يعتمد فقط على التلقي السريع الذي يحرم أي فكرة من النضوج حقيقةً، ليكون الكلام فقط ببادئ الرأي.

نسأل الله أن يعلمنا وأن يبصرنا، وهذه فائدة مثل هذه المجالس حقيقةً، وهي إعادة هذه الملكات لطلاب العلم. لو لم يكن لمجالس المدارسة طويلة النفس فائدة إلا إعادة هذه الملكات، ملكات القراءة من كتاب، وأن أعكف ساعات، وأن أحاول تحليل النص، وأفهم ماذا يريد أن يقول، وأبني فكرة، لكانت هذه نعمة عظيمة لهذه المجالس. لكن قل من ينتبه لهذه الأمور في هذا الزمان، أسأل الله التوفيق والسداد.

وصلنا إلى الباب السابع مع الإمام الشاطبي، باب أراد أن يحرر فيه مسألة: هل البدعة يمكن أن تدخل في الأمور العادية كما تدخل في الأمور العبادية؟ وهذه مرتبطة بتعريف البدعة الذي بدأ به في مطلع الكتاب، لما عرف البدعة أعطاها تعريفين: التعريف الأول خاص بباب العبادات، ثم قال: ويجوز أن يُعرف بما يشمل العبادات والعادات. والآن أتى ليحرر هل أصالةً يمكن أن ندخل البدعة حتى في أمور العادات كعادات الطعام، والشراب، والبيوع، والمعاملات، والمناكحات؟ هل يمكن أن يدخل هذا شيء من الابتداع أيضاً؟ أم أن البدعة مفهوم قاصر على باب العبادات؟ هذا ما يحرره في هذا الفصل المختصر.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف والحاضرين والسامعين ونج المستضعفين من المؤمنين. قال رحمه الله تعالى: الباب السابع في الابتداع هل يدخل في الأمور العادية أم يختص بالأمور العبادية؟ قال: قد تقدم في حد البدعة ما يقتضي الخلاف فيه: هل يدخل في الأمور العادية أم لا؟ أما العبادية فلا إشكال في دخوله فيها، وهي عامة الباب؛ إذ الأمور العبادية إما أعمال قلبية وأمور اعتقادية، وإما أعمال جوارح من قول أو فعل، وكلا القسمين قد دخل فيه الابتداع، كمذهب القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة، وكذلك مذهب الإباحية، واختراع العبادات على غير مثال سابق ولا أصل مرجوع إليه.

بالإباحية يقصد الصوفية الذين استباحوا المحرمات، وجعلوا استباحتهم للمحرمات شكلاً من أشكال التعبد، كما مر معنا في كتاب الاستقامة، لما ذكر أنهم لم يقتصروا فقط على أن جعلوا السماع واستباحة المحرمات شهوات، لا، جعلوها طريقة من طرق التعبد لله، والعياذ بالله.

قال: وأما العادية فاقتضى النظر وقوع الخلاف فيها، وأمثلتها ظاهرة مما تقدم في تقسيم البدع، كالمكوس والمحدثات من المظالم، وتقديم الجهال على العلماء في الولايات العلمية، وتولية المناصب الشريفة لمن ليس لها بأهل بل بطريق الوراثة، وإقامة صور الأئمة وولاة الأمور والقضاة، واتخاذ المناخل، وغسل اليد بالصناعة، ولبس الطيالسة، وتوسيع الأكمام، وأشباه ذلك من الأمور التي لم تكن في الزمن الفاضل.

هو ذكر لك أمثلة على كثير من الأمور العادية التي يريد أن يبحث الآن هل يجوز أن نقول إنها بدع أيضاً. مثل المكوس؛ وهي الضرائب، ما استحدث من المظالم. تقديم الجهال على العلماء في الولايات العلمية؛ أن تضع جاهلاً مفتياً أو تضعه في منصب قاضي. تولية المناصب الشريفة لمن ليس بأهل لها، بل بمجرد ولاية العهد. إقامة صور الأئمة وولاة الأمور والقضاة؛ حقيقة لم يظهر لي ماذا يقصد بإقامة صور الأئمة، كيف يتم ذلك؟ المهم اتخاذ المناخل، غسل اليد بالصابون، الأسنان مثلاً.

قال: فإنها أمور جرت في الناس وكثر العمل بها وشاعت وذاعت، فلحقت بالبدع، وصارت كالعبادات المخترعة الجارية في الأمة. وهذا من الأدلة الدالة على ما قلنا. وإليه مال القرافي وشيخه ابن عبد السلام، وذهب إليه بعض السلف. فروى أبو نعيم الحافظ عن محمد بن أسلم أنه وُلد له ولد، قال محمد بن القاسم الطوسي: فقال لي: اشترِ كبشين عظيمين، ودفع إليّ دراهم، فاشتريت له، وأعطاني عشرة دراهم، فقال لي: اشترِ بها دقيقاً وخبزه. قال: فنخلت الدقيق وخبزته، ثم جئت به، فقال: نخلت هذا؟ وأعطاني عشرة أخرى وقال: اشترِ به دقيقاً ولا تنخله واخبزه. فخبزته وحملت إليه، اشترى دقيقاً ونخله؛ نخله يعني صفاه من القشر. قال: نخلته؟ قال: ارجع اشترِ مرة أخرى. قال: فأعطاني عشرة دنانير أخرى وقال: اشترِ به دقيقاً ولا تنخله واخبزه مباشرةً بدون نخل. بتذكر هي قضية النخل التي مرت معنا في أول الكتاب.

قال: فقال لي يا أبا عبد الله، العقيقة سنة، ونخل الدقيق بدعة، ولا ينبغي أن يكون في السنة بدعة، ولم أحب أن يكون ذلك الخبز في بيتي بعد أن يكون بدعة. يعني مثلاً هنا ماذا اعتقد؟ محمد بن أسلم يرى أن نخل الدقيق يشكل شكلاً من أشكال البدعة، هذا الترفه هو شكل من أشكال الابتداع. وشوف، وهذه من الأمور العادية. ومحمد بن أسلم هذا هو الذي فسر به حديث إسحاق بن راهويه حين سئل عن السواد الأعظم في قوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالسواد الأعظم»، فقال: محمد بن أسلم وأصحابه، حسب ما يأتي إن شاء الله في موضعه من هذا الكتاب.

قال: وأيضاً فإن تصور في العبادات وقوع الابتداع تصور في العادات؛ لأنه لا فرق بينهما. فالأمور المشروعة تارة تكون عبادية وتارة عادية، فكلاهما مشروع من قبل الشارع، فكما تقع المخالفة بالابتداع في أحدهما تقع في الآخر. إذاً يرى الشاطبي أيضاً هنا: وأيضاً فإن تصور في العبادات وقوع الابتداع تصور في العادات وقوع الابتداع، لأنه لا فرق بينهما. فالأمور المشروعة تارة تكون عبادية وتارة تكون عادية، فكلاهما مشروع أو أخذ شرعيته من قبل الشارع، فكما تقع البدع في العبادات يمكن أن تقع في العادات.

طبعاً هنا أرجع للصفحة السابقة، لما قال بعد ذكر الأمثلة لما قال: ولبس الطيالسة وتوسيع الأكمام، قال: وأشباه ذلك من الأمور التي لم تكن في الزمن الفاضل والسلف الصالح، فإنها أمور جرت في الناس وكثر العمل بها وشاعت وذاعت، فلحقت بالبدع وصارت كالعبادات المخترعة الجارية في الأمة. ثم ايش ختم هذه الفقرة؟ وهذا من الأدلة الدالة على ما قلنا. على ما قلنا أنه: نعم أن البدع تدخل في العادات. هذا يقول: وهذه الأمور قد شاعت وانتشرت وكثر العمل بها فلحقت بالبدع، وصارت كالعبادات المخترعة الجارية في الأمة، يعني هذه البدع العادية أصبحت كالعبادات، فاعتبر أن جريان الناس على هذه الأمور وشيوع هذه الأمور في الناس، هذه الأمور العادية شكل من أشكال البدع.

بس طبعاً هو سيفصل أكثر فيها. قال: واعتبر هذا من الأدلة الدالة على ما قلنا، على ما قلنا سابقاً من أن البدع تدخل في العادات كما تدخل في العبادات. وإليه مال القرافي وشيخه العز بن عبد السلام، وذهب إليه بعض السلف. لكن نحتاج أن نحرر أكثر كيف تدخل البدع في باب العادات؟ هذا الموضوع الذي يحتاج إلى تحرير.

ووجه ثالث، قال: وجه ثالث هو أن الشرع جاء بالوعيد بأشياء تكون في آخر الزمان هي خارجة عن سنته، فتدخل فيما تقدمت تمثيله، لأنها من جنس واحد. في الصحيح عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون بعدي أثرةً وأموراً تنكرونها». قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدوا إليهم حقهم، واسألوا الله حقكم». وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كره من أميره شيئاً فليصبر»، وفي رواية: «من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتة الجاهلية».

الآن سيذكر الأحاديث التي تذكر عن تغيرات ستكون في آخر الزمان، وهذه التغيرات ستكون مش في أمور عبادية فقط، بل ستكون في أمور حتى في الحكم والسياسة وطبائع الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكرها أنها من آخر الزمان على وجه الذم لها، وليس على وجه التقرير لها، وأنها خارجة عن سنته، إذاً هي من الأمور البدعية. هذا ما يريد أن يقوله الشاطبي في الاستدلال الثالث.

قال: ووجه ثالث في الاستدلال على أن العادات تدخلها البدع: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أموراً ستكون في آخر الزمان هي خارجة عن سنته وحذر منها ونبه منها، مع أنها مش في أمور عبادية، مش في صلاة وذكر وكذا، بل في أمور تتعلق بالسياسة والحكم. مثلاً الحديث: «إنكم سترون بعدي أثرةً»؛ أي التكالب على الدنيا، «وأموراً تنكرونها، فأدوا إلى الحكام حقهم، واسألوا الله حقكم». حديث «من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة...». يعني هنا النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من أمور ستكون في آخر الزمان، هي مش أمور عبادية، هي أمور عادية في السياسة، في الحكم، في الاجتماع، في كذا، يحذر منها. هذا التحذير منها يدل على أنها فيها شيء من الابتداع، حتى ولو كانت في السياسة أو الأمور الاجتماعية والحياتية. فهذه طريقة ثالثة في الاستدلال.

إذاً الوجه الأول ما هو؟ لأنّه قال وجه ثالث، أنا بحب حتى يكون الطالب مستدرك تماماً، أين الوجه الأول؟ أنا أعتقد الوجه الأول قوله: وأشباه هذه الأمور التي انتشرت فأصبحت أموراً جرت في الناس وكثر العمل بها وشاعت وذاعت فلحقت بالبدع، وصارت كالعبادات المخترعة، وهذا من الأدلة الدالة على ما قلنا، وذكر لك أيضاً أنه كيف بعض السلف كان يعتقد ذلك بقصة محمد بن أسلم كنموذج على بعض السلف. ثم الدليل الثاني: وأيضاً فإن تصور في العبادات وقوع الابتداع تصور في العادات وقوع الابتداع. هذا الدليل الثاني. الدليل الثالث على أن البدع تدخل في العادات هو الوعيد على ما في آخر الزمان. فهذه ثلاثة أدلة عمومية على احتمالية دخول البدع في العادات.

طيب، نكمل الدليل الثالث استقراءً سريعا. قال: في الصحيح أيضاً: «إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويُلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج». قالوا: يا رسول الله، ما هو؟ قال: «القتل». عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بين يدي الساعة لأياماً ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج، والهرج: القتل».

عن حذيفة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة. حدثنا عن رفعها، قال: «ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل أثر المجل؛ كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبراً وليس فيه شيء». ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل: ما أعقله! وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. الحديث.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة، وحتى يُبعث دجالون كذابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يُقبض العلم»، ثم قال: «وحتى يتطاول الناس في البنيان»، إلى آخر الحديث. هذا موطن الشاهد: «وحتى يتطاول الناس في البنيان»، هذه مش أمور عبادية، هي أمور عادية، ومع ذلك تكلّم عنها على أنها ليست من هدي الإسلام.

وعن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».

ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه السلام قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا». وفسر ذلك الحسن، فقال: يصبح محرما لدم أخيه وعرضه وماله ويمسي مستحلا له. كأنه تأوله على الحديث الآخر: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض». والله أعلم.

وهذا والعياذ بالله يدل على انتشار التكفير في آخر الزمان. انتشار التكفير لما يقول لك يصبح محرما لدم أخيه وعرضه ويمسي مستحلا له؛ كفره، أمبارح كان أخوه مسلما، اليوم شافه كذا وما عجبهش قال لك خلاص كافر واستحله. انتشار فتنة التكفير والغلو في التكفير في آخر الزمان والعياذ بالله ستكون إحدى القواصم التي تستحل بها دماء المسلمين.

قال عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، وتشرب الخمر، ويكثر النساء، ويقل الرجال، حتى يكون قيم خمسين امرأة قيم واحد». قيم واحد يعني مسؤول واحد يدبر شأنهن، يكون الرجل مسؤولا عن تدبير شأن بنات عمه وبنات خاله وكذا، ما فيش رجال كثر، فيكون الرجل مسؤولا عن خمسين امرأة.

ومن غريب حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة، حل بها البلاء». قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: «إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغنما، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذت القيان والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، أو خسفا ومسخا».

وفي الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه قريب من هذا، وفيه: وتعلم لغير الدين، وفيه: وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وفيه: وظهرت القينات والمعازف، وفي آخره: فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا، آيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع. كنظام بال يعني كمسبحة أو شيء، كنظام أي سلك كان فيه خرزات قطع فتدحرجت هذه الخرزات منه.

فهذه الأحاديث وأمثالها مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون في هذه الأمة بعده، إنما هو في الحقيقة تبديل الأعمال التي كانوا أحق بالعمل بها، فلما عوضوا منها غيرها وفشا فيها، حتى كأنه من المعمول به تشريعا، كان من جملة الحوادث فيها؛ يعني هذه الأعمال من الفساد ظهور القيان والمعازف وشرب الخمور. الآن حريب الأمة أنه ما تفعل هذه الأمور، الجور، ظلم الحكام، كان الأولى بهم أن يتمسكوا بالأخلاق الحميدة ومناقب ما دعت إليه الدين. فلما في آخر الزمان يستبدل الناس محاسن الأعمال بمساوئها، وفشا فيها حتى كأنه من المعمول به تشريعا.

فهمتم هذه العبارة؟ يعني حتى أصبحت كأنها هي الحالة الطبيعية. الحالة الطبيعية وجود المعازف في حياتنا، وهذا بدأ يظهر اليوم؛ أصبح للأسف حالة طبيعية عند الناس وجود المعازف، يعني مهما كنت ورعا بمجرد ما تفتح نشرة أخبار في معازف، بمجرد ما تفتح أي دعاية لأي عقار لأي شيء في معازف، فأصبح هذا كأنه تشريع، كأنه حالة الناس متماشية معها. القيان، المعازف، أكل الربا، شرب الخمور؛ لسه بعض الأمور ما وصلت إلى أقصى درجتها، لكن المشكلة أن تتحول هذه إلى أحوال طبيعية يتعامل معها الناس يوميا بدون استنكار المجتمع لها. أليس هذا شكلا من أشكال التشريع لها؟ هكذا يرى الشاطبي، شوف النظرة الثاقبة؛ أليس هذا التماهي مع الباطل والرضا به في الحياة العامة والسكون إليه؟ ماشي، مجوز أنت منكره في قلبك بس خلص، يعني الأمور خرجت عن السيطرة وأصبحت ترى صور النساء والمعازف والاختلاط، الاختلاط أصبح يشرع في كل الدوائر العامة والخاصة والجامعات، وأصبح بالعكس، إذا أنت بتحكي إن الاختلاط غلط أنت رجعي، لأن أنت وين عايش؟ شوف الناس وين عايشة! اللبس الخاطئ للحجاب للمرأة والأشكال التي نراها وأصبحت تعتبر من الأشياء الطبيعية التي مطلوب منكم أنتم كمشايخ تشرعنوها وتجدوا مخارج لها؛ لأن الواقع أصبح أقوى منكم. مثلا فيرى الشاطبي أن كل هذا الفساد لما فشا وحس، أصبح كأنه تشريع. أليس هذا شكل من أشكال الابتداع في العادات؟ لأن أصبحت الرضا وهذا السكون يقرب أن يكون تشريعا، وإن لم يكن تصريح بذلك منكم.

كان من جملة الحوادث الطارئة نحو ما بين القرافي ومن ذهب مذهبه، فأكثرها جار في العادات لا في العبادات؛ فليكن الابتداع ثابتا في العادات كما اتفق على جريانه في العبادات. والذين ذهبوا إلى أنه مختص بالعبادات، لا يسلمون جميع ما ذكره الأولون. وأما ما تقدم عن القرافي وشيخه، فقد مر الجواب عنه، فإنها معاص في الجملة ومخالفات للمشروع كالمكوس والمظالم وتقديم الجهال على العلماء وغير ذلك. الذين يرفضون إدخال العادات تحت باب الابتداع، يقولون هذه الأمثلة التي ذكرتموها من ظهور القيان والمعازف والمكوس، والتي ستزداد في آخر الزمان، هذه تعتبر معاصي، نحن لا ندخلها في الابتداع، لا، هي اسمها معاصي ومخالفات شرعية، وإدخال القرافي لها فتحت باب البدع نحن أصلا لا نوافق عليه، خلص نبقي لها اسم المعاصي دون إعطائها صبغة البدعة.

والمباح منها كالمناخل إن فرض مباحا كما قالوا، فإنما إباحته بدليل شرعي فلا ابتداع فيه، وإن فرض مكروها كما أشار إليه كلام محمد بن أسلم، فوجه الكراهية عنده كونه عدت من المحدثات، إذ في الأثر: أول ما أحدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المناخل. فأخذ من هو رأى أنها مجرد أنها أحدثت هو كارهها، لكن هذا لا يستلزم أنه يرى بدعيتها. نقول محمد بن أسلم عنده ورع كبير لدرجة أنه بمجرد ما رأى المناخل أحدثت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن في زمنه، مع أنه كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم أن يستعملها، رأى أن هذا مطلق الإحداث يقتضي كراهته مع وجود المقتضي في زمن النبوة يقتضي الكراهة، حتى ولو كان في باب العادات. عرفتم ماذا يريد أن يقول؟ لذلك قال فوجه الكراهية عنده -أي عند محمد بن أسلم- كونها عدت هذه المناخل من المحدثات. يعني كيف يجيء اليوم على شيخ ما كان عايش زمن التلفزيونات وكذا، فلما يصير عندك تلفزيون يقول لك لا أنا أكره هذا وهذا ما كان زمن السلف الصالح، هو يراها محدثة بس إحنا حنخالف، أنه هذا في باب العادات الأمر مختلف عن باب العبادات.

يعني في الأمور التي هي في طبيعتها مباحة باب العادات، هل لأنه النبي صلى الله عليه وسلم كان بإمكانه يتخذ مناخل وما استعملها يدل على أن اتخاذ المناخل بعده ونحن نستعملها بدعة؟ هذا هو النقاش، ومحمد بن أسلم يرى أنه نعم، الأصل أن نترك ذلك ما دام النبي صلى الله عليه وسلم لم يستعمله، حتى ولو كان من باب العادات. لذلك قال: زاد في الأثر: أول ما أحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم المناخل. فأخذ بظاهر اللفظ من أخذ بهم كمحمد بن أسلم، والظاهر أن ذلك من ناحية السرف والتنعم الذي أشار إلى كراهيته قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: 20]، ولا من جهة أنه بدعة، لذلك يقول الشاطبي والظاهر أن ذلك ليس من ناحية الابتداع حقيقة، يعني لا نقول إن محمد بن أسلم هو فعلا يرى البدعية، وإنما هو لما رفض استعمال المناخل من باب كراهية السرف والتنعم حتى لا يكون داخلا في قوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾، وليس أنه تجنبها لأنه يعتقد فعلا بدعية استعمال المناخل.

وقولهم كما يتصور ذلك في العبادات يتصور في العادات؛ مسلم، وليس كلامنا في الجواز العقلي وإنما كلامنا في الوقوع، وفيه النزاع. أيضا الذين يرفضون إدخال العادات في البدع يقولون ماذا؟ من حيث التصور العقلي ماشي، يجوز أن تكون البدع في العادات كما تكون في العبادات، لكن ليس هذا مكان النقاش، إحنا نقاشنا ليس في الجواز العقلي وإنما في الوقوع الشرعي، هل وقع هذا شرعا؟ هل في الشرع ما يدل على هذا؟ ففرق بين، وهذا كثير في الأصول، بيقولك مسألة جائزة عقلا لكن غير واقعة شرعا. فهؤلاء الذين يدافعون على أن البدع خاصة بالعبادات يقولون: نعم، وإن كان يتصور عقلا إدخال البدع في العادات، لكن ليس كلامنا في الجواز العقلي، نحن ما بنتكلم أنه هل يجوز عقلا، نتكلم هل في دليل شرعي على ذلك؟ منطقة النقاش.

وأما ما احتج به من الأحاديث، فليس فيها على المسألة دليل واحد، إذ لم ينص على أنها بدع أو محدثات أو ما يشير إلى ذلك المعنى. أما الآن هذا ردهم على الدليل الثالث، أما استدلالكم بما سيقع آخر الزمان من الفتن، فلا يوجد في حديث منها النص على أنها بدعة، وإنما فيها تحذير منها فقط؛ التحذير من القيان، من المعازف، من الاختلاط، وليس فيها تنصيص على أنها تسمى بدعة. وأيضا فإن إن عدوا كل محدث في العادات بدعة فليعدوا جميع ما لم يكن فيه من المآكل والمشارب والملابس والكلام والمسائل النازلة التي لا عهد لها في الزمان الأول بدعة، وهذا شنيع؛ يعني لو بدكم تطردوا إذا كل طعام وكل شراب وكل جهاز وكل سجاد وكل شيء لم يكن في الزمان الأول وأحدثه الناس بدها تكون بدعة! فما الضابط للبدع في باب العادات؟ أعطونا ضابطا.

فإن من العوائد ما يختلف بحسب الأزمان والأمكنة والأمم، أيكون كل من خالف العرب الذين أدركوا الصحابة واعتادوا مثل عوائدهم غير متبعين لهم؟ هذا من المستنكر جدا. لابد من المحافظة في العوائد المختلفة على الحدود الشرعية والقوانين الجارية على مقتضى الكتاب والسنة. وأيضا، يعني نحن متفقين جميعا أنه أي عادة بدك تنشئها لا بد تكون منضبطة بحدود الشريعة، صح؟ يعني لا يجوز أن يكون فيها مخالفات شرعية، لكن هل مجرد إنشاء العادات يعتبر بدعة؟ لابد من المحافظة في العوائد المختلفة على الحدود الشرعية، مثلا زي عادات الأعراس، هسا بجوز عندكم في اليمن عادات في الأعراس، بجوز الشيخ في نيجيريا عندهم عادات في الأعراس، هسا مش مشكلة اختلاف عادات الأعراس، هيك بيحكوا هذول الجماعة، مش مشكلة اختلاف عاداتنا في الأعراس، المهم أي عادة بدك تنشئها تكون ضمن إيش؟ ضمن الحدود والإطار الشرعي، لا تعمل فيها شيئا حراما. أما أنت بتعمل العرس بطريقة، هذا يعمل العرس بطريقة، هذه الدولة هذه، اختلاف في العوائد لا إشكال فيه ما دمنا ضمن الإطار.

وأيضا فقد يكون التزام الزي الواحد والحالة الواحدة أو العادة الواحدة عناء ومشقة لاختلاف الأخلاق والأزمنة والبقاع والأحوال، والشريعة تأبى الحرج في كل ما دل الشرع على جوازه ولم يكن ثم معارض؛ يعني لو بدنا نمنع استحداث الألبسة بالتالي نحن بدنا نخاطب كل العالم الإسلامي من إندونيسيا إلى الفلبين إلى كذا، الكل بده يلبس لباس واحد، الدشداشة والشماغ، بقول لك طيب هذا فيه عناء على الناس! ما هو كل دولة لها ثقافتها لها طريقتها في اللباس، فأنا لا يمكن إذا دولة استحدثت لباسا معينا أو نشأ عندهم في العجم أقول له لا هذا اللباس بدعة لأنه لم يكن زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ومش حيزبط الكلام بهذه الطريقة.

وإنما جعل الشارع ما تقدم في الأحاديث المذكورة من فساد الزمان وأشراط الساعة لظهورها وفحشها بالنسبة إلى متقدم الزمان، فإن الخير كان أظهر والشر كان أخفى وأقل، بخلاف آخر الزمان فإن الأمر فيه على العكس؛ فالشر فيه أظهر والخير أخفى وأقل. وأما كون تلك الأشياء بدعا فغير مفهوم على الطريقتين في حد البدعة، فرجع النظر فيها تجده كذلك، والصواب في المسألة طريقة أخرى؛ إذ اعتبار ما يحصل في آخر الزمان شكلا من أشكال البدع هذا فيه نظر، يقول لك أنا لا أراه مفهوما. الصواب أن هذه معاصي وذنوب كانت موجودة حتى في الزمن الأول، لكنها ستكثر أكثر وأكثر في الأزمنة المتأخرة، فأنت ما بتتكلم عن بدع، أنت بتتكلم عن ماذا؟ عن ذنوب. لكن النظر إليها أنها أصبحت حالة مستقرة في الناس كأنها تشريع، يعني ممكن يخليها بدعة من هذه الجهة.

فإذا الشاطبي ماذا سيقول؟ والصواب في المسألة طريقة أخرى وهي تجمع شتات النظرين وتحقق المقصود في الطريقتين، وهو الذي بني عليه ترجمة هذا الباب، فلنفرده. فقال يلا الآن سيبدأ الشاطبي يعطيك وجهة نظره في هذا الموضوع بالتحرير، قال رحمه الله: فصل؛ أفعال المكلفين بحسب.

النظر الشرعي إلى الأفعال على ضربين: أحدهما أن تكون من قبيل التعبدات، والثاني أن تكون من قبيل العادات. فأما الأول فلا نظر فيه هاهنا. نعم، أفعال المكلفين التي نعملها أنا وإياك في حياتنا هي إما أفعال تعبدية، كالصلاة والزكاة والصيام والذكر وقراءة القرآن، أو أفعال عادية، كالأكل والشرب والبيع والشراء. أما ما كان من قبيل العبادات فقد تكلمنا عنه في الكتاب كلياته، وذكرنا أنواعه وأشكاله وما يدخل فيه من البدع. نحن موضوعنا القسم الثاني: الأفعال التي نفعلها كعادات اجتماعية وحياتية.

قال: فأما الأول فلا نظر فيه هاهنا، وأما الثاني وهو العادي، فظاهر النقل عن السلف الأولين أن المسألة مختلف فيها. فمنهم من يرشد كلامه إلى أن العاديات كالعباديات؛ فكما أننا مأمورون في العبادات بألا نحدث فيها، فكذلك في العاديات. وهو ظاهر كلام محمد بن محمد بن أسلم، حيث كره في السنة العقيقة مخالفة من قبله في أمر عادي، وهو المناخل التي هي قصة المناخل التي ذكرناها. قال: مع العلم بأنه معقول المعنى، نظراً منه والله أعلم إلى أن استعمال المناخل أمر معقول المعنى، أنت ليش بتستعمل المناخل؟ حتى تصفي الحب من القشر. ومع ذلك محمد بن أسلم رأى أن هذا شكل من أشكال الابتداع، وأن البدع تدخل في العاديات كالعبادات. قال: كنظر منه والله أعلم إلى أن الأمر باتباع الأولين على العموم غلب عليه جهة التعبد.

ويظهر أيضاً من كلام من قال: أول ما أحدث الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المناخل. نعم، لأنك لما تسمع هذا الأثر وقول بعضهم: أول ما أحدث الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم المناخل، إيش بيعطيك هذا الأثر انطباعاً؟ أن هذا الرجل القائل هذا الكلام يعتبر المناخل، يقول لك: أول شيء أحدثه الناس، الله يهديهم، بعد النبي صلى الله عليه وسلم المناخل، إذاً هو يرى أن اتخاذ المناخل -وهي من العاديات- يعتبرها مشكلة، وأنها شكل من أشكال الابتداع.

وحكى ربي بن أبي راشد أنه قال: لولا أن أخالف من كان قبلي لكانت الجبانة مسكني إلى أن أموت. والسكنى عادي، والسكن عادي بلا إشكال. مثلاً هذا الرجل إيش يقول؟ لولا أن أخالف السلف لسكنت في المقبرة، لجعلت المقبرة سكني إلى أن أموت. الجبانة هي المقبرة. طيب لماذا لم يفعل ذلك؟ مع أن السكن الآن اختيار مكان السكن أمر عادي ولا عبادة يا جماعة؟ اختيار مكان السكن أمر عادي، يعني بدك تسكن هون، بدك تسكن هون. طيب لماذا هو رفض أن يسكن في المقبرة مع أنه يحب ذلك؟ حتى لا يخالف السلف. إذاً هو يرى أن اتخاذ المسكن داخل المقابر، وإن كان من العاديات، لكن فيه نوع من أشكال البدعة؛ لأن السلف لم يكونوا يسكنون داخل المقابر. هو ليش بده يسكن في المقبرة؟ حتى يبقى متذكراً، واعظاً نفسه بمشهد الأموات.

وعلى هذا الترتيب يكون قسم العاديات داخلاً في قسم العبادات، فدخول الابتداع فيه ظاهر، والأكثرون على خلاف هذا. إذاً، والأكثرون على خلاف هذا، إذاً هو الشاطبي عم يرصد أنه في خلاف بين المتقدمين: هل تعد العاديات من البدع ولا لا؟ فيقول لك: في طائفة من السلف هذا ظاهر كلامهم، أنهم جعلوا العاديات كالعبادات يدخلها الابتداع، وذكر لك محمد بن أسلم وغيره. قال: والأكثرون، إذاً الشاطبي هكذا يقول: الأكثر لا يقول لك العاديات لا يدخلها الابتداع.

وعليه نبني الكلام فنقول: ثبت في الأصول الشرعية أنه لا بد في كل عادي من شائبة التعبد؛ لأن ما لم يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد بالتعبدي، وما عرف معناه وعقلت مصلحته أو مفسدته على التفصيل فهو المراد بالعادي. فالطهارات والصلوات والصيام والحج تعبدي، والبيع والشراء والنكاح والطلاق والإجارات والجنايات كلها عادي؛ لأن أحكامها معقولة المعنى. ومع أنها معقولة المعنى لا بد فيها من التعبد؛ إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها، كانت اقتضاءً أو تخييراً، فإن التخيير في التعبدات إلزام كما أن الاقتضاء إلزام، حسب ما تقرر برهانه في كتاب الموافقات.

وإذا كان كذلك فقد ظهر اشتراك القسمين في معنى التعبد، فإن جاء الابتداع في الأمور العادية من ذلك الوجه صح دخوله في العاديات كالعباديات وإلا فلا. هذا كلام مهم، خليني أشرحه؛ يقول الشاطبي الآن كقاعدة كلية يجب على طالب العلم أن يفهمها: ثبت في الأصول الشرعية، يعني في القواعد الكلية للدين الإسلامي، أنه ما من شيء من العاديات إلا وفيه شائبة تعبد، شائبة، ركز، يعني لابد وأن يكون في جانب من جوانب التعبد، ولابد لماذا؟ يقول: لأنه طريقة الدين الإسلامي في مخاطبته للمكلفين أنك في عندك عبادات وعندك عادات. العبادات في أصلها مبنية على التوقيف، الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، هذه ابتداء مش أمور متعقلة في الحياة، وإنما هي أمور فرضت علينا، الظهر أربع ركعات، العصر أربع ركعات، بده يكون قيام، ركوع، سجود، هذه كلها أمور توقيفية، مش أمور العقل هو الذي يقود إليها، هذا أصل.

طبعاً هذه هون بدي أعطيك فائدة استطرادية، طبعاً لا يمنع من كون الأصل في العبادات التعبد ألا تكون هناك معقولية في بعض تفاصيلها، وهذا أشار إليه ابن دقيق العيد في شرحه على عمدة الأحكام، قال: وكون العبادات الأصل فيها التعبد لا يمنع ذلك وجود التعقل في بعض تفاصيلها. فإحنا في بعض تفاصيل الطهارة بنسمح بالقياس صح ولا لا؟ مثلاً مش الحنابله عندنا أن غسل الكلب أو نجاسه الخنزير سبع غسلات إحداها بالتراب، ماذا قاس الحنابلة على التراب؟ قالوا: يجوز بالاشنان ونحوه. طيب مش أنت دخلت العقل؟ نعم، فلذلك هذه قاعدة مهمة تفهمها، كونهم يقولون أن الأصل في التعبدات التوقيف، هذا لا يمنع جواز استعمال العقل داخل بعض التعبدات إذا ظهر لك معقولية في بعض تفاصيلها.

أما العاديات، فالعاديات مبنية على ماذا؟ مش على التوقيف الذي أنك ما لك علاقة تبحث فيها عن الحكم، وإن كانت موجودة، لا، العاديات مبنية على ماذا؟ على وجود مصالح يدركها العقل، ومفاسد يدركها العقل. يعني العاديات البيع، الشراء، النكاح، الجنايات، الأصل فيها أنها تقوم على أمور مصلحية أو مفسدية، العقل الطبيعي يدركها. إن الله شرع البيع، آه والله لقضاء حوائجنا، أنه أنا لن أستطيع أن أقضي حوائجي إلا بالبيع، النكاح شرع من أجل قضاء الوطر والتعفف وتحقيق النسل، الجنايات، فتجد أنه في الأمور العادية، العقل في الوضع الطبيعي هو مدرك لتفاصيلها من حيث المصالح والمفاسد، لماذا أباح الله كذا، أو أوجب كذا في العاديات، ولماذا حرم كذا أو نهى عن كذا، واضحة للعقل في الجملة.

إذاً فالخلاصة أصبحت ماذا؟ فالطهارة والصلاة والصيام والحج كلها تعبدي، والبيع والشراء والنكاح والطلاق كلها عادية، هي الأصل فيها التوقيف، وهي الأصل فيها التعقل. طيب لماذا اعتبرنا البيع والشراء والنكاح والطلاق عادية؟ لأنها كلها أحكام معقولة المعنى، لكن هون هي الزاوية اللي بده إياها، ومع أن النكاح والطلاق والجنايات معقولة المعنى، لكن لا بد فيها من شائبة التعبد. كيف؟ قال: إذ هي كلها مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها؛ أي عقد بيع مش في شروط شرعية أنت ما لك علاقة فيها؟ يعني مش أنت اللي بتضعها، الشارع يضعها. أي عقد نكاح حتى يصح مش في أمور ربنا فرضها؟ وجود الولي، شهود، أن يكون النكاح بطريقة معينة. الجنايات، العقوبات، مش ربنا بضع عقوبات حدود ما في، لا يجوز للسلطان يلعب فيها، وقصاص لا يجوز للسلطان يخرمه. فإذاً أنت تجد حتى الأمور العادية هي مقيدة بضوابط شرعية وشروط شرعية لا خيرة للمكلف أنه يشير أو يضع فيها، سواء كانت هذه الإضافات أو القيود الشرعية اقتضاءً، يعني على وجه الطلب، أو على وجه التخيير والإباحة، أنك تعملها أو لا، فإنه حتى التخيير تعبد، حتى أنك تأخذ بالتخيير من قبل الشارع هو شكل من أشكال التعبد.

لأني أنا مين اللي أعطاني التخيير؟ الشارع. إذاً أنا أتعبد بمنحة التخيير لي، فيقول لك: فإن التخيير في التعبد هو شكل من أشكال التعبد، وهو إلزام، ما معنى أن التخيير إلزام؟ على طريقة الذين حضروا معنا ابن نصر الله الكناني، ما هو التعريف الثاني للتكليف؟ التزام مقتضى خطاب الشارع. وقيل إن الحكم الشرعي هو التزام مقتضى خطاب الشارع، الذين عرفوا الحكم الشرعي بأنه التزام مقتضى خطاب الشارع لماذا عرفوا أصلاً الطريقة حتى يدخل الإباحة بشيخ؟ قال ابن نصر الله في بلغة الوصول: لأنه الإباحة أيضاً لما تأخذ أن هذا الأمر مباح، هو إلزام لي أن أتعامل مع هذه القضية على أنها مباح، يعني لما ربنا يخيرك بين شغلتين، هذا التخيير هو فيه إلزام، إلزام بأيش؟ يعني هل يمكن يجتمع التخيير مع الإلزام؟ نعم، هو إلزام بأن تبقى تتعامل مع هذه القضية على أنها مباح، وأنه لا يجوز أن تعتقد في أحد الطرفين الوجوب، تمام؟ فالماء مباح، إذا اعتقدت أنه واجب مشكلة، وإذا اعتقدت أنه حرام مشكلة، أنت ملزم أن تتعامل مع الماء أو الطعام على أنه مباح، وأي تغيير في هذا أنت خالفت مقتضى خطاب الشرع. فهذا يعني طريقة يفلسف فيها البعض هذه القضية، أنه حتى التخيير في التعبدات هو فيه إلزام، إلزام بأن تبقى تنظر إلى الموضوع هذا على أنه تخيير، وليس لي أن أحرم أو أوجب فيه. وكذلك الاقتضاء إلزام من باب أولى.

وإذا كان كذلك فقد ظهر اشتراك القسمين اللي هما العبادات والعاديات في معنى التعبد، العبادات في أصله، والعاديات في شائبته، شائبة التعبد. فبالتالي فإن جاء الابتداع هي الخلاصة الآن هنا، فإذا دخل الابتداع في الأمور العادية من ذلك الوجه -أي وجه يا مشايخ؟- من وجه الشائبة هذيك، ما هي العاديات فيها شائبة تعبد، فإذاً يمكن أن يدخل الابتداع على العاديات من وين؟ من جهة شائبة التعبد أنك تلعب في هذه القيود الشرعية. مش قلنا ما من عادي إلا وهو محاط بقيود وضوابط شرعية؟ فإذا أنت في الأمور العادية لعبت فيها من جهة قيودها وضوابطها الشرعية، إذاً هو شكل من أشكال الابتداع. فأنت لما تغير في أي بلد من بلدان المسلمين لما تغير شروط عقد النكاح وتؤلف عقوداً جديدة، هذا ابتداء؛ لأنه صح عقد النكاح من الأمور العادية، لكن الشارع ضبطه بضوابط، أنك تضع ضوابط جديدة وضعية أرضية بشرية مخالفة للشرع، إلا هذا مش ابتداء.

فإذاً هذا الذي يقصده، فإن جاء الابتداع في الأمور العادية من ذلك الوجه، من جهة ضوابطها وقيودها الشرعية، صح دخوله أي الابتداع في العاديات كما يدخل في العبادات، وإلا فلا. شو يعني وإلا فلا؟ أما إذا الابتداع لم يدخل في العاديات من جهة ضوابطها وقيودها، وإنما من جهة أخرى، فهذه لا ابتداء فيها. إذا الابتداع دخل في العاديات ليس من جهة ضوابطها وقيودها الشرعية، بل من جهة أخرى، زي ما حكينا إخواننا في اليمن أحدثوا طريقة أخرى في الزواج، وإخواننا عندهم عرس آخر في هذه المنطقة، وهذول في مصر عندكم الزواج بطريقة أخرى. فالمخالفة لم تقع من جهة الشروط الشرعية، لا كلنا ملتزمين أن الزواج ما بصير يكون فيه معازف، ما يكون فيه اختلاط، بس أنه ايش؟ هذول عندهم فلكلور معين شعبي، هذول بيسموه فلكلور آخر شعبي، كل واحد عنده هذه الأمور ما في فيها ابتداع بهذه الطريقة، هذا معنى قولي وإلا فلا.

السكور أو تغير الاعتقاد تجاهه، سواء تغير فعلًا أو تغير من حيث عدم الإنكار وعدم وجود أي إشكالية في التعامل معه. حتى لو كنت أنت، يعني كثير من الناس يقول لك والله الاختلاط حرام، بس عادي عايشون معه، وفي بيتهم وأسرهم وحياتهم، هذه الاستكانة والرضوخ والخضوع يعتبر كأنه شكل من أشكال التشريع، فيُخشى أن يكون بدعة من هذه الجهة؛ فهو من هذه الجهة يمكن أن يدخله الابتداع.

هذه النكتة قال: وهذه هي النكتة التي يدور عليها حكم الباب، ويتبين ذلك ببسط الأمثلة، فمما أتى به القرافي وضع المكوس في معاملات الناس، فلا يخلو هذا الوضع المحرم -نيجي على الضرائب والمكوس- كيف يمكن تكون بدعة وكيف تبقى فقط شيئاً محرماً لا ابتداع فيه. مثلاً قال: فلا يخلو هذا الوضع المحرم أن يكون على قصد حجر التصرفات وقتاً ما أو في حالة ما لنيل حطام الدنيا على هيئة غصب الغاصب وسرقة السارق وقطع قاطع الطريق وما أشبه ذلك، أو يكون على قصد وضعه على الناس كالدين الموضوع والأمر المحتوم عليهم دائماً أو في أوقات محدودة وعلى كيفيات مضروبة، بحيث تضاهي التشريع الدائم الذي يُحمل عليه العامة ويؤخذون به، وتوجه على الممتنع منه العقوبات؛ كما في أخذ زكاة المواشي والحرث وما أشبه ذلك.

هذا كلام دقيق إخواني في الأفكار المعاصرة، يعني احملوها على شيء أوسع من ذلك، أي الآن متى نحكم على القضية أنها خرجت عن قضية الشهوة الآنية؟ الآن يقول لك الذي يضع المكوس على نوعين: الحالة الأولى، لا يخلو أن يكون وضعها هذا الظالم من أجل تحصيل لذة له من لذات الحياة الدنيا في وقت معين وحالة معينة، هو لم يقصد وضعها نظاماً مستقراً في المجتمع، وإنما قصد بوضع هذا المكس أو الضريبة أن يحجر على تصرفات بعض الناس في وقت ما، أو في حالة ما، في لحظة من اللحظات، لأنه يريد أن ينهب له نهبة، فهو لذلك وضعها ورفعها، هو فقط أراد أن يحجر على بعض المكلفين في وقت ما أو في حالة ما لنيل حطام من حطام الدنيا على هيئة الغصب، كما يجيء واحد يغصب مال شخص أو يسرق مال شخص؛ هذا وضع المكوس ليأخذ أموال الناس على غير وجه الحق، وانتهت القضية ووقفت عند هذا الحد.

الطريقة الثانية: أن يكون وضعها على قصد أن يشرعها على الناس كالدين الموضوعي، تصبح كدين؛ بحيث هي أمر محتوم عليهم دائماً وعلى كيفيات مضروبة، أنه على هيئة 2% هي 5% هي 7%، هذه وكذا، وتعرفون كيف الأمور هذه، بحيث تضاهي التشريع الدائم الذي يُحمل عليه العامة، ويؤخذون بها، وإذا لم يعملها شخص تُضرب عليه عقوبات وجنايات وأشياء معينة ويُحاكم، كما في أخذ زكاة المواشي والحرث وما أشبه ذلك؛ الدولة المسلمة قديماً كانت واضحة قانون في زكاة المواشي، والذي يخالف كذا وكذا، فتصبح المكوس كما كانت في الدولة الإسلامية القديمة، في عقوبات على المتخلفين عن الزكاة، في عقوبات على المتخلفين عن دفع الضرائب.

ما الفرق بين الحالة الأولى والثانية؟ الآن لاحظ ماذا قال، قال: فأما الأول -الذي هو بس لوقت محدد- فلا إشكال أنه مجرد معصية إذا كان ظلماً وتعدياً من غير سبب ظاهر، ولا يقال في هذا إنه بدعة لخروج عن حد البدعة. الحالة الأولى واضح أنها شهوة نفس من أجل كما قال نيل حطام من الدنيا، فهذه لا تعتبر بدعة لأنها لا تدخل في البدعة؛ شو البدعة تعريفها؟ طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية لتحصيل ما يشبه. هذه شهوة نفس فهذه معصية، هذه لا يمكن أن تكون بدعة بهذه الطريقة لو فعلها الحاكم أو المستبد.

وأما الثانية هي التي فيها المشكلة: أن توضع هذه الضرائب على شكل ماذا؟ قانون مشرع. قال: فظاهر في الثانية أنها بدعة، إذ هو تشريع زائد وإلزام للمكلفين يضاهي إلزامهم بالزكاة المفروضة، والديات المفروضة في حال القتل، والغرامات المحكوم بها في أموال الغصاب والمتعدين، بل صار في حقهم هذه المكوس كالعبادات المفروضة واللوازم المحتومة أو ما أشبه ذلك؛ فمن هذه الجهة أصبحت هذه الشكل من أشكال المفاسد أو الظلم بدعة. هذا مثالك يا شيخ سند لما قلت لي كيف يمكن تدخل في المحرمات، أنه كما قلت لك لو فعله على أنه محرم ما في مشكلة، بس لما يُفعل على أنه قانون سائد مستقر أنت غيرت الوضع الشرعي لهذه الأمور، فمن هذه الجهة كأنك منحت نفسك حق التشريع، وهذا أكيد من أعظم أشكال الابتداع.

قال: لاحظ ماذا قال، لأنه شرع مستدرك؛ أي كأنك تستدرك على الشريعة بوضع هذا القانون في الضرائب، كأنك تستدرك على الشريعة وتمنح نفسك حق التشريع. قال: لأنه شرع مستدرك وسنن في التكليف مهيعاً؛ يعني كأنك سننت في التكليف طريقاً مسلوكاً، الناس ستفعل مثله وتقيس عليه. فتصير المكوس على هذا الفرض، الضرائب على هذا الفرض، أصبح لها نظران يا ناجي: نظراً من جهة كونها محرمة على الفاعل أن يفعلها كسائر أنواع الظلم، ونظراً من جهة كونها اختراعاً لتشريع يُؤخذ به الناس إلزاماً كما يُؤخذون بسائر التكاليف، فاجتمع فيها نهيان: نهي عن المعصية، ونهي عن البدعة، وليس ذلك بموجود في القسم الأول، وإنما يوجد فيه النهي من جهة كونه تشريعاً موضوعاً على الناس أمر وجوب أو ندب؛ إذ ليس فيه جهة أخرى يكون بها معصية، بل نفس التشريع هو نفس الممنوع.

القسم الأول ايش هو؟ العبادات. يعني هنا أنت عندك مشكلتين، أنه أصلاً هذه المكوس هي أصلاً محرمة في ذاتها، وزدتها تحريماً لما حولتها لبدعة لما جعلتها تشريعاً على الناس، فهي مشكلة أنه هي أصلاً محرمة وزدت الطين بلة كما يقولون لما جعلتها تشريعاً على الناس. أما في قسم العبادات، فأصل الذكر وأصل هذه الأمور هي بذاتها حلال، بل قد تكون مطلوبة ومندوبة، لكن أين دخل الإشكال فيها؟ فقط من جهة الابتداع وليس من جهة أن نفس الذكر معصية في ذاته، أو نفس الصلاة معصية في ذاتها، أو نفس الأعياد هي معصية في ذاتها. فهمتم الفكرة هنا؟ فهو يقول لك في باب العبادات المشكلة تأتي فقط من جهة الابتداع، أما في هذه الأمور تأتي من جهة أنه هو أصلاً محرم في الوضع الطبيعي، ويصبح محرماً تحريماً زائداً من خلال الابتداع فيه لما يصبح تشريعاً على المجتمعات.

وكذلك قال: وكذلك تقديم الجهال على أهل العلماء، وتولية المناصب الشرعية من لا يصلح بها بطريق التوريث، هو من قبيل ما تقدم؛ فإن جعل الجاهل في موضع العالم حتى يصير مفتياً في الدين ومعمولاً بقوله، فالأموال والدماء والأبضاع وغيرها محرم في الدين، وكون ذلك يُتخذ ديدناً حتى يصير الابن مستحقاً لرتبة الأب وإن لم يبلغ رتبة الأب في ذلك المنصب بطريق الوراثة أو غير ذلك، بحيث يشيع هذا العمل ويطرد ويعده الناس كالشرع الذي لا يخالف، بدعة بلا إشكال. إذاً هي نفس الفكرة السابقة، أن قضية التوريث هي بحد ذاتها مشكلة، لكن أن تصبح ديدناً مستقراً، أنه الناس عادة أي واحد رئيس شركة ابنه الذي يأخذها، هذا إذا استقر أحوال الناس على ذلك غير أنه ذاك الموضوع خطأ أصلاً، أصبح بدعة مع هذا الاستقرار.

قال: زيادة إلى القول بالرأي غير الجاري على العلم هو بدعة أو سبب البدعة، كما سيأتي تفسيره إن شاء الله، هو الذي بينه النبي ﷺ بقوله: «حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». قال: وإنما ضلوا وأضلوا لأنهم أفتوا بالرأي، إذ ليس عندهم علم. إذ ليس هي قضية تولية الجهال المناصب العامة مع وجود العلماء، إذا أصبحت عادة مستقرة أن الجهال بالمحسوبيات والواسطات يتولون هم المناصب العامة، والعالم الرباني يُمنع منها؛ إذا أصبحت هذه ديدناً في المجتمع مستقر أنه هي خلص الولايات بالمحسوبية، بس هذا شكل من أشكال فوق أنه هي أصلاً معصية في ذاتها تولية الجاهل، هي بدعة لأنها أصبحت عادة اجتماعية مستقرة.

وأما إقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمور على خلاف ما كان عليه السلف، فقد تقدم أن البدعة لا تتصور هنا، وذلك صحيح، فإن تكلف أحد في ذلك فيبعد جداً، وذلك بفرض أن يعتقد في ذلك العمل أنه مما يُطلب به الأئمة على الخصوص تشريعاً خارجاً عن قبيل المصلحة المرسلة، بحيث يُعد من الدين الذي يدين به هؤلاء المطلوبون به، أو يكون ذلك مما يُعد خاصاً بالأئمة دون غيرهم؛ كما يزعم بعضهم أن خاتم الذهب جائز لذي السلطان، أو يقول إن الحرير جائز لهم لبسه دون غيرهم.

إذاً الصور الآن وضحت أكثر شيء، وأما إقامة صور الأئمة والقضاة والولاة، الصور كان يُقصد بها الهيئات، يعني هيئة الولاة والقضاة والسلاطين، يعني كيف يكون شكلهم؛ يضع تاجاً، يضع خاتماً في يده، شو السيارات وكيف يركبونها، التي هي المراسم العامة النواميس هذه، أما إقامة صور الأئمة والقضاة النواميس التي يكون عليها في الهيئات والسيارات، فقد تقدم أن البدعة لا تتصور هنا؛ يعني هو يرى أن هذه شوية تختلف عن الأمثلة السابقة، أنه هنا البدعة لا تتصور، الحاكم يريد أن يضع التاج هنا، يريد أن يضع خاتم فضة هنا، يريد أن يضعه هنا، يريد أن يعمل كذا، يريد أن يركب سيارة حديثة، يريد أن يركب سيارة؛ يقول إنه البدعة غير متصورة في هذا، مش باب الابتداع.

قال: فإن تكلف أحد في ذلك وحاول يدخلها في الابتداع فيبعد جداً، وذلك بفرض أن يعتقد في ذلك العمل أنه مما يُطلب به الأئمة على الخصوص تشريعاً خارجاً عن قبيل المصلحة المرسلة. نعم، يعني إذا اعتقد الآن -إذا جعلنا هيئة السلطان وصورة السلطان، المواكب الرسمية وما شابهها- أن السلطان يفعلها من قبيل المصالح المرسلة ما عندنا مشكلة فيها، وهي مرت معنا في حديث معاوية بن أبي سفيان لما عمر بن الخطاب قال له: بلغني أنك أحدثت مراسم وعملت قصراً ولك صار جنود وحراس، قال له يا عمر: نحن نسكن مقابل الروم، لو شافوني زيك أنام تحت شجرة، عدلت فأمنت فنمت؛ هي تضبط مع الروم؟ هي تضبط مع حوالين المدينة، لأن المدينة ناس عندهم إيمان ودين ففاهمين شو يعني عمر ينام تحت شجرة، لكن الروم إذا شافوني نائماً تحت شجرة مثلك راح يغزون على الشام ويعتبروننا ناس دراويش، فأنا اضطررت أن أستحدث هيئة لي وسلطان وحشم وخدم من باب المصلحة المرسلة، أنه هذه مصلحة مرسلة استُحدثت لمصلحة الإسلام لتحقيق حفظ الدين وحفظ الأنفس، فيها تحفظ الضروريات.

فإذا كانت هيئة السلطان إنما أُريد بها تحقيق المصالح المرسلة ما عندنا مشكلة في ذلك، صح؟ أما إذا وُضعت على صورة لا يُقصد بها المصالح المرسلة، وإنما فقط نريد أن نعمل نحن هيك هيئة للسلطان ما في أي مصلحة، بس نريد أن نعملها هيئة رسمية للسلطان عندنا في بلد، أي سلطان وأي قاضٍ يريد أن يجيء على البلد لازم يلبس خاتم بطريقة معينة، يركب نوع سيارة معين، يكون له شكل معين، هنا ممكن نعتبر أنه صارت بدعة من هذه الجهة. هذا معنى قوله: فإن تكلف أحد في هذه المراسم السلطانية فأراد أن يدخلها في البدع فيبعد جداً. بس كيف ممكن يتكلف؟ قال: وذلك بفرض أن يعتقد في ذلك العمل الذي جُعل للسلطان أنه مما يُطلب به الأئمة على الخصوص، تشريعاً خارجاً عن طريق المصالح المرسلة؛ يعني مش على طريقة المصالح المرسلة فقط من باب الهوى. إذا أصبح شيء مستقر أن كل حاكم يريد أن يركب هذه السيارة ويلبس كذا، والله ممكن نفكر أنه صارت بدعة من هذه الجهة لأنها كأنها كالتشريع المستقر الذي لا فائدة منه، قال بحيث أصبح يُعد من الدين الذي يدين به هؤلاء المطلوبون به من السلاطين والقضاة، أو يكون ذلك مما يُعد خاصاً بالأئمة دون غيرهم.

هذا أقرب من الأول في تصور البدعة في حق هذا القسم. يعني لو ناقشنا قوله أو نعد ذلك مما يعد خاصًا بالأمة دون غيره، هو يقصد أنه يكون شيئًا محرماً لكن يباح للسلطان فقط، ومثل على ذلك بخاتم الذهب ولبس الحرير. إذاً هو تصور طريقتين كيف يمكن للمراسم السلطانية أن تدخل في الابتداع؛ الطريقة الأولى أنها تكون أشياء حلالاً لكن تفرض أن أي سلطان وأي حاكم لا بد أن يعملها وليس يرجى منها مصلحة مرسلة. شيء حلال في الأصل مثل ركوب سيارات فارهة، لكن نقول لا بد للحاكم أن يركبها، طيب لماذا هكذا بدون مصلحة مرسلة؟ قال ماشي، ممكن نقول إن هذا نوع من الابتداع؛ لأنه أصبح كأنه تشريع.

وطريقة أخرى قال: أو يكون ذلك مما يعد خاصاً بالأئمة دون غيرهم، كما يزعم بعضهم جواز لبس خاتم الذهب للحاكم أو لبس الحرير. ما الطريقة الثانية؟ أن يكون شيء في الأصل حراماً، لكن أنا أقول أستثني الحاكم أو السلطان فأجوزه له خصوصاً؛ مثل خاتم الذهب، ما حكم لبس الرجال له؟ حرام، فأقول بس الحاكم يصير يلبسه، أو شيء مثل لبس الحرير، حكم لبس الرجال للحرير حرام، فأروح أستثني الحاكم وأقول إلا السلطان. لا، هنا أنت شيء حرام أصلاً وأنت جوزته للحاكم على وجه دائم، فصار يشبه المكسوس؛ التي هي أشياء حرام في الأصل وأنت شرعتها بشكل مستقر للحكام أن يفعلوها. فقال والله هذه لسه متصور أكثر أن تدخل في باب البدع؛ لذا قال: وهذا أقرب من الأول، لأنه في الأول الشيء المباح، ركوب سيارات معينة أو كذا، هذا في العادة ستجد الحاكم يحتج أن المصلحة المرسلة تقتضيه، أنه نحن حكام ولازم نظهر بمظهر قوي ومحترم، ستجد أن المصلحة المرسلة تدخل فيه ويلصقوه فيها، لكن القضية الثانية؛ قضية خاتم الذهب والحرير صعب يدخل فيها المصلحة المرسلة، فلذلك قال: وهذه الصورة الثانية أقرب من الأول في تصور البدعة فيها في حق هذا القسم؛ وهو قسم صور الأئمة والقضاة وولاية الأمور.

نعم، أو في حق هذا القسم ممكن يكون يقصد في قسم العاديات، يعني ممكن أيضاً يكون قسم العاديات. نعم، بالعكس أي شيء هو القصد الحلال، ولكن ممكن صح أن يكون شيئاً حلالاً لكن يمنع منه الحكام، يعني على وجه الرسوم والطقوس ويتخذ ذلك ديناً، يمنع من الناس؛ كله واسع، يعني أي شيء يخالف فيه وضع التشريع من أجل مصلحة الحاكم ويشبهه. نعم قال: يشبهه على قرب زخرفة المساجد؛ إذ كثير من الناس يعتقد أنها من باب ترفيع بيوت الله، وكذلك تعليق الثريات الخطيرة الأثمان، حتى يعد الإنفاق في ذلك إنفاقاً في سبيل الله. وهذا موجود اليوم حتى في مساجد عمان، بعض الثريات في المساجد بتوصل لـ 50 أو 60 ألفاً، طب على أيش؟ ما بتزوج هؤلاء الشباب المعوزين قدامنا، تمام؟

فالفكرة، وكذلك تعليق الثريات الخطيرة الأثمان، الخطيرة يعني سعرها غالٍ، حتى يعد الإنفاق في ذلك من الإنفاق في سبيل الله. قال: وكذلك إذا اعتقد في زخارف الملوك وإقامة صورهم أنها من جملة ترفيع الإسلام وإظهار معالمه وشعائره، أو قصد بذلك في فعله أولاً؛ فإنه ترفيع للإسلام بما لم يأذن به الله، تمام؟ زي ما أيضاً تزيين القصور وما شابه ذلك باعتبار أنها تقوية للمسلمين وإظهار لها، نحن شايفين حكامنا بهذه، فهذا أيضاً يعتبر من البدعة، الإمام الشاطبي رحمه الله عليه. نعم قال: وليس ما حكاه القرافي عن معاوية رضي الله عنه من قبيل هذه الزخارف. أما ما حكي عن معاوية بن أبي سفيان زي ما حكينا القصة هذه، ليس من قبيل الزخارف المراد بها المباهاة، وإنما مصلحة الحكم ألجأت معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه لوضع هذه الأباهات.

نعم قال: بل من قبيل المعتاد في اللباس والاحتفاظ في الحجاب مخافة من خرق لا يتسع، يتسع فلا يرقع، هذا إن صح ما قال، وإلا فلا يعول على نقل المؤرخين ومن لا يعتبر من المؤلفين، وأحرى ألا ينبني عليه حكم. جميل هذه الفائدة، يعني وإلا فلا يعول على نقل المؤرخين. الآن هذه القصص التي تنقل عن معاوية وردّه على عمر، كثير منها تنقل بلا إسناد حقيقة متصل، وإنما تجدها في كتاب ابن جرير الطبري أو في غيره من كتب تاريخ الأمم والملوك، فهذه أنا لا أستطيع أن أبني عليها أحكاماً؛ في النهاية أنا لست متأكداً من اللفظ الذي قاله معاوية لعمر رضي الله عنه، فالتاريخ دائماً مش قول لك التاريخ ليس له إسناد، يعني أنت في النهاية تروي قصصاً، ماشي تُدرى وتنقل، لكن كحكم شرعي لا يبنى إلا على سند صحيح عن الصحابة الكرام.

نعم قال: وأما مسألة المناخل فقد مررنا فيها، والمعتاد فيها أنه لا يلحقها أحد بالدين ولا بتدبير الدنيا بحيث لا ينفك عنه كالتشريع، فلا نطول به. نعم، وعلى هذا الترتيب ينظر فيما قاله ابن عبد السلام، ولا بتدبير الدنيا بحيث لا ينفك عنه كالتشريع؛ يعني هو يرى أن موضوع المناخل وسعوها شوي الشباب أو المشايخ أو الإخوة، يعني كبروا الموضوع فيها، وإلا في العادة موضوع المناخل لا أحد يلحقها بالدين ولا يلحقها بتدبير الدنيا ولا يجعلها عادة لا تنفك، حقاً ولا بتدبير الدنيا بحيث هي جملة واحدة، ولا تلحق بتدبير الدنيا بحيث لا تنفك عنه كالتشريع.

يعني حتى الذي يأخذها في الدنيا هو على حسب ما يصادفه؛ يعني ما حدا يتخذها زي المكسوس والضرائب أو أشياء، يعني التشريعات، وإنما بده جاء شعير بده ينخل وما جاء شعير مش رح ينخل، فأمرها هين، فلا داعي للتطويل بها. وعلى ذلك قال: وعلى ذلك الترتيب ينظر فيما قاله ابن عبد السلام من غير فرق، فيتبين مجال البدعة في العاديات من مجال غيرها، وقد تقدم أيضاً فيها كلام فراجعه إن احتجت إليه.

وأما وجه النظر في أمثلة الوجه الثالث من أوجه دخول الابتداع في العادات على ما أريد تحقيقه، فنقول إن مدار تلك الأحاديث على بضعة عشر خصلة يمكن ردها إلى أصول، هي كلها أو غالبها بدع؛ وهي قلة العلم وظهور الجهل. نعم، كل أحاديث آخر الزمان، ما سيظهر في آخر الزمان من الأمور التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، يمكن نردها إلى كم شغلة؟ إلى عشرة؛ هذا استقراء من الشاطبي، يقول لك فتن آخر الزمان ترد إلى عشر خصال. الأولى قال: قلة العلم وظهور الجهل، هذه واحدة، قلة العلم وظهور الجهل. اثنان قال: والشح، الشح التي هي البخل. ثالثاً: وقبض الأمانة، قبض الأمانة أن يكثر النصابون في آخر الزمان. طيب قال: وتحليل الدماء، استحلال الدماء بالهرج والقتل. خامساً قال: والزنا، والزنا. سادساً: والحرير والغناء والربا والخمر، وكون مغنم الدولة دولاً، والزكاة مغرمة.

أنا شايف هذه أكثر من عشرة هي، بضعة عشر خصلة؛ بضعة عشر من 13 لـ 19 ماشي. وارتفاع الأصوات في المساجد، نعم، وتقديم الأحداث، تقديم الأحداث أن يصبح الجهال والصغار هم المسؤولون. قال: ولعن آخر الأمة أولها، أن يلعن المتأخرون السلف الصالح رضوان الله عليهم. قال: وخروج الدجالين ومفارقة الجماعة، هذه أصول الإشكالات التي ستحصل في آخر الزمان. ويقول الشاطبي: كلها أو غالبها يمكن إدخالها في البدع. كيف؟ يقول: سأمسك لك إياها واحدة واحدة سريعا.

قال: أما قلة العلم وظهور الجهل فبسبب التفقه للدنيا، وهذا إخبار من مقدمة نتيجتها الفتيا بغير علم، حسب ما جاء في الحديث الصحيح: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً». التفقه للدنيا؛ أنه يصير الواحد يتفقه من أجل الدنيا، وهذا إخواني فهموه مني، هذا الكلام كثير من الأبواب الشرعية اليوم، بعض طلاب العلم المبتدئين هو يشوف شو السوق الدارج اليوم، شو السوق الدارج؟ تأتي تقول له يا فلان تعال أنا وإياك أقرأ كتاب فقه على المذهب الشافعي ولا الحنبلي ونمسك مسألة مسألة، شو يجي يقول لك؟ الشيخ سامحني، هذا الموضوع ما حدا، لو بدي اليوم أطلب هذا العلم الذي تتحدث عنه ما حدا، مش رح يكون له سوق، اليوم الناس دابة مثلاً على شو؟ مثلاً مسائل التكفير والتبديع، خليني أدخل في سوق التكفير والتبديع، في مسائل مثلاً السياسة، خليني أنظر سياسة للأوضاع في سوريا والعراق وكذا السياسة الشرعية؛ يعني هذه الأمور بتخلي لي سوق، بتخلي لي جمهور.

أما تأتي تحكي لي يا شيخ والله أنا أمسك كتاب المفصل وأبدأ أدرس نحو ولا أبدأ أقرأ كتاب ألفية ابن مالك، الناس مش رح تنتبه لي، رح أضيع في سوق السوشيال ميديا. هذا معنى التفقه لغير الدين، تفقه للدنيا؛ أنه أنت تأخذ قاعد من العلوم الشرعية الأشياء التي تضعك تحت الأضواء، الأشياء التي تعرف أنها رح تخليني سريعا أبرز، رح أطلع على الساحة بسرعة. أما بدي أدرس العلوم من أصلها رح ألاقي صاحبي الذي أخذ قرأ شوي في السياسة وعلم النفس شوي وأخذ له كم كلمة، رح تلاقي له جمهوره، وأنا لسه يا شيخ عم بدرس ألفية ابن مالك وأنت مقعدني قاعد في أصول الفقه وعم ندرس الأعيان قبل الشرح حلال ولا، فبصير الواحد يقول لك: أنا شو اللي جابرني إني آخذ طريق العلم كما سلكه الأولون وأتعب فيه وأدرس نحو وصرف وبلاغة حتى أصير عالماً راسخاً؟

ما والله العالم الراسخ هينا شايفينه والله ما حدا سامع له، وهذه الناس ماخذين فلان وفلان من لقطاء العلم، هيهم صاروا مشهورين على السوشيال ميديا أكثر من العلماء الراسخين وصار لهم جمهور يسمعهم. هنا بدك تنتبه لبوصلتك يا طالب العلم، أنت بدك لله تتفقه ولا للدنيا؟ عن شو بتدور؟ يعني بدك تعرف الذي في داخلك. إذا بدك تتفقه للدنيا ماشي بقول لك: خلص اترك النحو والأصول والصرف واترك أصول الفقه على طريقة الأوائل، وروح خذ لك كمشة مسائل فقهية وخذ لك كم كتاب، ويصير يعرف هيك لفظة الحداثة وما بعد الحداثة وكم اسم أجنبي من هؤلاء الفلاسفة الغربيين، صير تدردش فيهم قدام الناس وأنا أقول لك رح يصير لك جمهور وكذا وكذا، لكن صدقني ستفتي بدون علم وراح يكون كلامك ركيكاً وسطحياً وقشوراً، وراح تلاقي من يطبل لك، بس يوم القيامة ما بعرف شو رح يصير معك.

تمام؟ يعني في الدنيا رح تلاقي من يطبل لك ويصفق لك والناس تحب تسمع لك أنك تستخدم مصطلحات الحداثة وما بعدها والأجنبية وكذا، بس أنت لست راسخاً في كليات الدين، لأن هذا الرسوخ في كليات الدين مستحيل، مستحيل أقول لك تحصله إلا إذا طلبت العلم على طريقة الأوائل؛ تبدأ بكتاب الطهارة وأدلته، وبكتاب الصلاة وأدلته، وتظلك ماشي على ثلاثة وأربعة وخمسة وستة متون فقهية، وتقرأ كتب أصول الفقه الأساسية، وتعيد النظر فيما كتبه الشاطبي ولا غيره، القرافي وكذا، وتدمن النظر في تراث ابن تيمية وابن القيم وتراث من سبق؛ بدك تقرأ وتقرأ وتقرأ، يعني أنت مش رح تكون أشطر من أحمد بن حنبل، يعني مش رح تكون أشطر من هؤلاء، هم تعبوا 30 أو 40 سنة حتى صاروا علماء، وأنت في أربع سنين جامعة وكم من خمس سنة بتصير عالماً؟ مستحيل، يعني أنت مش أشطر منهم، وفي العادة لست أورع منهم، وقلبك أسلم من قلوبهم، فهم سادتنا وأشياخنا وتعبوا حتى وصلوا إلى العالمية.

إذا أنت ما رح تكون الأذكى منهم ماشي، بقول لك ممكن أنت تأخذ لك شيئاً تتصدر فيه سريعاً، لكن بدك تكون عارف أنه أكثر كلامك سيكون ويلات على الأمة، وهذا الذي شايفينه اليوم في الجماعات الإسلامية وفي المتصدرين وفي الذي يحكون على السوشيال ميديا والذي يحلل الواقع، كلامهم يجلب لنا الويلات، يجلب لنا الغلو في التكفير والتبديع، لأنه مش متخصصين، مش ناس عارفة شو بتحكي، هو بس قشور علمية، ويلات حتى في التمييع والتفسخ برضه في الجهة المقابلة، تشعر أن الكلام مش متوازن، يا هو ماخذ أقصى اليمين يا ماخذ أقصى الشمال، ما في، مش قادر أنه يتوازن؛ لأن التوازن هي صنعة العالم. التوازن هي صنعة العالم الذي لا يتفقه للدنيا، وإنما يتفقه لدين الله، ويعرف أنه يمكن لدين الله بغض النظر انعرف ما انعرف، ما يهمه؛ فهذا قلة العلم وظهور الجهل، كما قال لك الشاطبي ما سببه، التفقه من أجل الدنيا، يبحث عن جمهور، منصة، مكان يتكلم فيه، فهذا هو فقيه الدنيا.

إذاً وهذا إخبار بمقدمة لما النبي صلى الله عليه وسلم لما قال أو قضية التفقه للدنيا؛ التفقه للدنيا هي مقدمة ماذا ستكون نتيجتها؟ الفتيا بغير علم، هذه شوف التفقه للدنيا مقدمة النتيجة التي ستحصل منها أن يتصدر الرؤوس الجهال على السوشيال ميديا وحياة الناس، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا، «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه».

وإنما يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يُبقِ الناس عالماً اتخذوا رؤوساً جهالاً، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. قال: ذلك أن الناس لا بد لهم من قائد يقودهم في الدين بخزائمهم، وإلا وقع الهرج وفسد النظام، فيضطرون إلى الرجوع إلى من انتصب لهم منصب الهداية، وهو الذي يسمونه عالماً، فلا بد أن يحملهم على رأيه في الدين، لأن الفرض أنه جاهل، فيضلهم عن الصراط المستقيم كما أنه ضالٌّ عنه؛ وهذا عين الابتداع؛ لأنه تشريع.

لا بد أن يحملهم على رأيه في الدين؛ هذا الرجل الجاهل المتصدر سيحمل الناس على ماذا؟ على رأيه هو؛ لأنه كما حكينا هو ليس عالماً، هو تفقه للدنيا، فقط قرأ كم كتاباً وصار له منصة على السوشيال ميديا، فالفرض أنه ماذا؟ ليس متمكناً، ليس من الراسخين في العلم، فسيحمل الناس على رأيه السياسي والفكري والاجتماعي، لأن الفرض الذي فرضناه ابتداءً، الفرض يعني التصور، تصورنا أنه جاهل ليس راسخاً، فسيضلهم عن الصراط المستقيم كما أنه هو في نفسه ضال عن الصراط المستقيم.

وهذا عين الابتداع؛ هل تريد وضعية من الابتداع أسوأ من هذه الوضعية؟ هذا عين الابتداع، أن تأتي بشخص لا يعرف شيئاً في الدين، أو يعرف قشوراً، وتنصبه على أنه يفتي؛ أليس هذا من تغيير الأوضاع الشرعية؟ هذا من تغييرها. فإذاً هذا شكل من أشكال الابتداع في آخر الزمان، قلة العلم وظهور الجهل. نعم، قال: «لأنه تشريع بغير أصل من كتاب ولا سنة». ودل هذا الحديث على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم؛ إذاً الناس لا تؤتى من قبل العلماء، وإنما تؤتى من جهة موت العلماء.

يعني العلماء لا يضلون الأمة؛ العالم ممكن يزل في مسألة أو مسألتين، لكن جل مسلكه يكون ثابتاً، هو ليس معصوماً، لكنه بشكل عام أخطاؤه لا تكون في العادة كارثية. لكن من أين تؤتى الناس؟ من موت العلماء؛ فيتصدر الجهال الذين تكون أخطاؤهم كارثية، تلقي الشباب في الفتن، وتلقي الشباب في الدماء، وتلقي الشباب في القتل، وتلقي الشباب في أشياء كثيرة، والتهور والاستعجال والاندفاعات غير المحسوبة، هذا كله موجود اليوم، هذا كله موجود اليوم بتصدر غير الراسخين علمياً، وإن كان هو مفكر حاله سيدنا الشيخ، وأنه هو الذي قرأ وقرأ، لكن هو كل رحلته العلمية لو جمعتها في حياته كلها، بعضها كم كتاب وقعد له كم سنة، هيك صفحات بسيطة، لكن ما في تاريخ علمي حقيقي من تدريس أو تصنيف بحيث تركن أن الرجل فعلاً متعمق في كليات الشريعة ومقاصدها.

نعم، قال: «وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم، فيؤتى الناس من قبله». وسياتي لهذا المعنى بسط أوسع من هذا إن شاء الله.

وأما الشح، فإنه مقدمة لبدعة الاحتيال على تحليل الحرام، وذلك أن الناس يشحون بأموالهم، فلا يسمحون بتصريفها في مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، كالإحسان بالصدقات والهبات والمواساة والإيثار على النفس، ويليها أنواع القرض الجائز، ويليه التجاوز في المعاملات بإنظار المعسر، مسامحة المعسرين والإسقاط عنهم. كما قال تعالى: ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280]. وهذا كان شأن من تقدم من السلف الصالح، ثم نقص الإحسان بالوجوه كلها، فتسامح الناس بالقرض، ثم نقص ذلك حتى صار الموسر لا يسمح بما في يديه، فيضطر المعسر إلى أن يدخل في المعاملات التي ظاهرها الجواز، لما قل الفضل عند الناس قلت الصدقة والإنفاق ومسامحة المعسرين، ماذا سيحصل للناس في آخر الزمان؟ لاحظ هذا الرصد الدقيق من الشاطبي.

قال: فيضطر المعسر إلى أن يدخل في المعاملات التي ظاهرها الجواز وباطنها المنع؛ زي إيش؟ زي التورق المنظم الذي سألتنا عنه على التليفون، اللي هو التورق المنظم مثلاً، بصير واحد يقول لك: في حدا يعطيني سيولة؟ ما حدا راضي يقرضني، فبيروح بشوف شو البنوك التي تعمل تورقاً منظماً. طبعاً التورق غير المنظم أنا ما عندي مشكلة معه، بس المشكلة في التورق المنظم الذي تقوم به بعض البنوك، اللي هو أنت تطلب منهم، وبعدين السلعة ترجع لعند البنك، وتظل السلعة تلف وأنت كعميل فقط أخذت السيولة؛ يعني ليس موضوعنا، بس الفكرة: المعسر لما لا يجد أحداً يقرضه، ماذا سيفعل؟ ستظهر معاملات بنكية محرمة فيها تحايل من أجل ماذا؟ الحصول على المال.

وهذا التحايل على الشريعة من أجل الحصول على المال؛ أليس بدعة؟ إذاً الشح أصبح مقدمة للبدعة. هذا الرصد الذي يرصده الشاطبي، وهذا فعلاً واقع اليوم، أنه أي واحد معسر يقول لك: أنا مش ملاقي حدا يا شيخ، أعطني فتوى، أي بنك أروح عليه عشان ألاقي مخرج، عشان كذا، تمام؟ هسّ في بنوك بتقدم لك نوعاً ما حلولاً شرعية، بس حتى هي البنوك، يعني ليس في بنك يعطيك قرضاً حسناً 5000 دينار، البنك في النهاية يقول لك: أنا مش فاتح باب لأبواب الخير، أنا بدي أربح، فبالتالي بتصير البنوك تستحدث الآن، إذا بنك ربوي وأصلاً مش فارق عنده حلال وحرام، بس المشكلة في بعض البنوك الإسلامية التي تجيب بعض المشايخ الضعيفين شوية، فيجوزون لها بعض العقود التي فيها التفاف على الشريعة، التي هي فعلاً غير صحيحة، حتى يمشوا هذا الفقير؛ بده يمشي حاله، بده يشتري بيت، بده يشتري سيارة وما شابه ذلك، أليس هذا التحايل هو تحليل للحرام؟ وما السبب؟ وصولنا إلى هذا الشح.

وتحليل الحرام ابتداع، وطبعاً قد يصل إذا تقصد صاحبه التلاعب قد يكون كفراً، لكن إذا كان متأولاً على الأقل هو بدعة. نعم، قال: كالربا والسلف الذي يجر النفع، فيجعل بيع السلف عند القرض الذي يجر نفعاً، فيجعل بيعاً في الظاهر، ويجري في الناس شرعاً شائعاً، ويدين به العامة، وينصبون هذه المعاملات متاجر، وأصلها الشح بالأموال وحب الزخارف الدنيوية وشهوات العاجلة، فإذا كان كذلك فبالحري أن يصير ذلك ابتداعاً في الدين، وأن يجعل من أشراط الساعة.

جميل، قال: «فإن قيل هذا استنتاج من مكان بعيد وتكلف لا دليل عليه»، فإذا قيل: والله يا شاطبي أنت هيك زودتها وهذه التفكير، يعني معقول هيك صارت بدعة هي المعاملات المحرمة؟ طيب، فالجواب، قال: فالجواب أنه لولا أن ذلك مفهوم من الشرع لما قيل به، فقد روى أحمد في مسنده عن... بقول: أنا هذا الكلام الذي أحكيه لكم والله فهمته من الشرع، وإلا ما حكيته؛ ما من ذلك حديث، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاءً فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم». قال: ورواه أبو داود أيضاً، وقال فيه: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر».

العينة هي إحدى الحيل، العينة هو إحدى الحيل، أن أبيعك السلعة مؤجلاً بـ 1000 دينار، وأشتريها منك معجلاً بـ 800 دينار، يعني أنت زلمة طفران، تقول لي أنا بدي مصاري يا شيخ، أقول لك ماشي، شايف هذه الكاسة؟ أبيعك إياها، أبيعك إياها بالدين بـ 5000 دينار، فرضاً مش 5000 دينار، تسددني كل شهر 100 دينار؛ إذاً أنا هذه السلعة ببيعك إياها بكم؟ بـ 5000 دينار مؤجلاً لعشر سنين، كل شهر مطلوب منك تسددني كم؟ 50 ولا 100 ولا ما بدك إياه؛ طيب ممتاز، بعتك إياها، طيب أنت فعلياً أنت بدك الكأس؟ يعني شو بدك؟ أنت بدك سيولة، بعد ما بعتك إياها، قلت لك: اسمع، أنت بدك سيولة، أنا عارف، خلص ارجع بعني إياها وهسا بدفع لك كاش عليها 1000 دينار، أنت بدك سيولة 1000 دينار؛ فالآن أنا أعطيتك 1000 دينار، والسلعة رجعت لي، وأنت راح تظل لمدة خمس سنين ولا 10 سنين شو تدفع لي؟ 5000 دينار، إذاً شو في الفعل، في الواقع شو عملت أنت؟ أنا أعطيتك 1000 وراح ترجع لي 5000، بس دخلت السلعة في النص كحيلة؛ هذه إحدى صور بيع العينة التي حرمها الإسلام.

قال: «وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم». قال: فتأمل كيف قرن التبايع بالعينة بضن الناس، فإشعر بأن التبايع، شوف شوف هذا الكلام، ترى الشاطبي كبير كبير في العقل، يقول: تأمل كيف ربط موضوع بيع العينة مع إيش؟ مع ضن الناس بالدينار والدرهم، شوف الحديث؛ إذا بخل الناس، ضن يعني بخل، إذا بخل الناس بالدينار والدرهم سينتشر بيع العينة؛ هيك الشاطبي ربط الحديثين، لماذا ذكر البخل مع بيع العينة؟ لأنه البخل؛ أن الناس ما بدها تقرض، ما بدها تتعامل بالإحسان؛ بخلي الناس تستحدث بيوعاً محرمة من أجل الحصول على السيولة المالية، ومثال ذلك بيع العينة، فلاحظ هذا ما يسميه دلالة الاقتران، كيف قرن التبايع بالعينة بوجود البخل؛ فأشعر، قال: «فأشعر بأن التبايع بالعينة يكون عن الشح بالأموال»، وهو معقول في نفسه، فإن الرجل لا يتبايع أبداً هذا التبايع، وهو يجد من يسلفه، أو ما في واحد بيلجأ لبيع العينة وهو يجد من يقرضه قرضاً حسناً، الذي يذهب لبيع العينة الذي حكيت لكم إياه الآن هو شخص مش ملاقي قرضاً حسناً.

نعم، قال: «إلا أن يكون سفيهاً لا عقل له»، يعني لا يذهب إلى بيع العينة وهو يجد من يسلفه قرضاً حسناً إلا أن يكون مغفلاً، في واحد بيرضى أنه يدخل في قرض يضاعف عليه مع وجود من يقرض قرضاً حسناً إلا واحد مغفل؟ «ويشهد لهذا المعنى»، نعم، قال: «ويشهد لهذا المعنى ما أخرجه أبو داود أيضاً عن علي رضي الله عنه قال: سيأتي على الناس زمان عضوض»، عضوض أي عضوض، يعني صعب، شديد. نعم، قال: «يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤمن، ولم يؤمر بذلك». قال الله: الرجل الموسر يعض على ما في يديه، يعني شحيح، ماسك في المصاري، ما بده يبذل، نعم، قال: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]. «ويبايع المضطرون، وقد نهى عليه السلام عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمر قبل».

بايع المضطرون؛ المضطرون اللي عنده سلعة هو يحتاجها بس بيضطر يبيعها عشان يجيب سيولة، هو الإنسان الذي عنده مثلاً مكتبة، واحد عنده مكتبة علمية، بتعرف بعض العلماء قديماً الذين باعوا مكاتبهم في الفقر وبدّ الكتب بس افتقر، فاضطر أن يبيعها، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر، لأنه هو أنت يعني هو مش قلبه مش ساخط، هي السلعة لكن إيش مضطر لها، مع بعض الذين يعني كثير من أهل العلم حملوه على الكراهة، وبعض أهل العلم قال: إذا ما كان عنده حل إلا هذا لا، خلينا نساعده، نعم، وبيع الغرر، البيع الذي فيه جهالة، وبيع الثمر قبل أن يدرك.

طيب، قال: «وخرجه أيضاً أحمد بن حنبل وسعيد بن منصور، وخرج سعيد عن حذيفة في معنى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: إن بعد زمانكم هذا زماناً عضوضاً، يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤمر بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: 39]، وينهد شرار خلق الله، يبيعون كل مضطر. ألا إن بيع المضطر حرام، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخونه، إن كان عندك خير فعد به على أخيك، ولا تزده هلاكاً إلى هلاكه».

نعم، قال: «وهذه الأحاديث الثلاثة وإن كانت أسانيدها ليست هناك، ليست هناك» يعني مش قوية كثير، يعني نعم، قال: «فهي مما يعضد بعضه، يصبح حديثاً حسناً لغيره، وهو خبر حق في نفسه، يشهد له الواقع، الواقع يشهد به فعلاً». واقع الناس اليوم يشهد لصحة هذه الأحاديث.

نعم، في حد رافع إيده كان ولا أنا غلطان؟ أيوة هناك. طيب، قال بعضهم: عامة العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة، يضن عليه الموسر بالقرض إلا أن يربحه في المئة ما أحب، فيبيعه ثمن المئة بضعفها أو نحو ذلك، ففسر بيع المضطر ببيع العينة. وبيع العينة إنما هو العين؛ إذاً بعضهم فسر بيع المضطر بأنه نفسه بيع العينة، شوف هذا كلام جيد، حتى يكون يعني كيف يكون بيع المضطر حراماً إذا قلنا بيع المضطر هو نفسه بيع العينة؟ نعم، قال: «وبيع العينة إنما هو العين بأكثر منها إلى أجل، حسب ما هو مبسوط في الفقهيات، فقد صار الشح إذاً سبباً في دخول هذه المفاسد في البيوع، فإن قيل كلامنا في البدعة لا في فساد المعصية؛ لأن هذه الأشياء، لأن هذه الأشياء بيوع فاسدة، فصارت من باب آخر لا كلام لنا فيه».

فالجواب: أن مدخل البدعة هاهنا من باب الاحتيال الذي أجازه بعض الناس، فقد عده العلماء من البدع المحدثات، وحتى قال ابن المبارك في كتابه. إذاً فالجواب: إذا قيل: وين الابتداع هنا؟ هذه كلها بيوع عقود محرمة، العينة هذه عقود محرمة، وين البدعة فيها؟ قال: فالجواب أن مدخل البدع هاهنا في هذه العقود المحرمة أن عقود محرمة فيها حيلة أجازها بعض الناس؛ يعني تحليل بعض الناس للحرام، هذا هو البدعة فيها، أنه هي محرمة في ذاتها ولكن.

بعض الناس، وبعض اللجان الشرعية في بعض البنوك للأسف، تتحايل عليها من أجل جعلها حلالًا، وهذا هو وجه الابتداع فيها، وقد عد العلماء ذلك من البدع المحدثات. قال ابن المبارك في كتاب وضع في الحيل: «من وضع هذا الكتاب فهو كافر»؛ لأنه غير شرع الله. وقال: «ومن سمع به فرضي فهو كافر، ومن حمله من كورة إلى كورة فهو كافر، ومن كان عنده فرضي به فهو كافر»؛ وذلك لأنه وضع فيه احتيالات بأشياء منكرة، حتى احتالوا على فراق الزوجة زوجها بأن ترتد، حتى قالوا للزوجة: إذا بدك زوجك يتركك ومش راضي يتركك، روحي ارتدّي والعياذ بالله، بعدين بترجعي بتسلمي. شوف شو هي الفتوى! تقول للزوجة -الزوجة مش راضي يطلقها- طيب شو بدها تعمل؟ ما عندهاش مصاري تخلع نفسها، في بعض كتب الحيل قالوا لها ترتد عن الإسلام؛ حتى خلص الرده تفسخ عقد الزواج، بعدين بترجعي بتسلمي! من يفتي بهذه الفتوى يكفر، تقول للإنسان اكفر مشان تترك! والعياذ بالله.

بيع العينة مختلف تمامًا، هس هذا الذي تتكلم عنه بيع التقسيط: بيع التقسيط أنه أنا سلعة معينة أقول لك هذه السلعة إذا تدفع الآن سعرها مباشرة 50 دينارًا، إذا أردت أن تشتريها تدفع الثمن مؤجلًا تصبح مثلًا 200 دينار، تدفع كل شهر 50، ممتاز. هذا اسمه بيع التقسيط، وهذا لا إشكال فيه بشرط طبعًا أن ينتهي العقد، يعني خلص تتفق معه، أما مباشرة أشتريه أو مؤجلًا، لا بد تحسم أمرك. أما بيع العينة فهو أصالة قرض ربوي، هو قرض ربوي أنه أنت تحتاج مالًا ولا تجد من يقرضك قرضًا حسنًا، فأقول لك شوف أنا لن أقرضك، أنا سأستفيد منك. طيب كيف ستستفيد مني؟ أقول لك أعطيك هذا الجوال -لأنه أنا لا أريد أن أتعامل بالربا صراحة- فيتعامل بالربا حيلة، فيقول أنا أبيعك هذه السلعة بـ 5000 دينار تدفعها على التقسيط. هو لو العقد وقف هنا ما في مشكلة، هذا بيع تقسيط، لكن ماذا يحصل؟ أنا أعرف أنك لا تحتاج هذه السلعة، فأقول لك بعد أن أنهي العقد: ما رأيك الآن أن ترجع هذه السلعة لي وأنا أشتريها وأعطيك 1000 دينار حالًا؟ فأنت هذا الذي تريده، أنت تريد الـ 1000 لتقضي حوائجك، وفي المقابل ستبقى تدفع لي 5000 مؤجلة، فإذا الحقيقة أنك اقترضت 1000 ومقابلها ستسدد 5000، وهذا هو عين الربا، فهذا شيء وهذا شيء.

قال: وقال إسحاق بن راهويه عن سفيان بن عبد الملك، أن ابن المبارك قال في قصة بنت أبي روح حيث أمرت بالارتداد، وذلك في أيام أبي غسان، فذكر شيئًا ثم قال ابن مبارك وهو مغضب: أحدثوا في الإسلام، ومن كان أمر بهذا فهو كافر، ومن كان هذا الكتاب عنده أو في بيته ليأمر به أو صوبه ولم يأمر به فهو كافر. إذا جعل ابن المبارك هذه الفتوى، فتوى الارتداد للزوجة، بدعة، قال: أحدثوا في الإسلام وجعلها كفرًا أيضًا؛ يعني هي بدعة من حيث توصيفها وحيث وضعت كتشريع، وكفرًا لمن رضيها وعمل بها. ثم قال ابن المبارك: ما أرى الشيطان كان يحسن مثل هذا حتى جاء، يعني اللي حاط هي الحيلة أشطر من الشيطان؛ يعني الشيطان ما فكر في هي الحيلة أنك تحكي للمرأة ارتدي مشان تخلصي من زوجك، فإما أفادها منهم فأشاعه حينئذ، أو كان يحسنها ولم يجد من يمضيها فيهم حتى جاء هؤلاء. وإنما وضع هذا الكتاب وأمثاله ليكون حجة على زعمهم في أن يحتالوا للحرام حتى يصير حلالًا، وللواجب حتى يصير غير واجب، وما أشبه ذلك من الأمور الخارجة عن نظام الدين؛ كما أجازوا نكاح المحلل، وهو احتيال على رد المطلقة ثلاثًا لمن طلقها، طبعًا نكاح المحلل، نكاح التحليل الذي هو التيس المستعار، هذا بتكون المرأة مطلقة ثلاثًا، فتعقد على شخص عقدًا شكليًا ويطلقها قبل أن يطأها من أجل إرجاعها إلى زوجها الأول.

قال: وأجازوا إسقاط فرض الزكاة بالهبة المستعادة، تمام؟ أو المستعارة، التي هي فكرة إيش؟ أنه أنا قبل الحول، قبل ما يحول الحول بخمسة أيام بهب مالي لحسنت، بس بقول متفق أنا وإياك أنه بعد ما يخلص الحول بترجع لي إياها، ليه؟ حتى يأت الحول معي مال خلص، إذا ما فيش علي زكاة، وبعد الحول سند برجع المصاري من الخلف، وهذا حرام. فقد ظهر وجه الإشارة في الأحاديث المتقدمة المذكور فيها الشح، وإنما تتضمن ابتداعًا كما تتضمن معاصي، إذا الشح يؤدي إلى الابتداع من هذا الوجه؛ أنه يصبح وسيلة لتحليل الكثير من العقود المحرمة.

قبض الأمانة: قال وأما قبض الأمانة فعبارة عن شياع الخيانة، وهي من سمات أهل النفاق، ولكن قد صار في الناس بعض أنواعها تشريعة، وحكيت عن قوم ممن ينتمي إلى العلم كما حكيت عن كثير من الأمراء؛ فإن أهل الحيل المشار إليهم إنما بنوا في بيع الأمانة على إخفاء ما لو أظهروه لكان البيع فاسدًا، فأخفوه لتظهر صحته؛ فإن بيعه الثوب 150 إلى أجل ثم شراؤه بعد ذلك بـ 100 حالًا، مثلًا هذا حرام، لكنهما أظهرا وساطة الثوب؛ تحايل على القرض الربوي، وأنه هو المبيع والمشترى وليس الأمر كذلك بدليل الواقع؛ الواقع أنه أنت في النهاية دفعت 1000 له رح يرجع لك 5000 مؤجلة. وكالذي يهب ماله عند رأس الحول قائلًا بلسان حاله أو مقاله: أنا غير محتاج إلى هذا المال وأنت أحوج إليه مني، ثم يهبه، فإذا جاء الحول الآخر قال الموهوب له للواهب مثل المقالة الأولى، فبضل المال على رأس كل حول بيروح وبيرجع. والجميع في الحالين بل في الحولين في تصريف المال سواء، أي هذا خلاف الأمانة، وتكليف من أصله أمانة فيما بين العبد وربه، فالعمل بخلافها خيانة. جميل، إذا هو جعل قبض الأمانة مثله مثل الشح؛ كما أن الشح يؤدي إلى عقود محرمة، كذلك ضعف الأمانة يؤدي إلى عقود محرمة، ولاحظ أنه نفس الأمثلة؛ أتى لنفس الأمثلة بيع العينة لأنه نوع من عدم الأمانة، وكذلك الخيانة لله سبحانه وتعالى، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الأنفال: 27].

ومن ذلك قال: ومن ذلك أن بعض الناس كان يجيز الزينة، ويرد من الكذب. يعني هو كمعنى صحيح لكن هل العبارة بهذه الألفاظ تساعد على ذلك؟ كان يجيز الزينة ولكنه يرفض الكذب، لو كانت يرفض الكذب، ما هو إيش؟ لكن أن هو يرد من الكذب، مش عارف يعني، شاعر أنه قد يكون قصد أو أن تكون العبارة فيها تصحيف شوي. وأيضًا قال: وأيضًا فإن كثيرًا من الأمراء يحتجنون أموال المسلمين لأنفسهم، اعتقادًا منهم أنها لهم من دون المسلمين، منهم من يعتقد نوعًا من ذلك في الغنائم المأخوذة عنوة من الكفار، فيجعلونها في بيت المال ويحرمون الغانمين حظوظهم منها؛ تأويلًا على الشريعة بالعقول، فوجه البدعة هنا ظاهر. هذا عند كثير من المستبدين وخاصة النظام الاشتراكي، تعرفوا النظام الاشتراكي هو يقوم على إيش؟ على أخذ أموال الناس بحجة أننا دولة ولازم أنتم تعطونا مشان نستطيع أن نعطيكم خدماتكم، هو هذا المثال نموذج النظام الاشتراكي، هو بدعة الذي يقوم على أنه أي إنسان مواطن يسعى ويتعب ويجيب مال لازم يعطي المال هذا للدولة، وبخلوا لك 10 دنانير من راتبك الشهري تمشي فيها حياتك والدولة تعيد توزيع المال على هواها، هي فكرة النظام الاشتراكي، وعادة على هواها بيروح نصفه للحاكم وبعط المواطنين كم قصة وانتهت القضية، هو نظام للأسف كاذب جائر. وقد تقدم التنبيه على ذلك في تمثيل البدع الداخلة في الضروريات في الباب قبل هذا، ويدخل تحت هذا النمط كون الغنائم تصير دولًا، وقوله: «سترون بعدي أثرة وأمورًا تنكرونها»، ثم قال: «أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم».

وأما تحليل الدماء والزنا والحرير والغناء والربا والخمر، فخرج أبو داود وأحمد وغيرهما عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها». زاد ابن ماجه: «يعزف على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير». وخرجه البخاري عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري، قال فيه: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم»، تروح عليهم سارحة لهم، يأتيهم رجل، قال يأتيهم رجل لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين، ويضع العلم، يعني ينزل الجبل عليهم. قال: «ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة». وفي سنن أبي داود: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير»، وقال في آخره: «يمسخ منهم آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة»، والخز هنا نوع من الحرير ليس الخز المأذون فيها والمنسوجة من حرير وغيره، لأنه في فرق بين الخز المنسوج من حرير وغيره فهذا جائز عند الحنابلة، وفي الخز يطلق معنى الحرير الخالص وهذا حرام.

وقوله في الحديث: «ولينزلن أقوام»، يعني والله أعلم من هؤلاء المستحلين، والمعنى أن هؤلاء المستحلين ينزل منهم أقوام إلى جنب علم، والعلم هو الجبل، يعني هؤلاء الذين يشربون خمورًا وعندهم معازف ومغنيات، يوم من الأيام مثلًا طائفة منهم تروح جنب جبل، بتعمل لها مهرجان غنائي ولا بتعمل لها حفلة، فيبيتهم فيعدهم رجل إلى الغد، فيبيتهم الله وأخذ العذاب ليلًا، ويمسخ منهم آخرين كما في هذا معنى. يعني واحد بيحكي لي يعني هؤلاء ليش نزل عليهم الجبل؟ مش الحديث السابق، أنت مش فاهم ليش نزل عليهم الجبل شو عملوا هم؟ لا، هم طائفة من الذين يستحلون الأغاني والمعازف وشرب الخمور، بروحوا طشة كذا عند منطقة من المناطق ليقيموا الحرام، فالله يخسف بهم ويمسخهم وهم عند الجبل. قال: «ويمسخ منهم قردة وخنازير»، وكان الخسف هنا هو التبييت المذكور في الآخر. قال: وهذا نص في أن هؤلاء الذين استحلوا هذه المحارم كانوا متأولين فيها، حيث زعموا أن الشراب الذي شربوه ليس هو الخمر، وإنما هو وإنما له اسم آخر، إنما النبيذ أو غيره، شربات روحانية بسموها.

قال: وإنما الخمر عصير العنب النيئ، وهذا رأي طائفة من الكوفيين، وقد ثبت أن كل مسكر خمر، وقد قال بعضهم: وإنما أتى على هؤلاء حيث استحلوا المحرمات بما ظنوه من انتفاء الاسم، ولم يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرم وثبوته. قال: وهذه بعينها شبهة اليهود في استحلالهم بيع الشحم بعد إذابته، مش اليهود ربنا حرم عليهم الشحوم، فحتى يلفوا ويدوروا شو يعملوا؟ ذوبوها وصاروا يبيعوها بشكل ذائب سائل، قالوا: نحن ما بعناش الشحم، نحن بعنا السائل تبعه، يعني هذه أذني وهذه أذني. واستحلال أخذ حيتان يوم الأحد بما أوقعوها فيه يوم السبت في الشباك والحفائر من فعلهم يوم الجمعة، حيث قالوا: ليس هذا بصيد ولا عمل في يوم السبت، وليس هذا باستباحة الشحم؛ بل الذي يستحل الخمر زاعمًا أنه ليس خمرًا، مع علمه بأن معناه معنى الخمر، ومقصوده مقصود الخمر، أفسد تأويلًا؛ من جهة أن الخمر اسم من...

من جهة أن الخمر اسم لكل شراب أسكر، كما دلت عليه النصوص، ومن جهة أن أهل الكوفة من أكثر الناس قياساً. قال فلان: كان من القياس ما هو حق، فإن قياس الخمر المنبوذة على الخمر المعصورة من القياس في معنى الأصل المسمى بانتفاء الفارق، هو من القياس الجلي؛ إذ ليس بينهما من الفرق ما يمنع هذا. يا أهل القياس، مش عارفين تعرفوا أن الخمر المنبوذ مثله مثل الخمر المعصور؟ يعني أنتم أولى الناس أن تعرفوا أن هذا الخمر النبيذ مثله مثل الخمر العصير، نفس الشيء لا فرق.

قال: فإذا كان هؤلاء المذكورون في الحديث إنما شربوا الخمر استحلالاً لها لما ظنوا أن المحرم مجرد ما وقع عليه اللفظ، وظنوا أن لفظ الخمر لا يقع على غير عصير العنب النيء، فشبهتهم في استحلال الحرير والمعازف أظهر؛ فإنه قد أبيح الحرير للنساء مطلقاً وللرجال في بعض الأحوال. فبالتالي بيجي بيقول لك: ما دام جنس الحرير أبيح لبعض الأجناس ممكن نحن نستعمله. قال: فشبهتهم بالتالي في استحلال الحرير والمعازف أظهر؛ لأن الحرير لم يبح على الرجال ولا النساء بخلاف الحرير فإنه أبيح للنساء، وابيح للحاجات، فممكن البعض الرجال يستحلوه بالتالي لبسه عموماً. وكذلك بعض أدوات المعازف أبيحت وهي الدف، فبيصير بيقول لك: يا أخي شو الفرق بين الدف والطبل؟ هي زي بعض، فيكون باب التأويل فيها أكثر لأصحاب الأهواء.

قال: للرجال في بعض الأحوال، فكذلك الغناء والدف قد أبيح في العرس ونحوه، وأبيح منه الحداء وغيره. وليس في هذا النوع من دلائل التحريم ما في الخمر، فظهر بهذا أن القوم الذين يخسف بهم ويمسخون إنما يفعل ذلك بهم من جهة التأويل الفاسد الذي استحلوا به المحارم بطريق الحيلة. والتأويل الفاسد أليس بدعة؟ هذا هو المناط في النهاية؛ تأويلهم الفاسد في استحلالهم الخمور أنه لا، هي اسمها مشروبات روحانية هي مش خمور، وأنه المعازف لا، ما هي أصلاً يجوز لأن هذه مش المعازف، وإنما نهى النبي ﷺ عن المعازف إذا كان فيها؛ فيصير يأول لنفسه هذا التأويل الفاسد هو شكل من أشكال البدع، ليست فقط معاصي، هي فيها أيضاً مفهوم الابتداع.

قال: فظهر بهذا أن القوم الذين يخسف بهم ويمسخون إنما يفعل ذلك بهم من جهة التأويل الفاسد الذي استحل به المحارم بطريق الحيلة، وأعرضوا عن مقصود الشارع وحكمته في تحريم هذه الأشياء. وقد خرج ابن بطل عن الأوزاعي أن النبي ﷺ قال: «يأتي على الناس زمان يستحلون فيه الربا بالبيع»، قال بعضهم: يعني العينة، بيع العينة. وروي في استحلال الزنا حديث رواه إبراهيم الحربي عن أبي ثعلبة عن النبي ﷺ قال: «أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض يستحل فيه الحر والحرير». يريد استحلال الفروج من الحرام، والحر بكسر الحاء المهملة والراء المخففة، الفرج. قالوا: ويشبه والله أعلم أن يراد بذلك ظهور استحلال نكاح المحلل ونحو ذلك مما يوجب استحلال الفروج المحرمة؛ فإن الزواج العرفي موجود في مصر، هذا موجود بكثرة، الزواج العرفي عبارة لا في شهود ولا في ولي ولا في شيء، بنت بتروح مع شب في منطقة ويكتبوا لهم ورقة وبيقول لك: هينا زوجنا، هذا من استحلال الحرام، هذا شكل من أشكال استحلال الحر.

هو بيقول لك الشاطبي كيف تستحل الفروج؟ كيف يعتقد أنها حلال من خلال عقود نكاح باطلة لا أصل لها في الدين، زي نكاح المتعة عند الرافضة الآن ونكاح المحلل ذكرناه والنكاح السر العرفي وبعض كثير من أشكال العقود، هذا نوع من استحلال الفروج بغير ما أنزل الله، هذا بدعة لأنك تحليل ما حرم الله. قال: فإن الأمة لم يستحل أحد منها الزنا الصريح، ولم يرد بالاستحلال مجرد الفعل، فإن هذا لم يزل موجوداً في الناس. ليس المراد بالاستحلال هذه وجهة نظر الشاطبي على الأقل أنه استحلال الحر، نعم كلام منقول عن ابن تيمية، هذا كل الكلام هذا منقول عن ابن تيمية مش قول الشاطبي.

معنى استحلال الفروج ليس هو معنى الزنا؛ لأن الزنا كفعل ليس يقول كلمة استحلال الفروج المحرمة لا تعني الزنا؛ لأن الزنا موجود في الأمة من زمان حتى ليس بعض الصحابة، حتى الصحابة وقعوا في شيء من ذلك، فقضية استحلال للفروج هذا مفهوم آخر غير الزنا، هو قضية أن تأتي إلى فرج الحرام فتلبس أنه حلال من أجل أن تقضي شهوتك فيه من باب التلبيس الأمور هذا معنى هذا، فقال: فإن الأمة لم يستحل أحد منهم الزنا صراحة، ولم يرد بالاستحلال في هذا الحديث مجرد أن تفعل الزنا، فإن هذا أي الزنا لم يزل موجوداً في الناس منذ زمان، فما الذي سيحصل في آخر الزمان باستحلال الفروج؟ التلبيس كما قلنا.

قال: ثم لفظ الاستحلال إنما يستعمل في الأصل في من اعتقد الشيء حلالاً والواقع كذلك، فإن هذا الملك العضوض الذي كان بعد الملك والجبرية قد كان في أواخر عصر التابعين، وفي تلك الأزمان صار في أول الأمر من يفتي بنكاح المحلل ونحوه ولم يكن قبل ذلك من يفتي به أصلاً، ويؤيد ذلك أن في حديث ابن مسعود رضي الله عنه المشهور أن رسول الله ﷺ لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه والمحلل والمحلل له. المحلل الذي يحله للناس، فوائد اليوم طلع تجدون هذا بعض الفاسدين، مش أحلوا الفوائد الربوية، قال لك هذه فيها مشكلة، هذا عندكم كان أحد الفاسدين الكبار قال إنه هذه فوائد ما فيها مشكلة وأنتم عاملين قصة عليها وكذا وفي مشكلة في الربا، ما يستحل النبي ملعون على لسان محمد ﷺ المحلل الربا والمحلل له الذي يأخذ كلام هذا الشيخ الفاسد يقول لك: ما هو الشيخ الفلاني أحله، أنت عارف أنه هذا ربا يوم القيامة ما راح تقدر تلصقها في ظهر الشيخ، المحلل له برضه سيأخذ وزره يوم القيامة.

وروى أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله». فهذا يشعر بأن التحليل من الزنا كما يشعر بأن العينة من الربا. وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً ومرفوعاً، قال: «يأتي على الناس زمان تستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء: يستحلون الخمر بأسماء يسمونها بها، والسحت بالهدية، والقتل بالرهبة، والزنا بالنكاح، والربا بالبيع». قال: والقتل بالرهبة يعني كأنه يظهر لي أنه يقتل الشخص بقول لك والله خفت يؤذيني، بمجرد التخوفات، يعني أنا خايف منه لا، ما أنت مش كل شخص بتخاف منه بدك تقتله يعني مش حل.

خاصة الملوك الأمراء يقول لك والله خايف هذا الرجال يسطو على الحكم، خلص بقتله، بقتل جماعته معه وخلصت. وأما استحلال السحت الذي هو العطية للوالي والحاكم ونحوهما باسم الهدية فهو ظاهر، وأما استحلال القتل باسم الإرهاب الذي يسميه ولاة الظلم والسياسة وأبهة الملك ونحو ذلك، فظاهر أيضاً. كما كان يفعل أبو جعفر المنصور وغيره من الخلفاء العباسيين أنه بيقتل 5000 واحد بقول لك ليش حتى أرهب الناس، وحلال أن تقتل 50 ألف واحد؛ فإن باب المحافظة على رهبة الملك وأني أمنع الناس أن يظنوا أنني ضعيف، هذا كثر في الخلافة الأموية والعباسية وعبر الزمان للأسف، كثير من كان يسقط في هذه الزلة وهو أن يستشر القتل ويقتل معارضيه أو مخالفيه لمجرد أنه مخالفه، أو إذا كان مثلاً من فخذ آخر من بني العباس أو كذا ويخاف يسطو على الحكم بروح بيقتله وبيقتل الناس اللي معه، اقرأوا التاريخ عجب عجاب والله حصل في هذا.

وهو نوع من أنواع شرعية القتل المخترعة، وقد وصف النبي ﷺ الخوارج بهذا النوع من الخصال، فقال: «إن من ضئضئ هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». ولعل هؤلاء يقتلون أهل الإسلام نوع من الابتداع اللي ابتدعه الخوارج. ولعل هؤلاء مرادون بقوله عليه الصلاة والسلام وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «يصبح رجل مؤمناً ويمسي كافراً»، الحديث يدل على تفسير الحسن، قال: يصبح محرماً لدم أخيه وعرضه ويمسي مستحلاً إلى آخره. زي ما حكيت لكم في بداية الدرس أنه في آخر الزمان كمان تفشو ظاهرة التكفير، تفشو ظاهرة التكفير حتى يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً؛ بمعنى أنه يمسي محرماً لدم أخيه في الصباح يصبح يستحله كفره واستحل دمه، ما معنى هذا أنه أنت لما نمت بالليل كانوا حاكمين عليك أنك مؤمن، لما صحيت الصبح لقيت حالك كافر، كيف؟ عرفت فهمت علي معنى يصبح الرجل مؤمناً، يعني في أعين الناس في أعين الخوارج وغلاة التكفير، إذا أنت أمورك طيبة معهم أمسيت مؤمناً، قال ويصبح كافراً، كان يصبح كافراً أنهم استحلوا دمه وأنه أصبح كافر، هذا يدل على أنه يصبح التكفير لعبة في إيد السفهاء، فاليوم بيحكوا أنك مؤمن تصبح في اليوم الثاني ولا محكوم عليك بالكفر، أو صايح ص في الصباح أنت كان محكوم لك بالإيمان، في المساء محكوم عليك أنك أصبحت إيش؟ طيب كيف يا جماعة الخير طبعاً الصبح كنت معكم مسلم وحبيبه كيف المس صرت كافر؟ شهوة شهوة التكفير والعياذ بالله.

وقد وضع القتل هؤلاء كما قال، هؤلاء هم المرادون هم خوارج، خوارج سيعودون في آخر الزمان بقوة، خوارج سيعودون بقوة وسيكون لهم فتن قادمة في حياة الأمة، نسأل الله العافية. وقد وضع قتل أيضاً شرعاً معمولاً به على سنة الله وسنة رسوله ﷺ، قال المتسمي بالمهدي المغربي الذي زعم أنه المبشر به في الأحاديث، فجعل القتل عقاباً في 18 صنفاً أكثروا منها الكذب والمداهنة. هذا المهدي المغربي خرج كنا في المغرب، قال لهم: أنا عندي القتل سأضعه في 18 جريمة، 18 جريمة خلى فيها الحكم التعزير القتل. شو هي 18 جريمة؟ الكذب اللي بيكذب عنده يقتل راحت عليه، المداهنة اللي بداهن عنده يقتل أيضاً، قال وأخذهم أيضاً بالقتل في ترك امتثال أمر من يستمع أمره، يعني إذا خالفت أمر سلاطيني أو حكامي برضه على القتل، قال وبايعوه على ذلك، قال وكان يعظهم في كل وقت ويذكرهم ومن لم يحضره أدب فإنه ماذا قتل، يعني اللي بيحضر درس سيدنا الشيخ المهدي المغربي أول مرة بيسامحك، ثاني مرة تروح على الطخ.

قال وكل من لم يتأدب بما أدب به ضرب بالسوط مرة والمرتين، فإن ظهر منه عناد في ترك امتثال الأوامر قتل، وقال: ومن داهن على أخيه أو أبيه أو ابنه أو من يكرم عليه أو المقدم عليه قتل، يعني إذا أنت داهنت مشان ابنك أو أخوك أو أبوك، على القتل ما في عندهم طيب، وكل من قال وكل من يشك في عصمته قتل، برضه إذا شاك فيك أنه فلان من باب الاحتياط بقتلك، من شك في عصمته شك أنه أنت مسلم ولا كافر، من باب الاحتياط بقتلك، قال أو شك في أنه المهدي المبشر به وكل من خالف أمره. لا أنا أخطأت، أنا أخطأت، وكل من شك في عصمته هو أنا فكرتكم عصمة الدم أنه كل من شك في عصمة المهدي إذا بتشك أن هذا المهدي مش هو المهدي وأنه معصوم قتل، أو شك أنه المهدي المبشر به فلا عدد قتل، قال وكل من خالف أمره، أمر أصحابه بغزوة، فكان أكثر تأديب القتل كما ترى، كما أنه كان من رأيه ألا يصلي خلف إمام أو خطيب.

يأخذ أجراً على الإمامة أو الخطابة، وكذلك لبس الثياب الرفيعة وإن كانت حلالاً؛ كان مانع ذلك. نعم، قال فقد حُكم عنه قبل أن يستفحل أمره أنه ترك الصلاة خلف خطيب أغمات بذلك السبب، فقدم خطيب آخر فجاء في ثياب حفيلة تباين التواضع زعم، فترك الصلاة خلفه أيضاً. يقول هنا في الحاشية: هي ناحية من بلاد البربر قرب مراكش في المغرب.

قال: وكان من رأيه ترك الرأي واتباع مذاهب الظاهرية. قال العلماء: وهو بدعة ظهرت في الشريعة بعد المئتين. ومن رأيه أن التمادي على ذرة من الباطل كالتمادي على الباطل كله. وهذا قريب من فكر الخوارج؛ اللي بيعمل غلطة كبيرة خلص كأنه كفر.

وذكر في كتاب الإمامة أنه هو الإمام وأصحابه هم الغرباء الذين قيل فيهم: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء». وقال في الكتاب المذكور: جاء الله بالمهدي وطاعته صافية نقية لم ير مثلها قط قبل ولا بعد، وأنه به قامت السماوات والأرض، به تقوم لا ضد له ولا مثل ولا ند. انتهى. استغفر الله العظيم، هذا يعني «وبه قامت» هذا كفر.

نعم، قال: وكذب فمهدي عيسى بن مريم عليه السلام. وكان يأمرهم بلزوم الحزب بعد صلاة الصبح وبعد المغرب، وأمر المؤذنين إذا طلع الفجر أن ينادوا: أصبح ولله الحمد، إشعاراً زعموا بأن الفجر قد طلع لإلزام الطاعة ولحضور الجماعة وللغدو لكل ما يأمرون به. وله اختراعات وابتداعات غير ما ذكرنا، وجميع ذلك راجع إلى أنه القائل برأيه في العبادات والعادات مع زعمه أنه غير قائل بالرأي، وهو التناقض بعينه.

نعم، هو بيحكي أنا لا آخذ بالرأي وآخذ بالمذهب الظاهري، وكل الأقوال اللي شرعها على شعبه برأيه، شو هذا التناقض؟ أنت بتقول ترفض القياس والرأي وكل ما افترضته على الناس هو من رأيك، هذا عين التناقض. فقد ظهر أن تلك الأشياء على الابتداع، وكما قلنا إن الزنا والفواحش كيف يمكن تظهر وأنها تكون داخلة تحت البدعة من خلال تحليل ما حرّم الله؟ إذا بتلاحظوا الشيء المشترك بين كل الصور هو تحليل ما حرّم الله، سواء في الشح، الأمانة، هي كلها تقوم على قضية التحليل لما حرّم الله، من هنا تدخل هذه الأمور في جانب البدع.

قال: وأما كون زكاة مغرماً، فالمغرم ما يلزم أداؤه من الديون والغرامات. كان الولاة يلزمونها الناس بشيء معلوم من غير نظر إلى قلة مال الزكاة أو كثرته أو قصوره عن النصاب أو عدم قصوره، بل يأخذونهم بها على كل حال إلى الموت. وكون هذا بدعة ظاهر. وأما ارتفاع الأصوات، فبدعة ظاهرة أن تعتبر الزكاة بغض النظر عن طبيعة ما يجب على كل شخص، وإلزامهم بأن يخرجوا الزكاة حتى ولو لم يكن معهم نصاب، هذا تشريع أيضاً بغير ما أنزل.

قال: وأما ارتفاع الأصوات في المساجد، فناشئ عن بدعة الجدال في الدين؛ فإن من عادة قراءة العلم وإقرائه وسماعه أن يكون في المساجد، ومن آدابه ألا ترفع فيه الأصوات في غير المساجد، فما ظنك به في المساجد؟ فالجدال فيه زيادة الهوى، فإنه غير مشروع في الأصل. فقد جعل العلماء من عقائد الإسلام ترك المراء والجدال في الدين، وهو الكلام فيما لم يؤذن في الكلام فيه، كالكلام في المتشابهات من الصفات والأفعال وغيرهما، ومتشابهات القرآن.

لأجل ذلك جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: 7]. قال: «فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم». وفي الحديث: «ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل». وجاء عنه عليه السلام أنه قال: «لا تمار في القرآن، فإن المراء فيه كفر». وعنه عليه السلام أنه قال: «إن القرآن يصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه ببعض، ما علمتم منه فاقبلوه، وما لم تعلموا منه فكلوه إلى عالمه». قال عليه السلام: «اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا عنه».

وخرج ابن مهدي عن معاوية بن قرة قال: إياكم والخصومات في الدين، فإنها تحبط الأعمال. وقال النخعي في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 64]، قال: الجدال والخصومات في الدين. وقال معن بن عيسى: انصرف مالك يوماً إلى المسجد وهو متكئ على يدي، فلحقه رجل يقال له أبو الجديرة يتهم بالإرجاء، فقال: يا أبا عبد الله، اسمع مني شيئاً أكلمك به وأحاجك، وأخبرني وأخبرك برأيي. فقال له: أحذر أن أشهد عليك. قال: والله ما أريد إلا الحق، اسمع مني فإن كان صواباً فقل به. قال: فإن غلبتني؟ قال: اتبعتني. قال: فإن غلبتك؟ قال: اتبعتك. قال: فإن جاء رجل فكلمناه فغلبنا؟ قال: اتبعناه. فقال له مالك: يا عبد الله، بعث الله محمداً بدين واحد وأراك تنتقل.

يعني كان يقول مالك: هذا مش دين، أنه كل ما جاءك واحد بيعرف يلسن أكثر في الاحتجاج بدك تتبعه، مش دين لن تثبت على دين واحد. اليوم شفت مقطع يوتيوب والله أقنعني كلامه، وبكرة مسألة ثانية والله رجل ثاني قال خلاف الأول بس كلامه مقنع، والله خلص بتبع الثاني. اليوم الثالث شفت مقطع ثالث والله كلام هذا مقنع أكثر من الاثنين، هكذا لن يستقر لك دين. كلما سمعت مقطع يوتيوب تقلد دينك للشيخ؟ بدك تعرف الأصل وتثبت عليه، ما ينفع أنه كل ما جاءك شخص تغلق أذنك؛ أنت كإنسان غير متخصص بدك تغلق أذنك عن سماع المجادلات والمناقشات، وليس كلما جاء رجل أجدل من رجل اتبعته.

قال: وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل. وقال مالك: ليس الجدال في الدين بشيء. والكلام في ذم الجدل كثير، فإن كان مذموماً فمن جعله محموداً وعدّه من العلوم النافعة بإطلاق، فقد ابتدع في الدين. ولما كان اتباع الهوى أصل الابتداع لم يعدم صاحب الجدال أن يماري ويطلب الغلبة، وذلك مظنة رفع الأصوات. فإن قيل: عددت رفع الأصوات من فروع الجدل وخواصه وليس كذلك، فرفع الأصوات قد يكون في العلم ولذلك كره رفع الصوت في المسجد، وإن كان في العلم أو في غير العلم.

قال ابن القاسم في المدونة: رفع الصوت في المسجد ممنوع حتى لو ما كان في جدل، حتى لو كنت تعطي درس علم ما بصير ترفع صوتك في المسجد. قال ابن القاسم في المبسوط: رأيت مالكاً يعيب على أصحابه رفعهم أصواتهم في المسجد. وعلل ذلك محمد بن مسلمة بعلتين: إحداهما أنه يجب أن ينزه المسجد عن مثل هذا لأنه مما أمر بتعظيمه وتوقيره، والثانية أنه مبني للصلاة، وقد أمرنا أن نأتيها وعلينا السكينة والوقار، فبان أن يلزم ذلك في موضعها المتخذ لها.

أما من جعله محموداً بإطلاق؛ اعتبر الجدل الذي كان يكون في القرون الماضية محموداً بإطلاق، هذا بدعة، هذا ليس من طريقة النبي عليه الصلاة والسلام.

شوف ما هو ما بقول علم الجدل، هو قال بإطلاق؛ يعني إذا أنت اعتبرته بإطلاق بكل القواعد التي وضعوها، نعم هذا باطل، ولذلك شيخ الإسلام ألف كتاباً في الرد على الجدل الباطل، في تمويه الجدل الباطل، ألف كتاباً كاملاً في الرد على طريقة الجدليين وأنها فعلاً موضوعة في الدين. أما أصل الجدل من أجل إقرار الحق بطريقة صحيحة ما عندنا مشكلة فيه. فتستطيع تقول إن كثيراً مما وضع من قواعد الجدل مبتدعة إلى درجة معينة؛ لأننا نرى مناظرات مطلوبة، السلف كانوا يناظرون لكن في مناظرات على طريقة صحيحة بدون تكلفات في وضع قوانين وتشريعات المراد بها التقيد وليس وصول العلم.

أصبحت نوادي كاملة مثلاً مناظرات، أحسنت يعني أن يصبح النقاش أو المناظرة لذاتها مطلوبة ومقصودة ووسيلة تسويقية للقنوات والهذا. نعم أصبح هذه مشكلة، أن يكون الرد من أجل الرد، من أجل إثارة الناس، من أجل إحداث حالة من المهرجانية الفرائحية، أنّه في ردود وفي كذا وليس المراد منها نصرة الدين وإقامة الشريعة. الرد من أجل الرد تأكيد هو من البدع التي استحدثت للأسف.

قال: وروى مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنى رحبة في ناحية المسجد تسمى البطحاء، وقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعراً أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة. عمر بن الخطاب جعل لهم ساحة قال لهم: أي واحد بده يحكي شعر بده يعمل مشكلة يطلع على هذه الساحة يفرغ طاقته خارج المسجد، بعد ما تفرغ طاقتك ادخل إلى المسجد.

قال: كذلك فإذا كان كذلك فمن أين يدل ذم رفع الصوت في المسجد على الجدل منه؟ يعني أنت كأنك حصرت يا شاطبي رفع الصوت في الجدل مع أن الأصل رفع الصوت منهي عنه عموماً. فقال: فالجواب وجهان؛ أحدهما أن رفع الصوت من خواص الجدل المذموم. نعم الآن رفع الصوت في المسجد في "هوشة" مشكلة بين اختيارين أو في ناس درسوا علم فرفع صوته، هذا وإن كان منكراً لكن هو لم يضع ذلك تشريعاً، يعني لم يوضع على هيئة مستدامة، مشكلة عرضية يعتبر منكر معصية بس لا تعتبر ابتداع. متى صار رفع الصوت؟ إذا صار بصورة متواصلة كأنها طقس من الطقوس أو ناموس، هذا من الجدل. أما غالب رفع الأصوات الأخرى: واحد أنشد أنشودة فرفع صوته بها، واحد حكى شعر، هل اتخذ ذلك ديدناً وديناً أم مواقف شخصية؟ مواقف شخصية. فيقول لك: أنا لماذا خصصت رفع الصوت بالجدل؟ لأنه هو أصلاً من رسوم الجدل رفع الصوت من خواص الجدل.

يعني أصبح ناموساً من نواميسه، كأنه قانون، وهذا بدعة، أن تعتقد أن الجدل لا يكون إلا برفع الصوت، ويصبح ناموساً وابتداعاً في دين الله.

في أكثر الأمر دون الفلتات؛ لأن رفع الصوت والخروج عن الاعتدال فيه ناشئ عن الهوى في الشيء المتكلم فيه، وأقرب الكلام الخاص بالمسجد إلى رفع الصوت الكلام فيما لم يؤذن فيه، وهو الجدال الذي نبه عليه الحديث المتقدم. وأيضاً لم يكثر الكلام جداً في نوع من أنواع العلم في الزمان المتقدم إلا في علم الكلام، وإلى غرضه تصوبت سهام النقد والذم.

فقد روي عن عميرة بن أبي ناجية المصري أنه رأى قوماً يتمارون في المسجد وقد علت أصواتهم فقال: هؤلاء قوم قد ملوا العبادة وأقبلوا على الكلام. اللهم أمِت عميرة، فمات من عمه ذلك في الحج، فرأى رجل في النوم قائلاً يقول له: مات في هذه الليلة نصف الناس، فعرف تلك الليلة فجاء فيها يموت عميرة.

هذا قال والثاني: أننا لو سلمنا أن مجرد رفع الصوت لا يدل على ما قلنا، لكان أيضاً من البدع إذ عُدّ كأنه من الجائز في جميع أنواع العلم، فصار مأمولاً به لا يتقى ولا يكف عنه، بل جرى مجرى البدع المحدثات. وأما تقديم الأحداث على غيرهم فمن قبيل ما تقدم في كثرة الجهل وقلة العلم، كان ذلك التقديم في رتب العلم أو غيره؛ لأن الحدث أبداً أو في غالب الأمر غرّ، لم يتحنك ولم يرتضِ في صناعته رياضة تبلغه مبالغ الشيوخ الراسخين الأقدام في تلك الصناعة. ولذلك قالوا في المثل: وابن اللبون إذا ما لُزّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس ابن اللبون يعني اللي صار عمره سنتين ليس كالبازل؛ البازل صار عمره ثمان سنوات. هل الناقة عمرها سنتين زي الناقة عمرها ثمان سنوات؟ لا، هذيك عفريتة صارت محنكة وهذا لساته صغير. هذا نفس الشيء، العالم الراسخ هل يساوى بالشاب الصغير الذي لم يقوَ في العلم؟ لا يساوى هذا بهذا، أصبح من أمثال العرب.

نعم، قال هذا إن حملنا الحدث على حداثة السن، هو نص حديث ابن مسعود رضي الله عنه، فإن حملناه على حداثة العهد بالصناعة، ويحتمل هذا بفضله أن الحدث يحمل على حداثة العهد بالصنعة العلمية أو صنعة.

السياسة ولو كان كبيراً في طلب العلم على كبر، فهو حدث في هذا العلم، ولو كان عمره 50 سنة. وقد يكون شاب عمره 20 سنة وهو راسخ، فمقياسها هو في الحقيقة التعلم، وإن كان في العادة صغر السن يدل على عدم الرسوخ. قال: وحملناه على حداثة السن بالصناعة، ويحتمله قوله في الحديث: «وكان زعيم القوم أرذلهم»، وقوله: «وساد القبيلة فاسقهم»، وقوله: «إذا أُسند الأمر إلى غير أهله»، فهذه كلها يدخل فيها الأحداث. قال: فالمعنى فيها واحد، فإن حداثة العهد بالشيء لا يبالغها قديم العهد فيه. ولذلك يحكى عن الشيخ أبي مدين رحمه الله أنه سئل عن الأحداث الذين نهى شيوخ الصوفية عن صحبتهم، فقال: الحدث الذي لم يستكمل الأمر بعد، وإن كان ابن 80 سنة.

فإذاً تقديم الأحداث على غيرهم من باب تقديم الجهال على غيرهم، ولذلك قال فيهم: سفهاء الأحلام، وقال: «يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم» إلى آخره، وهو منزل على الحديث الآخر في الخوارج أن من ضئضئ هذا قوماً «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم» إلى آخر الحديث، يعني أنهم لم يتفقهوا فيه، فهو في ألسنتهم لا في قلوبهم.

وأما لعن آخر هذه الأمة أولها، فظاهر مما ذكره العلماء عن بعض الفرق الضالة، فإن الكاملية من الشيعة كفرت الصحابة رضي الله عنهم حين لم يصرفوا الخلافة إلى علي رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرت علياً رضي الله عنه حين لم يأخذ بحقه فيها. وأما ما دون ذلك مما يوقف فيه عند السب، فمنقول موجود في الكتب، وإنما فعل ذلك لمذاهب سوء، بعضهم لم يصل للتكفير لكنه سب الصحابة، وهذا أيضاً من البدع، سب الصحابة والعياذ بالله. قال: وأما ما فعلوا ذلك لمذاهب سوء لهم رأوها فبنوا عليها ما يضاهيها من السوء والفحشاء، فلذلك عُدوا من فرق أهل البدع.

قال مصعب الزبيري وابن نافع: دخل هارون الرشيد المسجد فركع، ثم أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، ثم أتى مجلس مالك فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. قال له مالك: وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. ثم قال لمالك: هل لمن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفيء حق؟ قال: لا ولا كرامة. قال: من أين قلت ذلك؟ قال: الله عز وجل يقول: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: 29]، فمن عابهم فهو كافر، ولا حق لكافر في الفيء. فهمت استدلال مالك؟ الله لما قال في الصحابة: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ فكل من يسب الصحابة فهو مغتاظ منهم فهو كافر.

واحتج مرة أخرى في ذلك بقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: 8] إلى آخر الآيات الثلاث. قال: فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هاجروا معه، وأنصاره، والذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10]، فمن عدا هؤلاء فلا حق لهم فيه. واستدلال آخر لمالك في أن الذين يسبون الصحابة لا حظ لهم في الفيء هو أن الله ذكر الفيء في سورة الحشر وبين أن الفيء للفقراء المهاجرين، والذين تبوؤوا الدار والإيمان، والذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. فالذين جاؤوا من بعد الصحابة وسبوا الصحابة هل هم ممن قالوا: اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا؟ لا، بل كفروهم، إذاً هم ليسوا من الأصناف الثلاثة الذين قسم الله لهم الفيء في سورة الحشر، هذه طريقة أخرى في استدلال مالك على أن ساب الصحابة ليس له من الفيء شيء.

وأنا حقيقة أعتقد أن من البدع التي تدخل في لعن آخر هذه الأمة أولها المناهج المستحدثة، الحداثية وما بعد الحداثية الموجودة اليوم التي ترفض منهج السلف الصالح، هذه بدعة. ولذا قيل لهم: منهج السلف الصالح، ماذا يقول لك؟ يا أخي هذه قضية تاريخية، هذه خلصت، تلك أمة قد خلت، إحنا ما لنا علاقة بالسلف الصالح، نحن أولاد الحداثة وما بعد الحداثة، فيجب أن نؤسس خطاباً حداثياً معاصراً بأدواته ومناهجه. هذا هو من لعن آخر هذه الأمة أولها، وهو من أكبر البدع، وضع مناهج معاصرة تصادم منهج السلف، وترى أن مناهج السلف قديمة وتاريخية، وأن المناهج المعاصرة أقوم على معالجة الواقع، هذا من أكبر الابتداع، استحداث مناهج مخالفة لمناهج الأوائل.

وأما بعث الدجالين، فقد كان من ذلك جملة، منهم من تقدم في زمان بني العباس وغيرهم، ومنهم معد من العبيديين الذين ادعوا النبوة كثير في التاريخ وإلى اليوم ما زالوا يخرجون، ومنهم من ملكوا أفريقيا، فقد حكي عنه أنه جعل المؤذن يقول: أشهد أن معداً رسول الله، عوضاً من كلمة الحق: أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففعل المؤذن، فهمّ المسلمون بقتله ثم رأوا رفعه إلى معد ليروا هل هذا عن أمره، فلما انتهى كلامهم إليه قال: أردد عليهم أذانهم، لعنهم الله. ومن يدعي لنفسه العصمة فهو يشبه من يدعي النبوة، ومن يزعم أنه به قامت السماوات والأرض فقد جاوز دعوة النبوة، وهو المغربي المتسمي بالمهدي. وقد كان في الزمان القريب رجل يقال له الفازاري ادعى النبوة، واستظهر عليها بأمور موهمة للكرامات والإخبار بالمغيبات ومخيلة لخوارق العادات، تبعه على ذلك من العوام جملة. ولقد سمعت أن بعض طلبة ذلك البلد الذي احتله هذا البائس مالقة -أخذ ينظر في قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40] وهل يمكن تأويله؟ وجعل يطرق إليه الاحتمالات ليسوغ إمكان بعث نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم.

وكل مقتل هذا المفتري على يدي شيخ شيوخنا الأستاذ أبي جعفر بن زبير رحمه الله. ولقد حكى بعض مؤلف الوقت قال: حدثني شيخنا أبو الحسن بن الجياب رحمه الله قال: لما أُمر بالتأهب يوم قتله وهو في السجن الذي أُخرج منه إلى مصرعه، جهر بتلاوة سورة يس، فقال أحد الدُّعرة ممن جمع السجن -الدُّعرة: الفجار يعني فساق- قال: اقرأ قرآنك، لأي شيء تتطفل على قرآننا اليوم؟ أو ما في معنى هذا، فتركها. مثلاً بذكائه، فتركها، مثلاً أنت مش أنت بتحكي أنك نبي آخر؟ وهذا الفاجر يحكي لهذا الرجل قبل ما يأخذوه على المشنقة، مش أنت بتحكي أنك نبي آخر بعد النبي عليه الصلاه والسلام؟ يا أخي روح اقرأ قرآنك اللي أُنزل عليك، خلي قرآننا، سورة يس مش هو قرأ سورة يس؟ قال له: سورة يس هذه قرآن اللي أُنزل على نبينا، أنت نبي جديد، روح اقرأ قرآنك اللي خاص فيك. فصارت مثلاً، لو ادعى أن أي واحد ادعى النبوة وبتلاقيه بيقرأ قرآن شو يقول له: اقرأ قرآنك، مش أنت نبي جديد؟ يلا أعطينا شو مخرجاتك من النبوة.

وأما مفارقة الجماعة فبدعتها ظاهرة، ولذلك يجازى بالميتة الجاهلية، وقد ظهر هذا في الخوارج وغيرهم ممن سلك مسلكهم كالعبيديين وأشباههم. فهذا أيضاً من جملة ما اشتملت عليه تلك الأحاديث، وباقي الخصال المذكورة عائد إلى نحو آخر، ككثرة النساء وقلة الرجال، وتطاول الناس في البنيان، وتقارب الزمان. فالحاصل أن أكثر هذه الحوادث التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم من أنها تقع وتظهر وتنتشر في الأمة، أمور مبتدعة على مضاهاة التشريع، لكن من جهة تعبده، لا من جهة كونها عادية. فهذه الأمور، إذاً هذا ما يريد أن يثبت الشاطبي، أن كل ما يحصل آخر الزمان هي صح في الابتداء أمور عادية، حتى لو عاديات محرمة، عادي محرمة أكيد، بس كيف يدخلها الابتداع؟ من جهة أنها تصبح تشريعات ويستحلها الناس، فمن هنا تنقلب إلى بدع من هذه الجهة.

وأن العاديات من حيث هي عادية، لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبد بها، أو توضع وضع التعبد، تدخلها البدعة، وحصل بذلك اتفاق القولين، وصار المذهبان مذهباً واحداً، وبالله التوفيق. وهكذا يكون هو يقول لك هكذا اتفق القولين، وأنا جمعت بين وجهتي النظر، بين من ينفي دخول البدع في العاديات وبين من يقر بدخولها، أنه كل واحد يتكلم من زاوية معينة، أنا حاولت أجمع بين الزاويتين. نكمل بعد الصلاة إن شاء الله.

نبدأ بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبدأ الجلسة الثانية لهذا اليوم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال رحمه الله تعالى: فصل، فإن قيل: أما الابتداع بمعنى أنه نوع من التشريع على وجه التعبد في العاديات من حيث هو توقيت معلوم، مقول بإيجابه أو إجازته بالرأي كما تقدم من أمثلة بدع الخوارج ومن داناهم من الفرق الخارجة عن الجادة، فظاهر من ذلك القول بالتحسين والتقبيح العقلي، والقول بترك العمل بخبر الواحد، وما أشبه ذلك. فالقول بأنه بدعة قد تبين وجهه واتضح مغزاه.

وإنما أبقى وجهاً آخر يشبهه وليس به، وهو أن المعاصي والمنكرات والمكروهات قد تظهر وتفشو، ويجري العمل بها بين الناس على وجه لا يقع لها إنكار من خاص ولا عام، فما كان منها هذا شأنه، هل يعد مثله بدعة أم لا؟ هذا سؤال مهم. يقول: فإن قيل الابتداع بمعنى أنه نوع من التشريع على وجه التعبد في العاديات من حيث هو توقيت معلوم، مقول بإيجابه أو إجازته بالرأي كما تقدم من أمثلة بدع الخوارج ومن داناهم من الفرق الخارجة عن الجادة، فظاهر، ومن ذلك أيضاً القول بالتحسين والتقبيح العقلي، والقول بترك العمل بخبر الواحد وما أشبه ذلك، فالقول بأنه بدعة قد تبين وجهه واتضح مغزاه.

تمام، إذاً هو ماذا يريد أن يقول هنا؟ الابتداع بمعنى أنه نوع من التشريع على وجه التعبد في العاديات، هذا فهمناه، في أي جماعة إسلامية أو في أي طائفة من الطوائف السابقة وضعت ناموساً من نواميس العاديات على صورة تشريع فأحلته وهو محرم، أو أوجبته، لأنه قال فأوجبته أو أجازته، أجازته إذا كان هو محرم هي أجازته برأيها كما أجاز الخوارج قتل أهل الإسلام بطريقتهم التي سهلوها، أو أوجبته وهو يكون مباح مثلاً بمجرد الرأي، ووضع ذلك على وجه التشريع، فهمنا كيف يدخل الابتداع في العاديات من هذه الجهة.

لكن بقيت فكرة أخرى، قال: وإنما يبقى وجه آخر يشبهه وليس به، يشبه التشريع ولكنه ليس به، وهو أن المعاصي والمنكرات والمكروهات قد تظهر وتفشو في المجتمع ويجري العمل بها بين الناس على وجه لا يقع لها إنكار من خاص ولا عام، فما كان منها هذا شأنه هل يعد مثله بدعة أم لا؟ وهذا أظن أشرت إليه قبل قليل، أنه الآن في نوعين من التشريع في العاديات: الوجه الأول لا، أنه يفرض قانون في البلد أو يفرض قانون عند جماعة من الجماعات كالخوارج أو المعتزلة بأنه هذا الشيء الحرام نخليه حلال، أو بأنه هذا الشيء المباح نخليه واجب، هسه إذا فرض على صورة قانون له ناموسه، وهذا واضح.

بس إذا هو ما فرض قانون، لكن فشى هذا المنكر في المجتمع واستحسنه الناس وتألفوا له بدون ما يكون ماذا؟ فيه إنكار من خاص ولا عام، مثل الاختلاط في واقعنا المعاصر، هذا نموذج، الاختلاط في واقعنا المعاصر هذا نموذج من ماذا؟ من نموذج الأشياء، لو أجيت تحكي للناس قولوا لك: آه بس أنه خلص يعني بدنا نتعامل معه ونتعايش معه، فهل هذا الاختلاط اللي موجود اليوم في الجامعات وسوق العمل يصح أن نسميه غير أنه معصية أنه بدعة من جهة أن الناس تماهت معه وأصبحت تتقبل وتتكيف معه؟ فالجواب قال: فالجواب أن مثل هذه المسألة.

لها نظران: أحدهما نظر من حيث وقوعها عملاً واعتقادًا في الأصل، فلا شك أنها مخالفة لا بدعة، إذ ليس من شرط كون الممنوع أو المكروه غير بدعة ألا ينتشر وألا يظهر، كما أنه ليس من شرط البدعة أن تشتهر وألا تسر.

إذا نقول هنا نظران: أولًا هذا العمل بحد ذاته، مثل الاختلاط، هو من حيث هو ذاته لا شك أنه مخالفة، أي هو من حيث الأصل معصية، لا بدعة. إذ ليس من شرط كون الشيء معصية أو مكروهًا ألا ينتشر وألا يظهر، عادي ممكن تكون معصية وتشتبه وتنتشر، ليس من شرط المعصية حتى تبقى تسمى معصية ألا تشتهر، لا، يمكن تشتهر وتنتشر وتبقى اسمها معصية. كما أنه في العكس، ليس من شرط البدعة حتى تسمى بدعة أن تبقى خفية، لا، البدعة بعضها خفي وبعضها ظاهر، كذلك المعاصي بعضها شخصي وبعضها ظاهر وفاشٍ.

بل المخالفة مخالفة، ظهرت أم لا، اشتهرت أم لا، والبدعة بدعة، ظهرت أم لا، فعلت في السر أو في العلن واشتهرت أم لا. وكذلك دوام العمل بها أو عدم دوامه لا يؤثر في واحدة منهما، فدوام العمل بالمعصية يبقيها معصية، يعني المعصية تبقى معصية داومت عليها ولا ما داومت عليها. والبدعة ما دام تم تصنيفها أنها بدعة هي ستبقى بدعة، حضرتك داومت عليها أو لا، فالمبتدع قد يقلع عن بدعته والمخالف قد يدوم على مخالفته إلى الموت، عياذًا بالله.

والثاني: نظر من جهة ما يقترن بها من الخارج، فالقرائن قد تقترن فتكون سببًا في مفسدة حالية أو في مفسدة مآلية، كلاهما راجع إلى اعتقاد البدعة. أما الحالية فبأمرين: الأول أن يعمل بها الخواص من الناس عمومًا، وخاصة العلماء خصوصًا.

إذا هي المعصية زي ما اتفقنا من حيث هي معصية هي في الأصل ليست بدعة، لكن يقترن بها قرائن في الحال أو في المقال بتخليها بدعة؛ هذا الذي يريد أن يقوله في إجابة هذا السؤال. فالمعاصي كالاختلاط وغيره هي في الأصل مخالفة وليس بدعة، لكن لو أردنا ننظر في القرائن التي احتفت بالاختلاط مثلًا، القرائن الخارجية التي احتفت به وكانت سببًا في مفاسد حالية آنية أو مفاسد مستقبلية، هذه القرائن هي التي ستنقل هذه المعصية من كونها مجرد معصية إلى كونها أصبحت بدعة. لاحظ دور القرائن، وهي القرائن مهمة جدًا إخواني في فلسفة إطلاق الأحكام الشرعية، سواء في إطلاق التكفير أو التفسيق أو التبديع، القرائن حاكمة لا شك.

نأخذ مثالًا على المفسدة الحالية، قرائن تؤدي إلى أن تنقل المعصية إلى مفاسد حالية أخرى. قال: أما الحالية فبأمرين، قال: الأول أن يعمل بها الخواص من الناس عمومًا، وخاصة العلماء خصوصًا وتظهر من جهتهم، وهذه مفسدة في الإسلام ينشأ عنها عادة من جهة العوام استسهالها واستجازتها؛ لأن العالم المنتصب مفتٍ للناس بعمله كما هو مفتٍ بقوله. فإذا نظر الناس إليه وهو يعمل بأمر هو مخالفة، حصل في اعتقادهم جوازه، ويقولون لو كان ممنوعًا أو مكروهًا لامتنع منه العالم.

الآن من يقول لي ما هي المفسدة الحالية الأولى التي ذكرها للمعاصي؟ يعني الآن أقول لك المعاصي من حيث هي معاصي، لكن قد يقترن بها قرائن خارجية تؤدي إلى مفاسد حالية أو مفاسد مستقبلية تصير هذه المعاصي إلى بدعة، فهمتم الآن شو تركيب السؤال؟ ما هي الحالة الأولى؟

إحسنت، إذا هي المعصية كان علماء البلد يعملونها، إذا كان العلماء في البلد هم الذين يفعلون هذه المعصية -هم العلماء ما حكوا أنها حلال بس نحكي علماء البلد خلص- للأسف وقعوا أو كثر منهم الوقوع في هذه المعصية. طيب من الذي يرقب العلماء؟ العوام، فالعامي لما يشوف سيدنا الشيخ وسيدنا الشيخ وسيدنا الشيخ كلهم يفعلوا هذه المعصية، شو راح يحكي العامي؟ سيعتقد أن هذه المعصية جائزة بدليل أن العلماء في بلدنا يعملون بها.

لاحظ، وهذه مفسدة في الإسلام ينشأ عنها عادة من جهة العوام استسهال لهذه المعصية واستجازتها؛ لأن العالم المنتصب مفتٍ للناس بعمله كما هو مفتٍ للناس بقوله، يعني أنت ترى الناس تتخذك قدوة مش بس في قولك يا شيخ، بل حتى بأعمالك، فإذا نظر الناس إليه وهو يعمل بأمر هو مخالفة شرعية ومعصية لله، حصل في اعتقاد العوام أن هذه المخالفة جائزة، وأنا كنت مشدد على نفسي ومعتبرها حرام، ويقولون العوام: لو كانت ممنوعة أو مكروهة لامتنع منها العلماء.

من يعطيني أمثلة على هذا الشيء في واقعنا المعاصر؟

مثال: لما يخرج لك مجموعة من الشيوخ ويقول لك والله أنا أسمع كذا وكذا وكذا، بس بتعرف شو مشكلة هذا الشيخ؟ أنه أصلًا محللها، هو يحلل ذلك أمام الناس بقوله. أنا في اعتقادي الاختلاط من أكبر الظواهر، عمل كثير من مشايخنا وأساتذتنا أحيانًا في الإكثار والاجتماع في الجامعات المختلطة، أعتقد أننا كنا سببًا في شرعنة هذا الأمر في عقول الناس وأنه الاختلاط عادي. ما أول شبهة؟ لو تجي تقول الناس هي مشايخ الشريعة كلهم بيشتغلوا في جامعات مختلطة، هسه أنا بعرف أننا نتأول لأنفسنا، يعني ممكن الشيخ أحيانًا يعمل في جهة مختلطة يرى أن مصلحة وجوده أكثر من مفسدة عدمه، يعني هذا خليها على جنب، بس أنا أقصد أنه الذي حصل حتى نكون دقيقين؛ الذي يحصل في الواقع المعاصر أن المشايخ لا يبوحون للناس بأنه يا جماعة ترى نحن بنشتغل بالجامعات المختلطة مع أنه حرام، بس لأن مصلحة وجودنا تربو على مفسدة عدم وجودنا، هسه هذا شيء جيد، لكن المشكلة أنه أنت ساكت ومش حاكي للناس أو طلابك أنه الاختلاط حرام، وإذا سألوك: هل الاختلاط يا شيخنا في الجامعة حرام؟ بصير بده يلفها ويدورها. طيب أنت لما الناس تشوفك بتشتغل في شغل مختلط و٢٤ ساعة بتتعامل مع النساء والطالبات وكذا في الجامعة، ماذا سيحصل في اعتقاد العوام؟ أن الاختلاط حلال، ولو كان حرامًا لم يفعله المشايخ، على الأقل في اعتقادي.

إذا أنت كشيخ أو عالم شريعة بدك تشتغل في جامعة، يجب أن يبقى الشعار مرفوعًا ودائمًا تجهر به: يا جماعة المكان هذا حرام ولكن عملي فيه للمصلحة، والله هيك بتقنعني، أما أنك تصبح تسكت عن هذا المنكر أو للاسف طبعًا المصيبة أنه يصبح يأوّل هذا المنكر ويشرعنه ويقول لك لا، هي الجامعات بهذه الصورة مش حرام، الحرام أنك تصاحب بنت، بس أما أنت وهذا وهذا كل الواقع اللي أنا فيه هو اللي بيدفعني للحرام أصلًا. فالمهم أنا أعتقد مثلًا زي الاختلاط من أكبر الأمور التي أفسدت على الناس في هذه القضية، كذلك أنه كثير من مثلًا من المشايخ سماع المعازف، أو مثلًا التماهي معها في الأماكن العامة، يقول لك أنا شيخ والله مجبر على نوع معين من المعازف لازم أسمعه في حفلات التخرج في أشياء في كذا. ما هو أنت يا شيخ إذا أنت الناس ما بتسمع كلامك بس بتشوف أفعالك، لما تشوفك أنت دائمًا تسمع المعازف ما راح تعرف أنه أنت في باطنك تستجيزها لكنك مجبر عليها، فبالتالي العوام سيعتقدون كثير من الأمور المحرمة حلالًا لما يروا طبقة العلماء أو الدعاة أو المصلحين يتماهون فيها.

أيضًا أنا أحب أن أسقط إسقاطات واقعية حتى يكون الكلام مثمر تبع الشاطبي، مثل حلق اللحية، ممتاز أحسنت. لما يرى العامي كثيرًا من مشايخ الشريعة حالقي لحاهم، هسه إذا هو الشيخ يرى أن تربية اللحية سنة مؤكدة أو واجبة، العامي ما راح يقتنع إذا شاف كل المشايخ حالقين لحاهم أو حريصين على أن تكون اللحية فقط هيك نابذة خط صغير، يعني أنت الآن أظن حتى لو أنت شافعي ترى كراهية حلق اللحية مش حرمتها، بس حتى عند الشافعي ما هي سنة مؤكدة يعني هو في حدا حكى أنها... هذا أقل الأقوال، فأنت حالق لحيتك وتحرص على حلقها وتمليسها أو أن تكون على قدر الجلد، العامي ماذا سيقول؟ لو كانت اللحية واجبة أو شيئًا عظيمًا في الدين لرأينا كثيرًا من المشايخ يفعلونها، لكن شوفوا هي مشايخ الأزهر أغلبهم حالقين لحاهم صح ولا لا؟ ومشايخ برضه كثير في الشام أو غيرها وفي الأردن وكذا حالقين لحاهم، إذا هذا يدل على أن اللحية قضية اجتهادية سهلة جدًا، أنتم يا مشايخ مزودين أمورها، كيف اقتنع العوام بهذه القضية لما رأوا العلماء يستهينون بهذه الشعيرة، أليس كذلك؟

هسه هذا شيء أسوأ، لا هو يحكي هنا الشاطبي عن شيء معصية أو مكروه جدًا، خليني أقول، ويتواطأ العلماء على ارتكاب هذه المعصية أو على ارتكاب هذا المكروه وهم يعلمون أنه مكروه بس خلص يتواطؤون عليه أو يكثر منهم ذلك، فهنا العامي ستخترق عقيدته في هذا الشيء ومع الوقت سيعتقد أنه حلال أو أنه مش مكروه أو أنه ليس ذا أهمية أو باع كبير في الشريعة.

طريقة الخطاب الخاطئ الذي فيه تساهل من كثير من المشايخ والدعاة، يعني مثلًا غلو بعضهم في مسائل التبديع أمام الطلاب، يعني لما يشوف الطالب أن شيخه في كل مجلس يعتقد الغيبة حرام، بس في كل مجلس: والله الداعي الفلاني شو آخر مقاطع نزلت؟ والله هذا داعي سيبكم منه، والداعي الفلاني وهذا برضه سيبك منه، والداعي الثالث، طيب ما هو شيخ أنت ماشي، أنت الأصل عندك أن الغيبة حرام، بس أنا كل ما جالس في مجلسك أنت بتسقط فلان وبتسقط فلان وبتحكي فلان وما أشوف فلان مش عاجبك وفلان أبصر شو قصته، طيب أنا كعامي أو كطالب علم مبتدئ ماذا أعتقد؟ أن هذا النمط الذي أنت تعمله أنه هذا جائز وأنه هذا من الدين، مع أنك أنت يا شيخ عارف أن عندك هوى وعارف أنك أنت كلامك في المخالفين لك هو من باب أنك تكسر جماهيرهم أو بدك تجيب نظر الناس إليك، هي معصية، أنت يا سيدي ضعيف، بس لما أنت كشيخ واقع في هذه المعصية، معصية الإسقاط، والشيخ الفلاني واقع في معصية الإسقاط، والشيخ الفلاني واقع في معصية الإسقاط للآخرين، سيعتقد عموم طلاب الناشئة أو العامة أنه شيء طبيعي أن ننتقد المشايخ والدعاة، هي شوف المشايخ ينتقدوا بعضهم بعضًا وفي المجالس العامة والخاصة، إذا ثقافة نقد المشايخ وإسقاطهم هذا شيء عادي، فيستجيزون ذلك، وقس على ذلك كثيرًا من المنكرات التي يقع فيها العلماء أو الدعاة والمصلحون لحظوظ النفس وهم مش منتبهين أن هذه الثقافة عم تنقل إلى جيل جديد سيعتقد إباحتها وحليتها ومشروعيتها، شوف الكارثة كيف تحصل، ولاحظ كلام الشاطبي عميق في ملاحظة كيف تنتقل الأخطاء داخل المجتمعات.

وهذا قال: هذا وإن نص على منعه أو كراهته فإن عمله معارض لقوله. نعم فهذا الشيخ وإن نص على أن الفعل الذي يعمله حرام أو مكروه، بس عملك في النهاية يا سيدنا الشيخ مخالف لقولك، والعامي ماذا سيعتبر؟ قال فإما أن يقول العامي إن العالم خالف بذلك ويجوز عليه مثل ذلك، وهم عقلاء الناس وهم الأقلون. شوف الكلام والرصد الدقيق، هسه من الذي سيقول إن هذا الشيخ والداعية واقع في معصية ولن أتبع على ذلك؟ مين من العوام؟ من العوام من يكون عاقلًا ويستطيع تحليل المشهد ويقول: هذا الشيخ جزاه الله خير له جهود في الأمة وآثار طيبة لكن هذا الشيء الذي فعله واضح أنه معصية، تمام، واضح أنه معصية. مين من العوام عنده ملكة النقد هذه؟ الأقلون، يقول لك الشاطبي من من العوام إذا رأى شيخًا يقع في معصية قادر أن يحلل المشهد تحليلًا جيدًا ويقول: هذا العالم الفاضل جزاه الله خير بس هذا الذي عمله معصية وليس لأنه يستجيزه وليس لأنه جائز في دين الله، يقول: وهم عقلاء الناس من العوام، هم عقلاء العوام الذين يستطيعون تحليل المشهد بهذه الطريقة وهؤلاء الأقلون فقط، وأما أن يقول العامي إنه...

لا يعصي هذا الشيخ، هل يعقل أن يعصي؟ لا، لا يعصي، أكيد وجد رخصة، ولذلك يجيز لنفسه إسقاط الدعاء على المخالفين له؛ أكيد هناك رخصة في ذلك، أو من باب -مثلاً- ما كنا نحكي عن الاختلاط، أكيد هو رأى رخصة أن الاختلاط الحرام هو الذي يكون فيه خلوة، أما الاختلاط في الأماكن العامة، فأكيد يرى أن في ذلك رخصة وسعة. فيصبح العامي يتأول للشيخ حتى لا تسقط حرمة الشيخ، لأن أصعب شيء على العامة أن تقول له: شيخك أخطأ. فطالب العلم الذي يتبع شيخاً يصعب أن تقول له: والله شيخك أخطأ، يظل يدافع عن شيخه، فما بالك حين تأتي للعامة؟ العامة لا يتحملون أن تسقط لهم حرمة شيخ البلد، خاصة إذا كان شيخاً مهيباً، فيصبح يتأول للشيخ وأن الشيخ أكيد وجد رخصة.

قال: فيرجح بين قوله وفعله، والفعل أنه لو كان كما قال لم يعمل به؛ يعني لو كان هذا الشيء حراماً كما يقول، لم يعمل الشيخ به. أكيد شيخنا لا يعمل شيئاً يقول إنه حرام، هو يتصور قضية أن الشيخ إنسان في النهاية وفيه نقص، وأنه لا، عادي ممكن الشيخ يقول لك عن شغلة حرام وهو يسقط فيها لضعف بشري. العامي صعب يستوعب عقله هذه المشكلة. قال: والفعل أبلغ من القول من جهة التأسي، والفعل أبلغ من القول؛ يعني العامة في النهاية لن ينظروا لقول الشيخ، سينظرون لفعله، إنه هو الأبلغ من حيث التأسي والاقتداء.

قال: فكما تبين في كتاب الموافقات، فيعمل العامي بعمل العالم تحسيناً للظن به فيعتقده جائزاً، وهؤلاء هم الأكثرون، فقد صار فعل العالم عند العامي حجة، كما كان قوله حجة على الإطلاق والعموم في الفتيا، فاجتمع للعامي العمل مع اعتقاد الجواز بشبهة دليل، وهذا هو شبه الدليل. شو طبعاً الدليل؟ أنه هذا عالم وأكيد ما راح يخالف الشريعة، طبعاً هذا ليس دليلاً، هي شبهة الدليل، هذا يشبه الأدلة بس هو ليس دليلاً. وهذا هو عين البدعة، أن العامي يصبح يعتقد الحرام حلالاً، وشو دليله في ذلك؟ شبهة الدليل أنه الشيخ فعلها.

بل قد وقع مثل هذا في طائفة ممن تميز عن العامة بانتصاب في رتبة العلماء، فجعلوا العمل ببدعة الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلوات وقراءة الحزب حجة في جواز العمل بالبدع في الجملة، وأن منها ما هو حسن. وكان منهم من ارتسم في طريقة التصوف فأجاز التعبد لله بالعبادات المبتدعة، واحتج بالحزب والدعاء بعد الصلاة كما تقدم. ومنهم من اعتقد أنه ما عمل به إلا لمستند فوضعه في كتاب وجعله فقهاً كبعض أفاريد البربر ممن قيد على رسالة ابن أبي زيد؛ يعني أعطاك أمثلة كثيرة لأناس أصبحوا يعتقدون الشيء مشروعاً ومستحسناً لمجرد فعل العلماء له، يعني ناس أيضاً ليسوا من الناس العاديين، ناس مثقفون، الأصل مثلاً كبدعة الدعاء بهيئة الاجتماع، شو دليلهم عليها؟ أن المشايخ كانوا يعملونها. ليست البدعة دليلاً، هي البدعة، بس أن المشايخ كانوا يعملونها.

وأصل جميع ذلك سكوت الخواص عن البيان أو العمل به على الغفلة، ومن هنا تستشنع زلة العالم، فقد قالوا: ثلاث يهدمون الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون. هي تهدم الدين، تهدم الأمة زلة العالم. لاحظوا اليوم كم نعاني نحن من هدم الدين بسبب هذا، كم من زلة عالم اليوم ندفع ثمنها؛ كلما تأتي لشخص تقول له كذا، يقول لك: شيخ أعلم أهل الأرض قال بجوازها. ابن الحلال، القروض الربوية حرام، سيبك من أعلم أهل الأرض قال بجوازها، نحن نناقش الآن العلم. لكن لاحظ لما يكون الذي أخطأ إنساناً ثقيل وزنه في المجتمع، حقيقة يضيع معه ناس، خذ عاد أقنع الناس! لما يكون سواء في مسائل التكفير أو في مسائل التبديع أو في مسائل التفسيق أو في مسائل الحرام والحلال، لما يأتي شيخ ذو مكانة -بغض النظر شو قناعتي أنا فيه- بس في النهاية شئت أو أبيت هو فارض وجوده في الواقع، لما يأتي ويزل في زاوية معينة، عاد عملية إصلاح عقائد الناس تجاه هذه القضية التي زل فيها العالم، بجوز بدها جيلين أو ثلاثاً، حتى نعمل مسحاً لما قاله هذا العالم من أذهان الناس ونرجع نصوب البوصلة أنه هذا يا عمي خطأ تاريخي؛ يا عمي شيخك على الرأس والعين بس في النهاية خطأ تاريخي، ايش أسوي؟ زلة، الله أعلم ما سببها، هذه القضية معقدة جداً، ولذلك فعلاً زلة العالم تهدم الدين.

الآن شوف، فرق بين انتقاد الفكرة وانتقاد الشخص؛ يعني أنا ممكن أنتقد -وهذا جيد أنك نبهتني عليه- أنا أحياناً أكون في مجالس خاصة أو عامة أنتقد بعض الأفكار الموجودة حتى عند بعض المشايخ الأقدمين، يعني أصحاب مذاهب فقهية أو معاصرين، وهؤلاء مشايخ أصحاب فضل على الأمة، أنتقدها وأقول: أنا والله لا أرضى هذا المسلك وأعتقد أنه خاطئ. دائماً إذا وجدتني أنتقد فكرة، هذا لا يعني أنني أسقط شخصاً أبداً، بل أي عالم له قدم صدق في الأمة من الأقدمين أو المعاصرين، يحطوا تحت خمس خطوط، فمنهجي أنني لا أسقط العلماء. كل إنسان ثبت صدقه وأنه صاحب جهد كبير في الأمة، حتى وإن انتقدته في فكرة، أنا أنتقد فكرة ولا أسقط عالماً، ولا يحق لأحد؛ هذه منهجية الإسقاط هي منهجية مبتدعة ألفها كثير من المعاصرين اليوم للخلافات التي بينهم الحزبية والجماعاتية والطائفية. لكن ما أعتقده أن منهج الصواب، وهذا منهج علمائنا ومن يقرأ في شخصية ابن تيمية وغيره يجد هذا الإنصاف، أنه من كان له قدم صدق عند الأمة قديماً أو من المعاصرين، تحفظ حرمته ويحفظ إنتاجه المعرفي الذي خدم به الأمة، وإذا انتقدناه -سواء انتقدته في بعد عقدي أو في بعد منهجي أو في بعد مسلكي- أنا في اعتقادي أنا أنتقد خطأ ولا أسقط شخصاً، وليس لي أحقية أن أسقط الأشخاص، إلا لشخص شاع شره وشاع فساده في الأمة، هذا لا قيمة له، هذا أصلاً ليس من العلماء، يعني هذا أصلاً لا حرمة له، شخص شاع شره هذا لا يعتبر عالماً أصلاً؛ يعني بالعكس، العالم هو الذي يقل خطؤه.

هذا تصوري، لكن شخص شاع شره وفساده ينتقد ويسقط، ممكن، لكن جل علمائنا المعاصرين والأقدمين ممن ننتقد أفكارهم أو أخطاء وقعوا فيها، الفكرة أني أهدم الخطأ ولا أهدم العالم ولا أهدم جهده. في النهاية أنت أيضاً كإنسان ستصدر منك أخطاء، هل ترضى من الآخرين أن ينسفوا جهودك لخطأ صدر منك؟ ما حدا يرضى هذا الكلام، لا أظن أن عاقلاً يرضى هذا الكلام، ولا أحد منا يتصور في نفسه العصمة من الزلل والخطأ في تصرفات تصدر منا أو من تلاميذنا أو من أتباعنا الذين يأتون بعد ذلك، فلا يجب أن يربي طالب العلم نفسه: أنا أنتقد الفكرة الخاطئة، وليس هناك تلازم؛ بعض الناس يرى أنه في عنده تلازم، يا بسقط الفكرة بسقط قائلها، يا أنه لا أنكر على الفكرة من أصلها، وهذا غير صحيح. ما زال العلماء يناقش بعضهم بعضاً ويرد بعضهم على بعض في المسائل العقدية والفقهية، لكن دون الحاجة إلى الإسقاط وإذاعة الكلام السيء وتفريق الناس على المشايخ والجماعات والأحزاب، هذا من أكبر المنكرات التي شاعت في العصر الحديث.

بيع العينة حرام، إذا اعتقد حليته، لا يميز، ما في مشكلة. بس هون أنا -عفواً- أنا أحكي عن فكرة، مش شايف حالي أحكي عن عالم أصلاً، يعني هون أقول: بيع العينة حرام وهو بدعة، وين العالم في الموضوع؟ أنا لم أسق، أصلاً الموضوع كله لم أتطرق فيه إلى شخص معين. هسا إذا قلت له الدخان حرام، إذا قال لك: آه والله حرام بس أنا ضعيف يا شيخ، قل له: خلاص، إذا هو حرام. ودير بالك، إذا قال لك: لا، أنا شايف أنه حلال، قل له: أنت هون واقع في خطأين؛ المعصية، وابتداعك في اعتقادك حليته، فهمت علي؟ فهذا حسب شو هو اعتقاده للشغلة، واحد واقع في الاختلاط، قال لك: الاختلاط حرام بس والله ما أنا عارف شو أسوي يا شيخ، قل له: فاتقوا الله ما استطعتم. إذا قال لك: لا، أنا بعمل اختلاط لأن الاختلاط حلال، قل: إذاً أنت صرت في مصيبتين، أنك تفعل المعصية وتعتقد حليتها، هنا بدعة. على حسب إيش هو يعتقد في الموضوع.

قال رحمه الله: وكل ذلك عائد وباله على العالم، وزلله المذكور عند العلماء يحتمل الوجهين. أحدهما زلله في النظر حتى يفتي بما خالف الكتاب والسنة فيتابع عليه، وذلك الفتيا بالقول. والثاني زلله في العمل بالمخالفات، ويتابع أيضاً عليها على التأويل. وهو في الاعتبار قائم مقام الفتيا بالقول؛ يعني العمل يقوم في الاعتبار مقام الفتيا بالقول. قد علم أنه متبع، منظور إليه. فالعالم يعرف أنه متبع وأن الناس ينظرون إلى تصرفاته.

يظهر بفعله أمور ينهى عنها الشارع كالدخان أو الاختلاط أو ما شابه ذلك، فكأنه مهتم به على ما تقرر في الأصول. والثاني من قسمي المفسدة الحالية: أن يعمل بها العوام. انتهينا الآن من المفسدة الحالية الأولى، وهو أن العالم إذا أظهر المعاصي والمنكرات في بلد، أو العلماء في بلد إذا أظهروا المعاصي والمنكرات، تبعهم الناس على ذلك؛ إذا أظهروها بأفعالهم تبعهم الناس على ذلك، ولهذا كان أحمد بن حنبل يشدد على علماء زمانه، أنه لا ينفع أنكم أنتم تتأولوا؛ لماذا شدد في فتنة خلق القرآن على العلماء الذين تأولوا ذلك من باب الخوف من سيف السلطان؟ قالوا: أنتم العلماء إذا أنتم سقطتم في هذا، من سيدافع عن دين الله سبحانه وتعالى؟ لذلك أحمد كان يرى أن العلماء غير معذورين بهذا التوسع حتى في لحظات الإكراه، العالم بده يأخذ بماذا؟ بده يحزم، بده يكون شجاعاً، بده يتخذ قرارات وإن كانت في بعض الأحيان باهظة.

والثاني من قسمي المفسدة الحالية: أن يعمل بها العوام. بعض الناس، ليش أقول هذا الكلام؟ بعض الناس قد يلوم بعض العلماء الذين يقولون كلمة الحق فيسجنون، وإيش يقول لك؟ يقول لك: يعني لو متعنا بعلومه هداه الله وقال كما يريد السلطان! لا، ما هو العالم الذي يعرض نفسه لهذه الفتنة، السجن، مشان يقول كلمة حق، هذا عالم هو عارف شو بيسوي، في الأصل أنه أحفظ دين الناس، لأني لو أنا قلت بما يقوله السلطان الناس ترى أني قلت إذاً هذا الكلام جائز؛ هي نفس الفكرة. إذا العالم قال بكلام المنكر رضاً للسلطان ماذا سيحصل مع الوقت؟ سيعتقد العامة إذاً أن هذا هو المنهج الصحيح، أن نقول كما يقول، وأنه هذا الشيء حلال، فأنت في النهاية في عالم بده يقف ثابتاً قد حاله، حتى ولو عرض نفسه للفتن أو من باب أنه يصون دين الناس، كما أحمد بن حنبل ثبت في فتنة خلق القرآن ولم يرض أن يقول بقول الظالمين الذين سجنوه من أجل أنه يحافظ على دين الناس، يعني شو أسوي أنا نصبت حالي عالماً؟ إذا أنت عارف نفسك والله، شوف، يعني مش قدها، يعني تمام، نصيحتي لك أنك تحاول ولنفسي كمان، أنك تحاول أن لا تنصب نفسك عالماً أمام الناس، لا تنصب نفسك منظراً وأنت عارف أنك لست قوياً، لأنه إذا أنت الذي نصبت نفسك منظراً وصرت تحكي كلام غلط أمام الناس، عارف أنت...

إنه غلط، ولكن خوفًا من السلطان ماذا سيعتقد الناس مع الوقت؟ أنه الكلام الغلط الذي تحكيه هو الصح، وأنك طبعًا مش قادر تحكي لهم من تحت الطاولة؛ ترى الكلام أحكي لكم إياه أنا، بس مشان أنك لو حكيت لهم هيك راح توصل للسلطان، راح تأكل قتلة كمان على كل الأحوال تمام؟ فأنت تستجيز لنفسك أنك تسكت وأنني أحكي كلام غلط لأنه أنا مكره؛ السجن راح يأكل من لحمي ودمي. ففي النهاية لا بد سيكون هناك عبر تاريخ الأمة قسم من علمائنا الأكابر هم يدفعون ثمن المحافظة على الفكرة؛ لأنه لو كل هؤلاء ما بدهم يدفعوا الثمن ماذا سيحصل؟ ستتشوه الفكرة وستتغير عقائد الناس. فهؤلاء هم تيجان الرؤوس الذين ندعو لهم أن الله يفرج عنهم ويكشف كربتهم، لأنهم يدفعون ثمن المحافظة على هوية الأمة ومعتقداتها وأفكارها، رضي لنفسه أن يكون ثمنًا لهذه القضية الشريفة؛ فتدعو له وتستغفر له وترجو من الله أن يثبته؛ لأنك أنت مدرك أن هؤلاء كلهم لو غيروا وسكتوا تحت سيف الإكراه هو في النهاية مش راح يغير لأنه راضي؛ لو كلهم سكتوا تحت سيف الإكراه هوية الجيل راح تنطمس. هي كانت وجهة نظر أحمد بن حنبل؛ لماذا يجب أن أضحي من أجل مسألة خلق القرآن؟ ولو كانت مسألة واحدة؛ لأنه إذا أحمد بن حنبل سقط ولم يستطع أن يستحمل الإكراه ربما الناس كلها ستقول بهذه القضية بعد أجيال.

قال: والثاني من قسم المفسدة الحالية: أن يعمل بها العوام وتشيع فيهم وتظهر فيما بينهم فلا ينكرها الخواص ولا يرفعون رأسها وهم قادرون على الإنكار فلم يفعلوا. فالعامي من شأنه إذا رأى أمرًا يجهل حكمه يعمل العامل به، فلا ينكر عليه؛ اعتقد أنه جائز وأنه حسن أو أنه مشروع، بخلاف ما إذا أنكر عليه فإنه يعتقد أنه عيب أو أنه غير مشروع أو أنه ليس من فعل المسلمين. هذا من المفاسد الحالية لانتشار المعاصي والمنكرات في المجتمع. أنتم مركزين نحن شو بنحكي عن انتشار المعاصي والمنكرات؟ كيف يمكن من خلال القرائن تتحول فيها مفاسد حالية تؤدي إلى الابتداع؟ أنه إذا انتشرت المعاصي والمنكرات في المجتمع والعلماء في هذه الحالة لم يفعلوها لكنهم سكتوا عنها، مع الوقت سيعتقد العامي ماذا؟ أنه لو كانت هذه غلط لكان العلماء أنكروها، فسكوت العلماء كافة عن الإنكار سيجعل العامي يعتقد مع الوقت أن هذا الشيء جائز، أو على أقل الأحوال مكروه وليس فيه شيء من الحرمة، مع أنه قد يكون حرامًا ومعلومًا من الدين بالضرورة أنه حرام. من الذي سبب اختلاف عقائد الناس ونشوء هذه البدعة لأنه تحليل الحرام وتحريم الحلال؟ كيف نشأت؟ سكوت العلماء عند انتشار المعاصي والمنكرات، إذا لا بد من الإنكار عند وجود المعاصي والمنكرات من قبل العلماء وحتى ولو كان في هناك نوع من الثمن قد يدفع في بعض الأحايين.

في بعض الأخ يتكلم عن انتشار ظاهرة عمل النساء في أماكن لا تصلح لهن في الكازيات وما شابه ذلك، وعدم إنكار العلماء لهذه الظاهرة قد يؤدي فعلًا في أجيال لاحقة أن يعتقد أن هذا الشيء طبيعي؛ أن ترى المرأة تماحك الرجل في سوق العمل، حتى ولو كان العمل لا يتلاءم مع وظيفتها الجسدية والنفسية، فعلًا نعم.

قال: وهذا أمر يلزم من ليس بعالم بشريعة؛ لأن مستنده الخواص والعلماء في الجائز مع غير الجائز. فإذا عدم الإنكار ممن شأنه الإنكار مع ظهور العمل وانتشاره وعدم خوف المنكر ووجود القدرة عليه -يعني لو كان المنكر الذي من شأنه الإنكار خائف وظهر للعوام أنه خائف، يعني أحيانًا في بعض الظروف قد يسكت العلماء ولكن للعامه ظاهر جدًا جدًا من خلال قرائن العلماء أنه في مصيبة، يعني صعب نتكلم، فالعام قد يعذر العالم ويفهم من خلال القرائن أن سكوته كان خوفًا من سيف السلطان- لكن إذا لم تظهر هذه القرينة للعام؛ قال وعدم خوف المنكر، يعني العالم لا كان بإمكانه ينكر بس هو ما أنكر حضرته هو ما تعب حاله ينكر ووجود القدرة عليه، يعني هذا العالم قادر ينكر ومع ذلك سكت ولا يريد أن يتعب نفسه؛ هذا يزيد الطين بلة عند العوام لأنه هو لا يرى عذرًا للعالم أنه لم ينكر هذه المنكرات، يعني لو أنكر ما حدا راح يجيبه على السجن ما حدا راح يحاكمه، يعني بس هو العالم كسول أو العالم استخف في قضية الإنكار هنا أو قال غيري يسد وما أحد سد مسده؛ عندئذ ستزداد الطين بلة في أذهان العامة.

قال: فإذا القدرة عليه فلم يفعل، دل عند العوام على أن فعل أنه فعل جائز لا حرج فيه، فنشأ فيه هذا الاعتقاد الفاسد بتأويل يقنع بمثله من كان من العوام، فصارت المخالفة بدعة كما في القسم الأول. وقد ثبت في الأصول أن العالم في الناس قائم مقام النبي عليه الصلاة والسلام والعلماء ورثة الأنبياء، فكما أن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الأحكام بقوله وفعله وإقراره، كذلك وارثه يدل على الأحكام بقوله وفعله وإقراره. واعتبر ذلك ببعض ما أحدث في المساجد من الأمور المنهية عنها فلم ينكرها العلماء أو عملوا بها، فصارت تعد سننًا ومشروعات، كزيادتهم مع الأذان أصبح ولله الحمد والوضوء للصلاة؛ هي مرت معنا فكرة أن العالم يوافق أهل البلدة على منكرهم خوفًا على حظه أو منصبة أو شيء إذا بتذكروها في الدرس الماضي، ساعتها أنت راح تتحمل ضريبة أن تصير هي بدعة.

قال: وتهيأوا للصلاة ودعاء المؤذنين بالليل في الصوامع، وربما احتج على صحة ذلك بعض الناس بما وقع في نوازل ابن سهل غفلة منه عما أخذ عليه فيه، وقد نفينا ذلك في جزء مفرد، فمن أراد الشفاء في المسألة فعندك عما أخذ عليه فيه وبالله التوفيق.

قال وخرج أبو داوود: قال اهتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك. قال: فذكر له القنع (الشبور)، وفي رواية شبور اليهود، فلم يعجبه ذلك وقال: «هو من أمر اليهود». قال: فذكر له الناقوس فقال: «هو من أمر النصارى». فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه وهو مهتم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأري الأذان في منامه إلى آخر الحديث. وفي مسلم عن أنس بن مالك أنه قال: ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن ينوروا نارًا أو يضربوا ناقوسًا، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. والقنع والشبور هو البوق والقرن، وهو القرن الذي وقع في حديث ابن عمر رضي الله عنه.

قال: فأنت ترى كيف كره النبي صلى الله عليه وسلم شأن الكفار فلم يعمل على موافقتهم، فكان ينبغي لمن يرتسم بسمة علم أن ينكر ما أحدث من ذلك في المساجد إعلامًا بالأوقات أو غير إعلام بها، أما الراية فقد وضعت إعلامًا بالأوقات. وذلك أراد أن يأتي بهذا الحديث كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر اتخاذ البوق وما شابه ذلك في المساجد، فينبغي على العالم في كل زمان أن ينكر أي مظهر من مظاهر الابتداع التي تكون في المساجد كما أنكر النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذ الناقوس والشبور في المساجد، هذا يجب أن يكون منهج العلماء؛ عدم السكوت عن المنكرات التي تظهر في المساجد حتى لا يتخذها الناس دينًا.

قال: وأما الراية فقد وضعت إعلامًا بالأوقات، وذلك شائع في بلاد المغرب، حتى إن الأذان معها قد صار في حكم التبع؛ صاروا يحطوا كأنهم راية معينة إذا شافوها الناس ترفرف قالوا دخل وقت الظهر، بعدين بيشيلوها لما يجي وقت العصر بيحطوا الراية. قال: أصبحت في بعض البلدان مكان الأذان هي الراية، أنه خاصة الراية لما تكون على مكان مرتفع خلص بيحط المؤذن الراية خلص دخل وقت الظهر، لا هذا ابتداع، الأصل أن نحافظ على الأذان؛ هذه هي الشعيرة التي أمرنا بها، مش نحط علم عند كل صلاة حتى يعرف دخول وقت الصلاة.

قال: وأما البوق فهو العلم عندنا في رمضان على غروب الشمس ودخول وقت الإفطار، زي مدفع الإفطار عندنا وقضية مدفع الإفطار، وعندهم كان البوق هو العلامة على غروب الشمس. قال: ثم هو علم أيضًا بالمغرب والأندلس على وقت السحور ابتداء وانتهاءً، والحديث قد جعل علمًا للانتهاء نداء ابن أم مكتوم لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم». قال ابن شهاب: وكان ابن أم مكتوم رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت. وفي مسلم وأبي داوود: «لا يمنعن أحدكم نداء بلال من سحوره، فإنه يؤذن ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم». قال: فقد جعل أذان بلال لأن ينبه النائم لما يحتاج إليه من سحوره وغيره؛ فالبوق ما شأنه وقد كرهه عليه الصلاة والسلام؟ ومثله النار التي ترفع دائمًا في أوقات الليل وبالعشاء والصبح وفي رمضان أيضًا إعلامًا بدخوله، فتوقد في داخل المسجد ثم في وقت السحور ثم ترفع في المنار إعلامًا بالوقت، والنار شعار المجوس في الأصل.

قال ابن العربي: وأول من اتخذ البخور في المساجد بنو برمك؛ يحيى بن خالد البرامك، هذول البرامكة اللي كانوا في الدولة العباسية أصحاب هارون الرشيد، وعلي هارون الرشيد ذبحهم كلهم كانوا أصحابه. قال: يحيى بن خالد ومحمد بن خالد ملكهما الوالي، ملكهما الوالي أمر الدين، فكان محمد بن خالد حاجبا ويحيى وزيرًا، ثم ابنه جعفر بن يحيى. قال: وكانوا باطنية يعتقدون آراء الفلاسفة فأحيوا المجوسية، واتخذوا البخور في المساجد، وإنما كانت تطيب بالخلوق فزادوا التجمير ليعمروها بالنار منقولة حتى يجعلوها عند الأنس ببخورها الله أعلم، يعني هل توصيف ابن العربي أنهم كانوا باطنية يعني يحتاج إلى نظر قليلًا.

انتهى قال: وحصره أن النار ليس إيقادها في المساجد من شأن السلف الصالح، ولا كانت مما تتزين به المساجد ألبتة، ثم أحدث التزيين بها حتى صارت من جملة ما يعظم في رمضان، واعتقد العامة هذا كما اعتقدوا طلب البوق في رمضان في المساجد، حتى لقد سأل بعض الناس عنه أهو سنة أم لا؟ ولا يشك أحد أن غالب العوام يعتقدون أن مثل هذه الأمور مشروعة على الجملة في المساجد، وذلك بسبب ترك الخواص الإنكار عليهم. وكذلك أيضًا لما لم يتخذ الناقوس للإعلام حاول الشيطان فيه من مكيدة أخرى فعلق بالمساجد، واعتد به في جملة الآلات التي توقد عليها النيران وتزخرف بها المساجد زيادة إلى زخرفتها بغير ذلك كما تزخرف الكنائس والبيع، ومثله إيقاد الشمع بجبل عرفة ليلة الثامن. ذكر النووي أنها من البدع القبيحة، وأنها ضلالة فاحشة جمع فيها أنواع من القبائح، منها إضاعة المال في غير وجهه، ومنها إظهار شعائر المجوس، ومنها اختلاط الرجال والنساء والشمع بينهم وجوه بارزة، ومنها تقديم دخول عرفة قبل وقتها المشروع؛ إذا ما بعض الناس في إحياء بعض ذكريات الأموات مش كل سنة، مثلًا في البوسنة بيجوا بيحيوا إحياء ذكرى القتلى بيحطوا شموع عند المقبرة وبيصيروا الرجال والنساء، هذه كلها من البدع.

قال: وقد ذكر الطرطوشي في إيقاد المساجد في رمضان بعض هذه الأمور، وذكر أيضًا قبائح سواها؛ فإن هذا كله من إنكار مالك تنحنح المؤذن أو ضربه الباب ليعلم بالفت -يعني الله يرحم مالك كانت مشاكله بس أي تنحنح وعبد الرحمن بن مهدي يحط ثوب، صرنا هسا قصتنا طويلة- يعني يقول لك وين هذا من قصص مالك؟ مالك كان ينكر التنحنح للمؤذن، يعني أشياء بسيطة كان يشدد فيها، اليوم نحن هسا صارت مشاكلنا أعوص. قال: أو وضع الرداء وهو أقرب مرامًا وأيسر خطبة، فمن هنا تنشأ بدع محدثات يعتقدها العوام سننًا بسبب سكوت العلماء والخواص عن الإنكار أو بسبب عملهم بها. هذا يؤكد نظرة مالك الاستراتيجية؛ أنه مالك ما شدد على عبد الرحمن بن مهدي ومالك مش موضوع عبد الرحمن بن مهدي، هو مالك موضوع الأجيال القادمة، أنه يعرف أن السكوت عن الإنكار يعمل إشكالًا.

قال: وأما المفسدة المالية فهي على فرض -بعد أن انتهى من المفاسد الحالية سيعطيك المفاسد المالية لانتشار المعاصي والمنكرات داخل المجتمعات وكيف تصبح بدع بسبب ذلك- فهي على فرض أن يكون الناس عالمين بحكم المخالفة وأنها مخالفة، قد ينشأ الصغير على رؤيتها وظهورها أو يدخل في الإسلام أحد ممن يراها شائعة ذائعة فيعتقدونها جائزة أو مشروعة؛ لأن المخالفة إذا فشى في الناس فعلها من غير إنكار لم يكن عند الجاهل بها فرق بينها وبين سائر المباحات والطاعات. وعندنا كراهية العلماء أن يكون الكفار صيارفة في أسواق المسلمين لعملهم بالربا؛ فكل من يراهم من العامة صيارفة وتجارًا في أسواقنا من غير إنكار يعتقد أن ذلك جائز، كذلك المعصية؛ وأنت ترى مذهب مالك المعروف في.

إن الحلي المصوغة من الذهب أو الفضة لا يجوز بيعها بجنسها إلا وزناً بوزن، ولا اعتبار بقيمة الصياغة أصلاً. والصاغة عندنا كلهم، أو غالبهم، إنما يتبايعون ذلك على أن يستفضلوا قيمة الصياغة أو إجارتها. نعم، لما بدك تبادل قلادة ذهبية بقلادة ذهبية، العبرة بالوزن، المصنعية لا يجوز إدخالها في الموضوع. يعني الآن أنا عندي سلسال ذهب وأنت عندك سلسال ذهب، لما نيجي نتبادلها العبرة بالوزن فقط، ونحط على الميزان، ولازم يكون وزناً بوزن. طيب يا شيخ هذا سلسال المصنعية فيه غالي، أنا المصنعية في سلسالي 500 وأنت المصنعية عندك 300، في فرق 200 دينار؟ لا عبرة بها في تبادل الذهب مع الذهب، لا عبرة بالمصنعية.

الآن لما صار في صيارفة من الكفار في بلاد المسلمين، أصبحوا للأسف يتبادلون الذهب مع الذهب وينظرون إلى المصنعية، مع أنه هذا ربح لا يجوز. الذهب بالذهب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وزناً بوزن» بدون النظر للمصنعية، بدك المصنعية روح بع الذهب بمصاري، أما الذهب بذهب لا عبرة بالمصنعية. فلما صار في أسواق المسلمين كثير من الربويين من اليهود والنصارى، عرفنا ليش مالك كان ينهى أن يكون الصاغة من غير المسلمين؛ لأنه هذا يؤدي إلى شياع الربا بينهم.

قال: ولم يزل العلماء من السلف الصالح ومن بعدهم يتحفظون من أمثال هذه الأشياء، حتى كانوا يتركون السنن خوفاً من اعتقاد العوام أمراً هو أشد من ترك السنن. هذه فكرة، لذلك أنت تستغرب لماذا بعض العلماء يترك سنة؛ لأنه كان يرى علماء السلف يترك سنة؛ لأنه كان يخشى أن يعتقد الناس فيها الفرضية وأنها جزء من العبادة. نعم، قال: أمراً هو أشد من ترك السنن، وأولى أن يترك المباحات ألا يعتقد فيها أمر ليس بمشروع. وقد مر بيان هذا في باب البيان من كتاب الموافقات، زي ما مر معنا أن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان في خلافتهما، إذا صح هذا، حتى لا يعتقد العامة أن الأضحية واجبة.

نعم، قال: فقد ذكروا أن عثمان رضي الله عنه كان لا يقصر في السفر، فيقال له: أليس قد قصرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: بلى، ولكني إمام الناس، فينظر إلي الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين فيقولون: هكذا فرضت الصلاة. هي مرت معنا قصة عثمان. نعم، قال الطرطوشي: تأملوا رحمكم الله، فإن في القصر قولين لأهل الإسلام؛ منهم من يقول فريضة ومن أتم فإنه يأثم ويعيد أبداً، ومنهم من يقول سنة يعيد من أتم في الوقت، ثم اقتحم عثمان ترك الفرض أو السنة لما خاف من سوء العاقبة وأن يعتقد الناس أن الفرض ركعتان.

وكان الصحابة رضي الله عنهم لا يضحون، يعني أنهم لا يلتزمون ذلك. قال حذيفة بن أسيد: شهدت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وكانا لا يضحيان مخافة أن يرى أنها واجبة على زمن خلافتهما، أما في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا يضحون. نعم، قال وقال بلال: لا أبالي أن أضحي بكبش أو بديك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يشتري لحماً بدرهم يوم الأضحى ويقول: لا أكلمه من سألك فقل هذه أضحية ابن عباس. طيب، يعني من باب أنه خلص مش لازم أضحي أضحية كاملة، هذه مش أضحية حقيقية، لكن المراد أنه هذا سقف الممكن عندي.

نعم، قال وقال أبو مسعود: إني لأترك أضحيتي وإني لمن أيسركم مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة. وقال طاووس: ما رأيت بيتاً أكثر لحماً وخبزاً وعلماً من بيت ابن عباس، يذبح وينحر كل يوم ثم لا يذبح يوم العيد، وإنما كان يفعل ذلك لئلا يظن الناس أنها واجبة، وكان إماماً يقتدى به. وقال الطرطوشي: والقول في هذا كالذي قبله، وإن لأهل الإسلام قولين في الأضحية؛ أحدهما سنة والثاني واجبة، ثم اقتحمت الصحابة ترك السنة حذراً من أن يضع الناس الأمر على غير وجهه فيتقيدوها فريضة.

نعم، قال مالك في الموطأ في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان -أنه لم يرَ صيام ست من شوال- قال: إنه لم ير أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، قال: ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق أهل الجهالة والجفاء برمضان ما ليس منه لو رأوا في ذلك رخصة من أهل العلم ورأوهم يفعلون ذلك. فكلام مالك هنا ليس فيه دليل على أنه لم يحفظ الحديث كما توهم بعضهم، يعني البعض قال إن مالكاً لم يبلغه حديث «من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال»، لا مالك بلغه الحديث ويعرفه، بل لعل كلامه مشعر بأنه يعلمه لكن لم ير العمل عليه، قال: وإن كان مستحباً في الأصل لئلا يكون ذريعة لما قال كما فعل الصحابة.

فبالتالي هو كأنه يقول: لم أرَ علماءنا يعملون به، هذا لا يعني أنه مش مستحب، لكن أهل العلم والفضل ما كانوا يعملون به في زمانهم خشية على عقائد الناس أن يعتقدوا أن الست من شوال هي فرض. لكن هل هذا ينفي أصل الاستحباب عند مالك للعامي المسكين الذي لا أحد يقتدي به؟ لا، قد يكون هذا هو التحليل الصحيح لقول مالك.

نعم، قال: واقتحم عثمان ترك الفرض أو السنة حفاظاً على دين الناس. يعني بقول لك أنت ممكن حتى عثمان يترك الفرض خوفاً على دين الناس، فهمت الفكرة؟ يعني بقول لك على هذا أو هذا، واقتحم ترك الفرض أو السنة، هذا يدل لك كم العلماء يراعون سد الذرائع في هذه الأمور. نعم، قال وحكى الماوردي فيما هو أغرب من هذا وإن كان هو الأصل، فذكر أن الناس كانوا إذا صلوا في الصحن من جامع البصرة أو الكوفة ورفعوا من السجود، مسحوا جباههم من التراب؛ لأنه كان مفروشاً بالتراب، فأمر زياد بإلقاء الحصى في صحن المسجد وقال: لست آمن أن يطول الزمان فيظن الصغير إذا نشأ أن مسح الجبهة من أثر السجود سنة في الصلاة. قالوا: افرشوا لي كل المسجد حصى، بدي إياه تراب حتى مش كل ما واحد يرفع يلاقي تراب يمسح؛ حطوه لكل المسجد حصى لئلا يأتي جيل قادم فيظن أن من سنن الصلاة أنه عند الرفع من السجود مسح الجبهة، فقال: أنا ما بدي تصير بدعة هذه، فقال: اعملوا لي المسجد كله حصى. شوف البعد الاستراتيجي!

قال: وهذا في مباح، فكيف به في المكروه أو الممنوع؟ ولقد بلغني في هذا الزمان عن بعض من هو حديث عهد بالإسلام أنه قال في الخمر: الأمر ليست بحرام ولا عيب فيها، وإنما العيب أن يفعل بها ما لا يصلح كالقتل وشبهه. وهذا الاعتقاد لو كان ممن نشأ في الإسلام لكان كفراً؛ لأنه إنكار لما علم من دين الأمة ضرورة، وسبب ذلك ترك الإنكار من الولاة على شاربها. يعني لماذا وصل الناس اعتقادهم أن الخمر ليست حرام؟ لما الولاة في زمن الشاطبي ما عادوا ينكرون على شاربي الخمر ويفتحون لهم الحانات.

نعم، قال والتخلية بينهم وبين اقتنائها وشهره تجارة أهل الذمة فيها وأشباه ذلك. وهذا إخواني ينبه على قضية في السياسة الشرعية استطراداً: أنه حتى لو جوزنا لبعض المعاصرين في السياسة الشرعية أن يترك بعض المعاصي موجودة في أماكنها، لكن يجب أن يمارس العلماء دور إنكار هذه المعاصي. يعني ما بصير في أي مرحلة في السياسة الشرعية المعاصرة في زمن الاستضعاف، أنت الآن مسكت منطقة معينة ولا تستطيع أن تطبق الشريعة فاضطررت أنك تترك مساحات لأهل المعاصي، أنك تعرف أنك لا تستطيع أن تطبق الشريعة غير ممكن، أنت حقيقة هنا -وإن جوزنا لك سياسة شرعية السكوت- لكن يجب على العلماء أن يقوموا بدورهم وهو أن ينكروا على هذه القضايا حتى لا يظن أن سكوت الولاة عن هذه المنكرات هي تجويز لها.

وأن ظهور المتبرجات على التلفاز أو ما شابه ذلك هذا جائز، يجب أن يبقى من العلماء من ينكر هذه الأمور، وإن كنت قد تتأول لأصحاب السياسة الذين تحسن القصد -النظر في مقاصدهم- أنه مكره على هذا أو مضطر إليه، هذا أمر مهم حتى ما يكون في هناك انفصام. وإلا سيأتي جيل آخر بيقول لك: هي المشايخ مرحلة من المراحل كانوا موجودين كان في خمور وكانت من سوا يطلعوا التلفزيون والأمور عادية؛ لا، لا فرق بين زمن الاضطرار وزمن التمكين، وفي زمن الاضطرار يجب أن يبقى العلماء والدعاة يبينون المنكرات الموجودة، مع الاعتذار لولاة الأمر إذا كان الأمر يستحق الاعتذار أو يتحمل الاعتذار، أما إذا كان لا يستحمل الاعتذار وواضح أنه فعل ذلك بهوى، فيُنكر عليه.

نعم، قال: وأما للبدعة إلا أن يكون الفعل في اعتقاد المعتقد مشروعاً وليس بمشروع، وهذا المآل متوقع أو واقع. فقد حكى القفطي عن العجم ما يقتضي أن ستة الأيام من شوال ملحقة عندهم برمضان، أصبح عند العجم صيام ست من شوال واجب، هكذا اعتقدوا، حتى يعطيك أنه مالك لما نهى أولاً هو كان يعرف ماذا سيحدث مآلاً. نعم، قال: ولابقائهم حالة رمضان الخاصة به كما هي إلى تمام الستة أيام، وكذلك وقع عندنا مثله، وقد مر منه في الباب الأول، وجميع هذا منوط إثمه بمن يترك الإنكار من العلماء أو غيرهم، أو من يعمل ببعضها بمرأى من الناس أو في جوامعهم؛ فإنهم الأصل في انتشار هذه الاعتقادات في المعاصي أو غيرها.

وإذا تقرر هذا، فالبدعة تنشأ عن أربعة أوجه: أحدها -وهو أظهر الأقسام- أن يخترعها المبتدع. والثاني: أن يعمل بها العالم على وجه المخالفة فيفهمها الجاهل مشروعة. والثالث: أن يعمل بها الجاهل مع سكوت العالم عن الإنكار وهو قادر عليه فيفهم الجاهل أنها ليست بمخالفة. والرابع: من باب الذرائع، وهو أن يكون العمل في أصله معروفاً إلا أنه يتبدل الاعتقاد فيه مع طول العهد بالذكرى.

نعم، وهذه هي هكذا تنمو البدع في المجتمعات؛ إما أصلاً اختراع شيء، أما البدع كيف تنشأ؟ هذا خلاصة جميلة من الشاطبي كيف تنشأ البدع؛ إما واحد هو يخترع بدعة ويدعو أصحابه إليها، الطريقة الثانية أنه ما في حدا اخترع شيء بس العالم عمل بمعصية ففهمها الجاهل أنها مشروعة فأصبحت بدعة، الثالث أن يعمل الجاهل بمعصية ويسكت العالم عن الإنكار عليه فيعتقد الناس أنها مشروعة فيصبح ذلك بدعة، والرابع وهو أن يكون العمل في أصله معروفاً في الجيل أنه حرام، وأن الناس تسقط فيه على وجه الحرمة، لكن يقل التذكير بالحرام.

وهذا انتبهوا له يا شباب، هذا الوجه الأخير اللي هو المآل والمفسدة المآلية وهي واحدة؛ وأنتم تذكروا المفسدة المآلية شو هي؟ أن الناس تعمل الآن بشيء هم عالمون أنه مخالفة ومعصية، لكن يضعف الإنكار فيه ويضعف وجود العلماء الذين ينبهون دوماً عليه حتى يضعف تنبه الناس على ذلك مع أنهم يعتقدون أنه حرام، فينشأ صغارنا وهم يروننا نفعل هذه المعصية ونحن لا نشدد في إنكارها، فيكبر الصغير فيعتقد بعد ذلك هو مشروعيتها مع طول الزمان كما قال. فبالتالي بدنا نتقي الله سبحانه وتعالى في المعاصي، حتى أنت في بيتك لا تفعل، هسا أنت ممكن تفعل معصية وتقول: يلا بتطلع مسلسلات، والله بعرف يا شيخنا معاصي، بعرف بس أنه خلص ضعف نفسي. هسا ماشي وأنت الآن ضعف نفسي، بس ابنك لما يشوفك سيكبر ابنك وهو يراك تفعل هذه المعصية فيعتقد أنه النظر للمسلسلات عادي، شو دليلك؟ ما هو أبوي كان يشوف، إذا أبوه كان طالب علم يا ورطتك؛ لأنه هو أبوه مصدر تشريعي بالنسبة له، لكن إذا أبوه عامي لسا ممكن نقنعه أن أبوه كان غلط، لكن إذا أبوه كان من أهل الخير والصلاح كيف بده يقنع هذا الابن أن أبوه كان غلط؟ وأنه أبوه الشيخ أو طالب العلم لما كان يطلع على المباريات فقط من باب خفة النفس، يعني هذه مش رح يقتنع، فبدك تنتبه بدك تسد الذرائع، وإذا وقعت منك معصية حاول أن لا يراها أحد، استر بستر الله.

نعم، قال: إلا أن هذه الأقسام ليست على وزان واحد، ولا يقع اسم البدعة عليها بالتواطؤ، بل هي في القرب والبعد على تفاوت، فالأول هو الحقيق باسم البدعة؛ فإنها تؤخذ عنه بالنص عليها. نعم، هو المخترع، هو الجدير.

أما القسم الثالث، فإن ترك الإنكار مع أن رتبة المنكر رتبة من يعد سكوته عن الإنكار إقرارًا، يقتضي أن الفعل غير منكر، ولكن لا يتنزل منزلة ما قبله؛ لأن صوارف القدرة كثيرة. لا نجعل الحالة الثالثة كالثانية؛ ففعل العالم بالمنكر ليس كسكوته عن إنكاره؛ فسكوته عن الإنكار قد يكون فعلاً لضعف القدرة، قال: فإن صوارف القدرة كثيرة. قد تطرأ للعالم أحوال كثيرة يضطر فيها أن يسكت عن الإنكار، ويرى أنه إذا أنكر ستكون هناك مفاسد كثيرة، وإن كانت هذه تحتاج إلى ضبط لمساحة معينة، لكن عمومًا صوارف القدرة عن العالم كثيرة، أما خوف من سيف السلطان أو السجن أو أشياء كثيرة، أو قد يكون العالم منعزلاً عن الناس فهو لا يعرف أنه في منكر فعلياً.

قال: فقد يكون تركه الإنكار لعذر، بخلاف الفعل، فإن فعله للمنكر، فإن العالم لا عذر له في فعل المخالفة مع علمه بكونها مخالفة. وقد يكون أيضًا مكرهًا، ففي صوارف للقدرة، لكن مساحتها أقل من الحالة الثانية. ويليه القسم الرابع، لأن المحظور الحالي فيما تقدم غير واقع فيه بالفرض، فلا تبلغ المفسدة المتوقعة أن تعد في رتبة الواقع؛ الرابع هو أن نخشى من المآل أن يعتقد الناس المشروعية وإن كانوا الآن هم لا يعتقدون المشروعية جميعهم. قال: فإذا كان ذلك من باب الذرائع، فهي إذا لم تبلغ أن تكون في الحال بدعة، فلا تدخل بهذا النظر تحت حقيقة البدعة. وأما القسم الثاني والثالث فالمخالفة فيه بالذات، والبدعة من خارج، والبدعة من خارج من القرينة الخارجية، أي اعتقاد العوام، إلا أنها لازمة لزوماً عاديًا، ولزوم الثاني أقوى من لزوم الثالث، والله أعلم.

هذه البدعة من الخارج لزومها لزوم عادي، ليس لزوماً شرطيًا، هو لزوم في العادة سيحصل كذا، ولزومها في الثاني أقوى من لزومها في الثالث، يعني لزومها في الحال؛ القسم الثاني وهو فعل العالم أقوى من لزومها في الثالث وهي سكوت العالم عن الإنكار.

الباب الثامن في الفرق بين البدع والمصالح المرسلة والاستحسان. هذا باب مهم، خاصة للشباب الذين يريدون أن يفهموا ما معنى المصلحة المرسلة؛ فأنت عادة في كتب أصول الفقه نحن نشرح المصلحة المرسلة، حقيقة كثير من كتب أصول الفقه لا تشرحها بشكل واضح، فيظل عندك هذا المصدر التشريعي غامضًا، الشاطبي شرحها بإتقان وبالكلمات الدقيقة لتفهم ما معنى هذا المصدر التشريعي المسمى بالمصلحة المرسلة، ثم ما الفرق بينه وبين البدع، وكذلك الاستحسان، لكنه أبدع في شرحه للمصالح المرسلة. قال: هذا الباب يضطر إلى الكلام فيه عند النظر في ما هو بدعة وما ليس ببدعة، فإن كثيراً من الناس عدوا أكثر صور المصالح المرسلة بدعة، ونسبوها إلى الصحابة والتابعين وجعلوها حجة فيما ذهبوا إليه من اختراع العبادات.

الآن لماذا نحتاج إلى أن نتكلم في موضوع الفرق بين البدع والمصالح المرسلة؟ قال: لأن كثيراً من أصحاب البدع احتجوا على جواز بدعهم بماذا؟ بمصالح مرسلة فعلها الصحابة سماها هؤلاء بدعًا. أعيد العبارة: كثير من المتأخرين يحتجون على جواز بدعهم بماذا؟ بفعل الصحابة، أن الصحابة فعلوا بدعة، فقلنا لهم: ما فعل الصحابة ليس بدعة، ما فعلوه مصالح مرسلة. فسيسألون: طيب ما الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة؟ هنا هذا الباب من أجل ذلك ليفرق لك بين البدعة والمصلحة المرسلة، فالمصلحة المرسلة شيء مطلوب بل قد يكون واجبًا، وأما البدعة فهو مذموم وحرام، فلا بد إذاً أن نفرق بين المفهومين.

قال: قوم جعلوا البدعة تنقسم بانقسام أحكام الشريعة، فقالوا: إن منها ما هو واجب ومندوب، وعدوا من الواجب كتب المصحف وغيره، ومن المندوب الاجتماع في قيام رمضان على قارئ واحد، وهذه ليست بدعًا حسنة، بل هذه مصالح مرسلة، أو أمر لها أصل في التشريع، حتى هذه قضية اجتماع الناس في رمضان. وأيضًا فإن المصالح المرسلة يرجع معناها إلى اعتبار المناسب الذي لا يشهد له أصل معين، هذه أول جملة يجب أن تفهمها، المصالح المرسلة خلاصتها ما هي إلا اعتبار المناسب، وجود علة مناسبة لكن لا يشهد لها أصل معين، وإنما تشهد لها قواعد الشريعة الكلية. فإذاً المصلحة المرسلة كل تصرف سأقول إنه واجب فعله أو مندوب فعله أو مباح فعله باعتبار أمر مناسب، هذه المناسبة من أين أخذتها؟ هل بالقياس على أصل معين الذي هو القياس الأصولي، أو بالقياس على أصول الشريعة الكلية؟ بالقياس على أصول الشريعة الكلية، أما أصل معين مسألة معينة تشهد لهذه المسألة الأخرى فلا يوجد عندي.

المصلحة المرسلة لا تقاس على شاهد شرعي على الخصوص، بل تقاس على قواعد الشريعة الكلية، ولذلك نحن دائماً نقول المصلحة المرسلة إنما تحتاج إليها عند عدم القدرة على القياس الأصولي، أنا إذا أقدر أن أعمل قياسًا أصوليًا خلص ما في حاجة أذهب للمصلحة المرسلة، لأن القياس الأصولي أنا أقيس المسألة النازلة على أصل معين وهذا أقوى من المصلحة المرسلة، لأنه يكون العلة التي شهدت لها الشريعة بالتحديد، أما إذا فقدت الأصل المعين ولم أستطع أن أفعل القياس الأصولي سعيت سأذهب إلى استعمال المصالح المرسلة فأقيس على كليات الشريعة كحل بديل.

المصلحة المرسلة؛ ما هي؟ يرجع معناها إلى اعتبار المناسب الذي لا يشهد له أصل معين، فليس له شاهد شرعي مخصوص، ولا كونه مناسباً بحيث إذا عرض على العقول تلقته بالقبول. هذا على لسان تلك الطائفة هكذا فهمناها؛ هم يقولون هكذا، ويحكون هكذا، ولكن هذا الكلام غلط؛ كيف أنا أقول: أنت هكذا تحكي، أسرد كل كلامك مع أني أنا لسه مش مقتنع فيه وسأبين فساده؟ لأنه الفرق بين المصلحة المرسلة والبدعة أن المصلحة المرسلة إذا عرضت على العقول تلقاها العقل بالقبول، وأنه هذا يتلاءم مع حفظ الضروريات الخمس بخلاف البدعة.

لكن على الأقل هم هكذا يحكون، يحكون أن المصلحة المرسلة لا يوجد فيها شيء مناسب بحيث إذا عرض على العقول تلقته بالقبول، وهذا بعينه موجود في كل البدع التي نستحسنها ونرى أنها يجوز وضعها. فالبدع التي نحن نضعها ونستحسنها ما هي؟ فإنها راجعة إلى أمور في الدين مصلحية في الشرع على الخصوص. بس هو قال في زعم واضعيها، حتى يكون الكلام لهم، يعني هم على الأقل معتبرينها مصلحية في الدين.

وإذا ثبت هذا، هذا كله لسه على ألسنتهم، إذا ثبت أنه لا فرق بين المصلحة المرسلة والبدع، فإذا كان اعتبار المصلحة المرسلة حقاً فيجب اعتبار البدع المستحسنة حقاً، وإذا لم تعتبر البدعة المستحسنة حقاً لم يصح اعتبار المصلحة المرسلة حقاً، فهما يرون أن الموضوع متلازم؛ إذا بدك تقول بالمصلحة المرسلة بدك تجوز البدع، وإذا بدك تنفي البدع المستحسنة بدك تنفي المصلحة المرسلة. فالآن بده يجي دور الشاطبي ليبين فساد هذه التسوية بين البدع والمصلحة المرسلة.

وإذا ثبت هذا، فإن كان اعتبار المصالح المرسلة حقاً، وأيضاً فإن القول بالمصالح المرسلة ليس متفقاً عليه، بل اختلف فيه أهل الأصول على أربعة أقوال. فذهب القاضي وطائفة من الأصوليين إلى رده، وأن المعنى لا يعتبر ما لم يستند إلى أصل معين. وذهب مالك إلى اعتبار ذلك وبناء الأحكام عليه على الإطلاق. وفي مقابل هذا القول قول المالكية الذين توسعوا في المصالح المرسلة وبنوا عليها الأحكام على أدنى مناسبة.

وذهب الشافعي ومعظم الحنفية إلى التمسك بالمعنى الذي لم يستند إلى أصل صحيح معين، لكن بشرط قربه من معاني الأصول الثابتة، التي هي القواعد الكلية للشريعة، هذا ما حكاه الإمام الجويني.

وذهب الغزالي إلى أن المناسب إن وقع في رتبة التحسين والتزيين لم يعتبر حتى يشهد له أصل معين. رأي الغزالي هو الرأي المتداول عموماً عند الشافعية والحنابلة، وهو رأي تفصيلي هو المعتمد أو الأكثر شيوعاً عند الشافعية والحنابلة، وهو أن الغزالي فصل في كتابه شفاء الغليل بين المناسب إذا كان في مرتبة التحسينيات أو إذا كان في مرتبة الحاجيات أو إذا كان في مرتبة الضروريات. يعني هذه المسألة التي تريد أن تبنيها على علة مناسبة لم يشهد لها أصل معين وإنما شهدت لها أصول الشريعة الكلية، متى يجوز اعتبار القياس على أصول الشريعة الكلية؟ في التحسينيات ما بصير، هكذا يقول الغزالي، يعني ما بصير تبني لي حكماً في مصلحة مرسلة من أجل غاية تحسينية، ما بيزبط، بده يكون إما غاية ضرورية أو غاية حاجية عند بعضهم. لذلك قالوا: ذهب الغزالي إلى أن العلة المناسبة التي لم يشهد لها أصل معين وإنما شهدت لها أصول الشريعة الكلية، إن وقعت في رتبة التحسين والتزيين لم تعتبر في الشريعة حتى يشهد لها أصل معين، لأن ما بيزبط فيها المصالح المرسلة، بدها يكون فيها قياس أصولي فقط. وإن وقع في رتبة الضروري فميله إلى قبوله، لكن إذا كان هذا المناسب لأمر ضروري فمال الغزالي إلى قبول المصالح المرسلة في هذه الحال، كمثل جمع المصحف؛ والله هذا أمر ضروري، ليه؟ لحفظ الدين وإلا سيضيع القرآن مثلاً.

واختلف قوله في الرتبة المتوسطة وهي رتبة الحاجي؛ فرده في المستصفى وهو آخر قوليه وعليه مشى ابن قدامة في روضة الناظر، وكل من اعتمد على روضة الناظر أخذ من ابن قدامة الذي أخذ من الغزالي، ولكنه في شفاء الغليل وهو كتاب أدق حقيقة في هذه المسألة، أن شفاء الغليل هو كتاب كتبه الغزالي من أجل بيان كيفية إدراك العلل والبناء عليها، لذلك هو أخص، فقبله في شفاء الغليل كما قبل ما قبله، يعني كما قبل في الضروريات المصالح المرسلة قبل في الحاجيات المصالح المرسلة في كتابه شفاء الغليل.

وإذا اعتبر من الغزالي اختلاف قوله فالأقوال خمسة. فإذاً الأقوال أصبحت خمسة: قول القاضي وطائفة من الأصوليين في رد المصالح المرسلة مطلقاً، قول مالك في اعتبارها مطلقاً، أي في الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ذهب الشافعي ومعظم الحنفية إلى قبولها إذا قاربت المعاني الأصلية الثابتة، هذا القول الثالث، والغزالي هو القول الرابع أنه تقبل في الضروريات دون الحاجيات والتحسينيات، والغزالي في القول الخامس تقبل في الضروريات والحاجيات.

وإذا اعتبر من الغزالي اختلاف قوله فالأقوال خمسة، فإذاً الراد لاعتبارها لا يبقى له في الوقائع الصحابية مستند، إلا أنها بدع مستحسنة كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الاجتماع لقيام رمضان: «نعمة البدعة هذه»، إذ لا يمكنهم ردها لإجماعهم عليها.

فالذي سيرد المصالح المرسلة لن يردها إلا من جهة أنها بدع مستحسنة؛ فهو يريد أن يقول لك إذا أنت الراي الأول الذي يرد المصالح المرسلة يقول لك إذا أنت بدك ترد المصالح المرسلة لن تستطيع أن تعتمد في ردها على أقوال الصحابة وأفعالهم. فالراد لاعتبارها لا يبقى له في الوقائع الصحابية مستند إلا أنها بدع مستحسنة؛ فعمر بن الخطاب رضي الله عنه بدليل أنه سمى المصلحة المرسلة التي فعلها وهي جمع الناس في المسجد على قارئ واحد قال: «نعمة البدعة هذه»، إذاً عمر رآها بدعة مستحسنة. إذ لا يمكنهم ردها، أي رد المصالح المرسلة عموماً لإجماعهم عليها، وكأنه يبطل القول الأول الذي يرفض المصالح المرسلة، يقول: لا يمكن لأحد أن يرفض المصالح المرسلة لإجماعهم عليها، لأن الصحابة أجمعوا عليها في نموذج صلاة التراويح وهو نموذج من المصالح المرسلة، فإجماعهم على هذا النموذج هو دليل على إجماعهم على اعتبار المصالح المرسلة، فإذاً القول برد المصالح المرسلة لا يمكن لإجماع الصحابة على اعتبارها، والمقدمة الثانية أن المصالح المرسلة تلزم منها البدع المستحسنة.

إذاً إذا قلت بالمصلحة المرسلة هو ملزم لك لأن الصحابة أجمعوا عليها، يلزمك أن تقول بقبول البدع المستحسنة، إذاً تصبح البدع المستحسنة مقبولة شرعاً والابتداع في الدين في العبادات مقبول شرعاً، هذا كله لسه الشاطبي لم يتدخل، الشاطبي إلى الآن ما زال يحكي وجهة نظر من يرى أن المصالح المرسلة والبدع المستحسنة في الدين كلها من باب واحد.

وكذلك القول في الاستحسان، فإنه على ما صوره المتقدمون راجع إلى الحكم بغير دليل، والنافي له لا يعد الاستحسان سببا لتشريع الأحكام، فلا يعتبر في الأحكام ألبتة، فصار كالمصالح المرسلة إذا قيل بردها. فالاستحسان على ما صوره المتقدمون لا يمكنك أن تستدل به على جواز البدع؛ يعني لو الشخص قال لك: يجوز البدع في الدين مع أنها أمور مخترعة لا دليل عليها، بتقول له: شو دليلك؟ قال: ما هم العلماء جوزوا الاستحسان. ركز معي، الذين يبتدعون البدع يعملون بدعة ويستحسنونها، إيش بقول لك؟ أنت لماذا تمنعني من أن أعمل بدعة؟ طيب مش في كثير من العلماء جوزوا الاستحسان؟ قول له: نعم، في علماء جوزوا الاستحسان.

فبيقول لك: طيب شو هو الاستحسان؟ الاستحسان القول بغير دليل. أنت شو بتقول له؟ الاستحسان على ما صوره المتقدمون وهو القول بغير دليل ما في حدا يأخذ به، أما الاستحسان الصحيح فهذا له معنى آخر سيأتي. أما الاستحسان بالمعنى الذي أنتم... هو أنتم عارفين على ماذا يريد أن يتكئ المبتدع؟ المبتدع مش هو اخترع شغلة في الدين من دون دليل؟ صح، اخترع شغلة في الدين من دون دليل، فبتقول له: أنت كيف تختار شغلة في الدين من دون دليل؟ فماذا سيقول؟ طيب هي العلماء في كثير منهم جوزوا الاستحسان. فبيقول لك: شو هو الاستحسان؟ أليس هو قول في الدين بدون دليل؟ فإذا أنت جوزت الاستحسان واعتمدت هذا التعريف أنه قول في الدين بغير دليل، يلزمك أن تقبل البدع؛ لأن يا سيدي اعتبرها قول في الدين بغير دليل وليست بأسوأ من الاستحسان. إذا أنت قبلت الاستحسان لازم تقبل البدع، لأنه شو هو الاستحسان؟ القول في الدين بغير دليل بما يستحسنه عقلك، والبدع إذا هي مثل ذلك؛ قول في الدين بغير دليل. فإذا أنت قبلت الاستحسان، اقبل البدع.

إذاً، وكذلك القول في الاستحسان، فإنه على ما صوره المتقدمون راجع إلى الحكم بغير دليل. ممتاز، إذا أنت الآن لا تعتبر الاستحسان طريقة من طرق التشريع، الاستحسان بالمعنى أنه قول في غير دليل. وإذا كنت والنافي له الذي لا يأخذ بالاستحسان لا يعد الاستحسان سببا؛ يعني مصدرا من مصادر التشريع، فلا يعتبر في الأحكام ألبتة على المعنى الذي قاله المتقدمون، فصار إذا الاستحسان كالمصالح المرسلة إذا قيل بردها؛ يعني كالمصالح المرسلة على القول بردها. فإذا أنت قبلت الاستحسان بدك تقبل البدع المستحسنة، إذا ما قبلت البدعة المستحسنة بدك ترفض الاستحسان، اللي هو بده يعمل تلازم بين البدع والاستحسان، والبدع والمصلحة المرسلة. إذا أنت ما قبلت المصلحة المرسلة ما تقبل البدع، بس إذا قبلت المصلحة المرسلة بدك تقبل البدع.

إذا أنت قبلت الاستحسان، طبعا شو الاستحسان بالمعنى الذي صوره المتقدمون وهو القول بغير دليل بالتشهي، إذا أنت قبلت الاستحسان بدك تقبل البدع، إذا أنت ما قبلت الاستحسان، خلص، لا تقبل البدع، ما عندنا مشكلة. أما أنك تقبل الاستحسان وتقبل المصلحة المرسلة وما تقبل معها البدع، ما بينفع عندنا هذه وجهة نظر هؤلاء. فالشاطبي الآن هو ماذا يريد أن يوصل؟ يريد أن يوصلك لقناعة: لا، إنه أنا ممكن أستطيع أن أقبل المصلحة المرسلة وأستطيع أن أقبل الاستحسان بس بالمعنى الصحيح، وفي نفس الوقت أرفض البدع. لذلك هو يقول لك: أنا من أجل ذلك عقدت لك هذا الفصل؛ لأنه كثير ما يحصل اشتباك عند الناس بين مفهوم البدعة والمصلحة المرسلة والاستحسان، ويظن الإنسان البسيط أنها متشابكة، وأن القول بالمصلحة المرسلة أو الاستحسان يلزم منه إجازة البدع، وإذا أنت ما بدك تجيز البدع يلزمك أنك تنفي القول بالمصلحة المرسلة والاستحسان. فوظيفتنا في هذا الفصل ما هو؟ أن نثبت إمكانية القول بالمصلحة المرسلة وإمكانية القول بالاستحسان بالمعنى الصحيح للاستحسان، ورفض البدع. لذلك قال: فنقول.

فلما كان هذا الموضع مذلة قدم لأهل البدع أن يستدلوا على بدعتهم من جهته، كان الحق المتعين النظر في مناط الغلط الواقع لهؤلاء. إذا بقول لك الشاطبي: شايفين قديش الموضوع دقيق؟ فوجب علينا أن ننظر في مناط هؤلاء الذين يعملون تلازم، وين الغلط نشأ عندهم في الفكر؟ حتى يبين أن المصالح المرسلة ليست من البدع في ورد ولا صدر، وبحول الله والله الموفق، فنقول: المعنى المناسب الذي يربط به الحكم لا يخلو من ثلاثة أقسام. الأول: أحدها أن يشهد الشرع بقبوله، أن تكون علة الشارع الحكيم نص على قبولها، يعني هو الشارع نص على اعتبارها بالنص أو الإجماع أو الإيماء بأي طريقة من مسالك التنصيص عليها. فلا إشكال في صحته ولا خلاف في إعماله؛ وإذا هذه العلة لا إشكال في صحتها وإعمالها وأن نتعدى بها إلى فروع جديدة، لأنه الشارع نص عليها بذاتها. وإلا كان مناقضا للشريعة كشرعية القصاص حفظا للنفوس والأطراف وغيرها. وإلا إذا أنت لم تعملها فيما يشبهها أو في المكان التي هي موجودة فيه، أنت تناقض مقصود الشارع؛ ما دام الشارع اعتبر هذه العلة لبناء الحكم عليه إذا لازم أن أعتبر هذه العلة في كل مكان وردت فيه من الموارد.

والثاني: أما شهد الشرع برده فلا سبيل إلى قبوله؛ إذ المناسبة لا تقتضي الحكم لنفسها، وإنما ذلك مذهب أهل التحسين والتقبيح العقلي. بل إذا ظهر المعنى وفهمنا من الشرع اعتباره في اقتضاء الأحكام، فحينئذ نقبله؛ فإن المراد بالمصلحة عندنا ما فهم الشرع رعايته في حق الخلق من جلب المصالح ودرء المفاسد على وجه لا يستقل العقل بدركه على حال. فإذا لم يشهد الشرع باعتبار ذلك المعنى بل شهد برده، كان مردودا باتفاق المسلمين. فالحالة الثانية: علة شهد الشرع بردها، علة الشريعة بتقول لك: أنا رادها ولا أريدك تبني عليها أحكام. هي فلا سبيل إلى قبولها، لماذا؟ إذا حتى لو يا شيخ أنا شفتها والله علة مناسبة؟ نعم، حتى لو شفتها أنت علة مناسبة بعقلك القاصر والشريعة قالت لك بفحواها لا، ما أريدك أن تعمل بها، لا يجوز أن تقدم عقلك على شرع ربك. فإذا المناسبة التي أدركها العقل لا تقتضي الحكم لنفسها، لأنه المناسبة هنا إذا أطلقت المراد بالمناسبة ما أدركه العقل مناسبا. فإذا أنت وجدت العلة مناسبة والله سبحانه منعك من أن تعتمد هذه العلة فلا يجوز أن تعتمدها؛ لماذا؟ لأنه إذا اعتمدتها أنت تسير على طريقة المعتزلة التي تبني على التحسين والتقبيح العقلي. ونحن بالنسبة لنا في النهاية، لا، إذا الشارع قال لي لا تعمل بهذه العلة، أضع عقلي على جنب، أضع ما استنتجه عقلي على جنب، وأقول: سمعا وطاعة لشرع ربي، وإلا سنصبح مثل المعتزلة الذين يبنون المناسبات على عقولهم.

بل إذا ظهر المعنى وفهمنا من الشرع اعتباره في اقتضاء الأحكام، عندئذ أقبله. ركزوا معي إخواني، المعنى العلة حتى أبني عليها الأحكام لازم شغلتين: إذا ظهرت المناسبة، وفهمت من الشارع أنه يريد مني أن أبني الأحكام عليها. لازم تكون ظهرت مناسبتها أولا للعقل والمنطق، وظهر لي من تصرفات الشارع أنه يريد مني أن ألتفت إليها، فحينئذ أقبل هذه العلة. فإن المراد بالمصلحة عندنا ما فهم الشرع رعايته في حق الخلق من جلب المصالح ودرء المفاسد على وجه لا يستقل العقل وحده بدركه على حال. إذا لا يجوز الاعتماد على العقل فقط، هذه قضية كلام دقيق جدا هنا؛ العقل وحده لا يستقل في أنك تشوف شيئا مناسبا لتبني عليه حكما؛ لازم تتأكد أنه هذا الشيء الذي يراه عقلك مناسبا هناك دليل خاص معين في الشرع يدل عليه، أو أصول كلية في الشرع تدل عليه. هي خطورة هذا المسلك، هذا إخواني مهم للجماعات المعاصرة اللي بيطلع لك بمعنى مناسب هيك شافه مناسب، وأنه العقل والواقع الاجتماعي يدل عليه. أجي أقول له: تعال أعطني هذا المعنى الذي أنت شايفه مناسبا لتبني عليه أحكام معاصرة، هل هناك شاهد خاص عليه أو شاهد عام عليه؟

أنت أحد أمرين: ما في شاهد خاص ولا شاهد عام، كل ما أدركه عقلك بالمناسبة ألقه لي إياه في القمامة؛ لأنه لازم تثبت لي أن الشريعة تشهد لهذا المعنى المناسب بعقلك، أما شهودا خاصا أو شهودا عاما. بغير كذا، حتى لو أدركه عقلك، قلت وأنت إنسان فاضل وعاقل وفيلسوف، ضع لي عقلك على جنب؛ لأنه لا يمكن إخواني اكتمال الشريعة -مش ربنا يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]- اكتمال الشريعة يدل على أن أي معنى تراه مناسبا لابد وأن يكون له دليل خاص أو شاهد خاص أو شاهد عام. أما معنى لا يوجد له شاهد خاص في الشريعة ولا تدل عليه الأصول الكلية، معناها الشريعة ليست كاملة، معناها أنت تستدرك أمورا أغفلتها الشريعة، إذا اليوم أكملت لكم دينكم ليست دقيقة وحاشى لله. فهمتوا يا إخوان شو خطورة هذه الفكرة؟ لذلك الشاطبي كلامه دقيق بالمسطرة هنا.

فإن المراد بالمصلحة عندنا ما فهم الشرع رعايته في حق الخلق من جلب المصالح ودرء المفاسد على وجه لا يستقل العقل وحده بدركه على حال. فإذا لم يشهد الشرع باعتبار ذلك المعنى بل بالعكس أعطانا ما يدل على رده، كان مردودا باتفاق المسلمين. ومثاله ما حكى الغزالي عن بعض أكابر العلماء أنه دخل على بعض السلاطين فسأله عن الوقاع في نهار رمضان، تعرف القصة التي تبهدل فيها يحيى بن يحيى الليثي مسكين وصارت عليه قصة، والمشكلة تنسب لغيرها أيضا. فقال: عليك صيام شهرين متتابعين. فلما خرج، راجعه بعض الفقهاء وقال: القادر على إعتاق الرقبة كيف يعدل به إلى الصوم، والصوم وظيفة المعسرين؟ وهذا الملك يملك عبيدا غير محصورين. فقال لهم: لو قلت له عليك إعتاق رقبة لاستحقر ذلك وأعتق عبيدا مرارا، فلا يزجره إعتاق رقبة، ويزجره صوم شهرين متتابعين.

الآن شو فكرة هذه المسألة؟ عموما أنتم تعرفون من جامع في نهار رمضان، الذي يجامع زوجته وهو صائم في رمضان عليه كفارة، شو الكفارة؟ أول شيء إعتاق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. يحيى بن يحيى الليثي لما دخل على هذا السلطان، السلطان قال له: أنا جامعت في نهار رمضان، يحيى بن يحيى الليثي لم يبدأ معه من رأس الهرم، ما قال له: اعتق رقبة، قال له مباشرة: صوم شهرين متتابعين. طبعا هذا خلاف الفتوى، أنت الأصل تقول: اعتق رقبة، فإن لم تجد فصيام شهرين. لماذا مباشرة يحيى بن يحيى الليثي قفز لصيام شهرين متتابعين؟ مع أن هذا السلطان تحته كثير من العبيد ويعتق مش رقبة، بيعتقلك عشرين رقبة! فالفقهاء اعترضوا على يحيى، قالوا: كيف أنت أفتيته بالصيام مع أن فرضه الأول هو الإعتاق؟ فقال: هذا الحاكم لو قلت له روح اعتق، رح يستسهل الإعتاق، لأنه ما شاء الله عنده ألف رقبة، فرح يستسهل، فبصير كل يوم يجامع في نهار رمضان ويقول لك: عادي، بعطيك رقبة، ما أسهلها. أما لو قلت له: عليك صيام شهرين متتابعين، اه رح تثقل عليه. الآن وين المشكلة في فتوى من يحيى بن يحيى الليثي؟ أولا ما هو المعنى المناسب الذي استحسنه يحيى بن يحيى الليثي بعقله ورآه العلماء مصادما للشريعة؟

ما هو المعنى المناسب؟ الزجر؛ الزجر للحاكم. هو رأى معنى مناسبا، وهو أنه يجوز أن أنتقل في الكفارة إلى الخصلة التي أرى فيها ماذا؟ الزجر. فرأى أن الزجر يعطيه كفقيه قدرة على التغيير في الكفارة المرتبة، يعني أنا عندي كفارة مرتبة، لكن فكرة الزجر تعطيني قدرة على أن أغير فيها. فالفقهاء قالوا له: لا، سامحنا، الزجر هذا المعنى المناسب الذي أنت شفته هنا وظننت أنه يعطيك ويخول لك أن تغير في ترتيب الكفارة، هذا فيه مصادمة للشريعة؛ لأنه الشارع كان بإمكانه أن يقول لنا بأي طريقة من الطرق أن الكفارات المرتبة لكم أن تتلاعبوا في ترتيبها إذا وجدتم الزجر في ذلك، والشارع لم يقل لنا ذلك، بل أعطانا الكفارات المرتبة كلها ولم يعطينا أي إشارة في أي كفارة مرتبة أنه أولى تغيير ترتيبها إذا ظهر لنا مصلحة، ما أعطانا هذه الفكرة. فأنت أخذك لهذه الفكرة من بنات عقلك فهي مصادمة للشريعة. طيب لو شخص قال لك: بس والله شي كلامه منطقي، يعني هذا الحاكم مش رح يفرق معه، شو بتقول له؟ هذا واحد بيقول لك: طيب، الكفارة أصلا لماذا شرعت يا شيخ؟ للزجر.

كفارة الجماع لماذا شرعت؟ هي شرعت للزجر، ويحيى بن يحيى الليثي هو أراد استثمار هذه الفكرة، فكرة الزجر، فلذلك عدل من العتق إلى الصيام.

أنت من قال لك إن الشارع لما وضعها كفارة مرتبة بهذه الطريقة هو فقط هدف الزجر؟ لا، أليس من هدف الشريعة أن الشريعة تتشوف إلى العتق؟ فهي تريد من الناس أن يعتقوا ما في أيديهم من الرقاب. ففكرة أن الكفارة فقط للزجر هذا أنت الذي حكيته، هي من مقاصدها الزجر لكن لها مقاصد أخرى في قضية الإعتاق، فجعلت الإعتاق هو البعد الأول. فإذاً هناك أكثر من مقصد للكفارة، قد تدرك بعضها وقد لا تدرك بعضها، فما دام الشارع لم يقل لك تلاعب في الكفارة كما شئت إذا وجدت الزجر، ما أعطاك الشارع هذه الصلاحية، فإعطاؤك لنفسك هذه الصلاحية بعقلك هو استحسان عقلي ومناسبة عقلية مصادمة للشرع، فوجب ردها.

هناك مصالح لكن عقلك قاصر عن الإحاطة بعلم الله سبحانه وتعالى. فهذا المعنى المناسب، لأن الكفارة مقصود الشرع منها الزجر، والملك لا يزجره الإعتاق ويزجره الصيام، هذا معنى مناسب في العقل البشري هو مردود؛ لأنه في النهاية هذه الفتوى باطلة، لأن العلماء بين قائلين: قائل بالتخيير وقائل بالترتيب، فيقدم العتق على الصيام، فتقديم الصيام بالنسبة إلى الغني على الإعتاق لا قائل به من العلماء.

قال يحيى بن بكير: حنث الرشيد في يمين فجمع العلماء، فأجمعوا على أن هارون الرشيد خليفة زمانه حنث في يمين، فجمع العلماء فأجمعوا على أن عليه عتق رقبة، فسأل مالك فقال: صيام ثلاثة أيام. فقال: لما أنا معدم؟ يعني أنا معي مصاري أطعم عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير الرقبة، لماذا نقلتني إلى الخيار البديل صيام ثلاثة أيام؟ وقال الله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾، فأقمتني مقام المعدم الفقير؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فكل ما في يديك ليس لك. قالوا: نعم، أنت معدم، كل المصاري التي في يدك ليست لك، كل المصاري التي في يدك لبيت مال المسلمين، فعليك صيام ثلاثة أيام. طبعاً هذا بعد آخر، ليس بعد يحيى بن يحيى الليثي؛ بعد أنه أنت فعلاً فقير والمصاري التي في يدك ما بصير تلعب فيها ولا بصير تطعم منها؛ لأنها ليست مصاريك.

وحكم ابن بشكوال أنه اتفق لعبد الرحمن بن الحكم مثل هذا في رمضان، فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته، فقال يحيى بن يحيى: يكفر بذلك صيام شهرين متتابعين. فلما بدر ذلك من يحيى، سكت سائر الفقهاء حتى خرج من عنده، فقالوا ليحيى: مالك لم تفتِ بمذهبنا عن مالك من أنه مخير بين العتق والإطعام والصيام؟ فقال لهم: لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور لئلا يعود. فانصح هذا، إذاً شكله الإنكار زي الإنكار هناك، كانما الذين قالوا بالتخيير منهم من يقول مثلاً إن مذهب مالك أن الإطعام أفضل أو مقدم.

القصة الأولى لم يذكر الغزالي أنها عن المالكية، فبالتالي قد تكون عن فقيه شافعي أو حنبلي وعندنا التعيين، القصة الثانية والثالثة هي التي عن مذهب مالك ومذهب مالك التخيير، وإن كنت أحتاج أن أراجع قوله في ذلك.

سأقف اليوم عند هذه القصص، والثالث وهو معنى المصالح المرسلة حتى نحكيها ونحن صاحون ومستيقظون، نتركها للدرس القادم إن شاء الله، وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.