عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا نعطيها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب، فلما جاء معاوية وجاءت السمراء قال: أرى مدّ هذا يعدل مُدّين. قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقول أبي سعيد صاعاً من طعام يريد به البُرّ، دليل على خلاف مذهب أبي حنيفة؛ لأن البُرّ يُخرج منه نصف صاع، وهذا أريح في المراد وأبعد عن التقدير والتقويم. نصف صاع من حديث ابن عمر أنك في ذلك الحديث نصّاً على التمر والشعير، فتقدير الصاع منهما بنصف الصاع من البر لا يكون مخالفا للنص، بخلاف حديث أبي سعيد فانه يكون مخالفا له. صاعاً من طعام المراد به البر لأن هذا هو الإطلاق العرفي.
يقول إن هذا يدل على خلاف قول أبي حنيفة في أن البر يكفي منه نصف صاع. أبو حنيفة استدل بالحديث السابق فعدل الناس به نصف صاع من البر، لكن يقول هذا الحديث أصرح في المراد بأن البر لا بد فيه من صاع، وأبعد عن التقدير والتقويم لنصف صاع من حديث ابن عمر، يعني أنه واضح أنه صاع كامل لا يقوم بنصف صاع؛ لأن في ذلك الحديث ابن عمر نصّاً على التمر والشعير، فتقدير الصاع منهما بنصف الصاع من البر لا يكون مخالفاً للنص، بأن في حديث ابن عمر نصّاً على التمر والشعير فقط. لذلك كونهم يقولون الطعام البر يكفي منهم النصف، مخالفة لحديث ابن عمر، يكون مخالفاً لحديث أبي سعيد؛ لأن حديث أبي سعيد نصّ على أنها من طعام، والمراد به البر، فمخالفة حديث أبي سعيد فإنه يكون مخالفاً له؛ لأنه واضح أنه صاع من طعام، لكن الطعام لم يذكر في حديث ابن عمر.
وكانت لفظة الطعام تستعمل في البر عند الإطلاق حتى إذا قيل: ذهب إلى سوق الطعام، فهم منه سوق البر. وإذا غلب العرف بذلك نزل اللفظ عليه، لأن الغالب أن الإطلاق في الألفاظ على حسب ما يخطر في البال من المعاني والمدلولات، وما غلب استعمال اللفظ عليه فخطوره عند الإطلاق أقرب، فيُنزل اللفظ عليه، وهذا بناء على أن يكون هذا العرف موجوداً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا يتكلم عن لماذا حملناه على البر؟ يقول لأن هذا هو الذي ينصرف إليه اللفظ في الإطلاق إذا أطلق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فنحمل اللفظ على الإطلاق العرفي، وإن كان في اللغة الطعام شامل البر وغيره، لكن لما كان العرف أو لما استعمل في العرف كثيراً في البر، يقول: نحمل عليه النصوص الشرعية الواردة في ذلك الزمن، لأن الأصل أو لأن الغالب استعمالها فيحمل اللفظ على الإطلاق الغالب.
تردد الشافعي في إخراج، وقد صرح الحديث به، وهذا واضح. يعني الشافعي رحمه الله كلمة مشهورة: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
وقد ذكر الزبيب في هذا الحديث، والكلام في هذه الأجناس قد مر، وهل تتعين هذه لأنها كانت أقواتاً في ذلك الوقت أو يتعلق الحكم بها مطلقاً؟
السمراء يراد بها الحنطة المحمولة من الشام. وفي هذا الحديث دليل على ما قيل من أن معاوية هو الذي عدل الصاع من غير البر بنصف صاع، ويؤخذ منه القول هذا ذكرنا في أن من الفقهاء من قال إن قوله فعدل الناس قيل إن الذي عدل هو معاوية وهذا دل عليه الحديث حديث أبي سعيد.
وفي هذا الحديث دليل على ما قيل من أن معاوية هو الذي عدل الصاع من غير البر بنصف الصاع منه، ويؤخذ منه القول بالاجتهاد بالنظر والتعويل على المعاني في الجملة، وإن كان في هذا الموضع إذا لم يرد بذلك نص خاص مرجوحاً بمخالفة النص والله أعلم.
يعني أن هذا الحديث في فعل معاوية رضي الله تعالى عنه يؤخذ منه الاجتهاد والنظر للمعاني، وإلحاق المسكوت عنه بالمنصوص يؤخذ منه على وجه العموم، لكن يقول بالنسبة لهذا بالنسبة لأخذ المعنى من هذا الحديث يقول: هل مرجوح لوجود نص خاص؟ لكن لو لم يوجد نص خاص نقول أخذ المعاني والاستدلال، يعني مفهوم كلام الشارع ومعنى ومقصده هذا مسلك صحيح لا غبار عليه بشرط ألا يخالف نصاً.
وبذلك تم التعليق ولله الحمد على صلاة العيدين وزكاة الفطر، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وأن يتقبل منا ويتجاوز عنا.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان