دخولتسجيل الدخول

المجلس الثامن والستون من مجالس التعليق على إحكام الأحكام- شرح الحديث الثالث عشر- باب صفة صلاة النبي

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد، فهذا هو المجلس السادس من مجالس التعليق على كتاب أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وقد توقفنا عند الحديث الثالث عشر من أحاديث باب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث أبي قتادة الأنصاري.

يقول المؤلف رحمه الله تعالى: عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأبي العاص بن الربيع بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها.

قال الشارح رحمه الله تعالى: أبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي -بكسر الراء المهملة وسكون الباء الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد الياء، والمهملة يقصد غير المنقوطة- ابن بلدم، ويقال: بلدم -بضم الباء والدال وفتحهما-. مات بالمدينة سنة 44، وقيل: مات في خلافة علي بالكوفة وابن 70 سنة، وقيل: سنة 40، وقيل إنه كان بدريا، ولا خلاف أنه شهد أحدا وما بعد.

هذا في التعريف بالراوي. هنا هذا الحديث في الحركة للحاجة في الصلاة، وهل تؤثر الحركة للحاجة أو لا؟ وحركة النبي صلى الله عليه وسلم هنا في حمله أمامة بنت زينب ابنته صلى الله عليه وسلم، فهل التحرك في وضعها وحملها يؤثر على صحة الصلاة أو لا؟ لأن الصلاة الأصل فيها أن يكون الإنسان ساكنا بغير أفعال الصلاة؛ لأنه مطلوب منه الخشوع والخضوع لله تعالى، فاذا تحرك بحركات خارجة عن جنس الصلاة، فهل تؤثر هذه الحركات على الصلاة أو لا؟ هذا ما سيتحدث عنه في هذا الحديث.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: الكلام على هذا الحديث من وجهين: أحدهما: النظر في هذا الحمل ووجه إباحته، والذي تكلمنا عنه في الحركة في الصلاة. والثاني: النظر فيما يتعلق بطهارة ثوب الصبية؛ لأن من شروط صحة الصلاة اجتناب النجاسة، وثياب الأطفال قد تصيبها النجاسه، فهل يؤثر لو حمل شخص طفلا ولم يعلم أن عليه نجاسة، لكن قد يكون فيه نجاسة أو لا؟ هذا ما سيتكلم عنه في تعليق هذا الحديث.

قال: فأما الأول في حمل الصبي، فقد تكلموا في تخريجه على وجوه. يعني العلماء رحمهم الله تعالى لما قرروا أنه لا يتحرك في الصلاة بغير جنس الصلاة، ورأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم تحرك هنا من غير جنس الصلاة، أجابوا عن هذا الحديث واختلفت إجاباتهم، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى ستة أجوبة، وسيذكر ما يناقش به كل جواب.

فيقول: أحدها: أن ذلك في النافلة. وهو مروي عن مالك رحمه الله تعالى. وكأنه لما رأى المسامحة في النافلة قد وقعت في بعض الأركان والشرائط، كان ذلك تأنيسا بالمسامحة في مثل هذا. يعني الإمام مالك رحمه الله روي عنه ثلاث تخريجات وهي التي ذكرت في التخريج الأول والتخريج الثاني والتخريج الثالث. فأحد التخريجات أن هذا في النافلة، وهذا رواه ابن القاسم عنه عن الإمام مالك رحمه الله تعالى.

لماذا حمله الإمام مالك رحمه الله على أنه في النافلة؟ يقول: لما استقرا أحكام النافله في الشرع، وجد أن النافلة يخفف فيها في بعض الأحكام. قال: لما رأى المسامحة في النافلة قد وقعت في بعض الأركان، فمثلا القيام؛ القيام في الفرض ركن، وفي النافلة مستحب. والشرائط؛ استقبال القبلة في صلاة الفريضة ركن، سواء كان في السفر أو في الحضر، واستقبال القبلة في النافلة لمن كان يصلي في سفره على الراحلة هذا مستحب. فلما رأى الإمام مالك رحمه الله تعالى التخفيف في النافلة في بعض المسائل، حمل ما ورد في هذا الحديث على أنه يجوز في النافلة دون الفريضة.

المؤلف رحمه الله تعالى ناقش هذا من وجهين. الوجه الأول: قال: ورد هذا القول بما وقع في بعض الروايات الصحيحة: بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر، خرج علينا حاملا أمامة، وذكر الحديث، وظاهره يقتضي أن ذلك كان في الفريضة. فاذا يجاب عن هذا الحمل -يعني تخريجه- يجاب عن تخريج هذا الحديث على النافلة من وجه؛ الوجه الأول: أنه جاء في بعض الروايات أن هذا وقع في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الظهر أو العصر، وجاء في رواية أخرى أيضا أنه في صلاة الفجر في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الفجر، قال: وظاهره يقتضي أن ذلك كان في الفريضة. هذا ذكره المازري في المعلم وغيره. فخروج النبي صلى الله عليه وسلم إليه من الصلاة بهم، إذا هذا يدل على أنه في الفريضة.

قال: وإن كان يحتمل أنه في نافلة سابقة على الفريضة؛ يعني قد يقول قائل: إنه صح هذا حصل من النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج لصلاه العصر، لكنه لما خرج صلى مثلا تحية المسجد أو السنة الراتبة القبلية، وكان حاملا أمامة، فيكون هذا في صلاة النافلة لا صلاة الفريضة. إذا هذا جواب على هذا الجواب.

لكن قال لك ومما يبعد هذا التأويل أننا نحمل على النافلة أن الغالب في إمامة النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت في الفرائض دون النوافل. يعني قد يقول قائل: طيب يمكن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وصلى بهم نافلة؟ لكن يقول لك: الغالب في إمامة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن ذلك كان في الفريضة دون النافلة. أما إمامته في النوافل مثل صلاة الاستسقاء، مثل صلاة التراويح، مثل قيام الليل في بعض أصحابه كابن عباس وابن مسعود وحذيفة؛ كلهم ائتم بالنبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل، لكن الغالب في إمامته صلى الله عليه وسلم أنه في الفريضة لا في النافلة.

قال هنا أيضا إشكال، قال: يعني كوننا نحمله على صلاة فريضة وأنه إمام، يقول: هذا يتوقف على أن يكون الدليل قائما على كون النبي صلى الله عليه وسلم كان إماما. يعني قد يقول قائل: لا، ليس في الفريضة، بل هو في النافلة، وأنتم تقولون: إن الغالب أن النبي صلى الله عليه وسلم يؤم أصحابه في الفريضة لا في النافلة، نقول لكم: ما في دليل أنه في النافلة، أنه إمام، بل قد يكون صلى وحده ورآه الصحابه يفعل ذلك.

فيقول في الجواب عن هذا الإيراد: وقد ورد ذلك مصرحا به في رواية سفيان بن عيينة بسنده إلى أبي قتادة الأنصاري وهي في صحيح مسلم: «رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة بنت أبي العاص وهي بنت زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على العاتق» في الحديث. إذا هذا صريح في أنه إمام. طيب، ما دام أنه صح أنه إمام، والأصل في أو الغالب في إمامة النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون في الفريضة لا في النافلة، فلذلك يندفع هذا التوجيه الذي نقل عن الإمام مالك رحمه الله تعالى في أنه يحمل على النافلة.

التوجيه الثاني: قال الوجه الثاني: أن هذا الفعل كان للضرورة، وهو مروي أيضا عن مالك، نقله عن مالك أشهب وابن نافع. قال: وفرق بعض أتباعه بين أن تكون الحاجة شديدة بحيث لا يجد من يكفي أم الصبي ويخشى عليه، فهذا يجوز في النافله والفريضة، وبين -وإن كان حمل الصبي في الكفاية على معنى- وإن كان حمل الصبي في الصلاة على معنى الكفاية لأمه يشغله بغير ذلك لم يصلح إلا في النافلة.

أنه يحمل على الضرورة، وهذه الضرورة على يعني ليست على مرتبه واحدة، فقد يكون حمل النبي صلى الله عليه وسلم لأمه؛ لأنه لم يكن هناك من يرعاها في البيت، فتعلقت الرعايه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجاء وقت الصلاة فلم يكن له بد من حملها، فيقول: إذا وصلت إلى هذه الحال -هذا طبعا هذا التفصيل مروي عن بعض المالكية- إذا وصلت إلى هذه الحال جاز في الفريضة والنافلة. أما إذا كان لا، أم الطفل موجودة، أم الطفل موجودة لكنها انشغلت بأمر آخر، يعني يمكنها أن تمسك الطفل لكنها انشغلت بأمر آخر يعني مع مشقة، فانشغلت بأمر آخر فيجوز لغيرها أن يحمل الطفل في النافلة دون الفريضة؛ لأن هذه ليست الضرورة مثل الأولى. هذا تفريق بعض المالكية.

أجاب عنه المؤلف رحمه الله قال: وهذا أيضا عليه من الإشكال أن الأصل استواء الفرض والنفل في الشرائط والأركان إلا ما خصه الدليل. إذا يجاب عن هذا التوجيه؛ لأن هذا في الضرورة، وأن الضرورة إن كانت ضرورة شديدة فتجوز في الفريضة والنافلة، وإن كانت ضرورة أخف وهي ما تسمى بالحاجه فإنها تكون في النافلة فقط، يقول: هذا التوجيه يرد عليه أن الأصل استواء الفرض والنفل في الشروط والأركان، فلا نقول هذا يجوز في النافلة دون الفريضة، فلا نقول إن هذا يجوز في النافلة دون الفريضة.

الثالث: قال الوجه الثالث: أن هذا منسوخ. وهذا أيضا مروي عن مالك، مروي عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، رواه عنه التنيسي كما ذكره القاضي عياض في إكمال المعلم. فيقولون: هذا كان وقت السماح بالحركة؛ لأن في أول الاسلام كانوا يتكلمون في الصلاة بالكلام الجانبي، إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. فيقولون: هذا الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم كان في أول الاسلام لما كان الكلام أيضا الأجنيبي مباحا في الصلاة.

وقال أبو عمر -اللي هو ابن عبد البر رحمه الله تعالى- في الاستذكار: ولعل هذا نسخ بتحريم العمل والاشتغال في الصلاة بغيرها؛ يعني أن هذا كان مباحا حينما كان الصلاة، حينما كان الكلام والحركة في الصلاة من غير جنس الصلاة كان مباحا.

أجاب عنه من وجهين: وقد رد هذا بأن قوله عليه السلام: «إن في الصلاة لشغلا» كان قبل بدر عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة، وأن قدوم زينب وابنتها إلى المدينه كان بعد ذلك. هذا الوجه الأول؛ يعني يقول: كانوا من قبل يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فيرد عليهم السلام، ثم بعد قدوم ابن مسعود من الحبشة سلم على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه، ما رد عليه، باللفظ ما رد عليه، بل بالاشارة، ثم قال له بعد الصلاة: «إن في الصلاة لشغلا». وجاءت رواية أخرى: أن الله قد أحدث في من أمر الدين وانه، وأنما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة. وهذا كان قبل غزوة بدر، عند قدوم ابن مسعود من الحبشة. لكن زينب وابنتها متى قدموا للمدينة؟ قدموا بعد ذلك؛ لأن أبا العاص بن الربيع أسر في غزوة بدر، أسر في غزوة بدر، ففدي بالقلادة التي بعثتها زينب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأطلقه النبي صلى الله عليه وسلم وشرط عليه أن يبعث زينب، فبعث زينب بعد غزوة بدر. فهنا يعني لما قدمت زينب وابنتها كان الكلام محرما في الصلاة، فحمله على أن ذلك كان وقت إباحة الكلام والحركة هذا فيه إشكال؛ لأن قدوم زينب كان بعد تحريم الكلام في الصلاة.

الأمر الثاني: يقول: ولو لم يكن الأمر كذلك لكان فيه اثبات النص بمجرد الاحتمال. يعني لو افتراضنا أنه يعني ما تعارض بينه وبين قصة ابن مسعود فنقول: انتم أثبتم النسخ بالاحتمال، قلتم: يحتمل أنه منسوخ، والنسخ لا يصار إليه إلا عند العلم بالتاريخ، تعذر الترجيح وعلم المتاخر من المتقدم، فإننا نقول: إن المتاخر ناسخ للمتقدم، أما إذا لم يعلم التاريخ فلا نقول بالنسخ، فلا نقول بالنسخ بمجرد الاحتمال؛ لأن القول بالنسخ يتضمن إبطال دلالة أحد الدليلين، إبطال دلالة أحد الدليلين هذا أمر يعني شديد، لا يبطل إلا بأمر واضح.

الوجه الرابع: أن ذلك مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم. يعني يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم فقط هو الذي يجوز له حمل الأطفال في الصلاة الذي يترتب عليه الحركة في الوضع والرفع، أما غيره فلا، فهذا من الأحكام الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا ذكره القاضي عياض رحمه الله، فقال: وقيل، وقد قيل: قال الوجه الرابع: أن ذلك مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم ذكره القاضي عياض رحمه الله، فقال: وقد قيل هذا خصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم، إذ لا يؤمن من الطفل البول وغير ذلك على حامله، وقد يعصم النبي صلى الله عليه وسلم منه ويعلم سلامته من ذلك مدة حمله. إذا هذا مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم.

لكنهم ما، يعني قائل هذا القول لم يتطرق إلى كثرة الحركة، وإنما تطرق إلى مسألة أخرى، وهي المسألة التي سيذكر المؤلف في شرح هذا الحديث، وهو احتمال النجاسة من الصبي. فقالوا: إن هذا مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعني يعلم أن هذا، يعلم أن هذا ملابس الطفل يعني أنها طاهرة ونظيفه وانه لن يصيبه بالبول، بخلاف غيره من الناس. قال: وهذا الذي ذكره إن كان

دليل على الخصوص. فبالنسبة إلى ملابس الصبي، مع احتمال خروج النجاسة منها، يقول هذا الأمر الذي تقولونه الدليل على الخصوص. يقول هذا يرجع إلى المسألة الثانية وهي النجاسة، لكن المسألة الأولى التي نتكلم فيها وهي كثرة الحركة، هذه لا تعارض فيها، ولذلك قال: وليس في ذلك تعرض لأمر الحمل بخصوصه الذي الكلام فيه.

طيب، وجه القول بالخصوصية؟ قال: ولعل قائل هذا لما أثبت الخصوصية في الحمل بما ذكره من اختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم بجواز علمه بعصمة الصبية من البول حال الحمل، تأنَسَ بذلك فجعله مخصوصاً بالعمل الكثير أيضاً، فقد يفعلون ذلك في الأبواب التي ظهرت خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم فيها ويقولون: خُصَّ بكذا في هذا الباب، فيكون هذا مخصوصاً.

يعني وجه الخصوصية الذين قالوا مخصوص قالوا: يعني هو استئناس بالوجه الثاني، يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون جاز له حمل الصبية لأنه يعلم أن ملابسها طاهرة ونظيفة، وأنه قد يكون أعلمه الله عز وجل أنها لن تصيب الصبية بالبول في الصلاة فتنجسَ، وهذا الأمر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يتعدى إلى غيره.

فلما كان هذا الأمر خاصاً، قاسوا عليه المسألة الثانية التي الكلام فيها، وهي الحمل الكبير، الحمل للصلاة الذي يترتب عليه العمل الكثير. فقالوا: إذا ما دام هذا الأمر جائزاً، اختص بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو العصمة من إصابته بالنجاسة من الطفل، فنقيس عليه المسألة الثانية وهي العمل الكثير في الصلاة.

لكن المؤلف رحمه الله تعالى أجاب عن هذا من وجهين. الوجه الأول: قال لأن هذا ضعيف من وجهين، أحدهما أنه لا يلزم من الاختصاص في أمر الاختصاص في غيره بلا دليل، ولا يدخل القياس في مثل هذا؛ الأصل عدم التخصيص. يعني يقول: عندنا الأصل عدم التخصيص، فالأصل هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وعدم الخصوصية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي».

يقول ابن الفاكهاني: ولو سلكنا مسلك التحقيق في هذا، انعكس علينا ما استدللنا به من طوافه صلى الله عليه وسلم على البعير على طهارة بول ما يؤكل لحمه، وليست هذه بأولى من تلك. يعني يقول: إن عندنا مسائل استدللنا فيها على حكم شرعي بفعله صلى الله عليه وسلم، فلو قلنا في هذا بالخصوصية لقلنا أيضاً هناك بالخصوصية، فلم يتم لنا الاستدلال بهذا الدليل على الحكم.

فيقول: أصل عندنا عدم التخصيص، وكونه يختص بشيء لا يلزم من الاختصاص بغيره، ولا قياس في مسائل التخصيص، لأن الأصل عندنا التعميم لا التخصيص. فالداخل خارج عن الأصل، فلا نقيس عليه غيره. يعني لو أن أستاذاً ومعلما قال لطلابه: من حاز على الدرجة الكاملة في الاختبار سيحصل على هدية، فحاز واحد على هذه الدرجة، وهناك آخر كان في الأصل متفوقاً في مواد أخرى، لكن في هذه المادة لم يحصل على الدرجة الكاملة، فلا نقول: ما دام أنه متفوق هناك فنقيس عليها ونجعله أيضاً يحوز على هدية في هذه المادة، لا. لماذا؟ لاننا نقول: عندنا المخصص، المخصص هذا خارج عن الأصل، فلا قياس في مسائل التخصيص.

الوجه الثاني: يقول إن الذي قرّب دعوى الاختصاص بجواز الحمل هو ما ذكره من جواز اختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم بالعصمة من البول، وهذا معنى مختص مناسب لاختصاصه بجواز ملابسته للصبي في الصلاة، وهو معدوم فيما نتكلم فيه من أمر الحمل بخصوصه. فالقول بالاختصاص فيه قول بلا علة تُلازم الاختصاص، مؤداه أن هذا الوجه الذي ذكرتموه إنما يناسب مسألة نجاسة الثياب بالصبية من بولها، وهذا لا علاقه له بحملها من عدمه الذي نتكلم فيه، نحن نتكلم بالحمل من عدمه لأنه يترتب عليه الفعل الكثير في الصلاة، هذا هو الذي نتكلم عنه، لا نتكلم عن النجاسة والطهاره. قال: فالقول بالاختصاص فيه، يعني كوننا نقول إن حمل الصبي في الصلاة الذي ينتج عنه الحركة الكثيره هذا مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ونعُلُّ بامر يخص مسألة أخرى، هذا حقيقة تخصيص بلا دليل.

طيب، الوجه الخامس: قال حمل هذا الفعل على أن تكون أمامه في تعلقها بالرسول صلى الله عليه وسلم وتأنس به، كانت تتعلق به بنفسها فيتركها، فإذا أراد السجود وضعها. فإن الفعل الصادر منه صلى الله عليه وسلم إنما هو الوضع لا الرفع، فيقل العمل الذي توهم من الحديث، وهذا أشار إليه الخطابي رحمه الله. يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصلاة، فلما كان في أثناء الصلاة تعلقت به أمامه، إذاً ليس هو الذي رفعها، إنما هي تعلقت به. طيب، لما ركع وضعها، إذاً الفعل الذي صدر منه فقط هو الوضع. فلما قام الركعة الثانية تعلقت به، إذاً ركع وضع، فإذاً ليس منه رفع ووضع، إنما منه وضع فقط.

قال المؤلف رحمه الله في تقييم هذا الوجه: ولقد وقع لي أن هذا حسن، كان في بالي أن هذا التوجيه حسن، فإن لفظة وضع لا تساوي حمله في اقتضاء فعل الفاعل، فانا نقول لبعض الحوامل حمل كذا، وإن لم يكن هو فعل الحمل، ولا يقال وضع إلا بفعل. يعني يقول: إن حمل طفل لا يلزم منها أن يكون هو بنفسه حملها، بخلاف وضع، فقد تكون حمله بمعنى أنها هي التي صعدت عليه. بخلاف وضع فالذي عندنا أنه وضع فقط، أما الحمل فقد تكون هي التي صعدت عليه، فيكون منه وضع فقط، فهذه حركة يسيرة.

لكن يقول: حتى نظرت في بعض طرق الحديث الصحيحة فوجدت فيه: فاذا قام أعادها. وهذا يقتضي الرفع، يعني يقول: لما بحثت في بعض طرق الحديث تبين لي أن منه في صلاة صلى الله عليه وسلم أيضاً الوضع والرفع، لذلك قال: فإذا قام أعادها. أيضاً في بعض طرق الحديث كما ذكره القاضي عياض أنه قال: خرج علينا حاملاً أمامة، فإنه هو الذي حملها من قبل الصلاة، ليست لما بدأ الصلاة تعلقت به.

الوجه السادس: قال وهو معتمد بعض مصنفي أصحاب الشافعي، وهو أن العمل الكثير إنما يفسد الصلاة إذا وقع متوالياً، وهذه الأفعال قد لا تكون متوالية فلا تكون مفسدة، والطمانينة في الآثار، سيما في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، تكون فاصلة، ولا شك أن مدة القيام طويلة فاصلة. قال: وهذا الوجه إنما يخرج به إشكال كونه عملا كثيراً، ولا يتعرض لمطلق الحمل.

الوجه السادس: إذا حمله على أن المفسدة يعني يقولون لا نحمله على أنها نافلة ولا على حال الضرورة ولا على أنه منسوخ ولا على أنه مخصوص به صلى الله عليه وسلم ولا على أن هي التي تعلقت به، بل هذا شامل الفريضة والنافلة، شامل نعم شامل الفريضة والنافلة، وطبعا هو للحاجه وليس بمنسوخ وليس بمخصص وهو الذي حملها.

لكن يقولون إنه لما كانت الحركات ليست متوالية وكانت لحاجة فإنها لا تفسد الصلاة. ولذلك قالوا: المفسد للصلاة هو الحركة الكثيرة المتوالية لغير ضرورة، وهذه ليست متوالية، لماذا؟ لأنه يرفعها في القيام، القيام بينه وبين الركوع فاصل طويل فهي ليست متوالية. قال: وهذا الوجه إنما يخرج به إشكال كونه عملا كثيراً ولا يتعرض لمطلق الحمل.

لكن يجاب عن هذا بما قاله الصنعاني رحمه الله بحاشيته قال: الإشكال في الحمل ليس إلا من حيث إنه عمل كثير. فالذين يخرجون حمل النبي صلى الله عليه وسلم لأمامة إنما استحضروا في ذهنهم أنه عمل كثير، فلذلك بدأوا يخرجونه. فإذا هو الحمل إنما خرج على هذه الأوجه نظراً إلى أنه عمل كثير فهل يبطل الصلاة ولا لا؟ فقالوا ما دام أنه ليس متوالياً الوجه الاخير قالوا ما دام أنه ليس متوالياً فانه لا يبطل الصلاة، والمقرر عند أصحابنا الحنابلة رحمهم الله تعالى أن الحركة إنما تبطل الصلاة إذا كانت كثيرة متوالية لغير ضرورة ولا حاجة.

إذا هذا هو ملخص كلام المؤلف رحمه الله تعالى عن المسألة الأولى وهي مسألة حمل الصبي. وقلنا لكم أن هذه المسألة يبحثها الفقهاء رحمهم الله تعالى وشراح الحديث رحمهم الله تعالى، لأنه مترتب على الفعل الكثير في الصلاة، والأصل أن الصلاة تبطل بالحركات الكثيرة الموالية أو بحركات غير جنسها، فلماذا لم تؤثر؟ فقال بعضهم: إن هذا في النافلة والنافلة أمرها خف. وقال بعضهم: إن هذا للضرورة. وقال بعضهم: إن هذا منسوخ. وقال بعضهم: إن هذا مخصوص. وقال بعضهم: إن هذا فعل يسير حيث إن الذي كان منه الوضع للرفع. وقال بعضهم وهو الوجه السادس: أن هذا مبني على أن هذه الحركة ليست متوالية فلو كانت متوالية لأفسدت الصلاة.

المسألة الثانية، يقول: أما الوجه الثاني وهو النظر في الإشكال من حيث الطهاره، فهو يتعلق بمسالة تعارض الأصل والغالب في النجاسات، ويرجح هذا الحديث العمل بالأصل. في كلام الشافعي رحمه الله إشارة إلى هذا، قال رحمه الله: ثوب أمامة ثوب صبي. يعني عندنا الطفل، الصبي، الطفل الصبي يعني يخرج منه النجاسات، فكون ثيابه فيها نجاسة هذا أمر معتاد، أمر معتاد فيكون كثيراً غالباً، لكن عندنا أصل آخر وهو أن الأصل في الثياب وفي الأشياء الطهارة، فهنا تعارض الأصل والغالب، فأيهما يقدم؟ فعل النبي صلى الله عليه وسلم دليل على تقديم الأصل، أن الأصل في الأشياء الطهارة، لذا قال: يرجح هذا الحديث العمل بالأصل. في كلام الشافعي رحمه الله إشارة إلى هذا، قال رحمه الله: ثوب أمامة ثوب صبي.

لكن أجاب المؤلف رحمه الله عن هذا، أجاب المؤلف رحمه الله عن هذا قال: يرد على هذا أن هذه حالة فريدة، والناس يعتادون تنظيف الصبيان في بعض الأوقات، تنظيف بعض الأقذار، وحكايات الأحوال لا عموم لها، فيحتمل أن يكون هذا وقع في تلك الحالة التي وقع فيها التنظيف.

نعم، يقول: هذه الواقعة لا يستدل بها على هذه المسالة، لماذا؟ لأنه يقول: هذه وقعة عين، وقعة عين، فقد تكون أم أمامة التي هي زينب لما رأت ابنتها تريد اللحاق بابيها نظفتها وألبستها الملابس النظيفة، ألبستها الملابس النظيفة الطاهرة، فلا يدل هذا، فهي في تلك الحال، يعني فهي في ذلك الحال أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بطهارتها لأنها نظفت، فلا يلزم من هذا أننا نستدل بهذا الحديث على مسألة تقديم الأصل على الغالب، تقديم الأصل على الغالب.

ولذلك قال: هذه حالة فريدة، والناس يعتادون تنظيف الصبيان في بعض الأوقات تنظيف بعض الأقذار عن الأقذار، وحكايات الأحوال لا عموم لها. يعني الفعل لا عموم له، فلا تقول مثلاً أكرم الاستاذ الطلاب هل هذا أكرم يدل على العموم بمعنى أنه دائما يكرمهم؟ لا، وحكى يوما من الأيام أكرمه، وهذا لا عموم له، فقال: حكايات الأحوال لا عموم له، فيحتمل أن يكون هذا وقع في تلك الحالة التي وقعت فيها التنظيف هنا.

فكان رحمه الله لما نقل كلام ابن دقيق العيد رحمه الله هنا قال: وهذا إيراد فيه ضعف، والشيخ رحمه الله أكبر من أن يرد مثله، فان الغالب عدم التنظيف بالنسبة للصبيان عملاً بالوجدان، والحكم للغالب لا للنادر، فلا يصار إلى رد المذهب المشهور بالاحتمال المرجوح.

من الفقهاء من يقول يقدم الغالب على الأصل. وإذا نظرتم إلى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله، كلام الفاكهاني رحمه الله، هذا يقول الغالب التنظيف، وهذا يقول الغالب عدم التنظيف. ترى ممكن أن نحمل كلامهم على أن كلا نقل ما هو المشهور المتعارف في بلده وفي زمنه، فقد يكون في بلد ابن دقيق العيد رحمه الله وفي زمنه أن خروج الصبيان إلى مجامع الناس الأغلب فيها أن تكون أيديهم نظيفة، وقد يكون في بلد الفاكهاني وعصره خروج الصبيان إلى مجامع الناس لا يحرصون على، يتساهلون ولا يحرصون على توضيب. فكل نقل ما رآه، فلا نقول إن هذا يتمحلس أن يعني بما يوافق أصله، لا، قد يكون نقل ما رأى وهذا نقل ما رأى، وبهذا تسد الفجوة في الردود على العلماء.

وقوله لأبي العاص بن الربيع هذا هو الصحيح في نسبه عند أهل النسب، وأن أباه اسمه الربيع، ووقع في رواية مالك الموطأ: لأبي العاص بن ربيعة، وجاء أيضاً في صحيح البخاري من طريق مالك أن البخاري رحمه الله روى، يعني الخ، وكلهم رووا الموطأ، فالبخاري روى يعني من طريق مالك: لأبي العاص بن ربيعة، والمشهور: ابن الربيع. ولذلك قال هو جد له، فابو العاص وابو العاص بن الربيع بن ربيعة، فنسب في رواية مالك إلى جده كذا ذكره الأصيلي.

لكن قال القاضي عياض في إكمال المعلم ونقله غيره: وهذا ليس بمعروف، حيث إن نسب أبي العاص هو: أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد الشمس بن عبد مناف، كذا ذكره القاضي في إكمال المعلم. الحديث على أن لمس المحارم أو من لا يشتهى غير ناقض للطهارة.

لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل أمامة، مع ذلك خلافه وهي أنسى، ومع ذلك صلاته صحيحة. لمته بهذا الحديث، لكن قال أجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون من وراء حائل، إذا كان من وراء حائل فإنه لا يتأثر بذلك، لا تتأثر صلاة الـ. قال: وهذا يستمد مما ذكرناه من أن حكاية الحال لا عموم لها، فلا نستدل بها إذا على.

هذه القاضي عياض رحمه الله قال: يعني ذكر أن هذا الاستدلال في هذه المسألة ليس بشيء؛ لماذا؟ أمامة كانت صغيراً ولم تصغر، حتى ولو كان من غير ذو المحارم لا يؤ لاعتباره.

هذا ودل النسائي رحمه الله على هذا الحديث على جواز إدخال الصبيان المساجد، أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل أمامة بنت العاص. فإن عرض بالنهي عنه، إن عرض بالنهي عنه فهو ضعيف الحديث.

جان نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد. الله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.