دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام (31) التعليق على الحديثين 7 و8 من باب الجنابة والحديث الأول من باب التيمم

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل» وفي لفظ: «وإن لم ينزل». الشعب جمع شعبة، وهي طائفة من الشيء والقطعة منه. قيل: يداها ورجلها، أو رجلها وفخذاها، أو أليتاها، أو نواحي الفرج الأربع، وفي الصدر فسر الشعب بالنواحي.

كأنه تحويل على طلب الحقيقة الموجبة، والأقرب عندي أن يكون المراد اليدين والرجلين، أو الرجلين، ويكون الجماع مكنى عنه بذلك، ويكتفي بما ذكر عن التصريح. وإنما رجحنا هذا لأنه أقرب إلى الحقيقة، إذ هو حقيقة في الجلوس بينهما، وأما الحمل على نواحي الفرج فلا جلوس بينها حقيقة. وقد يكتفى بالكناية عن التصريح لا سيما في أمثال هذه الأماكن التي يستحيا من التصريح بذكرها.

أيضاً فقد نقل عن بعضهم أنه قال: الجهد من أسماء النكاح، ذكر ذلك عن الخطابي، وعلى هذا فلا يحتاج إلى أن يجعل قوله: «جلس بين شعبها الأربع» كناية عن الجماع؛ فإنه صرح به بعد ذلك.

ثم بين المؤلف رحمه الله تعالى معنى خلاف العلماء في الفرج، وقيل نواحي الفرج الأربع، وهذا الأخير هو اختيار القاضي عياض رحمه الله تعالى. وفسر الشعب بالنواحي يعني على هذا التفسير الأخير؛ دوران على الحقيقة الموجبة، ويرجح مراد اليدين والرجلين؛ الأول، أي: جلس بين يديها ورجليها أو بين الرجلين، ويقول إن هذا كناية عن الجماع، لماذا؟ لأنه جرت العادة أنه يكنى عن الأشياء المستحيا منها بلفظ يدل عليه.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى سبب ترجيحنا هذا؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة، إذ هو حقيقة في الجلوس بينهما. يقول لأنه إذا حملنا الشعب الأربع على اليدين والرجلين أو الرجلين، فإننا نكون قد أبقينا لفظ الجلوس على حقيقته، فنكون قد ارتكبنا المجاز في جزء من المعنى، بخلاف ما لو حملناه على الفخذ أو الجماع، وأيضاً الجلوس نفسه. وكوننا نرتكب المجاز مرة واحدة أولى من ارتكاب المجاز مرتين، لا سيما في هذه الأماكن التي يستحيا منها.

وهو أنه نقل عن بعضهم أنه قال: الجهد من أسماء النكاح؛ لأنه قال: «إذا جلس بين شعبها ثم جهدها»، يعني بعضهم قال: ثم جاهدها أي جامعها، قال ذكر ذلك عن الخطابي. وابن الفاكهاني رحمه الله لما ذكر هذا عن الخطابي قال: ولم أرَ هذا القول للخطابي في شيء من دواوين اللغة المشهورة، وأكثر ما قال الجوهري وغيره مما رأيت: الجهد الشهوة، والجهد الشهوة، وهو أعم من أن يكون غيره، إلى آخر كلامه. وهو يقول: يعني لم يقف على شيء من ذلك في اللغة، لكن الخطابي رحمه الله أصلاً ما أتى به من عند نفسه، وإنما نقله عن ابن الأعرابي.

نرجع إلى كلام ابن دقيق العيد، يقول في ترجيح القول الأول أو الثاني في معنى الشعب الأربع: يقول بعض العلماء قالوا إن جاهدها بمعنى نكحها بمعنى جامعها، وعلى هذا فما يصح أننا نقول: إنه جلس بين أليتيها وفخذيها أو جلس في نواحي الفرج الأربع كناية عن الجماع، ثم نقول: «ثم جاهدها» أي جامعها، ثم نقول: ثم يصرح به الجماع، فإن هذا لا معنى له، فنقول: إذاً كل هذا ما يدل على أن «جلس بين شعبها الأربع» جلس جلوساً حقيقياً بين شعبها الأربع أو بين الرجلين.

قال رحمه الله تعالى: وقوله في الحديث: «ثم جهدها» بفتح الجيم والهاء أي بلغ مشقتها، يقال منه جهده وأجهده بلغ من مشقته، وهذا أيضاً لا يراد حقيقته، وإنما المقصود منه وجوب الغسل بالجماع وإن لم ينزل، وهذه كلها كنايات يكتفى بفهم المعنى منها عن التصريح. ومن قال جاهدها يعني حفزها، كان الزوج يحفز زوجته إلى أن تأتي على شهوتها. قال: هذا بالحقيقة لا نقول إنه لا يجب الغسل إلا إذا بلغ المشقة في الجماع بمعنى أنه بلغ غايته في الشهوة، وإن لم ينزل، الحديث يقول: هذه كلها كنايات يكتفى منها عن التصريح، وهذا أسلوب ورد به القرآن، وإن الكلمات التي تكون بين الزوجين يحذر عنها بتعبير يدل عليه. مثل قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]، ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222]، فهنا كل التعبير القرآني جاء للكناية عن الإتيان التي يستحيا منها.

قوله بين شعبها كناية عن المرأة، إذا جلس بين شعبها الأربع، في الحديث يقول الضمير هنا يعود على محذوف دل عليه السياق، وهذا يستعمل في اللغة، وورد في القرآن أن يعود الضمير إلى غير مذكور لكن فهم من السياق، ومثل عليه بقول الله عز وجل في ذكر سليمان: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: 32]، الشمس، هل ورد الشمس؟ هل ورد لها ذكر من قبل؟ لكنه علم من السياق.

والحكم عند جمهور الأمة على مقتضى هذا الحديث في وجوب الغسل بالتقاء الختانين من غير إنزال، وخالف في ذلك داود وبعض أصحابه الظاهرية، وخالفه بعض الظاهرية، ووافق الجماعة قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الماء من الماء»، وقد جاء في الحديث: «إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام».

هنا ذكر الحكم الفقهي المستنبط من هذا الحديث، وهو هل يجب الغسل بمجرد الجماع أو لا بد من الإنزال؟ فيقول الحكم عند جمهور الأمة على مقتضى هذا الحديث في وجوب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم ينزل، وهذا قول عامة أهل العلم رحمهم الله تعالى. خالف بهذا الحديث بعض الظاهرية رحمهم الله تعالى، والجمهور خالفوا، ما دليلهم على هذه المخالفة؟ طبعاً مخالفتهم سبقهم بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإن كان بعض الصحابة الذين خالفوا عثمان رضي الله تعالى عنه، يقولون: إن دليله قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الماء من الماء»، وهذا قاله صلى الله عليه وسلم مرة لما وقف على باب رجل من أصحابه كنده، فخرج هذا الرجل ورأسه يقطر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الماء من الماء»، ويريد بذلك أن الشخص إذا جامع امرأته ولم ينزل فلا غسل عليه، إنما يجب عليه الوضوء. هذا كان في أول الإسلام، وبعض الصحابة لم يبلغهم النسخ، ولذلك اختلف المهاجرون والأنصار مرتين، فسأل أبو موسى رضي الله عنه، ذهب إلى عائشة رضي الله تعالى عنها وسألها، فقالت عن الخبير، فقط يعني أنت سألتني بهذا الأمر، أن هذا لما حصل منها مع النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم لعله انقرض، الخلاف في عهد الصحابة، لكن جاء داود الظاهري رحمه الله تعالى، والائمة أيضاً لعلهم لم يبلغهم هذا الحديث رخصة في الإسلام، من أحاديث أبي بن كعب «إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نهي عنها»، ثم قال الترمذي بعد ذلك: يعني هذا الحديث «إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نسخ»، فهذه من تعليق الترمذي على هذا الأثر.

وعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه كان هو وأبوه عند جابر بن عبد الله وعنده قوم، فسأله عن الغسل، وقال: «يكفيك»، قال رجل: ما يكفيني، فقال جابر: «كان يكفي من هو أوفى منك شعراً وخيراً منك، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ثم في لفظ: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرغ الماء على رأسه ثلاثة». قال رضي الله عنه: الرجل الذي قال ما يكفيني هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أبوه محمد ابن الحنفية رحمه الله تعالى، حديث أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأبو جعفر توفي سنة 114 من الهجرة، رواه الشيخان، وأبوه علي بن الحسين زين العابدين، يقول إنه كان هو وأبوه عند جابر بن عبد الله وعنده قوم، فسأله عن الغسل وقال: «يكفيك»، فقال رجل: ما يكفيني، هنا المؤلف عبد الغني في نهاية الأثر قال: الرجل الذي قال ما يكفيني هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أبو محمد ابن الحنفية، توفي سنة 99 أو 100 من الهجرة، وأبوه محمد ابن الحنفية محمد بن علي بن أبي طالب، هذا أمه ليست فاطمة، وإنما أمه خولة بنت جعفر كانت من سبي اليمامة رضي الله تعالى عنها، يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرغ الماء على رأسه ثلاثة».

الواجب في الغسل ما يسمى غسلاً، وذلك بإفاضة الماء على العضو وسيلانه عليه، متى حصل ذلك تؤدى الواجب، وذلك يختلف باختلاف الناس، فلا يقدر الماء الذي يغتسل به أو يتوضأ به بقدر معلوم. قال الشافعي وقد يرفق بالقليل في الغسل من صائم ولا في الوضوء، وهذا الحديث أحد ما يستدل به على الاغتسال بالصاع، وليس ذلك على سبيل التحديد، وقد دلت الأحاديث على مقادير مختلفة، وذلك والله أعلم لاختلاف الأوقات أو الحالات، وهو دليل على ما قلناه من عدم التحديد، والصاع أربعة أمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم، والمد رطل وثلث بالبغدادي، وأبو حنيفة يخالف في هذا المقدار، ولما جاء صاحبه أبو يوسف إلى المدينة وتناظر مع مالك في هذه المسألة، استشهد بآثار المهاجرين والأنصار الذين أخذوا عن آبائهم، ورجع أبو يوسف إلى قول مالك.

هنا ذكر المسألة الأولى من الحديث: ما الواجب في الغسل؟ يقول: الواجب في الغسل ما يسمى غسلاً، لابد فيها من الترتيب على الجسم، وهذا إشارة إلى خلاف المالكية الذين يرون أنه لابد من الدلك، ويقول: إنما يكفي مجرد الإفاضة الماء على الجسم، قال فمتى حصل ذلك يختلف باختلاف الناس فلا يقدر الماء الذي يعني أنه لا يقال إنك لا بد أن يكون وضوؤك بالمقدار الفلاني أو لا بد أن يكون غسلك بالمقدار الفلاني، إنك تعلم الشريعة، في الشريعة ندعو إلى الاقتصاد في الماء، والنبي صلى الله عليه وسلم توضأ بمد، ولذلك يقدر الماء الذي لا يجوز أن ينقص عن هذا، لا يقدر، لا يجوز، لكن يقدر الاستحباب، لكن لا يقدر الوجوب. يقول قال الشافعي رحمه الله: وقد يرفق بالقليل فيكفي وقد يرفق بالكثير، يعني أن الإنسان قد يتوضأ فيقتصد في القليل فيكفي، وقد يسرف في القليل الموضوع المشرف، فقط خالف السنة، لكن يكون زيادة عن القدر الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هو يعتبر وقع في المنهي عنه ما دام أنه لا يعد فعله، قال: الحديث أحد ما يستدل به على الاغتسال بالصاع، أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاغتسال بالصاع أو بثلثي مد أو بنصف مد أو نحو ذلك، وهذه كلها جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث بعضها يعني دون الصحة، لكن يقول: ليس ذلك على سبيل التحديد، أن يكون ليس ذلك على سبيل التحديد بالوجوب، فلا نقول إذا نقص عن الصاع أنه لا يجوز له ذلك، أو نقول إذا زاد عن الصاع أنه لا يجوز، العبرة بالاقتصاد وعدم الإسراف.

قال: وقد دلت الأحاديث على مقادير مختلفة، ويرجع إلى ما قرر أقوال العلم من المحدثين وغيرهم في ما نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم في المقدار الذي به، فيقول: وذلك لاختلاف الأوقات أو الحالات، يكون يكفيه في الوضوء أحياناً، لا يكفيه نصف صاع، أو ذلك، قال الصاع أربعة أمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم، لما جاء صاحبه أبو يوسف المدينة وتناظر هو والإمام مالك رحمه الله في هذه المسألة في مقدار الصاع، الإمام مالك رحمه الله استدل بآثار المهاجرين والأنصار أولاده الذين أخذوا عن آبائهم، فالإمام مالك رحمه الله فقال له الإمام مالك رحمه الله: صاع المهاجرين والأنصار، فوجدوها قريبة من قول مالك، فرجع أبو يوسف رحمه الله إلى قول الإمام مالك وتركه ما كان يقول به أبو حنيفة رحمه الله، وفي هذا دليل على أن ما كان مستنده العمل، فإنه يؤخذ به من الإمام مالك.

أحد في عمل أهل المدينة في ذلك، وهذا العمل مأخوذ من التوارث، توارثه الأبناء عن الآباء والعهد قريب. ومن الإمام، فيكون هذا مما يحتج به مما يحتاج به.

ويؤخذ من هذا أيضاً أن الإنسان يرجع إلى الحق إذا تبين له، ولو كان يخالف قول متبوعه. وينبغي على طالب العلم إذا تبين له الحق بالدليل أن يدلي به، وأن لا يتعصب لقول متبوعه كائناً من كان.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: باب التيمم. عن عمران بن الحسين رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً معتزلاً لم يصلِّ مع القوم، فقال: «ما منعك أن تصلي في القوم؟» فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك».

