بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد، فهذا هو المجلس الخامس والعشرون من مجالس التعليق على كتاب إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا على أثناء الحديث الثاني من أحاديث باب استقبال القبلة في كتاب الصلاة، وهو حديث ابن عمر في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وقد تكلمنا وعلقنا على كلام المؤلف رحمه الله تعالى في المسائل الأصولية، حيث ذكر فيها ست مسائل أصولية، وعلقنا على المسألتين الأوليين من المسائل الفروع، وهي تصرف الوكيل إذا عزل، وكذلك الأمة إذا عتقَت أثناء الصلاة، وقد كانت سترت عورتها حالة كونها أمة، ومن المعلوم اختلاف عورة الحرة عن عورة الأمة، فإذا عتقَت أثناء الصلاة فهل تبطل صلاتها بمجرد العتق أو لا؟ ووقفنا على المسألة الثالثة. تقرأ يا شيخ فلاح؟
طيب، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثالثة: قيل فيه دليل على جواز تنبيه من ليس في الصلاة لمن هو فيها، وأن يفتح عليه، كذا ذكره القاضي عياض رحمه الله تعالى وكلامه في إكمال المعلم. لماذا؟ لأنه في الحديث أن أهل قبا لما كانوا يصلون صلاة الصبح، جاءهم شخص وأخبرهم بأن القبلة تحولت من بيت المقدس إلى الكعبة، وهو ليس معهم في الصلاة. فيقاس عليها لو أن شخصا يصلي وعنده آخر، وهذا الشخص قد أخطأ في القراءة، أو قد أخطأ في الصلاة بأن مثلا قام إلى ركعة خامسة في صلاة الظهر ونحو ذلك، فهنا هل القاضي عياض يقول يؤخذ منها أن من ليس في الصلاة له أن ينبه من هو في الصلاة؟ المؤلف رحمه الله يقول: وفي استدلاله على جوازه مطلقا نظر. لماذا يقول؟ لأن هذا المخبر عن تحويل القبلة مخبر عن واجب أو أمر بترك ممنوع، ومن يفتح على غيره ليس كذلك مطلقا، فلا يساويه ولا يلحق به، هذا إذا كان الفتح في غير الفاتحة.
يعني يقول إن أخذ هذا الحكم من هذا الدليل على إطلاقه فيه نظر. لماذا؟ لأن الفتح على الإمام أو على المصلي قد يكون واجبا وقد يكون مستحبا، بخلاف فعل هذا الفاعل الذي دخل على أهل القبلة وهم يصلون يصلون إلى بيت المقدس، فهو نبههم على أمر واجب. فيقول إننا لا نقول كل تنبيه يعني، فإننا لا نقول أي تنبيه فإنه يصح لمن هو خارج الصلاة، يصح ممن هو خارج الصلاة من هو في الصلاة، أخذ من هذا الدليل؟ لا. نقول: التنبيه على الأمور الواجبة يعني مثل لو أخطأ الإمام أو أخطأ المصلي في سورة الفاتحه فهنا يجب التنبيه. فحتى لو نبهه من خارج الصلاة فهنا نقول نعم ينبهه من خارج الصلاة استدلالا بمثل هذه الآية، أو لو قام إلى خامسة مثلا فينبه استدلالا بمثل هذه الآية. لكن لو أخطأ في قراءة سورة غير الفاتحة فهنا لا يلزم التنبيه، ولا يعني يقول المؤلف رحمه الله تعالى إننا كوننا ناخذها من هذا الدليل فيه نظر؛ لأن هذا الدليل تنبيه في أمر واجب.
حسن الله إليك، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أقرأ الله إليك تفضل. وأعتذر عن التأخير انقطع عندي النت. طيب، ما في مشكلة.
الرابعة، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. قال رحمه الله تعالى: الرابعة: قيل فيه دليل على جواز الاجتهاد في القبلة ومراعاتها في السمت؛ لأنهم استداروا إلى جهة الكعبة لأول وهلة في الصلاة قبل قطعهم الفاتحة على موضع عينها. أحسنت. هذا الدليل أيضا، هذه الفائدة ذكرها القاضي عياض رحمه الله في إكمال المعلم أن فيه دليلا على جواز الاجتهاد في القبلة. قال: لأنه مراعاة السمت؛ لأنهم استداروا إلى جهة الكعبة لأول وهلة في الصلاة قبل قطعهم الفاتحة على موضع عينها. يعني أنهم يجوز للشخص الاجتهاد، ولا يلزمه أن تكون صلاته إلى عين الكعبة، بل يجتهد، ولذلك أهل قبا استداروا إلى جهة الكعبة ولم يتحقق هل هذه عينها أو لا. طبعا والمطلوب ممن كان يرى الكعبة أن يتوجه إلى عينها، أما من لم يراها فانه يتوجه إلى جهتها، وهذا يعتبر اجتهادا في تحري القبلة.
الخامسة، قال رحمه الله: الخامسة: قد يؤخذ منه أن من صلى إلى غير القبلة بالاجتهاد ثم تبين له الخطأ أنه لا يلزمه الإعادة؛ لأنه فعل ما وجب عليه في ظنه، مع مخالفة الحكم في نفس الأمر، كما أن أهل قبا فعلوا ما وجب عليهم عند ظنهم بقاء الأمر، ولم يفسد فعله ولا أمروا بالإعادة. نعم، يقول: قد يؤخذ من هذا الحديث أن من صلى إلى غير القبلة بالاجتهاد ثم تبين له الخطأ أنه لا يلزمه الإعادة. كيف ناخذها من هذا الحديث؟ القبا صلوا أول الصلاة إلى بيت المقدس، ثم أخبروا أن القبلة حولت إلى الكعبة فلم يبطلوا صلاتهم. طبعا إن التحويل صار قبل الصلاة، قبل صلاتهم، نزل هنا الآتي أتاهم في الفجر والتحويل صار من الأمس، فتحويل الآتين قبل صلاتهم ومع ذلك لم يؤمروا باعادة الصلوات الماضية ولم يعيدوا هذه الصلاة من بدايتها بل بنوا عليها، وهذا يدل على أن ما فعل باجتهاد فانه لا يفسد ولا يؤمر باعادته.
نعم، أحسنت الله إليك.
السادسة، قال الطحاوي: في هذا دليل على أن من لم يعلم بفرض الله تعالى، ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه استعلام ذلك من غيره، فالفرض غير لازم له والحجة غير قائمة عليه. وركب بعض الناس على هذا مسألة من أسلم في دار الحرب أو أطراف بلاد الإسلام حيث لا يجد من يستعلم عن شرايع الإسلام، هل يجب عليه أن يقضي ما مر من صلاة وصيام لم يعلم وجوبهما؟ وحكي عن مالك والشافعي إلزامه بذلك، أو ما في هذا معناه، لقدرته على الاستعلام والبحث والخروج لذلك، وهذا أيضا يرجع إلى القياس، والله أعلم.
أحسنت، هنا ذكر عن الطحاوي رحمه الله أن يقول في هذا على أن من لم يعلم بفرض الله ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه استعلام ذلك من غيره، فالفرض غير لازم له والحجة غير قائمة عليه. يعني مثلا شخص أسلم حديثا، وخفيت عليه بعض شرائع الإسلام فلم يفعلها، مثلا كان يظن، أسلم وأخبر بأن عليه صلوات، فكان يظن أن عليه ثلاث صلوات في كل يوم وليلة، فجلس مثلا شهرا يصلي ثلاث صلوات الفجر والعصر والعشاء مثلا، لم يصلي الظهر ولا المغرب، ثم بعد شهر أخبر بأن الواجب خمس صلوات وليس منه تفريط، ولم يجد أحدا يسأله، فهنا هل يلزمه القضاء أو لا؟ يقول: إنه لا يلزمه القضاء. وقال: حكي عن مالك والشافعي إلزامه بذلك، أو في مسألة من أسلم في دار الحرب إلى آخره، إلزامه بذلك لقدرته على الاستعلام والبحث والخروج لذلك.
وهذه المسألة ترجع حقيقة إلى وجود التفريط من عدمه، فإذا كان بين أناس مسلمين أو يستطيع أن يستعلم فهنا إيجاب القضاء عليه له وجه، أما إذا كان لا يوجد لديه من يسأله ولم يعلم بذلك وجلس فترة طويلة وقد ترك بعض الواجبات فإيجاب القضاء عليه فيه بعد، والله أعلم.
حسن الله إليك، حسن الله إليك. وقوله في الحديث: وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوه، يروى بكسر الباء على الأمر، ويروى فاستقبلوه بفتحها على الخبر. نعم، أحسنت هنا يعني في لفظ الحديث في نهاية الحديث: وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوه أو فاستقبلوه، ضبطت بالوجهين. فاستقبلوه، يعني هو قال لهم استقبلوا الكعبة، أو أن هذا من فعلهم وقد أمر أن يستقبل القبلة انتهى كلامه، فقال الراوي فاستقبلها، فكلاهما له وجهه. النووي رحمه الله يقول الكسر أصح وأشهر، وهو الذي يقتضيه تمام الكلام. النووي يرى أنها أن الذي اتاهم انتهى كلامه عند قوله فاستقبلوا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه ليله قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلها، فاستقبلها من تمام كلامه. وابن عبد البر رحمه الله ذكر أن الفتح عليه أكثر الرواة فاستقبلوه. على كل يجوز هذا وهذا.
نعم، أحسن الله إليك.
ثم ذكر حديثا ثالثا عن أنس بن سيرين قال: استقبلنا أنسا حين قدم من الشام فلقينا بعين التمر، فرايته يصلي على حمار ووجهه من ذا الجانب -يعني عن يسار القبلة- فقلت: رايتك تصلي لغير القبلة! فقال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ما فعلته.
أحسنت الحديث، أحسنت. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حديث أنس بن سيرين في لما استقبلوا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه حين قدم من الشام فوجدوه يصلي على حمار صلاة النافلة، ووجهه عن يسار القبلة، فسألوه عن ذلك، سأله ابن سيرين أنس بن سيرين: رأيتك تصلي لغير القبلة! فقال: لولا أني رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ما فعلته. وهذا الحديث حديث في معنى الحديث الأول في الباب، حديث ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راكب حيث توجه. ولذلك يقول ابن الملقن رحمه الله: كان ينبغي للمصنف رحمه الله أن يذكر هذا الحديث عقب الحديث الأول لأنه في معناه ثم يذكر حديث التحويل بعدهما فإنه أنسب.
نعم، أحسن الله إليك. قال المؤلف رحمه الله: الحديث يدل على جواز النافلة على الدابة إلى غير القبلة، وهو كما تقدم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وليس في الحديث إلا زياده أنه على حمار، فقد يؤخذ منه طهارته.
أحسنت، هنا هذه الفائدة الأولى: جواز النافلة على الدابة إلى غير القبلة، يصلي المسافر، المسافر يصلي النافلة على الدابة إلى غير القبلة. وقال: وهذا كما تقدم في حديث عمر اللي هو الحديث الأول. وقال: ليس في الحديث إلا زيادة أنه على حمار، يعني حديث ابن عمر، حديث ابن عمر الأول ذكر أنه على ظهر راحلته، وفي بعض الروايات أنه على بعير، هنا في هذه الرواية أنه على حمار. الذي فيه أنه على حمار هو أنس هو الذي يصلي على حمار، يصلي على حمار، هل النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمار أو صلى على أو صلى على البعير؟ فيه احتمال. أما صلاه أما الذي صلى على الحمار يقينا فهو أنس رضي الله عنه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم جاء في بعض الروايات أنه صلى على بعير، جاء في بعض الروايات أنه صلى على حمار.
الفاكهاني يقول، نعم نقله طبعا عن شرح النووي على مسلم، أن هذا لا يؤخذ منه أنه عليه الصلاه والسلام صلى على حمار، بل قد غلط الدارقطني وغيره من نسب ذلك إليه. قالوا: وإنما المعروف في صلاة عليه الصلاة والسلام على راحلته أو على البعير، والصواب أن الصلاه على الحمار من فعل أنس كما ذكره مسلم، هذا من كلام النووي، ولذلك لم يذكر البخاري حديث عمرو بن يحيى المازني المشعر بصلاته عليه الصلاة والسلام على حمار. طبعا أثر عمرو بن يحيى هذا أخرجه مسلم من طريق عمرو بن يحيى عن سعيد بن يسار عن ابن عمر وفي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمار. قال النووي بعده: وفي الحكم بتغليظ رواية عمر نظر؛ لأنه ثقه نقل شيئا محتملا، فلعله كان الحمار مرة والبعير مرة أو مرات. قال: لكن قد يقال إنه شاذ؛ فانه مخالف لرواية الجمهور في البعير والراحلة، والشاذ مردود وهو مخالف للجماعة. يعني يعني يقول لا نقول غلط، لكن نقول إنه شاذ، فيرد من جهة أنه مخالف للثقة، من جهة أنه مخالف للثقة. لكن البخاري رحمه الله ترجم عليه: باب صلاة التطوع على الحمار، وذكر فعل أنس، وجاء في بعض روايات أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمار، وجاء في بعض في رواية عمرو بن يحيى التي جاءت من طريق عمرو بن يحيى عن سعيد بن يسار عن ابن عمر في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمار. فهذا يعني لعله يرجح ما ذهب إليه البخاري رحمه الله في تبويبه.
نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله: فقد يؤخذ منه طهارته، لأن ملامسته مع التحرز عنه متعذر، لا سيما إذا طال زمن ركوبه فاحتمل العرق، وإن كان يحتمل أن يكون على حائل بينه وبينه.
أحسنت، يعني أن هذا هذا يؤخذ من هذا الحديث طهارة الحمار، طهارة الحمار لأننا سنصلي عليه، قال: لأن ملامسته مع التحرز يعني قد يقول قائل: أنس صلى عليه صحيح، لكن تحته تحته يعني حاجز بينه وبينه. يقول لك: الحاجز قد لا يستر جميع جميع أنس جميع جسد أنس، فقد يلمسه برجليه أو بيديه، يلمس جسم الحمار. فيقول: فالتحرز عنه متعذر لا سيما إذا طال زمن ركوبه فاحتمل العرق، احتمل العرق، قال: وإن كان يحتمل أن يكون على حائل بينه وبينه، يعني قد يقول قائل أن هذا لا يدل على طهارة الحمار لأنه قد يكون في حائل بينه.
وإن بين وبين الحمار لكن نقول الأصل عدم الحائل، وأنه قد يلامسه جسد إنس، وهذا يدل على طهره بدن الحمار.
نعم أحسنت. قال رحمه الله: وقوله من الشام هو الصواب في هذا الموضع، ووقع في كتاب مسلم حين قدم الشام وقالوا هو وهم، وإنما خرجوا من البصرة ليتلقوا من الشام. نعم أحسنت، يعني هنا يقول: استقبلنا أنساً حين قدم من الشام، يعني رجع من الشام، أنس رضي الله عنه سافر إلى الشام من البصرة إلى الشام سنة اثنين وتسعين ليشكو الحجاج بن يوسف إلى الوليد بن عبد الملك كما ذكره الحافظ رحمه الله في الفتح. فرجع من الشام إلى البصرة فاستقبلوه. وهذا هو الوارد في صحيح البخاري (قدم من الشام)، الذي في مسلم (قدم الشام)، في مسلم (قدم الشام) لكن غلط في ذلك وقالوا هو وهم، والصواب أنه قدم من الشام. النووي رحمه الله ذكر لها معنًى محتملًا، قال: رواية مسلم صحيحة ومعناها تلقيناه في رجوعه حين قدم الشام، يعني تلقيناه في رجوعه يعني كأنه حذف كلمة في رجوعه، قال: وإنما حذف ذكر رجوعه للعلم به.
الحافظ ابن ججر ذكر له احتمالاً آخر، يعني إذا النووي ذكر وجه هذه الرواية بأن فيها حذْفاً، ابن حجر وجهها بتوجيه آخر، قال: يمكن توجيهه بأن يكون المراد بقوله حين قدم الشام مجرد ذكر الوقت الذي وقع له في ذلك، كما تقول فعلت كما حججت، يعني يقول إن هذا مجرد تاريخ للسنة التي حصل فيها هذا وليس تاريخاً للواقعة أو زمن الواقعة التي وقعت فيه بالتحديد، يقول: مثل تقول مثلاً في السنة التي حججت فيها حصل كذا وكذا، هل يلزم أن يكون هذا الذي حصل لك في زمن الحج في وقت الحج؟ لا، أنت تذكر السنة التي حججت فيها، فيقول هذا مثله، هذا مثله: حين قدم الشام، يعني في السنة التي قدم فيها الشام. ومن العلماء من يصححها أهل العلم رحمهم الله تعالى حذراً، يعني من باب إحسان الظن بالشيخين البخاري ومسلم رحمهم الله تعالى، حذراً من أن يُغْلَط في روايتهما للحديث؛ لأنه قد وقع إجماع العلماء رحمهم الله تعالى على صحة الأحاديث الواردة في الصحيحين أو أحدهما، ولم يقع الإشكال إلا في أحاديث أو أحرف يسيرة من بعض الأحاديث.
ولذلك العلماء لهم منهجان في هذه الأحرف الواقعة في بعض الأحاديث؛ منهم من يخطئ الشيخين أو أحدهما فيها، ومنهم من يوجهها إلى معنى صحيح. ولذلك هذا التوجيه من النووي أو ابن حجر لأجل هذا، لأجل ألا يقال إنه وقع غلط في صحيح مسلم.
نعم أحسنت. وقوله: «رايتك تصلي إلى غير القبلة فقال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ما فعلته»، إنما يعود إلى الصلاة إلى غير القبلة فقط، وهو الذي سئل عنه، لا إلى غير ذلك من هيئته، والله أعلم. نعم أحسنت، يعني الآن يقول: رايتك تصلي إلى غير قبلة، فقال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ما يفعله، يفعل ماذا؟ يفعله أي صلاته إلى غير القبلة. لكن هل يعود أيضاً إلى صلاته على الحمار؟ لا، هنا يقول: يعود إلى الصلاة إلى غير القبلة؛ لأن السؤال كان عنها (رايتك تصلي إلى غير...) فالسؤال كان عنها، قال: وهو الذي سئل عنه لا إلى غير ذلك من الهيئات التي هي الصلاة على الحمار. وتقدمنا قريبا الكلام عن الصلاة على الحمار وهل ثبت على النبي صلى الله عليه وسلم أو لا.
وهذا الحديث فيه فوائد غير ذلك؛ منها كما ذكره ابن العطار يقول: منها الرجوع إلى أفعاله صلى الله عليه وسلم كأفعاله والوقوف عندها، وأنه يستدل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وبقوله إن أنساً استدل بفعله صلى الله عليه وسلم. ومنها تلقي المسافر، فالمسافر إذا قدم، خاصة إذا غاب عن البلد وقتاً طويلاً، فيندب تلقيه عند قدومه لأن هذا فيه إكرامه وإجلاله. وأيضاً فيه سؤال العالم عن مستند عمله المخالف للعادة، فهنا أنس بن سيرين سأل أنساً: رايتك تصلي إلى غير القبلة، والمعتاد أن يصلي الإنسان إلى القبلة، فانس رضي الله تعالى عنه (أنس بن سيرين) سأل أنساً عن مستند عمله: رايتك تصلي غير قبلة فلماذا؟ فأجاب عن ذلك. ومنها أيضاً أن التابع إذا رأى من متبوعه ما يجهله يسأله عنه، فأنَسُ بن سيرين جهل أن الصلاة أن الإنسان يتنفل إلى غير قبلة فسال عن ذلك أنس بن مالك. ومنها الجواب عن السؤال بالدليل، فأنَس رضي الله عنه أجاب وضمَّن جوابه الاستدلال على ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم. ومنها أيضاً أن فعل الصحابي وقَوْلَه حجة ما لم يخالف، وهذا هو الأصل أنه إن قول الصحابي حجة إذا اشتهر ولم يخالف.
وهنا أنس رضي الله عنه استدل بفعله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر التعليل. العلماء يعللون، يقولون لأن مثلاً النافلة أمرها خفيف، وأن الشارع يريد من العباد أن يستكثروا من النوافل، وفي إزامهم بأن يستقبلوا القبلة قد يكون فيه تقليل من هذه النوافل، فخفف عليهم فيها، هذه من الحكم والتعليلات. لكن أنس رضي الله عنه فقط اقتصر على فعل النبي صلى الله عليه وسلم والاستدلال به. قال الفاكهاني رحمه الله: هكذا كانت عادة الصحابة في الغالب أن يجيبوا باتباعه عليه الصلاة والسلام من غير إبداء معنى، لماذا؟ قال: إذ إبداء المعنى عرضة للاعتراض؛ لأنه لإبداء المعنى لو قال: لأنه كذا وكذا، قد يقول قائل: طيب، ومثلا أنا أريد أن أتتنفل على الدابة في الحضر لأنه أيضاً هذا مثله نريد أن نستكثر من النوافل. فابن عمر فأنْس رضي الله عنه اقتصر على ذكر فعل النبي صلى الله عليه وسلم من غير إبداء معنى، قال لبيان: إذ إبداء المعنى عرضة للاعتراض كما تقدم في قول عائشة رضي الله عنها لمعاذ لما سالتها معاذه كنا لما سالت لماذا الحا... ثم وقضاء الصوم تق... الصلاة؟ فقالت: كان يصيب ذلك الد... النبي صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، فأجابت بالنص دون المعنى.
نعم أحسنت. قال رحمه الله: وراوي هذا الحديث عن أنس بن مالك هو أبو حمزة أنس بن سيرين أخو محمد بن سيرين مولى أنس بن مالك، ويقال إنه لما ولد ذهب به إلى أنس بن مالك فسماه أنساً وكناه بأبي حمزة باسمه وكنيته، متفق على الاحتجاج بحديثه، مات بعد أخيه محمد، وكانت وفاة أخيه محمد سنة عشر ومائة. أحسنت، يقول: راوي هذا أنس بن مالك هو أنس بن سيرين أبو حمزة، واسمه وكنيته موافق لاسم أنس وكنيته، ولذلك يقول أنس بن مالك هو الذي سماه.
طبعاً سيرين هذا مولى أنس بن مالك اللي هو والد أنس بن سيرين مولى أنس بن مالك، فلما جاءه وولد له أنس ذهب به إلى أنس بن مالك سيده فسماه أنساً وكناه بكنية أبي حمزة. قال: متفق عن الاحتجاج بحديثه، ومات بعد أخيه محمد بن سيرين رحمه الله رحمهم الله، وكانت وفاة أخيه محمد سنة عشر ومائة، وأما أنس فوفاته سنة عشرين ومائة رحمهم الله تعالى. نعم أحسنت.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان