دخولتسجيل الدخول

دورة التأسيس المعرفي -الجزء الثاني- المحاضرة الخامسة

أيمن عبد الرحيمالمهندس أيمن عبد الرحيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

فكرة الصد عن فكرة الحديث العمدة للنبي صلى الله عليه وسلم، الذي جاء فيه أن رجلاً جاء للنبي ﷺ بعد غزوة حنين وهو يوزع الغنائم، فقال له: اعدل يا محمد، فإنك لم تعدل، فإن هذه القسمة لم يرد بها وجه الله. انظر إلى من يقول هذا الكلام، وهو متصور أنه بذلك يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر! بالنسبة لمن؟ هي هذه الفكرة؛ هذا النموذج من التفكير هو الذي غضب النبي صلى الله عليه وسلم منه بعدما مشى الرجل، وأهل العلم يقولون إن هذه ردة منفصلة، أي واحد قال للنبي أنت كذاب، وهو شبه قال له ذلك.

لكن الشاهد أن هذا الرجل الخارجي هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «يخرج من ضئضئ هذا»، أي أن هذا النمط يظهر، وهي فكرة وصف الخوارج التي وصفتهم السنة، بل حتى في القرآن في آيات كثيرة؛ فتجد أهل التفسير من الصحابة والتابعين يقولون إن هؤلاء الخوارج دائماً لم يُذكر أهل الابتداع في كثير جداً في التفسير لو أحد أراد أن يجمع آيات التفسير التي نزلت في الخوارج، فالصحابة يقولون: الآية هذه تفسيرها على كذا وعلى هؤلاء. لماذا؟ لأنه نمط ثابت في الفطرة البشرية، نمط يظهر باستمرار، وهذا النمط موجود الآن، لكن موجود بشكل فج؛ فالناس كلها أصبحت تراه.

مع أن الحقيقة هذا جزء سنقوله أيضاً، وهو فكرة أن الصورة صورتين؛ الناس ترى نمط الخوارج في داعش أو غيره، لكن الحقيقة أن أحياناً يكون الحكام هم الخوارج، كالحجاج بن يوسف؛ فأهل السنة من التابعين أيام الحجاج كانوا يقولون عنه ذلك، لماذا؟ لأن الناس يتصورون أن النمط هذا يجب أن يظهر في مجموعة معينة فقط ولا يظهر في غيرهم، لا، هو نمط إنساني، يعني ممكن يظهر في أي حد.

قبل الاستعمار ما يجيء خالص، نحن بدأنا وتحدثنا عن القرن الرابع والخامس الهجري، أي حوالي ستمائة سنة، يعني قبل الاستعمار بـ 400 سنة؛ فالظاهرة الاستعمارية ظهرت في 1492، نحن نتكلم عن 1000 و1100. وفوجئنا أنهم يبدأون من غير الفور التكتيكي؛ كنا مستمرين مثلاً 500 أو 600 سنة ونحن حيطة طوب أمام الغيب، فدي الفكرة. نحن وراء وجبنا ثلاثة محاور قلنا إنها معبرة جداً، وهي مفهوم التاريخ والوحي والتدافع؛ فكل فرقة أو طائفة أو منهج أو نمط فكري أو إنساني يظهر جوه الأمة، له موقف من هذه المحاور الثلاثة؛ موقف من فهم التاريخ، والوحي، والتدافع.

بعد ذلك استعرضنا صوراً للوحي، كيف يفهمها الناس، وصوراً من التاريخ والتدافع، وبدأنا بالقرن الرابع والخامس، ثم جبنا موقف السلاطين والمتكلمين والصوفية؛ استعرضنا وشفنا ممكن يكون كل واحد فيهم أداؤه كيف طبقاً لهذه المحاور الثلاثة. بعد ذلك شفنا ما قبل مجيء المغول، لأن هناك من يقول إننا كنا سنبيد قبل مجيء المغول لولا المغول، لكن المغول جاؤوا صراحة بغير تفكير تكتيكي، قطعوا الكرة ودوّخوا الملعب، فرجعنا وراء شوية قبل المغول؛ لا، هو أصلاً المغولي كان جاي والأمة قاعدة تتخانق مع بعضها منذ 200 أو 300 سنة.

بعد ذلك أخذنا نموذج المغول، وقت المغول شفنا موقف العلماء والفقهاء والمماليك الذين هم السلاطين أو الأمراء، والصوفية. شفنا نموذجاً مغايراً؛ نموذج شيخ الإسلام ابن تيمية كنموذج للإحياء السلفي، ليس بالمعنى المعاصر، بل بالمعنى الذي هو العودة للنصوص أو الرجوع للأصول في فهم الثلاثة: التاريخ والوحي. الرجل والدنيا مقلوبة يقول للملك حاربهم؛ طيب ما ممكن المغول يكتسحوك؟ لا، تجديد مفهوم الجهاد، وتجديد وهكذا. ثاني شيء وأصعب شيء كان يواجهه، أن المغول ادعوا الإسلام؛ يقول له أنا مسلم، فقال له: خلاص، مسلم؟ واحد قال لك مسلم ستحاربه؟ لا، مسلم، الزموه بالإسلام، ولو لم يلتزموا أحاربهم. هذا الذي فعله ابن تيمية أنجى ديار المسلمين؛ لأنه جعل الديار المصرية والديار الشامية يقفون بمبرر شرعي أمام هذا الغزو المغولي، لغاية ما المغول أنفسهم بعد فترة، وبعد حصار شيخ الإسلام، تغير سلوكهم، وخاصة بعدما دخلت أعداد كبيرة جداً في الإسلام بالشكل الحقيقي.

بعد ذلك شفنا النموذج الذي نتج عن المغول؛ المغول كانوا متجهين للشام، وتيمورلنك اجتاح الممالك الهندية، وبعد ذلك عودته مرة ثانية في بوادر العثمانيين الذين بعد المماليك. نحن فهمنا المغول وتيمورلنك لنرى فهمهم للتدافع؛ هو تارك كل الأمم التي في العالم وراح يحارب مين؟ المسلمين! طب ما تحارب أي حد تاني؟ وهذا موجود حتى في المعاصر، عندنا جيش، آه، سنحارب مين؟ المسلمين طبعاً! طب ما فيش كفار؟ اضرب اثنين كفار وعشرة مسلمين، اعمل أي حاجة مع الكفار. لكن واضح أن النمط هذا من زمان، وليس جديداً؛ لأن في ناس تتصور فكرة نظرية المؤامرة أن الفكرة مدسوسة، لا، المغول كانوا هكذا، وتيمورلنك كان هكذا، والمماليك كانوا هكذا، والعثمانيين كانوا هكذا؛ يبدو أن الموضوع قديم.

لهذا نحن دائماً نقول إنه متعلق بالمسلمين أكثر منه بالواقع العصري؛ جيوش تيمورلنك مرة كانت تقاتل، واحد من العلماء سمع واحداً يغتاب واحداً؛ والغيبة كما سنقول أحق بالدماء، فسمع العالمُ الرجلَ يغتاب، فقال له: يا ابن أخي، هل قتلت الروم؟ قال: لا. قال: هل قتلت التتار؟ قال: لا. الدلم؟ قعد يسمي له كل العناصر الكفار الذين حول المسلمين، طبعاً الروح الإسلامية عظيمة جداً في كل حتة، أهل الثغور في كل مكان، فقال له: نجت كل هؤلاء منك، ولم تقدر إلا على أخيك المسلم؟ يعني أنت فالح قوي على غيرك؟ طبعاً هذا يقال في الغيبة، أي أنه جاب سيرته، لا يقطع رأسه؛ فكرة أنه يقال في الدماء: نجا منك كل هؤلاء، هم المسلمون فقط الذين تعرف تضربهم؟ هذا من زمان.

بعد ذلك فكرة الإسلام العجمي بعد الغزو المغولي، ساب لنا مجموعة كبيرة جداً من المماليك والعثمانيين، ونحن نعتبرهم المماليك أو شبه المماليك في فكرة العسكري العجمي؛ عسكري وغير عربي، فتعاملهم مع نصوص الوحي لا يوجد، وهو ما سميناه الإسلام السلطاني. بعد ذلك جبنا نموذجاً لفردريك في كتاب الحضارة؛ هل الحضارة الأوروبية هي التي نهضت نهضة مفاجئة، ولا الحضارات الكبرى كالحضارة الصينية والحضارة الإسلامية هم الذين انهاروا لأسباب داخلية؟ الرجل يقول إنهم كانوا دائماً يقتتلون، من أول الدولة الأموية، سنشوف شوية خرائط؛ الخريطة عمالة تتوسع من زمان، المسلمون يحاربون الروم وما بطلوا، الروم هؤلاء قاعدون عمرهم بيحاربوا؛ طب ما الذي جعل الحضارة دي تكتسح كل الحضارات الثانية؟ يبدو أن ليس لأسباب قوة ذاتية داخل الحضارة الأوروبية، لا، ده كان لأسباب أنهم يحاولون، ونحن بطلنا نقوم بدورنا الطبيعي، سواء في فهمنا للتاريخ أو الوحي أو تدافع الثلاثة.

وللأسف طبقوا الثلاثة بالعكس، الدين المكبل، والاقتتال الداخلي الذي خففه ولم يبطله، وفهمه لسنة التدافع؛ هو طول عمره يجهل، لو أنتم عارفين أن في نقلاً عن فرديناند وإيزابيلا، ملوك قشتالة قبل ما تبقى المملكة الإسبانية للوجود، كانت أقسمت أنها ما تستحمش من الناحية الكنسية حتى تطهر، تطهر ما يسمونه حرب الاسترداد، حتى تطهر أراضي الجزيرة من المسلمين؛ فده مش هو الذي جاهد الملك، لا، هذه شخصية مجاهدة، الملك نفسها.

وهي فكرة أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم هذا أيضاً فكرة من الأنماط، دائماً النبي يقول هكذا، قوانين يا إخوان، لا تتعاملوا مع الحديث أنه وقع كده، لا، هو نمط: «إذا تبايعتم بالعينة»، الذي هو الانحلال المادي، الفلوس، ما يسمونه الفساد الاقتصادي، «إذاع كل الوجوه»، التي سيقولها النبي دي صورة نمط من النظام الاقتصادي، أن يختل، لا يكون على مراد صاحب الشريعة، أو ليس الذي أمر به، «إذا تبايعتم بالعينة» هذا فساد البيوع، أو المالي، أو الاقتصادي، «وأخذتم بأذناب البقر»، هذا فهم للتدافع، أنت ماذا تفعل؟ يقول لك أنا أريد عمل نهضة، فسنعمل زراعة، فمش عارف إيه، طب دي وظيفتك الحقيقية كمسلم؟ «أخذتم بأذناب البقر وتركتم الجهاد»، في ناس تقول أحياناً الظلم، حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «طائفتان من أمتي من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس»، أو جلد الناس، أو الشرطة الظالمة، أو كذا.

وطبعاً نحن الموضوع هذا من زمان، موضوع الشرطة هذا من زمان خالص يا إخوان، الإمام أحمد مرة حد من أصحابه خبط عليه الباب بشكل غشيم شوية، فالإمام أحمد من جوه لما فتح له، أول ما شافه زعل، قال له: دق مثل دق الشرطة! فأنا قلت من أول ما قرأت الأثر: يا أخي، غشني من زمان! الإمام أحمد برضه مع الذي يخبط خبطة، التي ليست خبطة المسلمين. أنتم عارفين فكرة الترويع، أنتم عارفين أنه في نهي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ترويع المسلم، ترويعه بالمزاح؛ واحد من الصحابة كان نائماً فجاء وسحبوا سهم الكنانة الخاص به، فقام مخضوضاً، فقعدوا يضحكوا، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: هذا منهي عنه، ترويع المسلم بالمزاح.

النبي صلى الله عليه وسلم شاف واحداً يعطي واحداً سكيناً، لكن يعطيها له بوشها، يقول له هات السكينة، فناولها له بوشها، فالنبي صلى الله عليه وسلم غضب، كان لا يغضب إلا للحق صلى الله عليه وسلم، قال لهم: «ألم أنهاكم عن ذلك؟ لعن الله من فعل»، يعطي له سكيناً، يسلمها له، ليس يمزح بها، لا، يعطيها له بس مش مقلوبة. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدخول بالسلاح قائماً في المسجد، لو أحد داخل بحربة، سيف، بندقية، التي المفروض لو في التاريخ المعاصر يبقى مؤمن، لا يدخل بشيء ولا مفوتها كذا فوق ولا جنب ولا بتاع، لا، ليه؟ حتى يتجنب قتل أو ترويع المسلمين أو حتى جرحهم بالخطأ. فزمان كان يقول لك لازم تدخل النصال والأسهم والرماح كلها منكسة، ليه؟ لا يبقى ماشياً كذا، أنت داخل تصطاد مش داخل تصادم، يعني داخل هيعور حاجة، فده أنتم شايفين الموضوع فين، لكن بالقياس، طيب، هو هذا الملخص، طبعاً هذا ملخص ما قلناه لغاية دلوقت، ثورات التاريخ برضه، ثورات.

في أحد كان قائل حاجة لطيفة جداً في موضوع التدافع، أن اسم الوزارة في مصر المماليك ما كانش فيها، كان دائماً اسم الجهاد هو هذا، وبعد ذلك المرابطون أصحاب الثغور، بعد ذلك اسمها الجهادية، بعد ذلك اسمها وزارة الحربية. أنتم فاهمين المفهوم؟ هو ليس جهاداً، هو حرب. بعد ذلك اسمها وزارة الدفاع؛ أنتم عارفين دلالات الأسماء طبعاً لها معنى، هو فكرة أنت بتعمل إيه؟ يعني أنت فين؟ ففي الجهادية دي، خلاص المعنى واضح، بعد ذلك الحربية ماشي، بعد ذلك أنت بتعمل إيه؟ أنتم فاهمين أن الوظيفة بالكلية، هو المفروض يغيروا اسمها تاني القادمون هؤلاء. وهكذا عصر، خلاص بره، قلنا الكلام على القرن الرابع والخامس، ماشيين، نحن قلنا الإسلام الموجود فكرة فتوى ماردين التي دندنّا حولها أن...

فكرة إيش أن العلمانية لها جذور؟ العلمانية برضه مفهوم يا إخوانا، مش يعني لازم يكون العماني ده في التاريخ المعاصر؛ لا، العلمانية فكرة تكرس تصور أن الدين ده حاجة مفصولة كده على اليمين على الشمال في أي حاجة، مش في السياسة بس، سواء في السياسة في الاقتصاد في الحكم في الإدارة في أي حاجة، ده نوع من العينة.

بعد كده ماشي، تحرك المسلمون في عهد المماليك بعد كده فترة النمو الأوروبي. دائمًا بيروحوا للعلماء المسلمين، عندنا كم سيدنا؟ عندنا سيدنا عمر بن عبد العزيز، إحنا بنسميه الخليفة السادس، الخلافة مش الخامس، عشان عندنا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسيدنا الحسن ابن النبي ﷺ، فسيدنا عمر بن عبد العزيز حكم من سنة 99 لـ 101 هـ.

من نقطة أن أئمة الإسلام مثل الإمام أحمد والشافعي يقولون إن سيدنا عمر بن عبد العزيز مجدد المئة الأولى. خلاص، هننا بقى نقطة التجديد، أنتم عارفين مفهوم التجديد ده؟ مفهوم التجديد موجود في أحاديث النبي ﷺ، المجدد بيجدد إيه؟ إحنا عايزين نقول المفهوم ده الأول عشان ننتقل منه.

مفهوم التجديد عندنا، يعني المجدد ده المفروض يجي يعمل إيه؟ معنى حديث النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا». يجدد إيه؟ هل يجيب دين جديد؟ لا، المطلوب من التجديد هو إحياء ما أماته الناس من سنة النبي ﷺ. ده مفهوم التجديد، عشان كده إحنا دائمًا نقول إن الأمة الوحيدة اللي بتتحرك للوراء، الاتجاه لورا يعني عندنا قدام؛ يعني أول ما نرجع ورا في التاريخ معناها إننا بنطلع فوق في القيام.

حديث النبي ﷺ: «عُرْوَةُ الْإِسْلَامِ عُرْوَةٌ، فَأَوَّلُهَا انْتِظَامُ الْحُكْمِ، وَآخِرُهَا الصِّدْقُ». يقولون إن عمر بن عبد العزيز هو أول مجدد، الإمام أحمد قال: نظرنا في المئة الأولى فإذا وجدنا عمر بن عبد العزيز هو المجدد. المئة الثانية فهو النافع. عمر بن عبد العزيز جدد أنهي عروة؟ هي أول عروة هتنقضي، وهي الحكم، يبقى دي أول سنة أماتها الناس من سنة النبي ﷺ، وهي العدل أو اللي هي الخلافة.

عمر بن عبد العزيز عمل إيه؟ الناس كان المجاهدين موجودين، والعلماء موجودين، والقرآن والحديث وكل ده موجود، لكن اللي كان منحل هو العروة، فجاء هو. قال لحد من عمه: «توسط لي»، لأنه أول ما أمسك، الكل أخذ من الأموال، حتى مراته قال لها: «أطلقك يا إما تجيبي الحاجات اللي أداها لك أبوكي وأخوكي، وإلا هيلم كل الفلوس». هو بدأ من أهل البيت، فعمته جاءت كلمته، قعد يكلمها الأول كويس عشان حق العمومة، بعد ذلك قال لها: «مات رسول الله ﷺ وترك الأمر على نهر جاهز، فأتى من بعده فرفع القذورات من النهر ونظفه وسابه زي ما النبي ساب، واللي بعده كده قعد يعد لغاية ما خلص الرشيد».

قال: «ثم جاء إخوان أقوام -يقصد معاوية رضي الله عنه- فوضعوا ساقية، ثم جاء من بعده فضرب بساقية، ثم ضرب السواق حتى جف النهر، فهو الذي نفسي بيدي لأهدمَنَّ هذه السواقة حتى يعود النهر كما تركها رسول الله ﷺ». الفكرة هي أن كل اللي استحدثه الناس من أي حاجة، حتى في نظم الحكم، هو بطلها، وأولها بيت المال، أنه يلم الفلوس اللي أخذوها بغير حق.

الشاهد من التاريخ، من سنة 101 لغاية رأس الـ 200 وبعد كده لراس الـ 300، هم دول اللي إحنا عايزين ناخد منهم عينات عشان نفهم الناس، من خلال تدافع التاريخ. واحد زي عمر بن عبد العزيز، أنا جاي على رأس المئة عايز أشوف السلطان، وإحنا دائمًا كنا بناخد سلطان وفقيه وصوفي. لو كان في صوفي ساعتها -وما فيش صوفي بالمعنى المعروف دلوقتي- الصوفي بمعنى الزهد في الدنيا كان موجود، لكن كصوف كرسم أو تعريف لسه ما كانش ظاهر في الأمة.

لو هنقول إن التصوف هو ممارسة الزهد والتدرب على مقام الإحسان، حديث النبي ﷺ: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، ده مقام الإحسان اللي كان بيدندن حواليه أئمة الصوفية في الابتداء، بعد كده أصاب التصوف ما أصاب بعض المدارس العقدية والفقهية من شوائب أو ادعاءات. ففي الفترة دي ما فيش، إحنا بندور دلوقتي على مين؟ اثنين: السلطان والفقيه. المتكلم ما كانش ظاهر، وعلم الكلام برضه ما كانش لسه ظاهر، عندنا بس الفقيه وعندنا بس السلطان.

أول ملاحظة، أن السلطان هو العالم، يعني سيدنا عمر بن عبد العزيز كان عالمًا فقيهًا، وعمر بن عبد العزيز الخلافة في الفقهاء يذكرون تصرفاته، لأن الخلفاء الراشدين مفهوم واسع، لكن النص على اتباع سنتهم منصوص عليهم أنهم الراشدون المهديون، فإحنا بندخل فيهم خمسة بسبب النص، حديث النبي ﷺ: «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، فَآخِرُهَا الْحَسَنُ». فالخلافة في الفقه هي خمسة، لكن عمر بن عبد العزيز يُجاب على أن تصرفاته من تصرفات واحد رشد، يعني الحاكم هو العالم.

النقطة الثانية، الفقيه أو العالم، فين بقى؟ أنا عايز أشوف الفقيه موقفه إيه، فإنه يكون واحد منهم، زي مثلاً رجاء بن حuma، إحنا قلنا قبل كده على رجاء، رجاء وزير الوليد أو وزير سليمان اللي جاب سيدنا عمر، يعني هو العالم كان وزير، راجل من التابعين، هو اللي توسط للوليد لعمر بن عبد العزيز.

جاء في الحكم، ففوجئ أن حتى الطبقة التي فوق الحاكم، العلماء، هم الذين لهم الهيمنة. والأهم من ذلك، أن الفقيه أو العالم هو المجاهد؛ فمعظم الناس الذين في الثغور، الذين يحاربون، هم العلماء.

سنرى هذه الظاهرة الآن من أول طبقة البخاري وأحمد، ومن أول أحمد أو قبله بسنة، فسنفاجأ أن هذه الظاهرة بدأت تحدث. الإمام أحمد، على جلال قدره في العلم وهو من أئمة أهل السنة، لم يجد حتى في تراجمه من ذكر أنه بكى في آخر حياته، فكان تلاميذه ينظرون إلى أقدامه ويقولون: «لن تغبر في سبيل الله». فهو لم يقاتل.

أما شيوخ البخاري من الطبقة الثانية، فنجد في تراجمهم أن معظمهم محدث ومجاهد، وأشهرهم أبو إسحاق. أبو إسحاق من طبقة بقية بن مخلد، وأظن بقية بن مخلد أكبر منه قليلاً. سنأخذ مثالين؛ واحد من شيوخ البخاري وهو أبو إسحاق، والباقي من طبقة بقية بن مخلد.

البخاري في منطقته بـ بخارى، بلاد ما وراء النهر، أما بقية بن مخلد فمخرجه من الأندلس. طلب العلم، فما الذي جاء به إلى بغداد؟ طلب أكبر مسند في الإسلام. أنتم تعرفون أن الكتب الصحاح كالبخاري الحديث فيها مرتبة على الأبواب، مثل باب الإيمان ثم باب العلم، أما المسانيد فتبدأ مثلاً بمسند أبي بكر، ثم الأحاديث المروية عن سيدنا أبي بكر الصديق، فيقول: مسند العشرة، وهم العشرة المبشرون بالجنة. أحياناً يقدمون مسند آل البيت، ثم مسند العشرة، فهو مترتب على الصحابة لا على الأبواب.

وهناك من يأتي بالمسند نفسه ويركبه على أبواب العلم، فتجد كتب الحديث مبنية على أساس أن أكبر مسند في الإسلام على الإطلاق من حيث عدد الأحاديث هو مسند أحمد، ولكن فوقه مسند من؟ مسند بقية بن مخلد. الفرق بين بقية وأحمد أن الإمام أحمد كان في بغداد، أما بقية فمن الأندلس. بقية بن مخلد طلب العلم على الإمام أحمد، وجاءه في وقت الفتنة، أيام فتنة خلق القرآن، في عهد المعتصم.

بقيه بن مخلد كان مجاهداً، فعدد الغزوات التي غزاها كبير جداً، وفي نفس الوقت كان محدثاً. هو معروف في التراجم أنه مجاهد، وهو من شيوخ الحديث الكبار. الإمام البخاري عندما يُسأل عنه، يُقال هو أفضل واحد من أهل الإسلام الذين نسمع عنهم، وأحسن ترجمة نعرفها من أهل الإسلام. فواحد كان طالعاً من عند البخاري يُحدث بالحديث، فقال: «هذا أعظم رجل في الإسلام»، فراجعه آخر قائلاً: «أتقول هذا؟»، قال: «نعم، أقول هذا، هو أحسن من بلغنا في التراجم في الإسلام والجاهلية». هذا الرجل كان الاثنين: فقيهاً ومحدثاً.

في تلك الطبقة، لم تكن فكرة "الفقيه" منفصلة عن "المحدث" كما هو الآن؛ فمعظم المشتغلين بالحديث كانوا فقهاء، فمن يعرف أحاديث النبي ﷺ هو من يفتي الناس. بعد ذلك تشققت المدارس الفقهية المعروفة حالياً، ولكن قبل أن تستقر، كانت هناك مذاهب أخرى اندثرت مع أهلها، مثل مذهب السفيان الثوري، وداوود الظاهري، والأوزاعي في مصر، والطبري، وغيرهم.

هنا نقطة مهمة جداً في فكرة الجهاد؛ السؤال الذي سأله الإخوة في أول المحاضرة عن واقعنا الحالي ودولة التنظيم، هو عن نمط فهم التدافع. عندنا نموذجان للتدافع؛ النموذج الأول في ذلك الوقت، كان القائم على الجهاد هو الحاكم والعالم في نفس الوقت. ففتح الأندلس كان جزءاً كبيراً منه في وقت الوليد وسليمان، وكان آخر مَدّ في الأندلس في عهد عمر بن عبد العزيز.

أما النموذج الثاني، فهو نمط الخوارج. نحن نؤرخ لظهور الخوارج من أيام النبي ﷺ، حيث أشار إلى نمطهم؛ قال النبي ﷺ: «يخرج من ضئض هذا البني آدم...»، والنمط الذي ذكرته الأحاديث هو أن أحدهم يحقر صلاته إلى صلاته، ويظن أن عبادته وصيامه أفضل من الصحابة، ويقرأ القرآن. وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بل ربما يأمر النبي ﷺ بالمعروف عن المنكر حاشاه! لكن النبي ﷺ وضع النمط الذي يميزهم، وهو أنهم «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الكفر»، وهذا نمط ثابت في الخوارج، وقد أشار النبي ﷺ إلى أن هذا النمط سيظهر.

هذا النمط من التفكير موجود منذ عهد النبي ﷺ حتى الآن؛ فهو نمط موجود لا يظهر في حالتين: إما أن يكون موجوداً في التفكير دون أن يصل إلى قتل الناس بشكل مباشر، أو أن يظهر في النمط النفسي للتفكير. وهذا النمط يا إخوانا ليس بالضرورة أن يرتبط بالتكفير فقط، بل هو ظاهر يظهر مع التكفير. نحن نقول إن هذا الشيء إما أن يكون خارجياً بالكلية، أو أنه يظهر من الخارج أحياناً، لكن النمط هو الأساس.

لدينا حديث عن النبي ﷺ وأثر عن السيدة عائشة رضي الله عنها، وهما مهمان جداً لفهم هذا التصور؛ لأننا سنفاجأ في القرن الثاني والقرن الثالث بوجودهم بكثرة، حتى إنهم كانوا يقيمون في أمارات (ولايات) ويحكمونها. حديث النبي ﷺ وضح أن هذا النمط في التفكير هو عدم فهم القرآن؛ فهو يقرأ القرآن لكنه لا يفهمه.

وهناك فكرة أخرى وهي عدم الاعتداد بكلام الصحابة، كما قال عبد الله بن عباس. وأنتم تعلمون أن ظهور الخوارج كقتال للمسلمين ظهر في عهد سيدنا علي في الفتنة، فكانت أول سيوف رُفعت في وجه الصحابة، حيث كفّروا الصحابة كلهم. فكان جزء من كلام سيدنا عبد الله بن عباس رداً عليهم حين يستدلون بالقرآن، فقال لهم: «شِيْعَتُكُمْ عِنْدَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ هُمْ أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ»؛ أي مَن المفروض أن يفهم التفسير أفضل، نحن أم أنتم؟ هم العلماء، كعمر وعثمان رضي الله عنهما.

وكان نوع من الخروج يحدث عندما يجادلونهم بالقرآن، فيقولون: "الآية نزلت فينا"، وهذا تجاوز لمعيار العلمية؛ فشرط العلمية ليس مجرد الادعاء، بل هو الفهم الصحيح. ومن هنا جاءت فكرة الرجوع مباشرة للقرآن دون فهمه، وتجاوز الصحابة في الفهم. لذلك نحن دائماً نقول إن الصحابة مِحنة؛ أي مِحنة يُمتحن عليها الناس في موقفهم من الصحابة ومن فقههم.

تذكر السيدة عائشة رضي الله عنها نموذجاً، حين جاءت امرأة تسأل عن الغسل وتفكر هل تفك ضفائر شعرها أم لا، فقالت لها السيدة عائشة: «لا، إنما ينال الماء من هنا ومن هنا»، وهذا سؤال فقهي. فنظرت إليها السيدة عائشة وقالت: «أَحَرْوْرِيَّةٌ أَنْتِ؟». والحرورية هو اسم يطلق على الخوارج؛ فهم يتفرقون كثيراً، وكل اثنين يختلفان في شيء يكفّر بعضهما البعض، فتجد فرقاً كثيرة، كالأزارقة وغيرهم، وكلما اختلف اثنان كفّرا بعضهما.

والشاهد هنا في سؤال المرأة الفقهي، أن السيدة عائشة قالت لها: «أَحَرْوْرِيَّةٌ أَنْتِ؟ كُنَّا نَأْمُرُ بِهَذَا»، وهذا يشير إلى فكرة التسليم للنصوص. والسيدة أم سلمة رضي الله عنها سألت النبي ﷺ، ونحن نفرق بين السؤال في عهد النبي ﷺ حيث كان يمكن أن يُجاب، وبين ما بعد ذلك حيث يُمتحن الناس على المنهج؛ فإذا بلغك ما قال النبي ﷺ أو الصحابة، فعليك التسليم.

سألت أم سلمة رضي الله عنها النبي ﷺ عن تفضيل النساء في الميراث، فقال ﷺ: «لِشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ بِنِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ، وَهُوَ الْمَرْأَةُ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ». فقالت: "لماذا فُضلت المرأة في الميراث؟" فضحك النبي ﷺ وقال: «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». فالرابط هنا هو فكرة التسليم، تماماً كما أن هناك خصائص في الخلق لا تُسأل عنها، كطول النخلة أو شكل الثمرة.

الخوارج، منذ الأمويين وحتى الآن، كانت أولوياتهم هي محاربة المسلمين. في عهد سيدنا علي كانوا يحاربون الصحابة، ثم انتقلوا لمحاربة الأمويين. الغريب أنهم لا يحاربون الكفار الأصليين في الصين أو الهند أو من يعبدون الأوثان، بل يصبون غضبهم على المسلمين. هم يرون أن المرتد أكفر من الكافر الأصلي، فيبدأون بمحاربة المرتدين (المسلمين) ويتركون الكفار في الطرف الآخر من العالم.

لو كان الأمر منطقياً لكانت أولوياتهم محاربة الكفار أولاً، لكن الغريب أنهم يختارون المسلمين. هذا النمط يظهر على طول التاريخ، ولا يقتصر على العصور القديمة فقط. ومن يقرأ في كتب الغلو، مثل كتاب "الغلو في حال المسلمين" للدكتور عبد الرحمن الوحي، سيعرف أن هذا النمط يتكرر دائماً.

العلة والتكن بس عشان نبقى فاهمين، قلنا إيه؟ عشان دلوقتي خالص في الأرض وكل واحد دلوقتي يصطاع، فده بدا يعني طبيعي حاليًا.

طبيعة الفطرة البشرية؛ الفطرة البشرية يعني إيه؟ عارف سيدنا إبراهيم؟ النبي قال له ربنا إيه؟ قال له: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾ [البقرة: 260]. هو ما منكرش بربنا، بس سيدنا إبراهيم قال له أنا عايز أشوف تحيا إزاي، فكر، قال له أولًا لم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي.

قال المشايخ بتوع القرآن لما كانوا يحبوا يسقطوا حد حافظ القرآن كله، كانوا يعملوا له إيه؟ يقولوا له: "تخش سمع"، يقول له منين يا شيخ؟ يقول له قلبي. قول من قول الله تعالى: ﴿وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260]. وقف، قال فخذ قلبي. طبعًا جيب الكلمتين دول بس وقول له أنت اقرأ من دول مش حتة سلطة.

فالشاهد إن فكرة السؤال، مش السؤال ده، السؤال متعلق بالأحكام خلصت. يعني إحنا إبراهيم ده مقام النبوة خلاص، أنت حاليًا الأحكام جت، أنت بتستفسر عشان تعرف إيه اللي قاله النبي بس، خلاص. لأن طلب أحيانًا طلب العلة؛ طلب العلة بيقول لك ما ينضبطش، ما دلتش في حاجات مجرد للتعبد للتعود، بس بسبب اللي إحنا قلناه بتاع الفريق. الصيام ليه؟ قولوا لنا العلة اللي إحنا هنصوم عشانها، عشان صحيًا كويس، صحيًا مثلاً كويس أو مش عارف مفيد أو بتاع كل ده، إيه؟ ده كده.

يعني بتحرم إيه اللي قاله لما أقف عند المرحلة دي حضرتك، اللي هي اتحرم عن قدامي إيه؟ النص اللي قال النبي عليه الصلاة والسلام وبعد كده عن الأول، قبل الأول، هو عشان كده ليه إحنا دايما بنقول القرآن المكي؟ القرآن المكي 86 سورة أو أكثر، 86 سورة ما فيهوش أحكام مباشرة، في أحكام بس ما فيهوش أحكام مباشرة في تعظيم قدر الله عز وجل، صفاته، أسماؤه، خطاب الله عز وجل للأمم السابقة، فعل المؤمنين عبر العصور. بس ليه؟ عشان أنت هتتسأل بعد كده، هتؤمر بس بعد ما أخلص بعد كده الأوامر اللي نزلت ورا بعض.

يعني النبي صلى الله عليه وسلم أنت صمت المسلمين، أنت هتحتاج الصيام، يعني آخر سنتين في البعثة، يعني النبي صلى الله عليه وسلم قعد 21 سنة بيصوموش، أمال كانوا بيشربوا خمر لغاية بدري تمام. الحرم مكي، مكة الكعبة بأصنامها، النبي صلى الله عليه وسلم بعث قعد 23 سنة، كام سنة؟ 21 سنة، الكعبة مش مع المسلمين، والكعبة جوه خصم. أمال هو كان إيه هدفه؟

ده مهم جدًا، فكرة إن الأنبياء، إحنا دايما الكركان ده يمكن تعرضنا له وإحنا ماشيين بس ممكن نقوله تاني، فكرة إن هو مش مشروع تخرج بيبعث الكفار ما يؤمنوش، ربنا يمكن يمنّ منهم يعمل الدولة الإسلامية السعادة للجميع، ما فيش كده. ممكن النبي يبعث وليس معه واحد، النبي معه الربط يا نبي. يعني هي فكرة مش لازم يعني النبي صلى الله عليه وسلم، إحنا دايما بيقول بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم الرقعة اللي سدها النبي تمددت ولا انكمشت؟ انكمشت، انكمشت خالص، قعد أبو بكر الصديق مكة والطواف في المدينة بس والباقي كله ارتد. ده في أي أثر على عظمة أبو بكر أو قلة إيمانه أو تمكينه؟ ما فيش، هو قعد سنتين مستخلف بيحارب ومات، بس ما فيش حاجة تانية.

عشان كده إحنا بنقول إن فهم الدفع أو الجهاد، هذا المعنى ده مهم جدًا، هو إحنا هنحارب عشان نعمل إيه؟ التارجت بلغة المشاريع، يعني لما نحارب إيه اللي يحصل؟ ما فيش حاجة، يعني أنا راجل فقيه ومعجم ومتخلف، أصلي ولا ما أصليش يا إخوانا؟ أنا قلت أصلي لأنه ده فريضة. الجهاد نفس الحكاية، هو فريضة، يعني إيه؟ مالهاش دعوة أنت هتفرق إيه، يعني أنت بتعملها على طول، كسبت أو ما كسبتش، قتلت أو ما قتلتش، مالهاش شرط زي بالضبط الصلاة، هو دي جزء من المفهوم العام.

ساعتها إن هو كان بيجاهد ليه؟ عشان ده غرض الفريضة دي، لو حس إن الفريضة دي ممكن تأذي المسلمين أكثر ما تنفعهم كان بيعمل إيه؟ عمر بن عبد العزيز في الخلافة اللي إحنا بنتكلم فيها في الخط الأموي، طلع في جيش غزا، والمسلمين مش متعودين على الأجواء دي في الغالب، لأن معظمهم ساعات لغاية الأمويين كان العرب هم الكتلة الصلبة بتاعة الجيش الإسلامي. فرجع قال له: عملتوا إيه؟ قال له: غزونا وغنمنا ولم يقتل منا أحد، التارجت أو المشروع بدا انتهى ممكن. وبعد كده قال له: ولكن مات رجل من البرد، واحد من المسلمين مات من البرد، فبكى سيدنا عمر بن عبد العزيز، قال له بعت له رسالة، قال له: عزمت عليك ألا تغزو المسلمين في البرد.

ليه؟ ما إحنا رايحين نجاهد؟ لا، هو الجهاد ده ليه غرض، لو أنا هحفظ المسلمين. عمر بن الخطاب نهى في عصره أن يركب المسلمون البحر، قال لهم لا، ما تقتلوش، طب نروح نحارب تاني؟ نقول لهم لا، وما تخوضوا قوي في ديار الكفر عشان المسلمين يعني تحموا المسلمين. أنت مش لا، هو الجهاد ده مش الفريضة دي حتى كمان الفريضة دي ليها كذا، لو أنا هحمي المسلمين أكثر بعدم أن التحرك بتاعهم ما يتحركوش.

هو عمر بن الخطاب على الصورة اللي متخيلين إحنا، هو راجل قوي جدًا، لما وصف ليه البحر قال لهم لا، هو راجل عربي لم ير البحر قط، قال لهم لا تركبوا المسلمون البحر، لغاية ما سيدنا معاوية، سيدنا عمر بن الخطاب، عمر بن عبد العزيز، أقنعه سيدنا عثمان بن عفان برضه قالوا له لا، يعني السفن دي كبيرة، أو ما تخافش الناس، مش لغاية ما أقنعوه.

يعني سيدنا عمر بن عبد العزيز وعمر بن الخطاب لما منع الجهاد في البرد ومنع الجهاد في البحر، هل ده كان منع للجهاد؟ أنت في الموقف ده هل ده كان بسبب إن كان في مثلاً جبهات تانية مفتوحة، فكان في جهاد أصلاً بالفعل في مكان تاني، فبالتالي الفريضة نفسها مش هتعطل؟ لكن لو سؤال بقى هل لو كان ده الشيء...

الوحيد مثلا، اللي هو الجهاد في البرد أو في البحر، كان هيبقى الوضع إيه؟

سؤال كويس. أول حاجة، المعنى الأوسع معنى الجهاد على الإطلاق؛ يعني عمر، سيدنا أبو بكر الصديق، لو بالمعنى: جهاد الكفار بالسيف، هو ده المعنى المستقر في كتب الفقهاء، قتال المشركين بالسيف، ده المعنى العام، وده معنى أقل من معانٍ شوية. المعنى الأوسع للجهاد على الإطلاق هو دفع الظلم عن أي أحد كائناً من كان؛ ده الجانب الأوسع، أو حماية الدين من وقوع أي ظلم عليه كائناً من كان.

الظلم ده هيقع على الإسلام نفسه. زي سيدنا أبو بكر الصديق، معظم جهاده كان مواجهة للداخل، طب هو ليه ماتحركش بره؟ هو في آخر عهده كان بدأ يبعث أسامة في الأول، لكن المعنى الأصلي إنه أنا بحقق شيء للدين؛ لو الدين محفوظ بالجهاد الداخلي مش هيتحرك بره. لو زي سيدنا عمر بن الخطاب يقدر يغزوهم، بس الغزو ده فيه خطر على المسلمين نفسهم، وقفوا. عمر بن عبد العزيز كان عايز يوقفهم عن اللي عايز يجيبهم من الأندلس شوية عشان يرجعهم، ليه؟ خايف على المسلمين؛ يعني أنت هتروح تودي رجال ونساء وتوديهم فين؟

حتى الفقهاء لما يسأل: أنا رايح مجاهد ومعايا زوجتي وأبنائي، أدخل بيهم أرض جهاد ولا لا؟ احنا مفتنون، الفقهاء يقول لك لو أرض مخوف، يعني أرض مش مؤمنة تماماً وفيها حصومة، يسيب أهله وما يخشش بيه خلاص. عشان كده كتير جداً في أحكام متعلقة باللي هو سفر الرجال، يقعد قد إيه؟ لأنه هيسافر لوحده، فده معتبر؛ مش فكرة إنه يمنع أو عدمه، لا هو معتبر: أنا رايح أعمل إيه؟ هل ده فيه تعريض لدماء المسلمين؟ وفي الآخر المعنى قليل أو ما فيش فرصة لده؟

في مثال مشهور جداً، عبد الملك بن مروان، عبد الملك ده يروي عن سيدنا معاوية نفسه، لكن المثال الأثبت على الإطلاق؛ عبد الملك كان من أملك ملوك بني أمية، كان بيدفع فترة ثلاث سنين أو أكثر الجزية لملوك البيزنطيين حتى لا يفتحوا ثغور الشام، وتفرغ لغزو أرمينيا. لكن هو عمل كدة، دفع جزية؛ ليه؟ واحد يقول لك: طب العز؟ هي دي فكرة المعنى. عشان كده دايما نقول إن آيات القرآن في معنى "من معايا" حتى آيات السور المكية، يقول لك مش منسوخة؛ يعني إذا ظهرت الحال نفس الحالة جت، تُكتب الأحكام، زي فعل النبي ﷺ في المدينة لما جمع السعدين وقال لهم: «إني عزمت أن أثقل ثمار المدينة لغطفان لوحدهم عشان يجنبوه، ويسيبوه لقريش واليهود يعرف يتعامل معاهم»، فكان هيديهم ثلث ثمار المدينة، ده يشبه الجزية، كأنهم هيديهم جزء من المال بحيث يمشوا طول ثمار المدينة لعدة سنوات.

فهم ساعتها كان الرد، أخذوا بالعزيمة، قالوا له: «ده وحي ولا أنت عايز تنفعنا ولا ده رأي أنت رأيته؟»، فقال لهم: «لا، أنا عايز أنفع»، لأنه استشعر أن المدينة لم تُحط إلا بسبب القبائل التي قامت بالنبي ﷺ ونصروه. قالوا له: «لا، مادي عايز تنفعنا، إحنا اللي هنتحمل»، قالوا: «لا، إحنا هنحمل»، فكانت عزيمة. ده فعل عمر بن الخطاب وفعل عثمان، عشان كده دايما نقول إن فهم الصحابة للفرائض كان فهماً واسعاً جداً.

الجهاد، مثلاً، واحد زي الحاج المنصور بن أبي عامر في الأندلس، الراجل ده يقول لك: رايح جاي أحارب، مطلع عين النصارى، تقول له والله جميل، بس ده كان ظالماً وكان سفاقاً. عمر بن الخطاب امتنع فترة عن الجهاد، اللي هي فترة منع فيها الناس عن ركوب البحر، وكان أحياناً يرسل في العراق يقول له: استعن بفلان ولا تؤمن حتى لا يغر المسلمين شجاعة، لدرجة إنه يقول له: لا، رجعهم. ليه؟ لأنه لو سبته شوية مش لاقي حد هيحرج الهواء، أو يقول له: لا ده ما تروحش، هاته ورا، ليه؟ هو خايف على مين؟

عشان كده الفكرة مش أنا؛ دايما إحنا قلنا ده في مفهوم الجهاد في الأول خالص، اللي هي فكرة الانتحار المهذب، أنا مش رايح أهلك نفسي لأي شيء، أنا لو أقدر أنكد على الكفار مئة سنة وأنا ما أموتش، ممتاز، حلو قوي. الشيخ عبد الله عزام رحمه الله من أشهر المنظرين للجهاد في التاريخ المعاصر، كان يقول للشباب العربي: «أنتوا جايين هنا عشان تروح تأخذ طلقة وتموت؟ هو ده اللي أنت جاي؟ أنت تأثم بهذه النية، أنت جاي تدرب وتعد نفسك عسكرياً واستراتيجياً وتبدأ كويس جداً وتحدث أكبر نكاية في العدو وتفضل أنت سليم، أنت تنكد عليهم وتفضل عايش، لو قتلت بقى خلاص ربنا سبحانه وتعالى اختار لك، لكن أنت جاي تموت؟ إحنا مش ده الهدف».

عشان كده أحد مشاكل المعاصرين كان يقول: «العيش في سبيل الله أصعب من الموت في سبيل الله»، أن تستقيم طول حياتك على الحق بشكل مباشر ده صعب عن الجهاد اللحظي. وكل ده نوع من الجهاد، ودي فكرة المعنى الواسع جداً للجهاد؛ حفظ الدين. المعنى الواسع جداً: لو قدرت تحفظه تمام، ما قدرتش تحفظه غير بقتاله، تمام، لو قدرت تحفظ المسلمين وتحفظ الدين من غير قتال تمام، وهكذا. عشان كده الصحابة كان الموضوع عندهم متزن جداً، كان قادر يعمل يقاتل في وقت القتال، ويهدئ في وقت الهدنة، ولا يكاد يهلك المسلمين كلهم لو الموضوع متعلق بالدين نفسه، اللي هو مفاهيم الدين؛ زي سيدنا أبو بكر، ليه حروب الردة مهمة جداً؟

إن أبا بكر الصديق كان يحافظ على مفهوم الإسلام، لكن من غير زكاة؛ يعني ماذا لو ألغينا الزكاة؟ الدين حينها سينقص. هذا في الحقيقة دفاع، وعشان كدة إحنا بنسميه جهاد المفاهيم. أبو بكر لم يهدد المدينة تهديدًا مباشرًا، ولكنه أقصى أهدافه أن يتتبعهم؛ ليه؟ عشان ما يغيرش مفهومًا واحدًا في الإسناد، وهو أن الزكاة كانت تُدفع للنبي ﷺ، فلما مات لم تعد تُدفع. قال لهم: «أنا سأحاربكم عليها لغاية ما تقروا بها»، وهذه هي الطريقة؛ هذا الجهاد كان جهادًا على مفهوم.

في ناس تانية زي سيدنا عمر بن الخطاب، كانت معظم فتوحاته لحفظ ديار الإسلام، وطلب إدخال الناس في الإسلام إما بالسن أو بالعنوة؛ يعني يقول له: تسلم، أو تدفع الجزية. وهذا ما حصل في الفتوحات، وهو المفهوم الذي نسميه "مفهوم التزن"، متى نهادن ومتى نقاتل؟ ما هي القيمة المركزية التي تحميها؟

لذلك نحن في الإسلام نجد الدولة العثمانية؛ غزوات آل عثمان تاريخهم العسكري جميل جدًا، قعدوا ٢٥٠ سنة ما خسروا ولا معركة، حتى أوروبا كانوا يريدون الهجرة منها بسبب العثمانيين. ونحن نقول إن هذا الجهاد شيء لطيف جدًا مما فعلوه، ولكن هل كان متحققًا فيه معنى الجهاد الذي كان عند الصحابة في الأول؟ أم كان فيه نوع من العدوان الملوكي؟ لذلك معظم الديار التي فتحها العثمانيون في أوروبا كانت ديار كفر.

لماذا؟ افرض أنت كقوة عسكرية أو سلطانية، من الذي يحفظ الدين على الناس لو لم تكن لديهم بنية حفظ الدين؟ أنت تجاهد أساسًا لكي تحفظ الدين على الناس، لا لكي تحفظ وجودك أنت كحاكم متسلط عليهم بالديانة. هناك ديار المسلمين قعدوا فيها فترة طويلة جدًا، وكان عدد المسلمين دائمًا أقل من الكفار، وبعد ذلك انتشر الإسلام بشكل واسع جدًا؛ أي حفظ الدين على الناس بوسائل حفظ الدين، مثل الجهاد كفريضة التي تُستدام.

كيف ذلك؟ هذا نص قرآني: ﴿لَوْلَا تَنفُرُوا فَوْتَفَرِّقُوا﴾ [التوبة: ٤٦]. الفكرة أن كل طائفة تنفذ؛ أهل التفسير يقولون إن هناك طائفة تظل تتعلم أحكام الدين، وهناك ناس تقاتل. واليوم يقولون: لو مات المقاتل، من الذي سيحفظ الدين للناس؟ فالمقاتل يقول للناس إن هناك جهادًا، وهذا معنى للآية. وأحيانًا يرجع البعض أن الفئة النافرة والمتعلمة هم المجاهدون؛ الاثنين معًا، لأن معاني الإسلام لا تُفهم إلا أثناء الممارسة أو الممارسة والتعلم، وهذا ما يرجعه كثير من الفقهاء.

المعنى الذي نريد الاستقرار عليه هو فكرة الخروج كنمط موجود من النبي ﷺ؛ قتال خالد، ثم سيدنا علي، ثم معاوية، وبعد ذلك قعدوا فترة طويلة جدًا في الكوفة والبصرة. الأمويون استمروا، لكن عمر بن عبد العزيز هم الذين كفوا في وقته. لكن السؤال: مَن الذي كان يحارب دائمًا؟ هم يحاربون الداخل، ولا يتسلطون.

كان خروج الخوارج دائمًا أن أي خروج عن الإسلام هو كفر، وما دام الشخص كافرًا فقد صار مرتدًا، والذنب يخرج من الملة؛ فما دام مرتدًا فهو أكبر من الكافر الأصلي، فأنا أحاربك أنت أولًا ثم أرجع للكافر الأصلي. والمنطق يقول: هذا رجل مسلم يفعل بعض المعاصي، لماذا لا تذهب لرجل ليس معه شيء من الإسلام أصلًا؟ لكن المبدأ كان معكوسًا.

هناك مثال متأخر قليلًا، ولكنه مثال شاذ في التاريخ؛ كان للخوارج إمارة في شمال أفريقيا في تونس، عندما اجتاح الفاطميون تلك المنطقة في الحافة التاريخية للقرن الثاني والثالث. عندما فتح الفاطميون هذه النقطة، كانت إمارة الخوارج تحارب الفاطميين. طبعًا أهل السنة عند الخوارج كفار، فالفاطميون كفار، وهم أصلاً لا يطيقون الناس، فكانوا محاربين شديدين ومقرفين في الحرب.

عندما وقفوا أمام الفاطميين، أهل السنة في تونس عرفوا أن الفاطميين هم الأقرب ليكونوا مرتدين (الإسماعيليين)، فنزلوا تحت إمارة أبي الزبير، وبايعوه بالإمارة. قالوا له: نحن مع أهل المشرق والعلماء، فتنزل تحت إمارة أبي الزبير وهو من الخوارج. فقالوا: لا، الخوارج من أهل السنة، هم يكفروننا لكن أهل السنة لا يكفرون الخوارج، أما العبيديون فهم ليسوا من أهل السنة، فنحن نحاربهم.

الخوارج لما بدأت المعارك انسحبوا وقالوا: هؤلاء مشركون وهؤلاء مشركون، وهذا واضح جدًا في السلوك المعاصر. مثل شكري مصطفى رحمه الله، الذي يعتبر ثاني أمير تولى جماعة المسلمين؛ وهو تنظيم تكفير، كان الأمن يسميه "تنظيم التكفير"، لكن اسمهم الحقيقي الذي يسمون به أنفسهم هو "جماعة المسلمين"، هم فقط المسلمون وكل الناس كفار. هو كان شابًا...

كان رجلاً مخلصاً جداً ودينياً، وكان البخاري يقول: «البخاري كافر»، ولكننا نأخذ الأحاديث خلاصاً. كان شخصية لطيفة جداً، ومن يريد القراءة عنه يقرأ جيداً عن فكرة الغلو. هناك كتاب اسمه «النبي المسلح»، الجزء الثاني الذي هو «الثائرون»، في الشهادات الأصلية لمسائل كان كاتبها هو نفسه.

سألوه في المحكمة بعد اغتيال الشيخ الذهبي هنا في مصر فقالوا له: «لو هاجمت إسرائيل مصر أنت ستفعل ماذا؟»، فقال: «أنا سآخذ المؤمنين الذين معي نطلع الجبال ونترك الكفار هؤلاء مع بعضهم، ربنا يوفقهم». قالوا له: «لكن المؤمنين فقط هم الموجودون، فماذا سنفعل بالمؤمنين الذين معهم؟ وماذا عن الباقي؟»، فقال: «هم كفار». وهذه كانت عاملة أزمة كبيرة جداً مع التيارات الجهادية في مصر أيام حرب 73.

في حرب 73 كان عبد الناصر مطلع عين الإسلاميين كلهم، وعندما بدأت الحرب لم يتغير نظام الدولة، لأن هذه المؤسسات فيها من ريح الزعيم أيضاً. كان أول سؤال يسأله الناس: «هل نحارب مع الجيش أم نتبع السنة؟». في أيام التابعين، في زمن الحجاج، سأل رجلٌ واحداً من التابعين، في طبقة سيدنا الحسن البصري: «هل يصلي أهل السنة وراء الخوارج؟».

أهل السنة يصلي وراء كل بر وفاجر ويجاهد مع كل بر وفاجر؛ لأن إقامة الجهاد أهم من وجود الفجر، فلو لم يجهد معهم انكسرت صفوف المسلمين. فهو يدافع عن الدين، وليس عن الأرض فقط، وإن كان الدفاع عن الأرض بالمعنى المطلق مهماً، لكن بالمعنى القطري لا.

كانوا يقولون له: «نصلي وراء الخوارج؟»، فقال: «نعم أصلي وراءه». فقال له: «نحن صلينا وراء الحرورية الأزرقية في العراق»، أي لم يكن أحد من الأزرقية إخواناً لنا. والحرورية الأزرقية تنسب لابن الأزرق، وكان رجلاً مجنوناً، وقد أدرك عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، وكانوا يرفعون له الزكاة من المنطقة التي يستولي عليها الخوارج، وكانوا يطلبون من الناس الزكاة، فكان الصحابة يدوها لهم؛ لأن الزكاة فرض.

قال الحجاج: «أنتم تعرفون أنني حاربت الحرورية الأزرقية وكسرتهم»، فقالوا له: «الحجاج لم يكن حرورياً أزرقياً»، فقال: «كل من قال أنا مسلم ومن عاداني أو من خالفني كافر فهو حروري أزرق». لذلك نحن نقول إن الخارج ليس دائماً هو الذي يخرج على السلطان، لأن أحياناً السلطان هو الخارج.

سيدنا عبد الله بن عمر هذا أثره خطير، ولكن من باب الأمانة العلمية، سيدنا عبد الله بن عمر لم يحارب قط بعد النبي ﷺ، وكان يكفر مع القتال. ولما قالوا له في الخروج على يزيد، قال: «بيعت الرجل»، فقالوا له: «تحارب معنا حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله؟»، فلم يحارب، وفي آخر حاله ندم وقال: «لو ددت أني قتلت، أو تلك الفئة التي خرجت فينا».

وقد خرج على الحجاج ابن الأشعث، وسيدنا الإمام سعيد بن جبير وهو من التابعين. والفرق بينه وبين الخارج هو أن الخارج يخرج على سلطان، لكن هنا السلطان هو الخارج لأنه قال: «من خالفني فهو...».

أهم شيء يا إخوان أن الدين هو رب العالمين. سيدنا عثمان بن عفان، أول ناس أطلق عليهم "خارج" بأريحية هم من حاصروا عثمان بن عفان، لأن الخروج كان له كذا معنى؛ منها الخروج على إمام بر، وهو إمام حق كسينا عثمان. فلما حاصروه، كان أهل المدينة يقيمون الصلاة، وكان أمير الخوارج هو من يصلي بالناس، فكان أصحاب النبي ﷺ يصلون وراءهم.

كانوا يقولون: «إذا أقامت الصلاة صلى بهم أميرهم ونحن نصلي وراءه ونأثم»، أي أنهم محرِّمون ونحن نُحارِبُهم، فقال لهم: «الصلاة خير ما يرى الناس، فإن أحسنوا فأحسنوا». لذلك دُوِّنت هذه العقائد؛ لأن المفهوم عند الصحابة كان فكرة القتال وراء البر والفاجر.

كانوا يصلون وراءه لأنهم يعرفون أنه فاجر، ومنهم من كان يصرح بذلك، مثل طاووس إمام اليمن، وكان تابعاً يقول: «ما بال أصحابنا أهل الشام يقولون عن الحجاج ما يفعله في الناس؟». وكان يقول: «من أمرت أن يخرج من هذا الباب فخلفني وخرج من هذا حللت دمه»، لكنهم كانوا يصلون خلفه. وهذا من شعر أبي يزيد الخارجي، وهو خارجي صريح وهم يعلمون أنه يكفرهم. أهل السنة دائماً كانوا يقولون: «نحن لا نكفر من كفرنا»، يعني لو شخص قال لك أنت كافر، فهو لا يشتمك في أبوك وأمك، بل يقول لك أنت كافر.

كافر لحق في الله عز وجل، فهذه هي المنطقة الخطرة؛ أن يكون السبب أن أهل السنة لا يجازفون بالتكفير، وممكن يواجهوا القتال بقتال، وهذا مسموح به.

أسبق القتال للمؤمنين، والبغي للمؤمنين، والإعانة على قتال المسلمين حتى يعودوا للحق، وكذا فعل أصحاب النبي ﷺ؛ الصحابة أنفسهم، ومنهم ابن حزم الذي يقول: «كل من رأى السيف لإحقاق الحق فهو يقول بالسيف على رؤوسهم». سيدنا علي، وسيدنا عائشة، وسيدنا الزبير، وسيدنا طلحة، وسيدنا معاوية، ومنهم ثلاثة مبشرين، وهذا هو إحقاق الحق بالسيف.

ما الفرق بين هذا وكلام الخوارج؟ الخوارج يريدون إحقاق الحق مع تكفير المخالف، أما الصحابة فكانوا يحاربون لإحقاق الحق مع الاحتفاظ بالإسلام؛ لأن تكفير من حق الله عز وجل ليس سهلاً، ولا يمكنك أن تقول: "مش هتساعده، كذا وكذا، ممكن يكون فعله من فعل الكفار"، وهذا وارد. أهل السنة يقولون: يجتمع في الإنسان كفر وإيمان، كفر يعني أفعال الكفر، وإيمان يعني أفعال الإيمان، أما زوال الإسلام بالكلية فهذه المسألة التي وقع فيها النزاع مع الخوارج.

المسألة هي أنك لست مضطراً للتكفير، ممكن تقاتل ولكن ليس على الكفر، ليس شرطاً أن يكون على الكفر. كل الكلام الذي قلته يندرج تحت مسألة "صلِّ وراء كل بر وفاجر"، وهذه مسألة ليست مختلطة بالزمان والمكان، لكن لا أفهم علاقة المرتدين بالموضوع.

لا، لم يقصد معه حكم الرد، بل إسقاطها؛ أنت قلت: "الجيش ستحارب معه أم لا؟"، فأنت تسقطها على الوقت الحالي، فلا تفعل ذلك. أنا أقول لك إن الحجاج ينفع، ينفع الجيش في عام 73، الناس كانت تحارب معه أم لا؟ السؤال هو: لو أردت أن أثبت لك، فأنا أستطيع أن أثبت لك لأن العقيدة العسكرية لم تتغير من عهد محمد علي. محمد علي، والحجاج، سواء كان بعد محمد علي أو قبله، كلهم اشتركوا في معنى أن من خالفهم كفروه وقتلوه. أنا أتكلم عن حكمهم بالنسبة لنا، ما هو السؤال؟ الحجاج، محمد علي، جيش مصر، سأكملها بعد قليل.

انظروا يا إخواني هنا لحظة وركزوا، الخط واضح، أريد أن أريكم أننا من لدن بني أمية إلى أواخر بني أمية، وتحديداً في عصر سيدنا عمر بن عبد العزيز، تجد دائماً أسهم الفتوح تذهب إلى الخارج، كل أسهم الفتوح في الخارج. بينما يوجد افتتان في الداخل.

في عصر الأمويين، القبائل اليمنية هي التي فتحت الأندلس، فما الذي جاء من اليمن؟ جاءت من اليمن إلى الحدود، ثم تذهب إلى أرمينيا، ثم تذهب إلى السند، والسند فُتحت في مساحات كبيرة جداً في العصر الأموي. الفكرة هي: أين تذهب معظم طاقة هذه الأمة؟ هل هي في القتال في الخارج أم في القتال في الداخل؟

إذا أردت أن أضرب أكثر من مثال، ما الفرق بين سلوك الخوارج ومفهوم الدفع؟ الخوارج لم يكونوا عاجزين عن الحرب، بل حاربوا في أرمينيا، وذهبوا إلى السند، وإلى الأندلس، وإلى جنوب مصر وحاربوا النوبة، فما الذي جعلهم "قافشين" وقتاً طويلاً في الداخل؟ كان بإمكانهم أن يحاربوا هنا وهناك في آن واحد.

هذه هي النقطة؛ لو نظرت إلى تاريخ بني أمية، تجد جزءاً كبيراً جداً من توقف عجلة الجهاد أو القتال الخارجي كان بسبب الاقتتال الداخلي. هل بيت المسلمين الذي في الداخل أخطر أم أن نحارب أحداً بالخارج؟ أنا أرى أن محاربة الذي يقتلنا من الداخل أفضل.

الصحابة مع الحجاج فعلوا ذلك، لكن الحجاج منعهم من الخروج. أنا أقول إن الجهاد من الفرائض المحمية، أي لا يُحال بينها وبين الأمة إلا إذا حيل بينها وبين العبادة، مثل الصيام. ركزوا أن هذه جزء من خاصية الأمة، فالأمة لا يمكن أن تتوقف عن الجهاد، ولا يمكن أن يُحال بينها وبين الفريضة بالمنع، وإنما قد يُحال بينها وبينها بالتشوه المفهومي، بأن يمتنع الإنسان طواعية.

قال النبي ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي تقاتل على الحق، لا يضر من خذلهم ولا من نواهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس». فهذا مفهوم زمني، في كل عصر يوجد هؤلاء، ولا يمكن لأحد أن يحار بين الأمة وبين الجهاد مطلقاً، ويُرجى أن تراجعوا تفسير الشيخ الشعراوي لمفهوم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97].

دائمًا الناس تقول الشيخ شعراوي صوفي، وأنتم عارفين صوفي، وكان بيجي في التلفزيون، فالناس يقول لك: صوفي بيجي في التلفزيون هيقول إيه؟ خلاص، حد يتابع تفسير الشعراوي، هو موجود حاليًا متجمع في الفيديوهات. هو المفسر الوحيد تقريبًا في المعاصرة اللي فسر القرآن كله فيديو.

في الآية دي يقول إيه؟ هو يقول إيه؟ ما تجيش تقول لي حاولت أسافر الرحمن عقلي، أصل لازم أطلع جوار، تضربوا جواز عشان تطلعوا بره. والله أنت بقول لك، الشيخ شعراوي تكلم كثيرًا جدًا، مثلاً ما فيش حد يتكلم إنه ينقل عن تفسير الظلال بشكل مباشر، ظل القرآن الكريم، الأستاذ شعراوي ما حدش يحصي عدد الحاجات في الفيديو كده يقول: وقال صاحب الظلال كذا وكذا، ينقل بنص صفحة.

هو على عكس كثير مما يظن الناس، هو رجل له عليه، لكن في الحتت دي هو مفسر، هو تعرض لتفسير كلام الله عز وجل، فهو كان بيتكلم كلامًا... أريدكم أن ترجعوا لهذه الحتت، ده واجب، يا ريت حد يجيبها لنا ويرفع لنا الرابط بتاعها على المجموعة.

الفكرة هي أن لما الجهاد يبقى للخارج، يعني خارج، يعني وقفت تقريبًا الجهاد، فالدولة كان وضعها كده، والأندلس كان وضعها كده، الألوان لو تلوتها واضحة، ده المد اللي حصل بعد الاختلاف الداخلي شوية. كل المد ده راح فين؟ نحن بعد كده الأناضول دي أُخذ منها حتة قعدت فترة، بعد كده خلاص.

ده كله إخواننا، التركي ده ديار الإسلام، ده كل مكتوب عليه إمبراطورية. أنا بتكلم على تركيا دي ما زالت داخل كده، لكن الأناضول، وبرطان العثمانية، والأندلس، ده كله دخل جوار الإسلام بالتوجه الصحيح، للسهم، يعني أنت رايح فين؟

نعطيكم مثال في التاريخ المعاصر: الجهاد الأفغاني ضد السوفييت سنة 91-92، الأفغان أخذوها تاني من السوفييت، حلو؟ في الفترة دي الناس كانت بتقاتل مين؟ عدو خير، اللي هو السوفييت. بعد ذلك حصل اختلاف داخلي، قعدوا يطحنوا في بعض من سنة 96 لغاية إمارة طالبان، قعدوا لغاية الغزو 2001.

في ناس كثير جدًا الآن يقولون الأفغان كانوا جزء من انهيار الإمبراطورية الأمريكية، اللي هو التوجيه: الأفغان بيحاربوا مين؟ بالأصل حاربوا بعض من 96 لغاية 2001، بعد ذلك الأمريكان نفسهم جو من 2001 لغاية دلوقتي. الأمريكان حاليًا طلعوا.

المفروض لو عايز أقيم التجربة، الاقتتال بتاعها من 91 لغاية 96، ده إيه لزمته؟ ما كانش مفيد في حاجة. واحد يقول لك: طب ما هم لما بطلوا حرب جالهم مين؟ جالهم هذا. الطبيعي أنني لو أنا كمسلم بحارب، المفروض بحارب غير المسلم.

في ناس كثير شايفه أن غزو أمريكا أفغانستان ده كان شيء ناجح لأمريكا. أمريكا على الحقيقة فرحانة جدًا، والأفغان كانوا فرحانين جدًا. لو على الواقع الاقتصادي، أفغانستان والعراق استنزفوا أمريكا، متى أمريكا بدأت تستعيد وجودها ونفوذها تاني في العراق؟ لما بدأ الاقتتال الداخلي من...