دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام (33) تتمة الحديث الثالث من أحاديث باب التيمم

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد، فهذا هو المجلس الثالث والثلاثون من مجالس التعليق على كتاب أحكام الأحكام شرح ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. كنا قد توقفنا على أثناء الحديث الثالث من أحاديث باب التيمم، حديث عمار، حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، وأوقفنا على الوجه الرابع من وجه الكلام على هذا الحديث.

أحسن الله إليكم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: الرابع، قوله عليه السلام: «وطهورًا». استدل به على أمر؛ أحدها: أن الطهور هو المطهر لغيره، ووجه الدليل أنه ذكر صلى الله عليه وسلم خصوصيته بكونها طهورًا، أي مطهرة، ولو كانت طهور بمعنى الطاهر لم تثبت خصوصية، فإن طهارة الأرض عامة في حق كل الأمم.

أحسنت، الأمر الثاني: هنا ذكر أن قوله صلى الله عليه وسلم «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورًا»، «طهورا» يقول يستفاد منها أو يستدلوا بها على أمور. الأمر الأول: ذكر ثلاث أمور مما بها؛ الأمر الأول أن الطهور هو المطهر بغيره، فيكون هو غير الطاهر، يعني أنه طاهر في نفسه ومطهر لغيره. وهذا مما يستدل به من يجعل الماء ثلاثة أقسام: طاهر، وطهور، ونجس؛ فيقولون الطهور هو المطهر لغيره بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمله هنا لعظمته طهوره للمطهر لغيره.

لماذا لا نقول طهور بمعنى الطاهر؟ يقول وجه الدليل: يعني لماذا جعلنا طهور بمعنى مطهر؟ أنه ذكر صلى الله عليه وسلم خصوصيته بكونها مطهرة، ولو كانت طهور بمعنى الطاهر لم تثبت الخصوصية، فإن طهارة الأرض عامة في حق كل الأمم؛ يعني أن الأصل في الأرض الطهارة عند المسلمين وعند أيضا الأمم السابقة، لكن كون الأرض يتطهر بها، هذا هو الذي اختصت به هذه الأمة، فلذلك كان معنى طهورًا أي مطهرًا. وهذا كما قلنا مما يستدل به من يجعل المياه ثلاثة أقسام.

قال رحمه الله: الأمر الثاني: استدل به من جوز التيمم بجميع أجزاء الأرض للعموم الذي في قوله: ﴿جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا﴾ [البقرة: 99]، والذين خصوا التيمم بالتراب استدلوا بما جاء في الحديث الآخر: «وجعلت تربتها لنا طهورًا»، وهذا خاص، فينبغي أن يحمل عليه العام وتختص الطهورية بالتراب.

هل يستفاد من هذا الحديث أن جميع أجزاء الأرض يتمم بها أو لا؟ يقول بعض الفقهاء: استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «وجعلت لي الأرض طهورًا» أنه يجوز التيمم بجميع أجزاء الأرض، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورًا». فالأرض هنا اسم جنس ومعرف بالألف واللام، فيستفاد منه العموم.

هذا هو قول بعض أهل العلم، وهو قول الحنفية والمالكية، وقول في مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وهناك قول آخر، وهو قول الشافعية والحنابلة في المشهور عنهم، أن التيمم يكون بالتراب فقط، ولا يكون لباقي أجزاء الأرض. لماذا قالوا ذلك؟ عندنا هذا الحديث: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورًا»، وعندنا حديث آخر، وهو حديث حذيفة في صحيح مسلم: «وجعلت تربتها لنا طهورًا».

يقولون: الحديث الأول عام يشمل الأرض، والحديث الثاني خاص، فيحمل العام على الخاص؛ فيقولون: "تربتها" بدليل ما جاء في الحديث الآخر، فالخاص يخصص العام، لذلك قال: «وهذا خاص ينبغي أن يحمل عليه العام وتختص الطهورية بالتراب».

وذكر ابن رجب وابن حجر رحمه الله في الفتح، أن مما يقوي القول بأنه خاص بالتراب أن حديث حذيفة سيق لإظهار التشريف والتخصيص؛ لأنه جاء في أوله في سياق التشريف للأنبياء بثلاث، وذكر منها: «وجعلت لنا طهورًا»، «وجعلت تربة لنا طهورًا». فهذا الحديث يقول سيق لإظهار التشريف والتخصيص، فلو جاز التيمم بغيره، يعني بغير التراب، لما اقتصر عليه في الحديث. ثم قال: إذا لم يجد ماء ولا ترابًا صلى على حسب حاله. وهذا لا يشكل فيه قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].

الآن ذكر المؤلف رحمه الله القولين في المسألة؛ منهم من قال إنه يجوز التيمم في جميع أجزاء الأرض بالتراب وذكر دليل هؤلاء من هذا الحديث، ودليل القول الآخر من الحديث الآخر. الآن سيذكر الاعتراضات على دليل القول الثاني.

قال رحمه الله: واعترض على هذا بوجوه؛ منها منع كون "تربة" مرادفة للتراب، ودعي أن تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره مما يقاربه. نعم، أحسنت، هذا الاعتراض الأول. يقولون: لا، التربة غير التراب؛ تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غير ما يقاربه، يعني يشمل الحجر والصخر ونحو ذلك والرمل، فيشمل جميع أجزاء الأرض، وإنما ذكر التراب لأنه هو أغلب ما يوجد، لكن الحكم ليس خاصًا به، وهذا ذكره بعض أهل العلم، منهم القاضي عياض في إكمال المعلم. لكن يجاب عن ذلك بأنه في بعض الروايات: «جعلت ترابها»، وهذا واضح أن المراد به التراب.

ومنها أنه مفهوم لقب، أعني تعليق الحكم بالتربة، ومفهوم اللقب ضعيف عند أرباب الأصول، فقالوا لم يقل به إلا الدقاق. ويمكن أن يجاب عن هذا بأن في الحديث قرينة زائدة على مجرد تعليق الحكم بالتربة، وهو الافتراق في اللفظ بين «جعلها مسجدا» و«جعل تربتها طهورًا» على ما في ذلك الحديث، وهذا الافتراق في هذا السياق يدل على الافتراق في الحكم، وإلا لعطف أحدهما على الآخر نسقًا كما في الحديث الذي ذكره المصنف.

أهل الاعتراض الثاني على الاستدلال بحديث «وجعلت تربته لنا» يقولون إنه مفهوم لقب، يعني مفهوم اللقب الذي هو تعليق الحكم على مجرد اسم الذات، ومفهوم اللقب كما ذكر هنا ضعيف عند أرباب الأصول، وقالوا لم يقل به إلا الدقاق. والحقيقة أنه نسب القول به إلى بعض العلماء، فنسب القول به أيضًا إلى الإمام أحمد في رواية، والإمام مالك، وداوود، وبعض الأصوليين كما ذكره ابن النجار في شرح مختصر التحرير والزركشي في البحر المحيط، فنسب إلى غيره. ثم ذكر الجواب عن هذا على القول الثاني، يقول: لا، يعني أنه ليس مفهوم لقب، وفي الحديث قرينة زائدة على مجرد تعليق الحكم بالتربة.

فيقول هذا الافتراق في السياق قد يدخل في الحكم، وإلا لو أنا عطفت أحدهم على الآخرين؛ أي يقول كونها جعلت جملتين: ﴿جَعَلْنَا الْأَرْضَ مِهَادًا * وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾، وجعلت تربتها طهورًا، مما يدل على أنه يقصد التخصيص بالتراب، وإلا لو كان يريد تعميم التيمم بجميع أجزاء الأرض لقال كما ذكرنا هنا: «وجعلت طهورًا»، فلما ذكر التربة وخصها بجملة مستقلة دل على أنها مراده في الحكم. وهذا جواب عن الإرادة أنه مفهوم لقب.

نعم، الآن سيذكر الجواب الثالث، الاعتراض الثالث. قال رحمه الله: ومنها أن الحديث المذكور الذي خصت فيه التربة بالطهورية، لو سلم أن مفهومه معمول به، فكان الحديث الآخر بمنطوقه يدل على طهورية بقية أجزاء الأرض؛ أعني قوله عليه السلام: «جعلت مسجداً وطهوراً». وإذا تعارض في غير التراب دلالة المفهوم الذي يقتضي عدم طهوريته، ودلالة المنطوق الذي يقتضي طهوريته، فالمنطوق مقدم على المفهوم. وقد قالوا إن المفهوم يخصص العموم، فتمتنع هذه الأولوية؛ لذا سلم المفهوم ها هنا.

وأشار في نسخة الحاشية عندكم شيخنا، مثبتًا هذه الأولوية إذا سلمت. قال: «فتمتنع هذه الأولوية»، ثم في سقط: «إذا سلم المفهوم ها هنا». أشار في نسخة في الحاشية للسقط هذا وأثبت وجه هذه الأولوية. وقد اختلف الأصوليون في أن المفهوم هل يخصص العموم؟ فمن قالوا إنه يخصصه منع هذه الأولوية إذا سلم المفهوم، وهؤلاء تمضوا إلى «إذا سلم المفهوم ها هنا»، أو ساروا إلى جملة أخرى غير هذه الجملة. وهذه الجملة ملحقة في نسخة حكيم أوغلو بالحاشية.

في بعض النسخ عندي زيادة، وهذه الزيادة موجودة في بعض النسخ الخطية، بعد كلمة «إذا سلم المفهوم ها هنا» في زيادة: «وقد أشار بعضهم إلى خلاف هذه القاعدة، أعني تخصيص العموم بالمفهوم، ثم عليك بعد هذا كله بالنظر في معنى ما أسلفناه من حاجة التخصيص إلى التعارض بينه وبين العموم في محله». هذه موجودة في الحاشية، وقد أثبتها شيخنا في المتن.

الاعتراض الثالث على الاستدلال بالحديث يقولون: لو سلمنا التعارض بين حديث جابر وحديث حذيفة، فحديث جابر يقول: «وجعلت الأرض مسجداً وطهوراً»، فنقول: لو سلم أن مفهومه معمول به، أي على كونه مفهوم لقب ومفهوم اللقب معمول به، فنقول الاستدلال به من باب الاستدلال بالمفهوم، وحديث جابر يشمل جميع أجزاء الأرض فالاستدلال به استدلال بالمنطوق.

إذا تعارض في غير التراب دلالة المفهوم ودلالة المنطوق؛ فيرجع مثلاً إلى الحجر، فالحجر على أحاديث جابر يتيمم به لأنه من الأرض، وعلى حديث حذيفة مفهومه أنه لا يتيمم به. فإذا تعارض مفهوم حديث حذيفة مع منطوق حديث جابر، فيقول هنا: المنطوق مقدم على المفهوم.

وهذا لكون ما ورد في حديث حذيفة إنما هو من باب ذكر بعض أفراد العام بحكم لا يخالف العام، وهذا لا يقتضي التخصيص، وقد أشار لذلك في «إكمال المعلم». يعني جعل التربة في حديث حذيفة هو ذكر لبعض أفراد العام التي هي التربة، والتربة هي بعض أفراد العام الذي هو الأرض الذي جاء في حديث جابر. فذكره بحكم يوافق حكم العام؛ فذكر في حديث حذيفة أن التربة يتيمم بها، وفي حديث جابر ذكر أن الأرض كلها بما فيها التربة والرمل والحجر يتيمم بها، فذكره بحكم يوافقه. فقالوا: إذا ذكر بعض أفراد العام بحكم لا يخالف العام فإنه لا يقتضي التخصيص، وإنما يدل على أهمية أو تأكيد هذا الأمر فقط.

وقد قالوا إن المفهوم يخصص العموم فتمتنع هذه الأولوية إذا سلم المفهوم ها هنا. هذه إشكالية أو مسألة خلافية: هل إذا تعارض لفظ عام -إذا قلنا إنهما متعارضان وليس من باب ذكر بعض أفراد العام- فهل نقدم المفهوم أو نقدم العموم؟ نُمثل على التيمم بالحجر؛ ففي حديث جابر جعلت الأرض طهوراً، والحجر من أجزاء الأرض فهو منطوق مأخوذ من العموم، وفي حديث حذيفة «جعلت تربة طهوراً»، فمفهومه بمفهوم المخالفة أن الحجر لا يتيمم به لأنه خاص. فإذا تعارض مفهوم المخالفة مع المنطوق العمومي، فأيهما يقدم؟ هل يقدم العموم أو يقدم مفهوم المخالفة؟ وهي مسألة خلافية، هل مفهوم المخالفة يخصص اللفظ العام أو لا؟

وهي مسألة سابقة، تقدمت أيضاً إشارة لها في الكلام على أن الماء طهور، وهل إذا كان أقل من القلتين ووردت عليه نجاسة ولم تغير هل يكون طهوراً أو نجساً؟ وهذه داخلة في هذه القاعدة. قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه»، الحديث ثابت والزيادة «إلا ما غلب على ريحه وطعمه» ضعيفة، لكن الإجماع منعقد على صحة هذا الحكم.

هذا الحديث أثبت أن الماء طهور ولا يتنجس إلا بالتغير، فهذا منطوقه. والحديث الآخر: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»، منطوقه أن الماء الكثير إذا كان أكثر من قلتين فإنه لا يحمل الخبث، أي لا ينجس إلا بالتغير، كما يدل على ذلك مفهومه، وهو أن الماء الذي أقل من القلتين يحمل الخبث، بمعنى أنه ينجس إذا وردت عليه نجاسة. وهذا المفهوم يخالف المنطوق الذي في حديث أبي سعيد: «أن الماء لا ينجسه شيء». فهل يؤخذ بمنطوق حديث أبي سعيد أو يؤخذ بمفهوم حديث ابن عمر في القلتين؟ هذه مسألة خلافية، ومثلها هنا في حديث جابر وحديث حذيفة؛ فهل يقدم المنطوق أو يقدم المفهوم؟ وهل مفهوم المخالفة يخصص به العموم أو لا؟

وقد أشار إلى الخلاف في هذه المسألة الأصولية شيخ الإسلام رحمه الله في مواضع من كتبه، ونسب القول بتقديم العموم الحنفية وأهل الظاهر وكثير من المتكلمين وطائفة من المالكية والشافعية والحنابلة، ونسب القول بتقديم المفهوم إلى الجمهور من المذاهب الثلاثة وطائفة من المتكلمين، وذكر أنه هو المنقول صريحاً عن الشافعي وأحمد رحمه الله تعالى. قال: «والمسألة محتملة، وليس هذا موضع تفسيرها، فإنها ذات شعب كثيرة، وهي متصلة بمسألة المطلق والمقيد، قال: وهي غمرة».

من غمرات أصول الفقه، وقد اشتبهت أنواعها على كثير من السابحين فيه، إلى آخره، كلامه رحمه الله تعالى.

المهم أن تعرف أن المسألة مختلف فيها، وهل الخلاف فيها -عند بعض الأصوليين- في تقديم المفهوم أو تقديم العموم مبني على إثبات المفهوم، الذي هو "مفهوم المخالفة"؟ طبعاً لأن مفهوم المخالفة فيه خلاف، وقد نُسب إلى الحنيفة رحمه الله تعالى. وأبو حنيفة ممن يقول بتقديم العموم على المفهوم، فيكون هذا الأصل مبني على كلامه أنه لا يعتبر مفهوم المخالفة، لذلك نقدم العموم.

لكن هل الخلاف في تقديم المفهوم مبني على هذه المسألة الأصولية، وهي اعتبار المفهوم أو لا؟ من الأصوليين من قال إن الخلاف بين الأصوليين فيما يُقدم مبني على مسألة هل يُعتبر مفهوم المخالفة حجة أم لا؟ ومنهم من قال إن هذا الخلاف ليس مبنياً على هذا. هذه المسألة أصولية تراجع في مضامينها من كتب الأصول، وإنما ذكرنا إشارات لها.

قال رحمه الله: الأمر الثالث، أخذ منه بعض المالكية أن لفظ "طهور" تستعمل أحياناً في معنى ثالث؛ لا في التطهير عن الحدث ولا عن الخبث. وقالوا إن الصعيد قد سمي طهوراً وليس عن حدث ولا عن خبث، لأن التيمم لا يرفع الحدث -هذا أو معناه-. وجعلوا ذلك جواباً على استدلال الشافعية على نجاسة فم الكلب بقوله ﷺ: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب فليغسل سبعاً»، فقالوا: "طهور" استُعملت إما عن حدث أو خبث، ولا حدث على الإناء، فتعين أن يكون عن خبث.

فمنع هذا المجيب المالكي الحصر، وقال إن لفظ "طهور" تستعمل في إباحة الاستعمال كما في التراب؛ إذ لا يرفع الحدث كما قلناه، فيكون قوله ﷺ: «طهور إناء أحدكم» مستعملاً في إباحة استعماله، أي الإناء، كما في التيمم. وفي هذا عندي نظر؛ فإن التيمم، وإن قلنا إنه لا يرفع الحدث، لكنه عن حدث، أي الموجب لفعله الحدث. وفرق بين قولنا إنه عن حدث، وبين قولنا إنه يرفع الحدث، وربما تقدم هذا بعضه.

يقول: أخذ منه بعض المالكية أن لفظ "طهور" تستعمل أحياناً في معنى ثالث، ليس في التطهير عن الحدث ولا عن الخبث. لأن المشهور أن الطهارة تستعمل إما عن حدث أو عن خبث، قالوا: لا، إنها قد تستعمل في معنى ثالث، وهو أنه مباح. فقالوا إنه يطلق على إباحة الاستعمال، لأن الصعيد ليس عن حدث ولا عن خبث.

وجعلوا هذا الجواب عن الشافعية في حديث ولوغ الكلب؛ لأن الجمهور استدلوا على نجاسة لعاب الكلب بقوله ﷺ: «طهور إناء أحدكم»، قالوا: "طهور" يعني الإناء ليس في حدث، إذاً الإناء فيه خبث من الذي ولغ فيه، فيكون هذا دليلاً على النجاسة. فقال بعض المالكية: لا، حصركم هذا غير صحيح؛ بدليل أن التراب جاء في الحديث أنه طهور، والتراب لا يرفع الحدث، وهذا مبني على قول من يرى أن التيمم غير رافع للحدث، فيقولون: سُمي طهوراً وهو ليس عن حدث ولا عن خبث، فإذاً الحصر غير صحيح. فقالوا: إذاً "طهور إناء أحدكم" نقول: نعم، "إناء أحدكم"، ولا يلزم أن يكون عن خبث، بل يلزم أن يكون المقصود إباحة الاستعمال.

ابن دقيق العيد رحمه الله، أقول: في هذا عندي نظر؛ تنظير هذا الكلام وقياسه على إناء الكلب على التيمم فيه نظر. لأن التيمم -حتى وإن كنا نقول إنه لا يرفع الحدث- لكنه في حقيقته عن حدث، أي الموجب لفعله الحدث، فنسب أن يوصف بأنه طهور. بخلاف إناء الذي ولغ فيه الكلب، فهذا ليس عن حدث ولا عن خبث، فلذلك تنظيركم هنا غير صحيح. قالوا: فرق بين قولنا إنه عن حدث؛ يعني نحن سواء قلت إنه يرفع الحدث أو قلت إنه لا يرفع الحدث، لكنه حقيقة عن حدث، ففيه فرق بينه وبين الإناء الذي ولغ فيه الكلب.

قال رحمه الله: الخامس، قوله ﷺ: «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ»، يستدل به على عموم التيمم بأجزاء الأرض؛ لأن قوله ﷺ: «أيما رجل» صيغة عموم، فيدخل تحتها من لم يجد تراباً ووجد غيره من أجزاء الأرض. ومن خصص التيمم بالتراب يحتاج أن يقيم دليلاً يخص به هذا العموم، أو يقول: دل الحديث على أنه يصلي، وأنا أقول بذلك، فمن لم يجد ماءً ولا تراباً صلى على حسب حاله، فأقول بموجب الحديث. إلا أنه قد جاء في رواية أخرى مقيداً: «فعنده طهوره ومسجده»، والحديث إذا اجتمعت طرقه فسر بعضها بعضاً.

يقول: قوله ﷺ: «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ»، هذا يستدل به على عموم التيمم بأجزاء الأرض، وهذا دليل آخر من الأدلة على أن التيمم ليس خاصاً بالتراب. ووجه الدلالة من قوله ﷺ: «أيما رجل» أنها صيغة عموم، نكرة في سياق الشرط، فتدل على العموم؛ فيدخل تحتها من لم يجد تراباً ووجد غيره من أجزاء الأرض.

يقولون: من خص التيمم بالتراب، من يقول إنه لا بد من التيمم بالتراب، يحتاج أن يقيم دليلاً يخص هذا العموم. الآن عندنا عموم "أيما رجل أدركته الصلاة فليصلِّ"، فيأتي بدليل يخصصه، أو يقول: الذي خصه بالتراب دل الحديث على أنه يصلي، وأنا أقول بذلك، فمن لم يجد ماءً ولا تراباً صلى على حسب حاله، فأقول بموجب الحديث. يعني الذي يرى أنه لا يتم إلا بالتراب، فإجابته عن هذا الحديث إما أن يأتي بحديث آخر يخصص به هذا العموم، وقد تقدم الكلام فيه، أو يقول: أنا أقول بموجب هذا الحديث، وإن من لم يجد ماءً ولا تراباً صلى على حسب حاله، كفقد الطهورين، فيصلي حسب حاله، وهذا يدل عليه هذا الحديث: «فأيما رجل أدركته الصلاة فليصلِّ».

فليتهم من بما أمامه نحو ذلك، إنما قال: «فليصم». طبعاً هذا كلامهم، لكن يقول ابن دقيق رحمه الله: إلا أنه قد جاء في رواية أخرى: «عنده طهوره ومسجده»، فيقول هذه الرواية تدل على أنه يتيمم سواء كان بالتراب أو بغيره.

قال: والحديث إذا اجتمعت طرقه فسر بعضها بعضاً؛ يعني لا نأخذ رواية واحدة، بل نجمع الطرق ونجد بعض الطرق في الرواية فيها مجمل أو بعضها، فإذا جمعت الطرق للحديث فإنه بذلك يفسر بعضها بعضاً.

فمن حيث إن هذا الحديث دل على أن «أيما رجل» في اليسار، دلت على أنه يتيمم بجميع أجزاء الأرض لأنها نكرة، فكلمة «أيما رجل» تدل على أنه يدخل فيها من لم يجد ماءً ولا تراباً، فإنه يتيمم بما وجده من أجزاء الأرض. ويقول: من يرى التيمم بالتراب لابد أن يخصص، يعني يأتي بحديث مخصص لهذا العموم، أو يقول التزموا بهذا، وأقول: من لم يجد ماءً ولا تراباً فإنه يصلي على حسب أن يكون الطهورين فيصلي على حسبهما. لكن أجاب عن الثاني ابن دقيق رحمه الله بأنه ورد في رواية أخرى: «عنده طهوره ومسجده»، فدل على أنه يتيمم بغير التراب من أجزاء الأرض.

قال رحمه الله: الوجه السادس، قوله عليه السلام: «وأحلت لي الغنائم»، يحتمل أن يراد به أنها جعلت له يتصرف فيها كيف شاء ويقسمها كما أراد، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوهُمْ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: 1]، ويحتمل أن المراد به لم يحل شيء منها لغيره صلى الله عليه وسلم وأمته، وفي بعض الأحاديث ما يشعر ظاهره بذلك.

ويحتمل أن المراد بالغنائم بعض الغنائم، وفي بعض الأحاديث: «وأحل لنا الخمس»، أخرجه ابن حبان بكسر الحاء وبعدها باء في صحيحه. يقول: قوله صلى الله عليه وسلم «أحلت لي الغنائم» يحتمل ذكر احتمالين في معناه؛ إما أن يراد التصرف فيها كما شئت كما في قوله تعالى: ﴿وَالرَّسُولُ﴾ [الأنفال: 1]، ويحتمل أن المراد أنه أحلت له ولامته ولم تحل للأنبياء السابقين، وهذا هو الظاهر والله تعالى أعلم.

وقد جاء في بعض الأحاديث ما يدل عليه، فقد كان الأنبياء السابقون بين نبيين؛ إما أن يكون بعض الأنبياء لم يشفع لهم جهاد الكفار، فلذلك ليس في عهدهم غنائم، ومنهم من أبيح له جهاد الكفار لكن هذه الغنائم لم يباح لهم أخذها، فكانوا يجمعونها في مكان فإذا قابلت جاءت نار فالتهمتها. أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد أحلت له الغنائم، وقد ورد في بعض الأحاديث: «فعلت لنا الخمس» أو «وحلت لنا الخمس»، الذي هو الخمس من الغنيمة الذي هو لله ولرسول، ولذي القربى واليتيم وابن السبيل، فمنه للرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي يتصرف فيه ويقسمه بين أصحابه.

قال رحمه الله: الوجه السابع، قوله صلى الله عليه وسلم: «وأعطيت الشفاعة»، الألف واللام قد ترد للعهد، كما في قوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المدثر: 16]، وترد للعموم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم»، وترد لتعريف الحقيقة، كقولهم: الرجل خير من المرأة، والفرس خير من الحمار. وقد ورد في الحديث الصحيح استعمال الألف واللام في تعريف الحقيقة وهو قول: «ناكل الجراد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات».

إذا ثبت هذا، فنقول: الأقرب أنها في قوله صلى الله عليه وسلم: «وأعطيت الشفاعة» للعهد، وهو ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم من شفاعته العظمى، وهي شفاعته في إراحة الناس من طول القيام بتأجيل حسابهم، وهي شفاعة مختصة به صلى الله عليه وسلم، ولا خلاف فيها ولا تنكرها المعتزلة.

يذكر الآن أن يريد أن يتوصل إلى المقصود بالشفاعة، فيقول لك إن الألف واللام قد ترد للعهد، وقد ترد للتعريف، وقد ترد للجنس، وقد ترد للعموم. والعهد يذكرونه منه: عهد ذكري، وعهد حضوري، وعهد ذهني. العهد الذكري مثل قوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾، هنا للعهد الذكري الذي هو آخر رسول مذكور. والعموم علامته أن يصلح مكان الكل أو جميع، كقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم»، لو جعلت بدل الكل "كل المسلمين" لكان المعنى نفس المعنى، فهي للعموم.

وقد ترد لتعريف الحقيقة أو الجنس، كقولهم: الرجل خير من المرأة، فالرجل يعني جنس الرجال خير من جنس النساء، لكن لا يعني أن كل واحد من الرجال خير من كل واحدة من النساء. ومثل لإرادة الجنس: «ناكل الجراد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات». إذا ثبت هذا فنقول: الأقرب في قوله صلى الله عليه وسلم: «وأعطيت الشفاعة» للعهد، وليست للعموم، والمقصود بها الشفاعة العظمى لإراحة الناس يوم القيامة، ويبعث بالنشور في راحتهم فيبدأ حسابهم، وهذه شفاعة مختصة به صلى الله عليه وسلم ولا خلاف فيها، حتى المعتزلة الذين ينكرون الشفاعات لا ينكرون هذه الشفاعة.

ثم ذكر أنواع الشفاعات في الآخرة؛ قال رحمه الله: والشفاعات الأخروية خمس: إحداها هذه، وقد ذكرنا الاختصاص للرسول بها وعدم الخلاف فيها. وثانيها: الشفاعة في إدخال قومه الجنة دون حساب، وهذه أيضاً وردت عن نبينا صلى الله عليه وسلم ولا أعلم الاختصاص فيها أو عدم الاختصاص. وثالثها: قوم استوجبوا النار فيشفع في عدم دخولهم النار، وهذه أيضاً قد تكون غير مختصة. ورابعها: قوم دخلوا النار فيشفع في خروجهم منها، وهذه قد ثبت فيها عدم الاختصاص لما صح في الحديث من شفاعة الأنبياء والملائكة، وقد ورد أيضاً إخوان من المؤمنين. وخامسها: الشفاعة بعد دخول الجنة في زيادة الدرجات لأهلها، وهذه أيضاً لا تنكرها المعتزلة.

فمن الشفاعة ما علم الاختصاص به، ومنها ما علم عدم الاختصاص به، ومنها ما يحتمل الأمرين. فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تقدم منه إعلام الصحابة بالشفاعة الكبرى المختصة بها التي صدرت بها الأقسام الخمسة، فلتكن الألف واللام للعهد. وإن كان لم يتقدم ذلك على هذا الحديث، فلتجعل الألف واللام لتعريف الحقيقة وتنزل على تلك الشفاعة، لأنه كالمطلق حينئذ، فيكفي تنزيله على فرد، وليس لك أن تقول لا حاجة إلى هذا التكلف، إذ ليس بالحديث إلا قوله: «أعطيت الشفاعة»، وكل هذه الأقسام التي ذكرتها قد أعطيها صلى الله عليه وسلم، فليحمل اللفظ على العموم.

لأننا نقول هذه الخصلة مذكورة في الخمس التي اختص بها رسولنا صلى الله عليه وسلم، فلفظها وإن كان مطلقًا إلا أن ما سبق في صدر الكلام يدل على الخصوصية. وأما قوله عليه السلام: «وكان النبي يبعث إلى قومه»، فقد تقدم الكلام عليه في صدر الحديث الأول، والله أعلم.

هنا ذكر الشفاعات الأخروية: الأولى العظمى، وذكرنا اختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم بها وعدم الخلاف فيها. والثانية: الشفاعة في إدخال قوم الجنة من دون حساب، يشفع لأناس يدخلون الجنة بغير حساب من أهل المعاصي، وهذه أيضًا وردت للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا أعلم الاختصاص بها صلى الله عليه وسلم، أو يمكن أن يكون بافراد المؤمنين أن يشفعوا لمن يريدون، أي يدخل الجنة بغير حساب.

الثالثة: قوم استوجبوا النار فيشفع في عدم دخولهم لها، بمعنى أن سيئاتهم غلبت حسناتهم، فهؤلاء الأصل أن يدخلوا النار وينقوا من الذنوب، ثم يخرجون منها، فيشفع النبي صلى الله عليه وسلم لبعضهم ويدخلهم الجنة مباشرة ولا يدخلهم النار. وقال: وهذه أيضًا قد تكون غير مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، في بعض النسخ حذف "قد تكون"، والصنعاني رحمه الله كأنه يميل إلى أن إثبات "قد تكون" أولى؛ لأن المؤلف لاحقًا ذكر أنها من الأمور المحتملة أنها مختص بها أو غير مختصة به صلى الله عليه وسلم.

الرابعة: قوم دخلوا النار فيشفع في خروجهم منها، والثالثة لم يدخلوا النار فشفع فيهم ودخلوا الجنة، أما هؤلاء قوم دخلوا النار فشفع لهم ليخرجوا منها، وهذه غير مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل يشفع فيها الأنبياء والملائكة، وأيضًا المؤمنون يشفعون لبعضهم. الخامسة: الشفاعة بعد دخول الجنة في زيادة درجات لأهلها، وهذه أيضًا يقول: لا تنكرها المعتزلة.

ابن الملقن رحمه الله في «الإعلام» يقول: «وقد ذكرت له صلى الله عليه وسلم ست شفعات أخر في كتابنا غاية السول في خصائص الرسول، فرجعها منها فإنها من المهمات، فإن أكثر الناس لم يذكر له إلا خمسًا». وأنا أعلم ماذا يقصد بالسادسة، لكن احتمال أن هناك من الشفاعات ما ذكر بعض أهل العلم أنه مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم، مثل إخراج من كان في قلبه أدنى من مثقال ذرة من إيمان، فقال بعضهم: لأن هذا خاص للنبي صلى الله عليه وسلم مما يدخل فيه.

إذن هناك أقسام للشفاعة: منها ما علم الاختصاص به، وهي الشفاعة العظمى، ومنها ما علم عدم الاختصاص به، وهي الرابعة، ومنها ما يحتمل الأمرين. الآن لما خلص من هذا قال: لا تكون للعموم، إما أن تكون للعهد أو للجنس. لماذا لا تكون للعموم؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في أول الحديث قال: «أعطيته خمسًا لم يعطهن أحد قبلي»، وبعض هذه الشفعات أعطيت الأنبياء قبله، فإذا استبعدنا احتمال العموم بقي احتمالان: احتمال أنها بالعهد، واحتمال أنها للجنس.

فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تقدم من أعلام الصحابة بالشفاعة الكبرى، الشفاعة العظمى، فتكون للألف واللام للعهد، مثل قوله: «كما أرسلنا إلى فرعون»، أعطيته الشفاعة، يعني قلت لكم قبلًا إن الشفاعة العظمى فيشفع للناس في راحتهم من الموقف. أما إذا لم يتقدم من النبي صلى الله عليه وسلم ذكر للشفاعة إلا من هذا الحديث، فإنه يراد به الجنس، فنحمله على الشفاعة العظمى لأنها هي التي نجزم باختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بها، لأن بعض أنواع الشفاعة غير مختص بها وبعضها يحتمل الاختصاص، لكن الشفاعة العظمى هي التي يُجزم بها. فنقول يراد باللام هنا الجنس، ونحملها على الشفاعة العظمى، مثل المطلق، اللفظ المطلق يحمل على بعض أفراده، فلفظ المطلق "الشفاعة" يدل على الإطلاق، فنخصصه ببعض أفرادها وهي الشفاعة العظمى.

ثم قال: ليس لأن تقول لا حاجة، لماذا لا تحملها على العموم مباشرة؟ لماذا؟ لأن في صدر الحديث "لم يعطهن أحد من الأنبياء قبله"، وبعض أنواع هذه الشفاعة قد أعطيت قبلهم الأنبياء، ولي الشفاعة فيمن استوجب دخول النار المخرج منها. وأما قوله: «كان النبي يبعث إلى قومه»، هل هناك من الأنبياء من بعث للناس عامة أو لا؟ ذكر نوح عليه السلام، هل هو بعث للناس عامة أو لا؟

وهنا فائدة؛ ذكر ابن فكان رحمه الله في شرحه أن قوله صلى الله عليه وسلم: «أعطيته خمسًا» لا يقتضي حصر خصوصياته صلى الله عليه وسلم في هذا الخمس، ولكن جاء في رواية للمسلم عدها ستًا، وذكر منها: "أوتيت جمع الكلم"، وفي رواية: "أوتيت مفاتيح خزائن الأرض"، وفي حديث حذيفة: "جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة"، و"أوتيت بآيات خواتم سورة البقرة من كنز تحت العرش".

وذكر في صحيح مسلم أنه بحصر مجموع الروايات عشر خصائص؛ التي هي الخمس المذكورة في عزو جابر، والسادسة جعل الصفوف كصفوف الملائكة، والتاسعة خواتم سورة البقرة، والعاشرة ختمت النبيون، وذكر أنها لعلها أكثر من ذلك، وذكر أن هذا اللفظ "أعطيته خمسًا" لا يقتضي الحصر، بل خصائصه صلى الله عليه وسلم في الحقيقة لا تحصى، وأما أثرها أكثر من أن يحاط بها فتستقصى.

وابن الملقن في «الإعلام» ذكر أنه جمع منها جملة في كتابه «غاية السول في خصائص الرسول»، قالوا في الذهن إنه أجمع ما صنف فيه، والحمد لله على ذلك وأمثاله. والسفاريني رحمه الله في «كشف اللثام» نقل عن أبي سعيد النيسابوري أنه ذكر في كتاب "اسم الله" أن شرف المصطفى ستون خصلة، يعني معجزات بها النبي صلى الله عليه وسلم عن غيره، قال: وقد أفرطت خصائصه بالتأليف فبلغت أضعاف ذلك بكثير. وهناك كتب في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لا تخفى على المطالع، أسأل الله أن يوفقنا جميعًا فيما يحب ويرضى، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله.

آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.