ابن عبيد خزاعي بنيته أبو نجيد، بعدها ياء الفقهاء الصحابة وفضائهم؛ صح أن الملائكة كانت تسلم عليه، وقيل كان يراه، مات سنة اثنتين وخمسين، بخلاف معاوية.

أحسنت. انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى باب التيمم، وهو الطهارة البدنية عن الطهارة، كالوضوء والغسل. وذكر فيه حديث عمران بن الحسين رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي، وذكر بعضهم أنه له صحبة وغيره.

أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً معتزلاً لم يصلِّ في القوم، فقال: «ما منعك أن تصلي في القوم؟» فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك». ثم ذكر أن عمران بن الحسين هو ابن عبيد خزاعي، يعني من قبيلة خزاعة، كنيته... كانت تسلم عليه، لكنه لما اكتوى تركت الملائكة السلام عليه.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى، والكلام على هذا الحديث من وجوه:

أحدها: المعتزل، المنفرد عن القوم المتنحي عنهم؛ يقال اعتزل وانعزل وتعزل بمعنى واحد. واستعمال الأدب في ترك الجلوس الإنساني عند المصلين إذا لم يصلِّ معهم، وقد قال ﷺ لمن رآه جالساً في المسجد والناس يصلون: «ما منعك أن تصلي في القوم؟». وقد روي في بعض النسخ "مع الناس" بدل "في القوم"، وهذا إنكار لهذه الصورة.

ثم ذكر أن اعتزاله عن القوم، يعني أنه لم يصلِّ معهم، يقول في استعمال الأدب والسنة في ترك الجلوس الإنساني عند المصلين، ولعله خارج المسجد. وفي حديث آخر النبي ﷺ قال لمن رآه جالساً في المسجد: "النساء" في النسخة التي "تصلي في القوم"، وقدره "مع الناس" في بعض النسخ. قالوا: هذا إن كان لهذه الصورة، يعني فرق بينهما: هذا في المسجد، وهذا لعله خارج المسجد.

الثاني: قوله «ما منعك أن تصلي في القوم»، وقد روي «مع القوم»، والمعنى متقارب وإن اختلف أصل اللفظين. فإن "في" للظرفية، فكأنه جعل اجتماع القوم ظرفاً خرج منه، و"مع" للمصاحبة، كأنه قال: ما منعك أن تصاحبهم في فعلهم. فيقول: قوله «ما منعك أن تصلي في القوم»، كان المعنى متقارباً وإن اختلف أصل اللفظين، فـ "في" للظرفية و"مع" للمصاحبة، يعني يقول هنا المعنى متقارب وإن اختلف معناها. "في" بمعنى اجتماع القوم ظرفاً، خرج من هذا الرجل، و"مع" في نهايته.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى.

الثالث: قوله «أصابتني جنابة ولا ماء»، يحتمل من حيث اللفظ وجهين: أحدهما أن لا يكون عالماً بمشروعية التيمم، والثاني أن يكون قد اعتقد أن الجنب لا يتيمم، وهذا أرجح من الأول؛ فإن مشروعية التيمم كانت سابقة على زمن إسلام عمران راوي الحديث، فإنه أسلم عام خيبر، ومشروعية التيمم كانت قبل ذلك في غزوة المريسيع، وهي واقعة مشهورة، والظاهر علم الرجل بها لِشُهْرَتِها.

فإذا حملناه على كون الرجل اعتقد أن الجنب لا يتيمم، كما ذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم، كان ذلك دليلاً على أن هذا الرجل ومن شك في تيمم الجنب، حملوا الملامسة المذكورة في الآية، أعني قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43]، على غير الجماع؛ لأنهم لو حملوها على الجماع، لكان تيمم الجنب مأخوذاً معه من الملامسة المذكورة في الآية، وهذا الظن الذي ادعي، إن لم يكن إسلام هذا الرجل واقعاً عند نزول الآية، إنما يكون في مدة تقتضي العادة ببلوغها إلى علمه.

يقول: قوله «أصابتني جنابة ولا ماء»، يحتمل أنه لم يعلم مشروعية التيمم، ويحتمل أنه علم المشروعية ولكن شك، والاحتمال الثاني أرجح من الأول؛ لماذا؟ لأن مشروعية التيمم كانت في غزوة المريسيع، وإسلام عمران بن الحسين في السنة السابعة، لكن هذا الوجه من الترجيح فيه إشكال؛ لأن الذي قال ثبتت الجنابة رجل آخر، ولذلك لا علاقة ليكون هذا الرجل أصلاً قد علم أن التيمم مشروع.

يقول: فإذا حملناه على كونه اعتقد أن الجنب لا يتيمم، كما ذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم، كان ذلك دليلاً على أنهم حملوا الملامسة المذكورة في الآية، أي قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، على غير الجماع. وهناك خلاف في معنى الملامسة في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ هل يراد بها الجماع أو يراد بها مجرد لمس المرأة للرجل؟ اختلف أهل العلم في ذلك.

هذا يعتبر دليلاً على أنهم يرون أن الملامسة في الآية ليس مراداً بها الجماع؛ لماذا؟ لأنه لو كانوا يعتقدون أن الملامسة في الآية يراد بها الجماع، فإن القرآن في ذلك صريح، ويقول إنه لو حملوا الآية على الجماع، لكان تيمم الجنب مأخوذاً منها، فلم يقع لهم شك في تيمم الجنب. وهذا الظن الذي ادعي، إن لم يكن إسلام هذا الرجل واقعاً عند نزول الآية، إنما يكون إذا كان إسلام هذا الرجل واقعاً عند نزول الآية، فيكون في مدة بلوغ علمه.

أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى.

الرابع: قوله «ولا ماء»، أي: موجود أو عندي أو أجده وما أشبه ذلك. وفي حذفه بسط لعذره بما فيه، كأنه نفى وجود الماء بالكلية بحيث لو وجد بسبب أو سعيد أو غير ذلك لحصله، فإذا نفى وجوده مطلقاً كان أبلغ في النفي وأعذر له.

ولابد أن يكون لهذا (ولا ماء) اسم وخبر، كأنه إذا قال: "ولا ماء"، الآن الذهن يتخيل الخبر؛ هل الخبر أنه عندي؟ أو الخبر أجده؟ بحيث لو وجد الماء لكان موجوداً، فإذا نفى وجوده مطلقاً كان ذلك أبلغ في النفي وأعذر له في هذه المسألة.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: «وقد أنكر بعض المتكلمين على النحاة تقديره في قولنا لا إله إلا الله: لا إله لنا أو في الوجود، وقال: الحقيقة مطلقة مقيدة، دلت على سلبي ماهية مع القيد، وإذا نُفيت غير مقيدة كان نفياً للحقيقة، وإذا انتفت الحقيقة انتفت مع كل قيد، أما إذا نُفيت مقيدة بقيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيدنا الآخر».

يقول إن بعض المتكلمين أنكروا على النحاة تقديرهم الخبر في قوله تعالى: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، في قولنا "لا إله إلا الله"، لأن "لا" هذه هي النافية للجنس التي تعمل عمل "إن". إذا نفينا الحقيقة، نفينا كل شيء، أما إذا قلنا: "لا إله لنا" مثلاً، فالتقدير في الوجود.

المقرر عند المحققين أن الخبر حقاً: "لا إله حق إلا الله". والآلهة كثيرة من دون الله وهي كبيرة، لكنها باطلة؛ ولذلك نقول التقدير الصحيح لينسجم مع النصوص هو تقدير الخبر.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: «الخامس: الحديث... أن يتيمم ولم يختلف فيه الفقهاء إلا أنه رؤية الأمراء، وقيل إن بعض التابعين وافقهما، وقيل رجعوا عن ذلك، وكان سبب التردد ما أشرنا إليه من حمل الملامسة على غير الجماع مع عدم وجود دليل عنده على جوازه، والله أعلم».

أحسنت، يقول هنا الحديث صريح في أن الجنب يتيمم؛ لأنه على صبيئة الجنابة. وذكر السبب الذي جعل بعض العلماء يترددون في تيمم الجنب، فيقول: لعل سبب ترددهم هو ما أشرنا إليه آنفاً، من كونهم حملوا الملامسة في الآية على غير الجماع، فإذا حملوا الملامسة على غير الجماع، فليس في القرآن دليل على ذلك، وفي السنة لعلهم لم يبلغهم مثل هذه الأحاديث.

ولذلك، إذا لم يجدوا دليلاً في القرآن وانتفع علمهم من دليل السنة، يقولون: القاعدة الأصلية هي عدم جوازه إلا فيما ورد به، ويقولون: نحن لم نعلم به إلا ما ورد عن الوضوء. لكن نقول: الذي ذهب إليه الأحاديث، ومنها هذا الحديث، وأيضاً الحديث الذي سيليه، وهو حديث يدل على أن الجنب له أن يتيمم.

نسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.