دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام لابن دقيق - 4 - الحديث الأول من المسألة السادسة حتى نهاية الحديث

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

هذا هو اللقاء الرابع في التعليق على كتاب إحكام الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وكنا قد توقفنا عند المسألة السادسة في الحديث الأول، حديث عمر رضي الله عنه: إنما الأعمال بالنيات.

قال رحمه الله: السادس: قوله صلى الله عليه وسلم: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، يقتضي أن من نوى شيئاً يحصل له، وكل ما لم ينوِهِ لم يحصل له. ويدخل تحت ذلك ما لا ينحصر من المسائل. ومن هذا عظموا هذا الحديث، فقال بعضهم: يدخل في حديث الأعمال بالنيات ثلث العلم. فكل مسألة خلافية حصلت فيها نية، فلك أن تستدل بهذا الحديث على حصول المنوي، وكل مسألة خلافية لم تحصل فيها نية، فلك أن تستدل بهذا على عدم حصول ما وقع فيه النزاع، وسيأتي ما يقيد به هذا الإطلاق. وإذا جاء دليل من خارج يقتضي أن المنوي لم يحصل، أو أن غير المنوي حصل وكان راجحاً، عمل به وخصص هذا العموم.

هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن جملة: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، فيقول: إنه تقتضي هذه الجملة أن من نوى شيئاً يحصل له، وكل ما لم ينوِهِ لم يحصل له. ووجهها الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح يقول: يعني من نوى شيئاً يحصل له، يعني إذا عمله بشرائطه، يشمل أمرين: يشمل إذا عمله، يعني نوى وعمل، سيحصل له ما قد نوى، وكذا يقول: أو حال دون عمله ما يعذر شرعاً بعدم عمله؛ فلو أنه نوى شيئاً لكنه لم يحصل له ذلك لظرف طارئ عليه، فانه يحصل له ما نواه. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لما رجعوا من غزوة تبوك: «إن بالمدينة رجَالًا، ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم العذر»، هذا دليل على أن من نوى الشيء ثم لم يحصل له هذا لعارض، فانه يكتب له أجر النية.

قال: وكل ما لم ينوه لم يحصل له، يعني لم ينوه مطلقا لا خصوصا ولا عموما، فانه لا يحصل له هذا الذي لم ينوه. أما، وهذا يستدل على هذا يستدل بهذا الحديث عليه، أما إذا حصلت منه نية عامة، فهذا مما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ يعني مثل لو أن شخصاً جاء ليصلي صلاة الظهر، المذهب مثلاً عند الحنابلة رحمه الله أنه لابد من نية التعيين، ينوي أنها صلاة الظهر، لكن لو أنها عزبت عن خاطري هذه النية ونوى الوقت، هل يجزئي أو لا؟ عند الحنابلة أن هنا يجزئي... وهناك قول في المذهب أنه يجزئي. المهم الذي أصل إليه أن كلام المؤلف رحمه الله تعالى هنا إذا لم ينوي مطلقاً، لكن إذا كانت هناك نية عامة فهذا مما يقع فيه الخلاف من المسائل. إذاً هذا الحديث يدخل تحته مسائل كثيرة طبق عليها، كل ما وجد ما شرطت فيه النية، أو أنه استيقظ في كمال النية، إذا نواه حصل له، وإذا لم ينوه لم يحصل له.

ولذلك يقول: قال بعضهم يدخل في حديث الأعمال بالنيات ثلث العلم، وهذا لأنه يدخل تحته مسائل كثيرة جداً. يعني العلماء رحمهم الله تعالى في وجه كونه ثلث العلم، كونه بمثابة ثلث هذا منقول عن جمع من أهل العلم رحمهم الله تعالى كالامام أحمد والشافعي وغيرهم رحمهم الله تعالى، البيهقي رحمه الله ذكر أن وجه كونه ثلث العلم أن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، القلب واللسان والجوارح، فالنية أحد أقسامها الثلاثة؛ لأنها تتعلق بالقلب، فهذا وجه كونه ثلث العلم. المنقول عن الإمام أحمد رحمه الله مفهوم عن أنه... لم يرد... يعني هذا وجه ثاني في كونه ثلث العلم، الإمام أحمد رحمه الله ذكر أن الدين يدور على ثلاثة أحاديث: حديث هذا «إنما الأعمال بالنيات»، وحديث عائشة: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وحديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه: «إن الحلال بين وإن الحرام بين».

وبين شيخ الاسلام رحمه الله تعالى وجه ذلك بأن الدين فعل وترك، وحديث النعمان هذا يدل على الترك، النقط المشتبهات المحرمات، حديث النعمان إذاً يدل على الترك. والفعل إما فعل ظاهر أو فعل باطن، وحديث عائشة «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» هذا في الفعل الظاهر، وحديث عمر في الفعل الباطن، فهذا وجه عد الإمام أحمد رحمه الله تعالى له ثلث العلم.

قال: فكل مسألة خلافية حصلت فيها النية، لك أن تستدل بهذا على المنوي، وكذلك بالعكس، يعني يقصد أنه لو وجدت مسألة خلافية، مثلاً عندنا اشتراط الطهارة اشتراط النية لحصول الوضوء، هل تشترط أو لا تشترط؟ عندنا الجمهور على أنه يشترط، الحنفية رحمه الله تعالى يرون أن النية ليست شرطاً. هنا يقول: لو أنه نوى وتوضأ فهنا يقول، فهنا يقول: إذا نوى فإن... يعني من يقول باشتراط النية فانه يستدل بهذا الحديث: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، فما دام أنه لم ينوي فانه لا يحصل له ذلك. بالعكس: كل مسألة خلافية لم تحصل فيها النية، لك أن تستدل بهذا على عدم حصول ما وقع فيه من نزاع، مثلاً اشتراط التعيين في الصلاة من يقول مثلاً إنه لابد فيها من نية فيستدل بهذا.

قال: فان جاء، وسيأتي ما يقيد بهذا الإطلاق، قال: فان جاء دليل خارج يقتضي أن المنوي لم يحصل أو أن غير المنوي يحصل وكان راجحاً، عمل به فخصص هذا العموم. يعني أحياناً يأتينا دليل يقتضي أنه يحصل للشخص غير ما نوى، فنقول: هذا مخصص لهذا الحديث، لا نقول: تبطل دلالة هذا الحديث، لا، نقول: تبقى دلالة هذا الحديث على عمومه، ويكون الحديث الآخر مخصصاً؛ يعني مثل حديث شبرمة، حديث الذي لبى عن شبرمة، ابن عباس في الذي لبى عن شبرمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال... حديث: «عن نفسك؟»، قال: لا، قال: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة»، وفي رواية: «هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة». هو نوى عن غيره فوقع الحج عن نفسه، فلا نقول إن هذا يبطل دلالة حديث عمر، لا، نقول: دليل حديث عمر يبقى على عمومه، وحديث ابن عباس فيمن حج عن شبرمة يكون مخصصاً.

حسن الله إليكم. السابع: قوله صلى الله عليه وسلم: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله». اسم الهجرة يقع على أمور: الهجرة الأولى إلى الحبشة عندما أذى الكفار الصحابة رضي الله عنهم، الثانية من مكة إلى المدينة، الهجرة الثالثة: هجرة القبائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتعلم الشرائع ثم يرجعون إلى المواطن ويعلمون قومهم، الهجرة الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى مكة، الهجرة الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه. ومعنى الحديث بحسبه يتناول الجميع، غير أن السبب يقتضي أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنهم نقلوا أن رجلاً هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، فسمي مهاجر أم قيس، ولهذا خص في الحديث ذكر المرأة دون سائر ما تنوى به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية، ثم أتبع بالدنيا.

أحسنت. هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يشمله لفظ الهجرة، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. ما يشمله لفظ الهجرة أن الهجرة تقع على أمور، يعني الهجرة الشرعية التي وردت في النصوص تقع على أمور: الهجرة من مكة إلى الحبشة قبل هجرته إلى المدينة، ثم الهجرة إلى المدينة، أيضاً هجرة القبائل للنبي صلى الله عليه وسلم لتعلم الشرائع، الذين يفيدون إلى المدينة لتعلم الشرع ثم يرجعون إلى قومهم، أيضاً هجرة من أسلم من أهل مكة ثم يرجعون إلى قومهم، والهجرة الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه. فكلها جاءت في النصوص مسماة هجرة، فكلها يشمل هذا الحديث على العموم.

طيب، يقول: لكن سبب الحديث، سبب ورود الحديث يقتضي أن هذا الحديث خاص، أو أنه يعني يراد به إيراداً أولياً أو دخولاً أولياً: الهجرة من مكة إلى المدينة. وذكر سبب ورود الحديث أن رجلاً هاجر من مكة إلى المدينة لكي يتزوج امرأة تكنى أم قيس، فسمي مهاجر أم قيس. وهذه، وذكر هذا السبب اشتهر عند الشراح، وذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله في جامع العلوم والحكم أن... أنه لم يرد لذلك أصل بإسناد يصح. والحافظ في الفتح رحمه الله تعالى حافظ ابن حجر لما ساق حديث مهاجر أم قيس ونسبه إلى سعيد بن منصور وإلى الطبراني، وصحح إسناد الطبراني على شرط الشيخين، لكن قال بعده: ليس فيه أن حديث الأعمال اللي هو حديثنا مع الأعمال بنيات بسبب ذلك، ولم أرَ شيئاً في شيء من الطرق ما يقتضيه التصريح بذلك، هكذا ذكره الحافظ رحمه الله تعالى في الفتح.

السيوطي رحمه الله له كتاب وش نتكلم بعدك عنه، له كتاب في أسباب ورود الحديث اسمه اللمع، بدأه بحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، عزى... عزى هذا السبب إلى إلى كتاب الزبير بن بكار أخبار المدينة، لكن ليس فيه... ليس فيه ذكر أن المرأة تكنى أم قيس، وهذا الحديث منكر لا يصح، وفيه إرسال، لكن كذا ذكره السيوطي ومن بعده ابن حمزة الحسيني في البیان في الحديث. فنقول إن... وعلى كل حال، وعلى كل حال حتى لو صح، حتى لو صح هذا السبب، فان العبرة في عموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن السبب يعين على فهم المراد من الحديث.

أحسن الله إليك. الثامن: المتقرر عند أهل العربية أن حرف الجزاء والمبتدأ والخبر لابد وأن يتغايرا، وها هنا وقع الاتحاد في قوله صلى الله عليه وسلم: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله». وجوابه أن التقدير: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصداً، فهجرته إلى الله ورسوله حكماً وشرعاً.

أحسنت. يعني هنا ذكر إشكالاً وأجاب عنه. يعني عندنا الأصل في اللغة العربية أن الشرط يختلف عن الجزاء، فلا تقول مثلاً: من نجح نجح، أو: إذا رأيت فلاناً رأيته، ما يفيدنا شيئاً، الأصل أنهما يختلفان. طيب، فهنا ما اختلف، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ما اختلف. الجواب نقول: وإن لم يختلفا في اللفظ، إلا أنهما اختلفا في المقصد، مقصده بالجملة الجملة الشرطية: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، يعني نية وقصداً، فمن كانت في نيتي وقصدي أن تكون هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، يعني ثواباً وجزاءً على ذلك. الأولى هي الفعل... يعني نية الفعل، والثانية هي الجزاء.

أحسن الله إليكم. التاسع: شرع بعض المتأخرين من أهل الحديث في التصنيف في أسباب الحديث، كما صنف في أسباب النزول للكتاب العزيز. توقفت من ذلك على شيء يسير له، وهذا الحديث على ما قدمنا من الحكاية عن مهاجر أم قيس واقع على سبب يدخله في هذا القبيل، وتنضم إليه نظائر كثيرة لمن قصد تتبعه.

أحسنت. هنا يتكلم رحمه الله عن شيء من مما اصطلح على... على ذكره في كتب علوم الحديث، وهو التأليف في أسباب الحديث، في أسباب ورود الحديث. يقول: إن هذا الحديث له سبب، وجيد لو جمع، وذكر أن بعض المتأخرين في زمنه يعني جمع جمعاً يسيراً ولم يسمِ هنا، والحقيقة أنه وجد قبل زمنه من ألف في أسباب الحديث، لكن لعل المؤلف رحمه الله لم يقع... لم يقف على شيء من ذلك.

السيوطي رحمه الله قال في ألفيته في علوم الحديث: الأول من قد ألف الجوباري العقبري في سبب الآثار، وهو كما في سبب القرآن مبين للفقه والمعاني، مثل حديث: «إنما الأعمال»، سببه فيما رووا وقالوا: مهاجر لأم قيس كي نكح، من ثم ذكر امرأة فيه صلح.

ذكر أول من ألف قال: الجوباري، العكبري الجوباري، وأبو محمد أبو... أبو حامد محمد ابن كرناه، وقيل كزنا بالزاي. الجوباري متوفى سنة... ثمانين بعد الخمس مئة. قال في العكبري، العكبري لمن هو المقصود؟ إذا قلنا إنه متأخر عن الجوباري، ويحتمل أنه أبو البقاء العكبري، وأبو البقاء العكبري هذا متوفى سنة ست مئة ستة عشر، وهو من الحنابلة وله اهتمام كبير باللغة، له كتب مطبوعة في اللغة، لكن... يعني من ألف في ترجمتها مثل... مثل ابن رجب في ذيل الطبقات وغيره، لم يذكروا له هذا الكتاب، وطبعا ليس من...

ليس من شرطهم الاستقصاء، لكن المرادي في سلك الدرر في أيام القرن الثاني عشر لما تكلم عن ابن حمزة الحسيني، الذي هو صاحب كتاب البيان والتعريف بعد قليل، ذكر أنه لخصه من كتابة بالبقاء العضوي. والحقيقة يعني لا أعلم توصل بهذه المعلومة ولا ولم يوجد في كتاب الشريف الحسيني ذكر بابي البقر، لكن ذكر في مقدمته أن أبا حفص العكبري هذا الشريف الحسيني ذكر أن أبا حفص العكبري له كتاب أسباب الحديث.

أبو حفص العكبري هذا متقدم، تقدم على الجوباري، وهو من تلاميذ عبد الله بن أحمد، يعني من الحنابلة المتقدمين جداً. ابن حجر في نزهة النظر ذكر أن من ألفه أبو حفص هذا المتوفى سنة ثلاث مئة وسبعة وثمانين من شيوخ أبي يعلى، فلعله يعني وهم فيه المرادي. ذكر أن الحسيني لخص كتابه من كتاب هذه البقالة، لأن الحسيني ذكر في مقدمته أن ابن حجر رحمه الله لم يقف على كتاب أبي حفص العكبري، وإنما وقف على منتقيات من هذا الكتاب.

فلعله وذكر الحسيني أنه لم يقف على من ألف تأليفا مفردا سوى السيوطي، سنتكلم عنه بعد قليل، وقال إنه المنية ولم يتمه فكتب فيه الحسيني. ابن العطار ذكر أن، طبعا أبو الحجر لما ذكر أن أبا حفص ألف فيه قال لعل، وذكر كلاما دقيقا هنا، أنه رأى بعض المتأخرين فقال لعله لم يقف على ختام أبي حفص العكبري. ابن العطار نسب ابن الجوزي كتابا فيه أسباب ورود الحديث، ابن رجب في ذيل الطبقات نسب للناصح الحنبلي المتوفى سنة ست مئة وأربعة وثلاثين كتابا في أسباب الحديث، وهنا كله متقدمون على العيد رحمه الله تعالى.

إذا كنا هذه لم يوقف عليها المطبوع من الكتب كانت بعد ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى وأشهرها كتابان، رحمه الله وهو الذي قال الحسيني أنه مات ولم يتمه ذكر نحو من مئة حديث، والحسيني وهو أضخم منه، وكتاب نفيس استفاد من السيوطي وغيره، رحم الله الجميع.

نعم. أحسن الله إليك.

العاشر: فرق بين قولنا من نوى شيئا لم يحصل له غيره، وبين قولنا من لم ينوي الشيء لم يحصل له، والحديث محتمل للأمرين، أعني قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، وآخره يشير إلى المعنى الأول، قوله: «ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه».

أحسنت. يقول: فرق بين قولنا من نوى شيئا لم يحصل له غيره، وبين قولنا من لم ينوي الشيء لم يحصل له. من نوى شيئا، يعني مثلا هذا الأمر محتمل لعدة نوايا، يعني مثلا لو أراد شخص أن يصوم يوم عاشوراء هذه السنة يوم الاثنين، فلو صام يوم عاشوراء واستحضر، ولم يستحضر في نيته أنه يوم الاثنين، فهنا نقول نوى صوم يوم عاشوراء فيحصل له هذا الأجر أجر عاشوراء، ولا يحصل له أجر صوم يوم الاثنين لأنه لم ينوه.

طيب، قولنا من لم ينوي الشيء لم يحصل له، يعني صام ولم ينوي شيئا أو ليس صوما، فعل شيئا، فعل شيئا لكنه لم ينوي التقرب إلى الله تعالى. مثلا، أزال أذى عن الطريق، لكن لم ينو به التقرب لله، يعني وهو يمشي دفعه برجله فأزاله عن الطريق لكن لم يحتسبه فهما، فلم يحصل له. فيقول: هل الحديث يدل على هذا أو على هذا؟ يقول: محتمل للأمرين، لكن يقول إن آخره يشير إلى المعنى الأول، يعني في قوله: «وكانت هجرته إلى الدنيا يصيبها أو امرأة فهجرته إلى ما هاجر إليه»، يشير إلى أن من نوى شيئا واحدا فانه لا يحصل له لا يحصل له غيره، يعني مثلا لو هاجر ولم ينوي إلا هذه الدنيا، لم ينوي قصدا آخر حسنا فإنه لا يحصل له إلا هذه، إلا ما نواه، إلا ما نوى.

وهنا في قوله: «ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»، صرح بما هاجر إليه، لكن الثقلة الثانية ومن كانت هجرته إلى الدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ما قال فهجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة، عندما قال: «فهجرته إلى ما هاجر إليه».

يقول الفاكهاني رحمه الله: وسر ذلك والله أعلم الإعراض عن تكذيب ذكر الدنيا والغض منها وعدم الاحتفال بأمرها، وذلك مناسب لما قيل من أحب شيئا أكثر من ذكره، وهو عليه الصلاة والسلام من أبعد الناس عن حبها، وهذا معنى لطيف.

تعرف هذا جواب لطيف، ابن ملكن رحمه الله انتقد هذا الجواب، من أراد الرجوع له في انتقاده، لكن هو معنى حسن وأشار إليه أيضا أو إلى نحو منه ابن رجب رحمه الله تعالى. وبهذا تم الكلام على الحديث الأول، ونقف على هذا، نسأل الله للجميع بالتوفيق والسداد، صل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.