دخولتسجيل الدخول

التعليق على كتاب التاريخ الأندلسي | برنامج المُدارسة | المجلس الثاني

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد، أو المجلس الثاني من مجالس القراءة لهذا الكتاب الطيب المبارك: «التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة» لمؤلفه المؤرخ القدير الدكتور عبد الرحمن حجي رحمه الله تعالى عليه. وهي دراسة في أسباب السقوط وأسباب البناء كما يقولون، حتى يكون لك الكلام مرتباً.

هذه الدراسة التاريخية التي نهدف من خلالها إلى رفع كفاءة الشباب المسلم، في أولاً: التعرف على تاريخه، يعرف تاريخ الإسلام وبطولات الإسلام والمعارك الحاسمة، وكيف صعد الإسلام في تاريخه ومتى، والفجوات التي تسبب دخول العدو مما يسبب شيئاً من الانهزام، وأحياناً السقوط. وأحياناً الحياة لا تطيب دوماً لك كما تتصور؛ فمعرفة الشباب المسلم لهذا التاريخ بتقلباته وأحواله، وتلك الأيام نداولها بين الناس، هي أولاً فيها جانب من المتعة، فهي قصص، لكن متعة مليئة بالفائدة ومليئة بالعبر لمن يريد أن يفهم سنن الله سبحانه وتعالى في الكون.

هناك سنن أيها الكرام، الحياة ليست معادلة رياضية تدرسها في الجامعة، ليست مجرد فكرة سريعة أنت تتبناها وتمشي وستكون النتائج كما تريد، الحياة متقلبة وهناك إله سبحانه وتعالى وضع للتغيير سنناً، وهذه سنن تدرس وتدارس ويتفهمها الإنسان ويعرفها، حتى يستطيع أن يسقط ذلك ما عُرِف من الماضي على واقعه المعاصر. وهذا هو الهدف النهائي والختامي؛ أن نعرف كيف نعيش واقعنا المعاصر بإشكالاته ومآزقه وتحدياته، ويعرف الإنسان ما القدرة التي يستطيع أن يفعلها ضمن مساحة معينة، لئلا يكون حالماً أو هلامياً أو يترك ثغوراً معينة كان يستطيع أن يسدها، لكن لأنه حال بقي يتمنى ما هو أعلى منها، فإذا به انتهى عمره في التقديم ولم يقدم شيئاً.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدنا بصيرة بهذا العلم، علم التاريخ الإسلامي، واهتماماً به واحتفاءً واهتداءً وبصيرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. في الدرس الماضي كنا بدأنا في الخطوات الأولى في فتح الأندلس، وتكلمنا عن الغزوة الأولى التي تعتبر المعركة الأولى، والتي تعتبر فاتحة الأندلس كما يسمى، البوابة التي بعد هذه المعركة بدأت الأندلس تسقط رويداً رويداً.

تذكر ما هي اسم المعركة؟ من يتذكر اسم المعركة؟ أليس في السكر الكتاب والروح؟ إذا كانت المعركة التي فتحت الأندلس وشرحناها وعلقنا عليها ثمانية أيام وما نحن متذكرينها، فمعناها في فائدة من دراسة الكتاب؟ لأن هو الهدف من دراسة الكتاب أن نعرف التاريخ، فإذا كنا نسينا التاريخ من أسبوع واحد فمعناها نحن نضيع وقتاً. المعركة التي فاتت خاضها طارق بن زياد ضد لذريق.

جزاك الله خيراً، أين الحك؟ نعطيه جائزة؟ أعطيه جائزة شيخ عمر من عندك. معركة وادي لكة، حتى قلنا خاض فيها لكة ولا لكة ولا شيء من ذلك، ومعركة وادي البرباط كما قلنا، وهي مع هذه المعركة الأساسية لازم تعرفها؛ في معارك ثانوية حصلت بعدها، لكن المعركة الأساسية التي هي فاتحة الأندلس معركة وادي لكة، ومعركة وادي البرباط إلى اسم آخر. وكما قلنا 28 رمضان، لكة ثمانية أيام بدك تحسب بعدها، ومع لذريق، وكان على رأس من؟ ومن كان يحكم الأندلس في تلك الفترة؟ من الجنس الأوروبي الذي كان يحكم الأندلس؟ شو اسمهم؟ نسيت؟ أحسنت، القوط.

أحد الأجناس الجرمانية التي كانت تسكن شمال أوروبا هي التي كانت تحكم الأندلس، ومعهم كانت المعركة، وكان عددهم كما قلنا اختلف المؤرخون ما بين 40,000 إلى 100,000 أو 120,000؛ في اختلاف في تقدير أعداد القوط، لكن الجيش الإسلامي كم كان عدده تقريباً؟ كان أصلاً طارق بن زياد معه 7,000 أو 8,000، وطلب من موسى بن نصير الإمداد فزاد 5,000 فصاروا 12,000. هذه المعلومات الأساسية التي تبقى في تاريخك: معركة فتح الأندلس هي معركة طارق بن زياد ضد لذريق، وكانت معركة حاسمة وأساسية وبها فعلياً تم الفتح، لأنه بعدها خلاص الغلبة الأندلسية تسقط رويداً رويداً أمام انصباب الجيش الإسلامي.

تكلمنا عن موضوع هل خطب طارق بن زياد في بداية هذه المعركة الخطبة الشهيرة؟ وكان نقاش طويل أظن هو الذي ختمنا به الدرس الماضي: هل هناك خطبة تاريخية مؤرخة حقاً لطارق بن زياد في هذه المعركة؟ أم هو خطب لكننا لا نملك تفاصيل دقيقة؟ لما هذه الخطبة؟ الدكتور عبد الرحمن حجي ربما يدقق في بعض التفاصيل قد لا تهم بعض الشباب، أنا بالنسبة لي خطب ولا ما خطب ليست هذه المهمة، لكن المؤرخ يبحث عن جواهر معينة ليكمل المشهد قد لا يعتني بها المثقف الطبيعي.

وصلنا إلى قضية حرق السفن، مسألة حرق السفن. هل يعني تقول بعض الكتب التاريخية إن طارق بن زياد، حتى يشد من عزم المسلمين في المعركة -والمسلمون 7,000 مع 12,000 بالكثير أصبحوا في النهاية أمام 40,000 إلى 100,000 قوطي- فالبعض من الكتب ترسم سيناريو المعركة أن طارق بن زياد قال لهم في الخطبة: «العدو من أمامكم والبحر من ورائكم»، وأنه تعمد إحراق سفن المسلمين حتى يمنع أي مسلم يفكر بالرجوع، هل فعلاً طارق بن زياد قام بحرق السفن حتى يمنع أي مسلم يفكر بالهروب من المعركة أن يجد سفينة؟ هذه مسألة تاريخية يريد الآن أن يحققها عبد الرحمن حجي.

قال رحمه الله تعالى: «حرق السفن، هل حقاً أن طارقاً أحرق السفن التي عبر بها المضيق حتى كي يقطع على الجيش الإسلامي كل أمر في العودة فيستميت في الدفاع؟ ذكر بعض المؤرخين ذلك كالجغرافي الشريف الإدريسي، لكن لماذا يحرق طارق السفن؟ سواء امتلكها المسلمون أم يوليان. كان طارق، سواء هي السفن من ملك المسلمين أم يوليان عارّها للمسلمين، نحن قلنا يوليان هذا الحاكم الذي الظاهر أنه كان صليبياً وكان مسؤولاً عن مدينة سبتة، هل كان متعاوناً مع المسلمين تعاوناً كاملاً لدرجة أنه أعطاهم سفناً يذهبون بها؟ هذه مسألة أيضاً ناقشناها الدرس الماضي، هل يوليان هو الذي أعطى السفن للمسلمين أم المسلمون هم الذين صنعوا السفن؟ وهذه أيضاً دخل فيها طارق».

المهم الموضوع: حرق السفن، هل حرقها؟ قال: «كان طارق وجيشه يقاتلون من أجل عقيدة، أنهم من ساعة عبورهم جاؤوا مجاهدين مستعدين للشهادة، وطارق متأكد تماماً من هذه المعاني ما كلفهم به قبل ذلك».

شاهد ودليل؛ إذا كانت السفن لليوليان فليس من حق طارق التصرف بها، وإن كانت للمسلمين فليس حرقها عملا عسكريا سليما أو مناسبا ما دام يحتاج إليها وإلى النجدة والاتصال الدائم بالمغرب لأي غرض، كيف وقد رأينا احتياجه إلى النجدة قبل خوض هذه المعركة واحتاجها فيما بعد؟ إن دوافع المعاني الإسلامية والهدف الذي جاء الجيش من أجله أقوى في الاندفاع من أي سبب آخر، وما كان المسلمون يتخلفون عن خوض معركة أو تقديم أنفسهم شهداء لإعلاء كلمة الله، بل لذلك أتوا.

المصادر الأندلسية المبكرة لا تشير إلى قصة حرق السفن التي لا تخلو من علاقة وارتباط بقصة الخطبة، إذ يرى عبد الرحمن حجي أن قصة حرق السفن قصة غير موثوقة، وأنه هي ربما إكمال للمشهد بالسيناريو مع الخطبة؛ هو أعطى الخطبة والعدو من أمامكم وبعدين حرق السفن، هذا مشهد قد يكون متخيلا. وأنا حتى سمعت قبل فترة من أحد المتخصصين في التراث الأندلسي أن كثير من تفاصيل المعارك متخيلة؛ المعارك تكون ثابتة، لكن التفاصيل الجزئية وماذا حصل بها بالتفصيل أكثرها يكون من خيال المؤرخ، أو من خيال المستشرق، أو من خيال الكاتب الإسلامي الذي يتوقع بعض الأمور توقعا وليس أنها معلومات علمية يمكن أن نبني عليها شيئا.

أما أحوال إسبانيا، فيطيل بعض المؤرخين المحدثين الكلام عن أحوال إسبانيا السيئة قبل الفتح الإسلامي لها، لكن حتى لو كانت حقيقة أن أحوال إسبانيا كانت سيئة لهذه الدرجة وأن ذلك أفاد عمليات الفتح، لكن حالها لم يكن ليختلف عن عموم الحال المتوفرة في بقية أوروبا كما برأنا. إذ هل تختفي الدوافع المعينة التي تكمن وراء هذا التأكيد على هذه القضية؟

كانت معركة وادي برباط فاصلة، غنم فيها المسلمون غنائم كثيرة من أولها الخيول، حيث خاض أكثر الجيش الإسلامي هذه المعركة مشاة، بعد المعركة لم يبق منهم أحد دون فرس، أصبح الجيش الإسلامي كله خيالة. ما معنى هذا السؤال؟ أنا حتى أفهمك ماذا يريد الدكتور عبد الرحمن حجي يقول: ما معنى إذا هل تختفي الدوافع المعينة التي تكمن وراء هذا التأكيد على هذه القضية؟ هو ماذا يريد من خلاله أن يوصل رسالة؟ هل تختفي الدوافع المعينة التي تكمن وراء هذا التأكيد على هذه القضية؟

أحسنت، هي قضية أشرت إليها الدرس الماضي؛ أن المستشرقين في كتبهم ماذا يقولون؟ أن أحد الأسباب الرئيس لهزيمة القوط أن الوضع في إسبانيا لم يكن على أفضل الأحوال، وكان هناك خلافات داخلية، ومن أجل ذلك سقط القوط، وإلا لو كان القوط كلمة واحدة ما استطاع المسلمون أن يهزموهم. فالدكتور عبد الرحمن يقول هؤلاء الذين يكتبون هذا الكلام بأن القوط والخلافات الداخلية هي التي أدت إلى فشلهم وانتهزامهم أمام الجيش الإسلامي، يقول: طب في باقي مدن أوروبا هذه الإشكالات كانت موجودة، في الحقيقة أن أحوال إسبانيا لم تكن تختلف عن عموم أحوال أوروبا، هذا الضعف والانهزام والتشقق في أوروبا كانت في ظلام دامس وليس فقط إسبانيا، فلماذا التأكيد على إسبانيا بالتحديد أنه كان فيها خلافات وما هو كل أوروبا كان فيها خلافات؟

فيقول هناك دوافع للكاتبين والمؤرخين المستشرقين خلف قضية التأكيد على هذا الموضوع؛ هم يريدون التأكيد مرارا وتكرارا أن هزيمة القوط كانت بسبب اختلافاتهم، وليس لأن الجيش الإسلامي كان جيشا عقديا يملك قوة لا يمكن قهرها بإذن الله، وأنهم أعدوا للمعركة جيدا، وأن هناك توفيقا إلهيا سابقا. لا يريدون الإشارة لهذه القضايا الموجودة في الجيش الإسلامي، فهو سؤال استنكاري؛ هناك دوافع حول تأكيد المستشرقين لهذه القضية، هل تختفي الدوافع حول تأكيدهم على هذه القضية؟ لا تختفي، واضح أنك لا تريد أن تنسب للمسلمين أي قدرة على المواجهة، وإنما هو فقط فشل من أمامهم ليس أكثر.

قال كانت معركة وادي برباط فاصلة، غنم فيها المسلمون غنائم كثيرة من أولها الخيول، حيث خاض أكثر الجيش الإسلامي هذه المعركة مشاة، بعد المعركة لم يبق منهم أحد دون فرس، أصبح الجيش الإسلامي كله خيالة. ما شاء الله، هي نتيجة ممتازة، الجيش الإسلامي كانوا كلهم بعد هذه المعركة غنموا الخيول فأصبح الجيش الإسلامي كله على الخيل، يعني ما كان الجيش الإسلامي معه خيول إلا عدد قليل، مائة فرس، أيضا قلنا المرة الماضية كانوا مائة فرس ليس أكثر، الآن أصبح كل الجيش معه خيول، هذه غنيمة ممتازة.

لم يلاق المسلمون بعد ذلك مثل هذا التجمع الكثيف، وإن مرت بهم معارك مهمة وقوية منها واحدة قرب مدينة استجة، لا، يعني هذا أنهم لم يواجهوا صعوبة في فتح بقية شبه الجزيرة الإيبيرية، لا؛ لذلك قلت لكم يجب أن يحفظ المسلم معركة وادي لوكا، التي هي معركة وادي البرباط، أنها هي المعركة الأساسية، كل المعارك التي جاءت بعد هذه المعركة هي معارك جزئية أو سريعة، خلص بدأت تنهار صفوف القوط بشكل سريع، هذه المعركة هي التي تستطيع أن نقول فاتحة معارك الأندلس بإذن الله.

حين ترامت أنباء النصر المبين في هذه المعركة إلى شمال أفريقيا، وفد بعض الناس ملتحقين بجيش طارق مجاهدين، فرق طارق بعض جنده في بعوث جانبية وتوجه هو إلى طليطلة عاصمة المملكة القوطية. طارق بعد هذه المعركة أراد أن يتوجه مباشرة إلى العاصمة، ودائما يقولون في علم التاريخ: إذا أردت أن تسقط دولة عليك أن تسقط العاصمة، لو أسقطت كل المحافظات ولم تسقط العاصمة أنت لم تسقط شيئا، ولو سقطت العاصمة وأنت لم تسقط باقي المحافظات سقطت، ولذلك دائما يقولون إسقاط الدول لابد أن ينتهي بإسقاط عاصمتها، دون إسقاط العواصم تبقى العدو بالنسبة له يتجمع ويتكاتف حول عاصمته يقاتل من أجلها.

لذلك حتى اليوم في الشام في المعركة أنت لاحظتم متى سقطت؟ لما سقطت دمشق، لو حررت كل الشام وما سقطت دمشق ترى ما فعلتها يعني إلا شيئا جانبيا، فلذلك هذا في علم السياسة والقيادة عليك دوما أن تسقط العاصمة، إذا سقطت سقطت الدولة. حتى في المعارك لما تكون لماذا يستهدفون حامل الراية؟ إذا أنت أسقطت حامل الراية هبطت الروح المعنوية لكل الجيش، نفس الشيء إذا أنت أسقطت العاصمة المحافظات الجانبية تستسلم وتفقد عندها قدرة على المقاومة، فلذلك طارق بن زياد لاحظ، هو عسكري ويعرف، توجه مباشرة إلى طليطلة، ما اشتغل بالمدن الجانبية، قال لك هذه أرسلها سرايا جانبية، يجب أن أتوجه إلى طليطلة عاصمة القوط حتى أسقط الدولة القوطية مباشرة.

على عاصمة المملكة القوطية، هو لم يتوقف بعد هذه المعركة الكبرى كثيرا كي لا يتيح للجيش القوطي المنهزم وفلوله فرصة التجمع، ولاحظ الحركة السريعة، هذه أحد أسباب الانتصار بإذن الله، قال ولم يتوقف بعد هذه...

المعركة كثيراً ما أخذت فترة استراحة شهرين، بعدين كمل الفتوحات مباشرة بعد المعركة. تحرك؛ لأنه إذا أنت أعطيت العدو مساحة، يعيد ترتيب صفوفه، بيرجع معك بمعركة قوية أخرى يستنزفك، فدائماً في المعارك يجب أن إذا فُتح عليك أنك تمشي سريعاً للحسم ولا تتأخر.

قال: لكن الجيش القوطي يتجمع عند مدينة استجة لحرب الجيش الإسلامي، فزحف طارق إليه فاتحاً، وفي طريقه بعض المدن التالية؛ مضى طارق بمدينة شذونة فتحها بعد حصار، مضى إلى مور وافتتحها، ثم عطف على مدينة قرمونة، ثم تقدم إلى إشبيلية فتم له فتحها صلحاً، فاتجه بعدها إلى مدينة استجة حيث دارت معركة حامية هزم فيها الجيش القوطي وافتتحت المدينة، أما إشبيلية فصالح فأهلها على الجزية.

إشبيلية مباشرة فتحت صلحاً على الجزية، لكن سنلاحظ هنا، حتى أعطيك إياها، ستجد أن بعض المدن اضطرت الجيوش الإسلامية تدخلها أكثر من مرة وتعمل عليها أكثر من غارة. لماذا؟ لأنه أنت في فترة عدم الاستقرار، شيء طبيعي أن بعض المدن قد تسيطر عليها ثم تخرج عن السيطرة، ستجد إشبيلية يتكلم عنها فتحه ثلاث أو أربع مرات، مرة صلح ومرة بالحرب.

بعض المدن التي ذكرها الآن أنت رح تتوتر وتقول: "مش ذكرها قبل شوي؟ هي طب مش فتحوها خلص؟". لا، في حالات عدم الاستقرار، المدينة يمكن أنك الآن تسيطر عليها، وبكرة تأتي عصابة منهم يرجعوا يسيطروا عليها، بعدين ترجع تفتحها مرة ثانية، بعدين ترجع تخرج من سيطرتك، وأنت الآن ما زلت غير مسيطر على الأندلس. فشيء طبيعي أن بعض المدن ستجد أنها فُتحت أكثر من مرة، وأنت الآن أصبحت مستوعباً بسبب أنها تُفتح ثم إما يخون العهد إذا فُتحت صلحاً، أو يعود القوط عليها بعصابة معينة يسيطرون عليها، فيضطر الجيش الإسلامي للدخول مرة أخرى. هذه فقط افهمها حتى لا تتوتر وأنت تقرأ بعض أسماء المدن التي فُتحت مراراً وتكراراً.

قال: ثم نازل هنا استجة وهم في قوة، معهم فل عسكر الأذريق، يعني بقايا عسكر الأذريق الذين هربوا بعد معركة وادي لوكا تجمعوا عند هذه الاستجة، فقاتلوا قتالاً شديداً حتى كثر القتل والجراح بالمسلمين، ثم إن الله تعالى أظهر المسلمين عليهم فانكسروا، ولم يلق المسلمون فيما بعد ذلك حرباً مثلها، وأقاموا على الامتناع إلى أن ظفر طارق بالعلج صاحبها، وكان مغتراً سيء التدبير، فخرج إلى النهر لبعض حاجاته وحده.

استطاع أخيراً بعد مدة أن يظفر بالعلج، والعلج يطلق على الكافر المحارب. كلمة العلج تطلق على من؟ تطلق على الكافر المحارب، تذكروا وزير الإعلام العراقي لما كان يقول: «العلوج سيسقطون على أبواب بغداد»، وتم وهو سقطوا وهم دخلوا. المهم الفكرة، العلج يطلق على الكافر المقاتل. فهنا يقول إن استجة عليها أحد علوج القوط، يعني أحد رجالاتهم ودهقنتهم الكبار، وكان هذا الرجل مغتراً بنفسه سيء التدبير، فخرج إلى النهر لبعض حاجاته وحده.

هذا العلج المسؤول عن استجة، في يوم من الأيام خرج بدون حراسة، حتى أمن نفسه، خرج إلى نهر من الأنهار من أجل يشرب -الله أعلم- فاستطاع طارق أن يظفر به بسهولة. أحياناً أنك تظن نفسك شيئاً كبيراً وتغتر بقوتك، يأتيك الله عز وجل من حيث لا تحتسب.

قال: فصادف طارقاً هناك -قد أتى لمثل ذلك وطارق لا يعرفه- فوثب عليه طارق في الماء فأخذه وجاء به إلى العسكر. فلما كاشفه -يعني صار يتحاور معه: "مين أنت؟ شو اسمك؟"- بدأ يحقق معه، فاعترف له بأنه أمير المدينة. فطارق بالنسبة له يسر، هذه هبرة، لكن شوف الحكم؛ لو شاب طائش مباشرة يقتل، لا، طارق يعرف كيف تُساّس الدول، هذا الرجل يمكن يستفيد منه ويوظفه بطريقة معينة لخدمة مشروعه.

قال: فصالحه طارق على ما أحب وضرب عليه الجزية. أطلق صراحه وقال له: "نحن عملنا بيننا مصالحة وهدنة، وأنك تصير تدفع الجزية للجيش الإسلامي أو للحكم الإسلامي"، والرجل قال ما عندي مشكلة. عليك أن تفهم أن السياسة ليست كلها قتلاً؛ بعض الشباب يظنون أن المعارك هكذا فقط، لا، هناك سياسات والتعامل مع المسؤولين والكبار ليس كما يتعامل مع الصغار.

بعض الشباب اليوم لما يشوف أوضاع المسلمين أو في أي فتح إسلامي يقول: "ليش يا أخي ما يقتل هذا؟ هذا ما هو كان أيام النظام كذا وكذا"، أنت تفكر الشغلة سهلة، أي شخص أمامك تريد أن تقتله؟ هي سياسة، تريد أن تعرف أن هناك أناساً مجرمين لكن استبقاءهم مهم لحالة معينة لمرحلة معينة، لكن عوام الناس لا يعرفون ذلك.

لماذا أقول إن العامة يجب ألا تتدخل في قضايا الدول؟ لأن العامة لا تعرف أسس الحكم، ولا تعرف استبقاء من يمكن استبقاءه، حتى ولو كان أقذر الناس، أنا محتاج أن أستبقيه لأن لي مصالح لوجستية وسياسية ومعه. فالعامي هو يأخذ الأمر ببساطة ويبدأ بالرأي ويحلل ويفسق ويبدع أيضاً إذا ما فعل هذا الحاكم كما يريد، ولا يعرف أن هناك مساحة كبيرة في السياسة الشرعية بما يتلاءم مع مصلحة الحاكم المسلم.

هنا قذف الله الرعب في قلوب الكفرة لما رأوا طارقاً يغل في البلاد، وكانوا يحسبونه راغباً في المغنم عاملاً على القفول، فسقط في أيديهم وتطايروا عن السهول إلى المعاقل وصعد ذوي القوة منهم إلى دار مملكتهم طليطلة.

كانوا يحسبونه راغباً في المغنم كما قلت، السيناريو الأول أنهم يظنون أن طارق جاء فقط من أجل غنيمة ويريد العودة إلى المغرب، عاملاً على القفول، فسقط في أيديهم، لم يتوقعوا أن هذا مشروع إسلامي.

محارب جاء ليأخذ غنيمة ويعود، هذا مشروع متكامل للسيطرة على الأندلس.

قال: وجه طارق من استجه سرايا من جنده إلى عدة جهات؛ بعث جيشًا بقيادة مغيث الرومي لفتح مدينة قرطبة. مغيث الرومي هذا عليك أن تهتم باسمه، لأنه سيأتي معنا؛ إن عبد الوليد بن عبد الملك في دمشق، في آخر الفتوح بعث مغيث الرومي إلى موسى بن نصير يأمره بتوقف الفتوحات. هذا مغيث سيأتي معنا؛ أنه أرسله في الآخر الوليد بن عبد الملك إلى موسى بن نصير ليأمر موسى بن نصير أن يتوقف عن الدخول ما بعد الأندلس، قال: يعني لا تدخلنا في فرنسا وما بعدها خوفًا -طبعًا- من الوليد بن عبد الملك على الجيش الإسلامي أن يدخل في متاهات لا يعرف أين تنتهي.

قال: استطاع مغيث فتح المدينة دون مشقة كبيرة بفضل شجاعة وصدق المحاربين المسلمين. أرسل طارق جيشًا آخر إلى مدينة مالقة، وآخر إلى كرة البيرة حيث افتتح مدينتها، غير مدينة مالقة، مدينة مشهورة اليوم مدينة مالقة في إسبانيا. أيضًا البيرة التي منها أحد الأئمة، أبو إسحاق الإلبيري صاحب التائية: «أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك لو عقلت»، هذه هي مدينة أبي إسحاق الإلبيري.

وحيث افتتح مدينتها غرناطة، وكذلك إلى كرة تدمير. طبعًا هنا "الكرة"؛ كيف نحن نقسم دائمًا المدن؟ مثلاً مدن وداخلها مدينة رئيسية، مشقول لك لواء، لواء تكون عندك مدينة عامة وداخلها مدينة أصغر منها رئيسية، فالبيرة الواضح أنها كرة، يعني كأنها ناحية داخل البيرة، فغرناطة هي جزء من ناحية كاملة اسمها البيرة.

قال: وكذلك إلى كرة تدمير، وكانت قائدتها أوريولا التي أحلت مدينة مرسية محلها، قاعدة لكرّة مرسية بدلاً من تدمير. حدثت معارك عدة في هذه المناطق، لكن المسلمين استطاعوا فتح عدة مدن. تدمير كانت لها أكثر من... كانت قاعدتها، يعني نفس الشيء، تدمير كانت عبارة عن ناحية، القاعدة الأساسية لها كانت مدينة أوريولا التي حلت مدينة مرسية بعدها محلها.

قال: يذكر الرازي ذلك حيث يقول: «ففرق طارق جيوشه من استجه، فبعث مغيث الرومي مولى الوليد بن عبد الملك إلى قرطبة، كانت من أعظم مدائنهم في 700 فارس، لأن المسلمين ركبوا جميعًا خيل العجم ولم يبق فيهم راجل، وفضلت عنهم الخيل. بعث طارق جيشًا آخر إلى مالقة، وآخر إلى غرناطة مدينة البيرة، وسار هو في معظم الناس إلى كرة جيان يريد طليطلة». أي أن طارقًا أرسل من استجه ثلاثة سرايا أخرى غير سرية قرطبة: لفتح مدن مالقة، وثانية إلى كرة البيرة وفتح مركزها مدينة غرناطة، وثالثة إلى كرة تدمير.

طبعًا هنا بعض القضايا لا تهمك، يعني أنت لا تشتغل في بعض التفاصيل، أنا لا يهمني أن أعرف أنه مشى من هنا لهنا بحد ذاتها إلا إذا كان في حدث، لأن أسماء المدن كثيرة وتفاصيل الأندلس كثيرة؛ فتح هذه وبعدين راح هنا، بعدين رجع هنا. هذا يقرأ قراءة ولا يحتاج الإنسان أن يضبطه، أنت تحتاج أن تضبط الأفكار الأساسية والسياسة الشرعية.

قال: ينقل المقري، وبعدها يعني الرازي ما يتعلق بفتح. الآن هذا "المقري"؛ يعني غريبة، يقولون أحد العلماء ألف كتابًا رسالة اسمها «الوشي العبقري في ضبط اسم المقري»، لأن بعض المؤرخين يقول هو اسمه ماذا؟ المقري، وهذا هو المشهور عند المتقدمين اسمه المقري، والبعض يقول لا، اسمه المقرة بفتح قاف مشددة. المقر بدون تشديد الراء، كسرة، إيش بتطلع؟ مقري. المقري، البعض قال هو المقري والبعض قال هو المقري بإسكان القاف.

ولسبب الخلاف الشديد في ضبط اسمه، أحد العلماء -أظن أبو محمد الصغير مؤرخ- ألف كتابًا «الوشي العبقري في ضبط اسمه»؛ لأنه اختلفوا ما اسم المدينة التي ينتسب إليها في المغرب؟ هل هي مقرة بإسكان القاف ولا مشددة؟ وحقيقة المشهور عند المتقدمين أن القاف ساكنة، المقري، هذا هو المشهور. وهنا الظاهر الشيخ عبد الرحمن حجي -لا أعرف هو ضبطه ولا ضبط المحقق- اختار ضبطها بالطريقة الثانية، المقري، الله أعلم. هو صاحب -طبعًا هذا رجل مهم جدًا تحفظ اسمه لأنه سيتكرر كثيرًا معنا- وصاحب كتاب مهم جدًا في تاريخ الأندلس، وهو كتاب «نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب»، هذا كتاب مهم، مرجع، أحد المصادر الأساسية لتاريخ الأندلس، كتاب هذا الرجل، ولذلك يُعتنى بضبط اسمه. أي ضبط اعتمد في القراءة؟ مش مشكلة، أنا أطلع المقري، بس هو المشهور أنها المقري بإسكان القاف.

قال: فيقول: «وأما من وجه إلى مالقة ففتحوها، ولج أعوجها إلى جبال هنالك ممتنعة، ثم لحق ذلك الجيش بالجيش المتوجه إلى البيرة، فحاصروا مدينة غرناطة فافتتحوها عنوة، ومضى الجيش إلى تدمير، وتدمير اسم العلج صاحبها سميت به، واسم قصبتها مدينة تدمير». لماذا سميت تدمير؟ لأن العلج صاحبها اسمه تدمير، يعني القائد النصراني الموجود عليها اسمه تدمير، فسميت المدينة على اسمه.

قال: «ولها شأن في المنعة، وكان ملكها الجا داهية». هذا قد يعني أن سرية مالقة التقت، التحقت بعد فتحها بسرية البيرة وافتتحت تدمير معًا. تكون على هذا عدد السرايا التي أرسلها طارق ثلاثًا بدلاً من أربع. المهم مدينة تدمير إذا فُتحت بعد فتح مالقة والبيرة، يعني هذه الخلاصة النهائية أن مدينة تدمير افتتحت بعد فتح مالقة وبعد فتح البيرة.

قال: سار طارق إلى عاصمة القوط طليطلة. طبعًا كل هذا لسه طارق ما وصل للعاصمة، يعني كل هذا أثناء طريقه من جنوب الأندلس إلى طليطلة، لكن أكيد في مدن سيفتحها في الطريق: مالقة، البيرة، تدمير.

قال: مر بمدينة جيان وفتح طليطلة وعامل أهلها بكل إنصاف، مدينة جيان هناك كثير من العلماء ينتسبون إلى هذه المدينة. قال: «تاركًا لهم حرياتهم كاملة». تلك دائمًا كانت طبيعة الفتح الإسلامي في جميع الفتوحات، ذلك مما كان يحبب أهل البلاد المفتوحة في الإسلام فيعتنقونه. استمر طارق في الفتوح شمال طليطلة لتأمين وإخلاء المناطق القريبة منها وما حولها من التجمعات للتعرف عليها، لم تشغله الكنوز التي وجدها فيها، فما جاء من... فما...

جاء من أجلها أن العقيدة التي يحملها تجعله أكبر منها، رغم سموه المتفرد.

ما هو مألوف ومعتاد في تاريخ الفتوحات الإسلامية، سار طارق شمالاً إلى منطقة وادي الحجارة حتى وصل مدينة المائدة، أو ما بعدها، في مدينة اسمها مدينة المائدة. يقول البعض إن طارقاً وصل إلى مناطق في شمال إسبانيا ثم عاد إلى طليطلة قبل حلول الشتاء، على ما يبدو. يقول في ذلك ابن حيان فيما ينقله المقري في «نفح الطيب»: «ومضى خلف من فر من أهل طليطلة فسلك إلى وادي الحجارة ثم استقبل الجبل».

بعد ما فتح جيان وفتح القوط طليطلة، يعني هذه خلاص وصل إلى طليطلة، ما صمدت أصلاً كثيراً، ما كان القوط عادة متوزعين بعد الهزيمة الأولى. فتح طليطلة، وبعد طليطلة وبعد أن فتحها أصبح يتوسع في شمال إسبانيا، شمال شبه الجزيرة، أصبح يتوسع، ولكن كما قال في فصل الشتاء، حتى لا يغامر رجع لطليطلة واتخذها عاصمة له. الآن طارق بن زياد أصبحت عاصمته وقاعدته التي منها يحرك الجيوش داخل شبه الجزيرة الإيبيرية هي طليطلة.

قال: «ثم استقبل الجبل فقطعه من فج سمي به، فبلغ مدينة المائدة خلف الجبل، ثم مضى إلى المدينة التي تحصن بها خلف الجبل فأصاب بها حلياً ومالاً، ورجع ولم يتجاوزها إلى طليطلة سنة 93، وقيل إنه لم يرجع». يعني هذه المدينة، مدينة المائدة، يقول إنه وجد فيها كمية كبيرة من الأموال والذهب، ومع ذلك طارق لم يغتر بها، يعني ما بقي مصراً على هذه المدينة وجمع ما فيها، لا أرى أن مصلحة الجيش الإسلامي العودة الآن إلى طليطلة مع بداية فصل الشتاء. ويعطيك كيف أن هذا الرجل جاء يبحث عن غنيمة؟ رجل ترك الذهب، وهو يعلم أنه يمكن لو صمد يمكن يحصل، لكن شعر أن فيها مخاطرة فترك الذهب في مدينة المائدة وعاد إلى طليطلة لفصل الشتاء.

وقيل إنه لم يرجع بل اقتحم أرض جليقية واخترقها حتى انتهى إلى مدينة السرقة فدوخ الجهة وانصرف إلى طليطلة، والله أعلم، وقيل لكن الرواية الأولى هي الأشهر فيما يظهر. فيكون خط سير حملة طارق منذ جوازها إلى الأندلس في الخامس من رجب سنة 92هـ.

الآن سيعمل لك مخططاً، عبد الرحمن حجي يعمل لك مخططاً في حركة هذا الجيش، فيقول: يكون خط سير هذه الحملة من طارق منذ جوازها، يعني منذ دخل من المغرب إلى الأندلس، بدءاً من عام 92 حتى لقائه بموسى بن نصير في أواخر عام 94 هجري، كالاتي: طارق أولاً اجتمع في مدينة سبتة، من هنا كانت البداية، هذه إعادة ترتيب للأفكار السابقة؛ بدأنا من مدينة سبتة وهي أقصى المغرب، وهناك كان البحر الذي سيركبون منه السفن باتجاه الجزيرة الخضراء.

بعد ذلك اجتمعوا في جبل طارق، وراينا في الدرس الماضي أن جبل طارق كان هناك تجمع الجيش الإسلامي مع طارق بن زياد، انتقلوا من سبتة إلى جبل طارق، ومن جبل طارق انتقلوا إلى مقابلة الجزيرة الخضراء، وهي جزيرة ضخمة في جنوب الأندلس. ثم انتقل مباشرة إلى وادي البرباط، وهنا كانت المعركة التاريخية التي حكينا عنها، معركة فتح الأندلس في آخر رمضان سنة 92 هجري.

بعد ما انتهت المعركة، بدأ طارق يتحرك باتجاه طليطلة، وفي الطريق فتح مدينة شذونة، ومورقية، وإشبيلية، واستجة، كل هذه فتحت. من استجة أرسل سرايا؛ طارق بن زياد بعث سرية إلى قرطبة، وسرية إلى ملقة، وسرية إلى غرناطة التي هي في البيرة، وسرية إلى كورتبة.

بعد ما فتحوا كل هذه المناطق، رجعوا تحركوا باتجاه جيان، وبعد جيان تم فتح العاصمة طليطلة. قيل إن طارق بن زياد تحرك منها أيضاً باتجاه الشمال إلى منطقة وادي الحجارة، مدينة المائدة كما حكينا عنها، فيها قلعة كانت قلعة عبد السلام، ولها اسم آخر أيضاً، قلعة نهر هنارس أو شيء من ذلك، لها أكثر من اسم. بعد ما أنهى مدينة المائدة، وكما قلنا بدأ فصل الشتاء، ترك مدينة المائدة ورجع أخيراً إلى طليطلة، هذا هو المخطط الذي سار به طارق بن زياد.

طارق الآن في طليطلة. يبدو أن عودة طارق إلى طليطلة كانت في أوائل 93 أو خلالها، أي أن كل عمليات الفتح التي قام بها طارق قبل لقائه بموسى وإنجازاته استغرقت أقل من سنة، ربما بضعة شهور. هذا معقول إذا اعتمدنا ما ذكره الحجاري في المذهب في أخبار المغرب، من أن فتح قرطبة كان في شوال سنة 92 هجرية، قبل فتحها مغيث الرومي الذي وجهه طارق إليها من استجة، وسار هو بكثرة الجيش إلى جيان يريد طليطلة، التي يمكن أن يكون فتحها في شوال نفسه أو في ذي القعدة بعده وهو أرجح.

يعني كل هذه المعارك والفتوحات فقط استغرقت من طارق ثمانية أشهر، فتح أغلب الأندلس. شوف التاريخ كيف سبحان الله، إذا أراد الله فتحاً هيأ له أسبابه؛ اليوم نحن صار لنا 50 سنة مش عارفين نرجع أرضاً إسلامية راحت، بينما خلال ثمانية أشهر طارق بن زياد استطاع أن يفتح شبه الجزيرة الإيبيرية إلا مناطق الشمال بقي منها جزء.

لما تعرف على الشهر الذي كانت فيه عودة طارق لطليطلة من جهاده فيما وراءها، ربما في هذه الأثناء وصل أمر موسى بن نصير إلى طارق بالتوقف وانتظار قدومه إلى الأندلس أو إلى طليطلة، فأطاع طارق قائده وبقي في طليطلة منتظراً وصول موسى إليه. كان عبور موسى إلى الأندلس في رمضان سنة 93.

يقولون إن موسى بن نصير هو القائد الحقيقي لأنه هو الذي أرسل طارق بن زياد؛ موسى بن نصير أرسل رسالة إلى طارق بن زياد يأمره بالتوقف والبقاء في طليطلة حتى يدخل موسى بن نصير بنفسه إلى الأندلس ويدير المعركة معه. إذا كان بالإمكان تقدير عودة طارق إلى طليطلة بعد جولاته السريعة في الشمال خلال النصف الأول من سنة 93، فكيف أنفق من الوقت ما يزيد على السنة حتى وصول موسى بن نصير إليه؟ يعني إذا قلنا إنه رجع إلى طليطلة في فصل الشتاء وجلس فيها، يقول عبد الرحمن حجي: كيف أنفق من الوقت ما يزيد على السنة حتى وصول موسى بن نصير إليه؟ يعني موسى بن نصير جاءه بعد تقريباً سنة من هذا الوقت.

خلال هذه السنة شو كان بيعمل طارق بن زياد في طليطلة؟ أكيد هذا يحتاج إلى نظر، يعني معقول سنة كاملة طارق بس جالس في طليطلة؟ لا يسمح له بأن يتوسع في الفتوحات؟ يسأل عبد الرحمن حجي سؤال استفساري: ماذا كان يفعل خلال هذه السنة انتظارًا لقدوم موسى بن نصير؟

الأمر احتمال، إما أن عودة طارق إلى طليطلة كانت في النصف الثاني أو أواخر سنة 93هـ، أو أنه بقي في طليطلة طيلتها للتنظيم والحماية، ولعل ذلك كان بأمر من موسى نفسه. أما الاحتمال الآخر، فهو أن يكون هناك خطأ في التاريخ عندنا؛ إما أننا أخطأنا في تأريخ بعض الأحداث وهو لم يجلس ينتظر موسى بن نصير، بل رجع لطليطلة بعد شهرين أو ثلاثة ثم جاء موسى بن نصير، وهذا احتمال وواقع فعلاً، فممكن بعض القضايا التاريخية لا يكون تاريخها دقيقًا. أو أنه فعليًا جلس قرابة السنة ينتظر موسى بن نصير، لكنه خلال هذه السنة يدعم ويقعد للحكم ويضع الحامية ويرسخ؛ لأنه أحيانًا ليست الفكرة أو الشطارة فقط في أن تفتح المدن، الشطارة أن تسيطر عليها أيضًا، وبالتالي هو قد يكون سعى إلى تنظيم السيطرة على ما فتحه سابقًا، كل هذا ممكن.

قال: عبور موسى إلى الأندلس؛ تولى أبو موسى بن نصير التحرك إلى الأندلس ليقود هو المعركة، لأن طارق بن زياد هو أحد أمراء جيش موسى بن نصير، وموسى هو الفاتح العظيم فعليًا، فالآن موسى سينتقل هو إلى الأندلس ليكمل مسيرة الفتوحات.

تولى أبو عبد الرحمن موسى بن نصير عدة مهام، منها ولاية الشمال الإفريقي، وكان من التابعين رضي الله عنهم، وروى عن تميم الداري رضي الله عنه، وكان عاملًا كريمًا شجاعًا ورعًا تقيًا لله تعالى. هذه صفات موسى بن نصير، هو أصلاً أحد التابعين وروى عن بعض الصحابة، وهناك أحاديث رواها عن تميم الداري، وكانت صفاته أنه كريم وشجاع وورع وتقي لله سبحانه وتعالى.

قال: حيث كان لا يأتي على مدينة إلا فتحها، وينزلون على حكمه، وكان من رجال العلم حزمًا ورأيًا وهمة ونبلا وشجاعة وإقدامًا، مثل ما ذكر عنه أنه لم يهزم له جيش قط. أما سياسته في البلاد التي تم له فتحها فكانت قائمة على إطلاق الحرية الدينية لأهلها، وإبقاء أملاكهم وقضائهم في أيديهم، ومنحهم الاستقلال الداخلي على أن يؤدوا الجزية.

أحسنت، إذاً الرجل واضح أنه رجل دولة، يعني موسى بن نصير هو رجل قيادي شخصيته قيادية. يقولون لم يهزم له جيش قط في كل فتوحات إفريقيا وفي فتوحات الأندلس، يقولون لم يهزم له جيش في معركة قادها بنفسه، وهذا يدل بعد توفيق الله أولاً وأخيرًا على دهاء وإتقان سياسي، ومعرفة متى يقود المعركة ومتى لا يقودها. ثانيًا، لما يقول أطلق الحرية الدينية، طبعًا لاحظ الحرية الدينية مع دفع الجزية، حتى لا يفهم الكلام أنه أطلق الحريات الدينية بالمفهوم المعاصر اليوم؛ لا، الحرية الدينية: تريد أن تظل نصرانيًا أو تظل يهوديًا تبقى، لكن عليك أن تدفع الجزية، ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]. هذا شرع الله سبحانه وتعالى.

قال: تولى الشمال الإفريقي سنة 86 للهجرة، وأتم جهود من سبقه في خدمة الإسلام من ولاياته، وشارك في فتح الأندلس بجهاده وقيادته. هو موسى بن نصير، من أين أتى؟ من الشام. موسى بن نصير ولي أصلاً فتح إفريقيا قبل أن يفتح الأندلس، يعني هو الذي تولى فتح ليبيا وتونس والجزائر والمغرب في الفتوحات في عام 86 هجري، وأتم جهود من سبقه في خدمة الإسلام.

قال: وحين وجه طارقًا لفتح الأندلس كان يتلقى الأخبار ويراقب الأحداث منذ بدايتها ويهيئ المتطلبات. طبعًا هو حتى أكون دقيقًا هو أكمل وليس هو الذي فتحها ابتداءً؛ لأنها ابتداءً فتحت على يد عقبة بن نافع، وعقبة بن نافع هو صاحب الفتوحات الأول. موسى بن نصير فتح ما لم يكن قد فتح منها، يعني ليس هو الفاتح الأساسي لليبيا والجزائر وتونس، لا، عقبة بن نافع كان قبله، لكن موسى بن نصير كان معه واستمر في الفتوحات في المناطق التي لم تفتح على يد عقبة بن نافع وقادة المسلمين الأوائل.

قال: ويهيئ المتطلبات لإنجاز هذا الفتح الكبير بهمة المؤمن وإخلاص التقي، ويدعو الله أن ينزل نصره على المسلمين. يقول ابن الكردبوس: «وكان موسى بن نصير حين أنفذ طارقًا مكبًا على الدعاء والبكاء والتضرع لله تعالى والابتهال إليه في أن ينصر جيش المسلمين، وما علم أنه لم يهزم له جيش قط». طارق بن زياد على صلة بقائده موسى بن نصير، يفتح الفتوحات باسمه وبتعليماته، ويخبره عن كل شيء أولاً بأول منذ بداية الفتح، يستشيره فيما يحتاج إليه، وراينا كيف طلب المدد قبل معركة وادي لكة.

كان موسى على علم تام بأحوال الفتوح، يقول ابن الكردبوس إنه بعد المعركة اتصل الخبر بموسى بكتاب طارق إليه، فكتب به موسى إلى الوليد بعد سنة تقريبًا من عبور طارق. طارق أخبر موسى بالفتح، وموسى أرسل رسالة للخلافة الأموية في دمشق للوليد بن عبد الملك يخبره أنه الحمد لله انتصرنا في معركة لكة. بعد سنة تقريبًا من عبور طارق وتفرق جيشه وتوزيعه على المناطق والمدن التي فتحت، خاف طارق أن يُغلب أو أن يستغل القوط قلة جيشه، فأرسل إلى موسى يستنجده؛ ذلك لأن طارقًا قد وزع جيشه الذي ربما استشهد قرابة نصفه أو دون ذلك بعد المعارك العديدة خلال عمليات الفتح وتوسع مهامه بهذه السرعة التي قد تدعه في خطر من ثغرات خلفية، عندها وجد موسى من المناسب أن يلحق بالأندلس على رأس جيش يقوده بنفسه.

تخيل أن طارق بن زياد معه 12,000 وهو وصل إلى طليطلة، هؤلاء الـ 12,000 يريد توزيعهم على كل المناطق التي افتتحها، سيضيعون، صح؟ هذه مدن ضخمة، فكلام طارق عقلاني أنه يتوقف، والذي أمره موسى بن نصير لما قال له توقف؛ لأنه موسى بن نصير قائد، لا يصير كطارق بن زياد تتقدم أكثر من هيك للشمال لأن كل الذي معك 12,000، وههنا بقول لك اعتبر أنه خلال المعارك استشهد ربعهم، كم بقي من الـ 12,000؟ تسعة آلاف. هؤلاء أنت تريد أن تضعهم حامية على المدن التي فتحناها، أم تريد أن تضعهم حراسة، أم تريد أن تقاتل بهم معركة؟ كيف ستسيطر على الأندلس وتضع فيها حامية وجيوشًا على كل منطقة فتحتها والعدد لا يكفي؟

فلذلك موسى بن نصير ليس كما يقول أصحاب الأهواء اليوم أن موسى بن نصير كان يغار من طارق بن زياد، والمستشرقون هكذا يكتبون أن موسى خشي أن يُنسب النصر لمصلحة طارق، فلذلك أمره بالتوقف حتى يأتي هو ويصير له الاسم.

هذا ربما في عالم ضعاف الإيمان، لكن أن تنسج قصة من خيالك من أجل أن تزري بقيادات المسلمين، وكأنهم كانوا يتقاتلون على حكم، هذا رأي لا نقبله. ما دليلكم يا أيها المستشرقون على أن موسى أمر طارقًا بالتوقف فقط من باب الطمع في الرئاسة والقيادة، ولا ينسب الفتح إلى طارق؟ هذا كلام فاشل؛ فموسى بن نصير هكذا صفاته: ورع، تقي، من التابعين الكرام، ومن أفاضل القيادات والجيوش الإسلامية. بالتالي، ما يحسب بدهاؤه وفطنته أنه اتخذ القرار الطبيعي بأن يأمر بالتوقف لأن عدد الجيش لا يكفي للسيطرة على المناطق المفتوحة، الآن هذا هو العلة الصحيحة.

لماذا موسى بن نصير أمر طارق بن زياد بالتوقف؟ قال الظاهر إن طارقًا استنجد بموسى، سواء كان ذلك بصيغة الطلب والحث على النجدة، أو من قبل الإخبار وشرح الأحوال وبيان الحاجة إلى زيادة الإمداد من جند الفتح. لعله بعد توسع طارق في الفتوحات وتشعب طرقها، أمر مسبب بسبب مراسلات طارق، على علم به، صدر أمر موسى له. لا يسرى، أو لم يتضح، هل وصول أوامر موسى لطارق بالتوقف كانت قبل فتح طليطلة أو بعده؟ لأن طارق عاد بعد أن خاض منطقة وادي الحجارة منتصرًا. غير واضح تمامًا أين كان يقيم موسى خلال عمليات فتح الأندلس؛ حتى قبل عبوره إليها، ولا من أين رحل بجيشه نحوها.

لا نملك معلومة عن مكان موسى بن نصير خلال هذه الفترة قبل أن ينتقل للأندلس، هل كان في تونس أم في المغرب؟ أين كان مقيم موسى بن نصير؟ لا نملك معلومات دقيقة، ومن أين انتقل جيش موسى بن نصير باتجاه الأندلس أيضًا المعلومات شحيحة في هذا الاتجاه. لكن هنالك إشارات إلى أنه جاء إلى الأندلس من القيروان، فالإشارات العامة تشير أنه تحرك من القيروان في تونس، وأنه تحرك من هناك بالسفن.

يقول ابن خلدون إن موسى استخلف على القيروان ولده عبد الله، ونهض من القيروان سنة 93 من الهجرة في عسكر ضخم كما ذكر. ولاحظ هذه القضية الجميلة في شخصيته؛ حتى أبناؤه كانوا قيادات، ولاحظ الأب عندما يورث أولاده الدين والقيادة. له ثلاثة أبناء: عبد العزيز، وهو الذي سيعطيه الأندلس بعد ما يرجع إلى دمشق، وعبد الملك، وهذا أظن وضعه على المغرب، وله عبد الله. الثلاثة قيادات.

لاحظوا الأب؛ إذ لم يكن مشغولًا بالحرب فيخرج أبناؤه ضائعين تائهين يتسكعون في الحواري، بل يشغل أبناءه معه في المشروع الإسلامي، أبناؤه معه في الصفوف الأولى يقاتلون، فصاروا رجالًا وأصبحوا قيادات، وأصبح لهم مسؤولية ويحملون الأمور وهم أمة. هذه عجبتني في شخصية موسى بن نصير، أولاده كلهم قيادات.

كما ذكر الرازي أن موسى خرج من إفريقية إلى الأندلس في رجب سنة 93، واستخلف على إفريقية أسن ولده عبد الله بن موسى. جهز موسى جيشًا قوامه ثمانية عشر ألفًا، ومعنى أسن ولده أي أكبرهم سنًا. جهز موسى جيشًا قوامه 18000 وعبر المضيق إلى إسبانيا في شهر رمضان سنة 93. جاز المضيق إلى إسبانيا من سبتة إلى جبل طارق أو قريبًا منه، أو من طنجة باتجاه الجزيرة الخضراء بسفن قد أعدها، إلا أننا لا نعلم أين أعدها، في تونس أو في أحد موانئ المغرب.

يعين هذا على تقرير أن المسلمين منذ أول عبورهم استعملوا سفنًا لهم جُهزت في دور صناعتهم، لا سيما وأن فتح الأندلس لم يكن عملًا مرتجلًا، بل هو كالمعتاد خطة مدروسة مرسومة. فتح الأندلس ليس شيئًا بالصدفة أو عملًا مرتجلًا؛ فهل كان موسى بن نصير نائمًا بالليل واستيقظ الصبح وقال: ما رأيكم يا جماعة نفتح الأندلس؟ لا، هذه خطة مدروسة لسنوات. بالتالي مستحيل ألا يكون قد فكر بفتح شركة لصناعة السفن، وهذه الفكرة التي يركز عليها عبد الرحمن حج، أن هذا عمل مش مرتجل، عمل مدروس ومخطط له، بالتالي أكيد موسى بن نصير وضع خطة لصناعة السفن، ولا يمكن أن يكون قد استعار فقط كم سفينة من يوليان ليدبر حاله، هذا لا يمكن أن يفعله قائد يفكر باستراتيجية الحروب.

لا بد أن تكون تهيئة السفن من جملة الترتيبات التي اتخذت، وهو أمر مهم في مثل هذه الخطة. لدينا خبر عن سفن إسلامية استعملتها الآلاف، خمسة أو ستة بقيادة الطريف بن مالك في الحملة التي عبرت إلى الأندلس، وهي أول حملة إذا بتذكر الحملة الاستخباراتية لقادة الطريف بن مالك التي عبرت إلى الأندلس لنصرة الجيش الإسلامي في المعركة الأولى مع الأذق.

أما عن موضع جواز موسى إلى الأندلس عبر المضيق، فقد ذكر عدد من المؤرخين أنه كان من سبتة إلى جبل طارق أو قريبًا منه، وهذا أمر معقول لأن المسافة بين ضفتي المضيق من هذه المنطقة أقصر مما هي بين طنجة والجزيرة الخضراء. إذاً يكون موسى بن نصير قد تحرك من القيروان، وبما أن الإشارات تشير إلى أنه بدأ من القيروان، فإنه مشى من القيروان باتجاه مدينة سبتة؛ أي أنه لم يركب البحر من القيروان أو من تونس بناءً على السيناريو المفروض هنا، بل مشى من القيروان باتجاه سبتة التي هي أعلى منطقة في المغرب قريبة من إسبانيا، ثم ركب البحر واتجه باتجاه جبل طارق أو قريبًا منه، أي نزل أكيد في منطقة مقابل الجزيرة الخضراء، ثم انتقل من جبل طارق أو ما حوله من منطقة هناك باتجاه الجزيرة الخضراء ومن هناك دخل إلى إسبانيا.

يقول ابن خلدون عن موسى بأنه وافى من خليج الزقاق ما بين طنجة والجزيرة الخضراء، فجاز إلى الأندلس وتلقاه طارق فانقاد واتبع، بل حتى مع اعتبار هذا النصف أن النزول في الجزيرة الخضراء يناسبه الإبحار من سبتة أيضًا، إلا إذا نزل جزيرة طريف، فيكون الإبحار من طنجة أنسب، إذ مر بنا أن الطريف بن مالك نفسه تحرك من سبتة إلى جزيرة طريف. يذكر الله أعلم ببعض الوقائع التي قد لا تعني لك الآن شيئًا في هذا الواقع، يذكر ابن خلدون نفسه في عبره بعد ذلك مباشرة ما يؤيد هذه الوجهة في فهم الأحداث، لكن عبارة ابن خلدون هذه موجودة في النص كما نقله المرحوم شكيب أرسلان في إضافاته لترجمة تاريخ غزوات العرب، وفي "الحلل السندسية في الآثار والأخبار الأندلسية" من تأليفه، وهي ليست في المطبوع من العبر ولا فيما نقله عنه المقري، لعل أرسلان نقله عن...

النسخة مخطوطة أتم مما لدينا. يقول ابن خلدون، وهذا النص الذي سيذكره الآن عن ابن خلدون ليس موجودا في النسخة الموجودة في كتاب العبر لابن خلدون، فمن أين أتى به؟ أو أتى به شكيب أرسلان؟ شكيب أرسلان أمير ومؤرخ أيضا وكاتب، فمن أين أتى بهذا النص من كتاب العبر مع أنه الموجود بين أيدينا من كتاب العبر ما فيه هذا النص؟ فيقول لعل شكيب أرسلان وقع على نسخة مخطوطة من كتاب العبر فيها هذا النص ويكون سقط من النسخ الأخرى، ممكن.

المهم ما هو هذا النص؟ ماذا يقول فيه ابن خلدون؟ يقول ابن خلدون: «ويقال إن موسى لما سار إلى الأندلس عبر البحر، أو عبر البحر من ناحية الجبل المنسوب إليه المعروف اليوم بجبل موسى، وتنكب النزول على جبل طارق». قيل إن موسى بن نصير لما ركب من سبتة أو من طنجة -الله أعلم- لم ينزل في جبل طارق، بل نزل على جزيرة أخرى فيها جبل سمي باسمه، فصار عندنا جبل موسى وجبل طارق. من هنا ممكن بعض المستشرقين يعمل هكذا قصة وفيلم؛ لماذا؟ لأنه لم ينزل عند جبل طارق، لكي يجعلوه جبلًا له اسمه "جبل موسى"، يعملوا له قصة من كل شيء لا قيمة لها.

المهم يقولون في هذا النص لابن خلدون إن موسى لم ينزل عند جبل طارق، بل نزل على منطقة أخرى فيها جبل آخر، ومن هناك اتجه باتجاه الجزيرة الخضراء، وسمي هذا الجبل باسمه جبل موسى بن نصير. يقع جبل موسى الذي حمل اسمه لعبوره من جانبه قرب سبتة عند قرية بليونش أو بنيونش؛ إذ يذكر ابن سعيد الأندلسي حين الحديث عن جواز موسى إلى الأندلس ودخوله الأندلس من جبل موسى المنسوب إليه المجاور لسبتة، فيكون إذاً هذا مقابل سبتة في البحر، هو مجاور لسبتة في البحر.

يعين الإدريسي موقع هذا الجبل في غرب سبتة حين الحديث عنها في كتابه نزهة المشتاق: «ويتصل بها من جهة المغرب وعلى ميلين منها جبل موسى، وهذا الجبل منسوب لموسى بن نصير وهو الذي كان على يديه افتتاح الأندلس في صدر الإسلام، وتجاوره جنات وبساتين وأشجار وفواكه كثيرة وقصب وسكر، وترجت به إلى ما جا سبتة من البلاد لكثرة الفواكه بها». بينما ينقل المقري عن ابن حيان أو غيره ما يفهم منه أن جبل موسى في الجانب الآخر من المضيق قرب الجزيرة الخضراء.

شوف هذه المشكلة الآن، أين جبل موسى؟ النص السابق يظهر منه أن جبل موسى في سبتة نفسها على ميلين منها، لكن بينما المقري هذا ينقل عن ابن حيان ما يفهم منه أن جبل موسى ليس في سبتة، ليس في جهة المغرب، بل في جهة الأندلس، ينقل أنه يقع على الجهة الأخرى قرب الجزيرة الخضراء. طبعاً الجزيرة الخضراء هي جنوب إسبانيا تسمى الجزيرة الخضراء، فالله أعلم أين جبل موسى.

قال: «فكان دخوله إلى الأندلس في شهر رمضان 93، وتنكب الجبل الذي له طارق، ودخل على الموضع المنسوب إليه المعروف الآن بجبل موسى». فهل هذا الغموض كان بسبب تلخيص صاحب النفح نفسه والتصرف في النص، أو لعل في العبارة نقصاً، أو قصد صاحب النفح -الذي هو نفسه المقري- حين إبحار موسى من سبتة أو حين اجتيازها إلى البحر، أن أشرعت سفن الجيش الإسلامي بقيادة موسى من سبتة من مكان حمل اسمه مرسى موسى؟ كما يشير صاحب كتاب اختصار الأخبار الذي يذكر الميناء الذي منه اتجهت السفن، أصبح اسمه أيضاً مرسى موسى، يعني صار في جبل موسى ومرسى موسى.

الذي يذكر المرسى ويقول: من هناك اجتاز موسى بن نصير، قدر موسى حاجة الفاتحين المسلمين بالأندلس، إلى قوات إضافية لمواجهة متطلبات عمليات الفتح عبر المضيق، بجيشه الضخم الذي اختاره من المسلمين عرباً وبربراً وغيرهم. وفيهم صحابي واحد وهو المنذر الأفريقي. حلو هذه الفائدة صراحة، يعني تكتبها أنه من الصحابة الوحيدين الذين شاركوا في فتح الأندلس.

هل هناك صحابي شارك في فتح الأندلس؟ أنت الآن تعرف أن آخر صحابي توفاه الله هو عامر بن واثلة، توفاه الله 110 هجري. فتوح الأندلس متى كانت؟ 92 - 93 هجري، إذاً لا يزال هناك عدد قليل من الصحابة على قيد الحياة، لم ينقرض ذلك الجيل. فيقولون هناك صحابي واحد شارك في فتح الأندلس وهو المنذر الأفريقي، وكان هذا الرجل من أهل إفريقيا ولكنه رأى النبي ﷺ، والله أعلم، هذا الصحابي المنذر الأفريقي هو الصحابي الوحيد الذي شارك في فتح الأندلس هكذا يقولون.

قال: «وعدد من التابعين من جيل موسى بن نصير. بعد أن رتب موسى الأمور في القيروان استخلف ابنه عبد الله على إفريقيا، أقبل إلى الأندلس معه ابنه عبد العزيز وعبد الأعلى». هناك هذا رابع، يعني يقول عبد الأعلى، أنا لم أذكره قبل قليل، أن له عبد الملك وعبد العزيز وعبد الله، هنا ذكر شخصاً رابعاً أيضاً من أبنائه عبد الأعلى، إذاً دخل معه ابنان له: عبد العزيز وعبد الأعلى.

قال: «جاز المضيق إلى الأندلس حالاً بالجزيرة الخضراء، حيث رسفت سفنه إلى موضع حسن يبدو أنه كذلك حمل اسمه مرسى موسى»، لعله المكان المشار إليه عند ابن سعيد الأندلسي حين الحديث عن الجزيرة الخضراء نقلاً عن كتاب الرازي. توسط مدن السواحل؛ يعني كلمة مرسى موسى يعني واحد يجد لها أكثر من إطلاق، يطلق على المرسى الذي أبحر منه وعلى الميناء الذي وصل له من الجهة الأخرى، ولاحظ هذه الخربطة في الأسماء وتكرارها يدل على أن بعض الأمور نظنها ظناً ولسنا مستيقنين بها.

قال: «وأشرفت بسورها على البحر ومرساها أحسن المراسي للجواز، ميناء الجزيرة أقرب للعبور من الساحل المغربي إلى سبتة، ومرسى الجزيرة هو أيسر المراسي للجواز وأقربها من بر العوة، ويحاذيه مرسى مدينة سبتة، ويقطع البحر بينهما في ثلاث مجارٍ، ويتلوه جبل طارق». يريد هذا عدد من الجغرافيين والمؤرخين. يقول ابن غالب الأندلسي في كتابه تعليق من منتقى من فرحة الأنفس في تاريخ...

الأندلس، عن الجزيرة الخضراء، توسطت مدن السواحل وأشرف سورها على البحر، ومرساها أيسر المراسي للجواز وأقربها من العدوة. وصول حملة موسى إلى الأندلس؛ مرساها، يعني إذا الجزيرة الخضراء هي نستطيع نقول أقرب منطقة أو أفضل منطقة لمن يريد أن يذهب من المغرب باتجاه الأندلس، فأقرب منطقة وأفضل منطقة للجواز، يعني للعبور من المغرب باتجاه الأندلس، واضح أنه أن تصل إلى مدينة الجزيرة الخضراء في جنوب إسبانيا.

انتظر موسى في الجزيرة الخضراء عبور الجيش واستكمال الترتيبات ووضع الخطة، فتوافدت فرق جيش المسلمين يحمل بعضها راياته، وتم تجمعهم في الجزيرة الخضراء عند باب البحر قرب البحر، فزاد عدد الرايات إلى عشرين راية، والرازي كتب لهذا العبور وراياته دل على ذلك النص التالي: قال محمد بن مزين: وجدت في خزانة باشليه سنة أربعمائة وأربعين أيام الراضي بن المعتمد سفراً صغيراً من تأليف محمد بن موسى الرازي سماه كتاب الرايات، ذكر فيه دخول الأمير.

إذن محمد بن موسى الرازي صنف كتاباً اسمه كتاب الرايات، ذكر فيه تاريخ دخول موسى بن نصير وكم راية دخلت الأندلس معه. هنا تعتبر الراية نوعاً من المفاخر، فالراية بالنسبة للأمة الإسلامية هي مفاخر للقبائل. كيف اليوم اللي فيكم بيروح على الحرم المدني، يوجد مثلاً هناك سفر، كل سفرة هناك اليوم في رمضان هي تعتبر يا عشيرة من عشائر المدينة، هي عشيرة الجهانية لها سفرة، وهذه عشيرة فلان لها سفرة في الحرم، وتعتبر موروثاً. نفس الشيء موضوع الرايات، فهناك تكون راية للعرب وهناك تكون راية للبربر، والبربر على حسب أصنافهم، كل قبيلة لها رايتها الخاصة، فهناك عادة اهتمام بموضوع الرايات وأن تكون كل قبيلة رايتها حاضرة في المعركة، لأنه هذا فخر لهم وعز لهم أنهم سجلوا اسمهم في هذه المعركة وأنهم دخلوا في هذا الفتح.

قال: فعدها عشرون راية، منها رايتان لموسى بن نصير؛ عقدها له أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان على إفريقية وما وراءها، والأخرى عقدها له أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك على إفريقية أيضاً وما وراءها إلى المغرب، وراية ثالثة لابنه عبد العزيز الداخل معه سائر الرايات لمن دخل معه من قريش ومن العرب ووجوه العمال، وذكر فيه سائر البيوتات ممن دخل دون راية. هل هذا يعني بعض البيوتات، أي بعض القبائل، ما معنى البيوتات؟ يعني بعض القبائل دخلت بدون راية، خلص، بدون أن يكون لها راية، خاصة قريش والعرب يفتخرون بموضوع الرايات عندهم، هي قضية حساسة، لازم توضع رايتنا في المعركة.

قال: هذا هل هذا النص ناقص أو مشوه؟ تشاور القوم هناك في خطة الفتح، أقام موسى في هذا الموضع مسجداً عرف بمسجد الرايات. وقيل إن... أظن بعت لك يا عمر، حط مسجد الرايات في... أصبح هناك، سبحان الله، إلى الآن اسمه مسجد الرايات، إلى الآن هناك مسجد في إسبانيا اسمه مسجد الرايات، وهو المسجد الذي حصل فيه التجمع لقادة جيش موسى بن نصير.

قال: وقيل إن اجتماعهم بهذا المشهد الكريم كان في الموقع الذي كان فيه مسجد الرايات في الجزيرة الخضراء، وأنه باجتماع الرايات في ذلك اليوم سمي بها، وبها سمى الرازي كتابه. وقال: وبها سمى الرازي كتابه "كتاب الرايات"، والمسجد أيضاً سمي بمسجد الرايات.

قال: إن موسى بن نصير رحمه الله لم يبرح موضعه ولا فرق مشهده حتى أمر بتخطيط الموضع واتخاذه مسجداً، وكان موقع هذا المسجد على البحر، وبها على باب البحر مسجد يسمى بمسجد الرايات، ويقال إن هناك تجمعت رايات القوم. لعل هذا هو المسجد الجامع الذي أحرق ه المجوس النورمان خلال هجومهم الثاني على الأندلس سنة مائتين وخمسة وأربعين.

قال: فتح شذونة وإشبيلية، تحرك موسى بهذا الجيش نحو شذونة فكانت أول فتوحاته. شذونة مرت معنا قبل قليل أنه طارق بن زياد فتحها، وإشبيلية نفس الشيء، لم تمر معنا أنه فتحها، فما معنى أن موسى بن نصير يعيد فتحها؟ هناك احتمالان كما قلنا: إما أن هذه المنطقة تمت السيطرة عليها مرة أخرى من قبل القوط ولم تكن السيطرة عليها كاملة، أو أن المراد بفتحها أي ضبطها وإعادة الأمن فيها، فقد تكون فيها فوضى، لأن عادة المدن خاصة المدن الكبيرة يكون فيها فوضى إذا لم يكن الأمن فيها على درجة عالية، فقد يكون المراد بإعادة الفتح يعني ضبط الأمن فيها وإعادة وضع حامية جديدة لها بسبب فقدان الأمن لأهلها ومواطنيها. فعندك أحد السيناريوهين فيما معنى إعادة فتح شذونة وإشبيلية مرة أخرى على يد موسى بن نصير.

قال: ثم توجه إلى مدينة قرمونة، وليس بالأندلس أحصن منها ولا أبعد على من يرومها بحصار أو قتال، فدخلها بحيلة. توجهت بأصحاب يوليان، دخلوا إليهم كأنهم فلال، وطرقهم موسى بخيله ليلاً ففتحوا لهم الباب وأوقعوا بالحراس فملكت المدينة.

شوف هذه الخطة التي فعلوها، اليوم بتشوفوها في الأفلام، هي القصص، صحيح ولا لا؟ كيف استطاع موسى بن نصير الدخول إلى مدينة قرمونة؟ الآن واضح أنه في تعاون بين موسى بن نصير ويوليان، طبعاً نحن قلنا هل يوليان كان يتظاهر أنه نصراني وفي الباطن كان مسلماً؟ ولو فعلاً كان نصرانياً لكنه حاقد على القوط، الله أعلم، لكن المهم وموسى بن نصير استعان بيوليان. ماذا فعل؟ طلب من يوليان أن هو وجماعته، بعض جنوده أو بعض مواطني يوليان، يلبسوا ملابس النصارى وهم نصارى، ويدخلوا إلى مدينة قرمونة.

قال: فدخلها بحيلة، توجهت بأصحاب يوليان، يعني هي الحيلة اعتمد فيها موسى بن نصير على جماعة يوليان حيث دخلوا إليهم كأنهم فلال. شو يعني فلال؟ كانوا هاربين، أشكال ما هذا؟ اليوليان وجماعته نصارى، فأشكالهم أشكال نصارى وهيئتهم هيئة نصارى، فعملوا حالهم كأنهم جايين يهربون ليدخلوا داخل حصن مدينة قرمونة، وكأنهم يطلبون الحماية وأنهم منكم وهاربين من جيش موسى بن نصير، مع أنهم في الواقع متفقين مع موسى بن نصير أننا سنفتح باب الحصن من الداخل. فإذا استطاع موسى بن نصير بهذه الحيلة أن يدخل هؤلاء إلى داخل المدينة كأنهم فلال، وفي الليل هؤلاء الفلال فتحوا له باباً من أبواب المدينة أو القرية أو الحصن، ودخل موسى من هذا الباب ليلاً. قال: ففتحوا لهم الباب.

الباب: وأوقعوا بالحراس استطاعوا أن يخلصوا على الحراس الموجودين على أبواب المدينة، فملكت المدينة وسقطت في يد موسى بن نصير.

قال: وتوجه بعد ذلك إلى إشبيلية تجارتها، فحصرها وهي أعظم مدائن الأندلس شأنا، وأعجبها بنيانا، وأكثرها آثارا، وكانت دار الملك قبل القوطيين. فلما غلب القوطيون، كانت دار الملك قبل القوطيين يعني كانت عاصمة شبه الجزيرة قبل ما يجوا القوطيين، إحنا قلنا قبل القوطيين كان عندنا إيش القبيلة؟ الوندال، صحيح، كانت عاصمتهم إشبيلية. لما جاء القوط حولوا العاصمة إلى وين؟ إلى طليطلة، فإشبيلية مدينة عريقة في التاريخ، حتى قبل مجيء الإسلام إليها، واضح أنها مدينة محورية في شبه الجزيرة الإيبيرية.

فما غلب القوطيون على ملك الأندلس، حول السلطان إلى طليطلة وبقي رؤساء الدين فيها، إشبيلية فامتنعت أشهرا على موسى، ثم فتحها الله عليه، فهرب العلوج عنها إلى مدينة باجة، فضم موسى يهودها إلى القصبة وخلف بها رجالا. لاحظ أن بقاء رجال الدين في إشبيلية دعاها شوي تستعصي على موسى بن نصير، أن رجال الدين يجمعون الناس فبتلاقي الناس اللي تحتهم يقاتلون بشراسة، فاجتمع رجال النصارى في إشبيلية وحرضوا الناس على قتال جيش موسى بن نصير، فامتنعت إشبيلية أشهرا على موسى، ما استطاع يفتحها إلا أشهرا ثم فتحها الله عليه، فهرب العلوج عنها إلى مدينة باجة، فضم موسى يهودها؛ إشبيلية كان فيها كثير من اليهود فضم يهودها إلى القصبة وخلف بها رجالا، يعني وضع موسى قيادات وزعماء من جهته واستمر.

انتقل موسى، قال: فتح مارده، ثم سار موسى نحو مدينة مارده مفتتحا في طريقه لفنت، ثم نجدها عند ابن القطية إلى لقنت. إذا موسى متجه الآن نحو مدينة مارده، وفي الطريق كان في مدينة اسمها لفنت فتحها وهو رايح باتجاه مارده.

قال: ثم قصد من إشبيلية إلى لفنت إلى الموضع المعروف بفج موسى في أول لقنت إلى مارده. إذ كان هذا فعلا موقع فج موسى، يعني أن لدينا واديين يحملان هذا الاسم، هذا أولهما، وثانيا قيل إن هناك الآن أكثر من وادي في الأندلس اسمهم وادي موسى أو فج موسى، يقول هناك واديان كل واحد حمل اسم فج مرسى موسى، يعني واضح أن موسى بن نصير أخذ مساحة كبيرة من الأسماء في جبل موسى، وفي مرسى موسى، وفي وادي موسى.

قال: وثانيهما في جليقيا كما سيأتي بيانه. تذكر مصادر أخرى أن موسى افتتح لبله وباجة. إذا هناك واديان تحت اسم وادي موسى، الأول هنا، والثاني في جليقيا. عندما قال: «ثم قصد من إشبيلية إلى لفنت إلى الموضع المعروف بفج موسى»، هي لفنت ولا لقنت؟ لأنها أول مرة مكتوبة لفنت بالفاء، بعدين لقنت، وذكر أنها عند ابن القطية لقنت، يعني أن في قولين أو ضبطين، أنها بالفاء ولا بالقاف، نجدها عند ابن القطية لقنت بالقاف، إذا واضح ممكن يكون فيها خلاف هل هي لفنت بالفاء ولا لقنت بالقاف، في خلاف في اسم المدينة، المهم أن هناك في هذه المدينة واديا اسمه وادي موسى، وسياتي معنا أيضا في جليقيا هناك واديا في تلك المدينة أيضا اسمه وادي موسى، فصار هناك في الأندلس واديان يحملان هذا الاسم.

وتذكر مصادر أخرى أن موسى افتتح لبله وباجة قبل مارده، ذلك معقول لأنهما في الطريق إليها، باجة التي منها الإمام الباجي. قال: لأن بعض من فُضّ من إشبيلية لجأ إلى باجة، يذكر ابن الشباطي نقلا من اختصار اقتباس الأنوار حين الحديث عن وصف باجة بأن موسى فتحها، ثم خرج إلى البلاط، ثم خرج على الفج المنسوب إليه وهو المعروف بفج موسى، قال: «فانقطع إليه أهل ذلك الموضع فأقرهم على حالهم وسموا موالي موسى»، ثم تقدم. فأقرهم على حالهم يعني على دينهم ودفعوا الجزية له وسموا موالي موسى.

قال: ثم تقدم إلى مارده فنزع عليها، وقيل إنها كانت قائدة لملوك الأندلس ثم تنقلوا عنها إلى طليطلة، لكن مصادر أخرى تذكر أن عبد العزيز بن موسى هو الذي فتح لبله وباجة، هذا يعني أن فتحهما كان في حملة موسى، هذه بقيادة ابنه عبد العزيز الذي كان معه، كأنه يقول إن الأدق أن لبله وباجا ليس موسى بن نصير فتحهم بنفسه بل ابنه عبد العزيز، موسى أرسل ابنه عبد العزيز قال له روح افتح لي هذين المدينتين، مثل ما فعل طارق في إرسال فرق أو سرايا من استجة لفتح بعض المدن، كما فعل طارق لما كان في استجة بعث بعض السرايا لفتح بعض المدن. أو أن موسى أرسل ابنه عبد العزيز بعد افتتاح مارده لاستعادة إشبيلية، ثم فتح لبله وباجة ابتداء كما أورده ابن عذاري في بيانه.

أما مارده، فلفتحها حديث، كانت مارده قبل الفتح الإسلامي إحدى قواعد الأندلس ومدائنها، مارده تعتبر مدينة أساسية أيضا من مدن الأندلس مثل إشبيلية وبرشلونة وغيرها، يقول كانت مارده قبل الفتح الإسلامي إحدى قواعد الأندلس، يعني قواعد الأندلس أي المدن الرئيسية أو المحافظات الرئيسية في الأندلس.

قال: ومدائنها بناها الرومان سنة 25 قبل الميلاد، قديمة جدا بناها الرومان سنة 25 قبل الميلاد. يذكر البكري أنها كانت مدينة ينزلها الملوك الأوائل فكثرت بها آثارهم والمياه المستجلبة إليها، كانت لهم قاعدة، يؤكد ذلك ما يريده المقري في نفح الطيب نقل عن ابن حيان وغيره أن مارده كانت دار مملكة لبعض ملوك الأندلس في سالف الدهر، يعني كانت قبل الفتح الإسلامي عاصمة للأندلس لبعض الدول، الله أعلم، قبل القوط وكان هناك أكيد حضارات جاءت على إسبانيا، فيقول إحدى الحضارات أو إحدى الدول والممالك التي كانت في تاريخ إسبانيا كانت عاصمتهم مارده.

قال: وهي ذات عجز ومنعة وفيها آثار وقصور ومصانع وكنائس جليلة القدر فائقة الوصف، يفهم مما نقله المقري عن مقتبس بن حيان أن الذين اتخذوا مارده عاصمة لهم هم الوندال، يسميهم البشتولقات، يرجح المرحوم شكيب أرسلان أن البشتولقات تعني الفيزيقوت، القوط الغربيين، جعل القوط طليطلة عاصمة لهم، لا تزال بعض آثار مارده القديمة والاسلامية قائمة حتى اليوم، وجاء في وصف المؤرخين والجغرافيين الأندلسيين لبقاياها بالمباني الحسنة وإتقان الصنعة.

كانت مارده مدينة حصينة لها سور لم يبن للناس مثله، كانت تقوم عدة أبراج في هذا السور الضخم المحيط بالمدينة، وكان عرض هذا السور حين الفتح أو قبله اثنا عشر ذراعًا وارتفاعه ثمانية عشر ذراعًا كما يذكر أبو عبيد البكري. لهذه الحصانة فقد ألأت إليها فلول القوط المنهزمة من النواحي، وتجمع لهم فيها جيش قوي حتى كان في أهلها مناعة شديدة وبأس عظيم.

إذن القوط الذين هربوا من جميع النواحي كان لهم تجمع قوي في مدينة مارده، لذلك أصبحت مارده فيها تمرد كما يقول من اسمها. قال: فحصل موسى المدينة لكن قواتها خرجت خلف الأسوار تحارب، فنالوا من المسلمين دفعات وأذوهم.

عبارة «نفح الطيب» غير واضحة تمامًا؛ إذ فيها إشارة إلى أن الأذى وقع على المسلمين، مما لا تؤيده عبارة صاحب «أخبار مجموعة» من أنهم خرجوا إليه وزحمهم دفعة، فقاتلوه من سورها على قدر ميل أو أكثر قتالًا شديدًا، واستمر حتى صارفهم إلى المدينة، حاربهم إلى أن دخلوا المدينة. هذه حقيقة لا تعارض؛ لأنه ممكن نقول إنه مع أنهم أذوا المسلمين لكن استطاع المسلمون في النهاية أن يعيدوهم إلى داخل المدينة ويقاتلوهم ويلجؤوهم إلى الحصن، فبعض الأمور قد يظن فيها التعارض لكن أنا لا أعتقد أن هناك تعارضًا بين كون المسلمين تأذوا نوعًا ما من هؤلاء ولكنهم في نفس الوقت استطاعوا أن يعيدوهم إلى داخل الحصن.

لم يترك موسى الأمر بل احتاط له واتبع أسلوب الكمائن، وجد بعد تفتيش السور ثقبًا في مقاطع الصخور، وضع فيه مجموعة من الفرسان ليلة، لما خرجوا في الصباح ظهر لهم رجال الكمين؛ هاجمهم المسلمون وقتلوا من محاربيها الكثير، عاد الباقون إلى داخل المدينة تحصنوا فيها ولم يخرجوا.

تبدأ المرحلة؛ موسى إذا كان سيحاول يفتش في السور عن ثقب معين يدخل فيه، فبعد تفتيش السور استطاع أن يجد ثقبًا في مقاطع الصخور، فعمل كمينًا ووضع مجموعة من فرسان المسلمين على هذا الثقب؛ لأنه متوقع أن هذا الثقب من يخرج منه جنود القوط ليحاربوا المسلمين، فعمل كمينًا وضع فيه مجموعة من الفرسان ليلًا وقال لهم: استنوا الصبح، في الصباح سيخرج منه بعض مقاتلي القوط فتنقضون عليهم.

فعلاً لما خرجوا في الصباح رجال القوط، ظهر لهم رجال الكمين ولقوا المسلمين في وجههم، فهاجمهم المسلمون وقتلوا من محاربيها الكثير، وباقي رجال القوط عادوا إلى داخل المدينة هاربين فارين، تحصنوا فيها ولم يخرجوا؛ خلص عرفوا أن موسى بن نصير عرف مكان هذا الثقب.

قال: لم يترك.. قال: تبدأ المرحلة الشاقة في فتحها، دام الحصار شهورًا دون جدوى مما حد بموسى إلى تجربة جديدة، عمل المسلمون دبابة. دامت أشهر وهذه المدينة مستعصية وموسى بن نصير مش قادر يفتح مدينة مارده إلى الآن، فكر موسى بطريقة جديدة.

قال: فدبت جماعة منهم تحتها إلى أحد أبراج السور لإيجاد ثغرة، فنقبوا صخرة. الدبابة بالمفهوم الإسلامي القديم -أحسنت- هي مثل الشيء الخشبي ويكون من الأمام حتى له أحيانًا يكون مثل البوز الحاد، ويركب المسلمون تحت هذا البناء الخشبي ويمشون ويمشون ويقذفون أو يضربون بماذا؟ بالمدينة لعلهم يحدثون ثقبًا في جدارها، هذا معنى الدبابة بالمفهوم القديم.

كما قال: فدبت جماعة منهم -أي من المسلمين- تحت هذا الخشب باتجاه أحد أبراج السور لمدينة مارده لمحاولة إيجاد ثغرة، فنقبوا صخرة. استطاعوا فعلاً أن يضربوا صخرة وفتحوا فيها فتحة، قال: فنقبوا صخرة فلما نزعوها أفضوا إلى صخرة صماء نبتت المعاول عنها ويئسوا منها.

فلما نزعوا الصخرة وجدوا بعدها صخرة صماء، أي صعبة، شالوا الصخرة الأولى وعملوا فيها فتحة لكن للأسف وجدوا بعدها صخرة أشد منها. إلى صخرة صماء نبتت المعاول عنها؛ معنى نبتت أي أن المعاول التي هي الفأس لم تستطع، صار الجيش الإسلامي يحاول يضرب هذه الصخرة يضرب، ما استطاعت معاول المسلمين أن تكسر هذه الصخرة الصماء.

قال: فبين هم يضربون عليها إذ استثار العلوج عليهم فاستشهد المسلمون تحت الدبابة. بينما هم المسلمون يحاولون كسرها، العلوج رأوهم فاجتمعوا عليهم وقتلوا للأسف المسلمين الذين تحت الدبابة، قال: فسمي ذلك البرج برج الشهداء؛ وبه سُمي هذا البرج لليوم اسمه برج الشهداء، استشهاد المقاتلين المسلمين تحته.

قال: فحميت عند ذلك نفوس العلوج وثبتت إليهم أنفسهم. واسم هذه الصخرة الصماء بلسان العجم «اللاشه ماشه»، وهي في «أخبار مجموعة» «اللاشه ماشه» أو «اللاشه ماشه» بلسان أهل الأندلس من كلمة لاتينية بالإسبانية أي الأسمنت، يعني كان اسمها الصخرة الأسمنتية، هذا معنى «اللاشماشه» الصخرة الأسمنتية.

قال: استمر حصار مارده حتى آخر رمضان أول شوال سنة 94 للهجرة، جرت بين موسى وبين جندها اتصالات للتفاوض على الصلح، تبودلت في ذلك الوفود، دع القوم إلى السلم فترسل إليه في تقريره قوم من أماثلهم أعطاهم الأمان، ثم تم صلح كُتب به عهد.

في النهاية موسى فعلاً لم يستطع أن يفتحها، لكن أيضاً طول الحصار أتعب أهل القرية؛ لأنه في النهاية يريدون أن يأكلوا ويشربوا، فطول الحصار أنهكهم وموسى لم يستطع أن يدخل، فصارت في جلسات دبلوماسية بين موسى وبين بعض رجالات هذه المدينة ووفود تدخل وتأتي، وتم الاتفاق في النهاية على أن موسى يكتب عقد الصلح معهم.

قال: تم الصلح كُتب به عهد الصلح، أن المسلمين تضمن فيه مصلحة الطرف الآخر، تترك لهم أمورهم الخاصة، المسلمون يحافظون على ذلك ويلتزمون به في كل حال. مسلك معروف مشهور في تاريخ الفتح الإسلامي والتعامل مع غير المسلمين، هذا تعليق من الشيخ عبد الرحمن الحجي؛ الصلح أحد وسائل المسلمين في الفتوحات، لما يرى القائد المسلم أنه الأفضل بدل أن يطيل الحصار أو يدخل عنوة، يعمل صلحاً ونحن نلتزم بما يجب علينا وهم يلتزمون بما يجب عليهم.

للأسف ليس لدينا وثيقة الصلح هذه، وما أورده بعض المؤرخين عنها ليس إلا فقرة منها على ما يبدو. ذلك أن تُدفع أموال قتلى مارده يوم الكمين، وأموال الفارين منها دية لشهداء البرج، أما أموال الكنائس فتبقى لها.

فصالح على أن جميع أموال القتلى يوم الكمين وأموال الهاربين إلى جنقيه للمسلمين، ويظهر أن طبيعة الصلح أن أموال قتلى مارده يوم الكمين -أي يوم لما قتل موسى، كان حاط رجالا من جيشه لينقضوا على رجال القوطيين- الآن قتل موسى بن نصير مجموعة من رجال القوطيين يوم الكمين، دية هؤلاء تُدفع لشهداء البرج.

إذاً أحد بنود المعاهدة أن تُدفع أموال قتلى مارده يوم الكمين، هؤلاء قتلى مارده يوم الكمين، أموال هؤلاء وأموال الفارين منها ستُدفع دية لشهداء البرج. يعني مش في ناس انقتلت يوم الكمين، هي الناس التي قتلت من القوط، أكيد لهم أموال داخل مارده، مش دياتهم، لا هم نفسهم لهم أموال، بروز، بيوت وأشياء وأموال نقدية، وكذلك كل من فر من مارده؛ أموال الفارين منها، كل من فر من مارده من القوط، أموالهم تُدفع لمن؟ دية لشهداء البرج. فهؤلاء المسلمون هم الذين أخذوا المال: «بدك تدفعوا لنا دية لشهداء البرج؟ طيب كم الدية؟ الدية هي أموال من قتلناهم يوم الكمين الموجودة داخل المدينة بتعطونا إياها، وأموال من فر من مدينة مارده منكم برضه بتعطونا أموالهم، هذه الدية التي سنقبلها مقابل أن المسلمين يفكوا الحصار عن المدينة».

أنا أعتقد أنه شيء مالي، أنت أحياناً في هذه المصالحات يكون الطرف الآخر قوياً، وأنت مش قادر تفتحها، فإنت بدك تعمل عرض معه، مش رح أسميها جزية، خلص بدي أقول له: بدلاً من الذين قتلتهم أعطني، فسميها هدية، ما عندي مشكلة. كيف كان عمر رضي الله عنه يأخذ الزكاة من أي نصارى تغلب؟ بس هي مش زكاة فعلياً، ايش كان اسمها؟ هي جزية، بس هم أنفوا أن تسمى جزية، قال خلص عليكم الزكاة بس مضاعفة، فتغيير الأسماء ما فيه مشكلة مقابل أننا نحصل.

قال: «أما أموال الكنائس فتبقى لها، فصالح على أن جميع أموال القتلى يوم الكمين وأموال الهاربين إلى جنقيه للمسلمين، وأما أموال الكنائس وحلي الكنائس فهذه تبقى لأهل المدينة المسلمين لا يمسونها».

لم تتيسر معرفة المدة التي استغرقها فتح مارده، فقد فتحوا له المدينة يوم الفطر خلاص بعد ما تمت المعاهدة، فتحوا أبواب مدينة مارده ودخلها موسى بن نصير في يوم عيد الفطر في سنة 94 من هجرة المصطفى ﷺ. قال: لم تتيسر معرفة المدة التي استغرقها فتح مارده إذ لم يتبين ابتداء عملياتها، لعلها حوالي نصف سنة؛ وذلك لحصانة مارده وتجمع جيش القوط وقوته والاستعداد للمواجهة.

لكن أليست المدة طويلة؟ يمكن أن يكون موسى قد قام خلال مدة الحصار بجهاد في أماكن ومدن أخرى حول المدينة بجانب توجيهه للسرايا، غير حملة ابنه عبد العزيز. هنا دائماً عبد الرحمن حجي يحاول إثارة بعض الأسئلة التفكيرية فقط، يعني معقول خلال الثمانية أشهر أو تسعة أشهر في حصار مارده موسى بن نصير ما عمل شيء في الأندلس؟ يقول: لا، لعله خلال هذه الفترة كان يبعث سرايا لمحاولة فتح بعض المدن الأخرى غير السرايا التي كانت بقيادة ابنه عبد العزيز، والتي بعثها لفتح بعض المدن التي ستأتي إن شاء الله.

وأقام موسى في مارده زيادة على شهر يرتب أحوالها وينظم أمورها ويريح الجند من العناء ويستعد لاستئناف السير. وجه موسى جيشاً من مارده بقيادة ابنه عبد العزيز إلى إشبيلية، وكانت فلول القوط من لبله وباجة قد اجتمعت فيها، كما حكينا إشبيلية فتحها طارق بس لسه ما في استقرار، ففلول القوط رجعوا تجمعوا مرة ثانية في إشبيلية مرة أخرى، وبالتالي إشبيلية خرجت عن السيطرة، فاضطر موسى بن نصير أن يرسل ابن عبد العزيز في سرية لفتح إشبيلية مرة أخرى.

قال: «وقتلوا العديد من المسلمين منتهزين فرصة انشغال موسى بحصار مارده، وبلغه الخبر خلال الحصار فعد عبد العزيز فتح إشبيلية، ثم فتح الأبلة وباجة كما ذكر قبل قليل».

فتح تدمير؛ من المناسب هنا تناول موضوع فتح كورة محافظة تدمير، تدمير في الأصل اسم حاكمها لدى الفتح، سُميت باسمه، حلت مكانها فيما بعد كورة مرسية، قائدتها مدينة مرسية، يعني كان اسمها تدمير وبعدين صار اسمها مرسية. وهذه مر معنا أن طارق فتحها ورجعت خرجت عن السيطرة، شيء طبيعي هكذا في الفتوحات، يعني لا تتوقع أن الأمور ستكون تماماً كما تشتهي، تفتح فيرجع العدو يأخذ، بدك ترجع تفتح مرة أخرى، وبدك ترسل وهكذا، يبقى إلى أن يستقر الحكم ويستتم تماماً.

قال: «يذكر المقالي أن إحدى الفرق التي أرسلها طارق من استجة قامت كذلك بفتح كورة تدمير» كما ذكرنا قبل قليل. قال: قاعدتها مدينة أوريولا، في حين ورد أن فتح ما ذكر تأخر إلى دخول موسى بن نصير في سنة 93، فتوجه ابنه عبد العزيز في جيش إلى تدمير فافتتحها، ومضى إلى الأبلة فافتتحها، ثم توجه إلى مالقة. إذا لاحظ هم أنفسهم مضطربون، المؤرخون، هل أصلاً طارق بن زياد ما فتح المدن أصلاً ولا لا، فتحها بس أعيد فتحها مرة أخرى؟ تبقى بعض التفاصيل الله أعلم بها.

قال كذلك ذكر ابن عبد المنعم الحميري في الروض المعطار، حين الحديث عن قرطاجنة، الحلفاء ميناء كورة تدمير مرسية فيما بعد، أنه بقرطاجنة -وهذه قرطاجنة هو ميناء- كان في كورة التدمير ناحيتها، قال: «بقرطاجنة هذه هزم عبد العزيز بن موسى بن نصير تدمير ابن غندرس، الذي سميت المدينة باسمه تدمير، هزمه أصحابه ووضع المسلمون فيهم السيف يقتلونهم كيف شاؤوا حتى نجا تدمير بشردمة من قلة أصحابه إلى حصن أوريولا، وكان مجرباً بصيراً ذهيناً، فلما رأى قلة أصحابه أمر...».

شوف هي الحيلة التي فعلها رجل ذكي، استطاع أن يوقف المعركة، لما وصل هرب ودخل على حصن أوريولا، رأى أنه ما معه رجال كثر وأنه لا يستطيع الصمود أمام حصار عبد العزيز، لكن...

كان معه نساء كثر، فماذا طلب من النساء أن يفعل؟ قال: أمر النساء فنشرن شعورهن وأمسكن القصب بأيديهن، فيما بقي من الرجال. وقصب النساء وقفوا على رأس الحصن من بعيد، وقف النساء على المنطقة العلوية، وأنشروا شعوركم، وكل واحدة تحمل لها عود قصب؛ للرائي من بعيد سيظهر أنه محارب شديد وعامل شعره كذا وحامل، لكنهم كانوا نساء، ولعله أيضًا ألبسهن خوذًا ولا شيء من ذلك.

فماذا ظن المسلمون؟ قالوا: والله هذا الحصن مليء بالرجال، وكلهم كانوا... قالوا ثلاثون رجلًا والباقي كلهم نسوة. قال: وأمسكن القصب بأيديهن فيما بقي من الرجال، وقصد بنفسه كهيئة الرسول واستأمن، وانعقد الصلح له ولأهل بلده وفتح تدمير صلحًا.

إذاً قصد بنفسه، الآن بعد ما أمر النساء بهذا اللباس العسكري ويمسكن القصب، قصد بنفسه، يعني توجه بنفسه إلى عبد العزيز بن موسى بن نصير كهيئة الرسول. لاحظوا، عمل نفسه كأنه مبعوث من تدمير، مع أنه هو نفسه تدمير، يعني عمل نفس تدمير كأنه مبعوث من تدمير، فوصل إلى موسى بن نصير فأمّنه وأراد أن يعقد عقد صلح معه.

قالوا: وانعقد الصلح له ولأهل بلده. طبعًا لماذا عبد العزيز قرر أن يعقد الصلح؟ شاف في عدد كبير من... قال لك: هسا أنا بدي أدخل في بلشة مع هؤلاء المقاتلين، خلص بفتحها صلحًا بدون ما أعمل معركة. لكنه ندم بعد أن عرف الحقيقة أنهم ليسوا مقاتلين، هؤلاء نساء. ماذا قال؟ قال: «فلما نفذ أمره وعرفهم بنفسه وأدخلهم المدينة فلم يروا بها...»

فلما نفذ أمره بعد مباشرة، بعد ما وقع عبد العزيز الصلح كشف لهم عن نفسه، قال: أنا تدمير، أنا لست الرسول. كشف عن نفسه وعرفهم، وأدخلهم المدينة، فلما دخل عبد العزيز إلى أوريولا قال: «لم يروا فيها إلا نفرًا يسيرًا من الرجال»، فندم المسلمون على ما كان منهم، ندموا؛ يعني غرر بنا. ندم المسلمون على هذا الصلح، وكان خلاص نصيب الرجال.

قال: وكان من عقد من صلح تدمير مع عبد العزيز على أتوات يؤديها وجزية مثل الجزية، وذلك على سبع مدائن منها أوريولا ولقنت وبلانة وغيرها، وتاريخ فتحها سنة 49 للهجرة. كما يورد المقري أيضًا رواية أخرى بأن موسى أخرج منه عبد الأعلى لفتح تدمير، ذلك ما ورد في إحاطة ابن الخطيب وفي بعض مخطوطاتها. في بعض المخطوطات -قلت لكم هم مختلفون- هو الذي فتحها عبد الأعلى ولا عبد العزيز، المهم.

من الممكن أن عبد العزيز أرسل سرية أو أكثر إلى بعض المدن لفتحها أو تأكيد فتحها، مثل ما سبق، غيرها إلى مدن ليلحق بها، أو أن بعضها كانت بقيادة أحد إخوانه عبد الأعلى ومروان أو غيرهما، ففعل ذلك وهو متجه إلى ملاقات القائد القوطي تدمير في قرطاج. لعل بعد بلوغ خبره لموسى، استمر عبد العزيز يتابع قتاله حتى كره تدمير، حيث عقد الصلح خلال حصار قاعدتها أوريولا.

والله كلمته، لعله محاولة تحليل ليس أكثر، يعني يحاول يفهم لماذا اختلفت المخطوطات، لماذا البعض يقول عبد العزيز هو الذي فتح، ولماذا البعض يقول عبد الأعلى هو الذي فتح، فيحاول اجتهادًا: لعل كذا، لعل كذا، الله أعلم. ثم تم فتح تدمير صلحًا، وأعطي الأمان لأهلها ولحاكمها، والتزم به المسلمون لأن ذلك عقيدة عندهم: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34].

كان هذا مع الخديعة التي استعملها تدمير والتي سببت ندمهم، فندموا على الذي أعطوه من الأمان، واسترجحوه فيما احتال به، ومضوا على الوفاء له، وكان الوفاء عادتهم. ما معنى «واسترجحوه فيما احتال به»؟ هي العبارة في اللغة، استرجحوه يعني احترموا عقله، يعني قالوا هذا راجح العقل، عرف يخدعنا، استرجحوه فيما احتال به يعني قالوا هذا داهية، هذا ليس إنسانًا مغفلًا أو ساذجًا.

لدينا مصادر أندلسية أخرى تؤيد فتح تدمير صلحًا، تجعل عبد العزيز بن موسى هو الذي يتولى أمر فتحها، بعد أن هزم تدمير في معركة عند قرطاج، حيث هرب تدمير إلى حصن أوريولا. تزودنا هذه المصادر بنص وثيقة الصلح التي عقدها عبد العزيز مع تدمير، وثيقة سياسية مهمة وصلنا القليل من أمثالها، هذا نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب عبد العزيز بن موسى لتدمير بن غندريس، إذ نزل على الصلح، أن له عهد الله وميثاقه وما بعث به أنبياءه ورسله، وأن له ذمة الله عز وجل وذمة محمد ﷺ، وأن لا يسبوا ولا يفرق بينهم وبين نسائهم وأولادهم، ولا يقتلون، ولا تحرق كنائسهم، ولا يكرهون على دينهم، وأن صلحهم على سبع مدائن: أوريولا ومولة ولورقة وبلانة ولقنت وأيه والش، وأنه لا يدع حفظ العهد، ولا يحل من عقد، ويصحح الذي فرضناه عليه وألزمناه أمره، ولا يكتمون خبرًا ولا علمًا، وأن عليه وعلى أصحابه غرم الجزية من ذلك، على كل حر دينار وأربعة أمداد من قمح، وأربعة أمداد من شعير، وأربعة أقساط خل، وقسط عسل، وقسط زيت، وعلى كل عبد نصف هذا.

شهد على ذلك: عثمان بن عبيدة القرشي، وحبيب بن عبيدة القرشي، وسعدان بن عبد الله الربعي، وسليمان بن قيس التجيبي، ويحيى بن يعمر السهمي، وبشر بن قيس اللخمي، ويعيش بن عبد الله الأسدي، وأبو عاصم الهذلي، وكتب في رجب سنة...

كلهم عرب الذين شهدوا على هذه المعاهدة، كلهم عرب! تخيل هؤلاء العرب، في يوم من الأيام كانوا في جزيرة العرب يتقاتلون على الدنيا، الآن هم في الأندلس في آخر العالم يفتحونه ويشهدون على مواثيق مع قادة القوط، سبحان الله! كيف الإسلام يجعل لك قيمة، يجعل لك أهمية في الحياة؟ قبل الإسلام ماذا كان هؤلاء العرب؟ كانوا ما زالوا على قيس وليلى وأمرئ القيس ومحبوباته وعشاقه، لم يكن لهم أي شيء، لكن الإسلام أوصلهم إلى الأندلس.

قال لأنه يحسن إلقاء الضوء على مسألتين. الأولى: الظاهر أن السبب في إيراد عبارات في الوثيقة تفصل ما يتعلق بالضمانات على النفس، والأمان على الحياة، والإبقاء على الشعائر، هو التخوف من مسلك الغالب كما كان معروفاً.

أنا دائماً أقول: الغالب ممكن لا يحترم دينك؛ فالأمم الغالبة في العادة تقهر الأمم المغلوبة. فلماذا في هذه الوثيقة كان تدمير حريص على أن تمس دور العبادة والكنائس والحريات الدينية؟ يقول عبد الرحمن حجي: «لأن مسلك الغالب الذي يغلب عادة ما يقهر المغلوب في دينه وأفكاره، فكان تدمير أراد أن يحافظ على أموره الدينية».

قال: كما كان معروفاً لديهم في غير الفتح الإسلامي؛ ألف القوم من الأحداث التي سمعوا عنها أو شاهدوها أو مارسوها انتهاك الحرمات والاستهانة بالناس، إن هذه الأمور التي ضمنوها كانت انتهاكها جارياً في تصرف غير المسلمين. هم متعودون في دول أوروبا أن الغالب يسبي ويأخذ ويغدر ويفعل كل شيء، فلعلهم ظنوا أن المسلمين حالهم كحال غيرهم، فأرادوا أن يحفظوا حقهم.

قال: فلم يجد المسلمون مانعاً من الاستجابة لهم بكتابتها مفصلة، بل إن المسلمين يحرصون على ذلك لأنهم يلتزمون بما يقولون ويحرصون عليه قبل صاحب الشأن، ويصبحون في الالتزام به مع الآخرين هم أصحاب الشأن. ذلك تطبيق لعقيدتهم؛ شأنهم هو الالتزام بالعقود والمواثيق بدافع ذاتي يقوم على العقيدة الإسلامية.

هذا ما يميز المسلمين في فتوحهم كما في غيرها، ويفردهم بهذه الصفات: الكلمة والأخلاق العالية التي تنشئها العقيدة الإسلامية، تفرداً يشير إلى سمو المنهج الذي هو من عند الله سبحانه وتعالى، كما يشير كذلك إلى جدية المسلمين وتمسكهم به في كل الظروف وإلى أبعد الحدود، حتى لو كلفهم ذلك غرماً أو در عليهم نفعاً أياً كان نوعه ومقداره. والمثلة على ذلك تتدافع وتزدحم كثرة في كتب التاريخ الأصيلة، واعترف بها المنصفون من غير المسلمين ممن لم تمسهم لوثة التعصب أو التقليد.

والثانية: أما شدة التوثيق والتذمم، فتشير أيضاً إلى تجربة القوم هناك مع الآخرين في غير الفتح الإسلامي في إخفاء الذمة بعد إعطاء العهود. التذمم يعني هو طلب الذمة، أما شدة التوثيق والتذمم، فهذا يدل على أن تجربتهم السابقة مع غير الفتح الإسلامي أنها كانت إخلاف ذمة.

فهنا لاحظ شدة التوثيق والتذمم من خلال وضع شهود: عثمان بن عبيدة القرشي، وحبيب أبي عبيدة، وسعدان بن عبد. لاحظ هؤلاء، لماذا كل هؤلاء الشهود؟ كأنهم يريدون توثيقاً حتى لا تتقلبون علينا، فهناك شهود من جماعتكم يشهدون عليه.

قال: لكنهم هنا سيرون معاملة جديدة فريدة لم يألفها التاريخ إلا من أولئك الدعاة الفاتحين ومن سار على نهجهم من الخلف. تضع الوثيقة تاريخ الصلح في شهر رجب سنة 94هـ، يعني أن فتح كورة تدمير كان قبل إرسال عبد العزيز بن موسى بن نصير لفتح إشبيلية، ثم فتح باجة ولبله بعد الانتهاء من فتح مارده الذي كان في شهر رمضان شوال سنة 94 للهجرة.

هذا يضعنا أمام إشكال لوجود فجوات في أخبار الفتح لعدم وضوحها وتمامها؛ لأن بعض الدارسين يجعلون فتح عبد العزيز لتدمير أيام ولايته للأندلس التي ابتدأت في ذي الحجة سنة 95هـ، بينما جعل تاريخ الوثيقة سنة 94هـ. طبعاً والده عاد إلى دمشق وترك ولاية الأندلس له، وأكيد في بعض الأمور التاريخية في أوقات الفتوحات لن نستطيع أن نصل فيها لمعلومة دقيقة.

قال: ما دامت المصادر التي روت هذه الوثيقة تتفق كلها على تاريخها المذكور في الشهر والسنة، شهر رجب 94هـ، على أي أساس يقترح تبديل تاريخها؟ المصادر لم تشر لا تلميحاً ولا تصريحاً على أن معاهدة الصلح هذه كانت في ولاية عبد العزيز على الأندلس، التي هي بعد عودة أبيه إلى دمشق، لكن الصحيح أنها كانت قبل ذلك.

قال: مما يحل هذا الإشكال أن يكون موسى أرسل ابنه عبد العزيز لاستكمال فتح شرقي الأندلس، ذلك قبل توجه موسى إلى مارده. إذا نظرنا إلى تاريخ فتح موسى لمارده في شهر رمضان شوال 94هـ، وفتح عبد العزيز لتدمير وعقد الصلح في شهر رجب 94هـ، فبعد إتمام عبد العزيز هذه الفتوح وعقد الصلح المذكور، يلتحق بأبيه في حصاره مارده. يعود موسى فيرسله -إن كان قد التحق بأبيه- إلى إشبيلية وباجة ولبله، ثم يتولى عبد العزيز فتح غرب الأندلس. وتوليه فتح غرب الأندلس أمر معقول حيث لا نسمع مشاركة أعمال الجهاد في شمال شبه الجزيرة الإيبيرية.

سياتي معنا الآن أنه عبد العزيز سيترك والده، والده سيتجه باتجاه الشمال ويصل حتى إلى جبال البر كما سياتي معنا، لكن عبد العزيز سيختفي الآن من المشهد. يقول عبد الرحمن حجي: «الذي يظهر لي أن عبد العزيز تولى فتح غرب الأندلس، وارده خلص بعد مارده اتجه نحو الشمال، وأما هو عبد العزيز فكلفه وارده أن يستمر في فتح مناطق غرب الأندلس». هذا هو السيناريو.

يذكر المقالي نقلاً عن ابن حيان وغيره، بعد الحديث عن لبله واستقامة الأمور فيما هناك، «وعل الإسلام وأقام عبد العزيز بإشبيلية»، لعله اتخذها مركزاً لجهاده في غربي الأندلس؛ لعل عبد العزيز خلص واستوطن في إشبيلية واتخذها قاعدة لجهاده في عملية فتح مناطق غرب الأندلس.

قال: هذا حل يركن إليه بغيره، يعني إذا لم نأخذ هذا السيناريو سيكون هناك تنافر وشك في تاريخ الوثيقة نفسها، وثيقة الصلح بين عبد العزيز وتدمير. لاسيما وأن تدوين رقم السنة كتابة قد اتفقت المصادر عليه، بذلك يكون خط سير حملة موسى منذ عبور المضيق في شهر رمضان 93هـ حتى لقائه بطارق في القاعدة.

الآن خلينا نعيد رسم الخارطة؛ موسى بن نصير منذ اجتازه من المغرب إلى الأندلس، ما هي المدن التي فتحها قبل أن يلتقي بطارق؟ لسه إلى الآن لم يلتقِ موسى مع طارق، ما هو خط السير؟

قال: سبته، عبر مضيق جبل طارق، الجزيرة الخضراء، مدينة شذونة. سبته بعدين انتقل للجزيرة الخضراء جنوب إسبانيا، بعدين مدينة شذونة، قرطبة، إشبيلية، لافنت، مارده. من مارده أرسل موسى ابنه عبد العزيز لفتح مدينة لبله، باجة، إشبيلية، البيرة، مالقة، قرطاج، وريولا وربما غيرها.

بعد أن انتهى من مدينة مارده، اتجه موسى بن نصير باتجاه طليطلة، وفي طليطلة هناك التقى بطارق بن زياد كما سياتي معنا، ثم تحركوا معاً إلى طليطلة وهي العاصمة التي اتخذها طارق بن زياد كما قلنا. لقاء موسى وطارق بداية هذه المرحلة سنة 94هـ، بدأ موسى السير صوب طليطلة... يبدو أنها.

احتياطًا من مخاطر الطريق، كتب موسى إلى طارق بالتوجه إليه في مجموعة من جيشه، عسكر موسى. نعم، إذا موسى تحرك باتجاه طارق، ولكنه أرسل إلى طارق أنه أنت برضه تحرك باتجاهي، يعني نحن نتحرك مع بعض.

قال عسكر موسى في مكان يستعرض فيه الجيش عُرف بوادي المعرض، ثم جاءه طارق. ذكر البعض أن لقاءهما كان عند طليطلة أو قرطبة، والراجح أنه كان خارج مدينة طلبيرة، تبعد 150 مترًا غرب طليطلة. هذا الراجح عند عبد الرحمن حجي؛ أن التقاء الجيشين الكبيرين كان في مدينة طلبيرة، وهي مدينة تبعد 150 مترًا غرب مدينة طليطلة.

يقول المقري: وتوجه الأمير موسى بن نصير في عقب شوال من العام المؤرخ يريد طلبيرة، وبلغ طارقًا خبره فاستقبله في وجوه الناس، فلقيه في موضع... استقبله في وجوه الناس، يعني طارق جلب الزعماء والقيادات ووجوه الناس احتراما لموسى بن نصير.

قد يكون موسى قام بفتح مدينة طلبيرة، أو أن طارقًا سبقه إلى ذلك. ذكر صاحب أخبار مجموعة ذلك، إلا أنه جعل بلدًا بدون نقط موضعًا للقائهما، لعلها تعني التيتار، أحد فروع نهر تاجه. عبارة أخبار مجموعة لا تبين ما إذا كان هذا المكان نهرًا، فهل هنالك مكان حمل اسم النهر أيضًا؟ هل هو في وادي المعرض أو بالقرب منه؟ على كل الأحوال، يذكر صاحب كتاب أخبار مجموعة هذا، إلا أنه جعل بلدًا بدون نقط موضعًا للقائهما، يعني كان هذا ذكر مدينة أخرى التقى فيها موسى مع طارق، ليست مدينة طلبيرة، لعلها تعني التيتار أحد فروع نهر تاجه. عبارة أخبار مجموعة لا تبين ما إذا كان هذا المكان هو نهر، فهل هنالك مكان حمل اسم النهر أيضًا، حمل اسم تاجه، ولا يكون النهر هو مكان آخر، الله أعلم. المهم على كل الأحوال أنهما التقيا وسارا نحو طليطلة من طريق قديمة طويلة تمتد من مارده إلى شلمنقة، المهم سارا معًا بعد أن التقيا باتجاه مدينة طليطلة العاصمة.

معركة السواقي: تذكر روايات أكثرها إسبانية أن لذريق، آخر ملوك القوط، كان يختبئ للإيقاع بالمسلمين، معتبرًا بقاءه بعد معركة وادي برباط وجد فرصته. إذا تذكروا في الدرس الماضي ماذا قلت لكم في خلاف وقع؛ هل لذريق قُتل في معركة وادي لوكا أو وادي برباط، ولا نجا وسيلتقي به الجيش الإسلامي لاحقًا؟ من رأى أنه لم يقتل في معركة وادي برباط، قال إنه استطاع أن يهرب منها وجمع القوط واستطاع أن يلتقي بالمسلمين في معركة أخرى، وفي هذه المعركة كانت نهايته؛ هي هذه المعركة، معركة السواقي.

قال وجد فرصته في مهاجمة الجيش الإسلامي يفاجئه، وبعيدًا عن مركز الإمداد. قالوا لوذريق، إذا صحت هذه القصة، رأى أن الآن الفرصة مناسبة لمقاتلة موسى بن نصير وطارق بن زياد لابتعادهما عن مركز الإمداد. وين مركز الإمداد؟ المغرب. يعني الآن صار موسى بن نصير في شمال إسبانيا، فهم بعيدون عن مناطق المغرب وتونس والجزائر، حتى لو موسى طلب الإمداد ما يصلهم الإمداد إلا وبكذا، كانت خطة لوذريق.

قال كانت في غرة ذي القعدة سنة 94 عند السواقي، معركة قوية انقضى فيها الجيش الإسلامي على لذريق وجيشه، ثم قُتل. بيد مروان بن موسى بن نصير حمل أتباع لذريق جثته ودفنت. قيل إنه هنا قُتل، أُذريق بيد مروان بن موسى بن نصير؛ إذاً موسى بن نصير له ابن خامس أيضًا اسمه مروان. تمام، يعني أنت عندك خمسة من الأبناء المجاهدين عند هذا الرجل إلى الآن، أنا ما أعرف عدد الأبناء بالضبط.

قال لكن لا تبدو أدلة وجود هذه المعركة قوية. ذكرت بعض المصادر الأندلسية اسم السواقي لكنه لا ينطبق على المكان الذي تشير إليه الرواية الإسبانية. يقول ابن الشباث في صلة السمط وسمه المرط: وأفلت لذريق إلى موضع يقال له السواقي، فيقال إنه قتل وهو لا يعرف، وقيل أيضًا إنه أراد الاستتار بسمار الوادي فغرق فيه. لعل هذا يعني أن لذريق لم يقتل في المعركة الحاسمة أو في ميدان القتال، بل هرب محاولًا الاختفاء إلى مكان قريب يسمى السواقي عند حافة نهر فقتل أو غرق فيه. لدى ابن عذاري عبارة تجعله في اتفاق مع هذا المعنى، إلا أنه يسمي الموضع الذي قتل فيه لذريق وادي الطين، يقول في عبارته تلك: فإنهزموا وأدرك لذريق فقتل في وادي الطين. يفهم من هذا أن يكون وادي الطين قريبًا من ميدان المعركة. يعني هل قتل على يد مروان؟ هل قتل في وادي قريب من المعركة؟ هل غرق؟ كلها سيناريوهات نقلت، الله أعلم بصحتها.

وصول طليطلة: وصل موسى وطارق إلى طليطلة في ذي القعدة أو ذي الحجة أو آخر سنة 94، أقام الجيش الإسلامي فصل الشتاء أو جله في طليطلة، يرتبون أحوالها وينظمون شؤونها ويستريحون ويتهيؤون ويخططون لفتح شمال شبه الجزيرة الأيبيرية. كتب موسى والقادة الآخرون إلى الخليفة الوليد. ربما ليس لأول مرة، الفتح ضربت العملة الإسلامية لأول مرة في هذه الفترة. خلال هذه الفترة، ماذا كانت إجراءات موسى بن نصير؟ يكتب إلى الوليد بن عبد الملك في دمشق أخبار الفتح الإسلامي، أيضًا تم وضع عملة إسلامية. ولاحظوا النقود وأهميتها، أنه حتى تعيد تشكيل هوية، عليك أن تضع عملة، هذا يعني أن هذه البلاد أصبح لها وجه جديد، وهذا يكون من خلال العملة التي تفرضها عليها.

ولا بد أنهم قاموا بنشاط آخر وهو إفهام الناس الإسلام وشرحه لهم ودعوتهم إليه، بعد إراء أهل البلاد عمليًا في خلق الفاتحين لأنهم أرسلوا فرقًا إلى بعض المناطق. فقد كان طارق خبر أحوال طليطلة، لا سيما شمالها، إذ كان قد وصل إلى مدينة المائدة في منطقة وادي الحجارة.

سبب عبور موسى: يحسن توقف هنا لإلقاء الضوء على مسألة أوردها بعض المؤرخين في أكثر من صورة، هي أن سبب عبور موسى إلى الأندلس كان حسده لطارق بن زياد لسبقه بهذا الشرف والمجد. حين التقى، أهان موسى طارقًا وضربه بالصوت حتى هم بقتله. هكذا في الأفلام يعرضون العلاقة بين موسى بن نصير وطارق بن زياد، أنه موسى بهدل طارق بن زياد، أنه أنت لماذا توسعت؟ قال لازم تستناني، وأنه موسى كان يحسد طارق بن زياد على الفتح، ولما لقيه ضرب طارق بن زياد وبالصوت. هذه كليتها اختراع وأفلام، إياك أن تصدق وقوع هذا في التاريخ الإسلامي. ليس لهذا الكلام واق... ليس لأنه لا توجد نفوس بشرية لها ضعف، لكن...

على الأقل من يريد أن يثبت هذه الواقعة عليه أن يأتي بمصادر تاريخية، فالأصل في التابعين والقادة المسلمين أننا نحسن الظن بهم، وليس إساءة الظن ونسج الخيال حول كيف يمكن أن يتصرف رجل في تلك الحالة. ليس لهذا الكلام واقع تاريخي، ولا تسمح بمقبوله مجريات الأحداث كما مرت بنا، حيث تنفيه طبيعة هذا التاريخ الإسلامية التي عرفناها، وكل ما أثير حول هذا الموضوع وصيغ في هذا الاتجاه لا يقوى على الثبات أمام النقد العلمي التاريخي الأمين والبحث النزيه.

لم يكن موسى مغمورًا أو محرومًا من شرف الفتح وخدمة الإسلام، هو الذي قدم الكثير في الميدان قبل ولايته للشمال الأفريقي وبعدها، ولا سيما أن موسى بن نصير القائد المحنك كان مقدرًا لأهل كمية فتح الجزيرة الأندلسية منذ البداية، مهتمًا به غاية الاهتمام. موسى بن نصير ليس إنسانًا ناقصًا حتى يريد أن يزداد شرفًا بفتح الأندلس، ما شاء الله معروف من قبل الفتح الأندلسي بأنه زعيم أفريقية، فهل هو رجل مجهول ناقص شرف ليبحث عنه رجل كبير ومتزن أكبر من أن يفكر بطريقة أصحاب النفوس المريضة؟

أليس هو الذي حث على هذه الخطوة وكرر المحاولات لإقناع الخليفة بها؟ لماذا إذاً لم يتولَّ هو ابتداءً قيادة الجيش الفاتح بنفسه؟ إن طارقًا الذي لم يخالف لموسى أمرًا ليس إلا أحد الضباط تحت أمره، موسى الذي عينه والياً، وكان بإمكانه أن يعزله لو أراد دون الرجوع إلى الخليفة. بعض النصوص المتعلقة بعبور موسى تعيننا في فهم الأحداث زيادة على ما علمنا، من أن عبور موسى كان بناءً على استغاثة طارق له لمشاركته في الجهاد والفتح.

وفي سنة ٩٣هـ، توجه موسى بن نصير إلى الأندلس؛ ذلك أنه لما سمع بما فتح الله عز وجل على يد طارق أحب أن يكون شريكًا في ذلك. لو كان عبور موسى حسدًا، لجاز له اقتحام الأندلسية بنفسه في ثلة قليلة ومباشرة بعد معركة وادي برباط التي وصلته أنباؤها واتجه إلى طارق في أقصر وقت. كان عبور موسى للأندلس بعد سنة من عبور طارق إليها، وكان موسى عرفًا بأحداث الفتح وأخبار الانتصارات من أول يوم، فلماذا تأخر عبوره؟

إن موسى لم يذهب مباشرة لمواجهة طارق، بل سلك سبيلاً آخر غير الذي سلكه طارق؛ لو أراد موسى مخاصمة طارق لسار إليه رأسًا، لكنه أراد حماية ما فتحه طارق، فسار في طريق أخرى واتجه إلى مدائن لم يفتحها طارق ولم يدخلها. يبدو أن طارقًا سار في فتوحه بسرعة غير متوقعة، لعل موسى أصدر أمرًا إلى طارق بانتظاره أو بالتوقف، فعبَرَ للمساهمة في الفتح والتعجيل به ما دامت الفرصة مواتية، متخوفًا على جيش المسلمين من قلته أمام الجيش القوطي في بلاد متسعة غير سهلة، وذلك واضح من شرح حملة موسى.

هذه الأسباب المنطقية هي التي جعلت موسى يلتحق بفتوحات طارق، فالموسى أصدر أمرًا بالتالي لطارق: أنه انتظر، وعبر للمساهمة في الفتح والتعجيل به تخوفًا على جيش المسلمين من أن يدخل في مهالك، وأنا مسؤول وبالتالي يجب أن أكون حريصًا على الرعية. جهز موسى جيشًا كبيرًا بنية التعاون والمشاركة في شرف الفتح والاستمرار به لتكون كلمة الله هي العليا وتسود شريعته. كان عبوره تأزيًا للجيش الإسلامي وسدًا لمحاولات قطع الطريق عليه، وأخذاً في الحيطة وإتمامًا للخطط وإنجازًا للفتح وتأكيدًا لوجوده ونشر العقيدة الإسلامية التي كان كل ذلك من أجلها.

لم يتخذ موسى أي إجراء تلو عبوره للأندلس ضد طارق، لم يذهب إليه رأسًا بل استمر في الفتوح وبذل الجهد لحماية الجيش الإسلامي فيما فتحه، وافتتاح مناطق جديدة مما لم يفتحه طارق. لم يلتقِ بطارق إلا بعد مرور ما يزيد على السنة من عبور موسى نفسه، وكان بإمكانه خلال ذلك اتخاذ أي إجراء، لكن موسى كان يعمل بالفتوحات الإسلامية، وما قال لطارق تعال عندي أو تنحَّ عن إمارة طليطلة، ولم يحدث أي احتكاك خلال السنة؛ موسى ماشي بشكل طبيعي في فتوحاته وطارق في طليطلة قائم على العاصمة، فما في أي احتكاك يدل على وجود شيء بشري أو نفسي.

لم نسمع عن أي حدث بينهما بعد اللقاء، طيلة ما ساروا في طليطلة حيث أقاموا لوضع خطة الفتح خلال سيرهما معًا إلى الشمال فاتحين، يتولى كل منهما قسمًا من الجيش فاتحًا للجهة التي سار إليها بجيشه. لم يكن موسى أقل ثقة بطارق من ذي قبل، فقد استعان موسى بطارق حين استدعاه للقائه عند طليطلة، وصورة الاستدعاء واللقاء كما تمت تحول دون قبول مثل تلك الأوهام. إذا كان قد حدث شيء، فلا يعد أن يكون مناقشة لبعض القضايا أو استفهامه من طارق خطته وإبداء الملاحظات عنها تخوفًا من الأذى وعلى توغله بالمسلمين وتغريره بهم حيث سار بهذه السرعة إلى قلب البلاد.

حين خرج إليه طارق وتلقاه، فتعتب عليه موسى وقال له: «ما دعاك إلى الإغار والتقحم في البلاد وغير أمره؟»، هذا أقصى ما يمكن أن يكون فعله. اعتذر إليه طارق بخطته العسكرية أمام الظروف المحيطة والضرورة، داعيته لأسلوبه، فقبل موسى عذره وسار بعد ذلك معًا مجاهدين ينشرون دين الله ويعلون كلمته ويبلغون الناس شريعته. ناقش هذه المسألة عدد من الدارسين وأبانوا ضعفها وسقوطها وتفاهتها؛ فكانا هذان القائدان وغيرهما من المسؤولين والجند سواء، يسعون لخدمة الإسلام ورفع رايته، وهم على استعداد للبذل والتضحية، حريصون ويجدون فيها اطمئنانهم.

أما موضوع المائدة التي غنمها المسلمون في طليطلة، فالراجح أنها لم تكن مائدة، أما القول بأن طارقًا أخفى إحدى أرجلها فهو أسطورة أخرى، لم تكن هناك مائدة أصلاً، لكنها كانت مذبح كنيسة. بعض القصص تقول إن طارقًا وجد مائدة ذهبية وأخفى إحدى أرجلها عنده حتى لا يعطيها لموسى بن نصير، وهذه أسطورة أخرى ليس لها وجود، لم تكن هناك مائدة أصلاً، بل كانت مذبح الكنيسة في طليطلة.

مدينة وكانت فيها مذبح للكنيسة. يذكر بعض المؤرخين أن طارقًا أصاب فيها مائدة منظومة بالدر والياقوت والزبرجد، وهي التي يزعم الناس -رواة العجم- أنها مائدة سليمان بن داود عليهما السلام، ولم تكن كذلك.

غير أن البعض يرى أن هذه كلها قصة خرافية؛ أن الحواريين طلبوا من عيسى أن ينزل عليهم مائدة من السماء، وهي المائدة التي نزلت على الحواريين ولقوها في إسبانيا، وأن طارق بن زياد هو الذي وجد المائدة التي طلبها الحواريين في سورة المائدة، وكانت مائدة بالدر والياقوت والزبرجد.

قال غير أن الخبثة أهل الحسنة من العجم كانوا إذا حضرتهم الوفاة أوصوا للكنائس بمال تُصنع منه كراسي توضع عليها مصاحف الإنجيل في الأعياد؛ فكانت تلك المائدة مما يتفوق فيه الملوك. والخبثة أهل الحسنة من العجم كانوا إذا حضرتهم الوفاة أوصوا للكنائس بمال، والناس لما كانت هي ليست مائدة سليمان، ما قصتها؟ إن الناس الذين كانوا يموتون وكانوا عاملين معاصي، كانوا إذا حضرتهم الوفاة -وتعرف الواحد لما يموت يكون كاتبًا وصية أنه هذا والله أعطوه للمسجد الفلاني أو للمركز القرآني الفلاني- فهؤلاء الصليبيون كانوا إذا حضرتهم الوفاة أوصوا للكنائس بمال، فماذا يفعلون به؟ قالوا: اعملوا كراسي للكنائس.

فكيف أنت تصل إلى مركز قرآني؟ تقوم بمقاعد أو مكاتب. فكان النصارى إذا ماتوا يكتبون في وصاياهم أن هذا المال وصية للكنيسة تصنع منه كراسي حتى تضعوا عليها مصاحف الإنجيل في الأعياد؛ لأن عبادتهم لا يقرأون فيها الإنجيل أصلاً. فكانت تلك المائدة مما يتفوق فيه الملوك، يعني كأن هذا الشيء تصنعه الملوك؛ أنهم إذا مات الملك يكتب وصية بأن يصنع شيئًا في ذلك، وأما الناس العادية فكانت وصاياهم فقط أن تصنع كراسي ليس أكثر.

الجهاد في شمال شبه الجزيرة الإيبيرية: عند انتهاء الشتاء وحلول الربيع، تهيأ الجيش الإسلامي لترك طليطلة متجهاً إلى الشمال. إذا اعتبرنا الربيع بداية سيره، يكون في جمادى الثانية سنة 94 أو قبلها بعام تاريخًا للتحرك نحو الشمال. الآن بعد طليطلة، سيبدأ موسى بن نصير وطارق بن زياد التحرك باتجاه شمال إسبانيا، ففتحوا سرقسطة والثغر الأعلى. سار الجيش الإسلامي جميعًا، أو يتقدمه طارق، نحو الشمال الشرقي لشبه الجزيرة الإيبيرية إلى المنطقة التي عرفت بالثغر الأعلى، وافتتحت مدينة سرقسطة، المدينة البيضاء، دون قتال شديد.

سرقسطة هي المدينة البيضاء، وهي مدينة معروفة إلى اليوم. وإن كان ذلك قد حدث، فإننا نرى أن مواجهة الجيش الإسلامي الفاتح كان أغلبه -إن لم يكن كله- من الجيش القوطي وسلطته، الأمر الذي يعني أن أكثر المدن فُتحت صلحًا، وأقاموا هناك مدة ينظمون أحوالها، وأنشأوا فيها مسجداً، خططه وسدد قبلته مهندس المساجد في الغرب الإسلامي الأندلس أثناء الفتح التابعي والجليل حنش بن عبد الله الصنعاني.

حنش بن عبد الله الصنعاني هذا التابعي الجليل، كان مهندسًا معماريًا وهو المسؤول عن تخطيط مساجد المسلمين في شمال أفريقيا، وأخذوه معهم للاندلس فخطط كثيرًا من المساجد في الأندلس؛ وضع خطة بناء المشروع وأشرف على تنفيذه. في سرقسطة سنة 100 هجرية، كان قد أشرف على بناء عدد من المساجد في أفريقيا، وكذلك شرك في تأسيس مسجد قرطبة. توفي حنش بن عبد الله الصنعاني في سرقسطة في سنة 100 هجرية، والظاهر أنه يمني، أي بعد خمس سنوات فقط من الواقعة.

قال كذلك شارك في تأسيس مسجد قرطبة الذي بُني عنده مسجدها الجامع فيما بعد، ومسجد البيرة الجامع. لاحظ أنه مؤسس لمسجد قرطبة وشارك في مسجد البيرة أيضًا وأشرف عليه. حنش من صنعاء الشام، شارك في فتوحات المغرب مع ربيعة بن ثابت الأنصاري، ودخل الأندلس مع موسى بن نصير.

فتحت مناطق حول سرقسطة أو تابعة لها ومدن أخرى في تلك الناحية مثل شقة ولاردا وطركونة وبرشلونة، لكن لم تتوفر في المصادر الأولى معلومات واضحة عن فتح كل هذه المدن. يذكر ابن خلدون في عبارة أن موسى توغل في الأندلس إلى برشلونة في جهة الشرق؛ سرقسطة وبرشلونة وكل هذه المدن هي التي تعتبر شمال إسبانيا.

لكن المقري يذكر أحيانًا أن بعوث طارق هي التي فتحت برشلونة، هل يعني هذا أنهما تعاونا في فتحها؟ أو أن طارقًا قام بذلك بنفسه أو بسراياه؟ أو أن موسى كلفه بالإشراف على عملياتها؟ لعل في نص ابن حيان الآتي ما يلقي بسيساً من الضوء على هذه الأمور: «أما فتح مدينة وشقة، فالحميري يذكر أن المسلمين فتحوها صلحًا بعد حصار سبعة أعوام منذ الفتح». إذاً قصرت بنا المصادر في أخبار فتح مفصلة عن هذه المدن، والمتوقع تمامًا أن الفاتحين قاموا بجهاد وافر متواصل لفتحها وغيرها من مدن تلك الجهة.

من الواضح أن عبد الرحمن حجي يقر بأن المصادر لا تعطينا معلومات كافية: مَن الذي فتح بالضبط؟ ومَن الذي فتح هذه؟ وكم استمر؟ فأنت لا تركز على كثير من التفاصيل لأنها مظنونة. يورد المقري نقلاً عن ابن حيان -لعله بتصرف- كلامًا مهمًا جدًا يجمل فيه نشاط كل من موسى وطارق في تلك المنطقة وفيما وراء جبل البرت، حيث: «أمر موسى طارقًا بالتقدم أمامه في أصحابه، وسار موسى خلفه في جيوشه، فارتقى إلى الثغر الأعلى وافتتح سرقسطة وأعمالها، وأوغل في البلاد وطارق أمامه، لا يمران بمرض إلا فتح عليهما وغنموا، وقد ألقى الله الرعب في قلوب الكفرة فلم يعارضهما أحد إلا بطلب الصلح، وموسى يجيء أثر طارق في ذلك كله ويكمل ابتداءه ويوثق للناس ما بدأ به، فلما صفي القطر كله وطمأن نفوس من أقام على سلمه، وطأ أقدام المسلمين في الحلول به، أَمضى المسلمين إلى افرنجة ففتحوها وغنموا وسلموا، وأوغلوا حتى انتهوا إلى وادي رودنه».

أقام في سرقسطى في هذا الوقت يرسم خطط الفتح، متخذا منها مقرا ومركزا تخرج منه فرق الجند للقيام بعمليات الفتح. غير بعيد أن موسى وجه الفرق لفتح المدن السابقة وغيرها، وربما افتتح هو بنفسه بعضها. أمور غير واضحة تماما في النصوص لدينا، حيث ما زال فيها غموض حول بعض أمور الفتح وفجوات حول البعض الآخر، مثل ما مر بنا في فتح برشلونة. كما لم أجد أخبارا تتعلق بفتح بعض مدن الساحل الأندلسي الشرقي مثل بلنسية وطرطوشة. بلنسية مدينة مشهورة أيضا اليوم، وطرطوشة منها الفقيه الطرطوشي رحمه الله تعالى، صاحب كتاب البدعة.

ذكر شكيب أرسلان أنه في سنة 714 صارت بلنسية مدينة إسلامية بعد أن فتحها طارق، بعد أن فتح طارق والمدن التي تجاورها مثل ساقون، وقنته، وشاطبة، ودانية. قد يكون استند في ذلك إلى مصدر لكنه لم يذكره. في خبر طريف يريده ابن سعيد في مغربه عن سنة 714 ميلادي؛ وإخواني هذا نحن هجري بنحكي، فبقول في سنة 714 هذا بالميلادي، مقابله بده يكون بالهجري يعني 93 أظن شيء من ذلك أو 94.

في خبر طريف يريده ابن سعيد في مغربه عن سرقسطة التي تلتف عليها أنهارها الأربعة، وأشهرها نهر جلق، شرب موسى بن النصير فاتح هذه المدينة من هذا النهر، فاستعذبه وجده نهرا عذبا ماءه جميل. قال: وحكم أنه لم يشرب بالأندلس ماء أعدم منه. لكن هذا الخبر لم يبين لنا الموضع الذي شرب منه موسى، أمر يفيد إلى أي حد في معرفة بعض خط سير موسى.

هو حيا عبد الرحمن حجيق في بعض التفاصيل، يعني من وين شرب موسى بالنهر، من أوله ولا من آخره؟ مش مشكلة يا شيخ عبد الرحمن، هو بيقول لك في ماذا سيفيد؛ يعني قال ممكن يفيدنا في معرفة بعض التفاصيل في طريق سير موسى، هل موسى كان في داخل مدينة سرقسطة أو على امتداد معين من هذا النهر شرب؟ بالتالي هو أكيد تجاوز سرقسطة. هو عبد الرحمن حجي يحصل بعض الإشارات والفوائد الزائدة، لكن أهم شيء ألا يصبح هناك تكلف في مرحلة بعد مراحل.

قال: هل شرب موسى من هذا النهر عند مدينة سرقسطى أم خارجها؟ لأن نهر جلق أحد الروافد التي تغذي نهر إبرة الذي تقع عليه مدينة سرقسطة. يروي المقري نقلا عن مجهول نفس الخبر بشكل يزيد الأمر صعوبة، حيث يذكر أن موسى بن النصير شرب من ماء نهر جلق بسرقسطة فاستعذبه، فيفهم منه أن جلق يمر بسرقسطة. بينما يقترب العذري من هذا حين يقول: «ولمدينة سرقسطة سقي من نهر جلق». السبب في هذه الصعوبة أن جلق على ما يبدو خارج سرقسطة، ولأننا نخرج من هذه الصعوبة حين يمكن اعتبار أن المقصود هنا منطقة أحواض سرقسطة للمدينة، أي المنطقة حول سرقسطة وليس المراد داخل المدينة، أنه هذا النهر ليس داخل المدينة بل في خارجها.

قال: الصعوبة عارضة، إذا صح لها الحل تبقى مسألة التعرف على نهر جلق ليصح الانتفاع بها. المؤرخ بالنسبة لنا نحن المثقفين نحاول نتثقف، هو بالنسبة لمؤرخ فقد تعذره أنه يبحث في قضايا ليست موضوعك أنت، يعني لا تجد أنها معلومة ذات أهمية.

حط لنا صورة جبال البورت. جبال البورت هي التي تفصل إسبانيا عن القارة الأوروبية عموما. والبورت بمعنى الممر. لاحظوا هذه الجبال البنية التي تفصل إسبانيا عن فرنسا وما بعد ذلك، هذه المنطقة البنية وصل إليها موسى بن النصير وطارق بن زياد وتسمى جبال البورت أو جبال البورتات. ومعنى كلمة البورت الممر؛ هذه الجبال سميت جبال البورت الممر لأن فيها مجموعة من الممرات، منها كانت تتحرك الجيوش الإسلامية باتجاه فرنسا وما بعدها، حتى بلاط الشهداء مع عبد الرحمن الغافقي بعد عقود مرت من جبال البورت واخترقت هذه المناطق ووصلت إلى الشمال عند قريب من أبواب فرنسا، فهذه مهمة تاريخيا جبال البورت، وإن كان المسلمون في النهاية، بعد أن استقرت الدولة الأندلسية، ما تجاوزوها.

تذكر بعض المصادر أن موسى افتتح مناطق عبر جبال البورت في الأرض الكبيرة، وأنه قاد هذا الجهاد في الأرض الكبيرة، وهي القارة الأوروبية يعني فرنسا وما بعدها، هكذا كانوا المسلمون يسمونها الأرض الكبيرة. فتح الجيش الإسلامي أماكن جنوب فرنسا من بلاد الفرنجة، المسلمون تجاوزوا حتى الأندلس وبدأوا في جنوب فرنسا، بدأوا في مدينة اسمها قرقشونة. قال: قرقشونة، وأربونة، وأبيون، ولودن على وادي رودنه وهو نهر الروبون. يستشف هذا من عدة نصوص تاريخية، ضمنها نص ابن حيان السابق واللاحق.

سياتي معنا أن موسى بن نصير كانت خطته هو أن يتجاوز جبال البورت ويدخل على فرنسا، ويعود، أي يظل يفتح ليعود إلى بلاد الشام من الجهة الأخرى. هذه الخطة التاريخية لموسى بن نصير أنه كان ناويا يرجع للوليد بن عبد الملك يطلع له من الجهة الثانية. لو شد حاله وصل، لكن الوليد بن عبد الملك وقفه مرحلة معينة، قال له: قف، أنت تريد أن تدخل لي على القارة الأوروبية كلها، بدنا حوالي 200 أو 300 ألف جندي مسلم حتى نستطيع أن نؤمن هذه الفتوحات. فأنا ما ألوم كثيرا الوليد بن عبد الملك، بعض الناس يقول لك الوليد بن عبد الملك أوقف الفتوحات، لا، أنت تلوم الوليد لأنه الوليد أيضا يهمه أمن الناس وحياة الجيش الإسلامي. موسى بن النصير قائد عظيم وصاحب فكر استراتيجي جزاه الله خيرا، لكن الخليفة دائما، أنت تكون كشاب متحمس، بس أبوك يكون خائف عليك، تقول له: يا بابا لا تفعل هكذا، لا لا بس خليني أعمل هكذا، لكن أبوك يكون شايف أشياء ويقول لك: يا بابا الموضوع ليس بهذه السهولة وفيه مغامرة. موسى كان متأملا جدا أن يستطيع الفتح ويصل إلى تركيا ويعود من تركيا إلى سوريا إلى دمشق، لكن كانت خطة ضخمة جدا، فالوليد بن عبد الملك أوقفها وقال له: قف عندك وتعال عندي إلى دمشق. قال هذا الرجل إذا تركناه في الأندلس ما ينتهي إلا وهو جاء عندي، فأمره أن يأتي إلى الأندلس ويتوقف عن الفتوحات.

قال: لكن أليس من الصعوبة القيام بمثل هذا الجهاد في أيام الفتح الأولى؟ فهل حدث أي خلط في الأخبار بينما فتحه المسلمون في...

جهادهم الأول، وبين ما فتحه فيما بعد ليس من السهل الجواب عنه الآن، وغير بعيد أن يكون موسى قد وجه سرية أو أكثر لاختبار هذه المناطق؛ سرايا سريعة الحركة خفيفة المهمة، أشبه بسرية طريف الاستطلاعية في فتح الأندلس.

يعني هو رأي عبد الرحمن حجي أنه موسى فعلياً لم يكن يفكر بالدخول على فرنسا، ربما أرسل بعض السرايا الاستخباراتية فقط ليعرف ماذا وراء جبال "البورت"، ولكن يريد أن يعرف ما وراءها فقط؛ لأنه لم ينتهِ من الأندلس بعد ولم يستقر الحكم فيها.

قال: أما الطريقة التي سلكتها السرايا فهي إحدى الممرات المعروفة عبر جبال البورت، "البورتات" هي الأبواب؛ كما قلت أصلاً ما معنى البورت؟ الممر، الباب، هي كلها بمعنى الممر أو الباب، فكانت السرايا تدخل من خلال جبال البورت، من خلال الممرات الموجودة في ثنايا شمال شبه الجزيرة الإيبيرية إلى جنوب فرنسا في الأرض الكبيرة.

قال: جبال البورت وممراتها. يحسن هنا الحديث عن جبال البورت للتعرف على البيئة الجغرافية التي توضح الصورة. "بورتات" كلمة لاتينية، "بورتس" معناها ممر أو ميناء، وهي ذات صلة من الكلمة اللاتينية "باب" أو "مدخل". استعمل الكتاب الأندلسيون التسمية الفرنجية إلى الجبل كما سمعوها، فجمعت أحياناً وقالوا جبال البورت أو جبال البورتات، وبتعريب التسمية الأبواب هنا تسمى في بعض كتب التاريخ جبال الأبواب.

قال حين تحدث أحمد بن محمد الرازي عن جبال الجزيرة الأندلسية، قال بعد أن ذكر جبل قرطبة: «أما الجبل الثاني فمبتداؤه عند ساحل البحر الشرقي مقبلاً من ناحية أوربونا، وهو الحاجز بين الأندلس وبلاد الإفرنجة»، والفرنجة تسمية جبل "رونشفال"، ويسير موازياً لجبل البورت الذي يسمى "رونشفال"، ويسير موازياً لبلد بشقاية وبلد اشتريس وما انتهوا عند البحر في جليقيا في أقصى الشمال، ثم يعدد بقية الجبال.

هذا وصف لهذا الجبل، وباختصار أنت لن تعرف الوصف نفسه لأنك لا تعرف هذه الأسماء، وباختصار كما ترون هي جبل ما بين البحرين؛ ما بين البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي، وسلسلة جبال تصل بين البحرين.

قال: وبينهما البحر، المحيط الأطلسي والبحر المتوسط. البر الذي يعرف بالأبواب هو المدخل إلى بلد الأندلس من الأرض الكبيرة على بلد الإفرنجة، ومسافته بين البحرين. قال: وبينهما، يعني بين المحيط هذا وصف دقيق، سهل علينا: بين البحرين، بين البحر المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، "البورت" الذي يعرف بالأبواب يقصد الجبل، وهذا هو المدخل إلى بلد الأندلس من الأرض الكبيرة؛ يعني إذا كنت آتياً من فرنسا وتريد دخول الأندلس، يجب أن تمر من جبال البورت، وإذا كنت طالعاً من الأندلس باتجاه فرنسا، يجب أن تمر بهذا الجبل. ومسافته بين البحرين، إذا لاحظت الجبل ما بين البحر الأبيض والمحيط الأطلسي، تحتاج إلى مسيرة يومين، أي تقريباً أعلى من 81 كيلومتراً.

قال كذلك أبو بكر وعبد الله بن عبد الحكم ابن النظام عن جبال البورت: «منه المدخل إلى الأرض الكبيرة التي يقال لها الأبواب، ومن قبله يتصل بلد الأندلس بتلك البلاد المعروفة بالأرض الكبيرة ذات الألسن المختلفة». يتحدث عن كثير من الألسن المختلفة، أي اللهجات المختلفة؛ لأن أوروبا كان فيها لغات كثيرة وليس لغة واحدة.

قال البكري يتحدث عن جبال الأندلس يقول: «منها جبل البورت هو الحاجز بين بلاد الإسلام وبلاد جالش»، أو قال: «ومبتداه من البحر القبلي المتوسط المجاور لطرطوشة، ومنتهاه إلى البحر الغربي من بين أشبونة وجليقيا». البحر القبلي هو البحر الأبيض المتوسط، والبحر الغربي هو المحيط الأطلسي، وكلها أسماء يكتبها كل مؤرخ في التاريخ حسب الحقبة التاريخية التي كان فيها.

وقريب من هذا ما قاله ابن غالب الأندلسي حين تحدث عن جبال الأندلس في كتابه «تعليق منتقم من فرحة الأنفس في تاريخ الأندلس»: «والجبل الثاني المنتهي إليه الحاجز بين الأندلس وبلد الفرنجة، ومبدأه من البحر القبلي»، ومعناه البحر الأبيض المتوسط، «ومنتهى البحر الغربي وهو المحيط المسمى البرنيو».

وقال ابن سعيد الأندلسي فيما يقول المقري في "نفح الطيب": «هنالك الحاجز الذي يفصل بين الأندلس والأرض الكبيرة ذات الألسنة الكثيرة، وفي هذا المكان جبل البورت الفاصل في الحاجز المذكور، وفيه الأبواب». توجد في جبال البورت أربعة أو خمسة ممرات، وصف الإدريسي أربعة منها، وتبدأ من الجبال خمس ممرات عادة تمشي فيها القوافل والجيوش.

قال: يبدأها بالترتيب من الشرق على البحر المتوسط إلى الغرب على المحيط الأطلسي عند خليج بسكاي، وفيها أربعة أبواب، وهي مضايق يدخلها الفارس بعد الفارس؛ هذه الممرات ضيقة جداً بحيث لا يمكن أن يمشي فيها إلا فارس بعد فارس، وليست ممرات واسعة يمشي فيها عدد كبير، بل بالكاد يمشي فيها فارس بعد فارس، وهذا يدل على شدة الضيق.

قال: وهذه الأبواب عراض لها مسافات، وهي مخوفة الطرق. الباب الأول هو الباب الذي في ناحية برشلونة ويسمى "برت جاقة"، والباب الثاني الذي يليه يسمى "برت اشبره"، والباب الثالث منها يسمى "بورت شيزرو" وطوله في أرض الجبل 35 ميلاً، والباب الرابع يسمى "بورت بيونه". ويتصل بكل "بورت" منها مدن في الجهتين؛ فمما يلي "بورت شيزرو" مدينة "بنبول".

إذن واضح أنها ممرات، وفيما يظهر حولها وقريب منها مدن وقرى تكون على رؤوس الجبال وعلى جوانبها. قال: فيما يلي "بورت شيزرو" مدينة "بنبلونه"، والباب المسمى "باب جاقة" عليه مدينة "جاقة". سنذكر ما خلف هذا الجبل وما اتصل به من بلاد الروم بعد هذا بحول الله.

خلاصة الممرات كما عدها الإدريسي هي: أولاً، "بورت" ممر جاقة من جهة برشلونة؛ "بورت" تعني ممر، وهذا الممر يعرف الآن بممر "بيرينيون" باتجاه برشلونة إلى جيرونا، وهو من جهة المتوسط، وأكبر الممرات وأقدمها، ولكن لماذا سماه الإدريسي باسم مدينة جاقة وهي بعيدة عن هذا المكان وجعلها عند بابه؟ فهي تصح مع الممر الثالث.

الثاني: "بورت بوكيردا" يمر بمنطقة شرطانية لم يذكرها الإدريسي، وهذا الممر -إن كان موجوداً في أيامه- هو "برت اشبر" حالياً.

له اسم ثانٍ، تقع مدينة جاقة أمام بابه الذي هو الجينيك، والأنسب أنه هذا الذي يسمى برجقة، وإن كان الإدريس يسمى برجقى الأول. قال برجزا أو الشرا، وهو رجفالة، أو يسمى بالإسبانية وبالفرنسية، ويقع في الطريق الواصل من مدينتي بورت رابع اسمه بيونه.

هذه أسماء ربما لا تهمنا كثيرا، الواضح أن الجيش الإسلامي في حملات جهاده سلك الممر الأول، وكذلك الحملات التالية أيام الولاة الذاهبة. الواضح أنهم سلكوا أول ممر اللي هو جاقة، جيش موسى بن نصير لما كانوا يتجهوا باتجاه فرنسا سلكوا هذا الممر الأول، قال في هذا الاتجاه نحو جنوبي وشمالي شرقي فرنسا.

أما الممر الرابع "رنج بالا" فكان مألوفا لحملات جهاد المسلمين مدة الولاة، بعد انتهاء مدة موسى بن نصير وجاءت مدة الولاة، عندئذ أصبحوا يستعملون الممر الرابع لما وراء البرت تجاه وسطي وجنوبي وغربي فرنسا. الظاهر أن حملة عبد الرحمن الغافقي سلكته في عبورها إلى بلاط الشهداء؛ عبد الرحمن الغافقي -الله يرحمه- في معركة بلاط الشهداء ١١٤ لما تحرك بالجيش الإسلامي باتجاه جنوب فرنسا سلك من هذا الممر الرابع باتجاه جنوب فرنسا، هذا الذي يريد أن يقول. قال: ومنه سيعبر شارلمان لمهاجمة الأندلس حيث كانت إبادته، ومن هذا الممر الرابع شارلمان سيهاجم الأندلس ويبدأ بالمعارك، سيدخل أيضا من هذا الممر من فرنسا باتجاه الأندلس.

مناقشة: الجهاد وراء البرت، يذكر الحجاري في المسب أن موسى بن نصير -نصره الله نصرا ما عليه مزيد- قد أفللت ملوك النصارى بين يديه حتى خرج على باب الأندلس الذي في الجبل الحاجز بينها وبين الأرض الكبيرة، بينما يشير ابن خلدون إلى أن موسى توغل إلى أربونة في الجوف الشمالي. بل إن قضية حبان التابعي الآتي الذكر تفيد أن موسى قاد الجهاد بنفسه، لكن ذلك قد يعارض خطة الفتح الإسلامي التي تقتضي التأؤدة للقيام بالفتح النظيف المتأصل؛ أنه فتح عقيدة، زيادة على المدة بين السير من طليطلة نحو الشمال والعودة إلى المشرق، هل هي كافية لذلك؟

كل هذا بجانب فتح الشمال الإسباني، لا تغيب عن قادة الفتح الإسلامية للأندلس محاذير مثل هذه السرايا وما تخلفها من جيوب وفلول. وتأخر كثيرا فتح الشمال الإسباني للذهاب في عمليات حربية خلف البرت تقتضي تحضيرات جديدة بعد الانتهاء من فتح شبه الجزيرة الإيبيرية. يقول: ليس من الواقع والمنطقي من حيث السياسة الحربية أن موسى بن نصير يبدأ بفتح ما وراء جبال البرت ويبدأ في جنوب فرنسا وهو لم ينتهِ بعد من فتح كامل مناطق إسبانيا، هذا ليس قرارا استراتيجيا وحربيا صحيحا، مما يجعلنا نعتقد أن موسى لم يقرر فتح جنوب فرنسا وفرنسا، وإنما فقط أراد أن يستطلع، طلع بخلايا أو بسرايا استطلاعية ليس أكثر.

قال: قد يكون مما لام موسى طارقا فيه إصراره في الفتح، إذا أخذنا بهذه الرواية نفهم منها أن موسى أرسل فرقة أو أكثر، إن لم يقدها بنفسه ما دام قد اقترب منها عند جبال البرت لاستكشافها والقيام بنشاط عام وجرد للمنطقة. يعين في هذا الأخذ بما قيل عن فكرة موسى في اختراق أوروبا، كما سيأتي بيانه وقول ابن حيان التالي؛ كما ينقل المقري: «لا يمنع من هذا الفهم، فإن سرايا قامت بفتح بعض المدن الإسبانية الشمالية وبلد الفرنجة، وقد دوخت بعوث طارق وسرايا بلد بلد الفرنجة، فملكت مدينتي برشلونة وأربونة وصخرة بيونيون وحصن لوذون على وادي رودنه، فبعدوا عن الساحل الذي منه دخلوا». ثم يشير إلى أنهم بعدوا عن الساحل الذي هو جنوب إسبانيا.

لدينا خبر آخر يؤكد إرسال سرايا إلى ما وراء البرت، تذكر المصادر عن حبان بن أبي جبله -توفي أحد التابعين الداخلين الأندلس مع موسى- أنه اشترك في فتح قرقشون جنوبي فرنسا. حبان بن أبي جبله غزا مع موسى بن نصير حين افتتح الأندلس حتى انتهى إلى حصن من حصونها يقال له قرقشونة فتوفي بها والله أعلم. كذلك أورده المقري مع اختلاف بأن حبان غزا مع موسى حين افتتح الأندلس وانتهى معه إلى حصن من حصون العدو يقال له قرقشونة. يقتضي أنه مهما كان الاختلاف في طبيعة وقيادة ومدى هذا الجهاد أيام الفتح في حملة موسى وطارق، أن المسلمين قد جربت جيوشهم أماكن فيما وراء البرت.

نحن نتفق إذا أن موسى بن نصير والجيش الإسلامي استطاعوا أن يعبروا إلى جنوب فرنسا، لكن ما الهدف من العبور إلى جنوب فرنسا؟ هل هو مجرد استطلاع؟ هل هو مسح وجرد للأرض واكتشاف فقط ولا عودة؟ هذا أظهر من أنه أراد فعلا السيطرة عليها في ذلك الوقت.

قال: تم فتح شمالي شبه الجزيرة يكون من باب أيضا تأمين هذا، تحديد مني قد يكون أيضا تأمين لمناطق الأندلس؛ يعني أنت لما تمشي شبرا للأمام وتصل إلى جنوب فرنسا، أنا مش هدفي ربما الآن التوغل، لكن هدفي أعمل من الجهة الأخرى من جبال البرت وجودا للجيش الإسلامي يمنع دخول الصليبيين باتجاه جبال البرت إلى منطقة الأندلس، ويمكن تكون أيضا نوعا من الحماية الاستراتيجية لموسى.

تذكر بعض الدراسات الحديثة أن الجيش الإسلامي بقيادة موسى وطارق سلك خطين في فتح الشمال الإسباني، ربما نفهم ذلك من فتوحات قام بها كل منهما على الانفراد ثم التقيا، لأن ذلك الوضع كان أساسا لهذا الفهم، لكن مكانه غير واضح تماما؛ لا نستطيع أن نحدد كيف كان فتح الشمال لشبه الجزيرة الإيبيرية، لكن واضح أن موسى بن نصير اتجه لمنطقة من الشمال وطارق بن زياد اتجه لمنطقة أخرى، وكل شخص كان يفتح ما يتعلق بالجهة المسؤولة عنها.

من الممكن أن ثغرة الأعلى سقسطا وأعمالها جعلت مركزا للنشاط، السابق كان إرسال السرايا إلى جهات متعددة من كلا القائدين أو أحدهما أسلوبا ألفناه، لابد أنه تبع هنا فسنراه يستعمل في أماكن أخرى لما يأتي من عمليات الجهاد. أيا كانت وجهة نشاط موسى وكيف ما اتبع من أسلوب في الفتح، فإنه منفردا أو مع طارق كان غاية في الحركة النشطة والفاعلية المندفعة في تلك المنطقة خلال المدة كلها، لا يمكن أن يمر يوم يكون فيه عطلا عن العمل وعن الجهاد لإعلاء كلمة الله، حتى لو لم يذهب موسى بنفسه لما وراء البرت، فإنه استمر في ممارسة أعمال الفتح في مناطق الثغر الأعلى.

وما بعده في اتجاه الشرق والشمال، مناطق الثغر الأعلى التي هي سرقسطة وما حولها. يذكر ابن عذاري أن موسى افتتح سرقسطة وافتتح ما حولها من الحصون والمعاقل، ولعل فيما ذكر حول جليقية ارتباط باطن بهذا الأمر.

قال: اتخذ الجيش الإسلامي اتجاهين تحرك فيهما لفتح الشمال الإسباني؛ قد أحدهما طارق، وقاد موسى الآخر. اقتضى التعرف على هذا الأمر ومعرفة طريق سيدهما بذل الجهد ومتابعة النصوص والدراسات، وتركيز النظرة فيها مع مراعاة مجريات الأحداث واعتبار الارتباطات الأخرى والإشارات المتنوعة. الصورة التالية، رغم حاجتنا إلى نصوص أخرى ننتظر ظهورها بعون الله تعالى قريبة من الواقع تتسم بقدر من الوضوح، سيعطي سيناريو متوقع لهذه الفتوحات في الشمال.

سلك طارق من سرقسطة يساراً مواجهاً تيار وادي إبرة نحو الغرب والشمال الغربي، لعله محاذياً ليمين النهر ضفته الجنوبية، سار بجيشه باتجاه بلاد البشكنش أو نافار، في حين سلك موسى يميناً متدرجاً مع إبرة نحو الشرق والشمال الشرقي محادياً ليسار النهر ضفته اليسرى. إذاً موسى باتجاه الشرق وطارق باتجاه الغرب.

لا تذكر النصوص المتوفرة مواجهات قوية مع الجيش الإسلامي في هذه المناطق؛ ذلك أن القوط كانت تقود المقاتلة والمقاومة والمواجهة، فلما ذهب فلهم وزالت كثرتهم، لم يجد أهل البلاد مصلحة أو إمكانية في المقاومة بعد فتح أكثر شبه الجزيرة الإيبيرية بأيدي المسلمين، بل لعل ذلك في مصلحتهم بعد أن تسامعوا عن خلق الفاتحين وحسن معاملتهم، كله غرس عقيدتهم الإسلامية السمحة التي خرجوا بها وانتصروا، ووجد الناس من كل جنس فيها الحياة الآمنة. حتى النصارى واليهود ما كانوا يريدون مواجهة الجيش الإسلامي، رأوا أن المسلمين ربما كانوا مخلصين لهم من القوط أصلاً.

للأسف، زيادة على غياب الكثير من المعلومات الخاصة بهذه الأحداث، نجهل الكثير من نشاط الدعوة للفاتحين التي جعلت الناس يدخلون في هذا الدين الحنيف. يتمنى جميل عبد الرحمن الحجي أن يجد مرجعاً يتكلم عن النشاط الدعوي الإصلاحي أيضاً الذي قام به الفاتحون؛ لأنه أكيد ليست كلها حروب، أكيد هناك دعوة للإسلام وإقامة مجالس بيان لمحاسن الإسلام، فهو يجهل الكثير من هذه الممارسات الدعوية أيضاً.

قال: كما أن وثائق المصالحات والعهود لم تصلنا رغم حدوثها، ربما كانت متعددة كما يستبين من النصوص؛ أي أن أكثر الفتح تقدم صلحاً، وهو أمر يفضله الفاتحون دوماً ويسارعون إليه. يذكر أن حاكماً هناك في منطقة البشكنس وهو قسي دخل في عهد المسلمين واعتنق الإسلام، ذهب إلى الشام لمقابلة الخليفة. غير واضح المنطقة التي كان يحكمها قسي هذا، الذي كان من أسرته فيما بعد حكام لبعض مدن الثغر الأعلى.

لما كانت لغة البشكنس غير اللاتينية المعهودة في إسبانيا، وصف صاحب روض المعطار أهل بنبلونة العاصمة بأن أكثرهم متكلمون بالبشكنسية لا يفهمون بهذا، فلا بد أن يكون مع المسلمين من يعرف هذه اللغة. عند مدينة البشكنس لسان أهلها ليس لسان باقي مدن الأندلس، كان لهم لسان مختلف عن اللسان الأندلسي اللاتيني. لابد أن يكون مع المسلمين من يعرف هذه اللغة حتى يستطيع التفاهم مع أهل هذه القرية أو المدينة بالتحديد، هذا أمر بدهي؛ لازم يكون في مترجم.

قريب من هذا قول صاحب البيان المغرب وهو يتحدث عن موسى وفتح بلاد البشكنس: «وأوغل في بلادهم حتى أتى قوماً كالبهائم». واضح من هذا أن موسى حتى أتى قوماً كالبهائم، شارك البهائم، يعني ما بتفهم عليهم ولا بيفهموا عليك، وهذا وصف يدل على أن البشكنس ربما المسلمين -حتى وإن فرضنا وجود مترجم- ما بيعرفوا يتفاهموا معهم لأن لسانهم غريب؛ قال: «حتى أتى قوماً كالبهائم»، لا أنت فاهم عليهم ولا هم فاهمين عليك.

واضح من هذا أن موسى هو الذي افتتح بلاد البشكنس، وربما يكون قد التقى بطارق وتعاون معه في فتحها، أو أن ذلك قد تم بالبعوث والسرايا التي قاد طارق بعضها. إذا كنا متأكدين من خط سير كل منهما، فهل كان قسي حاكم بنبلونة أو أحد الزعماء فيها؟ وهل أن عهد بنبلونة الذي جاء ذكره دون نصه الأصلي تم في هذا الوقت معه؟ جاء ذكر هذا العهد مرتين في كتاب تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي حين ترجم علي بن رباح وحنش الصنعاني من المتابعين الداخلين الأندلس، بأن أحد الوزراء وجد شهادة علي بن رباح وحنش بن عبد الله في عهد بنبلونة، بنبلونة التي هي في منطقة البشكنس.

قال: فتحه جليقية، ثم سار طارق بن زياد نحو الغرب لعله بمحاذاة سلسلة جبال معينة. تعرف هذه السلسلة الجبلية عند بعض الجغرافيين المسلمين، منهم الإدريسي، باسم «شيبة». تقدم يفتح المدن حتى دخل جليقية، افتتح مدن أمايا واشترق وليون، لم أجد ذلك كله في المصادر الأولى لكن في بعض الدراسات الحديثة دون بيان السند. أما «شيبة» فقد يكون اسماً لقائد من قادات جيش طارق، وخلص أطلقت سلسلة الجبال على اسمه.

أما موسى، قال: أما موسى بعد أن افتتح مناطق في الشرق والشمال الشرقي وجاهد وراء البرت بالسرايا التي أرسلها أو بنفسه، فقد سلك طريقه يسار وادي إبرة ضفته الشمالية نحو الشمال والغرب، في خط يكاد يتوازى مع مسير طارق، مطهراً المنطقة من الجيوب، ومفتتحاً ما هنالك من مدن في مناطق عرفت عند الكتاب الأندلسيين باسم القلاع. والقلاع هي قشتالة القديمة مقابل قشتالة الجديدة فيما بعد التي شملت مدينة طوليطة وما حولها، سماها البكري قشتيلة، ثم قال: «وقشتيلة القصوى وقشتيلة الدنيا». ربما وافى موسى مدينة أشتورقية، وهذا يعني أن لقاءه بطارق كان فيها حسب ترتيب سابق، ثم ساروا معاً لإتمام عمليات الفتح.

تلد في نفح الطيب أخبار عن موسى تذكر لقاءه الأول بطارق عند طلبيرة، يتعين على هذا الفهم. وقيل إن موسى تقدم مع من مارده فدخل جليقية من فج، فنسب إليه فخرقها حتى وافى؛ يعني صار اسمه وادي موسى، وهذا كما قلنا إنه هناك واديان في الأندلس باسم وادي موسى؛ الأول كان في الجنوب كما حكينا في البداية، والثاني في جليقية. قال: «فخرقها حتى وافى طارق بن زياد»، صاحب مقدمته بمدينة أسرقة. لا نعلم المدة التي استغرقتها هذه الأعمال منذ افتتاح سرقسطة ومتى كان وصولهم أسرقة.

الفتح في الشمال الإسباني في أستورياس وجليقية، قام بهما عمن مما هو مناسب؛ لأننا لا نعرف بعد هذا عن نشاط طارق شيئًا، يكون معقولًا أنهما سارا معًا بقيادة موسى العامة.

آخر نشاط لطارق بن زياد عرف بالتاريخ هو نشاطه في فتح الشمال الأندلسي، فتح هذه المدن الجليقية، بعدين تختفي أخبار طارق تمامًا، ويعرف أنه ذهب مع موسى بن نصير باتجاه دمشق؛ لما الوليد بن عبد الملك أمر موسى بن نصير بالتوقف، موسى بن نصير أمره بالانسحاب، طبعًا أنه موسى ينسحب وحده، فموسى خرج من الأندلس وأخذ معه طارق بن زياد. وين راح بعدين طارق بن زياد؟ ما حدا بيعرف أين انتهت مسيرة هذا القائد الكبير، لا نملك معلومات بعد ذلك.

قال لعلهما وضعا خطة لدخول أستورياس في جليقية، ففعلاً سارت أعمال الفتح في هذه المناطق، لكن رواية النفح تذكر وصول رسول الخليفة الوليد في هذا الوقت يستدعي موسى بالقفول إلى المشرق، أنه ينسحب إلى دمشق.

يبدو من المناسب أن يكون عمل كل من موسى وطارق في جهة، أو أنهما عملا معًا يرسلان السرايا إلى الجهات المختلفة كما ستورد النصوص في ذلك. لدينا بعض الأعمال الحربية والفتوحات التي تذكر مع اسم موسى، وإن كان هذا لا يمنع أن يكون طارق معه ولموسى القيادة العامة، لكن عبارة في نفح الطيب تذكر أن لقاء طارق بموسى كان بعد خروج موسى من جليقية لترك الأندلس استجابة لاستدعاء الخليفة؛ فانقلع حينئذ من مدينة لوك بجليقية وخرج على الفج المعروف بفج موسى، ووافاه طارق في الطريق.

وفاة طارق في الطريق، هذه تعتبر مؤشر على أنهما في الفتوحات في الشمال ما كانوا مع بعض، أنه كل واحد راح، ولما الوليد بن عبد الملك قال لموسى وقف تعال لي على دمشق، موسى أرسل رسالة لطارق، فلقيه في الطريق وذهب إلى دمشق معًا. فكلمة "وافاه طارق في الطريق" دلالة على أنهما ما كانا معًا يفتتحان، بل كل واحد كان يفتتح على جهة مستقلة، هذا الذي يريد أن يقول عبد الرحمن الحجي.

مضيا جميعًا ومعهما من الناس من اختار القفول، يعني لما عاد هذا سياتي معنا، لما عاد من الأندلس عاد إلى المغرب الإسلامي باتجاه دمشق، وعاد معه مجموعة من الناس قررت أن ترجع، والأكثر من المسلمين قرروا البقاء في الأندلس.

يذكر البكري في نص لا يعرف كاتبه أنهم في هذا الوقت لم يبقَ أمام الفاتحين غير جليقية، لعله استعمل جليقية بمفهوم أوسع مما تدل عليه الخارطة الإسبانية، هي عنده كما عند كثير من الكتاب المسلمين شاملة لمنطقة أستورياس أيضًا. كلمة جليقية في التاريخ الإسلامي هي شيء واسع جدًا، أوسع من كلمة جليقية في المفهوم المعاصر؛ جليقية في المفهوم المعاصر مجرد مدينة عادية، لكن في المفهوم الإسلامي جليقية تحكي زي مقاطعة أو ناحية كبيرة، وذلك واضح من بعض الأماكن التي أشار إلى فتحها فيها كصخرة بلاي في كوفادونجا.

جعل البكري وغيره بكل وضوح أستورياس ضمن جليقية، حيث ذكر أنه لم يبقَ في جليقية غير الصخرة التي هي في أستورياس. جعل بعض الكتاب الأندلسيين كأبي عبيد البكري جليقية شاملة لأكثر مناطق إسبانيا الشمالية ضمنها أستورياس حيث تقع فيها الصخرة، هي كانت سبب هزيمة المسلمين، يعني خش بقضاء الله وقدر، لكن هي الصخرة وعدم الانتهاء منها كانت بداية سقوط الأندلس بعد ثمانية قرون، سبحان الله.

حول هذه المرحلة وصل رسول الخليفة مغيث الرومي، استدعى موسى؛ ومغيث الرومي مر معنا في بداية الدرس اليوم، قلت لكم هو أحد قادة جيش طارق بن زياد، لكنه أيضًا ذهب إلى دمشق والوليد بن عبد الملك أرسله إلى موسى بن نصير، قال له اذهب إلى موسى وقل له يأتي إلى دمشق.

يستدعي موسى إلى دمشق قبل وصوله إلى أستورياس أو بعده، وكان موسى يعتزم بهمة غامضة وتطلع فعال دخول جليقية، فبينما هو يعمل في ذلك ويعد له، إذ أتاه مغيث الرومي رسول الوليد بن عبد الملك ومولاه، يأمره بالخروج من الأندلس والإضراب عن الوغور فيها والقفول إليه، فساءه ذلك وقطع به عن إرادته، يعني كأنه موسى خلص أو أوقف مشروع الإكمال في الفتوحات.

افتتح الجيش الإسلامي بقيادة موسى مناطق بعضها حصينة، منها مدينة أو حصن، وربما تكون مدينة فيها حصن "بارو" في منطقة مدينة بلد الوليد. مدينة بلد الوليد أيضًا معروفة اليوم في إسبانيا، وكان فيها حصن أو مدينة فيها حصن، ربما تكون مدينة فيها حصن. إذا وقعنا "بارو" في هذا المكان، فهذا يعني أن موسى افتتحها قبل وصوله أستورياس ومنطقتها متجهاً إلى جليقية الغربية، حيث افتتح فيها أماكن منها حصن اتخذه موسى مركزًا للقيام بعمليات الفتح وبث السرايا.

موسى وصل بعد ذلك إلى حصن لوك، أصبح حصن لوك مركزًا جديدًا للفتوحات وبث السرايا. فلاطف موسى مغيثًا رسول الخليفة وسأله أن ينظر في أمره إلى أن ينفذ عزمه في الدخول إليها والمسير معه في البلاد أيامًا، ويكون شريكه في الأجر والغنيمة. لما مغيث وصل إلى موسى بن نصير وقال له: الوليد بن عبد الملك يقول لك توقف وتعال لدمشق، موسى بن نصير صار يتلطف مع مغيث، يقول له: طيب، إيش رأيك تصبر شوي علي حتى نفتح جليقية وما حولها، وبعدين خلص برجع أنا وإياك باتجاه الوليد بن عبد الملك. وفعلاً مغيث عاقل وأعطى مساحة لموسى بن نصير أن يكمل بعض الفتوحات التي لا بد منها، لم يستعجل عليه.

ففعل ومشى معه حتى بلغ المفازة، ففتح حصن لوك فأقام هناك وبث سرايا حتى بلغوا صخرة بلاي على البحر الأخضر. غير واضح ما إذا كان حصن لوك هذا هو نفسه مدينة "لوك" التي يذكرها المقري مرتين في نفس الصفحة، يجعلها مرة حصن لوك والثانية مدينة لوك، وهما شيء واحد، وتجد عند المقري في مكان آخر في "نفح الطيب" على أنها مدينة، وحقيقة أحيانًا تسمى المدينة باسم حصنها، يعني تسمى مدينة لوك لأن فيها حصن لوك.

ذكر بعضهم أن حصناً قرب مدينة لوكا، قال في "استوريش" إن مدينة لوكا في جليقيا الغربية، وذكر البعض أن حصن لوكا في مكان، ومدينة لوكا في مكان آخر. وذكر أن لوكا الجليقية هي اسم مدينة لوكا وقاعدة ولايتها، وسميتها المعروفة قديماً باللاتينية.

هذا يعني أن لوكا اسم لولاية في جليقية ولقاعدتها ولحصن فيها، فهو يطلق على أكثر من شيء، لكن مناسبة ذكر المقاربة لمدينة لوكا ليست من خلال إيراد افتتاحها، بل يريد أنه سبق فتحها ذلك حين الحديث عن وصول رسول الخليفة الثاني أبي نصر، الذي أرسله الوليد بن عبد الملك ليعجل بعودة موسى بن نصير، حيث أراد الوليد أن يستعجل قدوم موسى بن نصير ويوقفه. فبعد ما أرسل مغيث، أرسل بعده رسولاً آخر وهو أبو نصر، قال له: قل لموسى بن نصير يتوقف عن الفتوحات ويعود إلى دمشق. هذا هو الرسول الثاني الذي أرسله الوليد بن عبد الملك لإيقاف موسى بن نصير.

قال: توجه عيده من مدينة لوكا، فاتسع نطاق الإسلام بأرض الأندلس وخلد الشرك. وبينما موسى كذلك في اجتهاد الظهور وقوة الأمل، إذ قدم عليه رسول آخر من الخليفة يكنى أبا نصر، أردف به الوليد مغيثاً، فلما استبطأ موسى في القفول -أي لما رأى الوليد أن موسى لم يستعجل في القدوم إليه وأنه أخر عليه- أرسل مبعوثاً آخر.

لعله في سيناريو آخر كان سيفرض حجة ويتفق عليها، لكن الاعتقاد أنه أراد أن يستعجله، فبعث الرسول الأول ثم مباشرة الرسول الثاني حتى يستعجل، خوفاً من أن يجازف موسى بن نصير، فالوليد كان يريد أن يضع كوابح حتى لا يستعجل في مغامرة غير محسوبة يدخل فيها موسى بن نصير.

قال: وكتب إليه ويحكمه بأمره بالخروج، وألزمه رسوله إذا عاجف، فانقلع حينئذ من مدينة لوكا بجليقيا، وخرج على الفج المعروف بفج جي. ومن الممكن أن تكون لوكا هي المدينة ويتبعها حصن يقع في أحد أطرافها أو قريبة منها أو تابعة لها. تقع مدينة لوكا على نهر مينيو. والظاهر أن الحميري قصدها في "الروض المعطر" بقوله إن يناقش بعض القضية، ولكن هذه القضية لا تهمنا فعلياً.

مهما يكن من أمر، فإن الجيش الإسلامي بقيادة موسى افتتح مناطق كثيرة من جليقيا، ضمنها اشتريش. تقدم موسى وطارق بالسرايا حتى وصلوا إلى مرتفعات اشتريش في قمم جبال قنتبريا، بلغوا قمة وعرة عسيرة المنال صعبة المرتقى، سماها المؤرخون المسلمون "الصخرة" أو "صخرة بلاي".

هذا الأمر يهمنا؛ المسلمون ظلوا يفتتحون في جليقيا وبلغوا قمة وعرة، عسيرة المنال صعبة المرتقى، سماها المؤرخون المسلمون باسم الصخرة أو صخرة بلاي. "بلاي" هذا أحد قادة جيش لذريق الذي انهزم في المعركة الأولى، معركة فتح الأندلس، معركة لوكا أو بعد البرباط. لما انهزم هذا الرجل -وهو ليس رجلاً هيناً- انسحب بـثلاثين من جنوده واتجهوا باتجاه شمال إسبانيا نحو هذه الصخرة.

والصخرة هي عبارة عن جبل تسمى صخرة بلاي، وفي داخل هذا الجبل توجد مغارة. جاء هذا القائد "بلاي" مع الذين معه وجلسوا في هذه المغارة وعملوها سكناً كاملاً مع نسائهم وأطفالهم، وكانت المنطقة فيها عسل وشراب وأشياء كثيرة صالحة للحياة، فاستوطنوا داخل هذه المغارة التي بها ممرات، واليوم تعتبر منطقة سياحية كبيرة في إسبانيا، تشعر وكأنها مدينة كاملة داخل هذه المغارة، فهي ليست مغارة صغيرة، بل تجد فيها ممرات وحفر كبيرة.

وصل المسلمون بجيش موسى وطارق بن زياد إليها، لكن الوصول إلى المغارة كان صعباً في منتصف الجبل، وكان عليك أن تحاصر هؤلاء الرجال وتبدأ بالقتال معهم. فالمسلمون بعد حصار عليها فترة من الزمن استقلوا أمرها، وقالوا: "فتحنا كل الأندلس، فماذا عسى أن يفعل ثلاثون رجلاً؟".

فعلاً، بعد تاريخ طويل فعل هؤلاء الكثير. هذه الاستهانة بالصخرة الأخيرة هي التي أوصلتهم؛ لما رأوا أن الحصار طال وأنه ليس العدد الكبير الذي يستحق أن يستنزف جيش المسلمين، قالوا تلك المقولة المشهورة: "ماذا عسى أن يفعل ثلاثون رجلاً؟". هؤلاء الرجال لما رأى القوط المتفرقون الفلول بدأوا يجتمعون تحت قيادة "بلاي"، ومن هنا بدأت المشكلة وبدأ "بلاي" يشكل قوة. كانوا ثلاثين، ثم صاروا مائة مع الوقت، ثم كبروا وصاروا مائتين.

والإمارات الإسلامية عبر الثمانية قرون لم تهتم بهم كثيراً، فبدأوا يعملون غارات على المدن الإسلامية شمال الأندلس. ومع مرور السنين، بالتأكيد ليس "بلاي" هو من أسقط الأندلس، لكنه استطاع أن يؤسس نواة لمملكة نصرانية في شمال الأندلس، كانت بدايتها من هذه المدينة، من هذه الصخرة، من هذه المغارة. أسس مملكة نصرانية صغيرة، وخلال ثمانية قرون توسعت هذه المدينة النصرانية غارة من هنا وغارة من هناك، حتى أصبحت قوة لا يستهان بها مع اختلاف المسلمين أيام ملوك الطوائف، حيث كان كل قائد مسلم يستهدفه القائد المسلم الآخر، فوجدت هذه الدولة مساحة لتتعمق أكثر.

لذا يُقال أحياناً إن هناك خطأً تاريخياً حصل في فتح الأندلس، وهو عدم فتح مدينة "بلاي" وعدم الوقوف عند هذه الصخرة. ومن هنا، في أعلى جبال منطقة "أستورياس" في أقصى الشمال الإسباني، صخرة بلاي -مثل ما ترون يا جماعة الخير- هذه المغارة التي كانت هي الشرارة أو بذرة الممالك النصرانية في...

من هو بلايو؟ ما قصته ومن هم أتباعه؟ وكيف جاء هنا؟ خلوني أول شيء أعطيكم نظرة على المغارة، بعدها بسولف لكم عن قصة بلايو وأتباعه، ثم بطلع أنا وياكم وندخل المغارة، فابقوا معي.

قبل أن أبدأ معكم بقصة بلايو، خلوني أعطيكم نظرة على المكان الذي كان مختفياً فيه هو وأتباعه عن المسلمين. كما ترون، هذه المغارة في أقصى الشمال الإسباني يا جماعة الخير، في أوعر الأماكن. سأضع لكم خريطة تبين لكم مكان صخرة بلايو، ثم أعطيكم قصته وبعدها نطلع ونشوف المغارة.

كما تعرفون يا جماعة الخير، لما فتحت الأندلس، جيوش المسلمين ما تركت مكاناً في هذه الجزيرة الإيبيرية إلا ووصلت إليه، حتى إنهم تجاوزوا جبال البرت لتفصل إسبانيا عن فرنسا. يسمى هذا المكان "كوفادونجا"، وهو مكان صعب ووعر جداً جداً.

في عام 92 للهجرة، لما دخل طارق بن زياد الأندلس، خاض معركة ضد لذريق الذي كان ملك القوط، وتسمى هذه المعركة معركة "وادي لكة"، انتصر فيها طارق بن زياد على جيش لذريق. طارق بن زياد لم يمهلهم، بل دخل وتوجه مباشرة إلى طليطلة عاصمة القوط، لكن كان هناك قائد من النبلاء الكبار اسمه بلايو، هرب عندما هُزم الجيش، ولم يكن هروبه وحده، بل هرب معه 300 رجل.

توجهوا إلى هذه المنطقة في أقصى الشمال الإسباني التي تسمى كوفادونجا، واستقر هو وأتباعه في هذه المغارة. لكن يا جماعة الخير، ما وصلوا إلى هنا إلا وكان معه 30 رجلاً وعشر نساء وبعض الأطفال؛ أي أنهم كانوا 300، ولكن الذين استطاعوا الوصول إلى المغارة كانوا 30 فقط.

طارق بن زياد أرسل وراءه جيشاً لأنه يعرف أن هذا الرجل ليس سهلاً، فبلايو معروف سمعته، فقال للقائد: «اجلبه حياً أو ميتاً». ولما وصل الجيش الذي أرسله طارق بن زياد إلى هذه المنطقة وجدوا عورتها، لكنهم حاصروا بلايو ومن معه.

استقروا في المغارة، فصاروا يتغذون على الماء الموجود بالجبال وعلى العسل الذي يحصلون عليه من الشقوق؛ فصار غذاؤهم عسلاً وماءً. استمر حصار المسلمين لهم لأشهر، فلما طال الحصار، قال واحد منهم قوله المشهور الذي لا يزال يُتداول إلى اليوم: «ماذا عسى أن يفعل 30 علجاً؟»، يقصد ماذا سيفعلون بعد أن استولينا على هذه المناطق كلها وصولاً إلى جبال البرت؟ فكوا الحصار ورجعوا.

بعد حالة الضعف واليأس، صارت عندهم نشوة عالية، فصار بلايو يقوم بالغارات على المناطق القريبة، فسمع به فلول النصارى المتفرقون، فصاروا يستمعون عنده، وهكذا كثر أتباعه، فصاروا يزوجون بعضهم حتى يتقووا ببعض. وبدأت تنشأ الممالك النصرانية في الشمال، ولا يزال الإسبان حتى اليوم يتغنون ببلايو وبنفس المغارة، حيث جعلوا من هذه المدينة معلماً تاريخياً عظيماً للنصارى، واعتبروها شرارة إسقاط الأندلس.

وهذا يدل على أن الإنسان يجب أن يحسب أمره في بعض التفاصيل، وترك بعض الأمور في الحياة تهاون بها قد يؤدي إلى مقتل. لا تستهن بـ 30 ولا بـ 100، «إذا عزمت فتوكل على الله». موسى بن نصير كان يفكر في جنوب فرنسا وجبال البرانس ويتجاوزها، وربما لا يحاسب موسى بن نصير على هذا لأنه لا يعرف ماذا حصل فعلياً؛ فقد يكون طارق بن زياد أرسل سرية كما قال له، ولكن هذه السرية استثقلت الأمر وقالت: «30 رجلاً؟ دعهم، فنحن كل فرنسا وكل إسبانيا في أيدينا». سبحان الله، كيف لبعض التفاصيل التي لا ينتبه لها الإنسان أن تكون قدراً نافذاً، وهي عبرة؛ أن العدو لا يجوز أن تترك منه أحداً ما دمت تستطيع إنهاءه، إن كان هناك شيء يحتاج إلى إتمام فأتمه، لأنك لا تعرف ماذا سيحدث في المستقبل.

البحر الأخضر، وهو نفس البحر الأبيض المتوسط كما قلنا؛ تذكر بعض الدراسات الحديثة أن موسى وصل مدينة "خيخون" على الخليج واتخذها مركزاً لعمليات الفتح، وإذا كانت العبارة السابقة أفادت ذلك، فمهما يكن الأمر، فقد وصل الفاتحون المسلمون بجهادهم إلى هذه الأماكن في جليقية. ونص المقري السابق يدل على أن موسى لم يصل بنفسه إلى الصخرة أو خيخون، بل وصلتها سراياه، فربما التحق بها بعد ذلك.

هل كان اتخاذ هذا المكان مقراً قبل عمليات الفتح في جليقية الغربية أم بعدها؟ إذا اعتبرنا "لوك" اسماً لحصن ومدينة لا علاقة بينهما، فربما تكون سرايا موسى هي التي وصلت، وربما شارف الجيش الإسلامي سواحل الخليج ينظرون إليه، وتتمله نفوسهم المتطلعة وقلوبهم المتفتحة، ويدعون ويسألون الله سبحانه مزيداً من النصر لدعوته، ويرون فيه وفيما أمامها قدرة الله وحكمته.

يقول صاحب "نفح الطيب": «وبث السرايا حتى بلغوا صخرة بلاي على البحر الأخضر»، وهذا يناسب رغبة طارق التي عبر عنها لموسى حين التقى به في المرة الأولى بقوله: «أيها الأمير، والله لا أرجع عن قصدي هذا ما لم أنتهِ إلى البحر المحيط وأخوض فيه بفرسي».

هذا الكلام يذكرنا بموقف مماثل على الجانب الآخر من المحيط لأحد قادة فتح المغرب الإسلامي، وهو عقبة بن نافع، الذي استشهد سنة 63 هـ حين بلغ المغرب الأقصى عند "أغريطوق" (أسفي)، وخاضه بفرسه حتى بلغ نحره، وقال: «يا رب، لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك». وهذه مقولة متواترة عن قادة المسلمين، أنهم كانوا يقولون: «لولا البحر لمضينا وفتحنا ما بعده». نعم، الهمة العالية عند القادة المسلمين الأقدمين.

وقد ورد عن آخرين الشكل التالي: «اللهم أشهد أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك حتى لا يُعبد أحد دونك». ويمكن على هذا اعتبار "الحصن" و"المدينة" شيئاً واحداً، موقع مدينة "لوك" الحالية في جليقية الغربية، وإلا فإن الأمر يعني أن موسى بعد أن فتح هذه الجهات، سار صوب الغرب من جليقية حتى وصل مدينة "لوك" واتخذها مركزاً لجهاده، وقام بنشاط مفتحاً عدداً من...

المدن بالسرايا التي يرسلها حتى وفاة رسول الخليفة الثاني فيها، فاستعادة إما الصخرة أو صخرة بلاي فيما بعد، فتقع في قيم أوروبا في سيل سله جبال قنتبيرية. في أعلى هذه الصخرة توجد مغارة، كهف كوفا دونجا؛ هذا الكهف هي المغارة التي كان فيها بلاي، هكذا اسمها كوفا دونجا.

جالت الفتوحات في هذه المنطقة كما جالت في جليقية الغربية، لكن ليس لدينا تفصيلات عن مواقع وأحداث هناك. غير بعيد أن المسلمين جالوا في كل تلك المناطق، فتحوا معظم إسبانيا الشمالية وتركت فيها حاميات، لكن لا يبدو أنها حاميات جنود على المدن المفتوحة، ولا يبدو أنها صفت وطهرت من الجيوب. أكيد واضح أن شمال إسبانيا لم يتم تطهيرها من كل النصارى، ففي جيوب بقيت للنصارى في الجبال.

قال: كان منها تجمع الصخرة في كوفا دونجا، كان أشهر تجمع وأخطر هو تجمع الصخرة كوفا دونجا، التي هي صخرة بلاي. قال: التي حالت وعورتها وقلة من فيها، مما جعل الفاتحين دون متابعتها وحملت على تركها. الظاهر أنه لم يتم مسح الشمال الإسباني بتمامه، وإن كان فتح الشمال إلى تلك المناطق كلها عموما.

يقول ابن خلدون: وتم ماموس الفتح وتوغل في الأندلس إلى برشلونة في جهة الشرق، وأربونا في الجوف، والصنم المشبه بصنم قادس في الغرب. أورد بعض المؤرخين أنه لم يبقَ دون فتح من أرض جليقية غير الصخرة التي واجهوها وعصت عليهم، وربما هنالك ما لم يواجهوه من الجيوب، لا يتعلق ما يبدو بأيام الفتح الأولى بل بأيام الولاة كما سيتبين.

إذن المنطقة التي استعصت عليهم فعليا هي منطقة الصخرة، هناك مناطق أخرى ربما ما كانوا أصلا في زمن موسى مكتشفين أن فيها جيوب، اكتشف فيها جيوب بعد ذلك أيام الولاة الذين سيأتون بعد حقبة موسى بن نصير، وواجه المسلمون فيها صعوبة. كرس جزء من جهاد المسلمين في عصر الولايات الاستكمال بفتح مناطق في جبه شبه الجزيرة الإيبيرية.

ثم كان استدعاء الخليفة لموسى وطارق إلى دمشق، فلم يكن بد من العودة وتوقفت عمليات الفتح. لكن لماذا لم يعهد موسى بتمام الفتح في الشمال الإسباني إلى غيره أو إلى والي الأندلس من بعده إن كان قد بقي فيها ما لم يفتح حينها؟ السؤال هو: هل موسى بن نصير لما تم استدعاؤه إلى دمشق لماذا لم يعهد إلى أحد القيادات بعده أن يكمل الفتوحات؟ هل لأنه أصلا ما بقي شيء في الأندلس غير مفتوح؟ هذا أحد السيناريوهات.

قال: لعل عدم القيام به بشكل رسمي تكليفي يشير إلى أنه بقي القليل في الشمال الإسباني دون فتح، أو أنه بقيت مناطق قليلة موسى لم يهتم كثيرا بفتحها. قال: لكنه ترك ابنه عبد العزيز واليا يقوم بما تقتضيه أحوال البلاد من الدعوة إلى الإسلام، وإتمام عمليات الفتح، وتنظيم البلاد، وإصلاح الأحوال، وإجراء التغيير الذي يقتضيه دخول إسبانيا حوزة الإسلام.

إنجاز ليس سهلا بحال، لعل أحد الأمور التي أثار لها اهتمام ابنه متابعة الفتح وإقرار الأحوال في شبه الجزيرة الإيبيرية، لا سيما وأن عبد العزيز على ما يبدو لم يكن في صحبة أبيه خلال جهاده في الشمال. نقول نحن عبد العزيز كان يجاهد الجنوب والشرق، أما في الشمال الإسباني كان الجهاد بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد.

اليوم نقتصر على الفصل الثاني، انتهينا منه ونبدأ إن شاء الله الدرس القادم، ليس الأسبوع القادم بل الذي يليه، في الفصل الثالث إن شاء الله. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.