الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وعلمنا ما جهلنا، وزدنا علمًا وعملاً صالحًا كريمًا.
أما بعد، هذا هو المجلس الثاني والثلاثون من مجالس التعليق على كتابه «إحكام الأحكام» لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. الحديث الثاني من أحاديث التيمم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومباركة، اللهم اغفر لنا ونور لنا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: الحديث الثاني، عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً في حاجة، فلم يجد الماء، فتمرغ في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقلت: إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح باطن كفيه ووجهه».
عمار بن ياسر رضي الله عنه، أحد السابقين من المهاجرين، وممن عذب في ذات الله تعالى، قُتل بلا خلاف بصفين مع علي رضي الله عنه سنة 37 هـ، رحمه الله تعالى.
حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة، ولم يذكر هذه الحاجة، وهذا من الأدب أن يحفظ الإنسان السر على من ائتمنه عليه، وإذا أرسل في حاجة لشخص آخر، يقول: في كذا وكذا، إن نعم، إذا كان هذا الذي أرسلك إنما أرسلك لحاجة له، يعني سر له. وكان معه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكنه لم يفعل ذلك ولم يخبر. فأتَى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، يكفيك أن تقول بيديك هكذا»، وشرح له ذلك.
عمار بن ياسر رضي الله عنه، وهو أحد السابقين المهاجرين، هو وأبوه وأمه كلهم من السابقين للإسلام، وكانوا يعذبون في ذات الله عز وجل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فإن موعدكم الجنة». وعمار هو الذي نزل فيه قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]، وذلك من الكفار كانوا يعذبونه، فنزلت هذه الآية.
ذكر أبي رحمه الله تعالى أنه شهد بدراً، وهو الصحابي الوحيد الذي شهد بدراً وأبوه كان مؤمناً في ذلك الوقت. عمار رضي الله عنه، وقع مع علي رضي الله عنه في صفين سنة 37 هـ في الفتنة، رضي الله تعالى عن الجميع.
وفي قوله «في الصعيد»، يقول: طبعًا هذا القياس لابد أن يسبقه أن عمارًا رضي الله عنه يعلم بمشروعية التيمم عن الحدث الأصغر، فلما وجب عليه رفع الحدث الأكبر، ولم يكن عندهما، قاس التيمم عن الحدث الأكبر على الحدث الأصغر، وأن الوضوء خاص ببعض الأعضاء، فكان هذا وجه القياس عند عمار رضي الله تعالى.
الآن سيذكر لك مناقشة ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى لهذا الدليل، وأن هذا الحديث من أدلته على إبطال القياس. قال الظاهري في هذا الحديث: القياس لأن عمارًا قدر أن المسكوت عنه من التيمم للجنابة حكمه حكم الغسل من الجنابة، إذ هو بدل منه، فلو كان التيمم للجنابة ليكون لجميع البدن.
والجواب عما قال: إن الحديث دل على بطلان هذا القياس الخاص، ولا يلزم من بطلان هذا القياس الخاص بطلان كل قياس، يعني بطلان قياس التيمم عن الجنابة على الغسل، هذا قياس معين، وهذا لا يعني أن كل قياس باطل.
ثم في هذا القياس شيء آخر، وهو أن الأصل الذي هو الوضوء قد أُلغي فيه مساواة البدل له، فإن التيمم لا يعم جميع أعضاء الوضوء، فصار مساواة البدن للأصل في محل نظر. وذلك لا يقتضي مساواة في الفرض.
إن هذا القياس أيضًا ليس تامًا، لماذا؟ لأن الوضوء في أربعة أعضاء استعمال الماء فقط، والتيمم عن الحدث الأصغر يشمل جميع أعضاء الوضوء، فكذلك التيمم عن الحدث الأكبر لا يشمل جميع أعضاء الغسل، فلذلك هذا وجه آخر من الرد على دليل ابن حزم.
يقول: قد يكون الحديث دليلًا على صحة أصل القياس، فإن قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما يكفيك كذا وكذا» يدل على أنه لو كان فعله ذلك لكان مصيبًا، ولو كان فعله ذلك لكان قاسى التيمم للجنابة على التيمم للوضوء، على تقدير أن يكون اللمس المذكور في الآية ليس هو الجماع، لأنه لو كان عند عمار لكان حكم التيمم مبيناً في الآية، فلم يكن يحتاج إلى أن يتمرغ. فإذا فعله هو ذلك، يتضمن اعتقاده كونه ليس عاملاً بالنص بل بالقياس، وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان يكفيه التيمم على الصورة المذكورة، مع ما بيننا من كونه لو فعل ذلك لكان فعله بالقياس عنده لا بالنص.
هذا الوجه الثالث من الرد على ابن حزم رحمه الله تعالى. هنا يقرب أنه لو قيل إن في هذا الحديث دليل على صحة القياس لم يكن بعيدًا. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تتيمم كما يتم الوضوء»، وهذا يدل على أنه لو كان فعل ذلك، وإذا كان فعل ذلك بالقياس، ويقول هذا الدليل إنما يتم إذا قيل إن الملامسة تدل على مطلق اللمس، فتكون فيها دلائل على التيمم عن الحدث الأصغر، وإذا فعل ذلك كان مصيبًا، وصححه النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون فعله ذلك القياسي موافقًا للنصر، ويكون ذلك دليلًا على صحة القياس لا دليلًا على إبطاله. هذه الأوجه الثلاثة التي أجاب بها ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.
دليل ابن حزم كيف كان رحمه الله لما نقل كلام ابن دقيق، هذا قال: «وهذا من مستحسنات بحثه رحمه الله».
قال رحمه الله: الثالثة في قوله «أن تقول بيديك هكذا»، استعمال القول في معنى الفعل، وقد قال إن العرب استعملت القول في كل فعل. أحسنت، هنا معنى لغوي وهو أن القول يأتي بمعنى الفعل.
أحسن الله عليكم. قال رحمه الله: الرابع، قوله: «ثم ضرب بيده ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة»، دليل لمن قال بالاكتفاء بضربة واحدة للوجه واليدين. مذهب مالك فإنه قال: يعيد في الوقت إذا فعل ذلك، ولهذا في الوقت دليل على إجزاء الفعل إذا وقع ظاهره.
ومذهب الشافعي رحمه الله أنه لا بد من ضربتين؛ ضربة للوجه وضربة لليدين، وقد ورد في حديث التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين، إلا أنه لا يقول لأن هذا الحديث لا يقاوم في الصحة ولا يعارض مثله.
هنا يقول في الحديث: «ثم ضرب الأرض بيده ضربة واحدة»، يقول إن هذا الدليل يدل على ضربة واحدة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما يكفيك أن تقول بيدك هكذا»، وأنه لا يجب الزيادة عليه، وهذا قال إليه راجعون، ضربة واحدة. لكن قال إليه راجعون: يعيد في الوقت، طيب خارج الوقت؟ خارج الوقت دون ما كان خارج الوقت، وكل هذا الدليل على إجزاء الفعل إذا وقع ظاهره، وإن كونها ضربة ثانية فهذا على سبيل الاحتياط.
أما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فإنه قال: لا بد من ضربتين؛ ضربة للوجه وضربة لليدين، وهو أيضاً -يعني الإمام مالك- يرى أنه هو الأحوط؛ ضربة للوجه، والحديث ضعيف، ولذلك قال: لكن هذا الحديث لا يقاوم حديث عمار في الصحة.
هذه قصة حديث عمار، ثم مسح الشمال، فاستدل بذلك على أن ترتيب اليدين على الوجه في الوضوء ليس بواجب؛ لأنه إذا ثبت ذلك في التيمم ثبت في الوضوء. وفي كلمة في الوضوء علق عليها: ترتيب اليدين على الوجه في الوضوء. هنا يقول: تكلم عن الترتيب هل هو واجب أو ليس بواجب، الآن في الحديث: «ثم مسح الشمال على اليمين»، قدم اليدين على الوجه، لكن في الحديث وإنما يقتضي الاشتراك في الحكم، لكن يقول في رواية أخرى: «ثم مسح الوجه»، وهذا خلاف ما في الآية: ﴿وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾، فدل على أن الترتيب ليس واجباً، سواء قدم الوجه على اليدين أو اليدين على الوجه.
هنا تكلم ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى عداها الوضوء، قال: إذا كان هذا غير واجب في التيمم، فإذن لا يجب في الوضوء، لأنه لا قائل بالفرق بينهما، فمن أوجبها في الوضوء استحبها في التيمم. على كل، مسألة الترتيب في الوضوء مر معنا مرة في أحاديث الوضوء الكلام عليها والخلاف فيها، ولكن عندنا في مذهب الحنفية رحمه الله تعالى يرونه وجوب الترتيب في التيمم إذا كان عن حدث أصغر، أما إذا كان عن حدث أكبر فلا يجب الترتيب فيه؛ لأن الغسل الذي هو الأصل المبدل لا يجب الترتيب فيه، فقالوا: لما لم يجب الترتيب في الغسل إذا لم يجب الترتيب فيه، فبدله له حكم المبدل، ولذلك لا يرد عليه هذا الحديث في الجنابة، لا يرد عليهم هذا الحديث، يقال الحديث فيه مساحة، الحدث الأكبر لا ترتيب.
السادس قوله: «وظاهر كفيه يقتضي الاكتفاء بمسح الكفين في التيمم»، وهو مذهب أحمد، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة رحمه الله أن التيمم إلى المرفقين. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم على الجدار فمسح وجهه ويديه، هل يدل على الكفين أو على الذراعين أو على جملة العضو إلى الإبط؟ أنه يحمل على الكفين عند الإطلاق كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وقد ورد في بعض الروايات من حديث أنه عليه السلام مسح وجهه ويديه، والله أعلم.
علق عليها هنا، يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى عما الذي يمسح من اليد في التيمم؛ هناك ما يدل على أن الذي يمسح هما الكفان فقط ولا يتجاوزانه، لا يجب تجاوزهما، قالوا: هذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى بهذا الحديث، إنه قال: «إنما كان يكفيك»، تدل على أنه ما زاد عنه غير واجب.
القول الثاني: ثم ذكر أنه جاء في حديث أبي جهينة أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم على الجدار فمسح بوجهي ويديه، ثم ذكر أن سبب الخلاف أن العلماء رحمه الله تعالى تنازعوا في مسمى الكف أو اليد عند الأطراف؛ هل تطلق على الكف إلى الذراع، أم من أطراف الأصابع إلى الإبط؟ كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وبالإجماع أن الذي يقطع هو الكف، ورد في بعض روايات حديث أبي جهينة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بوجهيه ويديه.
لكن منهم من يستدل أيضاً بحديث كثير بن عبد الله رضي الله عنه قال: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: وسُخرت لي الريح مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأي رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة».
جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بفتح الحاء المهملة وبعدها راء مهملة الأنصاري، السلم بفتح السين واللام، من بني سلمة بكسر اللام، وكني أبا عبد الله، توفي سنة 61 من الهجرة وهو ابن 91 سنة. هناك في ذكره بعض خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، رضي الله تعالى عنه وابن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري من بني سلمة، عبد الله توفي سنة 61 من المكثرين من رواية الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ووالده عبد الله بن عمرو بن حرام، النبي صلى الله عليه وسلم أن الله كلمه كفاحاً، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
نعم، له من وجوه، الأول قوله عليه السلام: «دون سائر الأنبياء»، وظاهره يقتضي أن كل واحدة من هذه الخمس لم تكن لأحد من قبله صلى الله عليه وسلم، ولا يعترضوا على هذا؛ لأن نوح عليه السلام بعد خروجه من الفلك كان مبعوثاً إلى كل أهل الأرض لأنه لم يبقَ معه أحد، وقد كان مبعوثاً إليهم، لأن هذا العموم في الرسالة فإنما وقع لأجل الحديث الذي حدث وهو الحصار الذي حدث للمؤمنين لهلاك سائر...
الناس، وأما نبينا صلوات الله عليه، فعموم بعثته، وأيضا عموم الرسالة، عموما في الأصول والفروع. وأما التوحيد وتمحيص العبادة لله تعالى، ففي حق بعض الأنبياء صلوات الله عليهم، وإن كان التزام فروع الشريعة، فإن من الأنبياء المتقدمين صلوات الله وسلامه عليهم من قاتل غير قومه على الشرك وعبادة غير الله؛ فلو لم يكن التوحيد لازما لهم لم يقاتلوا.
ولم يقاتلوا إلا على طريقة المعتزلة القائلين بالحسن والقبح العقليين. ويجوز أن تكون الدعوة إلى التوحيد عامة، لكن على سنة أنبياء على أمثلة متعددة فيبعث فيثبت تكليفه، وإن لم تعم الدعوة به بالنسبة إلى نبي واحد.
هنا يقول إن قوله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا»؛ هذا فيه تعديد فضائل التي خص بها النبي صلى الله عليه وسلم دون سائر الأنبياء، أنه قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد»، فالخمس خاصة به. ثم إن من الفضائل أنه كان النبي يبعث الإقامة خاصة.
نوح عليه السلام لما نجى هو ومن معه المؤمنين، يقول لك: لا، هذا لا يشتغل على هذا؛ لماذا؟ لأنه يقول: عموم رسالة نوح عليه السلام لم يكن في أصل البعثة، إنما كان لأجل هذا الحادث الذي حدث، وهو أن أغرق الله جميع أهل الأرض وما بقي عليها إلا من كان مع نوح النبي صلى الله عليه وسلم. وعموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا يقول: إذا كانت الرسالة عامة، فيوجب قبولها عموما في الأصول والفروع، أن يجب على الناس أن يقدروا جميع ما أتاهم به الرسول في الأصول إذا كان في الرسالة العامة.
أما التوحيد وتمحيص حق الله عز وجل في العبادة، فهذا يقول يجوز أن يكون عاما في حق بعض الأنبياء وإن كان التزام فروع شرعية؛ يعني يقول: سلمنا لكم أن نوح عليه السلام أرسل إلى بقية الخلق، افترض أننا أغفلنا هذا الحادث، لكن كونه أرسل إليهم، قد نقول إنه يلزمهم اتباعه في أصل التوحيد، لكن في التزام فروع شبه العبادات الفعلية مثل الصلاة، ستكون عامة.
الأنبياء المتقدمين عليهم السلام من قاتل غير قومه، يقول: فلو لم يكن التوحيد لازما لهم، يعني هؤلاء القوم الذين قتلوا بشرع النبي، على طريقة المعتزلة القائلين بالحسن والقبح العقليين؛ هذه ردنا إلى مسألة أخرى وهي التحسين والتقبيح العقلي، هل نقول إن الأشياء يعلم حسنها وقبحها بالعقل؟ ولذلك يقولون يجوز أن يقاتلوا؛ لأن هذا الأمر معلوم قبحه، وهو الشرك معلوم بمجرد العقل.
لذلك، تحسين التقبيح يعني مثلا طويلة يتكلم عليها أهل العقيدة ويتكلم عليها أهل الأصول، أصول الفقه يتكلمون عليها في كتبهم. وماذا بان السنة والجماعة؟ العقليون لا يأخذون به مع الإطلاق، بل يقولون إن الأشياء دلت على حسن الشرع والعقل.
هناك أن تكون الدعوة إلى التوحيد عامة لأنبياء متعددة، فإذا كانت الدعوة للتوحيد عامة ولم تكن دعوة به بالنسبة لنبي واحد، يحصل عليكم رحمه الله. الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: «يوجد لغيره بأكثر منها»، فإنه مذكور في سياق الفضائل والخصائص، ومناسبته أن تذكر الغاية فيه، وأيضا فإنه لو وجد لغيره في أكثر من هذه المسافة، إذا حصل الاشتراك في الرعب في هذه المسافة، وذلك كي ينفي الخصوصية بها.
أحسنتم. قوله صلى الله عليه وسلم: «أنه صرت بالرعب»، يكون الرعب هو الخوف، والوجه هو الخوف، يتوقع نزول المحذوف؛ يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم مما تميز به أنه إذا سافر لغزو قومه، وبينهم وبينهم مسافة شهر ونحوها، لن يصل إليهم إلا بعد شهر، فإنه يقع في قلوبهم الخوف، والوجه من النبي صلى الله عليه وسلم هيبة نفسية فيحبطون أو يقاتلون قتالا هزيلا.
قال: الخصوصية التي يقتضيها لفظ الحديث مقيدة في هذا القدم؛ الخصوصية أنه ينصر بالرعب مسيرة شهر. قال: يفهم منها أمران: الأول، لو جاءتنا قصص أن موسى عليه السلام، مثلا، النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أقل من المدة أو المسافة التي للنبي صلى الله عليه وسلم. الأمر الثاني: أنه لم يوجد لغيره أكثر منها، يعني لا يمكن أن يكون هناك نبي من الأنبياء في أكثر من شهر، هذا الشهر للنبي صلى الله عليه وسلم.
أما أقل منها، فيقول في الفائدة الأولى إنه قد يكون هناك من الأنبياء أكثر من مسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: لو وجد لغير المسافة التي حصل الاشتراك في الرعب في هذه المسألة، وذلك ينفي خصوصية بها، فليكن النبي صلى الله عليه وسلم مختصا بهذه الخصيصة، وهذا مخالف لما ورد في الحديث: «أعطيت خمسا لم يعطه أحد».
ثم ينطلق في العرف إلى المكان المبني، المكان التي يمكن أن يحمل المسجد؛ لغويا الأرض كلها، على المكان المبني، لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك، أسمى عليها من مجاز التشبيه. والذي يقرب هذا التأويل، لأن الظاهر أنه إنما أريد أنها مواضع للصلاة بجملتها، دار السجود فقط.
أكمل الرابع شيخنا. قوله من دقيق العيد رحمه الله تعالى، قوله صلى الله عليه وسلم: هذا في أصل اللغة، لكن في عرف الاستعمال توسع وأصبح يطلق على المكان المبني للصلاة؛ لأن الصلاة فيها سجود وهو أحد أفعال الصلاة. طيب، إذا هذا الاستعمال اللغوي، الآن الحديث: هل يراد به الاستعمال اللغوي ولا العرفي؟ مكان للسجود ولا مكان للصلاة؟
هنا يقول يمكن أن يحمل المسجد هنا على الوضع اللغوي؛ الأرض كلها مسجدا، أعني مواضع السجود، أي لا يختص السجود منها بموضع دون غيره. الاحتمال الأول أن مسجد هنا على أصل معناها في اللغة هو موضع السجود، فلا ليس هناك مواضع خاصة للسجود، بل إن الأرض كلها.
والاحتمال الثاني أن المراد بها المعنى العرفي، وأن المراد بها المكان المعد للصلاة، ولكن يمكن أن تجعل مجازا عن المكان المسجد؛ لماذا حملنا على المعنى المجازي؟ يقول لي إنه لما جازت الصلاة جميعها كانت كالمسجد في ذلك، أسمى عليها من مجاز التشبيه.
طيب، الآن يذكر لك احتمال أن المراد المعنى اللغوي، واحتمال آخر أن المراد المعد للصلاة. الآن يذكر أمرا يرجح إرادة المعنى العرفي، يقول: والذي يقرب هذا التأويل، اللي هو حملها على المعنى العرفي اللي هو المسجد، أنه المكان المعد للصلاة؛ لأن الظاهر إنما أريد جواز الصلاة في جملتها. لماذا يقول؟ لأنه لم ينقل أن الأمم الماضية كانت تخص السجود وحده في موضع، الأمم الماضية كانت تخص الصلاة.
من باب التخفيف على الأمة، وفضيلة للنبي صلى الله عليه وسلم، أن كل الأرض. فلما كانت الأمم الماضية ليس عندهم لا تخص سجود المواضع، وإنما يخصون الصلاة، تبين أن الفضيلة للنبي صلى الله عليه وسلم كانت بتعميم موضوع الصلاة، فيكون على جميع المواضع.
صلى الله عليه وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان