دخولتسجيل الدخول

المجلس التاسع والستون من مجالس التعليق على إحكام الأحكام - شرح الحديث الرابع عشر- صفة صلاة النبي

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملاً صالحاً يا كريم. أما بعد، فهذا هو المجلس التاسع من مجals التعليق على أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.

كنا قد توقفنا عند الحديث الرابع عشر من أحاديث صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: حديث الرابع عشر عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب».

قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: لعل الاعتدال هنا محمول على أمر معنوي؛ وهو وضع هيئة السجود موضع الشرع على وفق الأمر، فإن الاعتدال الخ خلقي الذي طلبناه في الركوع لا يتأتى في السجود، فإنه ثم استواء الظهر والعنق، والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي، حتى لو تساوى، وفي بطلان الصلاة وجهان لأصحاب الشافعي رحمه الله تعالى.

يقصد المؤلف رحمه الله تعالى هنا أن أمره صلى الله عليه وسلم بالاعتدال في السجود لا يعني منه أن يستوي الظهر في السجود كما قلنا في الركوع أن يستوي الظهر، لا، بل الاعتدال في السجود المراد به أن يكون على وفق الأمر الشرعي. لماذا؟ لانه لو اعتدل في السجود ما وافق الأمر الشرعي، لو اعتدل بمعنى سوى ظهره في السجود فإنه لم يوافق الأمر الشرعي. ولذلك يقول: المطلوب في السجود ارتفاع الأسافل على الأعالي، فأسفل جسمه من ظهره ونحو ذلك يكون مرتفعاً على أعلى جسمه من وجهه، فوجهه يكون في الأرض وظهرُه يكون مرتفعاً نوعاً ما. أما في الركوع فإن الظهر يكون مستوياً، ولذلك قال: لو تساوى أعلى جسمه وأسفله في السجود، فهل تصح صلاته أو لا؟ هنا يقول قولان لأصحاب الشافعي.

طيب، لماذا حمله على ذلك؟ لماذا حمل الاعتدال على المعنى المعنوي ولم يحمله على المعنى الخَلْقي؟ قال: ومما يقوي هذا الاحتمال أنه قد يُفهم من قوله عقيب ذلك: «ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» أنه كالتتمة للأول، وأن الأول كالعلة للاعتدال، الذي هو فعل الشيء على وفق الشرع، علة لترك الانبساط، انبساط الكلب، فانه مناف لوضع الشرع، الكلام في كراهة هذه الصفة. هنا يقول: مما يدل على أن المراد بالاعتدال، أن المراد بالاعتدال الاعتدال المعنوي، أنه جاء في الحديث بعد الأمر بالاعتدال النهي عن بسط الذراعين انبساط الكلب، وهذا يقول يظهر منه أنه كالتتمة للأول، يعني أن الجملتين ليست أجنبيتين عن بعض، بل الثانية تتمة، فيكون من الاعتدال في السجود ترك بسط الذراعين انبساط الكلب، يعني بسطه، يعني يبسطه على الأرض، فيكون المراد أن يرفع عن الذراعين، وإذا رفعهما لزم منه أن يرتفع الظهر، فيكون ذلك هو المراد، فيكون ذلك هو المراد بالاعتدال في السجود.

إنما أمر بالاعتدال في السجود لأنه أشبه بالتواضع في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبعد عن هيئة الكسالة، ويشعر حال المنبسط، ويشعر حال الباسط ذراعيه بالسجود، يشعر حاله بالتهاون في الصلاة وقلة الاعتناء بها والاقبال عليها، كما قاله ابن العطار رحمه الله تعالى.

قال المؤلف رحمه الله: وقد ذكر في هذا الحديث الحكم مقروناً بعلته. يقصد أن قوله: «ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» هذا كأنه علة، فيقول: إنه نهي عنه لأن فيه مشابهة للحيوان، لذلك قال: فإن التشبه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركه في الصلاة. ومثل هذا تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم لما قصد التنفير عن الرجوع في الهبة، قال: «مثل الراجع في هبته كالكلب يعود في قيئه». فهنا التشبيه بالأشياء الخسيسة والاشياء الناقصة هذا دليل على التنفير عن شيء، ولذلك هنا كأنه قال: ولا يبسط أحدكم ذراعيه، كأنه قال: لأن الكلب يبسط ذراعيه، فإذا بسطت ذراعيك في السجود أبهت الكلب، وأنتم منهيون عن التشبه بالحيوانات في الصلاة.

وجاء النهي عن التشبه بعدة حيوانات في الصلاة، وجمعها الصنعاني رحمه الله في سبل السلام بقوله: إذا نحن قمنا في الصلاة، فإننا نهينا عن الاتيان فيها بستة: بروك بعير، والتفات كثعلب، ونقر غراب، في سجود الفريضة واقعاً كلب أو كابس ذراعه، وأذناب خيل عند فعل التحية. هذه ستة. ثم قال: وزدنا كتذبيح بمد لعنق، وتصويب لراس بركعة. نهي عن تذبيح، كتذبيح الحمار، انه يكون ظهره مستويا لكن ينزل راسه، يعني في الركوع، وينزل راسه الى الارض، والمشروع أن يكون راسه مساويا لظهره، كما قالت عائشة رضي الله عنها: كان إذا ركع لم يشخص راسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك.

انتهينا من باب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وننتقل إلى الباب الذي يليه.