دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام لابن دقيق -3 - الحديث الأول من المسألة الثانية - الخامسة ش عبدالله الميمان

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الثاني كلمة إنما للحصر على ما تقرر في الأصول، فإن ابن عباس رضي الله عنهما فهم الحصر من قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الربا في النسيئة»، وعورض بدليل آخر يقتضي تحريم ربا الفضل، ولم يعارض في فهمه للحصر، وفي ذلك اتفاق على أنها للحصر. ومعنى الحصر فيها إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، وهل نفيه عما عداه بمقتضى موضوع اللفظة أو هو من طريق المفهوم؟ فيه بحث.

هنا يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن لفظة إنما الواردة في أول الحديث: إنما الأعمال بالنيات، فيقول: إنها للحصر وفسر الحصر بقوله: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، يعني أنه يثبت الحكم لهذا المذكور الذي هو يثبت الأعمال بوجود النية. يثبت العمل بوجود النية، هل كمال العمل، صحة العمل، وجود العمل؟ هذا سيأتينا إن شاء الله، فإذا لم توجد النية لم يوجد ما علق عليها من صحة أو كمال أو وجود. يقول: على ما تقرر في الأصول، وهذا يقرره الأصوليون رحمهم الله تعالى واللغويون أيضا أن إنما تفيد الحصر. ثم استدل على ذلك من تصرف الصحابة رضي الله تعالى عنهم، يقول: كان وقع خلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم في ربا الفضل، وهل يحرم ربا الفضل كما يحرم ربا النسيئة؟ فابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان يرى أنه لا يحرم إلا ربا النسيئة، وحصلت مناقشة بينه وبين بعض الصحابة، فاستدل ابن عباس رضي الله عنهما بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الربا في النسيئة» على أن إنما هنا تفيد الحصر.

الصحابة رضي الله عنهم ما ناقشوه في دلالة إنما على الحصر، وإنما ناقشوه بوجود أدلة أخرى تقتضي تحريم ربا الفضل، كحديث عبادة بن الصامت وحديث أبي سعيد وغيرها من الأحاديث التي تدل على تحريم ربا الفضل. قال: وفي ذلك اتفاق على أنها للحصر، يعني أن الصحابة رضي الله عنهم وهم أهل اللغة متفقون على أن إنما تفيد الحصر. ثم تكلم عن مسألة أخرى، وهي هل إفادة إنما للحصر بطريق المنطوق الذي هو قال بمقتضى موضوع اللفظ؟ يعني بدلالة منطوقها، هل إنما منطوقا تفيد الحصر أو هي بدلالة المفهوم؟ يقول: فيه بحث. فيه خلاف بين الأصوليين هل دلالة إنما على الحصر بطريق المنطوق أو بطريق المفهوم؟ لكنهم متفقون أو نقول هو قول غالب الأصوليين أو جمهور الأصوليين على أن إنما تفيد الحصر، بل قال شيخ الإسلام رحمه الله أن هذا يعني إفادة إنما للحصر: هذا مما يعرف بالاضطرار من لغة العرب. فمن قرأ كلام العرب يعلم أنهم يستعملون إنما لإفادة الحصر، لكن هل تدل بمنطوقها أو بمفهومها؟ هذا بمفهوم السياق تدل على الحصر، هذا محل خلاف بينهم.

الثالث: إذا ثبت أنها للحصر فتارة تقتضي الحصر المطلق وتارة تقتضي حصرا مخصوصا، ويفهم ذلك بالقرائن والسياق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: 7]، وظاهر ذلك الحصر للرسول صلى الله عليه وسلم في النذارة، والرسول لا ينحصر في ذلك، بل له أوصاف جميلة كثيرة كالبشارة وغيرها، ولكن مفهوم الكلام يقتضي حصره في النذارة لمن لا يؤمن ونفي كونه قادرا على إنزال ما شاء الكفار من الآيات.

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي»، معناه حصره في البشرية بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم لا بالنسبة إلى كل شيء، فإن للرسول صلى الله عليه وسلم أوصافا أخرى كثيرة. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الأنعام: 32]، يقتضي والله أعلم الحصر باعتبار من آثرها، وأما بالنسبة إلى ما هو في نفس الأمر فقد تكون سبيلا إلى الخيرات أو يكون ذلك من باب التغليب للأكثر في الحكم على الأقل.

فإذا وردت لفظة إنما فاعتبرها، فإن دل السياق والمقصود من الكلام على الحصر في شيء مخصوص فقل به، وإن لم يدل على الحصر في شيء مخصوص فاحمل الحصر على الإطلاق، ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، والله أعلم بالمراد.

هنا يتكلم لما ذكر في المسألة الثانية أنها تفيد الحصر، قال هنا إنما أحيانا يتكلم عن لفظة إنما بغض النظر عن الحديث، يقول: إنما أحيانا تفيد الحصر المطلق وأحيانا تفيد الحصر المخصوص. طبعا الحصر المطلق هو الذي يعبر عنه العلماء من أهل البلاغة وغيرهم بقولهم الحصر الحقيقي، والحصر المخصوص هو الذي يقولون الحصر الإضافي، والحصر الحقيقي يعني أنه الذي يدل على الحصر المطلق بجميع وجوهه، والحصر الإضافي يعني بالنسبة لشيء معين.

قال: ويفهم ذلك بالقرائن والسياق، ومثل ذكر ثلاثة أمثلة على الحصر الإضافي، مثال على الحصر الحقيقي مثلا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: 171]، فحصر الألوهية الحقة في ذاته العلية سبحانه وبحمده، فلا يستحق العبادة إلا هو، يعني حصر استحقاق العبادة في الله تعالى، هذا حصر حقيقي.

الحصر الإضافي هنا ذكر ثلاثة أمثلة؛ المثال الأول: إنما أنت منذر، فحصر الرسول صلى الله عليه وسلم في النذارة. يقول: الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينحصر في النذارة، عنده صفات أخرى كالبشارة وغيرها والتبليغ ونحو ذلك، قال: لكن مفهوم الكلام حصر في النذارة لمن لا يؤمن، وفي بعض النسخ لمن يؤمن بدون لا، والموجود في النسخ الخطية لمن لا يؤمن، وهو الموجود أيضا في كلام من نقل عن ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، كالفاكهاني في شرحه وابن الملقن في شرحه، وعلى كل المعنيان صحيحان، يعني بإثبات لا وحذفها، لأن لكليهما نظير من القرآن.

فإذا قلنا حصر النذارة لمن لا يؤمن، فهذه نظيرها في أول سورة الكهف: وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا، وإذا قلنا لمن يؤمن فهذه نظيرها في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: 45]. فإذا قلنا النذارة لمن لا يؤمن يقصد أنها هي أعظم الوصف الغالب على تعامله صلى الله عليه وسلم مع الكفار ومن لا يؤمن به، وإذا قلنا لمن يؤمن فإنما حصرت النذارة فيمن يؤمن لأنهم هم المنتفعون بها. فأقول: كلا المعنيين صحيحان، لكن الموجود في النسخ هو كما قرأه القارئ لمن لا يؤمن، فيقول مفهوم الكلام يقتضي حصر النذارة لمن لا يؤمن ونفي كونه قادرا على إنزال ما اقترحه الكفار أو ما شاء من الآيات، وهذا وجه الحصر، فهو مجرد منذر مرسل من عند الله للإنذار ليس هو المتحكم في إنزال الآيات على ما شاءه أو ما اقترحه الكفار.

المثال الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر»، فحصر نفسه في البشرية، لكن هل له أوصاف أخرى؟ نعم له أوصاف أخرى، وليست له صلى الله عليه وسلم أوصاف البشرية في كل شيء، عنده أوصاف خاصة بكونه نبيا صلى الله عليه وسلم، لكن حصر نفسه في البشرية في جزئية معينة، وهي في الاطلاع في هذا السياق أقصد في الاطلاع على بواطن الأمور؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ذكره في سياق أنه لا يحكم بالوحي وإنما يحكم بما يسمع، «إنما أنا بشر وأنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض».

أيضا المثال الثالث: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو، أيضا هذا يقتضي ذكر وجهين، إما أنه حصرها في اللعب واللهو هذا باعتبار من آثرها، فهي لعب ولهو ولن يستفيد منها شيئا، يقول: أما بالنسبة إلى ما هو في نفس الأمر فقد تكون سبيلا إلى الخيرات، فهي للمؤمن سبيل للاستزادة من الخيرات، أو يكون ذلك وهذا وجه ثاني أن هذا من باب التغليب للأكثر بالحكم على الأقل.

ثم ذكر لك القاعدة: متى نحمل إنما على الحصر الحقيقي ومتى نحملها على الإضافي؟ هل الأصل أن نحملها على الحصر الحقيقي أو الأصل أن نحملها على الحصر الإضافي؟ فهنا يقول: فإذا وردت لفظة إنما فاعتبرها، انظر فيها، إن دل السياق والمقصود من الكلام أن الحصر في شيء مخصوص فقل به، يعني إذا كان هناك ما يقتضي تخصيصها بأمر معين فتكون من باب الحصر الإضافي، فإنك تحمله على الحصر الإضافي، أما إذا لم يكن هناك قرينة فإنك تحمله على الأصل، فالأصل إذا أن يكون حصرها حصرا حقيقيا، فلا نحمله على الحصر الإضافي إلا إذا وجدت قرينة. وهنا يقول: فاحمل الحصر على الإطلاق إن لم يدل على الحصر في شيء مخصوص، ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، فإنها تحمل على الحصر الحقيقي.

الخامس: ما يتعلق بالجوارح والقلوب قد يطلق عليه عمل، ولكن الأسبق إلى الفهم تخصيص العمل بأفعال الجوارح، وإن كان ما يتعلق بالقلوب فعلا للقلوب أيضا. ورأيت بعض المتأخرين من أهل الخلاف خصص الأعمال بما لا يكون قولا وأخرج الأقوال من ذلك، وفي هذا عندي بعد، وينبغي أن يكون لفظ العمل يعم جميع أفعال الجوارح، نعم لو خصص بذلك لفظ الفعل لكان أقرب؛ فإنهم استعملوهما متقابلين فقالوا الأفعال والأقوال، ولا تردد عندي في أن الحديث يتناول الأقوال أيضا والله أعلم.

هنا يتكلم عن الأعمال، انتهى من الكلام عن إنما، الآن يتكلم عن الأعمال. هل الأعمال خاصة بأعمال الجوارح؟ أو معها أعمال الجوارح والقلوب؟ أو نقول أيضا تشمل أعمال الجوارح والقلوب واللسان التي هي الأقوال؟ هنا قال لك: ما يتعلق بالجوارح والقلوب قد يطلق عليه عمل، يعني عندنا هذا المعنى اللغوي للأعمال أنها تشمل أعمال الجوارح والقلوب ومنها اللسان أيضا فهو من الجوارح، فهي تشمل الكل، هذا المعنى اللغوي.

لكن عندنا معنى عرفي هو الأسبق إلى الفهم، أن العمل يخص بأعمال الجوارح فتخرج أعمال القلوب، يعني أعمال الجوارح بما فيها اللسان، فهذا معنى عرفي وإن كان ما يتعلق بالقلوب فعلا للقلوب أيضا، فهو معنى دلت اللغة على أنه عمل، لكن العرف في الإطلاق في المتبادر إذا أطلق قول عمل فإن المتبادر إلى الفهم أنه عمل بالجوارح الظاهرة ولا يشمل عمل القلوب، وإن كان كما قلنا أنه لغة وكذلك شرعا، وكذلك شرعا دلت دلائل من الشريعة على أن عمل القلب يسمى عملا يدخل في مسمى العمل، ولذلك لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله»، والإيمان يدخل فيه عمل القلب.

ذكر قولا لبعض المتأخرين في زمنه يقول أنه هذا نسينا أن نقول قولا ثالثا، إنه أخرج القول من مسمى العمل، يقول: رأيت بعض المتأخرين من أهل الخلاف خصص الأعمال بما لا يكون قولا وأخرج الأقوال من ذلك، يعني ما اكتفى بأعمال القلوب بل أخرج أيضا أعمال اللسان وخصصها بأعمال الجوارح، قالوا: في هذا عندي بعد، لأن الأصل أن قول اللسان يعتبر عملا، وينبغي أن يكون لفظ العمل يعم جميع أفعال الجوارح بما فيها اللسان.

لكن قال الآن: نعم لو خصص بذلك لفظ الفعل لكان أقرب، يقول: العمل غير الفعل في الإطلاقات، قول الفعل هو الذي نقول صحيح، الفعل لا يدخل فيه القول لكن العمل يدخل فيه القول، يقول: لو خصص بذلك لفظ الفعل لكان أقرب، لماذا أقرب؟ قال: فإنهم استعملوهما أي لفظ الفعل والقول متقابلين فقالوا الأفعال والأقوال، فلو قال إن الفعل عند الإطلاق لا يشمل القول يقول: هذا لكان هذا أقرب، لكن العمل لا، العمل نقول مشمول بالأقوال، قال: ولا تردد عندي في أن الحديث يتناول الأقوال أيضا لأنها مشمولة بلفظ العمل.

الأحسن إليكم. الخامس: قوله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنيات» لا بد فيه من حذف مضاف، واختلف الفقهاء في تقديره؛ فالذين اشترطوا الننية قدروه صحة الأعمال بالنيات أو ما يقاربه، والذين لم يشترطوها قدروه كمال الأعمال بالنيات أو ما يقاربه. وقد رجح الأول بأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى، لأن ما كان ألزم للشيء كان أقرب إلى خطوره بالبال عند إطلاق اللفظ، فكان الحمل عليه أولى. وكذلك قد يقدرونه

إنما اعتبار الأعمال بالنيات. وقد قرب ذلك بعضهم بنظائر مثل كقولهم: إنما الملك بالرجال، أي قوامه ووجوده. وإنما الرجال بالمال، وإنما المال بالرعية، وإنما الرعية بالعدل. كل ذلك يراد به أن قوام هذه الأشياء بهذه الأمور.

أحسنت. هنا يتكلم عن إنما الأعمال بالنيات. هنا ما تقديره؟ هنا لا بد فيه من حذف مضاف. من حذف مضاف، يعني الأعمال بالنيات، هل نقول صحة الأعمال أو كمال الأعمال؟ يقول اختلفوا في تقدير هذا المضاف. وبنى اختلافهم في اشتراط النية. يقول فالذين اشترطوا النية قدروا صحة الأعمال بالنيات، يعني يقولون إنما صحة الأعمال بالنيات، فإذا وجدت النية صح العمل، وإذا لم توجد النية لم يصح العمل.

والذين لم يشترطوا النية لصحة الأعمال، يقول قدروا كمال الأعمال بالنيات أو ما يقربوه، يقول إنما تكمل الأعمال بالنية. يعني لماذا؟ لأنهم لا يرون اشتراط النية لصحة العمل. والحقيقة أن في هذا التعميم نظرا، لماذا؟ لأنه في بعض المسائل لا خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى في اشتراط النية لصحة العمل.

فهي في المسائل الكبار، يعني عندنا الصلاة، الصلاة لا تصح إلا بنية في قول جميع أهل العلم رحمهم الله، لابد أن ينوي، وجود النية لابد منها في قول جميع أهل العلم رحمهم الله تعالى. يختلفون في تعيين النية للصلاة المعينة ونحو ذلك، هذا يختلفون فيه، لكن وجود أصل النية هذا لابد منه، كذلك في الصيام، في الحج. وعبر الحافظ ابن حجر رحمه الله في قوله الوسائل والمقاصد، يقول المقاصد مثل العبادات الكبرى عندنا الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، هذه لابد فيها من نية في قول جميع أهل العلم رحمهم الله تعالى. أقصد وجود أصل النية.

أما الوسائل مثل الوضوء، الوضوء هذا وسيلة للصلاة، هذا هو الذي وقع فيه الخلاف، الوضوء، الغسل، التيمم، وإن كان الخلاف في التيمم أقل، فهذا هو الذي فيه الخلاف بين أبي حنيفة والجمهور. فأبو Hنيفة لا يرى اشتراط النية في الوضوء والغسل، وبعض أصحابه لا يرى اشتراط النية في التيمم، والمشهور عنده اشتراط النية في التيمم. أما الجمهور فيرون اشتراط النية، فنقول كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى لو حملناه على الوضوء والغسل هذا سليم، أما أن نحمله على جميع العبادات فهذا لا يسلم به.

إلا أن نقول إن الكلام في مذهب أبي حنيفة، إلا أن نقول إن أبا حنيفة يرى القول الأول في المسائل التي يرى فيها اشتراط النية، والقول الثاني في المسائل التي لا يرى فيها اشتراط النية، هذا ممكن. أما حمل الكلام هنا على الإطلاق هذا فيه إشكال.

طيب، هنا إذا قال من اشترط النية قدر صحة الأعمال بالنية ومن لم يشترطها قدر كمال الأعمال بالنية. طيب هنا الآن سيدخل في الموازنة بين الرأيين، يقول رجح الأول بأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، يعني يقول كوننا نحمله على نفي الصحة أولى من أن نحمله على نفي الكمال، لماذا؟ يقول نفي الصحة أقرب للحقيقة، لماذا؟ عندنا مراتب النفي ثلاثة جمعها الناظم في قوله: والنفي للوجود ثم الصحة ثم الكمال فرعاين الرتبة.

فالأصل أن يكون نفيا للوجود، إذا مثلا قلنا لا صلاة إلا بطهور، فالأصل أنها نفي للوجود، لكن عندنا ممكن توجد الصلاة بدون طهور، فنحمله على المحمل الثاني، نفي الصحة، فنقول لا تصح الصلاة إلا بطهور. لو أنه في بعض المسائل ممكن أن يوجد هذا أو يصح هذا العمل، مثل لا إيمان لمن لا أمانة له، فنقول هذا لا نحمله على نفي الوجود ولا على نفي الصحة وإنما نحمله على نفي الكمال. فهنا نقول نفي الصحة أقرب من نفي الكمال. فهذا يرجح أن المحذوف إنما هو تقدير الصحة، إنما صحة الأعمال بالنية، فإذا لم توجد النية لم توجد الصحة.

قال وكذلك قد يقدرون إنما اعتبار الأعمال بالنيات، وهذا قريب من تقديره بـصحة الأعمال بالنيات، يعني أن النية هي أمر أو هي أعظم أو من أعظم ما في العمل. وقال وقد قرب ذلك بعض من الأوائل من المفسرين كقولهم إنما الملك بالرجال، يعني قوامه ووجوده، وإلا فيتم الملك للشخص ولم يكن له رجال يعينونه، لكن إنما يتم الملك بذلك. وهكذا الأعمال إنما تكمل بالنيات، يعني الكمال الذي هو كمال واجب، الذي هو قريب من تعبيري بالصحة.

وهذان القولان اللذان ذكرهما المؤلف رحمهما الله تعالى يلزم منهما أن يقدر الأعمال هنا بالأعمال الشرعية، فنقول إذا إنما الأعمال أي الشرعية بالنية، لأن هناك أعمالا تصح ولو لم توجد نية، مثل رد الديون ونحو ذلك، فتصح ولو لم توجد نية، ولذلك بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى بل نسب إلى الجمهور يرون أن المعنى أن الأعمال حاصلة بالنية أو ناشئة عن النية، وهذا لا يتعلق به ثواب ولا عقاب ولا صحة، وإنما يتعلق الثواب والصحة بالجملة الآتية وهي إنما لكل امرئ ما نوى.

وهذا ذكره ابن رجب رحمه الله وقال هذا هو الذي يفهم من كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى وابن جرير وغيرهم رحمهم الله، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كلام ابن رجب رحمه الله في جامع العلوم والحكم، وكذلك كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذه المسألة في رسالته التي شرح فيها هذا الحديث، حديث إنما الأعمال بالنيات، وهي موجودة في مجموع الفتاوى في المجلد الثامن عشر.

هذا والله أعلم، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.