دخولتسجيل الدخول

التعليق على كتاب التاريخ الأندلسي | برنامج المُدارسة | المجلس الثالث

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب «التاريخ الأندلسي» للأستاذ والدكتور الفاضل عبد الرحمن حجي. هذا الكتاب الذي نستعرض فيه تاريخ الأندلس استعراضاً جملياً منذ البدايات الجميلة إلى النهايات المؤلمة، منذ لحظة إشراق شمس الإسلام على هذا البلد، على شبه الجزيرة الإيبيرية؛ إسبانيا والبرتغال، وإقامة حضارة إسلامية عظيمة استظل بأظلالها الغرب لسنوات عديدة، وكانت بوابة للعلم والمعرفة بالنسبة إليهم عندما كانوا يغوصون في الجهل، إلى أن سقطت الأندلس لأسباب كثيرة نحتاج أن نعرفها أيضاً؛ لأن التاريخ يعيد نفسه، ولأن سنن الله سبحانه وتعالى لا تحابي.

وهذا ما علينا أن نعرفه؛ أن سنن الله سبحانه وتعالى لا تحابي، وأن الفشل واختلاف ذات البين والتنازع هو سبب انهدام الحضارات والدول، وأن العدل -كما قال ابن تيمية رحمه الله في بعض السياقات- إن الدولة العادلة قد تقوى، والدولة المسلمة الظالمة قد تفشل، وإن الدولة العادلة الكافرة قد تنصر والدولة المسلمة الظالمة قد تفشل؛ لأن هناك سنن لله سبحانه وتعالى في هذا الكون على البشر جميعاً، وعلى أهل الإسلام خصوصاً، أن يفهموها ويتدارسوها. وهذه الفكرة النهائية من دراسة هذا الكتاب؛ أن نعرف التاريخ الأندلسي منقحاً، وليس مجرد تاريخ الأندلس من خلال دراسة المؤرخين الجهابذة الذين يهدفون إلى إعطائك القصة الحقيقية، وليس مجرد مشهد مصطنع تتغنى به ولا يمثل الواقع؛ فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا وأن يفهمنا وأن يعقلنا.

أظن أننا انتهينا إلى انتهاء دور موسى بن نصير وطارق بن زياد في فتح الأندلس. طارق بن زياد وموسى بن نصير -رحمهما الله- هم الفاتحون، أو هم الفاتحان للأندلس حقيقةً، على توفيق الله سبحانه وتعالى، وقد استمرت فترة طويلة، وقد درسنا أو مررنا في المجلسين السابقين على مراحل فتح الأندلس على أيديهما. اليوم سنعرف أن الخليفة الأموي في دمشق الوليد بن عبد الملك طلب من موسى بن نصير أن يتوقف، وأن يعود أدراجه إلى دمشق ويصحب معه طارق بن زياد. ماذا حصل بالأندلس بعد رحيل موسى بن نصير وطارق بن زياد؟ ما هي الحقبة التي هي مقبلة عليها؟ هذا ما نتعرف عليه في مجلس اليوم.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومنهج سنه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين وللمستضعفين من المؤمنين.

قال المصنف: الفصل الثالث، استدعاء الخليفة الوليد موسى وطارق إلى دمشق. لماذا استدعى الخليفة موسى وطارق إلى دمشق؟ ذكرت الروايات والدارسون أسباباً ليس للكثير منها قيمة علمية، لكن السبب القوي فيما يبدو هو تخوف الخليفة الوليد بن عبد الملك على المسلمين أن يكونوا في أرض بعيدة منقطعة، محاطة بمناطق غير إسلامية، لا اتصال بها، وهي أقرب إليها من العالم الإسلامي أو مراكز ارتباطه واستمداده. ذلك ما بدا السبب الذي رأيناه به؛ عارض فتح الأندلس خوفاً على المسلمين أن يخوضوا المخاطر ويركبوا المهالك، حتى بين موسى ألا داعي للخوف، إذاً ما في داعي لرسم سيناريوهات مختلفة وبعيدة.

لماذا أمر الوليد بن عبد الملك موسى بن نصير بالانسحاب بنفسه؟ لأن بعض المستشرقين الذين يحاولون إظهار التاريخ الإسلامي أنه مجموعة من المشاكل والاضطرابات بين القيادات، يحاولون دائماً إظهار أنه نوع من التحد أو التنافس، وخوف الوليد بن عبد الملك من أن موسى بن نصير يصبح له دولة مستقلة في الأندلس؛ سيناريوهات يرسمونها من بنات عقولهم. ولكن بعيداً عن كل هذا، السبب الحقيقي لأن الوليد بن عبد الملك طلب من موسى بن نصير التوقف هو خوف الوليد بن عبد الملك على الجيش الإسلامي؛ لأن الأندلس بالنسبة للوليد بن عبد الملك منطقة مجهولة ومفاوز كبيرة لا يعرف ماذا يوجد فيها وماذا يوجد وراءها، ما بعد ذلك من بعد جبال البرانس -كما قلنا- فرنسا وما بعدها.

فبالنسبة لوليد بن عبد الملك، هو مسؤول أمام الله عن أرواح المسلمين، وعليه فهو لا يمكن أن يجازف بالجيش الإسلامي في مناطق بعيدة أصلاً عن مناطق الإمداد. فالجيش الإسلامي هنا أصبح في منطقة مختلفة، من يريد الوصول إليه يحتاج إلى سفن، فهي بعيدة الآن وليست متصلة جغرافياً برياً بالمغرب، بل هناك بحر ومضائق مائية تفصل بين المغرب والأندلس. فتخوف الوليد بن عبد الملك على الجيش الإسلامي وماذا يمكن أن يحصل معه، وأن يكون طارق بن زياد أو موسى بن نصير يدخلان مغامرات غير محسوبة، هذا الذي جعله يأمرهم مباشرة بالتوقف، ويلح على ضرورة حضورهم إلى دمشق. وطبعاً منذ قدموا إلى دمشق تقريباً انتهى ذكر موسى بن نصير وطارق بن زياد في التاريخ؛ لا نعرف ماذا حصل لطارق بن زياد بعد ذلك، وموسى بن نصير سيأتي أنه حَجَّ لحج بن عبد الملك ومات في النهاية في دمشق أو ما حولها في آخر عمره.

قال: ذكر بعض المؤرخين أن موسى كان يفكر بفتح ما وراء جبال البرانس من الأقطال الأوروبية، فتحاً مستقراً، لعل ذلك ما دفعه إلى مواصلة الجهاد حتى وصل إلى أوربونه جنوب فرنسا كما مر تنويه به، بل قيل إنه كان ينوي فتح القسطنطينية والوصول إلى دمشق عن هذا الطريق. حكيناه في الدرس الماضي أن موسى بن نصير كانت أحلامه وطموحاته عالية رضي الله عنه، كان يريد أن يصل للقسطنطينية ويرجع يلف ويدخل دمشق من الجهة الأخرى.

قال: والاستمرار في فتح الأرض الكبيرة حتى الشام، دولة الفرنجة (فرنسا) وشمال إيطاليا حيث بلاد اللمبارد وبقية إيطاليا وروما، ثم جنوب بلاد السلاف وسهول جنوب يوغوسلافيا وبلغاريا، فالدولة البيزنطية حيث يفتح القسطنطينية، ثم آسيا الصغرى (تركيا) حتى يصل إلى دمشق. هذه الخطة في هذا السلم. قال وفي هذا يقول ابن خلدون عن موسى بعبارة مختصرة وأجمع: «أن يأتي المشرقة من ناحية القسطنطينية». إذاً ابن خلدون ينص على هذا، وأجمع موسى بن نصير أن يصل إلى المشرق، أي إلى دمشق، لكن من ناحية القسطنطينية.

قال: وتجاوز إلى الشام دروب الأندلس، ويخوض فيه ما بينه وبين بلاد الأعاجم والأمم النصرانية مجاهداً فيهم ومستحماً لهم، إلى أن يلحق بدار الخلافة من دمشق. ونِم الخبر إلى الخليفة الوليد، فاشتد قلقه بمكان المسلمين من دار الحرب. إذاً نما الخبر، أي وصل الخبر إلى الوليد بن عبد الملك أن هذه طموحات موسى بن نصير، فهنا هو متخوف.

قال: يدخل مع وراء جبال البرت ويُبدأ في فرنسا، وهذه قارة لا علم للعرب المسلمين بها تقريبًا بتفاصيلها. فهذا كما قلنا سبب إيقاف الوليد بن عبد الملك لموسى بن نصير ليس أكثر.

قال: ورأى أن ما هم به موسى تغرير بالمسلمين فبعث إليه بالتوبيخ. والمجازفة بمعنى التغرير هي نوع من المجازفة. قال: فبعث إليه بالتوبيخ والانصراف، وأسر إلى سفيره أن يرجع بالمسلمين إن لم يرجعه، وكتب له بذلك عهده؛ أي قال لرسوله: إذا لم يرجع موسى بن نصير ورفض، ارجع أنت بالجيش الإسلامي، ودع موسى بن نصير يدبر نفسه بنفسه.

قال: يسبق ابن الشباث ابن خلدون في بسط هذا السبب، ولعل ابن خلدون اعتمد في هذا على كتاب مفقود لابن حيان أو غيره، وهذا يشير إلى توفر هذه المعلومات لدى أسلاف من مؤرخينا، حيث فيه دلالة تقود إلى توثيق هذا التعليل الذي يورده ابن الشباث منقولًا عن اختصار «اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أسماء الصحابة والآثار» للمؤرخ الفقيه الإشبيلي أبي محمد بن خراط.

ولما انتصر الوليد بن عبد الملك رحمه الله، تلوم موسى بن نصير بأرض الأندلس، وتقحمه بالمسلمين في أرض العدو من غير مؤامرة ولا مشاورة، بعث مغيثًا من مولاه إليه، وأمره أن يعنفه ويقفله إلى إفريقية. إذاً نفس الشيء؛ ابن الشباث نقل عن الإشبيلي.

يقول ابن الخراط: ولما اتصل -أي وصلت الأنباء- للوليد بن عبد الملك تلوم موسى بن نصير بأرض الأندلس، وكأنه من التقلب؛ ومعنى التلوم أنه يتقلب فيها ويخوض فيها ويتقحم بالمسلمين من غير مؤامرة، بمعنى أنه لا يوجد أحد أمير فوقه، فهو لا ينتظر أمر أمير المؤمنين، بل يمضي موسى بن نصير كما يقول إلى الأمام دون أي أمر ومن دون مشاورة. عندئذ بعث الوليد بن عبد الملك مغيثًا مولاه، وأمره أن يعنفه، وأن يمسك موسى بن نصير أينما ذهب، وأن يقفله، أي يعيده بالقفول وهو الإرجاع، وأن يعيده إلى إفريقيا؛ إلى تونس والمغرب وما حولها.

قال: نقل المقري عبارة أخرى لم يذكرها مصدرها تؤكد هذا المعنى، يقول عن عودة موسى إلى دمشق بأنه تركه إلى الأندلس وهو مع ذلك متلهف على الجهاد الذي فاته، حزين على ما لاحقه من الإزعاج. قال: كان يؤمل أن يخترق ما بقي عليه من بلد افرنجة، ويقتحم الأرض الكبيرة حتى يتصل بالناس إلى الشام، مؤملاً أن يتخذ مخترقه بتلك الأرض طريقًا مهيعًا يسلكه أهل الأندلس فيما في مسيرهم ومجيئهم من المشرق وإليه على البر، لا يركبون البحر.

وكأنه كان يريد التسهيل على المسلمين الذين في الأندلس حتى يستطيعوا الذهاب إلى دمشق عبر البر، لذلك كان يريد فتح كل هذه القارة، حتى المسلمون في الأندلس لا يحتاجون إلى دخول البحر ليصلوا إلى مصر وأرض الخلافة، بل يصلون عن طريق أوروبا إلى دمشق.

قال: غير بعيد أن يفكر موسى بمثل هذا المشروع أو جزء منه، مستمرًا في الجهاد خلف جبال البرت، وهو ما قام به المسلمون بعد ذلك، ولعل السرايا التي وصلت إلى أوربونة أو حولها في جنوب فرنسا خلال وجود موسى تقوي واقعية هذه الفكرة وتؤكد توثيقها. وإذا كانت فكرة هذا المشروع مبكرة لدى موسى، ألا يمكن الربط بينها وبين الآلاف الثمانية عشر من الجند التي عبر بها إلى الأندلس؟

الظاهر أن أخبار خطة موسى هذه وصلت إلى الخليفة الوليد، سواء كتب هو بها إلى الخليفة أو عرف بها عن طريق الرسل الذين أرسلهم موسى أثناء الفتوح الأولى حتى طليطلة، أو في أي وقت آخر؛ ليس من الضروري أن يكون موسى قد كتب مرة واحدة إلى الخليفة بشأن فتح الأندلس، وذلك حين أرسل أثناء الإقامة بطليطلة علي بن رباح ومغيث الرومي كما يقال، لعل موسى بذلك كان يستشير الخليفة بهذه الفكرة، وهو أمر ضروري وطبيعي.

إنها محاولة من عبد الرحمن حجي لتحليل المشهد: هل موسى بن نصير استشار الوليد بن عبد الملك بفكرة فتح القارة الأوروبية كاملة، أم أن هذه أنباء أوصلها الجواسيس للوليد بن عبد الملك؟ الذين يحيطون بموسى بن نصير أوصلوا الخبر ودسوه للوليد بن عبد الملك بطريقة ما ليُلحق الجيش الإسلامي قبل أن يغامر به موسى بكل هذه الجند. هذه احتمالات واردة، ولا نستطيع أن نقول ما الحاصل في النتيجة النهائية، لكن الخبر وصل إلى الوليد بن عبد الملك بغض النظر عن الطريقة.

قال: غير معروف فحوى رسالة موسى مع مغيث، لكن ابن الفرضي يقول إن موسى بن النصير حين فتح الأندلس كتب إلى الوليد بن عبد الملك أنها ليست الفتوح ولكنها الحشر. وكان رد الخليفة استدعاء القائدين وإيقاف الفتح ولو إلى حين.

قال: وجه الخليفة الوليد مغيثًا الرومي مستدعياً موسى، وهذا يقوي كون مغيث رسولًا أو أحد رسل موسى إلى الخليفة يطلعه على عمليات الفتح في الأندلس. أدرك مغيث موسى وهو يقوم بجهاده في الشمال الإسباني، مستعدًا لدخول جاليسيا من شرقها، بينما هو يعمل في ذلك ويعد له، إذ أتاه مغيث الرومي، رسول الوليد بن عبد الملك ومولاه، يأمره بالخروج من الأندلس والإضراب عن الوغولة فيها، وأن يأخذه بالقفول إليه. فساء ذلك موسى وقطع به عن إرادته، فلطفه موسى وسأله إمهاله أيامًا حتى ينفذ عزمه في الدخول إليها والمسير في البلاد أيامًا.

إذًا كما قلنا، الوليد بن عبد الملك بعث أول رسالة لموسى بن نصير عن طريق مولى للوليد بن عبد الملك اسمه مغيث الرومي. مغيث الرومي مر معنا أصلاً أنه شارك في الفتوحات فعليًا، شارك في فتوحات الأندلس مع موسى، ولكنه كان في النهاية مولى وعاملًا للوليد بن عبد الملك، الخليفة الأموي؛ فأرسله الوليد بن عبد الملك إلى موسى بن نصير وقال له أحضره لي مهما كان.

وصل مغيث الرومي إلى موسى بن نصير وأخبره بالتفاصيل المطلوبة منه؛ أي لا تسلم نفسك أو تأتِ معه إلى الوليد بن عبد الملك. موسى كما قيل قُهر، وساءت نفسه، وقال: وقطع به عن إرادته؛ أي أنه كان ناويًا أن يكمل، لكنه دمر طموحاته وأفشل ما كان يخطط له، فاضطر موسى أن يتوقف، لكن ماذا قال لمغيث؟ قال: أمهلني أيامًا، أريد أن أفتح بعض القرى والحصون قبل أن أنطلق معك. ومغيث رجل عاقل، وهذا الذي أعجبني في مغيث أنه تفهم أن الوليد بن عبد الملك لا يرى ما يراه رسوله.

الأمر حرفي؛ قال لموسى بن نصير ماذا؟ في دقيقة معك الآن، بتيجي معي عند الوليد بس مغيث، لأنه يرى في الواقع أن ماشي هو صح. الوليد أميري وخليفة، أمرني أن أحضر موسى بن نصير مهما كان الثمن، لكن في واقع مغيث يراه بعينه، الخليفة لا يراه بالتالي ما يسمى اليوم فحوى النص؛ يعني أنت كرسول لابد أن تكون تفهم مضمون الرسالة وفحواها وليس التنفيذ الحرفي، إذا كان التنفيذ الحرفي سيضر بالمسلمين.

أعجبني أنا عقلية مغيث الذي تقبل إعطاء موسى بن نصير فسحاً ليكمل فتح بعض القلاع والمدن، لأنه عرف أن هذه مصلحة عامة للمسلمين. الوليد بن عبد الملك لا يشاهدها، الوليد قاعد في دمشق ولا يعرف هذه المصلحة، ولذلك قال فلاطفه موسى، يعني موسى عم بلاطف مغيث، أنه وسأله أن إنذاره، يعني خليه انتظر شوي إلى أن ينفذ عزمه في الدخول إليها في بعض المناطق، بدي أدخل عليها وأسيطر، لازم الوليد ما رح يزعل لأنه هي فعلية المصلحة والمسير معه في البلاد أياماً. قال استمر معي وامشي معي في البلاد أياماً نسيطر على بعض المناطق ونسيط ونحسم بعض الأمور التي لابد أن تحسم، ثم سأغادر معك.

قال بعد فتح مناطق كثيرة في جلقية واشتريش، قدم أبو نصر آخر من الوليد، من الخليفة الوليد يستعجل موسى العودة لما استبطأ. الوليد بن عبد الملك تأخر عليه موسى بن نصير، يعني هو بعث مغيث ومغيث لم يرجع، لسه مغيث ماشي مع موسى وماشيين الاثنين، وأرسل رسولاً ثانياً اسمه أبو نصر، قال له بدك تحضر الجماعة. يعني أنا أرسلت مغيث ومغيث تأخر في إيصال موسى بن نصير إليه فبعث رسولاً آخر.

طبعاً هناك سيناريو آخر يفرضه عبد الرحمن الحجي وهو أن ليس هناك استبطاء حقيقي، يعني ليس أن موسى تأخر فعلياً، لأنه كما قيل بين إرسال مغيث وبين إرسال أبي نصر أشهر معدودة، وشيء طبيعي أنه إذا من الأندلس للمغرب لدمشق أصلاً الوصول يحتاج لأشهر. فالبعض يقول لا، هو الوليد بن عبد الملك خشي أن مغيث لا يستطيع الموانعة على موسى بن نصير، فلذلك بعث رسولاً آخر ليكون فيه إلزام أكثر وإخبار لموسى أن الموضوع خطير ولا يقبل الخروج عن رأي الأمير، فلذلك أرسل الرسول الآخر أبو نصر.

قال لما استبطأ موسى في القفول لم يملك موسى إلا الاستجابة لأمر الخليفة. وقال الرازي إن الذي أزعج موسى عن الأندلس أبو نصر رسول الوليد، فقبض على عنانيه وثناه قافلاً، وقفل معه إلى المشرق. يعني الرازي، طبعاً هذا الرازي مؤرخ مش الرازي، الرازي مرة معنا، قال الرازي إن الذي أزعج موسى عن الأندلس فعلياً وأوقف تماماً هو أبو نصر، يعني حتى عبر هنا هكذا قال: «فقبض على عنانه»، يعني كأنه مسك بعنان الفرس، قال له خلص وقف ما في ولا شبر، أخذ بعنان فرسه وثناه قافلاً معه إلى المشرق، يعني إلى دمشق.

قال يورد ابن الشباط نقلاً عن مختصر تاريخ الطبري لعارب بن سعيد ما يلي: «استبطأ وليد رحمه الله قدوم موسى فبعث رسولاً يعرف بأبي نصر». ما معنى كلمة استبطأ؟ يعني شعر بتأخر موسى، هذا معنى استبطأ، يعني رأى أن موسى بطيء مش عم سريع، لا يأتي مباشرة كما أمرته.

قال: «فتوكل بموسى واندفع بهم من مدينة لمدينة لك بجلقية وخرج من الفج المعروف بفج موسى، وفاه طارق بالطريق». وما الآن طارق بن زياد اضطر أن ينسحب مع موسى بن نصير، يعني موسى بن نصير أرسل رسالة لطارق بن زياد: علينا أن ننسحب الآن من الأندلس بناءً على رسالة الخليفة الأموي.

قال: «ومضيا جميعاً معهما مغيث وأبو نصر من أراد أن يرجع من الناس إلى المشرق، واستخلف موسى بن نصير على الأندلس عبد العزيز». فمن وضع الآن نائباً عنهما، نائباً عن موسى بن نصير على الأندلس؟ عبد العزيز بن موسى بن نصير هو الآن فعلياً أمير الأندلس، خلص انسحبوا، انسحب أيضاً مع موسى بن نصير من أراد من الجيش الإسلامي الانسحاب، ومن رغب من الجيش الإسلامي أن يبقى بقي، وأصبح أمير الأندلس الآن عبد العزيز بن موسى بن نصير.

قال: إذا كانت المدة بين الرسولين حوالي أربعة أشهر، فهل هي كافية لاستبطاء الخليفة عودة موسى ليرسل رسولاً آخر يستدعيه، أم أنه رسول واحد كان بانتظار موسى فكرر عليه الطلب؟ يعني هذه محاولات عبد الرحمن حجي لتحليل المشهد كما قلنا، يقول: هل المدة بين الرسولين، إذا كانت المدة بين مغيث الرومي وبين أبي نصر، بين الرسول الأول، أربعة أشهر أصلاً، هل هي كافية حتى نقول إن الوليد استبطأ موسى؟ طيب ما هو أصلاً من الأندلس لدمشق هي بدها أربعة أشهر، يعني زمان ما في طيارة، يعني هو مش رح يعجز تكت موسى بن نصير من أندلس مطار إسبانيا الدولي لمطار دمشق؟ مش هيك رح يكون الوضع؟ هو بده يمشي من إسبانيا بده يرجع للمغرب على أحصنة على جمال، يعني هذا قصارى ما يمكن.

فهو عبد الرحمن حجي بيقول: يعني مدة أربعة أشهر ليست مدة طويلة لنقول إن الوليد شعر أن موسى يتفلت وأن موسى لا يريد القدوم بشكل عاجل، فهو يرى ويقول ماذا؟ أم أنه هو رسول واحد كان بانتظار موسى فكرر عليه الطلب؟ يعني في احتمال أن يكون أبو نصر هو من البداية جاء مع مغيث وأنه هو نفسه عم يلح على أبي موسى يلا بدنا ننجز الخليفة ينتظرنا. لكن ماذا يقول «لكن نص»؟ أيوه المقري قال: لكن النص المقري وغيره واضح في أنهما رسولان، هما رسولان وليس رسول واحد، يذكرهما بالاسم والكنية، مغيث وأبو نصر.

قال حيث الحديث عن عبد الله موسى يذكرهما متميزين بالاسم والكنية كما في النصوص السابقة المقتبسة، إرسال رسولين من قبل الخليفة لاستدعاء موسى، المدة بينهما أشهر قليلة قد تكون ثلاثة، يشير إلى قلق الخليفة على المسلمين وأنه هو سبب الاستدعاء، يعني هذا أقصى ما يمكن أن نقول إنه خايف، الوليد بن عبد الملك خايف.

قال: إذا كانت مسيرة موسى وطارق، وطارق من طليطلة نحو الشمال في شهر ربيع الأول أو نحوها سنة 94 أو بعده بقرين، وعودته إلى المشرق عابراً مضيق جبل طارق في ذي الحجة سنة 95 أو بعدها بدايات سنة 96، تكون عمليات الجهاد في فتح شمال إسبانيا قد استغرقت حوالي ثمانية أشهر. إذاً رحلة موسى بن نصير لفتح الأندلس مع طارق بن زياد استغرقت ثمانية أشهر. تخيل أن شبه الجزيرة الإيبيرية، إسبانيا والبرتغال، بكل مساحاتها الشاسعة فُتحت خلال هذا الرقم الذي يعتبر رقماً قياسياً.

على أحصنة وجمال، ما هي سيارات ولا دبابات ولا طائرات.

قال: مضى حوالي نصفها قبل مجيء مغيث، رسول الخليفة الأول، الذي ربما كان وصوله إلى الأندلس حوالي أواخر شعبان سنة 95 هـ، أي بعد مضي حوالي ثمانية أشهر على رحيله من الأندلس يحمل أنباء الفتح إلى الخليفة الوليد. يقول المقري -عفواً أنا أخطأت- هو يقول: "عمليات الجهاد في فتح شمال إسبانيا"، حتى أكون دقيقاً وما قال "كل الأندلس"، تكون عمليات الجهاد في فتح شمال إسبانيا ثمانية أشهر، لأنه هي فتح الأندلس كما قلنا، معركة البرباط كانت 92 هجري، إذا من 92 لـ 94 نحن بنتكلم عن سنتين، فلذلك هو هنا لما بتتكلم إذاً حتى بداية 95 عن ثلاث سنوات، يعني هو إذا يتكلم في هذه الفقرة عن عمليات الجهاد في فتح شمال إسبانيا، هو يقصد من طليطلة فصاعداً، ومن طليطلة فصاعداً هي التي أخذت مدة ثمانية أشهر كمعنى دقيق.

قال يقول المقري عن مغيث، وهو الذي وجهه إلى الأندلس غازياً، ففتح قرطبة ثم عاد إلى المشرق، فأعاده الوليد رسولاً عنه إلى موسى بن نصير نستحثه على القدوم عليه، فوفد معه. إذا اعتبرنا هذه المدة ذهاباً وإياباً طويلة، وأن الخليفة أعاد مغيثاً مباشرة أمام قلقه على المسلمين، إما أن يكون خبر خطة موسى وصلت بيد رسول آخر أرسله موسى من الثغر الأعلى، أو أن هذه التقديرات الزمنية غير دقيقة؛ ممكن التقديرات الزمنية كلها -وهي أنه بين الرسولين أربعة أشهر- قد تكون كلها غير دقيقة، الله أعلم بها.

إذا كانت أخبار خطة موسى وصلت إلى الخلافة بواسطة مغيث، والطريق بين دمشق والأندلس يستغرق شهرين أو يزيد، فإن وصول مغيث كان أثناء وجود موسى في الثغر الأعلى أو بعده، وإن الخليفة استبطأ عودة موسى أو أي خبر عنها فأرسل رسولاً آخر، أو أن الخليفة لم يرسل رسوله الثاني استبطاءً بل استعجالاً. هذه ممكن أن الخليفة لم يرسل الرسول الثاني استبطاءً، أي أنه لم يشعر أن موسى تأخر، بل أرسله استعجالاً؛ كيف أرسل لك رسولاً ومباشرة أرسل رسولاً ثانياً من باب أني أستعجلك أكثر وأكثر؟ هذا أيضاً تحليل. المهم باختصار، الخلاصة النهائية أنه بعث رسولين، وفي النهاية أخرجوا موسى بن نصير من الأندلس.

ويقوي هذا الفهم كونهما رسولين، وأن "أبا نصر" كنية للرسول الثاني وليست لمغيث، لعل هذا الفهم يقوي تعليل اعتبار الخوف على المسلمين سبباً في الاستدعاء.

عودة موسى وطارق بالجند: قال: ترك موسى عمليات الفتح في الشمال بعد أن رتب الأمور وهو في مدينة لوكا منصرفاً نحو جنوب الأندلس، ولعل ذلك كان في أوائل ذي الحجة سنة 95 أو بعده كما أشير إليه، ولا نعرف طريق العودة من الشمال، لكن المرجح أنه سلك أقرب طريق من مدينة لوكا إلى الفج المعروف باسمه "فج موسى". التحق به طارق عائداً من الثغر الأعلى أو من غيره، والتحق طارق بن زياد بموسى في الطريق، التقيا في الطريق.

لا يبدو أن هذا أول لقاء بينهما خلال عمليات الجهاد في الشمال الإسباني بعد افتراقهما في سرقسطة، لعل طارقاً قام بقيادة بعض السرايا أثناء فتح الشمال، أرسل إليه موسى من مدينة ركا للتحاق به استجابة لأمر الخليفة فالتقيا هنا في الطريق. لا شك أن كثيراً من المسلمين، قادة وجنداً، قد توزّعوا على مناطق لإدارتها والإشراف عليها والدعوة إلى الإسلام فيها، وكل هذا يدعو بعضهم إلى الإقامة الدائمة.

انحدر موسى وطارق ورسول الخليفة وعدة من المسلمين تجاه إشبيلية، لعلهم مروا بطليطلة وقرطبة. الظاهر أن ابنه عبد العزيز كان في إشبيلية أو قريب منها أو على موعد سابق، ومن الممكن القول إن أباه تركه ليقوم بافتتاح مدن معينة في شرقي الأندلس أو غربيها، يفسر ذلك عدم ورود اسم عبد العزيز في كل الفتوحات التي تلت مارده نحو الشمال، حيث لم يرد أن له علاقة بالفتوحات شمال الأندلس. الظاهر أن عبد العزيز كان مشغولاً بالفتوحات في شرق الأندلس، لذلك لما تتكلم عن فتوحات شمال إسبانيا ما كان اسمه وارداً كأحد قادة الفاتحين في تلك المنطقة، عبد الرحمن الحجي يحلل هذا بأنه هو كان مسؤولاً عن مناطق الشرق.

إن عديدة من المدن في شرقي الأندلس وغربيها لم يرد ذكر فتحها من قبل موسى وطارق، فلعل الذي فتحها هو عبد العزيز الذي كان يتولى هذه المناطق، وهذا شيء طبيعي؛ فإنت تتكلم عن جغرافيا واسعة وهائلة، ويصعب على موسى بن نصير وطارق بن زياد أن يكونوا في كل الجبهات حاضرين.

أقام موسى في إشبيلية أياماً لترتيب أمور الأندلس وأحوالها، وإشبيلية كان فيها ابنه؛ لذلك قال إن ابنه عبد العزيز كان ينتظره على موعد سابق، كأنه بموعد أنه موسى بن نصير الآن نازل من الشمال خلاص، ينزل في إشبيلية عند ابنه عبد العزيز يرتب الأمور ويضع له الخطط، يضع له الخطط ليدير الأمور، ثم يسلم البلد لابنه ويغادر.

قال: متخذاً من إشبيلية عاصمة لموقعها المناسب، وعين ابنه عبد العزيز والياً على الأندلس. إذاً ستصبح الآن إشبيلية هي العاصمة، طارق بن زياد إذا تتذكرون أين جعل العاصمة فعلياً؟ طارق بن زياد استقر في طليطلة التي هي عاصمة القوط، فتحها طارق بن زياد وجلس فيها حتى جاء موسى بن نصير، الآن عبد العزيز سينقل مركز الأندلس إلى إشبيلية وستكون هي العاصمة في فترة حكم عبد العزيز.

قفل موسى عن الأندلس بعد أن أنزل الرابطة أبو الحميد بثغورها واستعمل ابنه عبد العزيز لسدها وجهاد أعدائها، توجه موسى وطارق ومن معهما بعدها إلى...

عبروا المضيق في نهاية ذي الحجة سنة 95 هـ، عبروا مضيق جبل طارق باتجاه المغرب، ثم عادوا وأصبحوا في المغرب.

قال: كانت مدة جهاد موسى في الأندلس سنتين وأربعة أشهر، ويزيد طارق سنة واحدة. إذاً جهاد فتح الأندلس سنتين وأربعة أشهر، وهي مدة إقامة موسى بن نصير، زيد عليها سنة لطارق بن زياد، لتكون مدة المكث ثلاث سنوات وأربعة أشهر لطارق بن زياد، وكانت هذه هي مدة فتح الأندلس كاملة، لكن الشمال الإسباني بالتحديد، كما قلنا، استغرق ثمانية أشهر.

قال: استغرق فتح الأندلس، غير سرية طريف، ثلاث سنوات ونصف، أو نحو أربع سنوات كما يجمل المقري ذلك. سرية طريف هي سرية استخباراتية بعثها موسى بن نصير ابتداءً قبل بعث طارق بن زياد. وبقوله: «وبينما موسى كذلك في اجتهاد الظهور وقوة الأمل، إذ قدم عليه رسول آخر من الخليفة يكن أبا نصر، أردف به الوليد مغيثاً، لما استبطأ موسى في القفول وكتب إليه وبخه ويأمره بالخروج، وألزمه رسوله إزعاجه، فانقلع حينئذ من مدينة لك بجلقيه وخرج على الفج». والمروء معروف بـ «فج انقلع»، وهذه كلمة عربية ليست شتيمة، يعني أنه خرج، تمام.

قال: «ووافاه طارق في الطريق منصرفاً من الثغر الأعلى، فأقفله مع نفسه ومضيا جميعاً، ومعهما من الناس من اختار القفول، وقام من أقام من أثر السكنة في مواضعهم التي كانوا قد اختطوها واستوطنوها». فالجيش الإسلامي انقسم؛ قسم أراد العودة إلى المغرب ولا يريد الإقامة في الأندلس، وقسم اختار واستوطن مناطق في الأندلس أعجبتهم، مناطق زراعية وجبلية وسهلية، فقالوا: نحن نستوطن في الأندلس ونبني قرانا وأمصارنا.

قال: «وقفل معهم الرسولان مغيث وأبو نصر حتى حلوا بإشبيلية، فاستخلف موسى بن نصير عبد العزيز على إمارة الأندلس، وقره بمدينة إشبيلية لاتصالها بالبحر، نظراً لقربها من مكان المجاز». والمجاز هو المعبر الذي سيعبرون من خلاله من إسبانيا إلى المغرب.

قال: «ركب موسى البحر إلى المشرق بذي الحجة سنة 95، وطارق معه»، وكان مقام طارق بالأندلس قبل دخول موسى سنة وبعد دخوله سنتين.

وعلى هذا يكون خط سير كل من موسى وطارق، منذ سيره من طليطلة أوائل سنة 94 حتى توجههما نحو جنوب الأندلس في الشمال الأفريقي أواخر سنة 95، كما يوضح الدكتور عبد الرحمن حجي الذي يغرم بخطوط السير ويتتبع فترات سير المجاهدين. فمثلاً، سار موسى بعدما وصل طليطلة نحو الشمال، ثم رجوعه إلى طليطلة، ثم عودته إلى دمشق.

يقول: «سار من سرقسطة، فتح معاقل وحصون حولها، وانفرد موسى بجيشه متجهاً شرقاً وشمال شرق الأندلس». موسى بن نصير اتجه نحو الشمال الشرقي، وطارق بن زياد اتجه نحو الشمال الغربي للفتوحات. والمدن في الشمال الشرقي التي فتحها موسى بن نصير هي: طركونة، وبرشلونة، وربما جيرونا وغيرها. وقد جرى جهاد وراء جبال البرت، أي دخل فرنسا، حيث جاوز جبال البرت وعمل بعض المعارك هناك.

قال: «عبر ممر باربينيان في منطقة سبتمانا، ووادي رودنا، ونهر الرون، وقرقشونا، وأروبونا، وأبنيون، ولوذون، وليون». هذه كلها مدن وقرى وحصون فتحها موسى بن نصير. ثم اتجه نحو الشمال الغربي في منطقة البشكنس، يسار أبره، بموازاة خط سير حملة طارق بن زياد. موسى بن نصير أيضاً مشى نحو الشمال الغربي بموازاة جيش طارق، وفتح في الشمال الغربي مناطق جليقية، مثل: بنبلنا، والأبا، والقلاع، وقشتالة. واشترك مع طارق في هذه المنطقة، ثم افترق مع طارق أيضاً، ثم افترق من جديد.

قال: «دخل مفازتها، حصن بارولوك، وحصن ومدينة ربما غيرها، واشتريش، والصخرة، وخيخون»، بنفسه أو بالسرايا، وربما قام طارق بكلها أو ببعضها. كان تحرك موسى نحو مدينة لوك، وبعدما وقف فتح الفتوحات، جاءه الرسول أنه انسحب باتجاه دمشق. فطريق العودة من مدينة لوك، فجّ موسى، وهذا وادي أو ممر سمي باسمه.

ثم تحقق به طارق قادماً من الثغر الأعلى: طليطلة، قرطبة، إشبيلية (التي كانت قاعدة العاصمة الجديدة)، ثم الجزيرة الخضراء في جنوب إسبانيا، وجاز الزقاق (أي مضيق جبل طارق) ووصلوا إلى سبتة المغربية، ثم نحو الشمال الأفريقي، فمروا بالقيروان في تونس، متجهاً إلى دمشق مركز الخلافة، وبالتأكيد مروا في الطريق بمصر والقاهرة.

طارق مع موسى، من طليطلة وسرقسطة، ينفرد بجيشه متجهاً نحو الغرب والشمال الغربي. هذا كان مسار موسى، أما طارق فقد التقى مع موسى في طليطلة في أول لقاء، ثم ذهب مع سرقسطة، وكما قلنا هو اتجه نحو الشمال الشرقي للفتوح، فجاء إلى منطقة البشكنس، مجاوراً للجبال، قريباً من منطقة جليقية، واشترك مع موسى، ثم التقى به طارق ربما ليس لأول مرة، بل في منطقة الثغر الأعلى ليلتحق به بناءً على أوامره للتوجه إلى الشام. فجّ موسى من طليطلة وقرطبة وإشبيلية والجزيرة الخضراء، عبر مضيق سبتة بصحبة موسى إلى دمشق.

خلاصة ذلك كله، وللأسف الشديد لضياع الأمهات، جعل خط سير الفتح وتواريخه وتفاصيله الأخرى فيه الكثير من الغموض. وما ذُكر من محاولة تحديد ذلك يحف به أحياناً التخمين، القائم على المتابعة والمعايشة والدراية. يعني يقول عبد الرحمن حجي في النهاية إن ما ذكره هو شيء تقريبي عن معارك وسير الفتوحات في الأندلس؛ لأنه في النهاية لا نملك المعلومات الكاملة والكافية من حيث الدقة، فهذا شيء تقريبي تفهم من خلاله كيف تم فتح الأندلس.

أين إشبيلية يا شيخ؟ إشبيلية في الجنوب.

ولذلك لما قالوا وهي قريبة من المجاز؛ لأنها قريبة من منطقة جبل طارق الذي من ضيق جبل طارق الذي سيجوز منه موسى بن نصير باتجاه سبتة المغرب وإشبيلية، اتخذت العاصمة ومنها تحرك باتجاه المضيق ومن المضيق اتجه باتجاه سبتة المغربية وإلى دمشق.

قال: صفة الفتح الإسلامي وطبعته؛ أمر هذا الفتح الإسلامي في كل مكان في عموم تاريخه، مثله في شبه الجزيرة الإيبيرية مدهش يدعو إلى العجب، افتتح المسلمون في 15 عامًا مناطق واسعة فتحًا أصيلاً، سقطت بيد تلك القلة القليلة أكبر إمبراطوريتين عريقتين في العالم، ذاك تملكان أنواع القوى المادية الظاهرة التي هي متراكمة، الرجحان في الغلبة، الأمل في النصر الكاسح، والاستعلاء في الخبرة والدربة والتنظيم والعلم والفلسفة وتفكير وكل ما يمكنها.

إذاً يقول إن المسلمين عموماً في فتوحاتهم وجهادهم أمرهم عجب، فيتكلم أولاً عن فتح الصحابة، قال: الصحابة أولاً خلال 15 سنة استطاعوا أن يهدموا أعظم إمبراطوريتين في تلك الحقبة وهي الروم والفرس، مع أنه من حيث القوة والعدد والاستعلاء المعرفي والعسكري العرب ماذا كانوا مقارنة بالروم والفرس؟ لم يكونوا شيئاً ذا بال، مع ذلك استطاع الصحابة أن يهدموا هاتين الإمبراطريتين خلال 15 عامًا.

قال: ذلك رغم محاولات هاتين القوتين الكبيرتين من أجل إيقاف زحف الإسلام النير والقضاء عليه، بالاستمداد من خارجهما أو الاتحاد بينهما، بل لم يكن يخطر على بال ولا خيال أي من القوتين أن تقف أمام هذا المد الجديد الفريد، كانتا قبلاً متحاربتين، كان العداء بينهما شديداً والحروب مستمرة، وقفت هاتان القوتان بكل الإمكانات المعهودة المحشدة أمام المد الإسلامي حتى أصاب الفشل.

هل هناك معركة اتحد فيها الفرس مع الروم ضد المسلمين؟ نعم، معارك محدودة، هو يقول لك إنه في بعض المعارك المحدودة الفرس مع الروم اضطروا أن يتوحدوا ضد المسلمين ومع ذلك فشلوا، تخيل أنهم أكبر قوتين دوليتين، كيف تحكي أنت أمريكا وروسيا اليوم أقطاب العالم في تلك الفترة، يتحدون لضرب المسلمين ومع ذلك تفشل دولهم وينهار الفرس وينهار الروم ويصل المسلمون إلى مناطقهم.

قال: كان عدد الجيش الإسلامي في معركة مؤتة سنة ثمانية للهجرة 3000 وجيش الروم 100,000 أو يزيدون، عندها قال ثابت بن الأقرم لأبي هريرة -وكان إلى جانبه في المعركة وقد برق بصر أبي هريرة من كثرة ما رأى من العدة والسلاح-: «يا أبا هريرة، كأنك ترى جموعاً كثيرة»، قال: «نعم»، قال: «إنك لم تشهد بدراً معنا»، لم ننصر بالكثرة. في نفس المعركة خاطب الجيش قائدهم عبد الله بن رواحة قائلاً: «وما نقاتل الناس بعدد وقوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة».

قال: أبو بكر رضي الله عنه: «إن الله لم ينصرنا مع نبيه ﷺ بكثرة عدد ولا بكثرة جنود». وقال عن أبان بن طلحة بن خالد الأسدي، الذي كان يعد بالفارس، أحد أتباعه سبب هزيمة جنده وهم أكثر أمام الجيش الإسلامي، وذلك أنه لما رأى كثرة انهزام أصحابه قال: «ويلكم ما يهزمكم؟»، قال رجل منهم: «وأنا أحدثك ما يهزمنا، إنه ليس منا رجل إلا وهو يحب أن يموت صاحبه قبله».

طليحة بن خويلد الأسدي أحد الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ، بل قيل إنه ادعى النبوة، ارتد وقيل ثم أسلم بعد ذلك وبعد حروب الردة وحسن إسلامه، لكن عموماً لما قادوه كان طليحة يعد بآلاف الفرسان، طليحة وحده لشدته وبأسه ومع ذلك كان جنوده ينهزمون أمام الجيش الإسلامي في معارك الردة، فطليحة يقول لجنوده: لماذا تنهزمون؟ فأحد جنوده يخبره.

شوف الوضوح؛ قد ما فينا واحد في جيشك يا طليحة ما فينا واحد إلا يتمنى أن صاحبه يموت قبله، وأما هؤلاء الذين نقاتلهم من المسلمين بالعكس، كل شخص يتمنى أن يموت قبل صاحبه، أنت تتكلم عن أناس يتقاذفون للموت تقاذفاً، يعني هم مشتاقون للموت، والذي يقاتل بهذه العقيدة القتالية صعب تهزمه، أما الذي يقاتل وهو خائف من الموت وما يريد أن يموت ويريد أخاه يموت قبله، هذا خائف وبالتالي هذا سريع الهروب وسريع الفشل، هذا هو التحليل مباشرة.

قال: تلك بعض آثار عملية التحول القويم والإحياء الإنساني المنير الذي أحدثه الإسلام في أتباعه، كانوا لوناً إنسانياً جديداً وفريداً بهر الناس مديداً، حتى وصفهم أعداؤهم بأقوى الأوصاف مدركين سبب هذا المستوى الكريم ومقوماته ومصدره من الإيمان بالإسلام والتقوى لله تعالى، وأنهم بالليل رهبان وبالنهار فرسان يتسابقون دوماً للشهادة فوزاً برضا الله وبالجنة، كانوا ريحاً تعصف بالعدو رغم كثرة عدده وعدته، لا يثبت لهم العدو فواق ناقة.

فواقة الناقة هي المدة الزمنية الفاصلة بين الحلبتين للناقة، إذا أنت حلبت الناقة خليها تستريح فترة بعدين ترجع تحلبها مرة ثانية حتى تجمع، ففواقة الناقة هذا ما يطلق عادة على المدة القصيرة، فلما يقول لك فلان من قاتل فواق ناقة، أي من قاتل هذه المدة الزمنية التي بين الحلبتين. قال: لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء، فهم كانوا هكذا لكل أفق حياته ولكل ميدان فرسانه الأبطال من النساء والرجال بأشرق لون وأشرف موقف وأكرم سمت.

الفتح هو فتح العقيدة وتفتح القلوب بالإيمان بها، ليس هدفها القتال الذي يجب أن يكون في سبيل الله، بل السلام الإيماني الذي هو غاية كبرى في الإسلام، لم يكن تقدم الجيش الإسلامي في كل مكان هذا التقدم بسبب العوامل الخارجية التي ينتفع بها أو الداخلية والذاتية المادية.

يريد الدكتور عبد الرحمن حجي أن يقول إن الهدف من الفتح الإسلامي في النهاية هو فتح العقيدة، لكي يقبل الناس هذا الدين. ليس القتال مقصودًا لذاته في الإسلام؛ فهل القتال مطلوب لذاته أم باعتباره وسيلة؟ هو يقول إن الفتح هو فتح العقيدة، والقتال الذي إن حصل يجب أن يكون في سبيل الله. ليس القتال هو الهدف بحد ذاته، فإذا اهتدت الناس ودخلت في هذا الدين بدون قتال، فهذا هو المطلوب. ولذلك كان النبي ﷺ يحرص على الصلح أكثر من حرصه على القتل.

ليس هدف المشروع الإسلامي هو القتال، بل هدف المشروع هو تحقيق السلام الإيماني بأن تدخل الناس في دين الله أفواجًا، والغاية الكبرى والهدف هو أن يكون الدين كله لله. سواء حصل ذلك بالصلح أو بالمعركة، تصبح هذه مجرد وسائل ليس أكثر.

يقول الكاتب: «بل لعوامل ذاتية جديدة كاملة في نوع بنائه ومقومات حياته التي أقامها الإسلام بها حاز نصرًا وحقق الإنجاز المدهش، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم». يريد أن يقول إن تقدم الجيش الإسلامي عبر تاريخه المجيد لم يكن بسبب العوامل الخارجية ولا العوامل الداخلية المادية؛ أي لم يكن بسبب أن عدونا ضعيف، أو لأن عددنا كثير، أو لأننا نمتلك أسلحة. إنما ننتصر بالعقيدة التي نقاتل بها، وليس بالعوامل المادية واللوجستية. نحن نأخذ بالأسباب، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، لكن عبر تاريخنا دائمًا ما يكون هناك فرق بيننا وبين العدو في الناحية اللوجستية والمادية، ولكننا نفوقهم في الناحية العقدية الإيمانية.

قال الله جلت قدرته: «لا يهب النصر إلا لجنده». وكان من دعاء الرسول ﷺ يوم فتح مكة: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، صدقت وعدك، ونصرت عبك، وأعززت جندك، وهزمت الأحزاب وحدك، لا شريك له ولا شيء قبله ولا شيء بعده». لم يكن تقدم الجيش الإسلامي في شبه الجزيرة بهذا الشكل إلا بالإسلام، به كان نصر الله له، وبما كان تقدمهم بهذه السرعة إلا لضعف أعدائهم كما يزعم بعضهم.

استطاع المسلمون فتح غالبية شبه الجزيرة الإيبيرية في حوالي أربع سنوات أو تزيد، نازلوا القوط في عدة معارك كان بعضها حاميًا جدًا، وكانوا يقتتلون مع المسلمين لكنهم لا يثبتون. كرروا المحاولات الكثيرة في أماكن متعددة، والمسلمون يكتسحونهم أمامهم كالسيل الجارف رغم قلتهم. ولو كان الجيش الإسلامي بغير هذه العقيدة، وأعداؤهم بهذا التفوق العددي والمادي، ما كان لمثل هذا الفتح أن يحدث؛ فإنه لم يثبت أن جيشًا أو أكثر قد دخل جزيرة وقاتل قومًا فتيًا قبل المسلمين فحققت له مثل هذا الفتح.

قبل الجيش الإسلامي، كانت هناك معارك مع القوط من قبل الإفرنج، والجيش الإسلامي ليس هو أول من دخل وقاتل القوط، بل كانت هناك مناوشات ولكن في العادة كان القوط ينتصرون فيها. لذا فإن انتصار الجيش الإسلامي كان لبعد عقدي. وهذا جميل في الكتاب، أن الشيخ الدكتور عبد الرحمن حجي يحاول دومًا أن ينبه الشباب المسلم إلى هذه الأفكار، وأنه ليس مجرد سرد تاريخي، بل في نواحٍ إيمانية يجب أن تصل إليك لتفهمها عن طريق الفتوح الإسلامية.

يقول الكاتب مع الاختلاف في نوع الفتح وطبيعته وأهدافه: «قوة أمة وصفت بالشجاعة والأمجاد العسكرية الكثيرة رغم ضعف في مثل هذه الصفات أحيانًا، كل ذلك الفرق يشير إلى الفرق الأساسي بينهما؛ الجيش الإسلامي يقوم بالعقيدة الإسلامية التي ميزته وأفردته وجعلته في مكانة عالية قوية، سمت به فتاصغر أمامه أي تجمع وانهمز، وضَعُفت في تقدمه كل قوة فتناثرت، بهذه العقيدة هزم القوط وغيرهم دومًا».

وخلاصة فتح الأندلس: «إن أخبار الفتح في شبه الجزيرة في أكثر من حلقة أو موضوع ناقصة أو غامضة أو مفقودة، وما من شك في أن أحداثها خلال الفتح كثيرة وبطولاتها نادرة كأخواتها في أحداث الفتوحات الإسلامية الأخرى، زيادة على ذلك عدم وضوح عدد من أحداث فتح المدن وتفاصيلها، ولم تتوفر لدينا أخبار الجند إلا ما ندر، أفرادها من غير شك كثيرة وفريدة». باختصار، مهما تكلمنا عن فتوحات الأندلس، سنعرف أنه سيبقى هناك جزء من النص مفقود، وجزء من الأخبار لا نملك فيه يقينًا.

من إشكالات كتاب عبد الرحمن حجي في اعتقادي، أنه يكرر بعض القضايا مرات كثيرة، وتكرارًا قد لا يكون فيه مغزى جديد، مثل فكرة الفتوحات الإسلامية وأهدافها، تجدها تتكرر كثيرًا مما يسبب نوعًا من التكرار الممل، وكذلك فكرة أننا لا نمتلك معلومات كاملة عن الفتح. فالأصل أنه لو كان بإمكانه أن يختصر حجم الكتاب ويخفف من بعض الاستطرادات لكان أفضل، والله أعلم.

ذكر الكاتب أن عدد الذين أتموا عمليات فتح شبه الجزيرة الأندلسية وقدموا لفتحها حوالي 30,000، وليس هذا كثيرًا أبدًا. إذاً عدد الجيش الإسلامي الذي فتح الأندلس، الذين قدموا مع طارق بن زياد ثم مع موسى بن نصير، لا يتجاوزون هذا العدد. وقد يكون مثل هذا العدد كافيًا لمعركة واحدة، فقد كان عدد الجيش القوطي في المعركة الأولى أكثر منهم ربما عدة مرات، حيث كان يزيد عن 60 إلى 80 ألفًا، وإن لم يصل إلى 100 ألف. فيبين أن هذا العدد يصلح لمعركة، لكنه صلح لفتح شبه جزيرة كاملة.

كان المسلمون يقومون بهذا الفتح ويعرفون أن أعدادهم أقل بكثير من عدوهم، لكنهم كانوا يتفوقون عليه بالإيمان القوي المتدفق الذي تعلموا منه أن يكون معولهم في النصر على العدد. ومع التمسك بالفعالية بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، لذلك لم يكن اعتمادهم على قوة أخرى، فقدموا بهذا العدد القليل لمثل هذه المهمة الشاقة الجليلة، ولم يكونوا فيها يفرطون.

يحرصون عليها أشد من حرصهم على الذات وشؤونها، كانوا مستعدين لكل تضحية مهما عظمت، وهي أمنية كبرى في نصرة الإسلام. أتم المسلمون هذا الفتح النظير بقوة إيمانهم وقلة جيشهم؛ إذ كان عددهم بضعة آلاف بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد وغيرهما ممن نجهل أسماءهم.

لو أن قائداً معه 3000 مقاتل ما أحاط بالأندلس وأثخن فيها ما أحاطه موسى وأثخنه في ذلك الأمد القصير، ولو أن قائداً معه 300,000 مقاتل -بقولك لو أن موسى بن نصير كل الخلاصة النهائية- لو أن قائداً معه 300,000 لم يستطع السيطرة على الأندلس، فأكيد هنا في بعد إيماني كيف استطاعوا إحكام مساحة شاسعة وإقامة حمايات ومفارز؟ والدول ليس شيئاً سهلاً، تحتاج إلى مئات الآلاف إذا كانت بحجم إسبانيا والبرتغال.

قال: «بين أمم أعداء تموج حوله كالأبحر الزاخرة، وما رأى الأندلس وحدها كفؤاً لهمته، بل حدثته نفسه التي أقل مثلها في نفوس البشر في بعد الهمة أن يوغل في أرض الإفرنج ويعطف منها على الشرق حتى ينفذ من القسطنطينية». هذه هي همة موسى بن نصير، صاحب همة وصاحب مشروع، وبأمثال موسى بن نصير تنتصر الأمة يا إخواني.

بأمثال موسى بن نصير؛ قائد صاحب همة، إنسان لا يفكر في الشبر الذي أمامه، بل يفكر لأبعاد طويلة. هؤلاء هم القيادات الذين أولاً يعرفون المعارك وهم أهلها وفرسانها، وثانياً مع الخبرة العسكرية ومع الهمة العالية. ولذلك سبحان الله تجد أن كل إنسان له رزق في الحياة؛ موسى بن نصير لم يُعرف أنه من العلماء الفقهاء، لكن رزقه أن يكون من المجاهدين الأبطال.

هي هكذا الحياة؛ الفقيه في الفترة التي كان موسى بن نصير يقاتل فيها في الأندلس، مالك بن أنس كان موجوداً في المسجد النبوي يبدأ ينمو ويكبر، لأنه ولد عام 93 هجرياً، بدأ ينمو ويكبر ويتعلم ليكون فقيهاً، وأبو حنيفة في العراق يدرس الفقه، وموسى بن نصير يفتح. هي هكذا الحياة، كل إنسان له طابعه، ودائماً لا تلبس لبوساً ليس لك، لا تحاول تفرض نفسك أن تكون أنت كل الأمة، أنت لن تكون كل الأمة.

بعض الشباب يريد أن يكون العالم والقائد الكبير والسياسي، لكن عبر التاريخ لم تكن الحياة هكذا؛ هناك أناس ربنا خلقهم للعلم والتعليم، وهناك أناس ربنا خلقهم للقيادة والسياسة، وهناك أناس ربنا خلقهم لكذا، هذه وظائف وأرزاق. محاولة أن تقحم نفسك في كل المساحات وتظن أنك الذي تفهم في كل الأمور هي إشكاليتنا في الواقع المعاصر؛ الشاب الذي في الدين يتكلم، وفي السياسة ينظر، وفي الآراء، وحتى في أسعار السيارات، وكذا يدخل في حاله. هذه الجرأة في أن تتكلم في كل الأمور هي أحد طوامنا.

لو أنه ترك لكل صاحب ميدان ميدانه من أهل الخير والصلاح، لخف كثير من الخلاف، لكن الكل يريد أن يدخل أنفه في الموضوع، والكل يريد أن يعلق، والكل يعتقد في نفسه أنه المؤهل للعمل السياسي والإصلاحي، مع أن حقيقة طاقة الإنسان لا تستوعب ذلك. وهذا شعورك بالرضا عن نفسك، وأن هذه أرزاق، هو جزء من استقامتك النفسية؛ أن تعرف أنني سأكون في ميدان معين أخلص فيه وأواظب عليه.

سيعجبني عندما يسرد بعد قليل أسماء بعض الفقهاء الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز للأندلس وإسبانيا؛ فقيه مشروعه أن يعلم أهل المغرب الإسلامي القرآن، قضى 40 سنة، وقبره الآن على سواحل المغرب الإسلامي أو في بعض مواطن الأندلس، عالم فقيه وظيفته أن يعلم الناس الخير، ما كان قائداً عسكرياً، ولا يتدخل في العمل العسكري، ولا يدلي برأيه، ولا يكفر ويفسق ويبدع؛ العمل العسكري يعرف أبعاده وقدراته ومساحته، ويعرف أن كل عمل وكل شيء له نوعية معينة تصلح له من النفوس والبشر.

هذه الفكرة أرجو أن تصل للشباب المسلم، لأنه في اليوم مع وسائل التواصل الاجتماعي، فكرة أن الكل في أي واقع، أي مشهد ديني أو سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، لا بد أن يدخل ويدلي بدلوه، ولا يعرف الإنسان الأحجام، وأن يقول: «والله هذا شيء لا أحسنه ولا أسألكم عليه أجراً وما أنا من المتكلفين». لا تتكلف فناً لست من فرسانه ولم تدرسه.

قال: «جعل الإسلام الفرض، فيجاهد بهذا الإيمان بكل كيانه، وهب له حياته، بل غدت حياة الإسلام حياته». المسلم في نصر دائماً حتى في حال الهزيمة العسكرية في الميدان ما دامت نفسه مؤمنة، لم تنهزم. أما الهزيمة الداخلية فهي الهزيمة الحقيقية؛ أن تهزم من داخلك، من عمقك، تتخلى عن مبادئك وعن أفكارك.

قال: «فالإسلام هو القوة الأصيلة الفاعلة الحقة، هي أعلى من كل قوة أخرى، وأمضى من أي تجمع». لدينا من التاريخ الإسلامي القديم والحديث مصداق متكرر يؤكد بوضوح هذه القاعدة التي لا تتخلف: مهمة الفتح الإسلامية لا تنتهي أو تتوقف عند النصر الحربي، بل بعدها تبدأ مهمة بيان الإسلام والدعوة إليه، وهي مهمة ما بعد الفتح، وتظهر في سلوك الفاتحين وتصرفهم ونظرتهم وتعاملهم ونصرتهم وعزيمتهم وخطابهم وعهودهم، في جدهم ومزحهم، في كل أمرهم، في اليقظة والنومة، والصحوة والغفوة، والسر والعلانية، والمخبر والمظهر، والمنشط والمكره، وفي كافة أحوالهم.

الجهاد الحربي باب لغيره من أنواع الجهاد والمهام، وما يتلوه من تبدل في الحياة قوامه تبدل النفس الإنسانية وتوجهها إلى طريق الله، هذا هو الفتح الحقيقي؛ يقوم بكلمة الله وبها يدوم. تتم العملية الكبرى والإنجاز الرائع بفعل التبدل والتحول النير الكبير.

رغم أن عدد الجيش الإسلامي الفاتح في شبه الجزيرة الأيبيرية الأندلسية لم يأتِ إليها دفعة واحدة، ومع ذلك قوامه تبدل النفس الإنسانية؛ يصب التبدل هنا أن تتوجه النفس الإنسانية وترتقي نحو الأفضل. يقول: الجهاد الحربي باب لغيره من أنواع الجهاد والمهام، ما يتلوه من تبدل في الحياة قوامه تبدل النفس الإنسانية، أن تتقدم وتتطور وتصبح أفضل وأفضل.

قال: «مع ذلك لعله لم يجتمع للمسلمين مثله في مرة واحدة حتى مع تعدد الجبهات وتكاثر الواجبات». غير بعيد أن ربع هذا العدد على الشهادة خدمة للإسلام، وربما ربع آخر أو أقل توزع في المناطق، ومع ذلك كان الاكتساح لنوعية الجيش وتمثله للمعاني والخلق السامي الذي أدخل الناس في الدين أفواجاً. كان الفتح عملاً للناس ومن أجلهم وليس ضدهم، فهو لهدايتهم ووضعهم في طريق النور. تكمن في الفتح الإسلامي للجزيرة الأيبيرية معجزة، فالإسلام ينتج به الإنسان بقدرة الله تعالى معجزات، أو كما قال: «نسائم». طبعاً التعبير بكلمة المعجزات ليس تعبيراً دقيقاً، فالأصل أن المعجزة خاصة بالأنبياء.

الكرامة والولاية، يعني التعبير أدق من الناحية العقدية والله أعلم، وإن كنت أنا أفهم ماذا يريد، أنا أفهمه وأعذره، لكن في النهاية هذا علم الأصل أن يُبين. والإسلام ينتج به الإنسان المعجزات، لا نقول ينتج به الأمور غير المألوفة عادة، بل عبارات تكون أدق من الناحية العقدية.

قال: هذا التقدم في الفتح لا يعني أنه كان سهلاً، بل تم بهذا الشكل، بذلك النوع من الأجناد، أجناد العقيدة. بدا للبعض هكذا إلى حد وصف نفر من إسبانيا بأنه كان نزهة عسكرية، كله أو بعض مراحله. بعض الإسبان يصفون فتح المسلمين للأندلس بأنهم كانوا في نزهة عسكرية، هم ليسوا متخيلين أن ٣٠,٠٠٠ فقط، خلال مدة كما قال لك ثلاث إلى أربع سنوات، يفتحون شبه الجزيرة الإيبيرية كاملة، فيقولون كان المسلمون في نزهة عسكرية. لقد فتحوا بأوقات وأعداد خيالية.

قال: كان ذلك كذلك، أمام هذا النوع من الجند، أصحاب العقيدة، استهانوا بالصعاب وبذلوا النفوس الغالية رخيصة لرفع شأنها. فالفتح نفسه لم يكن يحتوي على نزهة أو ما يماثل شكلها إذا كان هذا الوصف مقبولاً أمام هذا النوع من الجند، وإلا فالتضحيات كثيرة، والجهد كبير، والدروب شاقة، والمناخ شديد، والجو غريب، والأرض مسخرة عليهم. وأنا أقول هو أكيد ما كانت نزهة، عبد الرحمن الحجي يقول أكيد كان في تضحيات وصعوبات وبرد. الجيش الإسلامي في الأندلس أكيد واجه مخاطر صعبة، هم لم يكونوا في نزهة بالمعنى الدقيق، لكن السرعة التي فُتحت بها كأنها نزهة. ولو في الواقع أكيد كان في صعوبات وشدائد وتضحيات وبرد وآلام وأتعاب. نحن نرى الثمرة النهائية، لكننا لا نرى التضحيات الجزئية التي عاش كل جندي في هذا الجيش خلال هذه السنوات، وكيف كان يصبر نفسه ويتحمل طبيعة جديدة لبلد هو أول مرة يدخله.

قال: كان مستوى العقيدة أعلى من ذلك وأكبر، أنثأ الفاتحون في شوطهم بهذه السرعة، فبدت للآخرين نزهة، لكنها روحية من أجل إعلاء كلمة الله في الأرض، وهي مجلبة لراحة المؤمن وفرحته بنصر الله إن عاش، وبجنته إن استشهد: ﴿قُلْ هَلْ تَرْتَبِصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٠].

عاد موسى إلى المشرق تاركاً الأندلس. توقفت الفتوحات في الشمال الإسباني إلى حين، لكنه أتاح المجال لتلك الفلول أن تتنفس. كان من الأحسن أن تطهر المنطقة تطهيراً كاملاً وأن يتوجه الفاتحون... نعم، عرفنا أنه في منطقة معينة لم يتم فتحها، في صخرة بلاي وبعض المناطق، وهذه كانت للأسف هي نواة نشوء بعض الممالك النصرانية الإسبانية في الشمال، ومنها بعد قرون بدأ الانهيار في الأندلس.

وهو يقول عاد موسى إلى المشرق تاركاً الأندلس، توقفت الفتوحات في الشمال الإسباني إلى حين، لكن هذا التوقف كان له أثر سلبي من ناحية ماذا؟ أتاح المجال لتلك الفلول. عرفنا هذا اسمه فلول النظام، أتاح المساحة لتلك الفلول النصرانية المتخبئة في بلاي وغيرها أن يتنفسوا، لأن موسى بن نصير وطارق كانا يضغطان عليهم، فالآن هم استراحوا، قالوا موسى بن نصير طلع وطارق بن زياد خادر، في مجال أنه يهدأ قليلاً ونبدأ ندير الدائرة وحدنا. كان من الأحسن طبعاً أن تطهر المنطقة تطهيراً كاملاً، ونحن نتفق مع هذا، يعني لو استطاع المسلمون أن يلقوا كل النصارى خلف جبال البرت لكان أفضل، لكن قدر الله أمراً كان مفعولاً.

وأن يتوجه الفاتحون إلى ما وراء جبال البرت، لكان هذا أسلم، على الأقل المسلمون يكونون خلف جبال البرت من الجهة الفرنسية حتى يحموا المنطقة من أن يغزوها، لكن هذا قدر الله النافذ. كان موسى كما رأينا قائداً مؤمناً تقياً متحمساً لنشر الإسلام، قال: من أجل حمل رايته إلى كل مكان، متمتعاً بشجاعة المؤمن وتضحيته وطاقاته والسياسية والإدارية مع العزم والحزم الذي رباه عليه الإسلام، كان يقوم بكل ذلك الجهاد وعمره ٧٥ سنة أو يزيد.

مع كل ذلك، تخيلوا هذا يا إخوان، كم كان عمر موسى بن نصير! كيف تحضر الدروس العلمية بعض الشباب اليوم؟ عمره ١٧ سنة أو ١٨ سنة، أخي ظهري يا شيخ، أجي على الدرس من آخر عمان وأركب الباص السريع والحر ولا لا؟ بتلاقي الشباب، موسى بن نصير عم يقود الفتوحات الإسلامية عمره ٧٥ سنة، يعني لم يترك لنا عذراً. ٧٥ سنة يا إخواني عم يقود فتحاً عظيماً من فتوحات المسلمين، ونحن اليوم الشاب الذي عمره ٢٠ سنة يتأفف قليلاً من الحر وطول الدرس.

والذي اختلف إذا فعلياً هي الهمم، الفرق بيننا وبين السلف ما هو يا إخواني؟ الهمم بشكل هائل فارقة، لأنهم فهموا الإيمان حقاً، عقيدة وسلوكاً، تربوا عليه، فأنشأ همماً مستعدة تقاتل وهو في الـ ٨٠ والـ ٨٥، يقاتل وعم يقود جيوشاً وبيدير معارك. والشاب اليوم المعاصر هش لدرجة أنه لا يستحمل دورته يحضرها إلى نهايتها، لا يستحمل طول طريقه وشيء من الحر، ودائماً سريع الانزعاج سريع الانقباض، بده يبقى مستعجل، وبالتالي لا تسألني عن الأمة لماذا ضاعت، شيء طبيعي أن تضيع أمة الإسلام لما تكون همة المتدينين والملتزمين هي الهمة الضعيفة التي لا تقوى على مجرد إتمام دورات ودروس وكتب، فضلاً عما هو أعلى من ذلك. الإسلام يحتاج إلى مثل هذه النفوس الأبية، نفسية موسى بن نصير، ٧٥ سنة عم يفتح وعم يقاتل وهو على رأس الجيش ويقود المعركة.

قال: مع كل ذلك كان بالإمكان أن يحل مكانه غيره، ففي المسلمين كثير من القادة الأفذاذ الأنجاد، لكن أمر استدعاء الخليفة أعاد موسى وطارقاً مع طائفة كبيرة من الجيش، وأوقف الاستمرار في الفتح تخوفاً على المسلمين. قال: عاد موسى إلى دمشق عبر شمال أفريقيا ومصر، ولى ابنه عبد الملك على المغرب الأقصى في طنجة، وابن عبد الله... لما رجع موسى الآن، ولى على الأندلس قلنا من ابنه؟ عبد العزيز، ورجع على المغرب، وضع ابنه عبد الملك مسؤولاً على منطقة المغرب.

وقال: وابنه عبد الله أكبر الأبناء، على أفريقية في قيروان، وضع ابن عبد الله أيضاً مسؤولاً على تونس. كما قلنا، موسى بن نصير أبناؤه كلهم من المقاتلين الأبطال، وكلهم يشاركون معه في الميدان، ليس كان هو مثلاً يقاتل وابنه قاعد على "بلاي ستيشن" في الدار، ابنه كان يقاتل معه في الصفوف الأولى، ليس يغامر بأبناء المسلمين وأولاده في أمان، لا، كما أن أبناء المسلمين معه، أولاده في الصفوف الأولى طبعاً، لا يفرط أو يغامر بأبناء المسلمين على حساب أبنائه، الكل يقاتل والكل مسؤول. ولذلك ابن عبد الله وضعه على القيروان كما قال.

قال: فلحق بالفتوحات في شهر ربيع الأول لسنة ٩٦، ثم غدا سيراً نحو الشام فوصل.

دمشق في أوائل جمادى الأولى سنة 96هـ، والخليفة الوليد مريض، وفي أواسط جمادى الآخرة سنة 96هـ توفي البريد بن عبد الملك، أي بعد وصول موسى بـ 40 يومًا. قال خاتمة موسى وطارق: تولى الوليد بن عبد الملك توفي بعد وصول موسى بن نصير بـ 40 يومًا، هو الذي يشد عليه وتوالى، وهكذا هي أقدار الله. بعد 40 يومًا من وصول موسى بن نصير، توفي الوليد، وتسلم أخوه سليمان بن عبد الملك الخلافة الأموية سنة 96هـ إلى 99هـ للهجرة.

وقول بعض الأخبار إن سليمان لم يحسن معاملة القائد الفاتح التابع الجليل أبي عبد الرحمن موسى بن نصير، الذي رواه عن الصحابة الفاضلين ثم الداري وآخرين غيره. هنا تذهب بعض الروايات وتتخبط في الحديث عن نهاية موسى وما لقيه من الخليفة سليمان من الأذى، بل بلغها الغمط والنكران. الآن هنا أيضًا نشأت بعض الروايات التي لا يُعلم صحتها، حيث يقال إن سليمان بن عبد الملك آذى موسى بن نصير وشدد عليه.

ما عندنا معلومات دقيقة، بل بالعكس، إذا أخذنا السيناريو العام، سليمان بن عبد الملك طلب من موسى بن نصير أن يحج معه. فيقول هنا: تولى الخلافة سليمان، وقول بعض الأخبار إن سليمان لم يحسن معاملة القائد الفاتح موسى بن نصير وأنه أزرى به، هذه مجرد روايات لا يوجد لها أي سند صحيح يمكن الاعتماد عليه.

قال: فضلًا عما في هذه الروايات من الغموض والتشوش والتناقض، فإن مبالغاتها مغرقة، ناقشها عدد من الباحثين وأنكروها. وهذا جيد أن يُناقش القضايا إخواني، لأن المستشرقين اليوم يحاولون تصوير التاريخ الإسلامي للأجيال على أنه مجموعة فقط من النزاعات بين القيادات، هكذا تاريخنا الإسلامي؛ أن سليمان يحسد موسى، والوليد يريد أن يوقف، وموسى بن نصير حسب طارق بن زياد. تعرفون هذه القصص التي قلناها، هي محاولة لإظهار التاريخ الإسلامي بهذه الصورة، وهذا سيء نفسيًا على الأجيال، كأنك تصبح تتبرأ من ماضيك، أي ماضٍ هذا الذي كله زعامات تريد الوصول للقيادة والحكم وهذا يوقف الفتح الإسلامي؟

هنا، قبل أن تتقبل هذه الروايات وتراها في المسلسلات، عليك أن تتأكد من صحة النص ومدى دقته. أنا لا أقبل أي رواية تشوه التاريخ الإسلامي فقط لأن المستشرق هكذا يريد تحليل المشهد. قال: لو كان حصل مثل هذا الأذى لموسى بن نصير، لما أبقى أبناء موسى الثلاثة في ولاياتهم التي وضعهم فيها أبوهم. هذا مثلًا تحليل؛ إذا كان سليمان بن عبد الملك فعليًا غير راضٍ عن موسى، لماذا يترك عبد العزيز بن موسى مسؤولًا عن الأندلس، وعبد الملك على المغرب، وعبد الله على تونس؟ أليس الأصل أن يعزلهم مثلا؟

قال: لكن من الممكن أن يكون سليمان قد حاسب موسى على تصرفه في بعض الغنائم خلال سيره من الدلوس إلى دمشق لاستحواذه على شيء منها، بل لأنه أعطى منها في الطريق لمن التقى به، قد يكون وضع غرامة عليها أو ألغاها. هذا كله طبعًا تحليلات ليس أكثر. قال: لكن كل ذلك لا يبدو أنه يثبت أمام التمحيص الدقيق المتأني، رغم ضياع الأمهات.

رغم ضياع الأمهات، التي هي أصول المسائل، نحن لا نملك وثائق حقيقية؛ ضياع الأمهات يقصد أصول الكتب التاريخية التي تحدثنا عما وقع فعليًا، فليس هناك مجال للتخمين في هذه المساحة. قال: قدم موسى دمشق متجهًا للمسجد والخليفة الوليد يخطب على المنبر. كيف يمكن الأخذ برواية تقول إن سليمان طلب منه التأخر حتى يتوفى الوليد؟ من يستطيع أن يعلم متى سيحدث ذلك، وخليفة الوليد سليم معافى؟ هكذا تتساقط هذه الرواية ولا يجب أن تجد مجالًا للتداول.

إلا أن البعض يقول: والله موسى بن نصير وصل وكان الوليد بن عبد الملك يخطب على المنبر، وإن سليمان بن عبد الملك قال لموسى بن نصير: انتظر، لا تقابل الوليد الآن، لأن الوليد كان في مرض الموت، وسليمان نعرف أن أخاه في مرض الموت فقال لموسى: لا تقابل الوليد الآن، الوليد في حالة صحية لا تسمح، وبعد 40 يومًا مات الوليد فاستفرط سليمان بموسى وعاقبه. هذه قصص الله أعلم بها.

قال: إن بطولة موسى وخدمته للإسلام وجهاده فيه، إن صح ما قيل، لا تبيح له التصرف في أموال المسلمين. لعله يجب القول إن موسى يستحق كل تقدير، وكان يدعو خليفة سليمان ألا يغفله أو يغمطه -إن صح- أي قدر من محاسبته وتغريمه. إذا صح أن موسى جازف ببعض الغنائم وتصرف فيها تصرفًا شخصيًا، فإنه يحاسب، لأي قائد مسلم يمكن محاسبته. لكن نقول هذا إن صح؛ ورجل كبير مثل موسى بن نصير يفتح الأندلس وعمره 75 سنة، هل يتبقى له شيء يفكر في الغنائم؟ أو برضه لو كان هو يفكر بهذا البعد لأخذ ما شاء بطريقة أخرى. فاعتقاد أن موسى كان يريد أن يستحوذ على بعض الغنائم ربما هو بعض الاجتهادات، وربما ألف بعض القلوب ما رضي عنه سليمان، هذه في النهاية تقديرات القيادة.

قال: لكن كل ذلك موضوع للنقاش والاختبار المتأني. مع ذلك تذكر الروايات أن الخليفة سليمان حين حج بالناس دعا موسى للحج معه مكرّمًا عام 97هـ مثلاً. هذا بحق يلغي الكثير مما قالته الروايات المغرضة، ولو عاد الخليفة فرضي عن موسى بعد غضبه عليه، بل قد ينفي مع غيره واقعية هذه الروايات أصلًا، كما ينفي كذلك الكثير من تفصيلاتها.

يذكر الذهبي في التاريخ الإسلامي أن الخليفة سليمان استشار موسى لدى عودته من الأندلس، ومسلمة بن عبد الملك في أمر فتح القسطنطينية، وكان حصار مسلمة للقسطنطينية سنة 98هـ. توفي موسى بن نصير وهو يتجه للحج برفق سليمان بن عبد الملك، بقي يثق بعقل موسى بن نصير ويستشيره.

قال: في المدينة المنورة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- أو في وادي القرى (العلا حاليًا) أواخر سنة 97هـ وعمره 78 سنة، إذاً توفي موسى بن نصير ودفن إما في المدينة النبوية أو في منطقة العلا. مما ترويه مراجعنا أن موسى توفي بالمدينة متوجهًا إلى الحج، وكان قد سأل الله عز وجل أن يرزقه شهادته ويموت بالمدينة، فأجاب الله دعاءه.

مات القائد المسلم موسى بن نصير بعد أن ملأ جهاده بقيادة المد الإسلامي المبارك وديان المغرب الإسلامي والشمال الأفريقي، والأندلس بجبالها وسهولها وهضابها، وجه دعاة الحق لأسمى ساكنيه نداء الخير ليخرجهم من الظلمات إلى النور المبين. كان موسى يقود هذا الجهاد في شبه الجزيرة الإيبيرية الأندلسية وقد سلخ من سنين عمره.

من سن عمره 75 سنة ممتطيا جواده، يهبط في وديانها ويرتفع على صخراتها، يتحرك فيه إيمان بالله القدير، فتسمو نفسه وتتجدد طاقته وتحدوه همته لإعلاء كلمة الله ورفع رايته في كل مكان. يندفع القوي الجنان رغم ما على رأسه من الشيب الوقور، يقوده إصرار العقيدة السمحة وهمة الإيمان الفتي، فتفتق طاقاته كلمة الله تقيم قوتها، إيمان يعلو على أي اعتبار.

أما عن البطل القائد طارق بن زياد، فلا نكاد نعرف عما حدث له بعد رحيله عن الأندلس على بعد وصوله لدمشق، غير أن رواية تذكر رغبة سليمان في توليه طارق الأندلس بعد ذلك. لا نعرف عنه شيئًا كما قلنا؛ طارق بن زياد اختفت أخباره. هل بقي هناك في دمشق أم عاد إلى المغرب والأندلس؟ لا يستبعد أن يكون قد عاد، والبحث بانتظار نصوص جديدة تلقي ضوءًا آخر على هذا الموضوع وغيره من تاريخ الأندلس.

بهذا نصل إلى نهاية عمليات الجهاد وفتح شبه الجزيرة الإيبيرية الأندلسية في هذه المدة، تتلوها عمليات أخرى لها أحوالها ومتطلباتها، وهي عهد الولاة الذي يشارك سابقه بأمور يتميز إلى حد ما بخصائصه. بارك الله فيكم، الآن سنبدأ بعهد جديد اسمه عهد الولاة. العهد السابق كان عهد الفتوحات؛ موسى بن نصير وطارق بن زياد، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، فتحوا وأسسوا وفعلوا، وانتهت حقبتهم تمامًا.

الآن نبدأ بحقبة جديدة اسمها عهد الولاة، وهي الفترة التي تبدأ من انتهاء دور موسى بن نصير وطارق بن زياد وولاية عبد العزيز بن موسى، إلى دخول عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس وانفصال الأندلس إداريًا عن الخلافة العباسية في بغداد؛ لأننا سنعرف أن الخلافة بعد 132 هجري ستسقط الخلافة الأموية وتأتي الخلافة العباسية. فمن ذهاب وخروج موسى بن نصير وطارق بن زياد، سيتولى عبد العزيز بن موسى بن نصير، ثم يأتي مجموعة من الولاة، تقريبًا 20 واليًا، يسمونها فترة الولاة، إلى أن يدخل عبد الرحمن الداخل الأندلس وتكون الأندلس منفصلة إداريًا عن الخلافة العباسية التي في بغداد، وتقوم حقبة جديدة، حقبة السلطان الأموي المتخصص بالأندلس.

سبحان الله، كفتني قضية أن موسى بن نصير رحمه الله قاتل في الأندلس قتالًا شديدًا وصل إلى فرنسا، ولكن وما تدري نفسه بأي أرض تموت، يدفن في المدينة النبوية. هكذا هي الحياة؛ كما قال فلان: «الإنسان يقاتل في شمال إسبانيا وجالس هناك في المعارك الطاحنة، وأنت تتوقع أنه صعب يرجع، خاصة قديمًا على الأحصنة والجمال، شخص واصل لآخر العالم تكون منيته أن يدفن في المدينة النبوية». هذا يعطيك أنك لا تعرف الحياة والأقدار كيف تسير بك في هذه الدنيا، قد تكون في بلد ووفاتك في أقصى العالم، فهذا أيضًا ينظر فيه ويلتفت إلى أمر الله سبحانه وتعالى.

نبدأ الآن بالباب الثالث، وهو عهد الولاة؛ بعد أن تعرفنا في الباب الأول على الأندلس وإسبانيا قبل الفتح الإسلامي، وكان الباب الثاني مرحلة الفتح الإسلامي بكل تفاصيلها. الآن الباب الثالث سنتكلم عن عهد الولاة بعد الفتح إلى دخول عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس.

الباب الثالث: عهد الولاة. تمهيد: نظرة شاملة إلى عهد الولاة. بعودة القائدين موسى وطارق وغيرهما، يبدأ في الأندلس ما يعرف بعهد الولاة الذي استمر حتى وصول عبد الرحمن الداخل، أول ابن معاوية بن هشام، وما ترتب عليه بعده. إذاً من 95 هجري إلى 138 هجري هذه الحقبة. لاحظ أن عام 132 هجري سقطت الخلافة الأموية، حتى دخل عبد الرحمن الداخل وسيطر على الأندلس وأعلن الانفصال الإداري بين الدولة الأموية التي أصبحت في الأندلس والخلافة العباسية في بغداد، وهذا كان عام 138 هجري.

استغرق عهد الولاة حوالي 42 سنة، تولى حكم الأندلس خلالها بعد عودة القائدين موسى وطارق وإخوانهما 20 واليًا. حكم اثنان منهما مرتين، هما عبد الرحمن الغافقي، وهو قائد معركة بلاط الشهداء في فرنسا واستشهد فيها رحمه الله، وعبد الملك بن قطن.

يمثل عهد الولاة في الأندلس التحول والانتقال إلى حياة جديدة فيها التنور والامتداد في الغروس الثابتة النيرة؛ إنه هدف أصيل ومهمة تهدف لتنظيف الإنسان وتنقيه وإكرامه في كل ميدان ليحدث الازدهار، كالشجرة الطيبة التي تؤتي أكلها يانعًا. ترددت الأندلس في ارتباطها الإداري بين ولاية الشمال الأفريقي والإشراف المباشر لمركز الخلافة خلال هذه الفترة.

تردد الإشراف على الأندلس بين إدارتها من قبل الشمال الأفريقي، حيث كان الحكام الذين في تونس والمغرب يديرون الأمر في الأندلس، وبين السيطرة عليها من قبل الخلافة التي في دمشق مباشرة. خلال 42 سنة، ترددت الأندلس من حيث ارتباطها الإداري؛ أحيانًا يشرف على أمورها نفس الخلافة الأموية التي في دمشق، وأحيانًا كان يشرف على إدارة أمورها حكام المغرب الإسلامي باعتبار القرب المكاني.

حين كانت الأندلس إداريًا تتبع للشمال الأفريقي، كان الوالي الأفريقي هو الذي يعين الوالي في الأندلس خلال تلك الفترة. مثلاً: الحر بن عبد الرحمن الثقفي وعنبسة بن سحيم الكلبي، اتبع الأندلس الأفريقية منذ أيام واليها الحر، ثم أُعيدت تابعة للخلافة أيام الخليفة عمر بن عبد العزيز. ففي عهد الحر الثقفي وعنبسة بن سحيم الكلبي، كان المسؤولون عن شمال أفريقيا هم الذين عينوا ولاة الأندلس، لكن في خلافة عمر بن عبد العزيز -الذي وصل إلى عرش الخلافة الأموية في 99 هجري بعد سليمان بن عبد الملك- كان هو يشرف بنفسه على تعيين ولاة الأندلس، ولا يترك جماعة شمال أفريقيا هم الذين يعينونه.

السمح بن مالك الخولاني، عُين واليًا عليه، لكنه عاد تابعًا لإفريقية في ولاية عنبسة بن سحيم، حتى استشهد في جنوب فرنسا في شعبان سنة 107 للهجرة في ولاية عقبة بن الحجاج. عمر بن عبد العزيز هو الذي عين السمح بن مالك الخولاني واليًا على الأندلس، وهو في دمشق، فكان السمح بن مالك من 100 إلى 102 هو المسؤول عن ولاية الأندلس من قبل عمر بن عبد العزيز مباشرة، رغم أن شمال إفريقيا كان له علاقة بذلك.

لكنه يقصد الأندلس، لكن الأندلس كانت تابعة لإفريقية في ولاية عنبسة بن سحيم حتى استشهد عنبسة بن سحيم في جنوب فرنسا. وفي ولاية عقبة بن الحجاج وأبي الخطاب، كانت الأندلس تابعة لولاية الشمال الإفريقي، هكذا ترددت تبعية الأندلس. في أثناء ولاية هذين الاثنين كانت الأندلس تابعة لشمال إفريقيا، هو يريد أن يعطيك الآن نماذج، وسوف يأتي على أسماء هؤلاء كلهم بالتفصيل، لكنه الآن يريد أن يعطيك الفكرة العامة.

خلال الـ 42 سنة، الأندلس لم تكن مستقرة تمامًا في تبعيتها الإدارية؛ أحيانًا تُعين من قبل الخليفة الأموي، وأحيانًا تُعين من قبل المسؤول عنها في شمال إفريقيا. هكذا ترددت التبعية الأندلسية بين الإشراف المباشر للخلافة وبين ولاية الشمال الإفريقي، حسب حاجة الأندلس والأحوال في داخلها أو خارجها.

اقتضى الأمر أحيانًا تعيينًا سريعًا وعدم الانتظار حتى يتفق أهل الأندلس على أحدهم ليؤيد الخليفة الأموي. حين يموت أمير الأندلس ويتأخر الخبر من دمشق أو من المغرب، يضطر أهل الأندلس أن يتفقوا فيما بينهم على تعيين أمير، ثم ينتظرون الأمر من شمال إفريقيا: هل هم موافقون على الأمير الذي عينوه، أم يعينون لهم أميرًا آخر؟

أحيانًا تضطر اللحظات لأن من غير الممكن أن يموت أمير في الأندلس ويترك المنصب شاغرًا حتى تصل التعليمات من دمشق أو من شمال إفريقيا، فالموضوع قد يستغرق أشهرًا والموضوع يجب أن يحسم حاليًا. فإذا كان الواقع يقتضي تعيينًا سريعًا، يتفق أهل الأندلس على شخص يعينونه حتى يأتي غيره يؤيد الخليفة الأموي في دمشق أو في إفريقية، سواء أيده أو عزله.

كما حدث مثلا بعد مقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير؛ مش قلنا هو الزعيم الذي صار الآن؟ تم قتله واستشهد رحمه الله في المسجد الذي بناه في إشبيلية، أي تمت تصفيته. لما تمت تصفية عبد العزيز بن موسى، وضع أهل الأندلس أميرًا مباشرة وانتظروا التعليمات: هل توافقون على هذا الأمير أم لا؟ من شمال إفريقيا.

نفس الشيء عندما أقرأ: «بعد مقتل عبد العزيز، تم اتفاق أهل الأندلس على تعيين أيوب بن حبيب اللخمي»، هم نفسهم من باب الاستعجال. وكذلك عند استشهاد السمح في ذي الحجة سنة 102 هجرية، اتفقوا على تعيين عبد الرحمن الغافقي مسؤولًا عن الأندلس في ولايته الأولى، وكذلك ولاية يحيى بن سلمة الكلبي، وحذيفة بن الأبرص الأشجعي، وعقبة بن الحجاج السلولي؛ كل هذه كانت تعيينات سريعة من الأندلسيين، ثم ينتظرون الموافقة عليها من قبل الخلافة الأموية أو الشمال الإفريقي.

في هذه الحالة يكتب إلى ولاة الشمال الإفريقي للإقرار أو تعيين غيره. كانت الأندلس في معظم مدة الولاة تابعة لولاية إفريقيا. اتخذت إشبيلية في بداية هذا العهد قاعدة، ثم انتقلت إلى قرطبة لتصبح قرطبة هي العاصمة العظيمة للأندلس خلال أكثر قرونها.

واجه عهد الولاة مهمات ضخمة، بجانب إتمام الفتح وإقراره، ومواكبة التبدل الذي طرأ على الأندلس بانتشار الإسلام فيها. عمل الولاة وبقية المسؤولين وعموم المسلمين على خدمة هذا الهدف الأصيل في داخل الأندلس أولًا وتهيئته، من خلال التعمير والتنظيم.

نحن نعرف ما جرى من تبدل ونقدره حينما ننظر إلى مقتضيات التبدل. إذا كان التبدل في الوقت الحاضر يخص جانبًا معينًا، فكيف إذا كان التبدل أساسيًا ويخص كيان الإنسان؟ طبعًا كما قلت لكم، أحيانًا عبارات عبد الرحمن الحجي تحتاج إلى إعادة ضبط، لكنك تفهم ما يريد في المضمون؛ فهو يريد أن يقول إن من الطبيعي أن يكون عهد الولاة هو عهد البناء.

إذا كان العهد الماضي عهد الفتوحات وانتهى، فإن عهد الولاة يكون عهد إحكام السيطرة وبناء المدن، وما يسمى ببناء الدولة. نحن عندما نبني دولة نحتاج أن نضع المساجد، ونضع نظام القضاء، ونضع حقوق الناس، ونكتب الوثائق. أنت تريد أن تبني دولة كاملة في قارة كبيرة جدًا.

في واقعنا المعاصر، إذا حصل تبدل سياسي في قرية أو مدينة، نرى كم الجهد المبذول من أجل إعادة استقرارها، فكيف إذا كان التبدل أساسيًا ويخص كيان الإنسان؟ أنت تريد تبديل دولة من كفر إلى إيمان؛ أنت لا تعزل قاضيًا وتضع آخر فقط، بل أنت تبني دولة بعقيدة جديدة. دولة كانت صليبية نصرانية إلى دولة تحمل شعار الإسلام.

عملية إقناع الشعب الإسباني القوطي الموجود بهذا الدين، وتثبيت الإيمان في قلوبهم، وإقامة دروس الفقه والعقيدة في المساجد والمراكز، هذا مجهود كبير؛ لأنك تحكم شعبًا ابتداء دينه ليس دينك. هم الصحابة، وكان الجيش الإسلامي كله ثلاثين ألفًا، يريدون حكم شبه الجزيرة الإيبيرية وهم على دين ليس دين أهلها، فالموضوع صعب وعسير.

لا تظن أن هذا الموضوع يتم في يوم أو يومين، بل هو جيل كامل يراد صناعته حتى تصبح الأندلس إحدى حواضر العالم الإسلامي، وينتشر فيها الفقهاء واللغويون. اليوم عندما نسمع مؤرخي الأندلس وفقهاءها وعلماءها ولغوييها، من أين خرجوا؟

هؤلاء خرجوا لأنه كان هناك جيل كامل من الإسبان أو القوط تم تغيير فكره واهتماماته وأنماط حياته، حتى أصبح هذا الشعب يهتم بالقراءة والفكر والكتابة والعلم؛ ليصبح عندنا ابن حزم الأندلسي، والعلماء الأندلسيون الكبار كالقرطبي والإشبيلي وابن مخلد. هؤلاء خرجوا لأنه تم صناعة جيل، وبناء عقل خلال عهد الولاة، لتصبح الأندلس إحدى حواضر العالم الإسلامي.

غزيرة بالعلوم الشرعية واللغوية والمعرفية. لا تقدم المصادر المتوفرة معلومات كافية عن ذلك كله.

كان لولاة الأندلس واجب آخر هو الاستمرار على رعاية المد الإسلامي والسير به عبر جبال البرت، وراءها مجاهدين. ففي عهد الولاة، كما أنه فترة لاستقرار الحكم في الأندلس، استمرت عملية الرباط والجهاد خلف جبال البرت، وسيأتي معنا معركة بلاط الشهداء مع عبد الرحمن الغافقي، إذا كان المسلمون ما زال عندهم طموح للسيطرة على فرنسا والدخول عليها، واستشهد العديد منهم هناك لإعلاء كلمة الله تعالى.

لهذا السبب ولغيره، ما كان يطول حكم الوالي الأندلسي، وأورث ذلك بعض الارتباك؛ فلقد فقدت الأندلس استقرارها. أنت اليوم تتحدث عن 40 سنة، فيها 20 واليًا. خلال 40 سنة، نحن في واقعنا المعاصر قد نجد شخصًا واحدًا يحكم لمدة 50 سنة، فكيف صارت 20 واليًا خلال 40 سنة؟

أقول لك لأن الولاة هناك كان هدفهم يذهبون للقتال وراء جبال البرت، فالوالي يروح ولا يرجع، يستشهد. عبد الرحمن الغافقي ذهب واستشهد رحمه الله، ومن الثاني الذي ذكر اسمه قبل قليل؟ الذي استشهد في جنوب فرنسا، السمح، أيوه السمح الذي استشهد في جنوب فرنسا. هذا هو السبب؛ لو قسمنا 40 سنة على 20 واليًا، يتبين أن معدل حكم كل والي سنتان فقط.

لماذا لا يوجد استقرار؟ ليس فقط لعدم الاستقرار، بل الشهادة أو الاغتيال؛ فالوالي إما يذهب يقاتل وراء جبال البرت فيستشهد، أو يتم اغتياله كما صار مع عبد العزيز حين تم اغتياله وتصفيته. أنت في النهاية تحكم شعبًا لسه ولاؤه ليس لك، فشيء طبيعي أن يكون من هذا الشعب من يحمل الضغينة تجاه القادة الجدد والفاتحين الجدد، فيحدث اغتيال من هنا، وهذا يطير هذا، وهذا يأتي واحد مكانه، فشيء طبيعي ألا يكون هناك استقرار حقيقي في الحكم لمدة طويلة خلال هذه الفترة.

ومع ذلك، فقد تمتعت الأندلس بسنوات من الاستقرار مملوءة بالإنجازات، في حين وجدت سنوات أخرى افتقدت فيها قدرًا من الاستقرار؛ لما كان لوقت نزاع بين بعض القبائل أو الجماعات، حينما كانت السلطة قبلية لزعامة ذات عروق جاهلية، أثيرت هذه النزعة أحيانًا للإكاء عليها في سلطانها، ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]. لكن هذا النزاع كان يزول بسرعة حين تذهب تلك الظروف.

حتى لا نكون مثاليين، كانت القبائل العربية أو المقاتلون العرب موجودين هناك، وأيضًا العرب والبربر، وأكثرهم كانوا بربرًا لا عربًا، فكانت تحصل أيضًا خلافات بين بعض الولاة؛ لأنك في النهاية تتعامل مع نفوس بشرية، هناك من يريد أن يحكم، وهناك من ينقلب على الحكم لأن الضعف البشري موجود حتى داخل الصف الإسلامي.

لقد قام لوقت من الوقت نزاع بين بعض القبائل أو الجماعات الإسلامية المقيمة هناك، حيث كانت السلطة قبلية لزعامة ذات عروق جاهلية. حينما تكون السلطة قبلية، يرجع الأمر مثلاً إلى أن هذا يمني أو هذا شامي أو هذا بربري، فيقول: أنا الذي أريد أن أحكم، لماذا العربي؟ فتحدث بعض المناوشات، لكن هذا النزاع كان يزول بسرعة حين تذهب تلك الظروف.

حدث نزاع خلال ولاية عبد الملك بن قطل الثانية، وبلج بن بشر، الذين قدموا بعصبة من خارج الأندلس حين كانت الدولة الأموية في أواخر أيامها يهتز سلطانها. وتولى كبر هذا الأمر أبو الخطاب والصميل مثلاً أثناء ولاية عبد الملك بن قطل الثانية؛ إذ إن عبد الملك بن قطل تولى مرتين، وصار خلاف ونزاع لأن عبد الملك بن قطل جاء بعصبة خارجية يريد فرض نفسه على الحكم، وبالتالي هذا ما أعجب بعض البربر، فصار شيء من الإشكال، كذلك بلج بن بشر.

ولعله يشير إلى ذلك، كان لهذه النزاعات أثر على حال الأندلس وعلى جهادها وراء البرت؛ إذ كان لاستدعاء موسى وطارق والجند وإيقاف الفتح أثر في عدم إتمامه وتثبيته في شبه الجزيرة الأيبيرية الأندلسية، فإن أثر هذه النزاعات بدا على استمرار المد خلف البرت، وهو ذو أثر على حال الجزيرة. لعل لبعد الأندلس عن مركز الخلافة صلة بذلك، لكان من المهم جعلها تحت إشراف الشمال الأفريقي.

بعد، إذ من المنطقي فعليًا أن تكون الأندلس تحت إشراف الشمال الأفريقي، هذا أسهل من جعلها تحت سيطرة دمشق؛ لأن دمشق بعيدة، والخبر حتى يصل من دمشق للأندلس أنت تتحدث عن شهرين ونصف، قصة وحكاية، وتتغير الأمور، ولذلك كانت في أكثر أوقاتها تحت إشراف الشمال الأفريقي.

عدا ذلك، فقد سارت الأمور عمومًا في طريقها عند زوال هذه الحالة، فعند زوال هذه الحالة تعود روح الجهاد. أحيانًا مع الخلافات والاقتتال بين المسلمين، يتوقف كل شيء، ويتوقف الجهاد وأي شيء لصالح المسلمين لأن المسلمين الآن مشغولون بالاقتتال بينهم. يقول: لما تزول هذه الحالة من الاقتتال والنزاع تعود روح الجهاد للجيش الإسلامي في إسبانيا وللقتال، ويفكرون بغزو الفرنسيين وما شابه ذلك.

لم يتوقف الجهاد في شبه الجزيرة الأيبيرية الأندلسية لإتمام ما كان على موسى إتمامه، وقد بذل لذلك الولاة، ولا سيما عبد العزيز، جهودًا واضحة. ثم ساروا بالمد الإسلامي إلى ما وراء البرت، وانتقل ميدان الجهاد إلى "الأرض الكبيرة" على سبيل الفتح الثابت المستمر. والأرض الكبيرة هو اسم يطلق على أوروبا عمومًا، ويشير إلى منهج مرسوم حيث هناك خطوة جهادية أخرى جديدة بفضل الجهود الأصيلة والسياسة الحكيمة.

استمر حال الجزيرة بالتحسن الذي تلى فتحها، ودخل أهل البلاد في الإسلام بعد أن احتكوا بالمسلمين في مجال ظاهر لا يبقى منه كامل، لكننا فقراء إلى معلومات وصفية واضحة، وإلى معرفة مقدار مساهمة مسلم شبه الجزيرة الأيبيرية الأندلسية في هذا الجهاد. وإن كان يُفهم ضمنًا ومما سبق من تاريخ الفتح لمناطق أخرى، أن جهاد المسلمين وراء جبال البرت كان باهرًا خلال الثلثين الأولين من هذا العهد.

شارك في ذلك عدد من الولاة، لا سيما السمح بن مالك الخولني، وعنبسة بن سحيم الكلبي، وعبد الرحمن الغافقي في ولايته الثانية، واستشهد في فرنسا عقبة بن الحجاج السلولي. هذه الفقرة تتكلم عن الجهاد في فرنسا وراء جبال البرت؛ فخلال 42 سنة، المسلمون ما وقفوا قتالًا، خاصة في الثلثين الأولين من هذا العهد، أي خلال 30 سنة تقريبًا، ما زال قادة المسلمين يقاتلون في فرنسا: السمح بن مالك، وعنبسة بن سحيم، وعبد الرحمن الغافقي في ولايته الثانية، واستشهد عقبة بن الحجاج السلولي. هؤلاء الأربعة من ولاية الأندلس استشهدوا مجاهدين.

في فرنسا، سبحان الله، أحياناً لما يقرأ هي الأسماء، يقول: وين المسلمين اليوم؟ ننا نتكلم عن قادة عم قاتلوا في جنوب فرنسا وبيحاولوا يفتتحوها. ننا عندنا إخواننا في غزة هون، ما إحنا قادرين ندخل رغيف خبز. سبحان الله كيف تختلف الأمم؛ لما تكون أمة قوية تفتخر بهي الأسماء الكبيرة، عم تقتل وتجاهد في تلك الأراضي. ولما تكون أمة ضعيفة لا تسأل عن حالك، تبكي عليك.

إن شاء الله نكمل عدد الموالات، السمح بن مالك الخياري؛ الظاهر أن السمح أول من بدأ بهذا الجهاد، ولابد أنه فعل ذلك بعد مشاورة الخليفة عمر بن عبد العزيز، أمر لا نملك عنه خبراً ولا إشارة. الظاهر أن أول من دخل فرنسا ليقاتل من جديد بعد موسى بن نصير هو السمح بن مالك، لعله استشار عمر بن عبد العزيز. هو يقول لك أنا لا أملك معلومة، لا نملك عنه خبراً ولا إشارة، هذه معلومة ليست دقيقة، لكن يمكن يكون استأذن عمر بن عبد العزيز.

معقول أن تكون ولاية الأندلس طول العهد على صلة بتلك المناطق، حتى حين توقف الجهاد هناك؟ إذ إنه توفر للمسلمين فيها استقرار، بل وأقاموا هناك سلطة أو حكومة في ولاية سبتمانيا في جنوب فرنسا. يقولون إنه شيء طبيعي، معقول أن تكون ولاية الأندلس على طول فترتها على صلة بتلك المناطق، المناطق التي أخذت وراء جبال البر، اللي هي مناطق فرنسا؟ حيث حتى حين يتوقف الجهاد في جنوب فرنسا، يبقى للولاية الإسلامية في الأندلس علاقة بجنوب فرنسا، خاصة أن هناك بعض المسلمين شكلوا سلطة ولو صغيرة في منطقة من مناطق جنوب فرنسا اسمها سبتمانيا.

كانت "أرب" مركزاً أو قاعدة، كانت ولاية في جنوب فرنسا للمسلمين، وكانت قاعدتها المدينة الرئيسية فيها اسمها أرب. تركوا هناك حاميات لا تخلو من نشاط، وغير بعيد أن يكون قد أسلم الكثير من أهل تلك البلاد، لكن ذهاب سلطان المسلمين عنها أوقف امتدادها والإبقاء عليها بسهولة. حدث كذلك في شمال إسبانيا وفي الأندلس كافة بعد إزالة السلطان.

أكيد لما ذهب سلطان المسلمين وضعفت الأندلس، أوائل المناطق التي خرجت من سيطرة المسلمين هي مناطق جنوب فرنسا، ثم مناطق شمال إسبانيا أيضاً بدأت تتساقط إلى أن سقطت الأندلس كاملاً في 897. تلا ذلك العمل على إزالة وجودهم البشري ومحاربة العقيدة الإسلامية بكل وسيلة، لا يهم نوعها، وجدوا كذا القضاء على ما تبقى بعد ذلك من الفكر الإسلامي متمثلاً بشكل قوي في مؤلفاتهم، وإزالة عمرانهم متمثلاً في آثارهم. هم بعد ما أسقطوا الأندلس سعوا إلى قتل الإنسان الأندلسي المسلم، ثم سعى الصليبيون لقتل الفكر وتشويهه وهدم حتى أي معلم من المعالم التي رأوا هدمها من مساجد ودور عبادة وما شابه ذلك.

حتى المكتبات الإسلامية والكتب ضاعت في الأندلس، لم يصل إلينا ربما من المكتبة الإسلامية في الأندلس وتراث العلماء إلا النزر اليسير، يقولون أغلبها تم حرقها وإتلافها على يد الإسبان لما أسقطوا الأندلس.

لكن ألم يكن التأكد من إتمام فتح الأندلس وإزالة كافة جيوب القوط في شمال شبه الجزيرة الإيبيرية الأندلسية أولى من توجيه المد خلف جبال البر؟ هنا تحليل عسكري من عبد الرحمن الحجي يقول: أليس كان الأولى بدل ما نروح نقاتل في جنوب فرنسا وراء جبال البر، أن نخلص على صخرة بلاي، وهي الصخرات اللي في شمال إسبانيا؟ في النهاية، لا أدري حتى الدكتور عبد الرحمن الحجي قد يستطيع أن يعطي لماذا القادة المسلمون العسكريون توجهوا للقتال في جنوب فرنسا بدلاً من إنهاء وجود النظام القوطي الموجودين في شمال إسبانيا؟ قد يكون له مبرر، الله أعلم، بالتاكيد هم يعرفون وهم من أصحاب المشهد. معقول كل قادة المسلمين في تلك الفترة ما فكروا بإنهاء الوجود الإسباني في الشمال؟ أم الظروف كانت صعبة لدرجة أن هذا الإنهاء سيكون مهلكة، ففضلوا الإبقاء فقط على حصاره؟ الله أعلم.

كانت نواة دويلات ثم دولة إسبانيا تحمل طبيعة صليبية، العدو اللدود المعهود. أما إن هذه كانت بسبب عوامل داخلية للأندلس وخارجية، كان منها انقطاع الأندلس سياسياً عن بقية العالم الإسلامي، حرمه ذلك المدد الدائم وصدع درعه الواقي، لكن ربما كان قد بدأ القيام بكل ذلك في حال توفر الإمكانيات اللازمة لكليهما، الله أعلم.

استثارت عزلة الأندلس وإحاطتها بالعدو تعجب القزويني في «أثار البلاد وأخبار العباد» أو من نقل عنهم حول بقاء المملكة الإسلامية بالأندلس مع إحاطة الفرنج من جميع الجوانب؛ البحر بينهما وبين المدد من المسلمين. يقول القزويني: عجيب كيف استطاع المسلمون أن يقيموا دولة عظيمة في إسبانيا في شبه الجزيرة الإيبيرية مع أنهم بعيدون عن المدد الإسلامي، بينهم وبين المسلمين بحار، وفي نفس الوقت قريبون من النصارى والصليبيين؟ ويقول إن المملكة الإسلامية بالأندلس كانت موجودة مع إحاطة الأفرنج بها من جميع الجوانب، من فرنسا وما حولها، والبحر يحيط بالمسلمين من أسفل، ومع ذلك تمكن المسلمون من البقاء خلال كل هذه القرون.

فالانقطاع عن العالم الإسلامي يقلل المدد ويدعو البلد لوحده محاطاً بمن يكون من الأعداء حوله، لكن مع أن العالم الإسلامي متمثلاً في الدول القريبة التي شابهت حالته أحياناً لم يبخل بشيء لحماية الأندلس. ذهبت هي الأخرى قبل ذهابها، حتى كان هو بعدها يتيم حسير. تخوف أو قرأ نهايته بعض رجاله لما رأوا من حالة عملت تلك الدويلات والدولة على حرب المسلمين بروح صليبية حادة، خلت أوروبا كلها من الوفاء ولو بجزء يسير لحسن المعاملة والخير.

فالانقطاع عن العالم الإسلامي يقلل المدد، شيء طبيعي أن انقطاع الأندلس جغرافياً عن العالم الإسلامي سيقلل المدد والقدرة على إرسال جنود بشكل متواصل، ويدعو البلد لوحده محاطاً بمن يكون من الأعداء حوله، كانوا مسلمين وحدهم أمام الصليبيين في أوروبا. لكن ما إن العالم الإسلامي متمثلاً في الدول القريبة، اللي هي المغرب وتونس وليبيا التي شابهت حالته أحياناً، لم يبخل بشيء لحماية الأندلس قدر المستطاع. بل إن بعض هذه الدول ذهبت هي الأخرى.

الدول والجزر ذهبت هي الأخرى قبل ذهاب الأندلس، يعني فقدنا السيطرة على بعض دول شمال أفريقيا قبل أن نفقد السيطرة على الأندلس، وهذا كله كان نذيراً. قال: «كانت له نذرة، حتى كان هو بعدها يتيماً حسيراً». طبعاً العبارة ليست قوية لغوياً، ولكنها تعبر عن النهاية.

الشيخ عبد الرحمن الحجي عندما رأى من حاله ماذا يريد أن يقول باختصار: الأندلس أصبحت نوعاً ما معزولة عن العالم الإسلامي بسبب الطبيعة الجغرافية، فهي محاطة بالفرنج. والمكان، العالم الإسلامي، أصلاً للأسف فيه فتن في تونس ودولة المرابطين ودولة الموحدين، وهذا ينقلب على هذا؛ يعني العالم الإسلامي كان كافياً همه وإشكالاته الداخلية، فالأندلس كانت مثل اليتيم الذي لا يسأل عنه أحد، وهم أنفسهم يريدون الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم. كان أحياناً يفزع لهم إخواننا في ليبيا والجزائر، لكن كل بلد كان فيها ما يكفيها.

قال: وهذا هو آثار أن بعض الرجال توقعوا منذ القدم أنه لن يطول ملك الأندلس، وهذا معنى قوله: «كان هذا نوع من النذر، وقرأ نهايته بعض رجاله». يعني بعض رجالات الأندلس الفهمانين الذين يقرؤون التاريخ والواقع الجغرافي كانوا متوقعين أنه لفترة معينة سنسقط، لن نستطيع الاستمرار بهذه الطريقة لأننا معزولون وأوروبا تكبر أكثر وأكثر. ولذلك البعض كان يحلل أنه كان الواجب على القادة في الأندلس، بدلاً من أن يختلفوا فيما بينهم كما سيأتي في ملوك الطوائف، أن يتوسعوا لفتح ما بعدها في إسبانيا.

وقوف المسلمين في الأندلس وعدم توسعهم في فرنسا وما بعدها كان نذير شؤم أن الأندلس لن تصمد. هي صمدت، الله يعطيهم العافية، ثمانية قرون، لكن في النهاية حتى آخر قرنين أو ثلاثة كانت تتآكل، ما بقي منها إلا الشيء اليسير. السبب في هذا هو أن الفتوحات الإسلامية توقفت وانكمشوا فقط حول إسبانيا. وإسبانيا وحدها لم تصمد بيد المسلمين لأنها محاطة بالنصارى من أغلب الجهات وبالبحر من جنوبها، فكان هذا هو الخطأ التاريخي؛ عدم الاستمرار في الفتوحات جعل كثيراً من الرجال يخمنون أنه من الصعب بقاء المسلمين في تلك الديار.

قال: مما شكل الحروب الصليبية، أن تلك الدويلات والدولة عملت على حرب المسلمين بروح صليبية حادة، وقفت فيها أوروبا كلها خلت من الوفاء، ولو بجزء يسير، لحسن المعاملة والخير العميم الذي أصابها على الدوام. أكيد لن يكون هناك وفاء؛ عبد الرحمن الحجي يفترض فرضية أن الصليبيين كلهم في أوروبا توحدوا لإسقاط المسلمين في الأندلس، وكل أوروبا توحدت، وهذا شيء طبيعي ولن يشكروا لك معروفك. هو يقول لم يشكروا المعروف، وهذا طبيعي لأن هؤلاء صليبيون وأنت مسلم، لا تنتظر منهم أن يشكروا؛ صحيح أنك علمتهم وفتحت آفاق أوروبا على العلوم والمعرفة، لكن المشروع الديني لأوروبا يختلف عن مشروعك.

مما يشكل الحروب الصليبية في الغرب موضوع يستحق الاهتمام والدرس، ليس هناك ما عرفوه تلفيقاً وافتعالاً وتمويهاً بحركة "الاسترداد" التي اختفت مؤخراً خلف الحروب الصليبية. هم يسمونها حركة الاسترداد، أوروبا تسمي حروبها في إسقاط الأندلس حركة الاسترداد، أي أننا نريد استرداد حقنا، لكنه يقول إنها ليست حركة استرداد، هي فعلياً حروب صليبية ضد العالم، ضد الإسلام، وهذا هو الاسم الحقيقي.

قال: «وكان عهد الولاة غنياً بالجهة الكثيفة لإقرار الحال بعد تبديلها واستتباب الأمور، إذ تم تعديلها مع الاستمرار بالفتح في شبه الجزيرة الأيبيرية الأندلسية وما وراء جبال البرت. بجانب ذلك تمت الإصلاحات الضرورية والتنظيمات ومراقبة التبدل الاجتماعي، وما أنجز في جوانب الحياة بدخول الناس في الإسلام وما ترتب عليه. كان هذا العهد بداية لنشأة العلوم الجديدة المتنوعة التي نضجت ثمارها على مراحل متتابعة، وجد فيه نتاج وأعلام في أكثر من ميدان؛ ميدان تكريم الإنسان وعلاء مكانته، وحقوقه، وحقيقة وجوده المبارك». سيتسع هذا الكلام عن عدد من الموضوعات التي تختص بهذا العهد، مثل التطور في المعلومات العلمية، وتطور العلم والمعرفة في الأندلس خلال عهد الولاة. وفعلياً كان بداية تأسيس المدارس، وبداية تأسيس العلوم، وبداية تأسيس الصناعة والشركات، وظهور أعلام كثر من المفكرين والعلماء في العالم الأندلسي الذين كان لهم أثر فيما بعد ذلك.

حول الاستقرار وتنظيم البلاد وإصلاحها: قبل أن يغادر موسى الأندلس مع طارق بن زياد، اتخذت إشبيلية عاصمة، وبقيت كذلك حوالي ثلاث سنوات حتى انتقلت إلى قرطبة في ولاية أيوب بن حبيب اللخمي بعد عبد العزيز بن موسى، أو في ولاية الحارث بن عبد الرحمن الثقفي بعد أيوب، أو يكون ابتداء انتقال العاصمة إلى قرطبة في ولاية أيوب فأكده وأتمه الحارث. المهم أنها ثلاث سنوات تقريباً استمرت إشبيلية العاصمة، ثم انتقلت إلى قرطبة. بقي في الأندلس بضع سنوات يجري فيها التنظيم وإقرار الأوضاع وتنسيق الأمور بإشراف الشمال الأفريقي، ثم أصبح ولاية مستقلة خاضعة للخلافة، وإن لم يستمر، عاد لسلطة الشمال الأفريقي بعد ذلك.

كان أول والٍ عينته الخلافة هو سمح بن مالك الخولاني في رمضان سنة 100 للهجرة، وقد أقامه الخليفة عمر بن عبد العزيز، لكن تنظيمات الأندلس وسلطاتها الأخرى عادت أحياناً تابعة للشمال الأفريقي. هاجرت أعداد كبيرة من المسلمين إلى الأندلس بعد فتحها، وكان أكثرهم كما يظهر من المصادر مسلمين من البربر. استقروا في كل ناحية، وليس صحيحاً بحال أن المسلمين العرب استأثروا بأحسن النواحي. البعض كان يقول إن المسلمين العرب استأثروا بأفضل المناطق في إسبانيا وأعطوا المسلمين البربر المناطق الضعيفة، وهذا الذي عمل إشكالاً بين المسلمين العرب والبربر في أكثر من مرحلة، ولكن عبد الرحمن الحجي يقول إن هذا ليس صحيحاً.

لعل سكن بعض النواحي الجبلية من قبل مجموعات مسلمين من البربر قد تم بناءً على رغبتهم، ذلك يتناسب مع ما اعتادوا عليه في الشمال الأفريقي، حيث بعض المناطق الجبلية المرتفعة معروفة على الشاطئين الشمالي للبحر المتوسط والغربي للمحيط الأطلسي. لدينا عدة نصوص تؤيد هذه الوجهة؛ أن نواحٍ سهلة خصيبة عديدة، بعضها غض، سكنها مسلمون من البربر مع غيرهم من المسلمين. البربر كما سكنوا الجبال، سكنوا السهول أيضاً، وهذا يريد أن يقول إن المسلمين العرب لم يستأثروا بالسهول وأجبروا البربر على أن يخرجوا إلى الجبال كما تذكر بعض المصادر الاستشراقية، بل كان العرب والبربر كلاهما يقتسم الجبل والسهل.

مثلاً "كورة فحص البلوط" الواقعة شمال قرطبة، والكورة بمعنى المحافظة أو الولاية. وهي منطقة سهلية خصبة واسعة، سكنها البربر كما سكنها العرب، وهي كورة خصبة واسعة ومدينتها غافق.

المحافظة وحاضرتها، يعني مركزها مدينة شنمرية التي كان بنو رزين من سكانها، حكموها أيام الطوائف وتعرف بشنمرية الشرق. وسهل بني رزين هي متوسطة ما بين الثغر الأقصى والأدنى من قرطبة، وليست في بلد الثغر أخصب بقعة من سهله المنسوب إلى بني رزين، في اتصال عمار سهلية واسعة، وسكنها البربر أيضًا.

وأما نفزة ومكناسة فهم من البربر في الأندلس، بين الجبال وبين مدينة قرطبة، وأما هوارة ومديونه فهم سكان شنمرية، وهي قبائل بربرية. نفزة ومكناسة هي قبائل بربرية سكنوا أيضًا في الأندلس بين الجبال وبين مدينة قرطبة، وكذلك هوارة ومديونه، كل هذه اسمها قبائل بربرية.

ينقل ابن حيان عن الرازي أنه قال: كانت خطة منية الرصافة؛ هذه المدينة اسمها منية الرصافة، خطة يعني البناء الهندسي لها. قال رزين البرنسي، أحد أكابر رجال البربر الداخلين إلى الأندلس، ومنه قبيلة بني رزين التي ذكرناها قبل قليل، سميت هذه المنطقة وهذه المدينة باسم شخص اسمه رزين البرنسي، وهو أحد قادة البربر الداخلين إلى الأندلس في جيش طارق، وكان له تقدم في الجيش، أي كان ضابطًا كبيرًا في الجيش، وإليه ينسب البلاط الذي بها؛ يعني في منية الرصافة منطقة تسمى البلاط، وكذلك الزيتون الذي بأنائها، فكانت المختط للرصافة، وهي منطقة سكنية واسعة أعطيت لرجل بربري.

ولرزين هذا آثار كثيرة بقرطبة وغيرها، منها المسجد المنسوب إليه بالربض الغربي، وينسب إليه أيضًا الجنان التي تجاوزت عين قبش بذلك الربض، جنان البساتين. وانتقلت الرصافة عن وراثتها فاشتراها الأمير الداخل عبد الرحمن بن معاوية.

يضاف إلى ذلك أن شمال شبه الجزيرة الأيبيرية الأندلسية يتمتع بالخصوبة الوفيرة وإمكانية الإنتاج، وأن الربع الشمالي الغربي من شبه الجزيرة أغنى نواحيها جميعًا وأوفرها خيرات، هذا حالها حاضرًا، وكانت إمكانياته كذلك ماضية. هذه المنطقة في شمال غرب إسبانيا إلى يومنا هذا هي منطقة غنية بالأراضي الزراعية والإنتاج، وهذا حالها حاضرًا، ولا يستبعد أن يكون منذ القدم هكذا حالها، وسكنها الجميع من العرب والبربر.

إن من سكن من بقي من الفاتحين في الأندلس كانت حسب المكان الذي ينبهم، سواء كان من المسلمين البربر أو العرب، سكنوا معًا أو منفردين. المسلمون الأوائل سموا «البلديين»، وهم أولاد البلد من المسلمين الأوائل سواء عرب أو بربر الذين سكنوا في الأندلس. قال لما رأوا بلادًا شبه بلادهم خصبًا وتوسعة سكنوا واغتبطوا وتمولوا؛ كان هؤلاء الناس جايين من المغرب، من تونس ومن الجزائر، لما شافوا إسبانيا بتشبه بلادهم قالوا: ليش ما نقيم في إسبانيا ونفتح مشاريعنا الزراعية؟ فسموا بالبلديين، هؤلاء الفاتحين الأوائل الذين استقروا هناك.

قال لما رأوا بلادًا شبه بلادهم خصبًا وتوسعة سكنوا واغتبطوا وتمولوا. كان الجيش المسلم الفاتح القادم مع موسى وطارق، الذين سار بالجيش لاستكمال عمليات الفتح، فيه المسلمون البربر والعرب، فسكن من أراد البقاء منهم في مناطق تناسبهم، إذ حين استُدعي موسى للعودة هو وطارق وجيشهما الإسلامي المكون من العرب والبربر إلى المشرق، سكنت العرب المفاوز، وكانت العرب والبربر كلما مر قوم منهم بموضع استحسنوه حطوا به ونزلوا قاطنين، فتسع نطاق الإسلام بأرض الأندلس وخلد الشرك. ووفاة طارق في الطريق منصرفًا من الثغر الأعلى، فأقفله مع نفسه ومضيا جميعًا، ومعهما من الناس من اختار القفول، وأقام من اختار السكن في مواضعهم التي كانوا قد اختطوها واستوطنوها.

كما كان اختيار سكن الأندلس متروكًا لمن يريد الإقامة بها، وهذا بيان على أن الأمور سارت حسب الرغبة التي كانت لنوع الحياة السابقة وطبيعة الأرض المعتادة لهم. فالأرض الجبلية كانت تناسب البربر فاختارها منهم من أراد، إذ كان البربر يرغبون عن سكن المدن والقرى، وإنما بغيتهم سكن الجبال والصحارى؛ البربر ولو كانوا في الأكثر تجلوا للجبال، هذه رغبة لهم، هكذا طبيعتهم، ما كانوا يحبون سكن المدن والقرى، تمامًا كالأعراب في المسلمين الذين يحبون البادية، فالبربر كانوا أيضًا مثل الأعراب، بالنسبة للمهاجرين والأنصار يحبون سكن المناطق الجبلية. وزيادة على أن بعض المسلمين العرب سكنوا الجبال، وبعض المسلمين البربر سكنوا السهول، وقد سكن المسلمون عربًا وبربرًا معًا، فهم إخوة في الله تعالى، ألف بينهم سبحانه بهذا الدين.

كان عبد العزيز بن موسى رجلًا تقيًا قويًا، حريصًا مع نشاط وإقدام، كما كان إداريًا وعسكريًا ماهرًا، وزيادة إلى حبه للإصلاح وتلهفه عليه، بدأ ينظم أحوال البلاد ويتم عمليات الفتح، فقضى على كثير من الجيوب المتبقية. يذكر المقري، لعله نقلاً عن الرازي، أن عبد العزيز ضبط سلطانها، وضم نشرها، وسد ثغورها، وافتتح في ولايته مدائن كثيرة مما كان قد بقي على أبيه موسى منها، وكان من خير الولاة، إلا أن مدته لم تطل. كما نشط في تنظيم الحكومة الجديدة وإدارتها كذلك.

اتبع الفاتحون السياسة الحكيمة المتسمة بالرفق والاعتدال والوفاء بالعهود والالتزام بها في كل الظروف، ومن المعاهدات التي حفظتها مصادرنا جزء من مصالحة موسى مع أهل مارده، والنص الكامل لمعاهدة كانت بين عبد العزيز وبين تدمير. وتدمير هذه مرت معنا في الدرس السابق، المعاهدة التي بين عبد العزيز وبين تدمير الذي خدع الجيش الإسلامي بخدعته الشهيرة. قال حاكم الإقليم المسمى بنفس الاسم تدمير، الذي عرف أن هذا كان له أصلاً إقليم اسمه التدمير، ثم عرف هذا الإقليم بعد ذلك باسم جديد باسم مرسية، والذي عرف فيما بعد باسم مرسية.

تولى حكم الأندلس بعد عبد العزيز بن موسى واليان، ثم أقام الخليفة عمر بن عبد العزيز السمح بن مالك الخولاني عليها. به تبدأ مرحلة أخرى متممة، ليس فيما يتعلق بنشاط المسلمين بالفتوحات وراء جبال البرت، بل أيضًا بتنظيم بلد الأندلس وإقرار الأوضاع.

يعتبر من الولاة في هذه المرحلة المهمين؛ لأنه ضبط الأندلس وأقر الأوضاع فيها، والقيام بإصلاحات، فأصبحت الأندلس ولاية مستقلة عن الشمال الأفريقي، خاضعة إلى الخلافة مباشرة. إنه كان السمح بن مالك يتبع مباشرة لعمر بن عبد العزيز وليس للشمال الأفريقي.

يذكر مؤرخون أن الخليفة عمر بن عبد العزيز فكر في إخلاء الأندلس وإجراء المسلمين عنها؛ فيقال إنه عمر بن عبد العزيز خلص، يعني الأمويين لسه مش مطمنين من الأندلس، شايفينها منطقة منقطعة. فيقال إن عمر كان يريد أن يصدر أمراً أن جميع المسلمين يخرجون من الأندلس، لكن ما الذي ثبته على أن يبقى المسلمون فيها؟ قال: وكان من رأيه أن يقل المسلمين عنها لانقطاعهم وبعدهم، يعني البلد بعيدة منقطعة عن العالم الإسلامي.

قال: طلب من السمح أن يكتب إليه بصفاتها وأنهارها وبحارها. كتب إليه السمح يعرفه بقوة الإسلام وكثرة مدائنهم وشرف معاقلهم، فعدل عمر بن عبد العزيز عن رأيه وأقر السمح على ولايته. فعمر بن عبد العزيز بعث رسالة للسمح الذي عينه، قال له: صف لي هذه البلد، فوصف له هذه البلد وأغراه بأن البلد جيدة والإقامة فيها خير، وأن المسلمين قادرون على السيطرة، فقال عمر بن عبد العزيز: عدل عن رأيه وأذن للمسلمين في البقاء فيها.

تتابع الولاة على الأندلس بعد استشهاد السمح. كان تنظيم البلاد وإصلاحها وإدارتها ووضع التشريعات للبلد حسب الشريعة الإسلامية هو عمل هؤلاء الولاة، قاموا بجهد كبير للاستمرار بمواجهة المد الإسلامي فيما وراء جبال البرت، الأرض الكبيرة. في أحيان بعد ذلك عادت الأندلس تبعيتها للشمال الأفريقي، واهتم ولاة الأندلس بتنظيم البلاد وإدارتها وحسن سياسة الرعية بكل جماعاتها والقيام بالإصلاحات اللازمة.

أمر عمر بن عبد العزيز السمح بن مالك بأن يحمل الناس على طريق الحق ولا يعدل بهم عن منهج الرفق، وامتثل ما أمره به عمر رضي الله عنه من القيام بالحق واتباع العدل والصدق، فانفرد السمح بولايتها وعزلها عمر عن ولاية أفريقية اعتناءً بأهلها واهتماماً بشأنها؛ فكان عمر مهتماً بها فأعطاها عناية خاصة، قال: خلص هي تتبع لنا مباشرة ولا تتبع لإدارة الشمال الأفريقي.

تنوّه مصادرنا بعد ذلك بسير العديد من الولاة وتفانيهم في الجهاد، من أمثال عبد الرحمن الغافقي وعقبة بن الحجاج السلولي. جاء في «نفح الطيب» عن الغافقي أنه قد استقامت به الأندلس وضبط أمرها، كان هناك تنظيم إداري خاص للمسلمين، وآخر لغير المسلمين. كلما تقدم الزمن كان الناس يدخلون في الإسلام، بذلك تصبح غالبية سكان الأندلس يحتكمون إلى الشريعة الإسلامية، وأصبح غير المسلمين أقلية يحتكمون إلى قضائهم. ترك المسلمون للنصارى وغيرهم حق اختيار قضاتهم ورؤسائهم، ليس هذا فيما يتعلق بالقضاء فقط، بل كذلك فيما يتعلق بالجباية والأمن وتنظيم الحرف.

في حقل الزراعة مثلاً، ذهب ما كان من اعتبار الزراع رقيق الأرض، أصبح هؤلاء الزراع أحراراً لهم حقوقهم يزرعون الأرض ملاكاً لها. عاش غير المسلمين أحراراً في عقائدهم، بقيت الكنيسة تملك بعض الأراضي، وكان النص صار أحراراً في عقيد ومجاميعهم. واختلط كثير من غير المسلمين؛ إذ كان قديماً قبل الفتح الإسلامي الزرع يعتبرون مجرد عبيد يحرثون الأرض، لكن في العهد الإسلامي اعتبروا الزرع أحراراً، أصحاب أراضٍ مش عبيد، اعتبروهم أحراراً لهم حقوقهم كأي مواطن ذمي يزرعون الأرض وهم ملاك، ويدفعون للدولة الإسلامية الجزية المتعلقة بهم، وتقبل لغتهم وكثير من عاداتهم.

أما التنظيم الإداري والمالي، فقد تمتع الأندلس باستقرار، وقد ضعف أحياناً في عهد الولاة. في التنظيم الإداري استفادوا من التقسيم الإداري الذي كان موجوداً قبلهم. الاتجاه في التنظيم الإداري الإسلامي في الأندلس يميل نحو الأقسام الإدارية الصغيرة تيسيراً لضبط الأمن وضبط المال، اعتمدوا على الكور في التنظيم الإداري. استفادوا من التقسيم الإداري الذي كان موجوداً قبلهم، والذي يظهر أنهم استفادوا من التقسيمات التي كانت موجودة زمن القوط؛ يعني كيف القوط كانوا مقسمينها، بنوا على هذا، فليس هناك داعٍ إذا أمسكت دولة أن تهدم كل ما بناه قبلك من الناحية الإدارية، بل بإمكاني الاستفادة منه وإكماله.

لكن المسلمين بشكل عام كانوا يميلون نحو الأقسام الإدارية الصغيرة حتى يمكنهم أن يضبطوا الأندلس، فكانوا يقسمون مناطق الأندلس كما اعتمدوا على الكور. هي قبل ما يأتي أصلاً الجيش الإسلامي كانت عبارة عن كور، المسلمون بنوا على هذه الفكرة؛ الكور التي هي مثل المحافظات، كل محافظة فيها أقسام هكذا تم تقسيم الأندلس. يتبع كل كرة عدة مدن، وكل محافظة فيها عدة من المدن، وتتبع المدينة عدة أقاليم، ثم أجزاء مزارع، ثم أجزاء أحياء.

كما كانت في الأندلس مراسي وموانئ، يبدأ هذا في أول الأمر لباطن بحرية. أيضاً كان هناك موانئ بحرية، فالأندلس هي شبه جزيرة إيبيرية محاطة بالمياه من ثلاث جهات، بالتالي شيء طبيعي أن يكون هناك دراسة لموضوع الموانئ. قامت بعض الأعمال العمرانية، منها إنشاء المساجد في المناطق العديدة؛ أمر كان أول شيء ينجزه المسلمون حين يقيمون في مكان ما، أول شيء دائماً المسلمون يفعلونه إذا مسكوا منطقة هو بناء المسجد. كذلك المدارس في المساجد، المدارس في مساجد الربط أو غيرها من أماكن التعليم، عرفت المساجد في العالم الإسلامي دوماً بأنها أيضاً معاهد.

المسجد كذلك مركز المدينة المسلمة وقلبها النابض. أنشأ السمح بن مالك الخولاني سنة 101 هجرية، بأمر الخليفة عمر، أنشأ قنطرة قرطبة العظيمة فوق الوتر، هذه تعتبر إلى اليوم بناءً إسلامياً عظيماً ضمن الظروف التي كانت موجودة في أيديهم في تلك الحقبة، وهذه القنطرة تعتبر مفخرة من مفاخر البناء الإسلامي، لاحظوا هذه الدقة في البناء على هذه المنطقة كجسر يصل حتى مع المغرب الإسلامي.

قال إنها على آثار القنطرة الرومانية المتهدمة، فكانت هناك قنطرة رومانية قبلها لكنها كانت متهدمة. كتب السمح يستشيره ويعلمه أن مدينة قرطبة تهدمت من ناحية غربها، وكان لها جسر يعبر على نهرها، وصفه بحمله وامتناعه من الخوض الشتاء عامة، فإن أمرني أمير المؤمنين ببنيان سور المدينة فعلت فإن قبلي قوة. وصفه بحمله وامتناعه من الخوض الشتاء عامة، يعني هذا النهر خلال فصل الشتاء تكون المياه مرتفعة منسوبها، فالناس في الصيف إذا...

كانت تجتاز بالقوارب في الشتاء، ولا أحد يستطيع ركوبها، فلا بد أن نبني قنطرة حتى يستطيع الناس اجتياز هذا النهر، لأنه يصل بين مناطق رئيسية.

فإن أمرني أمير المؤمنين ببنيان سور المدينة فعلت، فإن قبلي قوة على ذلك من خراجها بعد عطايا الجن ونفق. يعني عندنا كمية جيدة من المال بسبب الخراج الذي يأتينا ونستطيع أن نبني. وإن أحب صرفت صخر ذلك السور فبنيت جسره. فيقال -والله أعلم- إن عمر رحمه الله أمر ببنيان القنطرة بصخر السور، وأن يبني السور. قال إن عمر بن عبد العزيز أمره أن يبني هذه القنطرة بصخر السور الروماني القديم، وأن يبنى السور باللبن، لأن كان في سور وكان في قنطرة، وكأنه كان في شيئين، قال له: خذ صخر السور وضعه في القنطرة، وأما السور فابنه باللبن العادي؛ إذ لا يجد له صخراً، فوضع سداً.

قال فبنى القنطرة في سنة. والقنطرة التي على هذا النهر عند قرطبة من أعظم آثار الأندلس، وأعجبها أقواسها؛ إذ فيها سبعة عشر قوساً، وبانيها على ما ذكره ابن حيان وغيره السمح بن مالك الخولاني صاحب الأندلس، بأمر عمر بن... من الذي بناها؟ السمح.

يقول الإدريسي: ولقرطبة القنطرة التي علت القناطر فخراً في بنائها وإتقانها، وعدد قسيها سبعة عشر قوساً، بين القوس والقوس خمسون شبراً، وسعة القوس مثل ذلك خمسون شبراً، وظهرها المعبور عليه ثلاثون شبراً، ولها ستائر من كل جهة تستر القامة. وارتفاع القنطرة من موضع المشي إلى وجه الماء في أيام جفاف الماء ثلاثون ذراعاً. وإذا كان في فيضان في النهر يصل الماء إلى نحو حلوق هذه القنطرة. وتحت القنطرة يعترض الوادي رصيف سد مصنوع من الأحجار القبطية، والعمد الجافية من الرخام، وعلى هذا السد ثلاثة بيوت، في كل بيت منها أربع مطاحن. ولهذه القنطرة أهمية حيث تصل جنوب الأندلس بقرطبة والشمال الأفريقي.

الفصل الثاني: انتشار الإسلام واعتناق الإسبان له. لم يكن فتح المسلمين لشبه الجزيرة الأندلسية حدثاً عسكرياً وسياسياً فحسب، بل والأهم من ذلك أنه كان فتحاً إنسانياً ودينياً، وبداية لحدث حضاري فريد لإسبانيا وأوروبا على السواء. قضى الإسلام في إسبانيا على الأوضاع السيئة التي سبق وصفها قبل الفتح؛ فلم تعد هناك طبقة متحكمة متمثلة في الأسرة الحاكمة والنبلاء، زال سلطان الكنيسة ونفوذ رجالها، انتهت عبودية الأرض أو العبيد الرقيق، حيث تحرر كل من دخل منهم الإسلام، وقد دخل أكثرهم الإسلام. شملت هذه الحرية التي توفرت للجميع بزوال الأثقال والأوضاع القديمة.

كان هم الفاتحين دوماً العمل على انتشار الإسلام؛ هدف الفتح هو انتشار الإسلام، والمعركة هي وسيلة ومدخل لتحقيق هذا الهدف وهو نشر الإسلام. قال: إن أفام الناس الإسلام وشرحه لهم وتوجيه الدعاة إليهم، كان الناس يرون في الإسلام من صفاء العقيدة وخلصها لله تعالى والتشريع والقيم ما لم يسمعوا عنه أو يحلموا به، ولو نظرياً، فضلاً عن الصورة العملية، أمر أكثر تأثيراً، نادراً بل وتفرداً باهراً.

مهما كان معتقد الإسبان، لا سيما النصارى، فإن إقبال الناس على الإسلام كان بديهياً في كافة البلدان. غدت القيم والتعاليم الإسلامية، وهي تقوم على العقيدة والإيمان والالتزام، وبذاتية ثابتة في أخلاق الفاتحين والدعاة، متمثلة متحركة تشاهد عياناً في شكل خلاب يسر الناظرين ويدهشهم، ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾. ذلك أن فتح العقيدة هو الذي كان يجري في المناطق التي فتحها المسلمون، حتى تلك التي لم تصلها سرايا الجهاد، بل وصلها المتطوعون من الدعاة وتجار المسلمين ورحالتهم.

سامحوني، سأتجاوز بعض الفقرات التي فيها تكرار في الكلام؛ لأنني لست في كتاب إسنادي، فلي مساحة أن أتجاوز بعض الفقرات التي تكرر فكرة أن الجيش الإسلامي هو جيش يفتح بالقلوب والإيمان.

نواجه في التدوين التاريخي للغرب الإسلامي لاسم الأندلس فقراً في المعلومات والدراسات عن هذا الموضوع. المهم، هو يقول إننا من حيث المصادر التاريخية لا نمتلك معلومات كافية كيف استطاع المسلمون الفاتحون أن يقنعوا الإسبان القوط بالدخول في الإسلام، كيف كانت عمليات إدخالهم في الإسلام، وكيف كانت الحوارات؟ نحن لا نملك مصادر تفصيلية، نستطيع أن نعرف أن عدداً كبيراً منهم دخلوا، لكن الوسائل نُخمنها؛ من خلال المدارس، ومن خلال المساجد، ومن خلال الأخلاق، ومن خلال التجارة، ومن خلال الإقناع والعشرة الطويلة، فمن الطبيعي أن يتحولوا إلى الإسلام، لكن هل عندنا معلومات دقيقة؟ لا، لدينا نتف وأخبار متناثرة، بالإمكان بعد المتابعة والجمع أن نرسم صورة لا بأس بها مع الاستعانة بالأمور الأخرى المتعلقة بأحداث الفتح الإسلامي وسياسته وأحوال المجتمع المسلم وطبيعة العقيدة الإسلامية وشريعتها.

ذلك أمر سار في عمليات الفتوح، وهو بحاجة إلى دراسة علمية مجتهدة أمينة مستقلة، يخصص لها الجهد الكافي بحثاً وصياغة بأمانة. فالآن يريد أن يقيس ما حصل في الأندلس على ما حصل في شمال أفريقيا مثلاً. يجد الباحث أخباراً عن هذا الأمر في فتح شمال أفريقيا، حيث يرسل الدعاة والفقهاء بجانب الجيش الفاتح لشرح الإسلام وبيانه. كان ذلك مألوفاً حتى للجيش المسلم ذاته، حيث ضمت حملة طارق عدداً من الجنود الفقهاء، لهم مهمة تفقيه الجند بجانب الواجب العسكري. كما أن المسلمين لما فتحوا شمال أفريقيا، كانت الخلافة الأموية ترسل العلماء والفقهاء لتفقيه أهل المغرب وتونس، إذاً من الطبيعي أنه في فتح الأندلس ستُمارس نفس القضية ويتم إرسال الفقهاء والعلماء لتعليم هذه الدول.

كان أول عمل يقوم به الفاتحون هو إقامة المسجد أو تجديده، قال: أو تجديد مركز نشاط المدينة المسلمة وقلبها النابض بأحلى حياة وأجملها وأحبها وأنداها، كما فعل عقبة بن نافع في ولاية إفريقية. مثلاً عقبة بن نافع لما فتح تونس، أول شيء بناه هو مسجد القيروان المشهور، وابتدأ ببناء مسجده الجامع، وأثناء بناء القيروان أقبل يدعو لها وهو...

أصحابه، ويقولون في دعائهم: «اللهم املأها علمًا، ووفقها، وعمرها بالمطيعين لك، والعابدين، واجعلها عزًا لدينك، وذلًا لمن كفر بك، وعز بها الإسلام، وآمنها من جابر الأرض».

أنشأ مسجدها أولًا، وكان أول شيء اختطه فيها الجامع، ثم أقيمت المدينة ومعالمها وطرقها ومرافقها حوله. هكذا دائمًا كانت فلسفة المسلمين في الفتح؛ أول ما يفتح المدينة ويراد السيطرة عليها، يتم وضع مسجد، وحول المسجد يتم بناء الأسواق، ويتم بناء الدور، فالمسجد كان يعتبر هو مركز المدينة.

قال: كان أول شيء أقامه موسى بن نصير مسجد الرايات في الجزيرة. مثلاً مر معنا مسجد الرايات وشفناه في الدروس السابقة، أول شيء اختطه في الأرض الخضراء أنه بنى مسجد الرايات لدى عبوره إلى الأندلس فاتحًا مجاهدًا. يشير الحميري إلى أول مسجد أسس في الأندلس في الشرق من مدينة الجزيرة، مسجداً يقال إنه من صاحب من أصحاب رسول الله ﷺ أو أحد التابعين، ويقال إنه أول مسجد بني بالأندلس، ويعرف الموضع الذي هو فيه بقرطبة، فإذا أقحط أهل الجزيرة استسقوا فيها فسقوا بفضل الله تعالى ورحمته.

أسس حنش بن عبد الله الصنعاني، التابعي، بالتعاون مع غيره مساجد مدن البيرة وقرطبة وسرقطة، وربما غيرها مما قبل الأندلس المغربي. أسس حنش بن عبد الله الصنعاني -وطبعًا هذا ليس من صنعاء اليمن، اكتشفنا أنه من صنعاء الشام، وهي منطقة جنوب دمشق كانوا يقولون يسكنون فيها- فهذا حنش بن عبد الله الصنعاني من صنعاء الشام أحد التابعين، وكان هو المسؤول عن تخطيط الكثير من المساجد في إسبانيا: مسجد البيرة، ومسجد قرطبة، ومسجد سرقسطة، وربما غيرها.

ما قبل الأندلس المغربي، من المؤكد قيام الدعاة بواجبهم في الدعوة بعملهم وسيرهم أثناء الفتح وبعده، قد يكون هؤلاء من الفاتحين أصلًا، تلك سنة جارية وهدف أصيل كرس الفاتحون له جهودهم وجهادهم، وتولاها الولاة والقادة مثلما تولوا عمليات الفتح. فالولاة والقادة كما كانوا يحرصون على الفتح العسكري، كانوا يحرصون على الفتح الإيماني، ويعرفون قيمة إدخال الناس في الدين والعقيدة.

قال: هكذا فعل عقبة وغيرهم في افتتاح شمال أفريقي مع سكانه البربر، وقد كان عقبة بن نافع ترك فيهم بعض أصحابه يعلمونهم القرآن والإسلام، منهم شاكر صاحب الرباط وغيره. ذكر محمد بن القاسم الأنصاري السبتي في كتاب اختصار الأخبار عما كان بثغر سبتة من سنن الآثار، داعية علم أهل المغرب القرآن الكريم يكنى بأبي زرعة.

انظروا، هذا أبو زرعة، في مقبرة هذا أبو زرعة، ذكروا أنه داعية إسلامي، أقام في سبتة المغربية لما فتحها المسلمون وعلم الناس القرآن. شوف كيف الإنسان الذي يمسك ثغرًا أخويًا في الحياة، الذي يمسك ثغرًا هذا رجل يعرف من نفسه القدرة على أن يعلم الناس القرآن، بقي ملازمًا لهذا الثغر يعلم الناس في مدينة سبتة، كل من تعلم في سبتة القرآن وأولادهم وأحفادهم، فثوابهم إن شاء الله في صحيفة أبي زرعة رحمه الله تعالى عليه.

قال: وفي مقبرة التوتة شرقي مدينة سبتة إلى اليوم هناك قبر مكتوب عليه قبر الولي أبي زرعة. طبعًا أنتم عارفين أنه للأسف الناس تجعله مزارًا وتتمسح في القبر، لكن خذ الفكرة الآن، ما يهمنا هو أبو زرعة، ليس ما يفعله الناس في قبر أبي زرعة. قال: قبر الولي أبي زرعة وهو مزار مشهور. حكى الشيخ الصالح المحدث الراوي أبو العباس العزفي عن شيخه الإمام المحدث الأشهر أبي محمد بن عبد الله الحجري، أن أبا زرعة هو الذي أدخل القرآن إلى المغرب. شوف هذا الشرف، هذا الشخص أدخل القرآن إلى المغرب وأصبح له تلاميذه وطلابه واستفاد أهل المغرب منه إلى أجيال.

قال: هذا يعني أن أبا زرعة من المسلمين الأوائل جدًا، لعله من المسلمين البربر، يذكر الله أعلم هل هو من المسلمين البربر أم هو قادم من المسلمين العرب. يذكر ابن الخطيب في القسم المغربي من كتابه أعمال الأعلام، أن صالح بن منصور الحميري من أهل اليمن توجه إلى المغرب في الفتح الأول الكائن على يد عقبة المستجاب، فنزل بمرسى تمسامان، وعقبة المستجاب يعني كأنه مستجاب الدعوة أو شيء من هذا، ويعرف بمرسى بقر، وبينه وبين نكور عشرون ميلًا.

رجل آخر اسمه صالح بن منصور الحميري، ويقال حفيده الله أعلم هل هو صالح أم حفيده، صالح بن منصور الحميري واضح أنه رجل يمني، رجل من اليمن، أراد أن يشارك مع موسى بن عقبة في ثواب الفتوحات، توجه إلى المغرب وسكن في المنطقة التي نحن نعرفها أصلاً، ما اسمها؟ مرسى تمسامان ويرسى بمرسى البقر، الله أعلم من هي هذه المنطقة، وأسلم على يده بربر تلك الجهات، البربر الذين يقيمون بتلك الجهات، وبقي بها إلى أن مات فدفن على شاطئ البحر وقبره هناك معروف إلى اليوم، يقولون يسمى بقبر العبد الصالح، سبحان الله.

ورد في كتاب الاستبصار لمؤلف مجهول أن هذا الداعية الذي سكن هذه المنطقة فتحها سعيد بن إدريس بن صالح الحميري، بالتالي يكون حفيد هذا؛ إذ في كتاب أعمال الأعلام أن هذا الداعي الصالح اسمه صالح بن منصور الحميري، لكن في كتاب الاستبصار اسمه سعيد بن إدريس بن صالح الحميري، إذاً هو يكون حفيد ذاك، الله أعلم. قال: هذا المعروف بالعبد الصالح في أيام الوريد بن عبد الملك، وكان قد دخل أرض المغرب في الافتتاح الأول قبل موسى بن نصير وعلى يديه أسلم البربر المجاور لهذه المدينة، قبل موسى بن نصير أي أيام عقبة بن نافع، قال: وهم صنهاجة وغمارة، لعل وصف الاستبصار هنا أيضًا خاص بصالح لأن جهاد هؤلاء وغيرهم ناطق بليغ وبين مشهور في كتب التراجم ذات القوائم الطويلة.

مثل ذلك فعل موسى بن نصير في المغرب والأندلس، فعله موسى بن نصير في المغرب والأندلس لما موسى -لأن عقبة بن نافع كان قبل موسى بن نصير، عقبة بن نافع هو الفاتح الأول لشمال أفريقيا ثم موسى بن نصير- حيث أمر العرب أن يعلموا البربر القرآن وأن يفقههم في الدين. لا ينفرد ابن عذاري في ذلك، فليشاركه آخرون بتفصيل أكثر منهم، كالمقري حيث يذكر أن موسى ولى طارقًا طنجة.

وأعمالها، وترك عندهم تسعة عشر ألفاً من البربر بالأسلحة والعدة الكاملة، وكانوا قد أسلموا وحسن إسلامهم، وترك موسى عندهم خلقاً يسيراً من العرب ليعلم البربر القرآن وفرائض الإسلام. هذه الإشارات مما يخص الشمال الأفريقي.

عبد الرحمن حجي يقول لك: ما فعلوه في الشمال الأفريقي بالتأكيد أنهم فعلوه في الأندلس، وإن كنا لا نملك المعلومات التفصيلية. يذكر ابن عذاري عن هذا الأمر خبراً آخر لا يتضح تماماً إن كان في الأندلس أو في المغرب، إذ يقول: ترك موسى بن نصير سبعة عشر رجلاً من العرب يعلمونهم القرآن وشرائع الإسلام. الظاهر أن موسى بن نصير ترك هؤلاء العرب، ينقل عن ابن عذاري خبراً لا يتضح تماماً هل فعله موسى بن نصير في الأندلس ولا فعله في المغرب، ما عندنا معلومة دقيقة. إن موسى بن نصير ترك سبعة عشر رجلاً من العرب يعلمون الناس القرآن وشرائع الإسلام، وظيفتهم تعليم الناس أمر دينهم، قد يكون هذا الفعل في الأندلس.

الظاهر أن موسى بن نصير ترك هذا العدد من المسلمين الأوائل ليفقهوا إخوانهم من مسلم البربر الداخلين إلى الأندلس، لعل هذا العدد، سبعة عشر رجلاً، هم كل أو بعض المسلمين العرب الداخلين مع جيش طارق في حملته إلى الأندلس سنة 92هـ.

ذكر عدد من المؤرخين أنه منذ وصول المسلمين إلى أفريقية وشمالها دخل إليها مئات الصحابة الكرام والتابعين من كبارهم، وتولى بعضهم قيادة فتح للشمال الأفريقي أو ولايته واستقروا فيها، أو رحلوا عنها إلى المشرق والأندلس فيما بعد. لقد دخل مع عقبة بن نافع العشرات منهم، ذكر أن عدداً من كان معه في عسكره 25. الذين دخلوا شمال أفريقيا؛ تونس وليبيا والمغرب مع عقبة بن نافع الفاتح الأول لشمال أفريقيا، قيل دخل معه في عسكره 25 من الصحابة الكرام في ولايته الأولى، وكثر منهم ومن التابعين في ولايته الثانية.

هذا يعني أن قدراً كبيراً من مسلم البربر كان من التابعين وتابعيهم بإحسان. بعض كثير من المسلمين البربر يصنف من التابعين؛ لأن التابعي هو الذي رأى الصحابي، فإخواننا البربر المقيمين في شمال أفريقيا، الجزائر وتونس، كثير منهم يعد من التابعين لأنهم رأوا صحابة، فقد كان هناك 25 صحابياً كحد أدنى كان مع عقبة بن نافع في الفتح الأول.

كل هؤلاء وغيرهم كانوا دعاة من الجيش الإسلامي، وكل أفراده كانوا دعاة؛ لأن جيش عقبة كلهم يفقهون دينهم، أول وآخر أمر يهمهم هو خدمة الإسلام ونشره، كلهم كانوا يشرحون الإسلام بأقوالهم وأفعالهم. إن وجود هذه الكثرة من الصحابة كبارهم وصغارهم ثم التابعين يدل على مدى الاهتمام بالإسلام ونشره والجهاد بكل طريق في سبيله، ويتضح ذلك بشكل جلي حين الاطلاع على حياة هؤلاء وجهادهم وتضحيتهم في سبيل الله تعالى، وإن أسبقتهم ومكانتهم تستدعي تقدمهم للعمل والتضحية قبل غيرهم.

أورد المقري في نفح الطيب نقلاً عن كتاب مفقود للحافظ ابن بشكوال، أن تابعي المغيرة بن أبي بردة بشكوال هو أحد علماء الأندلس الذي سنتعرف عليه، هو أصلاً أندلسي. إن تابعي المغيرة بن أبي بردة النشيط بنانة العذري دخل الأندلس مع موسى بن نصير، فكان موسى بن نصير يخرجه على العساكر ليفقه العساكر والجنود بدين الله. هذا أحد التابعين الكرام، عالم من العلماء، وهذا دور العلماء والدعاة والمصلحين في كل زمان ومكان. الأمة إخواني تحتاج آلاف الدعاة وآلاف المصلحين في محافظاتها ومدنها وقراها وأمصارها، ولا يكفي اثنان ولا عشرة ولا مئة ولا مائتان؛ مع هذا العالم الإسلامي الفسيح الذي يمتد من إندونيسيا وماليزيا والهند والسند والشمال والجنوب، عدد الدعاة الذي نحتاجه هائل، ودائماً ما نصل بهؤلاء وببركتهم وبدعوتهم إلى الإسلام.

تذكر المصادر كذلك أن واحدة من صغار الصحابة دخل الأندلس، فقلنا من الصحابة الذين دخلوا الأندلس؟ المنذر الأفريقي، أتذكرونه قبل خمس سنين لما حكينا عنه؟ المنذر الأفريقي الذي دخل الأندلس مع موسى بن نصير، هذا هو الصحابي الوحيد الذي على الأقل نعرف اسمه أنه دخل الأندلس. قال: كان يحدث بأفريقية عن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَالَ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، فَأَنَا الزَّعِيمُ لَهُ، فَأَخُذْ بِيَدِهِ فَلْأُدْخِلَنَّهُ الْجَنَّةَ». فكان المنذر يقول هذا في مجلس سماع بأفريقية.

ذكر أبو العربي القيرواني في طبقات علماء أفريقية وتونس أن عمر بن عبد العزيز أرسل عشرة من التابعين يفقهون أهل أفريقية. انظروا إلى اهتمام عمر بن عبد العزيز، أرسل عشرة من فقهاء التابعين يعلمون أهل أفريقية الإسلام. ذكرت بعض مراجعنا أن ثلاثة من هؤلاء دخلوا الأندلس، اثنان مع موسى بن نصير. هؤلاء العشرة، ثلاثة منهم دخلوا الأندلس مع موسى بن نصير، هما: عبد الله بن يزيد زيد المعافري، وحبان بن أبي جبله، ثم الذي دخل الأندلس بعد ذلك وحده أبو ثمامة بكر بن سوادة. هؤلاء تابعون، أرسلهم عمر بن عبد العزيز سنة 100 للهجرة إلى الشمال الأفريقي للدعوة إلى الإسلام وتعليم القرآن والتفقه في الدين.

خلينا نشوف من هم هؤلاء العشرة سريعاً: إسماعيل بن عبيد الأنصاري، يعرف بتاجر الله، بنى المسجد الكبير. لقبه تاجر الله، وسنعرف بعد قليل لماذا لقب بذلك. بنى المسجد الكبير بالقيروان، مسجد الزيتونة حالياً، هو الذي بنى بالتحديد مسجد القيروان في أيام عقبة بن نافع، وهو مسجد الزيتونة الذي توجد فيه جامعة الزيتونة في تونس حالياً، كل هذا على يد هذا الرجل الفقيه العالم إسماعيل بن عبيد الأنصاري.

قال: وهو من أهل الفضل والعبادة والمسك، كثير الصدقة والمعروف مع علم وفقه، أقام بالقيروان حتى خرج للجهاد متطوعاً، فركب البحر ولم يزل مقيماً بالقيروان حتى حضرته نية في الجهاد، فخرج في مركب متطوع في غزوة عطاء بن رافع إلى صقلية، فغرق في البحر ومات رحمه الله عليه، قال: وهو معانق للمصحف، غرق في البحر وهو معانق لكتاب الله سبحانه وتعالى، وذلك سنة 107 للهجرة. وإنما سمي تاجر الله لأنه جعل ثلث كسبه...

لله عز وجل يصرفه في وجوه الخير. عرفنا لماذا سمي بتاجر الله؛ هذا كان دخله الشهري ثلثين لحياته الشخصية وعائلته وأسرته، ودائما ثلث راتبه يصرف في وجوه الخير، فحياته هكذا نظام، فسمي بتاجر لأنه يتاجر مع الله بثلث راتبه.

الثاني: أبو عبد الحميد إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي، قال: كان فقيهاً صالحاً فاضلاً زاهداً، استعمله عمر بن عبد العزيز على أهل إفريقية ليحكم بينهم بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه ﷺ ويفقههم في الدين، وهو أحد العشرة، سنة 99 وقيل سنة 100، فساد فيهم بالحق والعدل وعلمهم السنن، وأسلم على يديه عامة البربر، وكان حريصاً على إسلامهم. وذكر ابن عذاري في بيانه أنه في سنة 100 ولي إسماعيل بن أبي المهاجر إفريقية من قبل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، فكان خير أمير وخير والد، وما زال حريصاً على دعوة البربر إلى الإسلام حتى أسلم بقية البربر بإفريقية على يديه في دولة عمر بن عبد العزيز، وهو الذي علم أهل إفريقية الحلال والحرام، وبعث معه عمر رضي الله عنه عشرة من التابعين أهل علم وفضل.

هذا يعني أن إسماعيل ليس من العشرة، بالتالي فهو في النص وبعث معه عمر بعشرة من التابعين، هذا يدل على أن إسماعيل هو رقم 11 فعلياً، بناءً على آخر سطر في الجملة السابقة.

الثالث: أبو ثُمامة بكر بن سوادة الجذامي، جده صحابي وكان فقيهاً كما قلنا، هذا دخل الأندلس قبل قليل، قال: أحد الثلاثة من العشرة التابعين الذين دخلوا الأندلس في تاريخ مجهول، لعله بعد فتحها، واستشهد فيها، وقيل إنه غرق.

الرابع: أبو سعيد جعثل بن هاعان ابن عمير الرعيني، تولى قضاء جند إفريقية.

الخامس: أبو النصر حبان بن أبي جبله القرشي، أحد الثلاثة من العشرة التابعين الداخلين الأندلس مع موسى بن النصير.

السادس: أبو مسعود سعد بن مسعود التجيبي، قال: كان رجلاً صالحاً عالماً مشهوراً بالدين والفضل، قليل الهيبة للملوك في الحق يقوله، لا تأخذه في الله لومة لائم.

السابع: طلق بن جابان جعنان الفارسي.

الثامن: أبو الجهم عبد الرحمن بن رافع التنوخي، من فضلاء التابعين، سكن قيروان ونفع به خلق كثير، وهو أول من استُقضي بها بعد بنائها، ولاه موسى بن نصير سنة 80، وكان عدلاً في أحكامه ثقة في نفسه.

التاسع: أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المعافري الإفريقي الحبولي، بعثه عمر بن عبد العزيز يفقه أهل إفريقية في الدين فانتفعوا به وبث فيها علماً كثيراً، وشهد فتح الأندلس مع موسى بن نصير، دخل الأندلس وشارك في فتحها، ثم سكن القيروان واختط بها داراً ومسجداً.

العاشر: موهب بن حبيق، من فضلاء التابعين، سكن القيروان وبث بها علماً كثيراً وبها كانت وفاته.

الظاهر من تراجم هؤلاء أنهم كانوا النشيطين في دعوتهم وجهادهم، يتجولون في المغرب من أدناه إلى أقصاه، إذا كان في جهد وكان في معروف.

التابعون في الأندلس: نقرأ هذا الفصل ونختم إن شاء الله به. قال: التابعون في الأندلس إلى جانب التابعين الثلاثة؛ أبو عبد الرحمن الحبلي، وحبان بن أبي جبله، وأبو ثُمامة الذين دخلوا الأندلس من الفقهاء كما قلنا، هؤلاء الثلاثة من التابعين الفقهاء دخلوا الأندلس، والمتصور أنهم دخلوها ففقهوا الناس، وهذا هو المتصور من عمل العلماء والدعاة.

تعرفنا المصادر على أسماء عدد آخر من التابعين غير العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز لإفريقية ودخلوا الأندلس مع موسى بن نصير، وهم تابعون كذلك، لقد أورد ذكرهم المقري وغيره.

سأسرد لك أسماء بعض التابعين أيضاً الذين دخلوا الأندلس غير هؤلاء الثلاثة. هل هناك من التابعين من دخل الأندلس وشارك في فتوحاتها؟ موسى بن النصير رقم أربعة؛ لذلك هو وضع عنده رقم أربعة لأنه أيضاً تابعي، وهو رقم أربعة من التابعين الذين رأوا الصحابة ممن شارك في فتح الأندلس.

قال: أولهم أبو راشد حانش بن عبد الله الصنعاني، هذا المهندس المقاول كان رضي الله عنه أحد التابعين، وكان مسؤولاً عن بناء العديد من المساجد في الأندلس، دخل الأندلس مع موسى، جاهد في شمال إفريقيا وله فيها مآثر، واختط في القيروان مسجداً، يذكر مسجداً خاصاً وليس مسجد القيروان الرئيس فيما يظهر لي.

قال: يذكر أنه اشترك في فتح جزيرة جربة بتونس سنة 47 مع رويف الأنصاري، وفتح جزيرة شريك الراس، وكان أول من ولي العشور بإفريقية في الإسلام. والعشور هي الأمور الزكاوية، وتطلق على زكاة الزروع والثمار، أو على التجارة، وأيضاً تسمى الضريبة التي تؤخذ من أهل الذمة.

قال: حيو بن شريح بن رجاء التميمي، دخل الأندلس مع موسى بن نصير. زيد بن قاصد السكسكي، دخل الأندلس وحضر فتحها. عبد الجبار بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، دخل الأندلس مع موسى بن نصير. أبو عبد الرحمن عبد الله بن شماس بن ذئب الفهري. عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، تولى مرتين وقاد الجهاد في بلاط الشهداء مرة مع عبد الرحمن الغافقي قائد معركة بلاط الشهداء، ويعتبر من التابعين أصلاً.

قال: عبد الله بن شماس الفهري، وأبو المغيرة عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني، ولاه عمر بن عبد العزيز قضاء إفريقية، دخل الأندلس هو وأبوه المغيرة. قال أبو عبد الله علي بن رباح بن قصير النصير الأخمِي: تولى إفريقية فقدمها مجاهداً في سبيل الله، وكان أعور، ذهبت عينه يوم ذات الصواري في البحر. هذا الرجل كان أعور فقد إحدى عينيه في معركة ذات الصواري مع عبد الله بن أبي السرح رحمه الله.

قال: سنة 34 دخل الأندلس مع موسى بن نصير، يذكر أحمد بن عمر بن أنس العذري أنه...

بمدينة سرقسطة توفي حنش بن عبد الله الصنعاني وعلي بن رباح اللخمي، وهما من أجلاء التابعين. توفي في مدينة سرقسطة، وموضع قبريهما معروف بمقبرة باب القبلة بسرقسطة، وهي أهداف من الحجارة. لكن يذكر آخرون أنه سكن القيروان واختط بها دارًا ومسجدًا وتوفي بالمدينة متوجهًا إلى الحج، وكان قد سأل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة أو يموت بالمدينة، فأجاب. هناك خلاف هل علي بن رباح قبره في المدينة ولا قبره في سرقسطة، في خلاف يذكره المؤرخون.

قال أبو يحيى عياض بن عقبة بن نافع الفهري: قال أبو عبد الله محمد بن أوس بن ثابت الأنصاري، وكان من أهل الدين والفضل، معروفًا بالفقه، ولي بحر إفريقية سنة 93، وغزل المغرب والأندلس مع موسى بن نصير. قال المغيرة بن أبي بردة الكناني: نشيط بن كنانة العذري، وفي كتاب الحافظ ابن بشكوال أنه دخل الأندلس مع موسى بن نصير، فكان موسى بن النصير يخرجه على العساكر، ابنه أبو المغيرة عبد الله تابعيون دخل الأندلس.

قال منصور بن حزامة: على هذا يكون جملة من دخل الأندلس من التابعين، حسب ما أمكن، 17 رجلًا. إذا استطعنا أن نحصيه هم كأسماء تابعين شاركوا في الأندلس أو دخلوا الأندلس، إن 17 اسمًا نعرفه. قال: يذكر ابن بشكوال الذي وضع عن التابعين الداخلين الأندلسي كتابًا، سيجد ذكره، أن عدة من دخل الأندلس من التابعين 28 رجلًا. ابن بشكوال حاول يحصي عدد التابعين الذين دخلوا الأندلس، هو أحصاهم 28 رجلًا، والذين عرفناهم كأسماء 17.

معقول أن يكون هذا الرقم، إن لم يكن أكثر، عدد التابعين الداخلين؛ يعني هذا رقم معقول ومنطقي، يعني إذا ما كان أكثر لسه. قال: الداخلين للأندلس مع جيش طارق وموسى وغيرهما، إن كثرة من الصحابة دخلوا إفريقية بجانب التابعين الذين جاؤوا من المشرق. الآن الصحابة الذين لحقوا بفتح إفريقية 25، مش حكينا قبل شوي الصحابة الذين لحقوا فتح إفريقية 25 تقريبًا، إذاً ليس أكثر من الصحابة، لكن تعرف فتح الأندلس كان بعد فتح إفريقية بمدة، وبالتالي كان عدد الذين شاركوا من الصحابة في الأندلس -يعني من نعرفه منهم- ممكن يكون بعضهم.

لكنه الآن يريد أن يعمل مقارنة بين عدد الصحابة الذين شاركوا في فتح إفريقية وعدد التابعين الذين شاركوا في فتح الأندلس، فيقول: معقول جدًا. مقبول أن عددًا من الذين ضمهم جيش طارق كان من التابعين، لكن عدد التابعين الذين دخلوا مع موسى كان أكثر. ذكرت المراجع أن عدد الداخلين مع جيش طارق لتفقيه الجندي تراوح بين 12 وعشرات، بعيدًا أن يكون هؤلاء وغيرهم من التابعين المذكورين أعلامًا أو من غيرهم.

وحقيقة مثل هذه الأمور صعب ضبطها. يعني لما تقول أنت فقط 28 تابعيًا دخلوا في الأندلس، ما نحن قبل شوي قلنا البربر نصف التابعين. أنا في اعتقادي أنه المعلومة إذا كان يقصد التابعين الذين جاؤوا من جهة المشرق، ماشي ممكن نحكي 28، لكن إذا تريد أن تتحدث عن التابعين الذين من البربر الذين شافوا الصحابة وشاركوا في فتح الأندلس، أنا في اعتقادي الرقم أكثر بكثير من هذا، أكثر بكثير. لكن نحن لا نعرف، نحن ما بنعرف أسماء الذين شاركوا في غزوة بدر إلا قلة، صح ولا لا؟ الذين شاركوا في غزوة بدر مع النبي ﷺ 313 كم واحد تقدر تحصي اسمه؟ ممكن تحصي لك 30 أو 40 اسمًا، يعني هذا أنت أشطرنا حالًا، فما بالك نريد أن نعرف من التابعين الذين شاركوا في فتح الأندلس؟ أظن الإحصاء بهذه الطريقة لن يكون موضوعيًا.

قال: وضع الحافظ أبو القاسم بن بشكوال كتابًا لا يعرف له وجودًا حتى الآن، للتابعين الداخلين الأندلسي بعنوان: «التنبيه والتعيين لمن دخل الأندلس من التابعين». جميل، يعني ابن بشكوال وضع كتابًا، ألف كتابًا اسمه التنبيه والتعيين لمن دخل الأندلس من التابعين، كان هدفه يحصي أسماء التابعين الذين ورد أنهم دخلوا الأندلس، لكن هذا الكتاب غير معروف الآن.

قال: هذا وغيره يشير إلى أنه بجانب الجيش الفاتح جند وقادة، هم دعاة قولًا وعملًا، كان آخرون هناك أفراد عرفوا بصفة الدعوة، تميزوا بفقههم وحفظهم؛ إذا كان هؤلاء من المكانة والفقه لأن يفقهوا المسلمين ذاتهم، فكيف بمهمتهم لغير المسلمين؟ إذاً هو كل هذه القضية، أنت تسأل لماذا الدكتور عبد الرحمن يحمل نفسه كل هذا التعب في هذه القضية؟ يريد أن يخبرك أنه مع هذا، المؤرخ حاول أن يفهم من الذي قام بدور دعوة القوط والصليبيين في إسبانيا للإسلام، فهو حاول يحلل لك مشهدًا كبيرًا. خلينا نشوف عدد التابعين الفقهاء الذين دخلوا، خلينا نحصي عدد العلماء، هذا المتابعة والإحصاء يجعلك تتوقع أن هؤلاء التابعين كان لهم دور كبير في دعوة القوط والإسبار للإسلام، وبالتالي مارسوا الدور الدعوي.

قالوا: هذا يشير إلى غاية الجيش الإسلامي وبنائه وأدب مسلكه، وأن جنده ألف فقهاء ودعاة، كما يوضح أن للجندي إلى جانب القتالي مهمة أخرى هي الدعوة. نحن نجهل كثيرًا من جهود المسلمين غير الحربية، الدعوة بالمسك والقول، الإسلام بعد الحرب وخلالها أمر مستمر في السنوات التالية. من ناحية الأندلس الإسلامية، موضوع لا يزال بحاجة شديدة إلى موضوع الدعوة في الأندلس الإسلامية كدعوة إلى الإسلام، لا نملك معلومات كثيرة.

قال: أخذ الإسلام طريقة للانتشار في إسبانيا؛ تبع الفاتحون الذين عبروا عنه وشرحوه بسلوكهم، خطة بذلوا جهدًا في بيانه ودعوة إليه، مثل ما لوحظ الأمر في المغرب، كان ذلك هدفًا واضحًا لدى الفاتحين في أعمالهم كافة، يسيرون على ضوئه خلال المعارك التي كان الحرص عليها.

يذكر المقري في نفحة حين الحديث عن والي الأندلس عقبة بن الحجاج السلولي، أنه كان إذا أسر الأسير لم يقتله حتى يعرض عليه الإسلام. يعني مثلاً هذا أحد الأندلس خلال فترة 40 سنة، هذا كان الوالي عقبة بن الحجاج السلولي، إذا أسر الأسير لم يقتله حتى يعرض عليه الإسلام؛ هذا شكل من أشكال الدعوة للإسلام في النهاية، حتى ولو كان بالقهر.

قال: «ويبين له عيوب دينه فأسلم على يده ألف رجل». أسلم على يده ألف رجل، ممتاز. تشير مراجع إلى جهاد عقبة السلولي في الأندلس وخارجها وراء جبال البرت، إلا أن تفاصيل ذلك غير واضحة وأين جرى. يقول: لمس الناس من غير المسلمين حسن معاملة المسلمين لهم، أيضًا حسن المعاملة، الأخلاق، القيم، أكيد كان لها دور كبير غير الدعوة والتفقه المباشر، الأخلاق والتعامل تجعل كثيرًا من...

غير المسلمين يحب الدخول في هذا الدين. لم يمس المسلمون أيضاً الشؤون الخاصة بغير المسلمين بأهل الذمة، أعطوهم حريتهم الشخصية ضمن إطار وقواعد الإسلام، ولم تتخذ الكنائس مساجد، يعني حتى كنائسهم أبقوها لهم، لم يسيطروا عليها إلا إذا هم باعوها أو هجروها.

لكن حين سقطت غرناطة والمدن التي قبلها، في المقابل كان الإسبان أول ما يمسكون مسجداً إسلامياً حولوه إما لزريبة أو مكان للتعذيب، أو يحرقونه أو يفعلون فيه أي شيء. هناك مقارنة: كيف لما هم مسكوا الأندلس أحرقوا المساجد وأفسدوها، بينما لما نحن فتحنا الأندلس ما أحرقنا الكنائس ولا أتلفناها.

كان من نتائج حسن المعاملة الإسلامية ازدياد الاختلاط مع غير المسلمين بشكل قاد إلى بعض المصاهرات، مما ساهم في دخول كثير من النصارى في الإسلام. الزواجات كثيرة؛ فكثير من القادة المسلمين العسكريين تزوجوا من النساء القوطيات، حتى بعض الولاة. فمثلاً يقولون لقد تم زواج أول والٍ للأندلس عبد العزيز بن موسى بن نصير، من تزوج؟ تزوج أرملة ذريش آخر ملوك القوط، وأصبحت اسمها وكنيتها أم عاصم.

غير واضح ما إذا كانت قد أسلمت قبله، وهو سيحاول طبعاً عبد الرحمن حجي أن يقول لك إنه بعد ما أسلمت، لا هو عادي حتى لو قبل ما تسلم، لو يتزوجها في الإسلام يجوز أن المسلم يتزوج النصرانية. قال ليس واضحاً هل تزوجها قبل إسلامها وبعد إسلامها، ولا يهمني في النهاية، المهم تزوجها، وفي النهاية يقول إنها أسلمت وحسنت إسلامها.

ويفهم ما ذكره ابن عذاري أنها بقيت على نصرانيتها، البعض يقول يعني يُفهم أنها بقيت على نصرانيتها، وفي القصة أو في تفاصيلها نظر في وجهة نظر عبد الرحمن حجي؛ يقول المقري زعموا تزوجه لزوجة الذريش المكنات أم عاصم، وكانت قد صالحت على نفسها أموالها وقت الفتح وباءت بالجزية وأقامت على دينها في ظل نعمتها إلى أن نكاحها الأمير فحظيت عنده، ويقال إنه سكن بها في كنيسة بسبيلية.

لكن إقامة عبد العزيز بن موسى في كنيسة أمر غير معقول لأكثر من سبعة إلا باعتبار ما كان عليه قبل أن تغدو الكنيسة التي ربما كانت مهجورة أو مسجودة، اتفق. يعني عبد الرحمن حجي أيضاً مش عارف يحلل كيف عبد العزيز لما تزوج هذه المرأة أقام معها داخل الكنيسة، يقول لك هذا أيضاً غير معقول، مش متصور إلا أنه يكون هو حول الكنيسة لمسجد لأنه كان في مسجد أمام الكنيسة. هو يحاول أحياناً عبد الرحمن حجي تحليل بعض التفاصيل، بس أعتقد أحياناً بعد التحليلات سيكون فيها تكلف؛ لأننا مش عارفين أين سكنوا طريقة تفصيلية، أين سكنوا مع بعض، شوي سيكون صعباً أن تحدد هذا الموضوع بالتفصيل، وفي داعٍ أحياناً أن الإغراق في التفكير التاريخي يقودك إلى نتائج متكلفة في بعض الأحيان.

قال يمكن أن يُفهم هذا من نص ابن القوطية حين الحديث عن مقتل عبد العزيز أنه كان ذلك بمسجد روبينة المشرف على مرج شبيلية، إذ كان ساكناً في كنيسة روبينة. يعني هنا ابن القوطية يقول إن عبد العزيز -مش قلنا إنه تم اغتياله- اغتيل هو داخل المسجد، كان ذلك بمسجد روبينة، هذا المسجد مشرف على مرج شبيلية، إذ كان ساكناً في كنيسة روبينة. إذاً هو كان ساكناً في الكنيسة، وفي النهاية قد يكون هناك مسجد مقابل الكنيسة شيء من ذلك، الله أعلم. وإذا كان هناك "روبينة" من القوط تسمى أم عاصم، هي كنيتها، بعدين أم عاصم كان يسكن معها في هذه الكنيسة، وكان قد ابنى على بابها المسجد الذي قتل فيه؛ إذاً الظاهر أن المسجد خارج الكنيسة، هما متقابلان، الكنيسة هي ممكن تكون صارت مهجورة وهو اتخذها بيتاً وقصراً والجماعة دخلوا عنها.

قال روبينة اسم المسجد والكنيسة من قبل، ورد عند ابن عذاري "روبينة" وكان قتله، هو اسم المسجد واسم الكنيسة في نفس الوقت. وقال وكان قتله صدر رجب من سنة 97 للهجرة بمدينة إشبيلية، المسجد روبينة هو لم يشر إلى موضوع الكنيسة أو سكنه فيها مع أنه اعتمد على عدة مراجع، لعل أراد اسم المسجد كما عند ابن عذاري أدق، قد تكون وجدت مع الفتح الإسلامي بهذا الاسم الكنيسة في شبيلية أو في ضواحيها.

من المستبعد أن تبقى أم عاصم غير مسلمة حيث الأكثر قبولاً، إذا كانت هذه الزوجة أو تفاصيلها موثوقة أن زواجه بها تم بعد إسلامها. هذا تحليل أنا لست ملزماً أن أتفق معه، يقول الآن من المستبعد أن تبقى غير مسلمة، ماشي ممكن كلامه صح، يعني الاحتمال الأكبر أنها تكون أسلمت وحسنت إسلامها، لكن ممكن تكون ضلت على النصرانية، ممكن. وقضية أنه أن زواجها حيث الأكثر قبولاً أن زواجه بها كان بعد إسلامها، لماذا هو الأكثر قبولاً؟ برضه هذه نقطة يحتاج أن يبرر لي إياها الدكتور عبد الرحمن حجي.

أنا ذكرت أنه فعل مثله، هل هناك من فعل مثله من قيادات الجيش الإسلامي؟ نعم، يقولون زياد بن النابغ التميمي أيضاً تزوج من نساء القوط. لدينا أكثر من مثال لهذا النوع من المصاهرات تمت بعد إسلام المرأة، مثل سارة القوطية بنت المند، بنت جيتشا؛ هذا جيتشا مر معنا أحد قيادات القوط، هذه حفيدته، ملك القوط قبل لذريش. هذا ملك القوط كان قبل، اختلفت سارة هذه القوطية مع عمها أرطباش، ذهبت إلى الخليفة مثلاً هشام بن عبد الملك، راحت على دمشق تشكو مظالمها مع عمها، فأنصفها الخليفة الأموي هناك.

الظاهر أنها أسلمت ثم إنها تزوجت، سارة القوطية تزوجت في دمشق أو في الشام من شخص اسمه عيسى بن مزاحم، تزوجوا وراحوا شهر عسل على أين؟ على الأندلس، قدم الأندلس فسكن في الأندلس، هذا مش شهر عسل، هذول قاعدين هناك، كانت شبيلية سكناهم. عيسى هذا الذي تزوج سارة القوطية هو جد المؤرخ ابن القوطية؛ يعني ابن القوطية هذا الذي نحن نقرأ عنه في التاريخ، هو عم بارخ لنا، جده عيسى، هو أتى من خلال زواج سارة القوطية مع عيسى بن مزاحم. فعيسى هذا هو جد اللغوي المؤرخ أبو بكر محمد بن عمر ابن القوطية، لذلك هو لماذا لقبه ابن القوطية. وهذا مؤرخ وأبرز المؤرخين للحقبة الأندلسية، يعتبر أيضاً ابن القوطية مع المقري من أبرز المؤرخين، لماذا لقبه ابن القوطية؟ لأن جدته سارة القوطية من القوط تزوجت عيسى بن...

وزاع في الشام، وجاءت مع عيسى إلى إشبيلية، وهناك كان من نسلهم ابن القوطية المنسوب إليها، فهو ينسب إلى جدته سارة. أنجبت سارة القوطية من عيسى بن مزاحم ولدين: إبراهيم وإسحاق. لما توفي عيسى بن مزاحم، تزوجت سارة القوطية شخصًا آخر أيضًا من العرب اسمه عمير بن سعيد، وولدت له حبيبة بنت عمير، وهي جد بني سعيد وبني حجاج وبني مسلمة وبني حجر. صارت قبيلة من رجال العرب، لكن أمهم قوطية هي سارة وزوجها عمير بن سعيد.

من الجدير بالذكر أن هناك شخصًا آخر في التاريخ اسمه أبو بكر محمد بن القوطية، وهو غير كنية وسمي وحفيد سليمان أخيه ابن القوطية الذي حكينا عنه قبل شوي. له أخ اسمه سليمان، أنجب من أحفاده شخصًا آخر معروفًا في التاريخ أيضًا، لكن لا أعرف أين شهرته، اسمه أيضًا أبو بكر محمد بن القوطية، أقول لك حتى لا يختلط عليك الاسمان، لكن المشهور تاريخيًا هو الأول.

تزوج عدة أمراء وخلفاء من إسبانيات، كنّ نصرانيات من قبل، منهم الخليفة الناصر لدين الله على ما يذكر. الخليفة الناصر لدين الله هو حفيد امرأة من البشكنش اسمها در، وهو أحد الأمراء الذين أمسكوا الأندلس بعد ذلك، وهو أصلاً حفيد امرأة إسبانية كانت نصرانية وأسلمت بعد ذلك على كلامه اسمها در، مثلها كانت صبح زوجة الحكم المستنصر بالله. كذلك تزوج الحاجب المنصور بن أبي عامر، وهذا مشهور تاريخيًا؛ ابن أبي عامر تزوج عبده وهي ابنة شانجة ملك قشتالة، تزوج هذه المرأة وحسن إسلامها، وكانت من خيرات نساء الدين متانة وحسبًا أصيلاً.

هناك أمثلة أخرى لهذا النوع من المصاهرات، سواء مع الحكام أو مع أفراد الناس، لكن إن خلت من الاحتياط فلا تخلو أحيانًا من المآخذ والمخاطر. يقول إن الزواج من النصرانيات كان قد يكون له مخاطر؛ أن الحاكم المسلم ممكن يميل لزوجته النصرانية فيصالح بعض الحكام النصارى من أجلها.

طبعًا هو في النهاية، لماذا يذكر هذه الزواجات؟ لأن هذه الزواجات أيضًا كان لها دور في توطيد الإسلام ونشر الإسلام؛ أنه دائماً لما تتزوج أنت من الناس ويصيروا أصهارك، هذا قد يساعد في نشر الإسلام أيضًا عند أهلها. بسبب تلك العوامل جميعًا كان دخول الناس في الإسلام مبكرًا، ولدينا أسماء أعلام إسلامية مبكرة استوطنوا الأندلس فأعقبوا، أو ولدت في الأرض المسلمة، أو تحولت من الدين السابق إلى الإسلام. كثير من أسماء الأعلام المسلمين إما استوطنوا في الأندلس وأعقبوا، أو ولدت في الأرض المسلمة، أو تحولت من الدين النصراني إلى الإسلام وصاروا من علماء الإسلام عرفوا بالعلم والفضل والتقوى وكانت من أصول إسبانية. البحث المستمر أكيد سيزيد الأمثلة وضوحًا ويقوي الصورة رسوخًا في كيفية انتشار الإسلام في الأندلس، ويمنحها وضوحًا وجمالًا؛ هذه ظاهرة عامة.

هذه الظاهرة عامة بكل بلدان الإسلام حيث بصرتها عقيدة الإسلام. من الأمثلة قبل الأندلس: حنش الصنعاني من الشام، كان من جلة التابعين الفضلاء والعباد الأتقياء والمحاربين البلساء. وعبد الرحمن بن وعلة السبائي المصري، تابعي من أهل الفضل والدين من أهل إفريقية، كان شريفًا بمصر ثم سار إلى إفريقية. هو يقصد أن حركة العلماء وانتقالهم من مدنهم إلى المدن الإسلامية المفتوحة ليس فقط فكرة انتشرت في الأندلس، بل في جميع العالم الإسلامي؛ كلما افتتح مصر من الأمصار ينتقل إليه عدد من العلماء.

فمثلاً حنش الصنعاني كان من الشام وانتقل للأندلس كما قلنا، وعبد الرحمن بن وعلة المصري التابعي من أهل إفريقية كان من شرفاء مصر ثم انتقل إلى إفريقية وعاش فيها وعلم الناس. وأبو خالد عبد الرحمن بن زياد الأفريقي ابن أنعم المعافري، وهذا مشهور في رواية الحديث ومعروف أن عنده ضعفًا في الرواية وإن كان رجلًا فاضلاً. والقاضي هو أول مولود ولد في الإسلام بعد فتح إفريقية ونشأ هناك وأصبح من علمائها. وأبو عمران موسى بن علي بن رباح اللخمي، أبوه علي بن رباح، أحد التابعين الداخلين الأندلس مع موسى بن نصير، إذاً ممكن يكون ولد في الأندلس ونشأ فيها. وعبيد الله بن زهر الكناني كان فاضلاً صالحًا، مولد بإفريقية وهو معدود من شيوخها.

هكذا بشكل عام يتكلم عن كيف انتشر الإسلام في الأندلس محاولاً تحليل العوامل العامة الاجتماعية والعلمية. نكمل إن شاء الله ما بقي في الدرس القادم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.