قال رحمه الله: باب وجوب الطمانينة. وذكر المؤلف رحمه الله في هذا الباب حديثا واحدا وهو الحديث المشهور بحديث المسيء في صلاته. قال عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل». فرجع فصلى كما صلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل» ثلاثا. فقال والذي بعثك بالحق نبيا ما أحسن غيره فعلمني. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، وافعل ذلك في صلاتك كلها». وهذا الحديث ما قلنا يسمى حديث المسيء في صلاته.
وهنا معظم الروايات لم يأت فيها تبيين هذا الرجل الذي دخل وهذا لأنه قد لو بين قد يفهم منه تنقصه. والمقصود من الحديث فهم ما فيه من الأوامر والنواهي ولذلك لما كانت معرفة عينه غير مفيدة حكما زائدا لم يهتم الصحابة رضي الله تعالى عنهم بتبيينه وإن كان جاء في بعض الروايات ما يدل على أنه رفاعة بن رافع لكن بعضهم يقول رفاعة هو راوي الحديث وليس هو الذي حصل له ذلك. على كل لا نهتم بتعيينه لأن العبرة إنما هي بفعله وما تعامل النبي صلى الله عليه وسلم معه. وهذا يفيدك أيضا في المبهمات في القرآن قد تأتي مبهمات في القرآن فتجد بعض المفسرين يتكلمون على تعيينها مثل مثلا الشجرة التي نهى الله آدم عليه السلام أن يأكل منها. خاب بعض المفسرين في بيان أي نوع من الشجر والحقيقة أنه لا فائدة من ذلك. لو كان فيها فائدة لنا لبين الله عز وجل لكن الله عز وجل أبهمها لأنه ليس المراد التعيين المراد أن تعلم أن الله عز وجل نهى آدم عليه السلام عن شجرة وأن إليس وسوس له وأكل منها وأن إليس عدو لنا ويجب أن نبتعد عنه ونحذر من وساوسه. هذا هو الذي يفيدك في هذه القصة أما كون الشجرة هي كذا. وكذلك تعيين البقعة من الأرض التي أنزل إليها آدم أي بقعة الأرض هذا كله لا يفيد ولذلك دأب بعض المفسرين على الإعراض عن ذلك على الإعراض عن الكلام فيها لأنها ليست مما يزداد الإنسان به علما.
قال المؤلف رحمه الله تعالى الكلام عليه من وجوه: الأول: فيه الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن النبي صلى الله عليه وسلم عامله بالرفق فيما أمر به كما قال معاوية بن الحكم السلمي فما كهرني ووصف رفق النبي صلى الله عليه وسلم به. وكذلك قال في الأعراب لا تزرموه. هذا الحديث فيه رفق النبي صلى الله عليه وسلم بمن يحدثه وبمن ينصحه وبمن يأمره بمعروف وينهى عن منكر وهكذا ينبغي لنا عندما نوجه الناس وننصح أن نرفق بهم ولا نغلط عليهم. لذلك قال الله عز وجل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].
وهنا النبي صلى الله عليه وسلم ما نهر هذا المسيء في صلاته وزجره وإنما عامله بالحسنى: ارجع فصل فإنك لم تصل. جاء الثانية: ارجع فصل فإنك لم تصل. جاء الثالثة: ما أحسن غير هذا علمني. فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بلطف. وأيضا المؤلف رحمه الله ذكر مثالين آخرين من رفق النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل. معاوية بن الحكم السلمي صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة يقول فعطس أحد القوم فحمد الله يقول معاويه فشمته يعني قلت يرحمك الله. فالصحابة رضي الله عنهم الكلام محرم في الصلاة فالصحابة رضي الله عنهم يقول جعلوا يضربون بايديهم على أفخاذهم يعني يصمتون. فصمت يقول فلما انتهى من الصلاة يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم دعاني فوالله ما رأيت قبله ولا بعده معلما أحسن تعليما منه. فوالله ما كهرني ولا نهرني ولا ضربني لكن قال إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التكبير والتسبيح وقراءة القرآن أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
أيضا المثال الثاني الذي ذكره الأعرابي الذي بال في المسجد فقام الصحابة ليزجروه أعرابي ما علم أن المسجد له حرمة فجاء على طبيعتهم إذا جاءه البول يبتعد قليلا ويبول فبال في المسجد. فالصحابة رضي الله عنهم قاموا يزجرونه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزرموه دعوه». فتركوه حتى بال ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استدعاه وأخبره أن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول ولا القذر إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن فهنا النبي صلى الله عليه وسلم عامله بالحسنى ولذلك جاء في بعض الروايات أنه قال اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد حجرت واسعا». فهنا النبي صلى الله عليه وسلم عامله بالحسنى. لو أن النبي صلى الله عليه وسلم زجره ربما لو كان مسلما لارتد ولو كان كافرا ربما لم يسلم. أيضا لو زجره وقام ربما لو أنه يعني بلل قطعة واحدة أو بقعة واحدة وإذا قام فإن البول يتاثر به عدة بقع فهذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في رفقه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومع ذلك نقول إن هذا هو الأصل أن يكون برفق لكن إذا اقتضى الأمر أن يشتد في الأمر والنهي فانه يستعمل الشدة موضعها ولا يكون دائما لينا. ولذلك مثلا في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع من لبس خاتم ذهب. النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الذهب حلال للإناث حرام على الذكور جاء أحد الصحابه وكان لابسا خاتم ذهب ربما لم يعلم ربما لسبب أو لاخر لا نعلم ما السبب في لبسه فالنبي صلى الله عليه وسلم يعني وأمام الناس جاء وخلع خاتمه وطرحه في الأرض وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده». فهنا النبي صلى الله عليه وسلم ما استعمل الرفق إنما استعمل الشدة فهو يستعمل الشدة في موضعها والرفق في موضعه وإن كان أكثر تعامله صلى الله عليه وسلم بالرفق لكن إذا اقتضى الأمر أن يشتد فانه يشتد.
قال إنه فيه حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وهذا والرفق من حسن الخلق. وأيضا فيه رد السلام مرارا إذا كرره المسلم على ما جاء في بعض الروايات طبعا الرواية التي ذكرها المؤلف ما فيها رد السلام يقول جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال ارجع فصل لكن جاء في بعض الروايات في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم رد عليه السلام يرد عليه ثم يقول له ارجع فصلي فانك لم تصل. ولعل الروايات التي لم يذكر فيها الرد يعني أغفله الراوي للعلم به لأنهم يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يترك الرد فلم يذكره الراوي.
قال الثاني تكرر من الفقهاء رحمهم الله تعالى الاستدلال على وجوب ما ذكر في هذا الحديث وعدم وجوب ما لم يذكر فيه يعني أن الفقهاء رحمهم الله تعالى جعلوا هذا الحديث أصلا فما ذكر فيه من الأمور فإنهم يجعلونه من الواجبات وما لم يذكر فيه فإنهم يستدلون بهذا الحديث على عدم وجوبه. قال رحمه الله في الاستدلال على المسألتين على وجوب ما ذكر وعلى عدم وجوب ما لم يذكر: قال فأما وجوب ما ذكر فيه فتعلق الأمر به يعني يقول إنما وجب ما ذكر فيه فلانه مامور به جاء الأمر به ومقتضى الأمر الوجوب إذا قمت إلى الصلاة كبر تكبيرة الإحرام ومقتضى الأمر الوجوب فتكون تكبيرة الإحرام واجبة. يقصد بها أنها ليست مندوبة بغض النظر هل هي واجبه تجبر بسجود السهو أو واجب بمعنى لابد من القيام بها.
وأما عدم وجوب غيره فليس ذلك لمجرد كون الأصل عدم الوجود بل لامر زائد عن ذلك وهو أن الموضع موضع تعليم وبيان للجاهل وتعريف لواجبات الصلاة وذلك يقتضي حصار الواجبات بما ذكر. يعني يقول كوننا نستدل بهذا الحديث على أن ما لم يذكر فيه ليس بواجب ليس من باب أن الأصل براءة الذمة وهو وإن كان دليلا لكن يقول عندنا دليل أقوى وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام يعلم انسانا جاهلا فالأصل أن ما لم يذكره فانه لا يجب لأنه لو كان يجب للزم من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر البيان عن وقت الحاجة وذلك لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
ولذلك قال ويقوي مرتبة الحصر أنه عليه الصلاة والسلام ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي وما لم تتعلق به إساءته من واجبات الصلاة وهذا يدل على أنه لم يقتصر المقصود على ما وقعت فيه الإساءة فقط يعني يقول النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث ما ذكر فقط ما أخل به المصلي إنما ذكر حتى ما لم يخل به ذكر تكبيرة الإحرام يقول تكبيرة الإحرام الأصل أنه جاء بها الذي يبدو والله أعلم أنه أخل به الطمانينة ولذلك كررها في كل ركن لكن ومع ذلك قال فكبر ثم قال ما يسرك ثم اركع هل كان لا يركع هل كان لا يسجد بل كان يركع ويسجد لكن كان لا يطمئن ولذلك يقول هذا مما يدل (يعني النبي صلى الله عليه وسلم هنا ذكر أمورا أخل بها وأمورا لم يخل بها) يقول هذا مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد حصر الواجبات فيما ذكر. لأن بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى قالوا لا النبي صلى الله عليه وسلم هنا فقط ذكر ما أخل به هناك أشياء لم يخل بها لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكرها فهنا رد عليهم بأنه النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ما أخل به وما لم يخل به.
قال إذا تقرر هذا الآن سيذكر لك إذا تقرر ما ذكر سابقا من أن ما ذكر فيه فهو واجب وما لم يذكر فيه فغير واجب. قال إذا تقرر هذا فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه وكان مذكورا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به بوجوبه عملا بهذه القاعدة. إذا وجدت العلماء اختلفوا في مسألة من المسائل مثلا لو اختلفوا في تكبيرة الإحرام وإن كان تكبيرة الإحرام ليس فيها خلاف لكن لو فرض أنهم اختلفوا في تكبيرة الإحرام فقال بعضهم إنها واجبة وقال بعضهم إنها ليست بواجبة وهي مذكورة في هذا الحديث فنتمسك بهذا الحديث على وجوبها.
المسألة الثانية قال وكل موضع اختلف فيه ولم يكن مذكورا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في عدم وجوبه أن نتمسك بالحديث في عدم وجوبه لكونه غير مذكور في هذا الحديث على ما تقدم من كونه موضع تعليم وقد ظهرت قرينة مع ذلك على قصد ذكر الواجبات يعني يقول إذا اختلف العلماء في مسألة هل هو واجب أو ليس بواجب وليس مذكورا في هذا الحديث مثلا لو قلنا التشهد الأول مثلا اختلف العلماء هل هو واجب أو ليس بواجب وليس مذكورا في هذا الحديث فهنا الذين يقولون ليس بواجب لهم التمسك بهذا الحديث على أنه غير واجب لأنه لو كان واجبا لذكر إضافة إلى أن هذا الباب باب تعليم وهذا الأعرابي وهذا المسيء في صلاته كان جاهلا.
أيضا المسألة الثالثة كل موضع طبعا هذا مجرد مثال وإن كان التشهد واجبا لكن دلت عليه أدلة أخرى. الثالث هو كل موضع اختلف في تحريمه فلك أن تستدل بهذا الحديث على عدم تحريمه لأنه لو حرم لوجب التلبس بضده فان النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده ولو كان التلبس بالضد واجبا لذكر على ما قررناه فصار من لوازم النهي الأمر بالضد ومن لوازم الأمر بالضد ذكره في الحديث على ما قررناه فإذا انتفى ذكره أعني الأمر بالتلبس بالضد انتفى ملزومه وهو الأمر بالضد وإذا انتفى الأمر بالضد انتفى ملزومه وهو النهي عن ذلك الشيء.
يعني يقول كل موضع اختلف في تحريمه يعني مثلا لو قلنا رفع البصر إلى السماء اختلف يقول لك أن تستدل بهذا الحديث على عدم التحريم لماذا؟ لأنه لو حرم لوجب التلبس بضده فإن الناهي عن الشيء أمر بأحد أضداده ولو كان التلبس بالضد واجبا لذكر على ما قررناه يعني يقول لو جاء الحديث مثلا الأمر بتوجيه النظر إلى الأرض أو توجيه النظر إلى الإمام قلنا نعم نمنع رفع النظر إلى السماء رفع البصر إلى السماء لأنه قد أمر في هذا الحديث بضده أو بأحد أضداده فإذا لم يأت أمر بأحد أضداده دل على أن هذا لم يكن للتحريم لأنه لو كان للتحريم لكان الأمر المختلف فيه محرما.
لا يُؤمَر بأحد الأضداد دل على أن الضد غير مأمور به، وإذا انتفى الأمر بالضد إذا انتفى ملزومه نُهي عن ذلك الشيء. طبعا هذا كله، هذا طبعا ذكرته كمثال فقط. الآن سيذكر لك متى يصح لك الاستدلال بهذه القواعد التي ذكر، قال: فهذه الثلاث طرق، يعني وجوب ما ذكر في هذا الحديث، وعدم وجوب ما لم يذكر في هذا الحديث، وعدم تحريم ما لم يذكر في هذا الحديث.
قال: الثلاث طرق يمكن الاستدلال بها على شيء كثير من المسائل المتعلقة بالصلاة، لكن نبهنا إلى ثلاث تنبيهات. قال: إلا أن على التحقيق في هذا ثلاث وظائف. ما هي؟ قال: إحداها أن يجمع طرق هذا الحديث ويحصي الأمور المذكورة فيه، ويأخذ بالزائد؛ فإن الأخذ بالزائد.. يعني لا يجمع، لا يأخذ رواية واحدة ويقول مثلاً قراءة الفاتحة إذا غير مذكورة في هذا الحديث إذا لا يجب قراءة الفاتحة.
لا، نقول قراءة الفاتحة عندنا في حديث المسيء صلاته من القرآن والفاتحة واجب بَدل الحديث الآخر، أو نقول هناك رواية أخرى نص فيها على الفاتحة، فلا تأخذ فقط الرواية هذه وتقول إذا غيرها لم يذكر. ولذلك ابن حجر رحمه الله لما ذكر ذلك جمع الروايات في الفتح، جمع الروايات الأخرى، جمع الروايات الأخرى.. يعني الأوامر التي جاءت في الروايات الأخرى؛ أنه جاءت عدة روايات، يعني مثلاً قراءة الفاتحة جاء في رواية: ثم اقرأ بأم القرآن واقرأ بما شئت، جاء مثلاً في.. جاء في مثلاً اقبل القبلة، أسبغ الوضوء: إذا قمْتَ إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر، فهذه كلها جاءت، ولا نقول إنها ما دام مثلاً استقبل القبلة لم يُذكر إذا لا قبلة. لا، أقول لابد أن تجمع طرق الحديث وتحصي الأمور المذكورة الزائدة على ما في هذه الرواية التي عندك.
ثم إذا جمعت الطرق كله بإمكانك أن تقول ما ذكر فيها فهو واجب، ما لم يذكر فيها فهو غير واجب. الأمر الثاني، يقول: وثانيتها إذا قام دليل على أحد الأمرين، إما على الوجوب أو على عدم الوجوب؛ فالواجب العمل به ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا في باب النفي يجب التحرز فيه أكثر، فلينظر عند عارض أقوى الدليلين فيعمل به. وعندنا أنه إذا استدل على عدم وجوب شيء بعدم ذكره في الحديث، وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر، فالمقدم صيغة الأمر، وإن كان يمكن أن يقال الحديث جاء لعدم الوجوب وتحمل صيغة الأمر على الندب، لكن عندنا أن ذلك أقوى؛ لأن عدم الوجوب متوقف على مقدمة أخرى سنتكلم عنها بعد قليل.
يعني يقول الآن مثلاً قام دليل.. مثلاً هنا معك: إذا قمْتَ إلى الصلاة فكَبِّر، ثم اقرأ ما تيسر من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً.. هنا مثلاً حتى تطمئن كان جاء.. جاء الدليل على وجوب الطمأنينة. لو جاءنا دليل آخر على عدم وجوب الطمأنينة، لو جاءنا.. نحن نفترض لو جاء دليل آخر.. فهنا تعارض دليلان. فما جاءك دليل آخر على عدم وجوب الطمأنينة، خلاص تتمسك. إذا جاك الآخر فهنا تنظر ما هو الأقوى؟ ما هو الأقوى؟ قد يكون مثلاً عندك الدليل الذي فيه وجوب الطمأنينة متقدم، والدليل الذي فيه عدم وجوب الطمأنينة متأخر، فتقول إذاً الأقوى المتأخر. وقد يكون العكس، فتقولون إذاً الأقوى هو الدليل الذي يوجب الطمأنينة لأنه يعتبر ناسخاً للأخر. فهنا تنظر أي الدليلين أقوى، إذاً تتمسك بهذا الحديث، تتمسك بما ورد من هذا الحديث من أمور واجبة، وتتمسك بعدم وجوب ما لم يرد إلا إذا جاك دليل ثاني. إذا جاك دليل ثاني فهنا تنظر ما هو الأقوى؟
قال في باب النهي يتحرز أكثر؛ يعني عندنا في باب النفي.. يعني عندنا مثلاً تقول لا يجب مثلاً كذا، لا يجب السلام، ما ذكر في الحديث السلام، لكن جاءت أدلة أخرى فيها السلام، فيها وجوب السلام. فهنا هل نقول ما دام ما ورد في حديث المسيء في الصلاة إذاً غير.. نقول جاء في أحاديث أخرى، قد يكون التسليم غير واجب في الصلاة ثم وجب لاحقاً، قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم ما رآه وأخل به، ما رآه وأخل بالسلام فلم يذكره، وإنما ذكر الأمور الواجبة التي لم يُخل به ليبني عليه غيره.. يعني مثلاً الركوع ذكره ليبني عليه الطمأنينة، الاعتدال من الركوع ذكره ليبني عليه الاعتدال في القيام من الركوع، وهكذا، لكن التسليم ما ذكره لأنه لن يبني عليه شيئاً. فلذلك لابد أن تنتبه.. ولذلك قال: وعندنا أنه إذا استدل على عدم وجوب شيء بعدم ذكره في الحديث، وجاءت صيغة الأمر في حديث.. لو قدم صيغة الأمر.. يعني عندنا يقول مثلاً لو.. لو لم تأتي رواية بوجوب قراءة الفاتحة.. يعني رواية المسيء بوجوب قراءة الفاتحة.. ثم جاء حديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، فهنا ماذا نقدم؟ النفي، أنه عدم الوجوب، أو نقدم الأمر؟ هنا يعني الأمر، وجوب قراءة الفاتحة مقدم، الوجوب؛ لأن.. لأن الموجب معه زيادة علم. قال: وإن كان يمكن أن يقال الحديث دليل على عدم الوجوب وتحمل صيغة الأمر.. يعني.. يعني يقول ممكن أن نجمع بين الأمرين فنقول: الأمر في.. مثلاً لو جاء حديث «اقرؤوا فاتحة الكتاب» وهنا ليس فيه، فنقول: إذاً «اقرؤوا فاتحة الكتاب» هذا يحمل على الندب بدليل عدم ذكرها. يقول: هذا ممكن، لكن الأقوى الأول.
لماذا؟ يقول لك: عندنا مقدمة، يقول: لأن عدم الوجوب متقدم على.. متوقف على مقدمة أخرى، وهو أن عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر. يعني عندنا هو قال: عدم الذكر في الرواية يعني يقول اللي قلناه.. اللي قلناه في البداية: إن ما لم يذكر في الحديث يدل على عدم وجوبه. لكن هل عدم ذكره في الرواية يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكره؟ قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم ذكره لكن الراوي نسي ذكره، نسي روايته. فهنا عدم ذكره من الراوي لا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكره.
قد تقول: قد تقول هذا في إشكال؛ لأنه هنا يكون نُسِي بعض التشريع، فيكون فيه طعن بالصحابه أنهم نسوا بعض التشريع. نقول لك: لا. لماذا؟ لأن هذا التشريع ثبت بنصوص أخرى. يعني مثلاً لو كان النبي صلى الله عليه وسلم قال له اقرأ بأم القرآن، ولا جاءت رواية فيها اقرأ بأم القرآن، أو افترضنا أنه لم تأتي رواية في حديث المسيء في صلاته باقرأ بأم القرآن.. كل الروايات ليس فيها ذلك.. فهنا لو كان الرواة لم يذكروا اقرأ بأم القرآن، هل نقول إن هذا فيه إخلال فينقل أحكام ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا؛ لأن الأمر بقراء الفاتحة جاء في أحاديث أخرى، جاء في أحاديث أخرى، لكن لو لم يأتِ أحاديث أخرى نقول نعم صحيح، هنا صار الإخلال من الصحابي في نقل التشريع، لكن لما جاء في أحاديث أخرى لم يكن ذلك.
وليعلم أن الله عز وجل حافِظٌ دينه وحافظ كتابه وحافظ شرعه، لا يمكن أن ينسى الصحابة رضي الله عنهم تبليغ شيء من الدين علموه من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يكون الصحابة بلغوه ولم ينقله لنا التابعون لهم بإحسان، وهذا من تمام حفظ الله لشرعه. ولذلك يقول: عدم الوجوب متوقف على مقدمة أخرى، وهو أن عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر، وهذه غير المقدمة التي قررناها، وهو أن عدم الذكر يدل على عدم الوجوب؛ لأن المراد تم هنا أن عدم الذكر في نفس الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على عدم الوجوب. أن يقول الأقوى: أن نقول إذا لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا هو اللي يدل على عدم الوجوب، لكن قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم ذكره لكن لم ينقله الصحابة. قال: فإنه موضع بيان، وعدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في الرواية. وعدم الذكر في الرواية إنما يدل على عدم الذكر في نفس الأمر بطريقة يقال: لو كان لذَكَره، أو بأن الأصل عدمه. وهذه المقدمة أضعف من دلالة الأمر على الوجوب.
يعني يقول: إن يقول إن عندنا هذا.. يعني في باب النفي ما لم يذكر لم يجب عندنا قاعدة: الأصل في الأمر الوجوب. مثل الآن نمثل على.. الآن نمثل على قراءة الفاتحة أو التسليم في الصلاة، التسليم في الصلاة جاء الأمر بالتسليم في الصلاة وجاء الخبر بأنه تحليلها التسليم، ولم يأت رواية فيها.. يعني في حديث المسيء في صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالتسليم. طيب، أي الدليلين أقوى؟ يقول لك: الدليل الذي فيه الأمر بالتسليم أقوى، أن الأمر يدل على الوجوب. لماذا؟ يقول: عندنا النفي هنا نفي الذكر في الرواية هل يدل على نفي الذكر في نفس الأمر أو لا؟ يقول: لا، قد يكون جاء من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكره الصحابي.
لكن يقول: لو فرضنا أن نقول عدم الذكر في الرواية مساوي لعدم الذكر في نفس الأمر؛ لأنه لو وجب لذَكَره، أو لأن الأصل براءة الذمة. يقول: هذا مبني على مقدمة، والمقدمة مبنية.. المقدمة، لكن عندنا.. فضعفت دلالتها.. يعني الشيء الذي تدل عليه بعدة مقدمات دلالته تكون أضعف من الشيء الذي تسد المقدمة الواحدة. عندنا هذا: التحليل تحليلها التسليم، هذا خبر بمعنى الأمر، هذا خلاص تقول الخبر بمعنى الأمر، والأمر الأصل في الوجوب. لكن هذا تقول لم يذكر، والأصل أن ما لم يذكر لم يجب، وهو لم يذكر في الرواية، والأصل أن ما لم يذكر في الرواية ليس مذكراً في نفس الأمر، وأيضاً لو كان.. يعني واجباً لذَكَره، ولأن الأصل براءة الذمة، هذه كلها مقدمات تريد أن تصل فيها إلى ما تقر. فيقول لك: عندنا هذه ذكر فيها التحليل والتسليم، وهذا الخبر بمعنى الأمر، والأمر للوجوب، خلاص انتهى. يقول لك: هذا الدليل أقوى من هذا الدليل فنأخذ به.
إذاً هذا التنبيه الثاني الذي ذكره، إذاً التنبيه الأول هو أنه لا نقول ما ذكر فيه واجب وما لم يذكر فيه غير واجب إلا إذا جمعنا طرق الحديث كله. والامر الثاني إذا جاءنا أمر وقلنا واجب، ولا جاءنا شيء غير مأمور به وقلنا غير واجب، فننظر.. هذا الأصل نتمسك به إلا إذا جاء دليل أقوى، دليل أقوى فهنا ننظر للدليل الاقوى.. يعني إذا جاء دليل آخر فننظر للدليل الاقوى أيهما أقوى؟ هذا أو هذا؟
طيب عندنا يقول: وأيضاً فالحديث الذي فيه الأمر اثبات لزيادة في الأمر به.. يعني هذا أمر آخر، وهو أن الحديث الذي فيه الأمر.. مثل التحية والتسليم.. هذا فيه إثبات لزيادة، والأصل أن الزيادة من الثقة مقبولة. قال: وهذا البحث كله بناءً على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو ظاهر فيه، المخالف يخرجه عن حقيقته بدليل عدم الذكر. فيحتاج الناظر المحقق في الموازنة بين الظن المستفاد من عدم الذكر في الرواية وبين الظن المستفاد من كون السياق الوجوب، والثاني عندنا أرجح.
يعني يقول: عندنا الآن موازنة بين أمرين، الأمر الأول: أن عدم ذكر هذه المساله في هذا الحديث يدل على عدم وجوبها. الظن الثاني: أن ذكر هذه المساله في الحديث الآخر بصيغة الأمر يدل على وجوبها. فأي الظَّنَّيْن أقوى؟ يقول: الظن المستفاد من الحديث الآخر الذي فيه الوجوب أقوى.
الثالث.. الثالث من التنبيهات يقول: وثالثتها أن يستمر على طريقة واحدة ولا يستعمل في مكان ما يتركه في آخر، فيتعلق نظره واستعمال القوانين المعتبرة في ذلك استعمالاً واحداً؛ فانه قد يقع هذا الاختلاف في النظر في كلام كثير من المتناظرين. يعني يقول: ينبغي للفقيه الذي يستدل بمثل هذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه وعدم وجوب ما لم يذكر فيه بعد جمع الروايات ونحو ذلك، أن يستمر على طريقة واحدة. ما يجي في مسألة يقول هذا.. هذه المسألة واجبة بدليل ذكرت في الحديث، طيب يأتي إلى مسألة أخرى وهي مذكورة في الحديث يقول لا، غير واجب. لماذا؟ ما يكون له دليل.. يعني رد واضح على المسألة.. يعني لو كان له رد واضح مثل التنبيه الثاني أن في دليل أقوى وجاء ظن أقوى من آخر ما في إشكال، لكن كونه ياتي في مسألتين ويقرر أن إحداهما واجبة بدليل ذكرها في الحديث أو أنها غير واجفة بدليل عدم ذكرها في الحديث، ثم تاتي مسألة أخرى نفس المعطيات التي في المسألة الأولى موجودة في المسألة الأخرى ويختلف حكم ولا يكون له جواب واضح.. ويعني قوي عن الاستدلال بالحديث، فهنا يكون متناقضاً.
وعَبَّر دقيق العيد رحمه الله هنا بتَفَعُّل نظره؛ لأن الثعلب من طبيعته الروغان، من طبيعته الروغان، فيقول: هذا لا ينبغي للفقيه، وهذا.. يعني يقع من بعض المتناظرين ومن بعض الفقهاء الذين.. يعني يذكرون الأدلة والردود على المخالفين في كتبهم قد يقع منهم بعض من ذلك، الذي سماه الشارح رحمه الله هنا التَّفَعُّل.
ولذلك تجد.. وهذا أكثر ما يمكن فعله ابن حزم، يعني أقصد من ناقشه، ابن حزم فيما يسمى بالإلزام، إلزام المخالف. قد يقول.. يعني أقصد.. يناقش هذه المسألة، قد يقول المخالف: أنت تقول كذا وأنت تناقض نفسك، في المسألة الثانية قلت كذا. وابن دقيق العيد رحمه الله في هذا الكتاب أيضاً في مسائل يقول: يلزمهم كذا، فهم استدلوا بكذا، ويلزم على قولهم أنه كذا المخالف.
ل الشيخ فؤاد الهاشمي وفقه الله رسالة جيدة في إلزام ابن حزم للمخالفين.
طيب، نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان