قال رحمه الله: باب صدقة الفطر. عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر -أو قال رمضان- على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير. قال: فعدل الناس به نصف صاع من بر على الصغير والكبير. وفي لفظ: تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة.
المشهور من مذهب الفقهاء وجوب زكاة الفطر في ظاهر هذا الحديث وقوله فرض. بعضهم إلى عدم الوجوب وحملوا فرض على معنى قدر، وهو أصله في اللغة، لكنه نقل في عرف الاستعمال إلى الوجوب فالحمد عليه أولى؛ لأن ما اشتهر في الاستعمال فالقصد إليه هو الغالب.
وقوله هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الخلاف في حكم زكاة الفطر وذكر أن المشهور من كلام الفقهاء رحمهم الله تعالى أنها واجبة. قال ابن عمر: فرض، والفرض يدل على الوجوب. وبعض الفقهاء، وهذا قول قلة من أهل العلم رحمهم الله تعالى، يرون أنها مستحبة وليست واجبة. لماذا؟ قالوا: إن هذا الحديث لا يدل على الوجوب وإن فرض في الحديث بمعنى قدر. المؤلف رحمه الله يقول: هذا صحيح، هذا أصله في اللغة، أصل فرض في اللغة من التقدير، لكن غلب استعماله في الشريعة على الإيجاب على الوجوب. إذا جاءنا في نص شرعي فنحمله على الاستعمال الغالب في الشريعة، استعمال كلمة فرض في غالب النصوص الشرعية تروح معاملة الوجوب؛ لذلك الحمد عليه على الغالب أولى. وهذه مبنية على مسألة أصولية، وهي هل هناك استعمال أو هناك حقيقة شرعية تختلف عن الحقيقة اللغوية؟ بعض الأصوليين يقول: لا، ليس هناك حقيقة شرعية، يعني الحقيقة الشرعية نفس اللغوية. هناك منصب وهو المشهور يقولون: لا، في حقيقة شرعية تختلف عن الحقيقة اللغوية، هل هي معنى آخر مغاير، أو هي معنى أصلها من المعنى اللغوي لكن قيدت أو أطلقت أو نحو ذلك؟ هذا الذي مشى عليه الأصوليون أو جمهور الأصوليين.
وقوله: رمضان، وفي رواية أخرى: من رمضان. قد يتعلق به من يرى أن وقت الوجوب غروب الشمس من ليلة العيد. وقد يتعلق به من يرى أن وقت الوجوب طلوع الفجر من يوم العيد. ومسألة استدلالهما ضعيفة؛ لأن إضافتهما إلى الفطر من رمضان لا يستلزم أنه وقت الوجوب، بل يقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان، فيقال حينئذ بالوجوب فرضا، ويؤخذ وقت الوجوب من أمر آخر. يعني هل هذا الحديث يستنبط منه وقت الوجوب في إخراج هذه البيّنات أو لا؟ يقول بعض العلماء: أخذوا منه ذلك، واختلفوا؛ منهم من قال: وقت الوجوب بغروب شمس ليلة العيد، ومنهم من قال: لا، لطلوع الفجر يوم العيد. وكلاهما تمسك بقوله: الفطر من رمضان. المؤلف رحمه الله منها الكشاف يقول: لا، وقت الوجوب يعني الوقت الذي من كان موجوداً فيه وجبت عليه الزكاة، ولا يعني هذا أنه لا يجوز له إخراجها قبله. المؤلف يقول: لا، هذا الحديث لا يستنبط منه وقت الوجوب، قول زكاة الفطر من رمضان صدقة الفطر من رمضان هذا من تتمة أو من توضيح الزكاة هذه، لماذا كانت بسبب الفطر من رمضان؟ ولا يؤخذ منها وقت الوجوب، إنما يؤخذ وقت الوجوب من أدلة أخرى، يعني لا يؤخذ من هذه اللفظة أو من هذا الحديث.
وقوله: على الذكر والأنثى والحر والمملوك، يقتضي وجوب الإخراج عن هؤلاء، وإن كانت لفظة على تقتضي الوجوب عليهم ظاهرا. قد اختلف الفقهاء في أن الذين يخرج عنهم هل باشرهم الوجوب أو لا، والمخرج يتحمله، أم الوجوب يلاقي المخرج؟ في أن الذي يخرج عنهم اختلف الفقهاء -أنا عندي الذي يخرج عنهم كلاهما يصح هذا وهذا- لكن هل باشرهم الوجوب أولاً والمخرج يتحمله؟ هذا هو الاحتمال الأول. أم الوجوب يلاقي المخرج أو أن يلاقي المخرج أولاً؟ هذا الاحتمال الثاني.
قال رحمه الله: فيه أن الذي يخرج عنهم هل باشرهم الوجوب أولاً والمخرج يتحمله، أو الوجوب يلاقي المخرج أولاً؟ فقد يتمسك من قال بالقول الأول بظاهر قوله: على الذكر والأنثى والحر والمملوك؛ فإن ظاهره يقتضي تعلق الوجوب بهم كما ذكرنا. وشرط هذا التمسك أن كانوا مضايقات الوجوب للأصل. يقول: قوله على ذكر الحُر المملوك تقتضي وجوب الإخراج عن هؤلاء، يعني أنّه يخرج عنهم من يتولى أمورهم، قال: وإن كانت لفظة على في الحديث تقتضي الوجوب عليهم ظاهراً، يعني الوجوب متوجه لهم أولاً. ثم ذكر المسألة الذين يخرج عنهم مثل الصغير الأبناء الزوجة؛ هل الوجوب متوجه لهم أولاً والمخرج يتحمله، يعني الوجوب صار توجه إلى -طبعاً الصغير لا يتوجه الآن، الصغير أخرجوه التكليف، لكن الأبناء البالغين أو الزوجة والزوجة مثلاً- هل نقول إن الوجوب أصلاً متوجه للأبناء وعلى الزوجة لكن أبوهم أو الزوج لزوجته يخرج عنها تحملاً لا أصالة؟ هذا الاحتمال الأول. الاحتمال الثاني: لا، الوجوب من الأصل متوجه إلى الأب، وإلى الزوج من الأصل، لم يتوجه إلى الأبناء ولا إلى الزوجة. هذان احتمالان وهما قولان عند الحنابلة رحمهم الله تعالى، والذي مشى عليه المتأخرون منهم أن الوجوب متوجه إلى المخرج عنهم، المخرجان من الأبناء -الأبناء البالغين طبعاً- والزوجة، وإخراج الأب أو الزوج عنهم هذا بطريق التحمل الخلفي. قد يتمسك من قال بالقول الأول أصالة على المخرج عنه، وأن الابن والزوج يخرج عنهم تحملاً بظاهر قوله لأن فيه على، على هذه ظاهرة في الوجوب. قال: فان ظاهره يقتضي تعلق وجوبهم كما ذكرنا، وشرط هذا التمسك إمكان ملاقاة الوجوب للأصل، فإذا لم يمكن ملاقاة الوجوب الأصل تمسك به، ويقصد في هذا الصبي هذا الآآ نقول مباشرة الوجوب تعلق بأبيه؛ لأنه أصلاً الوجوب لا يتعلق لغير المكلف مثل الزوجة الولد البالغ.
قال رحمه الله: الصاع أربعة أمداد، والمد وثلث بالبغدادي، وخالف في ذلك أبو حنيفة وجعل الصاع ثمانية أرطال. واستدل مالك بنقل الخلف عن السلف بالمدينة، وهو استدلال قوي في مثل هذا. ولما ناظر أبو يوسف في حضرة الرشيد في المسألة، رجع أبو يوسف إلى قوله لما استدل بما ذكرناه. يعني هنا أبو حنيفة ومالك يا صاع؛ إذا قلنا المد ركن وثلث فالصاع يكون خمسة أرطال وثلث. الإمام مالك يستدل بنقل الخلف عن السلف، يعني أنه قال: هذا الصاع الذي يدخلون به هذا متوارث، هذا نقله عن أبيه عن أبيه عن الصحابة الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: هذا استدلال صحيح، يعني عمل أهل المدينة في مثل هذا يستدل به صحيح، لكن لن نقول: يستدل بعمل أهل المدينة في كل مسألة، لكن في مثل هذا الذي فيه نقل متوارث هذا الاستدلال به استدلال صحيح.
قال رحمه الله: وقوله: صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، بيان لجنس المخرج في هذه الزكاة، وقد ورد تعيين أجناس لها في أحاديث متعددة أزيد مما في هذا الحديث. فمن الناس من أجاز جميع هذه الأجناس مطلقا لظاهر الحديث، ومنهم من قال: لا يخرج إلا غالب قوت البلد، وإنما ذكرت هذه الأشياء لأنها كلها كانت مقتاتة بالمدينة بذلك الوقت، وعلى هذا لا يجزئ بأرض مصر إلا إخراج البر لأنه غالب القوت. هنا يقول قول: صاع من تمر أو صاع من شعير هذا القيام بجنس المخرج في هذه تخرج من هذه الساعة من تمر أو صاع من وقالوا: ورد أحاديث في أحاديث أخرى أطعمة أخرى، يعني جاء من زبيب. يقول: فمن الناس، يعني الآن الفقهاء اختلفوا في هل المراد؟ هل نص النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأصناف يقتضي أن الزكاة إنما من هذه الأصناف فقط، أو يقلأ إنما ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم من باب التمثيل وهي كانت غالب قوت أهل البلد في مدينة في ذلك الوقت؟ نقول: من كان غالب قوتهم طعاما معينا سواء من هذه الخامسة أو من غيرها فإنهم يخرجون منها، وهما قولان لأهل العلم رحمهم الله تعالى، ومنهم من أخذ بالظاهر وقال: إنما تخرج مما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من أخذ بالمعنى وقال: إن هذه لم ينص عليها لأنها مقصودة بالعين، وإنما نص عليها بأنها غالب قوت البلد.
قال رحمه الله: وقوله: فعدل الناس إلى آخره، هو مذهب أبي حنيفة في البر، فإنه يخرج منه نصف صاع. وقيل إن الذي عدل ذلك معاوية بن أبي سفيان، وروي في ذلك حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم من جهة ابن عباس، ولا ينكر من قال بهذا المذهب أن يستدل بقوله: فعدل الناس، ويجعل ذلك إجماعا على هذا الحكم ويقدمه على خبر واحد؛ لأن أبو سعيد الخدري قد خالف في ذلك وقال: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه. ولا يخلو هذا من نظر. يعني قوله فعدل الناس به ساعة نصف ساعة من بر، يعني أن بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى استدل به على أن البر يكفي في نصف ساعة، قالوا: هذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى، قالوا: إن الذي اطيل أن الذي عدل معاوية رضي الله تعالى عنه هذا، قال: وروي في ذلك حديث مرفوع أن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة ابن عباس، وهو عند الحاكم وفيه من قمح أو صاع من شعير أو بر، وجاء عند الترمذي أيضا بنحوه من حديث عمرو بن شعيب عن جده. لكن هل نقول فعدل الناس هو إجماع؟ هلاّ ليس إجماع، هذا الناس بعض الناس، وهو في زمن النبي في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولذلك لما معاوية معاوية طبعا عدل به سمراء الشام ليس كل ليس كل قمح، لكن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه خالفه وقال: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرج، لذلك فلا نقول إن هذا إجماع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بل خالف معاوية رضي الله تعالى عنه بعض الصحابة ومنهم أبو سعيد وهو أكثر انتصاقاً للنبي صلى الله عليه وسلم.
قال رحمه الله: والسنة بصدقة الفطر أن تؤدى قبل الخروج إلى الصلاة؛ ليحصل غنى الفقير وينقطع تشوفه عن الطلب في حالة العبادة. طيب يقول: صدقة الفطر الأفضل أن تؤدى قبل وهذا واضح من الرواية الأخرى أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، قد يحصل الإغناء للفقير أيضا، ينقطع الشوف عن طلب يقبل على العبادة وهو مطمئن مقتفي، فلا يفكر بطعامه ونحو ذلك، وهذا مقصد شرعي عظيم من أن يكفى الناس لأجل أن يقبلوا على عبادة ربهم باطمئنان.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان