دخولتسجيل الدخول

المجلس التاسع والستون من مجالس التعليق على إحكام الأحكام2- شرح حديث المسيء في صلاته (1) المسألة 1-2

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملاً صالحاً يا كريم. أما بعد:

فهذا هو المجلس التاسع من مجالس التعليق على أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وكنا قد توقفنا عند الحديث الرابع عشر من أحاديث باب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: الحديث الرابع عشر عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اعتدالوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب».

قال الشارح ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: لعل الاعتدال هنا محمول على أمر معנוي، وهو وضع هيئة السجود موضع الشرع على وفق الأمر؛ فإن الاعتدال الخُلُقي الذي طلبناه في الركوع لا يتأتى في السجود؛ فانه ثم استواء الظهر والعنق، والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي، حتى لو تساويا ففي بطلان الصلاة وجهان لأصحاب الشافعي رحمه الله تعالى.

يقصد المؤلف رحمه الله تعالى هنا أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاعتدال في السجود لا يعني منه أن يستوي الظهر في السجود كما قلنا في الركوع أن يستوي الظهر، لا؛ بل الاعتدال في السجود المراد به أن يكون على وفق الأمر الشرعي. لماذا؟ لانه لو اعتدل في السجود ما وافق الأمر الشرعي لو اعتدل بمعنى سوى ظهره في السجود فإنه لم يوافق الأمر الشرعي، ولذلك يقول: المطلوب في السجود ارتفاع الأسافل على الأعالي، فأسفل جسمه من ظهره ونحو ذلك يكون مرتفعاً على أعلى جسمه من وجهه، فوجهه يكون في الأرض وظهرُه يكون مرتفعاً نوعاً ما، أما في الركوع فإن الظهر يكون مستوياً، ولذلك قال: لو تساوى أعلى جسمه وأسفله في السجود، فهل تصح صلاته أو لا؟ هنا يقول قولان لأصحاب الشافعي.

طيب، لماذا حمله على ذلك؟ لماذا حمل الاعتدال على المعنى المعنوي ولم يحمله على المعنى الخُلُقي؟ قال: ومما يقوي هذا الاحتمال أنه قد يفهم من قوله عقيب ذلك: «ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب»، أنه كالتتمة للأول، وأن الأول كالعِلة للاعتدال؛ فالاعتدال الذي هو فعل الشيء على وفق الشرع عِلة لترك الانبساط، انبساط الكلب؛ فإنه منافٍ لوضع الشرع الكلام في كراهة هذه الصفة.

هنا يقول: مما يدل على أن المراد بالاعتدال الاعتدال المعنوي، أنه جاء في الحديث بعد الأمر بالاعتدال النهي عن بسط الذراعين انبساط الكلب، وهذا يقول يظهر منه أنه كالتتمة للأول، يعني أن الجملتين ليست اجنبيتين عن بعض، بل الثانية تتمة، فيكون من الاعتدال في السجود ترك بسط الذراعين انبساط الكلب، يعني بَسْطَهُما، يعني يبسطهما على الأرض، فيكون المراد أن يرفعهما عن الأرض الذراعين، وإذا رفعهما لزم منه أن يرفع الظهر، فيكون ذلك هو المراد بالاعتدال في السجود.

وإنما أمر بالاعتدال في السجود لأنه أشبه بالتواضع في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبعد عن هيئة الكسالة. ويشعر حال الباسط ذراعيه بالسجود، يشعر حاله بالتهاون في الصلاة وقلة الاعتناء بها والاقبال عليها، كما قاله ابن العطار رحمه الله تعالى.

قال المؤلف رحمه الله: وقد ذكر في هذا الحديث الحكم مقروناً بعلته. يقصد أن قوله: ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب، هذا كأنه علة؛ فيقول: إنه نهي عنه لأن فيه مشابهة للحيوان؛ لذلك قال: فان التشبه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركه في الصلاة. ومثل هذا تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم لما قصد التنفير عن الرجوع في الهبة قال: «مثل الراجع في هبته كالكلب يعود في قيئه». فهنا التشبيه بالأشياء الخسيسة والاشياء الناقصة هذا دليل على التنفير عن الشيء، ولذلك هنا كأنه قال: ولا يبسط أحدكم ذراعيه؛ كأنه قال: لأن الكلب يبسط ذراعيه، فإذا بسطت ذراعيك في السجود اشبهت الكلب، وأنتم منهيون عن التشبه بالحيوانات في الصلاة.

وجاء النهي عن التشبه بعدة حيوانات في الصلاة، وجمعها الصنعاني رحمه الله في سبل السلام بقوله: إذا نحن قمنا في الصلاة فإننا ... نهينا عن الاتيان فيها بستة بروك بعير، والتفات كثعلب، ... ونقر غراب في سجود الفريضة وإقعاء كلب، أو كَبْسِ ذراعه، ... وأذناب خيل عند فعل التحية

هذه ستة، ثم قال: وزدنا كتدبيح بمد لعنق، ... وتصويب رأس بركعة

يعني نهي عن التذبيح، كتدبيح الحمار، يعني أن يكون ظهره مستوياً، لكن ينزل رأسه، يعني في الركوع، وينزل رأسه إلى الأرض، والمشروع أن يكون رأسه مساوياً لظهره، كما قالت عائشة رضي الله عنها: كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك.

انتهينا من باب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وننتقل إلى الباب الذي يليه.