الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فهذا هو اللقاء الثاني من لقاءات التعليق على كتاب إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لحافظ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد قدمنا بالأمس مقدمات تتعلق بترجمة مؤلف المتن حافظ عبد الغني، ومؤلف الشرح وممليه حافظ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وأيضا مستملي هذا الشرح ابن الأثير رحمة الله الجميع. ونبدأ ونشرع هذا اليوم بإذن الله تعالى بمقدمة ابن الأثير التي قدم بها لهذا الشرح.
قال المؤلف رحمه وإياه في كتابه إحكام الأحكام: قال الفقيه الأجل: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. قال الفقيه الأجل الفاضل الصدر الرئيس الأمين المحترم جمال الفضلاء أوحد الإسلام عماد الدين إسماعيل بن القاضي الصدر الرئيس تاج الدين أحمد بن سعيد بن محمد بن الأثير الشافعي الحلبي منشأ المعري نسبا، نفعه الله ونفع به.
الحمد لله منور البصائر بحقائق معارفه، ومصور الخواطر خزائن لدقائق لطائفه، الذي أودع القلوب من حكمه جواهر، وجعل نجوم الهداية بذكره زواهر. حمده ولا يستحق الحمد على الحقيقة سواه، وأعتقد التقصير في كل ما فعله العبد من شكر نعمه ونواه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تكون للنجاة وسيلة وبرفع الدرجات كفيلة، وأن محمدا عبده ورسوله، الذي بعثه وطرق الإيمان قد عفت آثارها، ودجت أنوارها، ووهت أركانها، وجهل مكانها، فشيد صلى الله عليه وسلم من معالمها ما عفا، وشفا من الغليل في تأييد كلمة التوحيد ما كان على شفا، وأوضح سبل الهداية لمن أراد أن يسلكها، وأظهر كنوز السعادة لمن قصد أن يملكها، وميز شرف الحق بعد أن كان مبهما، وأقام ميزان الشرع باتباع الأمر والنهي بعد أن كان الوجود قد خلا منهما، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل المجد والعلا، والذين تحلوا من المحاسن بأحسن الحلى، فأصبحوا شهداء الله في أرضه، وقاموا من أوامره بسنة الله وفرضه، وفتحوا من الإيمان بابا مرتجى، وتنزلوا من العباد منزلة النجوم التي منها معالم الهدى ومصابيح تجلو الدجى، فهم وسائل النجاة، والمشار إليهم بقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، صلاة دائمة ما علم عالم وشيد في الدين معالم.
وبعد، فإنه لما كان العلم أشرف ما خلق في الوجود، وأعز ما ينعم الله به على عباده ويجود، شرف من اختاره منهم بهذا الشعار، وملكه به ملابس التقوى لما اغتر غيرهم منها بالثوب المعار، خصهم من المزية أن قرن ذكرهم بذكره، وأكرمهم بالشهادة على وحدانيته، فما أجدرهم بشكره وأورد وصفهم لوصف به ثانيا، وجعل السعادة منهم بهذا القرب دانية، وفضلهم على كثير من خلقه، وأرشد بهم عباده إلى سبل الحق وطرقه، وأراد بهم خيرا فقههم في الدين، وأمر الخلائق باتباعهم لما تمسكوا بحبل الله المتين، وأعزهم باختصاص كل منهم واصطفائه، وأكرمهم بأن جعلهم ورثة أنبيائه، وفضل العلم على العبادة ما لم تكن به مقترنة.
وقال صلى الله عليه وسلم: «بين العالم والعابد مائة درجة، بين كل درجتين خطو الجواد المضمر سبعين سنة». ولا أريد من ذلك إلا العلم النافع الذي يبلغ من رضا الله الأمل، والذي ينفع معه قليل من العمل.
هنا المؤلف رحمه الله تعالى قدم في هذه المقدمة وافتتح بحمد الله عز وجل والثناء عليه، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا ذكر بعض مزايا النبي صلى الله عليه وسلم وفضائله عليه الصلاة والسلام، ثم ثنى بذكر فضل العلم وشرفه، وأنه هو أشرف ما خلق الله عز وجل وأعز ما ينعم الله به على عباده ويجود. ولذلك قارن بين من من الله عليه بعلم وافر ونشره في هذه الأمة، وبين من من عليه مثلا بمال أو جاه ونحو ذلك من الذي يبقى ذكره ونفعه؛ لا شك أن الذي يبقى ذكره ونفعه هم العلماء.
ولذلك انتفعنا كثيرا بأحاديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وأحاديث عائشة وأحاديث أنس بن مالك وغيرهم من الصحابة، لكن هل انتفعنا هذا الانتفاع ببطولة خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه؟ ولا أريد من ذلك استنقاصه بل أريد المقارنة بين نفع العلم ونفع الشجاعة؛ فنفع الشجاعة نعم لها منفعة عظيمة، لكنها منفعة للإسلام في وقتها وقريب من وقتها، لكن منفعة العلم باقية أبد الآباد.
هل انتفعنا بما أنفقه التجار في أوائل الإسلام والعصور المتقدمة؟ انتفع المسلمون في وقتهم لا شك، لكن هل بقي الانتفاع إلى يومنا هذا؟ لا. لكن الذي بقي الانتفاع به هو العلم. ولذلك إذا منّ الله عليك بالعلم فاستمسك بهذا الغرس، واعلم أنه منة عظيمة أن يمنّ الله به عليك، واستحضر هذا الحديث: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، استحضر فضائل العلم العظيمة التي جاءت في نصوص الكتاب والسنة، وهذا مما يزيدك تمسكا بهذا العلم، ويزيدك حرصا عليه إذا علمت النصوص الكثيرة التي دلت على فضله.
وقد أفاض ابن القيم رحمه الله تعالى في ذكر فضائل العلم، وفي ذكر المقارنة بين العلم والمال، وفضل العلم على المال بنحو أربعين وجها، وذكر قرابة مئة وخمسين أو أكثر فضيلة للعلم في كتابه الشهير مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة، فليرجع إليه من أراد الاستزادة.
طبعا هذا الحديث الذي ذكره ابن عبد البر هذا حديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن جاءت أحاديث في تفضيل العلم على العبادة: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، ونحو ذلك مما هي أصح من هذا الحديث.
قال رحمه الله: ولما عرفت هذه الحالة فعلمت أني في الإعراض عن ذلك على غرر من أمري، وقلت إن الخسران موجود في ليال تمر بلا نفع وتحسب من عمري. فآثرت أن أتمسك إشارة إلى ما ينسب للشافعي رحمه الله تعالى ونسب له، وقوله: إذا هجع النوام أسبلت عبرتي وأنشدت بيتا وهو من ألطف الشعر: أليس من الخسران أن لياليا تمر بلا علم وتحسب من عمري؟ هكذا الإنسان طالب العلم ينبغي له أن يحاسب نفسه، ما الذي استزاده من العلم هذا اليوم، لو يزيد لو معلومة واحدة؟ وطالب العلم كما جاء في الحديث من هما لا يشبعان؛ المفترض لا يشبع من العلم، لكن أقول لا يقصر ولو في الاستزادة، ولو استزادة معلومة واحدة في اليوم.
قال: فآثرت أن أتمسك من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أرجو به النجاة من هذا الخطر، وأبلغ من اتباع الشريعة المطهرة وأحكامها الوطر. فاخترت حفظ الكتاب المعروف بالعمدة للإمام الحافظ عبد الغني رحمه الله عليه، الذي رتبه على أبواب الفقه وجعله خمسمائة حديث، فوجدت الأحاديث كل لفظة منها تحتاج إلى بحث وتدقيق، وتفتقر إلى كشف وتحقيق؛ لأن كل كلامه صلى الله عليه وسلم بحر يغاص فيه على جواهر المعاني، ولا يستخرج حكمه إلا الراسخون في العلم الذين أضحت خواطرهم به آهلة المغاني.
وقفت من ذلك للقاضي عياض رحمة الله عليه على الكتاب المعروف بالإكمال، فوجدته قد احتوى في شرحه على التفصيل والإجمال، لكنه اقتصر على شرح أحاديث الإمام مسلم رضي الله عنه. فاخترت أن أعلم معاني الأحاديث التي أوردها صاحب العمدة، وأسندها إلى الإمامين البخاري ومسلم رضي الله عنهما.
القاضي عياض يقول فوجدت من ذلك، أو فوقفت من ذلك للقاضي عياض على الكتاب المعروف بالإكمال؛ الإكمال هذا كتاب القاضي عياض رحمه الله في شرح صحيح مسلم، واسمه إكمال المعلم، فهو كمل به كتابا قبله. والمعلم هو للمازري رحمه الله تعالى، المعلم في فوائد صحيح مسلم أو نحو ذلك؛ فألف المازري المعلم وهي كانت أمالي يمليها على طلابه، فلم يستوعب شرح الكتاب، جاء القاضي عياض وأكمله بالإكمال، إكمال المعلم، ثم جاء بعده الأبي رحمه الله فألف إكمال إكمال المعلم وزاد على القاضي عياض زيادات يسيرة، ثم جاء السنوسي فألف مكمل الإكمال. فهذه كتب أربعة يكمل بعضها بعضا.
المازري والقاضي عياض الفوائد فيهما كثيرة، أما زيادات الأبي والسنوسي فهي قليلة لا توازن بزيادات القاضي على المازري رحمه الله. ومن جمع شروح صحيح مسلم، فالمازري والقاضي عياض، وشرح مسلم هو شرح النووي على مسلم، فهذه الشروح تكمل بعضها بعضا، القاضي والنووي استفاد منهما ونقل عنهما كثيرا. فمن أراد الاكتفاء بإحداها فليأخذ شرح النووي رحمه الله تعالى.
قال ابن الأثير رحمه الله: فلم أجد من علماء الوقت من يعرف هذا الفن إلا واحد عصره وفريد دهره وواسطة عقد الفضلاء والمبرز في علومه على الأواخر والأوائل، الشيخ الإمام العالم الفاضل الزاهد الورع تقي الدين، حجة العلماء قدوة البلغاء شرف الزهاد بقية السلف مفتي المسلمين أبو الفتح محمد نفع الله ببقائه، ابن الشيخ الإمام مجد الدين أبي الحسن علي بن وهب القشيري رحمه الله، العامل بعلمه المحقق في إفهامه وفهمه، المتبع ما أمره الله به من حكمه، الذي فاق النظراء والأمثال، واتصف من المحاسن مما تضرب به الأمثال.
فووجهت وجه آمالي إليه، وعولت في فهم معاني هذا الكتاب عليه، وعرفته القصد مما أريد، وأصغيت لما يبدي فيه من القول وما يعيد، فأملى علي بمعانيه كل فن غريب، وكل معنى بعيد على غيره أن يخطر بباله وهو عليه قريب. فعلقت ما أورده، وحمت على مورد فضله رجاء أن أرد ما ورده.
فإنه لما كان طلب العلم على كل مسلم واجبا، اخترت أن أكون من طلبته، فإن لم أمت عالما وإلا مت طالبا، لعل الله أن يكفر بالإخلاص في ذلك بعض تحملي لأوزار الدنيا واقترافي، ويسامحني بعفوه عن ذنوب إذا دعي علي بها فليس لي فيها حجة إلا اعترافي. وقد وثقت آمالي بالنجح اعتمادا على ما وردت به السنة، وتأملت معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يطلب فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة».
وسميت ما جمعته من فوائده والتقطته من فرائده بإحكام الأحكام في شرح أحاديث سيد الأنام، جعل الله ذكره إلى يوم الدين باقيا، ومن مكروه الذنوب منجيا وواقيا، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
المؤلف رحمه الله تعالى بعد أن ذكر شرف العلم، ذكر حاجته إلى العلم النافع الذي ينفع صاحبه في الدنيا قبل الآخرة، وهو العلم الشرعي الذي يورثه خشية الله عز وجل، ومن أعظم ما يؤخذ منه هذا العلم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذكر حاجته إلى علم معاني السنة، وأنه حفظ العمدة فاحتاج إلى من يشرحها له، فلم يجد من يشرحها له إلا إمام عصره اللي هو ابن دقيق رحمه الله تعالى، وذكر من مزاياه وفضائله، وذكر أنه طلب منه أن يشرح له هذا الكتاب، فاستجاب ابن دقيق رحمه الله تعالى وأملى عليه هذه الأمالي التي اهتم بها العلماء وصارت مرجعا لهم في معرفة الاستنباط من نصوص السنة.
ولذلك هذا الكتاب تميز بذكر وجوه الاستنباط وكيفية الاستنباط من نصوص السنة، واهتم بربط أحاديث الكتاب بالقواعد والمسائل الأصولية، فالكتاب مليء بذلك. ولذلك من اللطائف أن الزركشي رحمه الله تعالى ذكر، أقصد الزركشي الشافعي ذكر أن ممن تقدمه في التأليف
في الأصول قال ابن دقيق في كتاب شرح العنوان وهو له كتاب في الأصول وأيضا في شرحه على العمدة وعلى الإلمام، فذكرهما كأنهما من كتب الأصول لأن فيهما مادةً أصوليةً قويةً، وتطبيقاً عملياً لما أخذ في كتب الأصول من مسائل.
قال رحمه الله كتاب الطهارة الحديث الأول، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات» وفي رواية «بالنية»، «وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
قال الكلام على هذا الحديث من وجوه. أحدها أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بكسر الراء المهملة بعدها ياء آخر الحروف بن عبد الله بن قرط بن رزاح بفتح الراء المهملة بعدها زاي معجمة بن عدي بن كعب القرشي العدوي يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كعب بن لؤي، أسلم قديماً وشهد المشاهد كلها. ثم إن المصنف بدأ به لتعلقه بالطهارة وامتثل قول من قال من المتقدمين أنه ينبغي أن يبتدأ به في كل تصنيف.
قال الثاني أحسنت، هنا ابتدأ كتاب الطهارة بحديث عمر المشهور «إنما الأعمال بالنيات». هنا ذكر طبعاً القول على هذا الحديث من وجوه، في كثير من النسخ وردت بعد الترجمة يعني لما ذكر ترجمة عمر قال ثم الكلام على هذا الحديث من وجوه. ذكر ترجمة عمر، عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في بعض النسخ فيه زيادة على ما قرأه القارئ، ولي الخلافة بعد أبي بكر الصديق وقتل سنة 23 من الهجرة في ذي الحجة لأربع مضين وقيل لثلاث، كذا وردت في بعض النسخ أو في بعض الطبعات.
الحقيقة أن في كلمة مضين لأربع مضين وقيل لثلاث في كلمة مضين إشكال، لأن المعروف أن عمر رضي الله عنه توفي في آخر ذي الحجة لا في أولها، فهو حج تلك السنة سنة 23 ثم قتل رضي الله تعالى عنه بعد الحج بعد رجوعه من الحج فصوابها لأربع بقين وقيل لثلاث. وراجعت ما وقفت عليه من النسخ الخطية للإحكام وغالبها ذكر ما ذكره القارئ هنا يعني انتهى إلى قوله شهد المشاهد كلها، لا أجد إلا نسخة واحدة فقط أثبت فيها على الهامش هذه الزيادة لكن لم يوجد فيها كلمة مضين ولا بقين بل فيه قيل لأربع وقيل لثلاث.
ووقفت على نسخة خطية من كتاب اختصر شرح العمدة اختصر شرح ابن دقيق، وهذا لم ننس أن نذكره في الأمس، لعالم يمني اسمه محمد بن علي الحاشدي وكتابه اسمه تجريد شرح العمدة مع زيادات نكت معتمدة، وهو بمثابة مختصر لشرح ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى مع إضافة مذهب آل البيت في المسائل الخلافية. وقد أثبت التاريخ مقتل عمر بقوله قتل سنة 23 من الهجرة في ذي الحجة لبقية أربع وقيل ثلاث، هكذا ذكره الشيخ رحمه الله ويبدو أنه وقف على نسخة فيها هذه الزيادة لكن أنها بقين وليست مضين، فينبغي أن ينتبهوا لهذا من عنده النسخة التي فيها الزيادة، حتى نسخة التي حققها عبدالله محمد خلوف عبدالله فيها هذه الزيادة، والعجيب أنه عزا الترجمة لبعض كتب السير وكلها التي عزاها فيها أنه مات في ثلاث في آخر ذي الحجة وليس في أولها.
المؤلف رحمه الله يقول إن الشارح ذكر أن الحافظ عبدالغني بدأ بحديث عمر لأمرين، لتعلقه بكتاب الطهارة حيث إن الننية من شروط الطهارة فلا تصح الطهارة إلا بنية لأنها من الأعمال فتدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». والأمر الثاني يقول امتثل قول من قال من المتقدمين أنه ينبغي أن يبتدأ به في أول كل تصنيف، وهذا ذكره أو نقلوه عن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله أنه قال من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ بهذا الحديث، وقال لو صنفت كتابا لبدأت في كل باب منه بهذا الحديث.
وأيضا الخطابي رحمه الله في شرحه على صحيح البخاري المسمى أعلام الحديث قال: كان المتقدمون من شيوخنا رحمهم الله يستحبون تقديمه أي هذا الحديث أمام كل شيء ينشأ ويبتدأ من أمور الدين لعموم الحاجة إليه في جميع أنواعها ودخوله في كل باب من أبوابه ولذلك ابتدأ به البخاري رحمه الله صحيحه، وابتدأ به الحافظ عبد الغني كتاب العمدة، وابتدأ به الإمام النووي رحمه الله كتاب الأربعين، والسيوطي رحمه الله ابتدأ به كتابه الجامع الصغير وغيرهم من أهل العلم رحمهم الله تعالى.
وفي هذا تنبيه للنفس إلى الإخلاص لله عز وجل في طلبها للعلم وفي تصنيفها للعلم لأن العلم من الأعمال وهو مما يبتغى به وجه الله تعالى فيدخل في هذا الحديث ليتذكر الإنسان الإخلاص لله تعالى. نقف على هذا الحد ونسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى، وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان