بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد:
فهذا هو المجلس السبعون من مجالس التعليق على كتاب إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وكنا قد توقفنا على حديث المسيء في صلاته، وذكرنا المسألة الأولى والمسألة الثانية منه، والآن سنأتي إلى المسألة الثالثة.
وهذه المسألة الثالثة مبنية على المسألة الثانية؛ لأنه في المسألة الثانية ذكر أن بعض أهل العلم يستدل بأن ما ورد في هذا الحديث، أن الواجبات في الصلاة هي ما ورد في هذا الحديث، وما لم يذكر في هذا الحديث فليس واجبا، وذكر أن هذا صحيح بشرط أن يتنبه إلى ثلاثة أمور.
الامر الأول: جمع طرق هذا الحديث؛ لأن هناك مسائل ذكرت في روايات أخرى. الأمر الثاني: إذا لم يذكر شيء في هذا الحديث مثلا وذكر في أحاديث أخرى، فينظر بينها ويوازن بينها، وغالبا يرجح ما ذكر من أمور واجبة على ما لم يذكر؛ لأن المسائل الفقهية قد تكون غير واجبة في وقت ثم تجب في وقت آخر. الأمر الثالث أيضا: أنه ينبغي للمستدل بذلك أن يطرد في ذلك في جميع الأمور؛ فاذا اضطرد فهذا حسن، وإذا لم يطرد فهذا تناقض منه.
الآن سيذكر بعض المسائل، قال رحمه الله: الوجه الثالث من الكلام على الحديث، قد تقدم أنه يستدل حيث يراد نفي الوجوب بعدم الذكر في الحديث، وقد فعلوا هذا في مسائل. يعني يقول: إن بعض الفقهاء استدلوا على عدم وجوب مسائل في الصلاة؛ لأنها لم تذكر في هذا الحديث، وسيذكر بعض الأمثلة.
قال: وقد فعلوا هذا في مسائل؛ منها أن الإقامة غير واجبة، خلافا لمن قال بوجوبها؛ من حيث أنها لم تذكر في الحديث. وهذا ذكره القاضي في إكمال المعلم، قاضي عياض، أن الإقامة يستدل من هذا الحديث على أن الإقامة غير واجبة؛ لأنها لم تذكر في الحديث.
لكن قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذا على ما قررناه يحتاج إلى عدم رجحان الدليل الدالي على وجوبها عند الخصم. يعني يقول: ننظر هل فيه نصوص أخرى تدل على وجوب الإقامة؟ فإذا وجدت نصوص أخرى فناخذ بها؛ لأنها أقوى من هذا النص.
الأمر الثاني يقول: وعلى أنها غير مذكورة في جميع طرق الحديث، وقد ورد في بعض طرقه الأمر بالاقامة. فإن صح فقد عدم أحد الشرطين الذين قررناه. لأنه يقول: لابد أن تنظر في جميع طرق الحديث، ولابد أن تنظر هل عارض هذا الحديث غيره أو لا؟
الثاني يقول: ومنها الاستدلال على عدم وجوب دعاء الاستفتاح حيث لم يذكر. يققال: إن دعاء الاستفتاح غير واجب؛ لماذا؟ لأنه لم يرد في حديث المسيء في صلاته. قال: وقد نقل عن بعض المتأخرين ممن لم ترسخ قدمه في الفقه، ممن ينسب إلى غير الشافعي، أن الشافعي يقول بوجوبه، وهذا غلط قطعا. فإن لم ينقله غيره فالوهم منه، وإن نقله غيره كالقاضي عياض رحمه الله، فهو منه في مرتبة من الفضلاء، فالوهم منهم لا منهم. يعني أنه يقول دعاء الاستفتاح غير واجب؛ لأنه لم يذكر في حديث المسيء في صلاته، وذكر أن بعض العلماء نسب إلى الشافعي رحمه الله القول بوجوب الاستفتاح، ويقول هذا غير صحيح، أما أن يكون وهما من هذا الناقل، أو يكون وهما ممن نقل عنه هذا الناقل من القاضي عياض أو غيره. على أن المحقق هنا يقول: لم أقف على كلام للقاضي عياض رحمه الله في نسبة هذا القول للشافعي.
قال: ومنها استدلال بعض المالكية على عدم وجوب التشهد -أي ما ذكرناه بذلك-. بعض المالكية استدلوا على عدم وجوب التشهد الأول؛ لأنه لم يذكر في حديث المسيء في صلاته. قال: ولم يتعرض هذا المستدل للسلام؛ لأن للحنفيه أن يستدلوا به على وجوب السلام بعينه، مع أن المادة واحدة، إلا أن يريد أن الدليل المعارض لوجوب السلام أقوى من الدليل على عدم وجوبه فلذلك تركه، بخلاف التشهد.
يعني يقول هذا الذي قال إنه لا يجب التشهد في الصلاة لعدم ورود التشهد الأول في حديث المسيء في صلاته؛ طيب السلام لم يرد في حديث المسيء في صلاته إذا لا يجب، وأنتم تقولون بوجوبه؟ طبعا الحنفيه يقولون بعدم وجوب السلام. فيقول: المادة واحدة، فهذا الاستدلال واحد، وهذا الذي قاله فيما نبه عليه من قبل، أن المستدل إذا أراد أن يستدل بهذه القاعده لابد أن يطرد ولا يتتبع اللب، كما عبر به ابن دقيق العيد رحمه الله.
قال: إلا أن يريد أن الدليل المعارض، يعني إلا إذا كان استدل به على عدم وجوب التشهد ولم يستدل به على عدم وجوب السلام؛ لأن مسألة السلام هذه ورد فيها نصوص أخرى فأخذ بها، لكن التشهد لم يرد في نصوص أخرى فأخذ بالعدم المستفاد من حديث المسيء في صلاته.
قال: فهذا يقال فيه أمران، يعني التفريق بين التشهد والسلام في أن هذا ورد فيه معارض وهذا فيه معارض، يقول هذا يقال فيه أمران:
أحدهما أن دليل إيجاب التشهد هو الأمر؛ لأنه جاء الأمر بالتشهد -بذكر الدليل، بذكر دعاء التشهد: التحيات لله، إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله- ورد فيها الأمر، وهو راجح على ما ذكرناه. يعني يقول: هذا فيه أمر؛ فإذا قلتم السلام في الأدلة الأخرى، نقول أيضا التشهد في الأدلة الأخرى. التشهد في الأمر، والامر راجح على عدم ذكره في حديث المسيء في صلاة، فيكون من باب تعارض الأدلة، فنقدم دليل الأمر على دليل عدم الذكر. قالوا: وبالجمله فله أن يناظر على الفرق بين الراجح، ويمهد عذره، وينفي النظر فيما يقول. يعني يقول: قد يناقش بأمور أخرى.
الثاني أن دلالة اللفظ على الشيء لا ينفي معارضه المانع الراجح؛ فإن الدلالة أمر يرجع إلى اللفظ أو إلى أمر أو مجرد النظر إليه بث الحكم، وذلك لا ينفي وجود المعارض. يعني يقول: كون الشيء يدل عليه، كون الأمر يستفاد من حديث ما، نقول صحيح، لكن لا ينفي أنه قد يوجد معارض راجح له، لماذا؟ لأن الدلالة يقول تستفاد من اللفظ فقط، المعارض لا يستفاد من الفاظ أخرى خارجة عن الحديث.
قال: نعم لو استدل بلفظ يحتمل امرين على السواء لكانت الدلالة منتفة، لو استدل بلفظ يحتمل امرين على السواء كانت الدلالة منتفة. يعني لو كان استدل بلفظ قد يفهم منه مثلا الوجوب أو الاستحباب، يعني ليس مترجحا في هذا أو في هذا، فنقول هنا الدلالة منتفة. لكن إذا كانت الدلالة واضحة على أحد الامرين، فانه يقال يطلق عليه الدليل.
وقال: وقد يطلق الدليل على الدليل التام الذي يجب العمل به، وذلك يقتضي عدم وجود المعارض الراجح. يعني الدليل أحيانا يطلق -هذه اطلاقات- يطلق الدليل على الدليل التام الذي لم يرد له معارض، ويطلق الدليل على ما فهم من اللفظ وإن وجد له معارض، فهذه كلها يطلق عليها دليل.
قال: والأولى أن يستعمل في دلالة الألفاظ الكتاب والسنة الطريق الأول، ومن ادعى المعارض الراجح فعليه البيان. دلالة الألفاظ في الكتاب والسنة استعمل لها المعنى الأول، مجرد دلالة اللفظ على شيء، ولا نقول لابد أن تنتفي جميع المعارضة تنتفي جميع الاعتراضات، لا، نقول: يكفي أن يدل الدليل على شيء؛ طيب من قال له معارض؟ فيقول: من ادعى المعارض الراجح فعليه البيان.
الوجه الرابع من الكلام على الحديث: الآن انتهى من تقرير بعض المسائل التي يستدل بعدم ذكرها في الحديث على عدم وجوبها.
قال: الوجه الرابع من الكلام في الحديث، استدل بقوله: «فكبر»، على وجوب التكبير بعينه، يعني قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فكبر»، لابد أن تقول الله أكبر في تكبيره الاحرام. فاستدل به على أنه يجب أن يكبر بعينه، وهناك خلاف لذلك. قال أبو حنيفة رحمه الله: يخالف فيه، ويقول: إذا أتى بما يقتضي التعظيم كقوله: الله أجل وأعظم كفى.
طيب لماذا أبو حنيفة خالف ولم يأخذ بالنص «فكبر»؟ يقول: وهذا نظر منه إلى المعنى، وأن المقصود التعظيم فيحصل بكل ما دل عليه. يعني أبو حنيفة لم يتقيد باللفظ، وإنما تقيد بالمعنى، قال: «كبر» هذا لفظ يدل على التعظيم، فإذا أتى بأي لفظ دل على التعظيم، فانه يقوم مقام الله أكبر؛ لو قال: الله أجل أو الله أعظم، كفى ذلك عند أبي حنيفة. والجمهور على أنه لابد أن يقول: الله أكبر.
ولذلك قال: وغيره -يعني غير أبي حنيفة- اتبع اللفظ وظاهره تعيين التكبير. يعني هذا الدليل هم الأول، أن اللفظ ظاهره أن يتعين التكبير يدل عليه.
قال: يؤيد ذلك بأن العبادات محل التعبد، ويكثر ذلك فيها، فالاحتياط فيها الاتباع. يعني أن الأصل في العبادات أنها مبنية على التوقيف، فنتقيد بما ورد ولا نقيس.
الأمر الثالث قال: وأيضا فالخصوصية قد تكون لأمر لا يعقل معناه، وما تدل عليه الحديث فقد لا يؤديه ما يقصد من أخرى. انه يقول: الفاظ التعظيم هذه مختلفة في المرتبة، فهناك تعظيم بلفظ أقوى، وتعظيم بلفظ أضعف، فقد يكون النبي صلى الله عليه وسلم قصد ذلك، قصد بقوله: «كبر»، التأكيد على أن يكون التعظيم بلفظ التكبير؛ لأنه يؤدي ما لا يؤدى بغيره.
طيب هنا أجاب على إيراد قال بعده: ولا يعارض هذا أن يكون اصل المعنى مفهوما؛ فقد يكون التعبد واقعا في التفصيل، كما أننا نفهم أن المقصود من الركوع التعظيم بالخضوع، فلو أقام مقامه خضوعا آخر لم يكتف به. هذا جواب على إيراد؛ قد يقول قائل: طيب نحن عرفنا أن الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالدخول بلفظ التكبير لأنه يدل على التعظيم، إذا ناتي بأي لفظ تعظيم؟ يقول: لا، صحيح نحن عرفنا المعنى الإجمالي، لكن المعنى التفصيلي لماذا قصد التكبير لا، نحن لا نعرفه فلذلك نتقيد بالتكبير. يقول: مثل الركوع، الآن عرفنا أن الركوع المقصود منه التعظيم، فلو جاء شخص قال: أنا لن أركع، أنا سآتي بحركة تدل على التعظيم غير الركوع، هل يجزئه؟ لا، لا يجزئه. طيب يقول: أنا فهمت من ركوع التعظيم، إذا سآتي بحركة تدل على التعظيم؟ نقول: لا، لا يجزئك، لابد أن تاتي بالركوع الذي أتى به الذي أمر به الله عز وجل وأتى به النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته بعده.
الأمر الرابع -الدليل الرابع يعني على على أنه لابد من لفظ الله أكبر- قال: ويؤيد هذا باستمرار العمل من الأمة على الدخول في الصلاة بهذه اللفظة، أعني الله أكبر. هذا الدليل الرابع: أن الأمة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهدنا هذا يدخلون في الصلاة بلفظ الله أكبر، ولم يطرد عندهم لفظ الله اعظم أو الله أجل، فدل على أن لفظ الله أكبر مقصود بذاته.
الأمر الخامس قال: وأيضا فقد اشتهر بين أهل الأصول أن كل علة مستنبطة تعود على النص بالابطال أو التخصيص فهي باطلة. ويخرج على هذا حكم هذه المساله؛ فانه إذا استنبط من النص أن المقصود مطلق التعظيم، بطل خصوص التكبير. وهذه القاعدة الأصولية قد ذكر فيها بعضهم نظرا وتفصيلا، وعلى تقدير تقريرها مطلقا يخرج ما ذكرناه.
يعني أن المقرر عند الأصوليين أن العلة إذا استنبط من نص، وهذه العلة إذا أخذناها فانها تخصص النص أو تبطله، فاننا لا ناخذ بها فتكون باطلة. يعني نطبقها على هذا: إذا قلنا النبي صلى الله عليه وسلم قال لهذا الصحابي: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، يعني قل الله أكبر، أخذنا منها لفظ التعظيم قلنا: عظم؛ إذا قل غير الله أكبر، هنا أخرجنا -جعلنا العله تخصص اللفظ- تخصص اللفظ، والعلة لا تقوى على تخصيص اللفظ ولا إبطاله، فهنا إذا ما دام أن العلة خصصت اللفظ فجعلت المصلي مخيرا بين أن يقول الله أكبر أو غيرها من الفاظ التعظيم أو يقول غيرها من الفاظ التعظيم، فهنا نقول: لا ناخذ بهذه العله؛ لأنها عادت النص بالتخصيص فلا ناخذ بها.
الوجه الخامس -مما يفيدنا الحديث-: قوله: «ثم اقرا ما تيسر معك من القرآن»، يدل على وجوب القراءة في الصلاة، هذا واضح: «ثم اقرا ما معك من القرآن»، يدل على وجوب القراءة.
طيب، أي قراءة هي الواجبة؟ هنا ذكر الخلاف، قال: ويستدل به من يرى أن الفاتحة غير متعينة، وهم أصحاب أبي حنيفة؛ يرون أن الواجب أن يقرا أي آية من القرآن؛ لو قرأ: ألم، ثم ركع أجزأ عندهم. قال: ووجهه ظاهر، دليله ظاهر، لماذا؟ لأنه قال: «اقرأ ما تيسر معك»، ما حدد شيء، قال: فانه إذا تيسر غير الفاتحه فقرا يكون ممتثلا، فيخرج عن عهدته. هذا القول الأول. القول الثاني: قول الجمهور أنه لابد من
قراءة الفاتحة. قال: والذين عينوا الفاتحة للوجوب وهم الفقهاء الأربعة، إلا أبا حنيفة منهم جعلها واجبة وليست بفرض. هذا أصل في الفرق بين الواجب والفرض. أبو حنيفة رحمه الله يفرق بين الواجب والفرض، يقول: يعني الواجب ما ثبت بدليل أضعف من الفرض، يعني ثبت بدليل ظني، والفرض ثبت بدليل قطعي. على كل يعني كلهم متفقون على أنه مأمور به؛ أمراً يعني يأثم بتركه.
قال: وقد اختلف من نصر مذهبه في الجواب عن الحديث وذكروا فيه طرقاً الآن سيذكر الطرق في الجواب عن حديث اقرأ ما تيسر معك من القرآن. الجواب عن حديث اقرأ ما تيسر معك من القرآن ذكر ثلاثة طرق. الطريق الأول: أن تكون الأدلة الدالة على وجوب الفاتحة مفسرة للمجمل الموجود في الحديث: ما تيسر. يعني يقول: ما تيسر اقرأ ما تيسر هذا مجمل، يفسره الأحاديث الأخرى التي تدل على وجوب قراءة الفاتحة، فهي تدل على أن الفاتحة متيسرة.
قال الطريق الأول: أن يكون الدليل الدال على تعيين الفاتحة كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحة الكتاب» مثلاً، مفسراً للمجمل الذي في قوله صلى الله عليه وسلم: «ثم اقرا ما تيسر معك من القرآن». هنا هذا تقريره وهذا ذكره القاضي عياض. هنا أراد أن يناقش هذا الرد، يقول: وهذا إن أراد بالمجمل ما يريده الأصوليون به فليس كذلك، لأن المجمل هو غير المتضح الذي لا يمكن امتثاله، وهذا يمكن امتثاله. قال: فإن المجمل ما لا يتضح المراد منه، وقوله ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن يتضح أن المراد نفع امتثاله بفعل كل ما يتيسر، حتى لو لم يرد قوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب لاكتفينا في الامتثال بما يتيسر. يعني يقول: إن هذا ليس مجملاً، وأن هذا ليس مجملاً وإنما هو مفسر واضح فلا نحتاج إلى ما يفسره، هذا على التفسير الأول.
قال: وإن أراد بكونه مجملاً أنه لا يعين فرداً من الأفراد، فهذا لا يمنع من الاكتفاء بكل فرد ينطلق عليه ذلك الاسم كما في سائر المطلقات. يعني نريد بكونه مجمل أنه مطلق، المطلق يمكن أن يمتثل بأي ما يمكن امتثاله، يعني من السور الأخرى، لا تتعين سورة الفاتحة.
الطريق الثاني: أن يجعل قوله عليه الصلاة والسلام اقرأ ما تيسر معك مطلقاً فيقيد، أو عاماً فيخصص بقوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. يعني الطريق الأول قالوا: مجمل. الطريق الثاني قال: لا ليس مجمل، إنما هو مطلق فيقيد بالنصوص الأخرى، أو نقول عام ويخصص بمثل لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. قال: وهذا يرد عليه، هذا الجواب عن هذا الطريق أن يقال: لا نسلم أنه مطلق من كل وجه، بل هو مقيد بقيد التيسير الذي يقتضي التخيير في قراءة كل فرد من أفراد المتيسر، وهذا القيد المخصوص يقابل التعيين، وإنما نظير المطلق الذي لا ينافي التعيين أن يقول اقرأ قراناً ثم يقول اقرأ في هذا الكتاب، فانه يحمل المطلق على المقيد حينئذ.
يعني يقول: هذا ليس مطلقاً من كل وجه، هذا مطلق لكن فيه قيد، وهو قيد التيسير اقرأ ما تيسر معك من القرآن، فهنا لا نحتاج أن نفسره بسوره الفاتحة. يقول: لو كان قال اقرأ قراناً ثم قال اقرأ بفاتحة الكتاب، هنا صحيح نحمل المطلق على المقيد. والآن سيذكر لك نظيراً يقول: المثال الذي يوضح ذلك أنه لو قال لغلامه اشتر لي لحماً ولا تشتر إلا لحم الضأن لم يتعارض، ولو قال اشتر لي أي لحم شئت ولا تشتر إلا لحم الضأن في وقت واحد لتعارض إلا أن يكون أراد بهذه العبارة ما يراد الاستثناء.
يعني يقول: إذا قال اشتر لي لحماً ولا تشتر إلا لحم الضأن هذا ما في تعارض، مثل لو قال اقرأ قراناً ثم قال لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، يعني ما في تعارض. لكن لو قال اشتر أي لحم شئت ثم قال لا تشتر لحم ضأن في وقت واحد لتعارض. ومثله لو قال اقرأ ما تيسر ثم قال لا تقرا إلا لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، يصير في نوع تعارض.
قال: وأما دعوة التخصيص فأبعد، لأن سياق الكلام يقتضي تيسير الأمر عليه، وإنما يقرب هذا إذا جعلت ما بمعنى الذي، وأراد بها شيئاً معيناً وهو الفاتحة لكثره حفظ المسلمين لها فهي متيسرة. يقول: دعوة أن يخصص ما تيسر بالفاتحة هذا بعيد، إلا إذا جعلنا اقرأ ما تيسر أي الذي تيسر، ونجعل الذي للعهد، فالمعهود المتيسر هو سورة الفاتحة لكثرة حفظ المسلمين، فيمكن أن يقال بذلك.
الطريق الثالث، وهذا ذكره المازري: أن يحمل قوله ما تيسر على ما زاد على فاتحه الكتاب، فنقول: اقرأ ما تيسر هذا ما زاد، أما فاتحه الكتاب فهذه واجبة. ويقول يدل على ذلك أمران، يدل على ذلك في وجهين: أحدهما الجمع بينه وبين دلائل إيجاب الفاتحة، يقولون: دلائل إيجاب الفاتحة هذه أمور زائدة، فما تيسر هذه ما زاد على الفاتحة، وفاتحة الكتاب ناخذها من أحاديث أخرى. أيضاً يقولون في بعض روايات الحديث قال: الثاني ما ورد في بعض روايات أبي داود ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرا. قال: وهذه الرواية إذا صحت تزيل الإشكال بالكلية لما قررناه، أن يأخذ بالزائد إذا جمع طرق الحديث.
فقال: يلزم هذه الطريق إخراج صيغة الأمر عن ظاهرها عند من لا يرى وجوب زائد على الفاتحة وهم الأكثرون. يعني يحمل الطريق الثالث على أن نحمل قوله ما تيسر من القرآن على ما زاد على فاتحة الكتاب، لماذا؟ يقول: أما لأننا نجمع بينها وبين النصوص الواردة في إيجاب سوره الفاتحة، فنقول إيجاب سوره الفاتحة هذه أمور زائدة، وما زاد على الفاتحة هذا دل عليه هذا الحديث، طيب. أو كذلك في بعض روايات الحديث ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ، فإذاً نقول هذه تفسر بما في بعض روايات حديث المسيء في صلاته. لكن يلزم على هذا لازم، وهو أن الأصل في الأمر أنه يكون للوجوب، وإذا قلنا اقرأ ما تيسر ما زاد على الفاتحة فإننا أخرجنا الأمر عن ظاهره إلى ما يخالف الظاهر. لكن هنا إخراج جمع ظاهري إلى ما يخالف الظاهر لوجود القرينة، لوجود القرينة على ذلك، وهي أن جمهور أهل العلم رحمة الله تعالى لا يرون وجوب ما زاد على الفاتحة، وأيضاً الدليل الآخر لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحة الكتاب ولم يذكر غيرها، فدل على أن غيرها غير واجب بدليل ذلك.
طيب نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان