وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الحمد لله، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين. وبعد، هذا مجلسنا السادس من مجالسنا في إقامة البرهان على منكر إعجاز القرآن.
في الحقيقة، كما تعلمون، اليوم هو قراءة المقالة الثانية للدكتور أحمد حسن صبرة، أو كما أعرف كان دكتوراً في البلاغة أكاديمياً، وهو كتب مقالتين آخر ما كتب قبل أيام، يثبت فيهما أن عبد القاهر نفى الإعجاز. كل ما كان في المقالة الماضية كان تقدمة لذلك؛ معذرة منكم كانت هناك مقالة سابقة هي التقديمة لذلك وقرأناها كاملة وعلقنا عليها في الحلقة الخامسة الماضية. وهذه المقالة الثانية التي يقول في صدرها: النص التالي مكتوب بتكثيف كبير ويحتاج إلى عناية أكبر في قراءته، لقد وجدت أن التفصيل لا يناسب المقام هنا، قد يناسبه أن يكون في كتاب، لكني أعتمد على ذكاء من يقرأ في إدراك الأطروحة الأساسية فيه.
قبل كل شيء يا إخوة، أنا أنبهكم إلى أمر مهم وهو أن مجالسي هذه فقط هي في بيان الأمر وفي الكشف عما قد يحتمل عند بعض الناس أن يرى أن الدكتور معه شهادة أكاديمية في البلاغة، فيظن أن كلامه له وجه من الصحة. وأنا أقرأ هذا الكلام لأجل الكشف عن أن ما في هذا الكلام هو ضد ذلك تماماً؛ ولا أقرأه لمناقشته، وإن كان هو دعا إلى المناقشة، ولا أحسب أنه يناقشه أصلاً؛ لأنني أرى أن هذه حقيقة وجدتها ولا أستطيع التعامل بلغة حيادية مع شيء أراه أمامي واقعاً هكذا. أقول: الدكتور أحمد حسن صبرة، ويعلم الله لا أقصد من ذلك إساءة وإنما أقصد توصيفاً للواقع، لا يملك أدنى مقومات الكتابة العلمية، فضلاً عن مقومات الفهم والتفهيم. لا يملك هذه مهارة أخرى؛ لا يملك أدنى مقومات البحث العلمي والكتابة العلمية.
وأنا أدعوه إلى النقاش العلمي، الحقيقة هو أنه لا يتناول تناولاً علمياً؛ هو يظل يقول للناس أنا أريد أن نتناقش بالعقل، أن نتناقش بالكلام العلمي، وهو حقيقة لا يفعل هذا. وأنا أطلبه إلى النقاش العلمي أو أطلب كلامه بالنقاش العلمي، وأتوقع من جهتي أنا أنه لن ينظر في هذا الكلام أو لن يستطيع أن يلفت إليه. أعلم أنه سيشيع كلام الذين قد يكفرونه أو كلام الذين قد يسبونه؛ لا أستبعد وهذا خطأ، لا أستبعد أن بعض الرقيعين أو بعض خفيفي الديانة ويظنون أنهم على ديانة -وما أكثر هؤلاء في زماننا- أو المتحمسين، أظن أن كثيراً من المتحمسين قد يهاجمونه بدون موضوعية. لكن أيضاً أرى أن الدكتور أحمد حسن صبرة سيشيع هؤلاء وسيلفت النظر إلى هؤلاء؛ كما فعل هو قال: كفروني واتهموني بالعلمانية مع أنه دعا إلى الجامعة العلمانية، واتهموني بالكفر، وفعلوا وأساءوا إلي، جماهير أو "ألتراس" الدكتور محمد أبو موسى هاجموني وأساءوا إلي وأغلظوا لي القول. فأنا أحسب أنه سيشير إلى هؤلاء لأن ذلك في صالحه، ولا أظنه سيتناول هذا الكلام؛ لأنه بالأساس كما قلت لكم، غير قادر على مقومات البحث العلمي.
هو يدعي العلمية ونحن تناولنا كلامه بالعلمية؛ هو اتخذها شعاراً يتحدث عنها ونحن نحدثه فيها. قرأنا كلامه، فمن رأيتموه يشير إلى كلامه أو يتأثر به أو يقول هناك من ينكر، قل له: تفضل، هذا كلامه مقروء حرفاً حرفاً ومعلق عليه، والميزان بيننا ميزان العلم؛ أنا تركت كلامي وهو كلامه موجود في صفحته وموجود عندي هنا، وكلامي كذلك موجود، وأنا راضٍ بحكم العلم وحكم الزمان وحكم التاريخ وما يقضي به. ونبدأ في القراءة العلمية للمقالة الثانية، في إثباته أن عبد القاهر هو يثبت هذا الآن، يعني أن عبد القاهر أراد إثبات الإعجاز فنفاه، أو أن عبد القاهر نفى الإعجاز من حيث أراد أن يثبته. كيف ذلك؟ تعالوا.
يقول: النص التالي مكتوب بتكثيف كبير، هذا النص ويحتاج إلى عناية أكبر في قراءته. لقد وجدت أن التفصيل لا يناسب المقام هنا، قد يناسبه أن يكون في كتاب، لكني أعتمد على ذكاء من يقرأ في إدراك الأطروحة الأساسية. ثم يقول: فهم أدلة عبد القاهر الجرجاني في إثبات الإعجاز البلاغي للقرآن يرتبط بفحص المصطلحات التي استخدمها في هذا الإثبات، وبتتبع التماسك المنطقي عنده في ملاحظة النقطة الحرجة بلاغياً التي ينتقل عندها الكلام من كونه ممكناً بشرياً إلى كونه معجزاً إلهياً. لا يمكن الإقناع بالإعجاز إلا باستخدام كلمات يمكن الإقناع بها، وإلا باستخدام منهج منطقي يقوم بعملية استدلال واضحة مقبولة، يمكن الدفاع عنها وتبريرها إن وجهت بأسئلة. ودون الدخول في تفاصيل لا يتسع لها المقام هنا.
هنا تحديداً أنا أقف، يفترض أنني أقرأ بحثاً علمياً، فهنا تحديداً وقع أول خلل علمي؛ لأن هذه العبارة لا تنفق في البحث الاستدلالي، لأنها لب المطلوب في البحث. أليس كذلك؟ يعني تحت عبارة "تفاصيل لا يتسع المقام لها" يستطيع كل صاحب دعوى أن يمرر دعواه، هذه المشكلة. أنا لا أتعنت الآن مع الدكتور، الدكتور رجل يتكلم في الإعجاز البياني للقرآن، ويتكلم دائماً عن ضرورة العقل والعلم والإنصاف والمنطق والمنهج والنقطة الحرجة ونظرية المعرفة. هل يمكن أن يقدم بحثاً -حتى لو قال أنا أحتاج إلى كتاب- لكن ما نفيته ما اختصرته هو لب القضية، هو لب ما ترمي إليه، هو مقدمات النتيجة التي تريد يا دكتور؟ هنا محل تفصيل، فإذا قلت: "لكن هذا لا يصلح إلا في كتاب"، نقول: إذاً هذا البحث لا يصلح إلا في كتاب. هكذا بكل وضوح.
هناك أشياء لا يمكن اختصارها في سياقات معينة، والدكتور حسن صبرة الآن في سياق استدلال على عبد القاهر، فكيف يختزل الأدلة؟ بلاش أنا "أبا قيس"، كيف أعلم أصلاً أنك قرأت كتاب عبد القاهر؟ أقول لكم بوضوح: إن ظهرت عندي شواهد وأدلة من كلامه السابق أنه تقريباً تصفح الكتاب ولم يدرسه، لم يدرسه حرفاً حرفاً. أنا بالنسبة إلي، كتاب عبد القاهر وكتاب القرطاجني يكادان أن يكونا محفورين على عظامي، حتى بالصفحات، حتى بأرقام الصفحات لكثير من المسائل والأبواب، من كثرة عنايتي بالكتابين على سنين مضت. ومن خبرتي في الكتابين أقول لكم: الدكتور حسن صبرة -أنا أدعي دعوة تقبل النقد- لم يقرأ الكتابين، ولم يدرسهما كلمة كلمة، وإنما تصفحهما أو قرأهما بعينه، ووقف على نقاط وبنى عليها كلامه، كما وقف على قضية عبد القاهر على أن العرب هي أفصح الأمم.
وأنا نقلت لكم كلام عبد القاهر، وأنه كان في سياق فرعي جداً ولم يبنِ كتابه على هذا، وإنما بنى كتابه على الفكرة التي خلص إليها في الرسالة الشافية، وبنى كلامه على أن المقدمات المنطقية تخلص إلى أن قطب التفاوت وقطب التجاوز من نص إلى نص ليس المعنى وليس الألفاظ المفردة، وإنما هو ما تنتهي إليه النصوص من حيثيات من خلال النظم، أي نظم الكلام الخاص، ما سماه بالخصائص والدقائق واللطائف والخصوصية، أحياناً يسميها خصوصيات معينة، ما سماه في آخر كتابه بالصورة؛ حتى فرق بين البيت المصور والبيت الغفل، ترونه في آخر كتابه في الفصول الملحقة قبل الرسالة الشافية.
تحدث عن البيت المصور والبيت الغفل واستفاض في بحث يأتي ببيت غفل وبيت مصور وهكذا، وسمى الهيئة للمعنى "هيئة" أو "كيفية" وسماها صورة للمعنى، وهذا ظهر شديداً في آخر كتابه، استعمال كلمة صورة للمعنى في المقابل قال: المعنى المجرد، والمعنى الغفل، ومحض المعنى. وهناك مفردات استعملها عبد القاهر مرة في المعنى الغفل المجرد ومرة في المعنى الفني الخاص، وهذان على التحديد مصطلحان أو مفردتان: المعنى والغرض في بعض المواضع. في النصف الثاني من الكتاب مثلاً يقول: وهذه الآية وإن كانت في معنى الآية الأخرى إلا أن الغرض مختلف. وهذه الآية وإن كانت في المعنى، في معنى الأخرى السابقة مثلاً، إلا أن الغرض مختلف، إذاً جعل الغرض هو الهيئة الخاصة أو الصورة الخاصة التي ترتبط بذات نظم النص. وترى في موضع آخر مثلاً يقول: والآيتان والنصان والكلامان يختلفان في المعنى وإن كان الغرض واحداً، فأراد بالغرض محض المعنى أو المعنى المجرد، وأراد بالمعنى الثاني المعنى الخاص أو صورة المعنى.
فعبد القاهر استعمل في ذلك مفردات ومصطلحات أحياناً تضطرد وكثيراً لا تضطرد، لكن دلت عليها السياقات. فعبد القاهر انطلق في كلامه من أنه قد خلص إلى أن القضية تتعلق بنظم كلام لا بالألفاظ المفردة، أو بجملة النص من حيث كونه نصاً دون نظر إلى التعلقات، تعلقات المعاني. كان يرد على قول عجيب للقاضي عبد الجبار الهمذاني ومن تبعه من المعتزلة، وليس في نفس المعنى، ولكن عبد القاهر استفاض في قضية نفي التعلق أو نفي التفاوت عن أصل المعنى في كتابه الرسالة الشافية. أما ما ذكره من أن العرب أفصح الأمم وأنه بنى كلامه على ذلك، فهذا يبدو أن الدكتور وقف عليه عند تصفحه لعبد القاهر، لأنه لو قرأ عبد القاهر لعلم أنه لم يبنِ كلامه على هذا، الذي أقوله من باب إحسان الظن بأحمد حسن صبرة؛ وإلا لو كان يعلم على أي شيء بنى عبد القاهر كلامه لقلت إنه حرف وزور.
وأنا في المجلس الماضي بينت لكم تماماً ما الذي أدار عليه عبد القاهر كلامه، وبينت لكم أن الذي ادعى أحمد حسن صبرة أن عبد القاهر أدار كلامه عليه له سياق فرعي تماماً، كان يتحدث عن الذين قد يقولون إنه يتعلق بحسن الألفاظ أو بتلاؤها أو كذا، قال: ليس هذا الذي تباهت به العرب في مجالسها أو في تعاقضها. فهنا "ودون الدخول في تفاصيل لا يتسع لها المقام هنا" يستطيع صاحب كل دعوى أن يمرر دعواه، قضية البحث كلها في التفاصيل يا دكتور، ما الذي يجعلني أطمئن إلى أنك قرأت عبد القاهر؟ أنت تثبت وتبرهن يا دكتور أحمد حسن صبرة، ما الذي يجعلني أطمئن إلى تصورك المجمل؟ أنت الآن في مناظرة، ما الذي يجعلني أطمئن إلى المجمل هذا؟ مغرز أول ما تقول لي "ودون الدخول في"، لا أنا أريد تفاصيل، الشيطان في التفاصيل صح؟
لماذا قال "ودون الدخول في تفاصيل لا يتسع لها المقام هنا"؟ فان المصطلح البلاغي حتى زمن عبد القاهر لم يكن قد نضج النضج الكافي الذي شهدته القرون التالية، السكاكي هو الذي نضج عنده المصطلح البلاغي نضجاً لم يستطع أحد أن يتجاوزه حتى اليوم، يقصد مفتاح العلوم للسكاكي، وسنأتي في الأخير لقضية السكاكي هذه؛ لأني أظن -والعلم عند الله- أن الدكتور أحمد حسن صبرة لم يقرأ مفتاح العلوم. قد تبدو دعواي غريبة، وهو يحتفي بالسكاكي ويقول أين محمد أبو موسى من السكاكي! طيب، أنا سأضع بين أيديكم شاهداً في آخر الكلام، ويكون مأخوذاً من كلام الدكتور نفسه، وأنتم وعقولكم بعد ذلك.
يقول: السكاكي هو الذي نضج عنده المصطلح البلاغي نضجاً لم يستطع أحد أن يتجاوزه حتى اليوم، وأما المصطلح النقدي فلم يقيد الله له عقلية مثل السكاكي تقيله من عثراته وغموضه وكل المشكلات المتصلة به. حتى زمن عبد القاهر فإن كلا المصطلحين البلاغي والنقدي يحيل كثيراً على المتلقي، يعني يعتمد على فهم الآخر، ويفترض تأثيراً عليه يشبه التأثير الذي يشعر به الناقد.
كان عبد القاهر أسيرًا لفضاء الاستخدام البلاغي والنقدي لكلمات أصبحت بكثرة دورانها على الألسنة وفي الكتب قدرًا لا يمكن تجنبه إلا بوعي زائد عن الحد لم يتوفر لكثيرين. انتبهوا يا إخوة، حسن صبرة هنا ماذا يفعل؟ يحاول الدكتور هنا أن يصبغ المصطلح النقدي والبلاغي عند عبد القاهر وما قبله في التاريخ بصبغة المبهم؛ ركزوا معي في الكلام، بصبغة المبهم الذي يفتقد الدلالة. يقول: فضاء الاستخدام البلاغي، يحيل كثيرًا على المتلقي ويفترض تأثيرًا عليه يشبه التأثير الذي يشعر به الناقد.
على من اعتمد الزمخشري؟ على من اعتمد السكاكي في مفتاح العلوم؟ على من اعتمد القزويني؟ على عبد القاهر وعلى مفتاح العلوم وعلى تلخيصه أيضًا، وعلى علوم من خارج الكتب المذكورة؛ وأقصد الخطيب القزويني في الإيضاح لا في التلخيص، في الإيضاح لأنه وسعه وجعله بمقام شرح التلخيص، صح هذا تصريحه في مقدمة الكتاب. ولذلك هذا الكتاب أخطر كتاب بلاغي في الحقيقة من جهة البلاغة التقريرية والصورة الأخيرة والتحقيق والخلاف العالي فيها؛ كتاب الإيضاح للخطيب القزويني؛ لأنه حوى السكاكي وأضاف إليه وخالف، وحوى عبد القاهر وأضاف علومًا أخرى. فلهذا هذا الكتاب يمكن أن يكون شرحًا للتلخيص، تلخيص المفتاح، ويمكن أن يكون كذلك كتابًا قائمًا بنفسه، هو قائم بنفسه فعلًا، ومن أوسع الكتب في البلاغة.
ركزوا الآن ما الذي يفعله الآن الدكتور أحمد حسن صبرة؟ يحاول أن يصبغ المصطلح النقدي والبلاغي في ذهنك، كما يقول يحيل على المتلقي، يفترض عليه تأثيرًا يشبه التأثير الذي يشعر به الناقد، يكون أسيرًا لفضاء الاستخدام البلاغي والنقدي، فصار هناك قدر لا يمكن تجنبه من الكلمات إلا بوعي زائد عن الحد. فالدكتور هنا يصبغ المصطلح النقدي والبلاغي عند عبد القاهر ومن قبله بصبغة المبهم الذي يفتقد الدلالة أو يقترب من فقد الدلالة، وتجاهل أو عمى على القارئ أن فكرة الدلالة والسياق التي يخضع لها كل كلام لا تقف على المصطلح.
فجعل المقابل للمصطلح المحدد المبهم، في حين أن المقابلة الحقيقية للمصطلح المحدد هو غير المضطرد، هذا هو، وليس المبهم. ليس المبهم الذي يقابل المصطلح هو غير المضطرد، لأن المصطلح مضطرد؛ وقبل أن يكون اللفظ مصطلحًا لمعنى معين كان يستعمل فيه وفي غيره على غير اضطراد. يعني قبل أن يكون اللفظ اصطلاحًا هو غير مضطرد فقط، لكنه معين بدلالة السياق والكلام، وليس مبهمًا كما أراد الدكتور أن يوحي إلى القارئ.
ليس مبهمًا، يعني مثلاً كلمة فقه، ما معنى الفقه في اللغة؟ اسألكم الآن ما معنى فقه في اللغة؟ الفهم، أحسنتم، الفقه هو الفهم، جميل. بعد ذلك صار الفقه اصطلاحًا للعلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبط من الأدلة التفصيلية، والدليل هو خطاب الله المتعلق بالأحكام إلى آخره. إذاً الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبط من الأدلة التفصيلية. هذا المعنى صار لفظ الفقه اصطلاحًا عليه، قبل استعمال هذا المصطلح في هذا المعنى هل كان يمتنع لفظ الفقه على هذا المعنى؟ لو قلت لك أنت تفقه أو لا تفقه، هل كان يمتنع على العلم بالأحكام الشرعية؟ لا، ما الفرق بين قبل الاصطلاح وبعد الاصطلاح؟ الاضطراد. لفظ الفقه لم يكن مبهمًا قبل أن يستعمل في العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبط من الأدلة التفصيلية، لكن كان غير مضطرد.
فالذي يقابل المصطلح هو غير المضطرد ولكنه يفهم بالسياقات. الدكتور ماذا فعل هنا صاحب البحث العلمي ودوره تحكيم العقل؟ حاول أن يقنعك أنه إذا لم يكن هناك اصطلاح فالأمور خربانة والدنيا ضائعة ولا يفهم شيء؛ إذا كان لا يفهم شيء كيف استطاع السكاكي تأسيس علوم البلاغة في المفتاح من عبد القاهر؟ أوهمك أن مقابل الاصطلاح هو الإبهام، وهذا غلط كبير، عيب أن يخرج من باحث. المقابل للاصطلاح هو غير المضطرد المفهوم من السياقات.
يعني لما عبد القاهر قال لك الآيتان في نفس المعنى واختلف الغرض، واضح من السياق أن معنى لفظ المعنى أراد به أصل المعنى محض المعنى محصول المعنى المعنى المجرد، وأن كلمة الغرض أراد بها المعنى الفني الخاص. فإذا قال في موضع آخر والغرض واحد ولكن اختلف المعنى لاختلاف النظم، انعكست، المعنى واحد ولكن اختلف الغرض، أو الغرض واحد لكن اختلف المعنى لاختلاف النظم؛ فقوله لاختلاف النظم دليل على أنه أراد بالمعنى المعنى الفني، وأنه لما قال الغرض واحد بين النصين أراد أصل المعنى. هل وقع في الحالين اشتباه بسبب تبدل أماكن الغرض والمعنى؟ هل وقع اشتباه في الفهم عندكم لما تبدلت وظائف اللفظتين؟ لم يقع، لم يحصل اشتباه، لماذا؟ لأن السياق بين المراد. فليس الأمر كما صوره حسن صبرة هنا صاحب القراءة العلمية.
وحين ينتقل عبد القاهر إلى الكلام عن الإعجاز البلاغي، فإنه يبدأ بالحديث عن مستويات الكلام، وإلى أن العلم باللغة هو الذي يمكن أن نفاضل به بين كلام وكلام، وأن المزية في الكلام ترتبط بهذا العلم، ومن خلال ذلك يفضل بعض الكلام على بعض، ويعلو المرتقى ويعز المطلب حتى ينتهي الكلام إلى الإعجاز وإلى أن يخرج عن طوق البشر. ثم يقول عن القرآن إنه كان على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر ومنتهيًا إلى غاية لا يطمح إليها بالفكر.
ثم يقول: لا يوضح الرجل -وحسن صبرة يقول عن عبد القاهر- لا يوضح الرجل كيف الخروج من كلام البشر إلى كلام الله، ولا طبيعة هذا التقصير وعجزهم عن نظم يشبه نظم القرآن. ركزوا في العبارة، لا يوضح الرجل كيفيه الخروج من كلام البشر إلى كلام الله ولا طبيعة هذا التقصير وعجزهم عن نظم يشبه نظم القرآن. تعرفون ما الذي حصل هنا؟ ركزوا لو سمحتم في هذا لأن هذا أكثر ما يدخل به عليكم.
هذا الذي يتحدث عنه هو صفة تحصل مما أتى به عبد القاهر، هذا يسمى في علوم البحث والمناظرة والجدال سفسطة. لماذا؟ لأن هذا الذي يقول الخروج وكذا هو صفة تحصل مما أتى به عبد القاهر؛ إذا قلنا النابغة الذبياني أشعر من عنترة، فيأتي شخص يقول أنت لم توضح كيفية خروج كلام النابغة عن كلام عنترة، ولم تبين طبيعة تقصير عنترة عن النابغة وعجزه عن نظم يشبه نظم النابغة؛ كيف يحصل هذا بعين ما أتى به عبد القاهر؟ لكن الدكتور هنا يصفط.
فإن إثبات عجز الشاعر عن شاعر آخر يكون بعد الموازنة، بوضع شاعر في حيثية، والشاعر الآخر في حيثية أخرى. فإذا اختلف ما بين الحيثيتين وتفاوت ذلك، بعد أن استقرأنا قدر الشاعر على تجاوز أو تبين لنا من مجموع قدره أنه لم يتجاوز الشاعر الآخر، كان ذلك هو عين الدليل على أن الشاعر لا نقول هنا ما كيفية عدم قدرة عنترة على النابغة الذبياني. تعالوا إلى حادثة أخرى، لما قال في حادثة سوق عكاظ المشهورة لما اجتمع الشعراء مع النابغة الذبياني، وهذا بالمناسبة شيء مشهور متواتر عن العرب، موضوع النابغة والقبة الحمراء في سوق عكاظ، لما أثنى النابغة الذبياني على الأعشى ثم انصرف الأعشى، ثم أثنى على الخنساء وقال لها لولا أن أبا بصير قد أنشدني للتو لقلت إنك أشعر الناس. فقام حسان بن ثابت رضي الله عنه وكان شابًا وقد أصابته الغيرة واحترق صدره، فقال والله للنابغة الذبياني: والله إني لأشعر منك ومن أبيك. وأنا أحسب أن الذي جراه على ذلك أن النابغة الذبياني قال الشعر كبيرًا؛ تتفق كلمة الرواة على أنه قال الشعر كبيرًا، والرواية الصحيحة الموثقة عن الأصمعي أنه قال الشعر في الـ 50 بعد الـ 50. يعني النابغة الذبياني قال الشعر في الـ 50، فأجلسوه في سوق عكاظ يحكم في الشعراء، فربما حسان بن ثابت قال الشعر قبل النابغة أصلاً.
وجدوا شعره عالياً جداً فحكموا فيه؛ فربما جره هذا على النابغة الذبياني: والله إني لأشعر منك ومن أبيك. فقال له النابغة الذبياني -شوف ثقة الشاعر، وفي رواية أنه أخذ بيده- وقال له: يا بني، إنك لا تحسن أن تقول؛ فإنك كالليل الذي هو مدركي، وإن خلت أن المنتأى عنك واسعُ.
خطاطيفُ حُجنٌ في حبالٍ متينةٍ تمد بها أيدٍ إليك نوازعُ
تجمع الروايات تقول فطأطأ حسان رأسه ورجع القهقرى، وجلس مكانه. فطأطأ حسان رأسه ورجع القهقرى تقهقر إلى الخلف وجلس مكانه أمام: «إنك لا تحسن أن تقول». تعرفون لماذا؟ لأن حساناً فاهم، ولأن النابغة فاهم، ولأن الشعراء الفحول في أول صف أو صفين، الذين كان فيهم الأعشى والخنساء، فاهمون يعلمون أن حساناً لا يقول هذا.
السؤال هنا الخاص بقضيتنا، كان لابد من شرح هذا أو توضيحه. السؤال هنا: من أين حسان لا يقدر على هذا؟ لو استقرأت شعر حسان بن ثابت، تكاد لا تجد فيه تشبيهاً أو وصفاً مركباً هذا التركيب، تكاد لا تجد فيه وصفاً أو تشبيهاً مركباً هذا التركيب، ولا مختصراً هذا الاختصار. يقول له: ﴿فَإِنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي﴾.
الآن نحن نجيب عن كلام الدكتور، لم يبين كيفية الخروج. عبد القاهر أبان، بنى كتابه كله على شرح كيفية الخروج. الدكتور عايز يقول له: بص أهو خرج، أهو دلوقتي خرج، أهو عمل كده تك خرج، كيف الخروج؟ أن تدرس حيثية نص وحيثية نص، وأن توازن بينهما، هذا هو، هذا هو. يقول لك: لا يوضح الرجل هكذا، الرجل عبد القاهر -رضي الله عنه- لا يوضح الرجل كيفية الخروج من كلام البشر. أنا أرجو لو الدكتور أحمد حسن صبري عنده جواب عن هذا فليجب، لكن أن يقول: أنا لن أرد عليه ويذهب ويرد أو يتكلم عمن يعنفون عليه ويصيحون ويكفرون؛ أما الكلام العلمي لا يستطيع، وأنا أعلم أنه لا يستطيع. فلذلك هذا الكلام لكم أنتم وليس له، هو مستحيل يواجه هذا الكلام.
يقول: لا يوضح الرجل كيفية الخروج من كلام البشر إلى كلام الله، ولا طبيعة هذا التقصير وعجزهم عن نظم يشبه نظم القرآن. هذا الذي قلناه الآن، لو تتبعت شعر حسان لن تجد هذه الحيثية في التركيب. كيف هو يقول: فإنك -يا النعمان- فإنك والشاهد في البيت الثاني يا إخوة ليس الأول بالمناسبة، الشاهد في الثاني ليس الأول، يقترب حسان منه أو يأتي بمثله، الثاني يعجز عنه حسان -رضي الله عنه- يقول:
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسعُ
البيت الأول عالٍ جداً أيضاً، قد يعجز عنه أو لا يعجز، لكن يقيناً الثاني: خطاطيف حجن. يعني إيه؟ أول شيء تفهمه؛ لماذا أورد البيت الأول؟ لأن البيت الأول هو الذي يثير التساؤل، وتدرك منه ما اختصر وحذف في البيت الثاني. إيه ده؟ أنت تقرأ البيت الثاني ولا تدري بحذف؟ آه، حصل حذف. أي هي خطاطيف؛ لأن البيت الأول يثير سؤالاً، كيف؟ كيف أنه كالليل الذي هو مدركه وإن خال أن المنتأى عنه واسع؟ فقال: خطاطيف. أي هي تلك التي تدركني بها، هي خطاطيف حجن، يعني معقوفة هكذا.
خطاطيف حجن، وهذه كله أصلاً مجاز تمثيل. خطاطيف حجن، هذه الخطاطيف في حبال متينة، بجعل الحبال ظرفاً للخطاطيف -رضي الله عنكم- بجعل الحبال ظرفاً للخطاطيف، دل على أن الحبال كثيرة، ودل على كثرة الخطاطيف بتنكيرها: خطاطيف حجن. هذه الخطاطيف في حبال، لكن لم يقل هذه في، قال: خطاطيف حجن في حبال متينة. هذه الحبال تمد بها أيد، هذه الأيدي إليك نوازع. هذا التركيب هو الذي لا يقدر عليه حسان بن ثابت، اقرأ شعره كله ستعلم هذا.
خطاطيف حجن في حبال متينة تمد بها أيد إليك نوازع. خطاطيف حجن، هذه الخطاطيف في حبال متينة، هذه الحبال تمد بها أيد، هذه الأيدي إليك نوازع. عرفتم كيف تقرأون البيت؟ هذا التفصيل هو الجواب عن سؤال: ما هي كيفية الخروج من هذا المستوى إلى هذا المستوى؟ وهذا التفصيل هو الذي بنى عليه عبد القاهر كلامه وكتابه كله. عرفتم السفسطة؟ هو افترض أن الكتاب -وراجعوا مصطلح السفسطة- هو افترض أن الكتاب، افترض أقام شيئاً هو أن كيفية الخروج لابد أن يشار إليها بنفسها، وليس أنها صفة.
إذا ما الذي يعنيه ذلك؟ يعني أنه عند الموازنة بيّتنا نصاً في حيثية، بعد أن وازنا هذا الذي فعلناه، رأينا بيت النابغة الذبياني وقرأنا شعر حسان بن ثابت، فعند الموازنة بيّتنا، وضعنا نصاً معيناً في حيثية، ثم وضعنا نصاً آخر بتحليله في حيثية أخرى، ووجدنا أن إحدى الحيثيتين وقعت دون الحيثية الأخرى، وجدنا أن هذه هي كيفية الخروج، وجدنا أن إحدى الحيثيتين وقعت دون الحيثية الأخرى، خلاص. الميزان والقضية إذاً هي الموازنة والمفاضلة، ولا يوجد ما يسمى كيفية الخروج، كما توهم سفسطة الدكتور.
كيفية الخروج هي شيء يحكم به، ما هو الخروج؟ الخروج يحكم به بموازنة الحيثيتين بعد تحليل النصين. هذه الصيغة هي التي تخدعون بها على طول السنين الماضية؛ يقول لك عبد القاهر لم يبين، عبد القاهر لم يبين شيئاً، لم يقل شيئاً، حلل هذا وحلل هذا، ما هو التحليل؟ سيبين ما عندك، وهنا سيأتي السكاكي الذي يتعلق به الدكتور؛ سأكشف لكم أنه لم يقرأ السكاكي، أنا أعلم السكاكي جيداً وأقرؤه، وإن كنت أستقر في بلاغته التقريرية أكثر في الإيضاح، لكن أعرف تماماً ما قال السكاكي وأعرف كل شيء خالف به عبد القاهر، أو كيف ألف به كلامه ونظمه، وما الذي تركه من كلام عبد القاهر. وأنا أزعم -أزعم هي دعوى- أن الدكتور حسن صبرة لم يقرأ السكاكي ولم يقرأ عبد القاهر أصلاً، ولو كان قرأ فليتقدم وليتفضل. والدكتور بالمناسبة طلب جهاراً قال: أريد أحداً من علماء البلاغة ومشايخ البلاغة أن يناظرني علناً في مسألة إعجاز القرآن البياني، وأنا أتقبل دعوته، أنا أقبل دعوته إذا أراد، وله مني كل الاحترام والتقدير، ولن يكون في المناظرة هذا الغضب ونحن نتكلم، إن شاء الله نعم.
إذاً يا إخوة، كلمة الخروج هي الوصف الحاصل اللاحق بالنص الذي فاق نصاً آخر بعد التحليل والموازنة وتبييت كل نص في حيثية؛ حكمنا بالخروج، وليس الخروج فعلاً مستقلاً ينظر فيه، الخروج هو وصف يلحق النص الذي لم يستطع صاحبه أن ينقله من حيثية هي الدون إلى حيثية هي الأعلى، هذا هو. كما نقول مثلاً نص النابغة على نص حسان فنصفه بصفة العلو، ما هو العلو؟ هو الصفة اللاحقة، صفة العلو كما الخروج في الإعجاز في العلو الفني، لما نقول نص النابغة قد على نص حسان، فصفة العلو هي الصفة اللاحقة بالنص الذي كان في رتبة أعلى. فكلام الدكتور هنا تشغيب أو سفسطة، ليس لا يقوم على قدم وساق. هذه العبارة التي تخدعون بها: "لم يبين كيفية الخروج"، وأنت: "آه صح لم يبين كيفية الخروج"، الخروج هو ما فعله عبد القاهر، التحليل والحيثية.
ثم شيء آخر، عبد القاهر بنى كتابه على بيان كيفية، هذا شيء وقع فيه الدكتور حسن صبرة كثيراً، كان عبد القاهر أقام كتابه ليدلل على أنه معجز فوق إعجاز أو فوق بلاغة كلام البشر، عبد القاهر بنى كتابه لبيان المدخل، لبيان الميزان والمعيار وهو النظم، بدليل أنه أقام كتابه لينقض كلام القاضي عبد الجبار الهمذاني، فلم يقم كتابه للموازنة بين القرآن والشعر؛ لأنه بعد قليل سيذكر ما أحصاه محمود شاكر أنه أتى بـ 151 آية وأتى بأشعار بعدد كذا، وهذا لا يكفي أنها آيات قليلة لإثبات أن القرآن معجز، يوهم بأن عبد القاهر أقام كتابه على إثبات أن القرآن معجز. عبد القاهر يا دكتور، وهذا ينبغي أن يكون منك على ذكر لأنك أكاديمي وبلاغي أكاديمي في البلاغة أو كنت أكاديمياً الله أعلم، عبد القاهر كتاب الدلائل قام على بيان الدلائل، ما هي الدلائل؟ بيان الميزان، وليس على استعمال الميزان بعد ذلك، قام على إثبات أن هذا هو الميزان بدليل أنه أقام الكتاب كله في الرد على من قال باللفظ دون المعنى، ومن قال بالتلاؤم، ومن قال بكذا ومن قال بكذا، حتى الموازنة النحوية أبطلها، وأما الكلام على أنه ليس بالمعنى المجرد، فهذا موجود في هذا، بناء كتابه أصلاً الرسالة أو الرسالة الشافعية، والله أعلم تعرف هذا أو لا.
قال: كل ما يقدمه على عبد القاهر، يقول: كل ما يقدمه كلام عام قد يكون مقبولاً، الله يرضى عليكم. قال: كل ما يقدمه كلام عام قد يكون مقبولاً في مقدمة الكتاب، مع أنه وعد أنه لن يستخدم كلمات مثل خصوصية، لأنه نقل كلام عبد القاهر، لا يكفي أن تقولوا إنه خصوصية في كيفية النظم وطريقة مخصوصة في نسق الكلام بعضها في نسق الكلم بعضها على بعض، حتى تصفوا هذه الخصوصية وتبينوها وتذكروا لها أمثلة. قال: وهو كلام دقيق ومنهجي لولا أن عبد القاهر لم يطبق، فوقع فيما لام غيره عليه.
الدكتور لا يفرق بين مجمل الخصوصية والتفصيل والتحليل وهو ما فعله عبد القاهر فعلاً؛ عبد القاهر يقول: لا تقل إنها خصوصية، اشرح هذه الخصوصية، هذا ما فعله عبد القاهر باب الخبر والكلام في "الذي" والكلام في "إن" والكلام في الفصل والوصل، هذا كله شرح للخصوصية. يعني مثلاً عبد القاهر يقول لك لما يعجبك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ لا تقل إن الروعة التي أجدها في هذا، وأن الهزة التي تأخذ نفسي، وأن الرهبة، وأن الخوف الذي ينتاب النفس من الشرك لما نسمع قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ أنه خصوصية في كيفية النظم وطريقة مخصوصة في نسق الكلام؛ لأنه لا يكفي أن تقول هذا حتى تصف هذه الخصوصية وحتى تبينها. هذا ما فعله الدكتور؟ يزور كلام عبد القاهر. كيف قال عبد القاهر؟ قال إن "الجن" مفعول أول، هذا يشرح الخصوصية. الآن ما الذي حصل؟ قال إن "الجن" مفعول أول، وإن "شركاء" مفعول ثان، و"لله" متعلق المفعول الثاني، فالذي حصل أن ما بعد جملة "جعلوا" -طبعاً جعلوا هذه جملة- ما بعد جملة جعلوا -يعني فعل وفاعل- ما بعد جملة جعلوا قلب تماماً عما هو العيار النحوي؛ كما يقال حصل فيما يسمونه صدمة أسلوبية في بعض الدراسات اللسانية الحديثة، صدمة أسلوبية.
خلاص، كيف صدمة أسلوبية؟ أصل الكلام: وجعلوا الجن شركاء لله. قال: وجعلوا الجن شركاء لله، هذا الأصل لو تكلمنا نحن. لكن ما الذي حصل؟ ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾. فكان كون الجن شركاء لله على تعيينهم أنهم الجن، هو أهون شيء، كان كون الجن شركاء أهون شيء، يعني أن يكون عين الجن هم الشركاء كان أهون. تخيلوا كيف حصل هذا بالتقديم والتأخير الذي هو خصوصية. لم يكتف عبد القاهر بأن يقول الآية فيها خصوصية، بل شرح الخصوصية. كيف لم يفهم الدكتور هذا؟ كيف لم يفهم هذا؟ كيف ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾؟ أصل الكلام: وجعلوا الجن شركاء لله. أنا أسألكم سؤالاً وأجيبه بنعم أو لا، في أصل المعنى سأستعمل الآن مصطلحات عبد القاهر أو مصطلحات استعملها عبد القاهر وستفهمونها: وجعلوا الجن شركاء لله، وجعلوا لله شركاء الجن، بنفس الإعراب مع القلب قلب المواضع، هل حصل اختلاف في أصل المعنى؟ هل حصل اختلاف في أصل المعنى؟ أصل المعنى، أصل المعنى، أحسنتم، لا اختلاف في أصل المعنى، ولكن وقعت معانٍ فنية زائدة. بماذا؟ لما قدّم. أحسنتم، الأصل واحد ولكن الغرض مختلف. كيف؟ سنفترض أننا نتكلم -لا أقول سأعمل بالعقل يعني أنني أفكر بالكلمة فليس أنها آية أنا أتكلم بها الآن- خلاص: وجعلوا وقبل أن أقول الجن استحضرت أنهم جعلوا ذلك لله وجعلوا شركاء ولكن الشراكة هذه لله، فاستعظمت ذلك، فقدمت الكلام فقلت: وجعلوا الجن.. لا، وجعلوا شركاء الجن، فصار أعظم شيء في الكلام أن تكون الشراكة لله، وكان أهون شيء إن كانت الجن، لا يختلف لا بر إذا كانت الجن أو النجوم أو الأصنام، كله واحد عند الألوهية، فجعلوا لله شركاء الجن.
وعبد القاهر هنا يقول لك لم لم يشرح الخصوصية؟ عبد القاهر استطرد جداً وقال: وفي ذلك وجه آخر، يا الله على عبد القاهر، قال في ذلك وجه آخر؛ أحسنت، المصيبة هو الشريك لله، كان ما كان ما أشرك به أو ما أشرك بالله، قال في ذلك شيء آخر، قال: كان الكلام فيه سؤال لما قال القارئ وجعلوا لله شركاء فكأنه قيل جعلوا من؟ فقال الجن. هذا والجن مفعول أول مؤخر، وشركاء مفعول ثان مقدم، ولله متعلق بمفعول الثاني مقدم على المفعول الثاني والمفعول الأول، أصل الكلام: وجعلوا الجن شركاء لله، فقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾. الدكتور حسن صبرة لم يقرأ عبد القاهر، وإذا قرأ ما قرأه لم يفهمه، يقول لك بعد كل هذا: عبد القاهر يقول لا يكفي أن تقولوا إنه خصوصية في كيفية النظم وطريقة مخصوصة في نسق الكلم بعضها على بعض حتى تصفوا هذه الخصوصية وتبينوها وتذكروا.
لها أمثلة، هذا ما فعل عبد القاهر، الرجل لم يقرأ عبد القاهر، الرجل لم يقرأ عبد القاهر أو قرأ شيئًا سطحيًا ولم يفهم شيئًا. عبد القاهر شرح الخصوصية. عجيب، عجيب! رأيت كيف اختزلك؟ قال لك بعيدًا عن التفاصيل، أنا أحتاج التفاصيل لأنك ادعيت أن عبد القاهر لم يفعل شيئًا، وعبد القاهر كتابه قائم على شرح الخصوصية. يقول لك لا تقل الآية فيها خصوصية، اشرح الخصوصية؛ هذا ما فعله عبد القاهر، يشرح الخصوصية طوال الكتاب.
أنا أستغرب كيف دكتور، أنا عارف أن هذا غضب ينبغي أن أكبح جماحه لكن لا أستطيع، كيف دكتور يكتب هذا؟ إلى متى سنجامل بعضنا يا إخوة؟ إلى متى سيكون الأكاديمي بهذا المستوى؟ وإن كان البعض يلمح أن لا نقول أكاديمي لأن القضية فيها كلام آخر. ما هذا المستوى؟ هذا كان دكتور بلاغة في جامعة أم القرى، هو كاتب على صفحته دكتور سابق في جامعة أم القرى. ماذا كان يشرح؟ الرجل لم يقرأ عبد القاهر، لا يعرف عبد القاهر، لا يعرف الكتاب أصلًا، يقول لك أين لم يشرح الخصوصية؟ لم يطبقه، أمال كان بيعمل إيه عبد القاهر؟ ماذا كان يفعل عبد القاهر؟ معلش، حظك نعرف كتاب عبد القاهر جيدًا. أنا أعرف هذا، يقول لا تغتر بالأكاديميين، بعضهم فيهم ما فيهم، وقد رأينا بعضهم في الجامعات، أعرفهم، أعرفهم، لكن سأظل أذكر وأحرج بأن هؤلاء ينبغي ألا يكونوا في الوسط الجامعي.
بعد ذلك هو يقول، حسن صبرة يقول: بعد ذلك يتحدث عبد القاهر عن إحساس العرب بالعجز عن أن يأتوا بما يوازي القرآن أو يدانيه أو يقع قريبًا منه، ويسأل عن ماذا عجزوا؟ عن معانٍ من دقة معانيها وحسنها وصحتها في المعقول، أم عن ألفاظ مثل ألفاظه؟ فإن قلت عن الألفاظ فماذا أعجزهم من اللفظ أم ما بهرهم منه؟ فقلنا أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه. قال: وهو تعليل ليس كافيًا لفهم الظاهرة القرآنية؛ فما هذه المزايا التي تتجاوز الكلام العام؟ ما هو أنت لم تسعَ إلى أن تعرف، لم تقرأ الكتاب يا أحمد حسن صبرة. أنت إذا قرأت الكتاب فهذه مصيبة. صدقني حينما أقول لم تقرأ الكتاب هذا أهون، إذا قرأت الكتاب وتقول هذا فهذه مصيبة.
نعم، قال: وهو تعليل ليس كافيًا لفهم الظاهرة القرآنية، فما هذه المزايا التي تتجاوز الكلام العام وتقنع المتلقي أن هذا النظم لا يستطيعه البشر؟ يقول ما هذه المزايا؟ الدكتور هنا يا إخوة لم يفهم، وانتبهوا إلى هذا لأن أثره سيظهر فيما يأتي، هو لم يفهم مدلول لفظ المزايا. يقول له: فما هذه المزايا التي تتجاوز الكلام العام وتقنع المتلقي؟ هو يفهم المزايا ربما أنها الوجوه النحوية الخاصة، يعني الصور النحوية. كل ما هي المزايا التي تجد في الكلام؟ يا إخوة كل تراكيب العرب موجودة حتى في كلام الصحف من جهة النحو، خلاص. ويدلك على أنه يفهم أنها الوجوه النحوية المجردة، يريد وجوهًا نحوية لا تستعمل أصلًا، يدلك على ذلك قوله بعد هذا: النظم وحده معزولًا عن كل ما سبق يقدر عليه البلغاء.
يقول النظم وحده معزولًا عن كل ما سبق يقدر عليه البلغاء، فهو يحسب المزايا هي مزايا علمية؛ يعني صور نحوية خاصة. الحق أن المزية يا إخوة، المزية تظهر في الموضع بالمجموع المتماهي، ليست بالصورة النحوية، الصورة النحوية تخدم تعلق المعنى. الصورة النحوية تخدم تعلق المعنى، وليس -افهموا هذا جيدًا- وليس الصورة، هو يحسب أن المزية كالتي حصلت في الآية: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ [الأنعام: 100]، ما المزية؟ المزية حصلت عن طريق في هذا النص بعينه تقديم "لله"، وليست المزية تقديم المتعلق على المتعلق، ليست هذه المزية، المزية تقديم "لله" على "شركاء" وتأخير "الجن" مع بقائها مفعولًا أولًا، هذه المزية هنا. هناك كلام آخر ستقدم وتؤخر بنفس الصفة النحوية ولا مزية ولا شيء، هو يحسب أن المزية في كتب النحو. المزية في تعلقات خاصة تعلقت بتوخي معاني النحو، وليست صور النحو، توخي معاني النحو في المواضع بأعيانها، في المواضع، لذلك يمكنك أن تأتي بعبارة أخرى بنفس الموازنة النحوية، نفس الوزن النحوي، وتقدم نفس التقديم والتأخير ولن يحصل شيء؛ لماذا؟ لأن الفكرة في تقديم عين هذا "لله" و"شركاء"، وليس في كل تقديم لمؤخر في العيار الأول. فهمتم؟ ليس من كل تقديم.
هو يقول ما هذه المزايا، ما هي المزايا في كل موضع يا أستاذ يا دكتور؟ المزايا بينها لك لما قال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: 100]. المزايا بينها لك لما بين لك الوجوه في ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 44]. المزايا بينها لك لما شرح لك الأبيات وشرح لك الآيات، لأن هذه مزايا تظهر في كل موضع، هذا معنى المزايا، هو يقول لك ما هي المزايا أخبرني عن المزايا، ما أنت خذ الشعر وخذ في القرآن من بابه وستعرف المزايا. هذه مزايا تستعمل تعلقات النحو، وليست المزايا في تعلقات نحوية ليست موجودة سابقًا، كل تعلقات القرآن وكل تعلقات النحو القرآني والأبنية الصرفية القرآنية، وكل تعلقات النحو في أشعار الشعراء وكل الأبنية الصرفية في أشعار الشعراء موجودة في كتب النحو والصرف. الفكرة ما الوجه الذي تستعمله في موضع وسياق وغرض بعينه لتنتج لك مزية؟ فهمتم؟ الفكرة في ما الذي تستعمله في موضع معين لتنتج لك مزية. هذا هو، خلاص.
فالحق أن المزية كما قلت تظهر في الموضع بمجموعه المتماهي، وأما التحليل؛ تحليل النص واستنباط الوجوه النحوية والعلل وما حصل من حذف وإثبات وتقديم وتأخير وتعريف وتنكير وكذا، وبناء صرف، وبناء مع بناء، بناء على ما لم يسمَّ فاعله، أو بناء إلى آخره إلى آخره، استعمال الجملة الموصولة والاستعمال بدون الموصولة، تأكيد بدون تأكيد، كل هذا هو الطريق إلى إدراك هذا التفاوت وهذه المزية، وليس هو عين المتفاوت، خلاص، وليس هو عين التفاوت ولا هو عين السبب، وإنما من حيث تعلقه بالمعاني، يعني النحو المجرد ليس هو موجودًا من حيث تعلقه بالمعاني. ولهذا كانت الموازنة الصرفة طريقًا لسقوط الشاعر غالبًا، لو أتى الشاعر بوزن وقاس عليه وأتى بكلام يسقط غالبًا لأنه لم يكن في حكم المعنى، وإنما كان في حكم النحو.
وأنا أضرب مثلًا بهذا، عنترة يقول: ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي فأنا جئت مثلًا وقلت: ولقد رأيتك والزهور نواصل ... عندي وحلو الشعر يقطر من فمي أعرف نفس الوزن، ما الفرق بينه في النحو؟ ما الفرق؟ ما الذي جعل "ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي" وبين "ولقد رأيتك والزهور نواصل عندي وحلو الشعر يقطر من فمي"؟ ما الفرق؟ التعلقات النحوية واحدة، لكن ما الذي تعلق؟ ما العلاقة بين المتعلقات نحويًا؟ ما الذي خدمه النحو في كل؟ فالدكتور يبحث عن مزايا هو اللي هيعرفها، الدكتور أحمد حسن صبرة لم يعرف عبد القاهر ولم يعرف نظرية النظم ولم يعرف كتب البلاغة، وهذا الكلام على مسؤوليتي لي غنمه إذا كان له غنم وعلي غرمه، وأنا مسؤول عنه، الدكتور لم يعرف كلمة من عبد القاهر، ولهذا سميت هذا المقطع كما رأيتم بماذا؟ ها ما اسمه؟ ها هو حسن صبرة وسقوطه المريع في فهم اصطلاح عبد القاهر الجرجاني، حسن صبرا وسقوطه المريع في فهم اصطلاح عبد القاهر الجرجاني، لأنه لم يفهم كلامه أصلًا، لم يفهم ما المزايا وما الخصوصية وما شرح الخصوصية، كتاب عبد القاهر كله مبني على شرح الخصوصية، يلا.
قال: فما هذه المزايا؟ هو مستني مزايا من كتب النحو والصرف، مستني نحو ما تشرحش قبل كده. ينتظر أن يستعمل القرآن وجوهًا نحوية لم يأتِ بها أحد، وإلا النظم وحده معزولًا عن كل ما سبق يقدر عليه البلغاء! هو يحسب أن النظم صورة النحو بدون الكلام، يحسب النظم تعلقات النحو دون الكلام الخاص في كل موضع، يعني الكلام الخاص في كل موضع، يقول فما هذه المزايا التي تتجاوز الكلام العام وتقنع المتلقي أن هذا النظم لا يستطيعه البشر؟ ثم إن نظم القرآن لا يمكن عزله عن نقده للعادات، إيه ده؟ ما هو نقد العادات هي النتيجة كما نقول الثمرة، ما هو ما هي نقد العادات عنده مش فاهم، عمال يأتي يعمل دخان ويأتي عند إثباته إعجاز القرآن يقول بكلام العامة. يقول: ثم إن سفسطة... ثم إن نظم القرآن لا يمكن عزله عن نقده للعادات ولا عن تأثيره في النفوس، ماشي، ولا عن مقاصده التي لا علاقة لها بمقاصد الشعر، أي كلام، ولا عن أنه وحي من الله.
طبعًا هو ينقل كلام بعض الرماني والخطابي في قضية نقد العادات وكذا، لكن موقع كلامهم غير موقع كلامه، وأنا أعرف ذلك جيدًا، ولا على أنه وحي من الله، ما هو أنت كيف علمت أنه وحي من الله بدون معرفة الوجه المعجز؟ هو يقول لك أنه معجز لأنه كلام الله، يا أخي أنت بتتكلم إزاي؟ درست ألف باء إعجاز، جدل، بحث، إثبات، منطق، يقول هو معجز لأنه كلام الله! إحنا نقول هو كلام الله لأنه معجز يا دكتور، يا بتاع العلم والمنطق والعقل، كيف تقول معجز لأنه كلام الله؟ كيف علمت أنه كلام الله؟ كيف آمنت بأنه كلام الله؟ فهمني يا دكتور أحمد، كيف علمت أنه كلام الله؟ أنا يأتيك -بلاش أنا- يأتيك شخص: هذا ليس كلام الله وليس معجزة، أثبت لي أنه معجز، تقول له هو معجز لأنه كلام الله! عيب يا دكتور أحمد، عيب الكلام ده، عيب، عيب على مستوى استقامة علمية يعني عيب، هو لا يقال عنده إلا عيب صراحة، عارف أنه كلمة شديدة لكن لا يقال إلا عيب، عيب. وإذا كانت الناس ستجامل بعضها فأنا لا وقت عندي للمجاملة، لابد أن يكون هناك واحد على الأقل يضع الشيء في نصابه يقول هذا يقال عيب، عيب. كانوا قديمًا إذا رأوا مثل ذلك قالوا: يأتي بلبسة العلماء ويسأل مسألة الصبيان، كانوا صريحين، يأتي بهيئة العلماء ولبسة العلماء وبشيبته ويتصدر المجلس ثم يسأل مسألة الصبيان، فهكذا أقول يا دكتور لما تقول القرآن معجز لأنه كلام الله ده اسمه في العلم عيب، عيب تقول كده، كخ عيب.
يقول لا يمكن فصله، فصل إعجازه عن كونه وحي، عن كون أنه وحي من الله. واحد بينكر يا سيدي، افترض أنا جيت قلت لك ليس وحيًا من الله، أثبت لي أنه وحي من الله في المناظرة، أثبت لي أنه وحي من الله، ما أكثر ما تدعي العلمية وأنت أبعد من وجدت عنها، سبحان الله! عجيب أمر الدكتور أحمد حسن صبرا، عجيب.
قال: النظم وحده معزولًا عن كل ما سبق يقدر عليه البلغاء، فش، فش معنى، فش عنده شيء، لكن هؤلاء لا يستطيعون جلب كل العوامل الأخرى معه. ما العوامل الأخرى يا دكتور؟ هؤلاء يعني البلغاء لا يستطيعون جلب العوامل الأخرى مع القرآن، ما العوامل الأخرى؟ هذا نقد العادات، ما نقد العادات؟ وأنا سألت هذا من قبل في محاضرات سابقة، تأثير النفوس، ما هو معجز يؤثر في النفوس، مش فاهم أنه وحي من الله، مصادرة على المطلوب. أنا أخشى أن أكون بحرق دمي وصحتي على الفاضي يعني، كلام فارغ في الأخير، لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا يضايقني.
قال: لكن هؤلاء لا يستطيعون جلب كل العوامل الأخرى معه وبهذه الهيئة التي ظهر بها القرآن في بيئة العرب. ما هي الهيئة؟ فين الهيئة؟ مش فاهم، يعني إيه الهيئة يا دكتور؟ يقول: وبهذه الهيئة التي ظهر بها القرآن في بيئة العرب. إيه هي الهيئة؟ وفي هذا تحداهم فيما أظ... في إيه؟ هذا ماذا؟ أنا مش فاهم حاجة، والله ما فاهم حاجة ها. يقول: لكن هؤلاء لا يستطيعون جلب كل العوامل الأخرى معه وبهذه الهيئة التي ظهر بها القرآن في بيئة العرب. فين الهيئة؟ إيه هي الهيئة؟ وفي هذا تح... في ماذا؟ هذا ماذا؟ وفي هذا تحداهم القرآن فيما أظن. ولا أدل على ذلك... أدل على إيه يا دكتور بس؟ أنا أنت جبت إيه عشان يستدل عليه يا دكتور؟ عيب يا دكتور تعبتني، ولا أدل على ذلك من أن بعض البشر يستطيعون نظمًا لا يقدر عليه إلا القلة فيما يشبه الإعجاز. مصادرة على المطلوب، مصادرة على المطلوب.
وانظر إلى مقامات الحريري على سبيل المثال، كما انظر... كما انظر يعني كما انظر إلى هذا البيت الذي يعرف سره كثيرون: مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم؟ إذا حصرنا أنفسنا في دائرة النظم فهذا كلام معجز أيضًا في نظمه، تحدثنا عن هذا خلاص، وقلنا الذي تعلم أسبابه وأنها تتحقق للأناس من حيث كونهم بشرًا، وأن الصفات التي فيهم تكون كذلك، لا يكون إعجازًا، وتحدثنا عن هذا كثيرًا. أنا أعجز عن بناء حائط دون أن يكون معوجًا، لماذا؟ لم أنشئ بناء، لم أنشئ بناء. فهل بناء الحوائط إعجاز؟ لا، لماذا؟ لأنني أعلم الأسباب وأنها كان يمكن أن تكون في، لكنها أسباب بشرية، لكن إذا بانت الأسباب غير بشرية، يعني ما الفرق بين شعر امرئ القيس مثلًا -دائمًا يضربون المثل بامرئ القيس لأنه عند الجمهور أعلى الشعراء- خلاص، فيقولون طب ما أنت عجزت عن شعر امرئ القيس، نقول لكنهم يعلمون أن أسباب ذلك بشرية، لكن القرآن أسبابه غير بشرية، حتى لو علمت أنك لن تحصِ، أصل أسباب امرئ القيس هي بالأصل بشرية، كان يقدر أن تكون فيك من حيث كونك بشرًا.
لكن الأسباب التي وجدوا عليها القرآن ليست بشرية، وجدوها تخرج عن طبيعة البشر سواء رزقوها أو لم يرزقوها، فكلام فارغ، وإذا كان هناك إعجاز في مقابل إعجاز؛ فتلك القضية منطق. أحلى حاجة المنطق، أحلى حاجة المنطق عند الدكتور، يا سلام، وإذا يا دكتور عيب. أنا أشعر بإهانة لما أكون رجلاً مشتغلاً بالعلم من طفولتي، وأجد أحداً يخاطبني بهذا المستوى، أشعر بإهانة. والله كن خصماً شديداً وخالف في أصول الأصول، لكن احترم عقلي، والله سأحاور الحديث معك، إنما توافقني وتستدل على ما أريده حتى أنا بمثل هذا، فالفظ هذا جداً، الفظ هذا جداً.
قال: لكن إعجاز القرآن أوسع مدى من النظم. ما هو ما أنت عمال تقوله ما عندكش حاجة تقولها. أوسع مدى من النظم؟ ما هو المدى الواسع الزائد على النظم؟ لا أحد لديه سليقة لغوية سليمة ينكر أن القرآن في الذروة العليا من الفصاحة، لكن الإنكار كل الإنكار أن تكون هذه الفصاحة وحدها معجزة للبشر، والدليل هذا البيت أحلى دليل، أحلى دليل يا دكتور في تدليله على إعجاز القرآن. بعض المواطن لا أجد إلا أن أواجهها بشيء من المزح والتهكم؛ ماذا هو مقامه كذا؟ يعني مقام الكلام كذا؟ ولا ننطق نموت؟
في تدليله على إعجاز القرآن البلاغي يأتي عبد القاهر بشواهد من القرآن والشعر، اللافت للنظر وبحسب إحصاء الشيخ شاكر محقق الكتاب، الأستاذ محمود شاكر، وبالمناسبة الأستاذ محمود شاكر كان يكره أن يقال له شيخ، كان يكره، وآذى من قال له شيخ، وتوعده، ما كان يحب أن يقال له الشيخ، نعم كان يقول لك الشيخ هو الباقوري، الشيخ أنا لست شيخاً. لكن لأنه يدافع عن القرآن ألحقوا به المشيخة، ويدافع عن العربية والدين فقالوا شيخ، والناس عندهم أي أحد يتخذ هذه وكان الذي لا يوصف بأنه شيخ أو لا يحب أن يوصف بأنه شيخ هو لا يمكن أن ليس له أن يدافع عن القرآن، لازم تكون شيخ عشان تدافع؟ والله هناك شيوخ يؤذون القرآن أصلاً بجهلهم، هناك شيوخ يؤذون القرآن بجهلهم نعرفهم موجودون عامة في العلوم للأسف أو في الأبواب التي يتكلمون فيها ويتجرؤون عليها واسمهم شيوخ.
المهم هو قال الشيخ شاكر، لكن أنا لا أحسن الظن بأحمد حسن صبرا لما قال الشيخ شاكر، يحاول أن ينزعه من الأستاذية والحياة العلمية الصرفة إلى المشيخية، إلى الإسلام، إلى الدين من جهة المشيخة حتى يحصره مع الدينيين عنده الذين يتحمسون دينياً، فهمتم المقصود؟ الشيخ شاكر لا، هو الأستاذ محمود شاكر، وهو قائم على القرآن، قائم على محاربة الأفكار الدخيلة المفسدة في الدين وفي الثقافة العربية الإسلامية. وهو أستاذ لكن أنت لا تريد أن يكون أستاذاً حتى لا ينازعك في الوسط الثقافي، تريد أنت أن تحصره، لا يحسن الظن، تريد أن تحصره في الوسط الديني ليسهل ضربه، ليسهل ضربه. تعال أنا بقى مش الشيخ خالص، وها أنا أقول لك أخرج ناقشني في هذا، ناقش كلامي لك في هذا وقد احترمتك وقرأته كاملاً.
وبحسب إحصاء الشيخ شاكر محقق الكتاب، أن شواهد القرآن التي ذكرها الجرجاني 151 شاهداً، بينما بلغت شواهد الشعر أكثر من 550 شاهداً. قد لا يكون التفاوت الكبير في الحضور الكمي بين شواهد القرآن والشعر له أهمية في نفي الإعجاز البلاغي أو إثباته، المهم كيف استطاع عبد القاهر بشواهد القرآن القليلة نسبياً إثبات تفوقه في النظم على الشعر؟ يا نهار أبيض! الدكتور نسي أو جهل أن عبد القاهر كان في معرض التمثيل والاستدلال على المعيار، وكما شرحت هذا وبينته، وليس في معرض الموازنة بين القرآن وغيره من الكلام كالموازنة بين أبي تمام والبحتري مثلاً أو بين المتنبي وخصومه. هو كان في التمثيل للقاعدة فهمتم، وليس في معرض استقصاء القرآن. كيف جهل الدكتور صبرا أن عبد القاهر كان يمثل، وأن استدلاله من الأول كان عقلياً، لا سيما في الرسالة الشافية؟
الرسالة الشافية تعتبر بالمناسبة للأخوة، الرسالة الشافعية يمكن أن تعدوها مدخلاً للدلائل، مدخلاً للدلائل يعني قراءة سابقة على الدلائل، لأنه يبني كتابه الدلائل على نظرية النظم، أما تحريرها ونفي الصرف ونفي المعنى المجرد، هذا كله أقامه في الرسالة الشافية هذه المطبوعة في آخر الدلائل بطبعة محمود شاكر، الرسالة الشافعية في الأخير، آخر شيء تماماً قبل الفهارس، هذه تعد مدخلاً لعبد القاهر، نعم للدلائل، يعني وللأسفار أيضاً، لكن الدلائل طبعاً رقم واحد. مستقر البث يا إخوة معكم؟ تمام.
قال: ولهذا أثيرت قضية لماذا مثل عبد القاهر بآيات بعينها؟ وقيل ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: 44]، ها، فالفكرة، الجواب هو ماذا؟ أن الشرح عليها أظهر، يعني بعضهم أثار هذا السؤال لماذا يشرحون آيات معينة وأشعاراً معينة؟ أن الأشعار ونفعل هذا في الشعر أن هذه النصوص الشرح عليها أظهر، لكن تتساوى في البلاغة مع سائر القرآن هذه النصوص القرآنية المعينة المشروحة، يعني وقيل يا أرض ابلعي ماءك يسهل شرحه أكثر من سورة الفاتحة مثلاً بالمناسبة، أكثر من سورة الفاتحة.
قال: أم، لا بد أن أشهد بدءاً أن الجرجاني يعز نظيره في التحليل الأسلوبي، فكثير من اختياراته الشعرية تنم عن ذوق رفيع وإدراك لدقائق الأمور والفروق بين نظم وآخر قد لا يستطيعه كثيرون، هكذا قد لا يستطيعه كثيرون. وراجع وقفته أمام كلمة أخدع أو كلمة شيء، حين تستخدم أحياناً في نظم يعلي من مزاياها أو نظم يحط بها، وراجع وقفات أيضاً لكثير من الشواهد الشعرية، مثل وقفته أمام استعارة يد الشمال التي أتت في بيت لبيد أو الأبيات الجميلة، أفي يمنى يديك جعلتني أو فلو إذ نبأ دهر وغيرها، وكل هذا في الذروة العليا من الإحساس بالجمال.
لكن وقفته أمام شواهد القرآن هي المشكلة، لقد كان عليه أن ينتبه إلى أن الدور الأكبر عليه في تحليل شواهد القرآن هو إثبات إعجازه البلاغي، أن يضع يده على الفارق الجوهري العظيم والمعجز بين نظم القرآن ونظم البشر، لكنه لا يفعل، بل يكتفي بعبارات عامة يحيل بها، ما زال الدكتور يدور في أن الفرق لن يكون في الطبقة الحيثية التي وضعت فيها بلاغة النص المعين وإنما نريد حداً نقول: آه أنت هنا دخلت في الإعجاز، تك، الإعجاز يشعر بعد تحليل النص، وهذا كلام السكاكي يا إخوة، سنأتي الآن.
قال: لقد كان عليه أن يتنبه إلى أن الدور الأكبر عليه في تحليل شواهد القرآن هو إثبات إعجازه البلاغي، أن يضع يده على الفارق الجوهري العظيم والمعجز بين نظم القرآن ونظم البشر، لكنه لا يفعل، بل يكتفي بعبارات عامة يحيل بها إلى التأثير في المتلقي، مطمئناً أن المتلقي سيحدث فيه التأثير نفسه الذي أحدثته الآيات في عبد القاهر. ما هو يا دكتور أحمد لما آتي بقصيدة للنابغة وألقيها، وهي مجمع عليها عند العرب، وألقيها على واحد من عصرنا ولم يحدث فيه التأثير، المشكلة عنده، إذا لم يحدث فيه التأثير بالشعر عالي، المشكلة عنده، ولذلك السكاكي قال، السكاكي يا دكتور تحتفي به ها، قال مرجع الإعجاز إلى الذوق، ذوق النص، وليس بكل ما تذكره وتدور حوله وأنت لا تعرفه.
قال: لكنه لا يفعل، بل يكتفي بعبارات عامة يحيل بها إلى التأثير في المتلقي، مطمئناً أن المتلقي سيحدث فيه التأثير نفسه الذي أحدثته الآيات في عبد القاهر، انظر مثلاً إلى تحليله الاستثنائي لآية ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود: 44] قوة هذا التحليل لا تخفي الفجوة الهائلة فيه، فخصائص النظم في هذه الآيات كما يقول تملأك بالإعجاز روعة، وتحضرك عند تصورها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها، وهي عبارة تكفي لإثبات دعوى هائلة مثل الإعجاز البلاغي للقرآن. إن إعجاز النظم أو البلاغة لو وُجد يقول هو ينكره، إن إعجاز النظم أو البلاغة لو وُجد يحتاج إلى أدوات كثيرة من في التحليل وإلى مقارنات عميقة بين أشكال مختلفة من النظم، وإلى تجرد وحيادية كاملة لا يستطيعها عبد القاهر ولا غيره.
نستطيعها؟ أنت الذي لم يستطعها، لم تستطع أن تتجرد من فكرتك حتى أنك اختزلت ولم تقدم أي دليل سبحان الله، ونحن قدمنا على أنفسنا والأدلة على أنفسنا وافترضنا كل الافتراضات، بل أنت تقول القرآن معجز لأنه كلام الله، ونحن نقول لك ليس الأصل، الأصل أنه كلام الله، الأصل أنه ليس كلام الله إلا أن يدل الإعجاز والبرهان على أنه كلام الله، أن يدل البرهان على أنه كلام الله سواء كان إعجاز أو وجوه أخرى، لكن أنت تقول معجز لأنه كلام الله؟ كلام غلط، الإعجاز برهان على أنه كلام الله، وليس أنه لأنه كلام الله فهو معجز، اعش يا دكتور.
قال: وإلى تجرد وحيادية كاملة لا يستطيعها عبد القاهر ولا غيره وإلا أدخلوه في دائرة التكفير مثل ما فعل معي بعضهم هنا. يقدم عبد القاهر أيضاً تحليلاً رائعاً للآية ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: 4]، لكنه يكتفي بالتحليل دون إثبات الإعجاز، ويفعل هذا أيضاً مع سورة الفاتحة. وحين تأتي إلى تحليلاته لشواهد الشعر التي يختارها بعناية، ستجد أنه لا فرق عنده بين نظم القرآن ونظم الشعر، وإن لم يصرح بهذا بوضوح. عرفتم كيف ينظر؟ قلت لكم مصيبة ستأتي، قلت لكم لما شرحته هذا سيأتي في كلامه مرة أخرى، هو يحسب النظم الصور النحوية وليس التعلقات المعنوية، لم يفهم عبد القاهر يا إخوة، أحمد حسن صبرا لم يفهم عبد القاهر أصلاً، أعرف الكلام صعب أن يقال لكن لا بد واحد على الأقل يقول له هذا، لم يفهم عبد القاهر أصلاً.
فهمتم الكلام هنا يا إخوة؟ يقول يعني أنا مثلاً لما شرحت لكم ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: 100] فقلت قدم المتعلق على المتعلق صح، طيب ولما أشرح مثلاً بيت امرئ القيس: كذبت لقد أصبي على المرء عرسه، يعني أصبي عرس المرء عليه، أيضاً حصل تقديم وتأخير، أو يضيء الفراش وجهها لضجيعها، يضيء الفراش وجهها، الفراش مفعول به مقدم وجهها فاعل مؤخر، أصل الكلام يضيء وجهها الفراش، هو سيقول ما الفرق بين هذا التقديم والتأخير والذي في القرآن، كذلك الوجوه التي تذكرها في الشعر هي التي تذكرها في القرآن فلم تبين. الفروق ليست في التقديم والتأخير بل في المقدم والمؤخر، وفي الأثر المترتب على التقديم والتأخير. الدكتور لم يأخذ ألف باء عبد القاهر، لم يدرس ألف باء عبد القاهر، كيف وصل إلى مرحلة دكتور؟ أنا الآن بالفعل لا أصدق يعني كيف وصل إلى مرحلة دكتور؟ هل سرق الرسالة؟ أنا ما أعرفش، أنا أسأل لأني أراه لا يعرف أصلاً ما معنى الوجوه والمزايا، في تقديم وتأخير وفي كذا هو يحسب الوجوه أشياء أخرى، فهمتم المصيبة؟
الفرق في الوجوه في حيث قطاع تدرك بالحس، وخذوا عندكم هذه المفاجأة، يتعلق الدكتور بالسكاكي كثيراً، ويقول لك السكاكي، السكاكي، السكاكي يصرح بأن الإعجاز البياني يدرك بالحس، يعني السكاكي صرح بالذي ينتقده الدكتور الدكتور صبرا على عبد القاهر، ولم يصرح به عبد القاهر، يعني عبد القاهر يعتبر قطع أصلاً شوطاً على السكاكي مع أن السكاكي جاء بعده لكنه قال هو يدرك بالذوق، ذوق النص، ويحلل كما عند عبد القاهر، ففي الأخير السكاكي يقول بالإعجاز ويقول لك يدرك بذوق الكلام، يعني تجاوز حتى مرحلة الوجوه النحوية اختزلها، السكاكي اختزلها، فليس فقط تجاوز حتى الوجوه النحوية تجاوز حتى التعلقات المعنوية.
والعلة هي تعلق المعاني عن طريق النحو وليس صور النحو. العلة، احفظوا هذا واكتبوا هذه العبارة: العلة هي تعلق المعاني التي اجتلبت لها صورة النحو، وليست العلة ذات صورة النحو. مرة ثالثة واكتبوها: العلة هي تعلقات المعاني المخصوصة التي اجتلبت لها صورة النحو، وليست العلة عين صورة النحو، وإلا فكلام العرب كله مشترك في التعلقات النحوية، في صورة النحو كلام العرب كله مشترك في صورة النحو، وبذلك كان القرآن عربياً، قرآناً عربياً، يعني على ألفاظ العرب وقانون نحو العرب، فما الذي رفع القرآن؟ خصوص تعلقات المعاني التي اجتلب لها النحو، فهمتم؟
ولذلك يخدعك الملحد أحياناً أو المنكر للإعجاز وإن لم يلحد، وهذا ارتكبوه معي كثيراً في رسائل خاصة قديمة، يقول يا أبا قيس ما الإعجاز في ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 1-3]، فيشرحونها نحوياً وأنا أعلم بنحويتها منه، فيقول أين الإعجاز هنا؟ نحو عادي، فردي عليهم كان أحياناً ماذا آتي لهم بتقديمات وتأخيرات وحذف وكلام سفيه، بسبب أن هذه التقديمات والتأخيرات والحذف لم يحتجه الكلام الذي قلته، فإذاً ليست بالنحو، بل بما اجتلب إليه النحو، والذين لا يفهمون النظم يفهمونه نحواً ك وهم من العوام طبعاً دكتور، العوام يفهمون النظم ويفهمون ربما أحياناً من القراءة الأولى لكلام عبد القاهر أن النحو هو صورة، أن توخي معاني النحو كما عبر عبد القاهر هو صورة النحو المجرد، لا النظم، التعلقات الخاصة للمعاني التي اجتلب لها النحو أو تعلقت عن طريق النحو.
من الذي يفهم أن النظم هو النحو محضاً لا بتعلقات المعاني الخاصة؟ العوام، ومنهم الدكتور، أنا أذكر أحدهم في مرة اتصل بي ممن يحاول الشعر يعني وقال يا أبا قيس يعني اجتمعت أنا وبعض الإخوة الأدباء أمس وتناقشنا في كلامك ولكن يعني نقدنا عليك شيئاً، قلت له ما هو؟ قال: أنك تجعل النظم هو محض المعيار المعنوي مع أنك لو نظرت إلى.
الشاعر وهو يقول كذا سترى أنه جاد لأجل أنه أتى بهذه اللفظة هنا. قلت: ما رأيك لو قلت كذا؟ قال: لا، وحشة، سيئة. قلت له: ألم آتِ بالمعنى؟ قال: نعم. قلت له: إذاً هذا النظم؛ أنه وضع هذه الكلمة هنا التي أعجبتك. قال لي: آه صح. قال: وإنه قال كذا ولم يقل كذا، هذا معنى. قلت له: هذا النظم. قلت له: كذا وكذا معناها في الأصل واحد. قال: نعم. قلت: لماذا اخترت الثاني؟ قال: لأجل كذا. قلت: هذا النظم.
تنسيق المعاني عن طريق النحو. فالعامة يحسبون أن النظم هو النحو، وهذا غلط. لابد أن أنتهي لأني تعبت.
أيضاً يبدو الدكتور لم يقرأ مفتاح العلوم للسكاكي. حين تأتي إلى تحليلاته لشواهد الشعر التي يختارها بعناية، ستجد أنه لا فرق عنده بين نظم القرآن ونظم الشعر، وإن لم يصرح بهذا بوضوح. أصل النظم المعجز هيجي من كوالالمبور؟ لازم يجي من غينيا مثلاً؟ يجي من جزر الواوا؟ نظم ما ينفعش يبقى عربي عادي! راجع مثلاً تحليله لبيت بشار الشهير: كأن مُثار النقع فوق رؤوسنا، وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه.
تتبع الألفاظ التي يستخدمها في التحليل، لن تجد فروقاً هائلة بينها وبين الألفاظ التي يستخدمها في تحليل الآيات. النبي لازم يجيب ألفاظاً ثانية؟ ما هي بلاغة يا دكتور! يقول لك تتبع الألفاظ التي يستخدمها في التحليل، تحليل بيت بشار، لن تجد فروقاً هائلة بينها وبين الألفاظ التي يستخدمها في تحليل الآيات. بجد لازم ألفاظ ثانية؟ لكن جوهر التحليل واحد. يقول: صحيح أن عبد القاهر يتجنب ألفاظاً مثل الروعة والهيبة وغيرها في تحليل الشعر، لكن جوهر التحليل واحد. التحليل واحد لأنه لغة وعربية.
الحمد لله رب العالمين، الحمد مبتدأ، ولله خبر. سبحان الله، شوف الصدف! أصل الحمد لفظة عربية، وأنت لفظة عربية. الإنسان ده زي البني آدم لما بيتوفى بيموت. لا إله إلا الله. صحيح أن عبد القاهر يتجنب ألفاظاً مثل الروعة والهيبة وغيرها في تحليل الشعر، لكن جوهر التحليل واحد. إزاي؟ لازم يطلع زيت في التحليل مع النص المعجز؟ لازم يطلع زيت؟ الشيخ خالد بيخي رضي الله عنك يا مولانا، نعم متعب؛ لازم يطلع زيت يا مولانا أو يطلع مادة كيميائية مختلفة. ما فيش يا دكتور، ما فيش، ما هو تحليل لغوي يا عم.
يعني إيه جوهر التحليل واحد؟ تحليل الآيات زي تحليل الشعر، عايزه يجيب ألفاظ منين؟ يعني فهمني من غابات الأمازون؟ ما الفاعل هو الفاعل، المفعول هو المفعول، التقديم هو التقديم، التأخير هو التأخير، الحذف والإثبات هو الحذف والإثبات، التعريف والتنكير هو التعريف والتنكير، البناء للمعلوم والبناء للمجهول، ما يسمى فاعله؛ هو كله واحد، كله واحد. قواعد النحو التي يعرب بها القرآن هي قواعد النحو التي يصححون بها مقالات صحافية. في إيه؟ ليه تزعلنا على نفسنا؟
إن ضيعنا وقت في الكلام ده يا دكتور، أنت من العوام، أنت عامي. يعني أنت طالع دكتور وبتتكلم في إيه؟ ما تعرف مكانك! حتى مهما كنت، أنا محتاج أتعلم، محتاج أتعلم، شوف حد يدرسك متناً في البلاغة وينشاقك في الكتب لحد ما تسمع عبد القاهر أو تقرأه. الكلام ده ما فيش يا دكتور، ما عندك شيء نهائي. كلامي صعب عارف، بس دي الحقيقة ولازم تتقال، ما عندك شيء إطلاقاً، التصور ما فيش.
لكن جوهر التحليل واحد وهو أمر مضطرد في كل وقفاته أمام الشعر. هيجيب لك منين؟ مش فاهم! ما هو طبيعي، كان الرجل عبد القاهر رضي الله عنه كان يقول من حيث لا يدري، أو ربما يدري -يا عيني على عبد القاهر الله يرحمه في قبره- ما كانش يعرف إن حد هيحصل كده يقول: كان الرجل يقول من حيث لا يدري أو ربما يدري أن النظام البلاغي بين القرآن والشعر واحد. بل هذا يا دكتور ما اجتهد عبد القاهر في إثباته! من أين أتيت؟ يقول لك: كان الرجل يدري أو لا يدري أن هو يثبت أن النظام البلاغي بين الشعر.. ما هو النظام واحد!
ما هو النظام واحد. الفرق حيثية؛ لما نقول القرآن معجز في الآية، في البترول، في الكيمياء، معجز في الفيزياء، معجز في البلاغة؛ يعني في حاجة اسمها بلاغة معجز فيها بالتفاوت، لابد يكون النظام البلاغي واحد يا دكتور، أنت بتضحك على مين؟ بتكلم مين؟ ولا أنت مضحوك عليك؟ يا دكتور، أنت بتضحك على حد ولا أنت نفسك مضحوك عليك؟ كان الرجل من حيث لا يدري أو ربما يدري أن النظام البلاغي بين القرآن والشعر واحد. لم يقدم الجرجاني ما يقنع بأن هناك فروقاً إعجازية بين الاثنين. لم.. ما إحنا قلنا الحيثية. لم يصل إلى اللحظة التي يقول فيها أن هذا التركيب أو هذا النظم في هذه الآية أو تلك لا يستطيع بشر أن يأتي بمثله.
لقد نزل القرآن بلسان عربي مبين، وإذا وسعنا دائرة التأويل في عبارة لسان عربي، فإنها تعني أن نظم القرآن جاء بالهيئة التي كان يتكلم بها العرب، الله أكبر، بدأ يفهم. طيب، وكان الجرجاني في كل وقفاته ينفي عن القرآن إعجازه البلاغي من حيث أراد إثباته. هو أنت ده كان قصدك؟ هذا كان قصدك يا دكتور؟ كان ذلك قصدك من أن عبد القاهر أراد إثبات الإعجاز فنفاه؟ أو نفاه من حيث أراد إثباته، أن النظام البلاغي واحد والقاعدة واحدة. وهذا ما ظللت تقول: انتظروا سابين، وهذا مقال كثيف، وهذا مقال.. هو ده اللي أنا قرأته ده؛ إحنا انتهينا يا إخوة، نقطة انتهى المقال. عبد القاهر يثبت وحدة المقياس ويفاوت الحيثية. أنا مش عارف إيه اللي عمل الدكتور كل هذا التمخض والزلزلة عن فأر أو سحلية. لقد قلت قولة إن عبد القاهر نفى الإعجاز من حيث أراد إثباته، هو ده قصدك؟ أن معيار أن نظام البلاغة واحد؟ ما هو واحد، اسمه معجز في البلاغة العربية، والتحليل واحد والفرق في الحيثية. ما هو أنت لم تفعل شيئاً عما قلته من قبل، أن هو طالما معجز يبقى لازم النظام مختلف، لا، ما هو طالما معجز لازم النظام واحد عشان هو يعجز في النظام. حتى يصح التحدي لابد من وحدة النظام. أنا بكلم حد، بقول في إيه ده؟ ده ألف باء إعجاز وتحدي. أنت دكتور بلاغة، المفروض عيب الكلام ده يا دكتور. عيب الكلام ده، عيب كمستوى أكاديمي، عيب؛ ده كلام حد عامي صحفي، كلام حد مش عارف، كلام حد نطبطب عليه كده، نقوله ماشي هنفهمك. السلام عليكم.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد