دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام (34) الحديث الأول من أحاديث باب الحيض

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

هذا هو المجلس الرابع والثلاثون من مجالس التعليق على كتاب إحكام الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وكنا قد توقفنا على باب الحيض.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الحيض. عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي». وفي رواية: «وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فيها، فإذا ذهبت قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي».

والكلام على هذا الحديث من وجوه: أحدها: يقال حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحيضاً إذا سال الدم منها في نوبة معلومة، وإذا استمر من غير نوبة قيل استحيضت، فهي مستحاضة. ونقل الهروي عن ابن عرفة أنه قال: المحيض والحيض اجتماع الدم إلى ذلك المكان، ومنه سمي الحوض حوضاً لاجتماع الماء فيه.

قال الفارسي في مجمعه بعدما نقل ما ذكرناه: وهذا زلل ظاهر؛ لأن الحوض من ذوات الواو، يقال حرت أحوض إذا اتخذت حوضاً، واستحوظ الماء إذا اجتمع. وسميت الحائض حائضاً عند سيلان الدم منها، لا عند اجتماع الدم في رحمها، وكذلك المستحاضة تسمى بذلك عند استمرار السيلان منها؛ فإذا أخذ الحيض من الحوض خطأ لفظاً ومعنى، فلست أدري كيف وقع. وما ذكره من جهة المعنى فليس بالقاطع؛ لأن تلك الحالة ليس يمتنع أن يطلق عليها لفظ الاجتماع، لا سيما في بعض الأحوال.

أحسن الله إليك، المؤلف رحمه الله تعالى باب الحيض وختم به أبواب كتاب الطهارة، وذكر ابتدأ فيه بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها في سؤال فاطمة بنت أبي حبيش النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ وهذه في الاستحاضة، وسيأتي في كلام المؤلف رحمه الله تعالى التفريق بين الحيض والاستحاضة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أجابها قال: «لا، إن ذلك» -بكسر الكاف لأنه خطاب لمؤنث- «عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي». وفي رواية: «وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فيها، فإذا ذهبت قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي».

هنا طبعاً هذه الرواية بهذا السياق هكذا لا توجد بهذا السياق عند مسلم، لكن المؤلف رحمه الله تعالى انتقى من ألفاظ الصحيحين، وكل هذه الألفاظ الموجودة في الصحيحين بمجملها. هنا يقول: حاضت المرأة وتحيض، هنا الآن يذكر اشتقاق الحيض، يعني مادة الحيض ومعناها، فيقول يعني معناها سيلان الدم من المرأة في نوبة معلومة، هذا هو الحيض. وهو الفرق بينه وبين الاستحاضة، ما ذكره فيما بعد إذا استمر من غير نوبة قيل استحيضت، فهي إذا استمر بها فيقال لها مستحاضة، وخرج في غير عادتها أو أنه زاد عن عادتها فيقال له استحاضة.

قال ونقل الهروي، وأبو عبيد الهروي في كتابه الغريب نقل عن ابن عرفة -والنشور بن نفطويه من أئمة اللغة- نقل عنه أن المحيض، اشتقاق الحيض يكون من اجتماع الدم إلى ذلك المكان اللي هو الرحم؛ لأن الدم يجتمع في الرحم ثم يسيل منه، فيقول اجتماع الدم إلى ذلك المكان، قالوا ومنه سمي الحوض حوضاً لاجتماع الماء فيه، يقول يعني الحيض إنما سمي بأن الدم يجتمع في الرحم، كما أن الحوض إنما سمي حوضاً لأن الماء يجتمع فيه، كان يقول إن معناهما يرجع إلى معنى الاجتماع.

الفارسي اللي هو أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي المتوفى سنة تسع وعشرين وخمسمائة، يقول لما نقل كلام الهروي الذي نقلناه قال: وهذا زلل ظاهر، لماذا؟ يقول لأن الحوض من ذوات الواو، والحيض من ذوات الياء، فهما مختلفان. يقول يعني يقال أحضت الماء إذا اجتمع، ومن المعنى يقول الحائض سميت حائضاً إذا سال الدم منها لا إذا اجتمع في رحمها، فيتسمى حائضاً إذا سال الدم منها، فليس من الاجتماع وإنما من السيلان، قال وكذلك المستحاضة تسمى بذلك عند استمرار السيلان بها، فيقول إذا أخذ الحيض من الحوض خطأ لفظاً ومعنى؛ اللفظ كما قلنا الحوض من ذوات الواو والحيض من ذوات الياء، والمعنى أن الحيض من السيلان والحوض من الاجتماع، يقول فلست أدري كيف وقع.

إذن دقيق العيد رحمه الله ذكر أن استبعاد الفارسي يقول قد نقول يعني فيه نظر؛ لماذا يقول وما ذكره من جهة المعنى -لأن هذا من السيلان وهذا من الاجتماع- يقول فليس بالقاطع، يعني أنه صحيح التفريق بينهما في اللفظ وهو ياء، لكن التفريق بينهما في المعنى يعني فيه نظر؛ لماذا يقول لأن تلك الحالة ليس يمتنع أن يطلق عليها لفظ الاجتماع لا سيما في بعض الأحوال. يعني يقول الآن هذا الحيض الذي سال أصلاً مجتمع أولاً في الرحم، فكان مجتمعاً في وقت ما، في أول نزوله كان مجتمعاً، ثم إذا فهو يعني قد نقول أنه يطلق عليه أو يجتمع ما حوض في أصل معنى الاجتماع باعتبار بدء أمره، وأنه كان مجتمعاً، فيمكن أن يصح من تلك الحالة.

وأما من جهة المعنى ففيه نظر؛ لأن السيلان فرع ثبوت الاجتماع، فهو يجتمع ثم يسيل. يقول نعم هو كان مجتمعاً فيطلق عليه أنه كان من الاجتماع. يقول لا يقال حالة تسمى المرأة حتى يسيل؛ لأننا نقول إنها تسمى حائضاً إن لم يكن حقيقة فمجازاً، يعني حتى وإن كان مجتمعاً لم يسل فنقول أنها حائض من باب المجاز. لماذا يقول لا سيما والفقهاء رحمهم الله تعالى يقولون ما قارب الشيء فله حكمه، فهذه لما كانت قريبة من سيلان الدم، فنقول يمكن أن يقال لها حائض بمعنى أنه كان الدم مجتمعاً وقريب السيلان فنقول لها حائض من هذا المعنى؛ قالوا الدليل قريب وسيلان الدم قريب من اجتماعه فلا يقطع بالخطأ، والحالتان فلذلك كان يقول أن كلام ابن عرفة اللي هنا من أن الحيض والحوض يجتمعان في معنى الاجتماع يقول محتمل، لا نقول أنه خطأ قاطع.

الثاني: أبو حبيش بضم الحاء المهملة بعدها باء ثانية، الحروف مفتوحة، ثم ياء آخر الحروف ساكنة، ثم شين معجمة، وهو أبو حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، ووقع في أكثر نسخ صحيح مسلم عبد المطلب، وذلك غلط عندهم، والصواب المطلب كما ذكرنا.

هنا يذكر أبو حبيش اللي هو والد فاطمة، وذكر ضبطه قال وهو أبو حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى هذا اسمه. نعم، وهل اسمه أبو حبيش أو اسمه قيس؟ قيل إن اسمه قيس، ولذلك في بعض الروايات فاطمة بنت قيس الأسدية، لكنها ليست هي فاطمة التي لها الأحاديث في كتاب الطلاق، لا هذه فاطمة بنت أبي حبيش، ليست لم ترد إلا في حديث المستحاضة كما قال بعض الشراح. قالوا وقعت في أكثر نسخ صحيح مسلم عبد المطلب يعني أبو حبيش بن عبد المطلب، قال وذلك غلط عندهم، والصواب المطلب كما ذكرنا، وهذا الأمر ذكره المازري في المعلم، وأيضاً القاضي في إكمال المعلم، وقال: واسم جدها أي جد فاطمة المطلب مشهور لم يختلف فيه أحد، وكذا ذكر النووي رحمه الله الاتفاق على غلط من ذكر أنه عبد المطلب، وأن الصواب المطلب نعم.

قال رحمه الله الثالث: قولها أستحاض قد تقدم معنا الاستحاضة، فيقال منه استحيضت المرأة مبنياً للمفعول ولم يبن هذا الفعل للفاعل، كما في قولهم نفست المرأة، وأنتجت الناقة، وأصل الكلمة من الحيض، والزوائد التي لحقتها للمبالغة، كما يقال قار في المكان ثم يزاد للمبالغة فيقال استقر، ويقال أعشب المكان ثم يبالغ فيه فيقال أعشوشب، وكثيراً ما تجيء الزوائد لهذا المعنى.

أحسنت، هنا يقول أستحاض، يعني هي تقول إني امرأة مستحاضة، قلت تقدم عن الاستحاضة وأنه سيلان الدم في أوقات غير معلومة، أو نقول أنها ما زاد على أكثر دم الحيض، يقول فيقال منه استحيضت المرأة مبنياً للمفعول ولم يبن هذا الفعل للفاعل؛ يعني ما يقال استحاضت، إنما المفعول: استحيضت هذه المرأة فهي مستحاضة. قال ونظيره التي تبنى للمفعول نفست المرأة، ما يقال نفست، إنما يقال نفست، وكذلك نتجت الناقة يعني ولدت، فهذه كلها مبنية للمفعول يعني لم تأت مبنية للفاعل. قال وأصل الكلمة من الحيض، والزوائد التي لحقتها للمبالغة أنها لحقتها الهمزة والسين والتاء، فلحقت هذه للمبالغة؛ لأن الحيض هو الدم المعروف، فلما زاد عن حده انقلب إلى استحاضة. ويقول لها نظائر، الزيادة للمبالغة لها نظائر، مثل قار في المكان فإذا بولغ فيه فيقال استقر، وكذلك أعشب المكان فإذا بولغ فيه يقال أعشوشب، مثل هذه حاض فإذا بولغ فيه يقال استحيضت نعم.

أحسن الله إليك، قال رحمه الله الرابع: الطهارة تطلق بإزاء النظافة وهو الوضع اللغوي، وتطلق بإزاء استعمال المطهر فيقال الوضوء طهارة صغرى، والغسل طهارة كبرى، وتطلق ويراد بها الحكم الشرعي المرتب على استعمال المطهر، فيقال لمن ارتفع عنه مانع الحدث هو على طهارة، ولمن لم يرتفع عنه المانع هو على غير طهارة.

الآن ذكر لنا استعمال الطهر، تقول إني أستحاض فلا أطهر، ما المراد بقولها لا أطهر؟ يقول الطهارة تحتمل أحد ثلاثة معاني، يعني في الأحاديث تحتمل أحد ثلاثة معاني: أن تحتمل المعنى اللغوي اللي هو النظافة، وإما أن يراد بها استعمال المطهر يعني فلا أتوضأ أو لا أغتسل، أو يطلق بها الحكم الشرعي المرتب على استعمال المطهر يعني أنني لا أطهر بمعنى أنني حتى وإن استعملت الماء للوضوء أو الغسل فإنني لا ينقلب حكمي إلى حكم الطاهرات. طيب ما مراد فاطمة رضي الله عنها بقولها لا أطهر، هل هو المعنى الأول أو هو المعنى الثاني أو هو المعنى الثالث؟

أحسن الله إليك، قال رحمه الله: فإذا ثبت هذا فنقول قولها فلا أطهر يحمل على الوضع اللغوي، وكنت باللفظة عن عدم النظافة عن الدم؛ لأن النساء لم يكن يستعملن المطهر في ذلك الوقت، ولا هي أيضاً عالمة بالحكم الشرعي، فإنها جاءت تسأل عنه، فتعين حمله على الوضع اللغوي، ثم حقيقته استمرار الدم، وعليه حمله بعضهم، ويمكن حمله على المبالغة ومجاز كلام العرب لكثرة تواليه وقرب بعضه من بعض.

هنا يقول ابن دقيق العيد رحمه الله يقول أنها تحمل على المعنى الأول وهو المعنى اللغوي، يعني تقول إني أستحاض فلا أطهر يعني فلا أنظف، وليس المعنى أنني لا أتوضأ ولا أغتسل، وليس المعنى أنني حتى وإن توضأت لا أكون من حكم الطاهرات. لماذا حملها المؤلف رحمه الله تعالى على المعنى الأول؟ يقول يحمل على الوضع اللغوي، وكنت باللفظة عن عدم النظافة عن الدم، عن تقول إني استحيضت فلا أنظف يعني فلا ينقطع عني الدم، وهذا معنى قولها مثلاً.

قال لأن النساء لم يكن يستعملن المطهر في ذلك الوقت، وهذا يدل على أنها تقصد المعنى اللغوي للنظافة، لماذا؟ يقول النساء لم يكن يستعملن المطهر الذي هو ينظف مكان الحيض في ذلك الوقت، وأيضاً ولا هي عالمة بالحكم الشرعي، فلو كانت عالمة بالحكم الشرعي لقلنا يحتمل أن تقصد المعنى الثالث، فيقول ليست عن الحكم الشرعي، فإنها جاءت تسأل عنه، فتعين حملها على الوضع اللغوي اللي هو المعنى الأول طيب. قال ثم حقيقته يعني حقيقة الاستحاضة هل هي الاستمرار الدائم أو الغالب؟ يقول يمكن هذا ويمكن هذا، فحقيقته الاستمرار الدائم لأنه لا ينقطع، ويمكن أن يحمل على المبالغة، فيكون الاستمرار الغالب، ولذلك يقول ويمكن حمله على المبالغة ومجاز كلام العرب لكثرة تواليه وقرب بعضه من بعض؛ يعني أنها مستحاضة، إما أن نقول يأتيها كل شهر فيكون مستمراً دائماً، أو نقول لا يأتيها أغلب الشهر فيكون استمراره غالباً وسميت مستحاضة ويأتي هذا وينقطع من باب المبالغة نعم.

أحسن الله إليك، قال رحمه الله الخامس: قولها أفأدع الصلاة سؤال عن استمرار حكم الحيض في حالة دوام الدم وإزالته، وهو كلام من تقرر عنده أن الحائض ممنوعة من الصلاة.

يعني يقول إن سؤالها عن النبي صلى الله عليه وسلم أفأدع الصلاة هذا دليل على أنه كان مستقراً عندها أن الحائض لا تصلي، فهي سألت هل وأنا مستحاضة آخذ حكم الحائض فلا أصلي، فترك الصلاة، أو لي حكم آخر مستقل عنه؟ فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن حكم الاستحاضة مختلف عن حكم الحيض نعم.

قال رحمه الله: السادس قوله صلى الله عليه وسلم: «إن ذلك عرق». فيه دليل على أن الصلاة لا يتركها من غلبه الدم من جرح أو انبثاق عرق، كما فعل عمر رضي الله عنه حيث صلى وجرحه يثعب دماً.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن ذلك عرق»، ظاهره انبثاق الدم من عرق، وقد جاء في الحديث عرق انفجر. ويحتمل أن يكون من مجاز التشبيه إن كان سبب الاستحاضة كثرة مادة الدم وخروجه من مجاري الحيض المعتادة.

يقول قوله صلى الله عليه وسلم لما سألت النبي صلى الله عليه وسلم أفاد الصلاة، قال له إذاً الحكم للمستحاضة أنها لا تأخذ حكم الحائض في ترك الصلاة، لكن متى تترك ومتى تصلي؟ سيأتي بيان لماذا لا تأخذ حكم الحائض. قال: «إن ذلك عرق»، يعني أنه دم خرج من العرق، وليس مثل الحيض الذي يخرج من قعر الرحم. فلما كان دم عرق، فإنه لا تترك الصلاة لأجله. وهذا العرق يقال له العادل بالذال المعجمة واللام.

قال: فيه دليل على أن الصلاة لا يتركها من غلبه الدم من جرح أو انبثاق عرق، كما فعل عمر رضي الله عنه لما طعن رضي الله عنه وأقره الصحابة على استمرار صلاته، حيث صلى وجرحه يثعب دماً رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن ذلك عرق»، ظاهره انبثاق الدم من عرق، وقد جاء في الحديث عرق انفجر، وهذا الحديث بهذا اللفظ أنكره بعض المحدثين كالبيهقي وابن الصلاح رحمهم الله تعالى، وهو جاء في بعض الروايات العرق انقطع، هذا جاء عند الدارقطني والبيهقي والحاكم، لكن جاء بلفظ عرق فجر عند العقيلي في الضعفاء، يعني حديث ضعيف من حديث أسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنها.

فيقول ظاهره انبثاق الدم من عرق في الدم خارج كأنه فجر. قال: ويحتمل أن يكون من مجاز التشبيه إن كان سبب الاستحاضة كثرة مادة الدم خروجه من مجاري الحيض المعتادة. يعني يقول: إما أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم إن ذلك عرق، إما أن نحمله على الحقيقة ونقول إن دم الاستحاضة دم عرق، يعني لم يخرج من قعر الرحم كما هو الحال في دم الحيض، وإما أن نقول مجاز، ودم الحيض والاستحاضة يخرجان من مكان واحد، لكن لما استمر دم الاستحاضة أغلب الشهر قيل له استحاضة. فيحتمل هذا ويحتمل هذا، يعني احتمالاً عقلياً، لكن الذي يقرره الطب في العصر الحديث أن مخرج دم أو منشأ دم الاستحاضة غير منشأ دم الحيض، يعني مكان نشوئه، وهذا ما يسمونه في الطب المعاصر دم نزيف، فهو خرج من عرق، لكنه لم يخرج مثل الحيض الذي يخرج من قعر الرحم.

قال رحمه الله: السابع، في الحديث دليل على أن الحائض تترك الصلاة من غير قضاء، وهو كالإجماع من الخلف والسلف في تركها وعدم وجوب القضاء، ولم يخالف في عدم وجوب القضاء إلا الخوارج. نعم، استحب بعض السلف للحائض إذا دخل وقت الصلاة أن تتوضأ وتستقبل القبلة وتذكر الله عز وجل، وأنكره بعضهم.

يقول في الحديث دليل على أن الحائض تترك الصلاة من غير قضاء، لأن فاطمة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم أفأدع الصلاة، يعني أكون كالحائض. هذا دليل على أنه متقرر عندها أن الحائض لا تصلي، وأنها أيضاً لا تقضي الصلوات التي مرت عليها وهي في عادتها. قال: وهو كالإجماع من الخلف والسلف في ترك عدم وجوب القضاء، ولم يخالف في عدم وجوب القضاء إلا الخوارج، الخوارج يرون وجوب القضاء، ولذلك لما سألت معاذة عائشة رضي الله تعالى عنها: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت لا عائشة رضي الله عنها: أحَرورية أنت؟ والحرورية نسبة إلى الخوارج. فقالت: لا، لست بحرورية لكني أسأل. قالت عائشة رضي الله عنها: كان يصيبنا ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. فعائشة رضي الله عنها اكتفت من الحكمة ببيان التشريع النبوي لهم في عهده صلى الله عليه وسلم، وإنهم وإن لم يفقهوا هذا المعنى، يعني معنى ترك قضاء الصلاة دون ترك الصوم، فإنهم يبادرون إلى الامتثال للأوامر واجتناب الزواجر.

قال نعم، استحب بعض السلف للحائض إذا دخل وقت الصلاة أن تتوضأ وتستقبل القبلة وتذكر الله عز وجل، وأنكره بعضهم. وذكر ابن القطان أن من أنكره إنما أنكره لكونه لم يرد فيه شيء من الشارع. قال: وإلا فكان ذلك، يعني فكان هذا الذي استحبه بعضهم أن تتوضأ وتستقبل القبلة وتذكر الله عز وجل، يعني بدلاً من الصلاة. يقول: كان الذي استحبه إشارة منه إلى بذل الوسع في نهاية ما تقدر عليه، يعني هذا الذي تقدر عليه تتوضأ، تستقبل القبلة، تذكر الله؛ لأن هذه كلها مباحات لها، يبقى الصلاة هذه محرمة عليها.

قال: وهو شبيه بما نقل عن الشيخ أبي عمرو بن الحاجب رحمه الله أنه لما سجن كان إذا أظلته الجمعة تهيأ لها بالغسل والطيب وغير ذلك من سننها، ثم يمشي إلى باب السجن، فإذا رُد قال: اللهم إن هذا نهاية ما قدروا عليه. فهو يستعد استعداداً كاملاً للخروج لصلاة الجمعة ويذهب إلى الباب لعلهم يأذنون له، فإذا ردوه قال: اللهم هذا نهاية ما قدروا عليه. لكن المعول عليه الوقوف مع السنة وما كان عليه سلف الأمة رحمهم الله أجمعين، ولم ينقل عنهم أنهم يأمرون نساءهم بأن يستعدوا للصلاة بفعل ما يستطيعون فعله مما تتهيأ به الصلاة.

قال رحمه الله: الثامن قوله صلى الله عليه وسلم: «قدْرَ الأيام التي كنت تحيضين فيها»، رد إلى أيام العادة. والمستحاضة إما مبتدئة أو معتادة، وكل منهما إما مميزة أو غير مميزة، فهذه أربعة. والحديث قد دل بلفظه على أن هذه المرأة كانت معتادة لقوله صلى الله عليه وسلم: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها»، وهذا يقتضي أنها كانت لها أيام تحيض فيها. وليس في هذا اللفظ الذي في هذه الرواية ما يدل على أنها كانت مميزة أو غير مميزة، فإن ثبت في هذا الحديث رواية أخرى تدل على التمييز ليس لها معارض فذاك، وإن لم يثبت فقد يستدل بهذه الرواية.

فالمرأة هذه استمر الدم من اليوم العاشر حتى اليوم الثلاثين يعني عشرين يوماً نزل الدم، فيقول تجلس قدر الأيام التي كانت تحيض فيها، فهي تحيض من الشهر خمسة عشر يوماً فتجلسها، ثم بعدها تعتبر نفسها مستحاضة. قال: المستحاضة إما مبتدئة أو معتادة، والمستحاضة كل منهما إما مميزة أو غير مميزة. يعني عندنا مبتدئة مميزة، وعندنا مبتدئة غير مميزة، وعندنا معتادة مميزة، وعندنا معتادة غير مميزة. والمبتدئة هي التي أول مرة يأتيها الدم، والمعتادة التي اعتادت نزول الدم عليها وتكرر عليها نزول الدم أكثر من شهرين أو أكثر من ثلاثة أشهر، من الخلاف في المدة التي تخرج بها المبتدئة من مصطلح الابتداء إلى مصطلح المعتادة.

فيقول المبتدئة هذه إما أن تكون مميزة، بأن تميز دم الحيض عن الاستحاضة، بأن دم الحيض كما جاء في الحديث دم أسود يعرف، وفي بعض الضبط يعرف أي له رائحة، أما دم الاستحاضة فهو دم أحمر كماء الجروح، ليس له رائحة، ودم الحيض ثخين وهذا رقيق. فإذا ميزت دم الحيض عن دم الاستحاضة، مثلاً يأتيها الدم هي مبتدئة أول مرة أتاها الدم فأتاها عشرون يوماً، لكن السبعة الأيام الأولى هذه دم أوصافه أوصاف دم الحيض، ثم من اليوم الثامن إلى اليوم العشرين هذه أوصافه ليست أوصافه، انقلب لونه إلى الأحمر مثلاً وصار ليس له رائحة وصار رقيقاً، فهذه إذاً مبتدئة مميزة. وهناك مبتدئة غير مميزة؛ لأن كان الدم عندها مثلاً عشرين يوماً أو خمسة وعشرين يوماً لكنها لا تميز، ما تميز الأسود من الأحمر، يعني كأنه كله على وتيرة واحدة، فهذه مبتدئة غير مميزة.

المعتادة إما أن تكون معتادة مميزة، فمثلاً امرأة كان يأتيها الدم كل شهر من اليوم مثلاً الأول إلى اليوم السابع، في أحد الأشهر أتاها من اليوم الأول لكنه لم ينقطع حتى جاء اليوم الخامس والعشرون. طيب نقول: إذا كانت تميز الدم الأسود عن دم الحيض وعن الاستحاضة، فمتى تقول هو إلى اليوم السابع، هو الذي أعرفه، ومن اليوم الثامن تغير الدم؟ فنقول إذاً هذه معتادة مميزة. أحياناً تكون معتادة غير مميزة، هي عادتها مثلاً سبعة أيام لكن أتاها الدم استمر عشرين يوماً، لكن الدم على وتيرة واحدة لم يتغير، فهذه معتادة غير مميزة. إذاً المستحاضات أربع: إما أن تكون مبتدئة مميزة، أو مبتدئة غير مميزة، أو تكون معتادة مميزة، أو تكون معتادة غير مميزة.

فيقول هذا الحديث دل على أن المرأة -فاطمة بنت أبي حبيش- كانت معتادة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأيام التي كنت تحيضين فيها»، فدل على أنها معتادة وليست مبتدئة. طيب هل يدل على أنها مميزة أو غير مميزة؟ يقول هذا الحديث بهذه الرواية ليس فيه دليل على أنها مميزة أو غير مميزة. يقول فإذا ثبت في هذا الحديث رواية تدل على التمييز فذاك، وإن لم يثبت خلاص نحمل الحديث على أن المعتادة سواء كانت مميزة أو غير مميزة، فإنها تجلس أيام عادتها ولا تأخذ بالتمييز. فيقول وهذا اختيار أبي حنيفة وهو أحد قولي الشافعي. بمعنى يقول هذا الحديث يدل على أن المعتادة تأخذ بعادتها سواء كانت مميزة أو غير مميزة. يعني مثلاً امرأة كانت عادتها من اليوم الأول حتى اليوم السابع، ثم أتاها في أحد الأشهر واستمر الدم معها عشرين يوماً من اليوم الأول إلى اليوم العشرين، فنقول إذاً تأخذ بعادتها فتجلس من الأول إلى السابع، فإذا جاء السابع وانتهى اليوم السابع وبدأ اليوم الثامن خلاص تغتسل على أنها طهرت من الحيض، ثم تعتبر نفسها في الأيام المتبقية مستحاضة، فتصلي وتصوم وتفعل ما يفعل الطاهرات. يقولون سواء كانت مميزة أو غير مميزة، يعني لو كانت من اليوم العاشر تتغير، حتى لو كان كذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجلسي» أو «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها»، ولم يسألها هل هي مميزة أو غير مميزة. طيب الآن سيذكر القاعدة التي بنى عليها من قال بهذا القول وقدم العادة على التمييز.

والتمسك به ينبني على قاعدة أصولية وهي ما يقال إن ترك الاستفصال في قضايا الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة عموم المقال. ومثلوه بقوله صلى الله عليه وسلم فيما روي لفيروز وقد أسلم على أختين: «اختر أيهما شئت»، ولم يستفصله هل وقع العقد عليهما مرتباً أو متقارباً. وكذا نقول هاهنا، لما سألت هذه المرأة عن حكمها في الاستحاضة ولم يستفصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كونها مميزة أو غير مميزة، كان ذلك دليلاً على أن هذا الحكم عام في المميزة وغيرها. كما قالوا في حديث فيروز الذي اعترض به، ثم يردها هاهنا أيضاً وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجوز أن يكون عالماً حال الواقعة كيف وقعت، فأجاب على ما علم، وكذا يقال هنا: يجوز أن يكون علم حال الواقعة في التمييز أو عدمه.

ثم يردها هنا. فإن قيل: إن الرسول ﷺ يجوز أن يكون عالماً بحال الواقع، فكيف وقعت؟ فجاب على معلم. وقد يقول قائل: إنتم ذكرتم نظيراً لها في قصة فيروز، يمكن النبي ﷺ يعلم أنه تزوجهما واحدة بعد الأخرى، فقال له «كما شئت»، فما احتاج إلى أن يستفسر، فلا ترد هذه القاعدة.

فنجيب عليها بأن النبي ﷺ أيضاً في حديث فاطمة قد يكون عالماً بالواقع، فمحتاج إلى أن يستفصل، فما أريد هناك يورد هنا. طبعاً هذه الرواية قد توجب التمييز، أما فيها الندم الحيضي دم أسود إلى آخره، فردها إلى التمييز. واختلف العلماء في تصحيح هذه الرواية وفي عدمها، واختلفوا في أجرى ذلك؛ إذا اختلفت العادة والتمييز فأيهما يقدم؟ فمنهم من قدم العادة كما هو في حديث فاطمة، ومنهم من قدم التمييز.

أحسن الله إليك. قال رحمه الله: وقوله في رواية «وليس بالحيظة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي». اختار بعضهم في قوله «وليس بالحيظة» كسر الحاء، أي الحالة المألوفة المعتادة، والحيظة بالفتح هي المرة من الحيض.

يقول: «وليس بالحيظة، فإذا أقبلت الحيضة»، كيف تنطق الحيظة؟ فيقول بعض العلماء اختار أن تنطق بكسر الحاء: «وليس بالحيظة، فإذا أقبلت الحيضة»، أي الحيضة هنا هي الهيئة، هيئة الحالة المألوفة المعتادة. وبعضهم ضبطها بالكسر، وهذا هو الذي اختاره الخطابي رحمه الله تعالى. وبعضهم، وهم أكثر المحدثين، نطقوه وضبطوه بالفتح: «وليس بالحيظة»، يعني بالمرة من الحيض، أي ليست هذه حيظة المرة، وهذا استظهر به جمع من الشراح ومنهم النووي رحمه الله تعالى. والواحدة من الحيض هي الحيضة، يعني حالة الحل يجوز فيها الوجهان. طبعاً الخطابي كما قلنا إن ذكرناه بالكسر، وغلّب ضبط الفتح، وذكر الحافظ رحمه الله من حجر أن في روايتهم لصحيح البخاري أنه رواه عن شيوخه بالفتح في الموضعين: «وليس بالحيظة، فإذا أقبلت الحيضة».

أحسن الله إليك. قال رحمه الله: وقوله «فإذا أقبلت» تعليق بالحكم بالإقبال والإدبار، فلا بد أن يكون معلوماً لها بعلامة تعرفها. فإن كانت مميزة وردت إلى التمييز، فإقبالها بدء الدم الأسود وإدبارها إدبار ما هو بصفة الحيض. وإن كانت معتادة وردت إلى العادة، فإقبالها وجود الدم في أول أيام العادة وإدبارها انقضاء أيام العادة.

أحسنت. قوله «فإذا أقبلت» الآن علق الحكم بالإقبال والإدبار؛ لأنه قال: «فإذا أقبلت الحيضة فترك الصلاة، وإذا ذهب قدرها». فيقول: الإقبال لا بد أن يكون معلوماً لها، ثم ذكر أنها إذا قلنا تعمل بالتمييز، فإقبال الحيضة هنا ببدء الدم الأسود، وإدبارها إدبار الدم الأحمر. وإذا قلنا تعمل بالعادة، فإقبال الحيضة هو وجود الدم في أول أيام العادة، وإدبار الحيضة انقضاء أيام العادة. فذكر الاحتمال على الأمرين؛ على القولين.

أحسن الله إليك. قال رحمه الله: وقد ورد في حديث فاطمة بنت أبي حبيش ما يقتضي الرد إلى التمييز، وقالوا: إن حديثها في المميزة، وحمل قوله «فإذا أقبلت الحيضة» على الحيضة المألوفة التي هي بصفة الدم المعتاد. وأقوى الروايات في الرد إلى التمييز الرواية التي فيها دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان ذلك «فأمسكي عن الصلاة». وأما الرد إلى العادة فقد ذكرناها في الرواية الأولى التي ذكرها المصنف، وقد يشير إليها في هذه الرواية قوله ﷺ: «فإذا ذهب قدرها»، فالأشبه أنه يريد قدر أيامها. وصحف بعض الطلبة هذه اللفظة فقالوا: «فإذا ذهب قذرها» بالذال المعجمة المفتوحة، وإنما هو بالمهملة الساكنة، أي قدر وقتها، والله أعلم.

أحسنت. يقول: ورد في حديث فاطمة الرد للتمييز، لأنه قبل قليل ذكرنا أنها ترد إلى العادة. وقالوا: إن حديثها في المميزة، وحمل قوله ﷺ «فإذا أقبلت الحيضة» على الحيضة المألوفة التي هي بصفة الدم المعتاد. وأقوى الروايات في الرد إلى التمييز الرواية التي فيها دم الحيض أسود يعرف. وقلنا لكم إنه حصل خلاف في تصحيح هذه الرواية وفي تضعيفها، والذي في الصحيح ردها إلى العادة، ولذلك قال: «وأما الرد إلى العادة فقد ذكرناها في الرواية التي ذكرها المصنف». وقد يشير لي في هذه الرواية قوله ﷺ: «فإذا ذهب قدرها»، يعني قدر أيامها، وهذا يراد بها أيام العادة. ثم ذكر تصحيحاً لبعض من قرأ الحديث: «فإذا ذهب قذرها» بالذال، يعني وسخها، لكن يقول الصواب أنها بالمهملة الساكنة: «قدرها»، أي قدر وقتها. يقول رحمه الله لما ذكر ذلك: «والرواية الثالثة: ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها»، يبطل هذا التصحيف أيضاً.

العلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا كثيراً في المستحاضة وإلى ما ترجع، وبين ذلك الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه القواعد الفقهية، المطبوع قديماً باسم القواعد النورانية. والحقيقة أن القواعد النورانية هذا ليس اسماً للكتاب المشهور بالقواعد الفقهية، وإنما القواعد الفقهية، أما القواعد النورانية فهو اسم لمختصر الفتاوى المصرية كما بينه محقق الكتاب.

يقول رحمه الله: وأصل ما بين أن فقهاء الحديث يجمعون بين الأحاديث والآثار في المسألة. أمثلة: قال وأصل آخر في الحيض والاستحاضة، فإن مسائل الاستحاضة من أشكل أبواب الطهارة. وفي الباب يعني النبي ﷺ ثلاث سنن: سنة في المعتادة أنها ترجع إلى عادتها، وهو الذي ورد معنا في حديث فاطمة. وسنة في المميزة أنها تعمل بالتمييز، وهو ما جاء في بعض روايات حديث فاطمة. وسنة في المتحيرة، التي ليست معتادة ولا مميزة، أنها تتحيض غالب عادات النساء ستة وسبعاً تجمع بينهما.

فأما السنتان الأوليان: العمل بالعادة، والعمل بالتمييز؛ هذه يقول في الصحيح. وإنما الثالث في الحديث حديث أم حبيبة بنت سهل، التي هي المتحيرة، يقول: رواه الترمذي، وكذلك قد روى أبو داود وغيره عن سهلة بنت سهيل بعض معناه. يقول: وقد استعمل أحمد رحمه الله هذه السنن الثلاث: في المعتادة، والمميزة، والمتحيرة. فإذا اجتمعت العادة والتمييز، يعني الأصل أنه يعمل في المعتادة ترجع لعادتها، وفي المميزة تعمل بالتمييز. كلمة متحيرة أنها تجلس غالب عادات النساء، لكن تأتينا معتادة ومميزة، يعني لها عادة سابقة وتميز الدم، فإذا كان كله واحدة ما في إشكال، لكن الإشكال فيما إذا اختلف.

لكن بالتمييز تصير على تصير عادتها سبعة أيام مثلا، فيقول استعمل أحمد هذه السنة المعتادة المميزة والمتحيرة. فإذا اجتمعت العادة والتمييز مثل هذه، فيقول يقدم العادة في أصح الروايتين كما جاء في الأحاديث، وفي قول آخر إنه يقدم التمييز.

قال: فأما أبو حنيفة فيعتبر العادة إن كانت ولا يعتبر التمييز، والمالك يقول يعتبر التمييز ولا يعتبر العادة، أو الشافعي يعتمد التمييز والعدد، كل فقيه أخذوا بعض الأحاديث. الإمام أحمد رحمه الله أخذ بمجموع هذه الأحاديث وحمل كل حديث على ما يناسبه، ووقع الخلاف عنده فيما إذا اجتمعت العادة والتمييز على الخلاف فيما يقدم.

أحسن الله إليك. قال رحمه الله وقوله: «فاغسلي عنك الدم وصلي»، مشكل في ظاهره لأنه لم يذكر الغسل، ولا بد بعد انقضاء الحيض من الغسل. وحمل بعضهم هذا الإشكال على أن جعل إدبار الحيض انقضاء أيام الحيض، وجعل قوله «فاغسلي عنك الدم» محمولاً على دم يأتي بعد الغسل.

والجواب الصحيح أن هذه الرواية وإن لم يذكر فيها الغسل فقد ذكر في رواية أخرى صحيحة فقال فيها «واغتسلي»، وفي الحديث دليل على نجاسة دم الحيض. يقول في هذه الرواية: «فاغسلي عنك الدم وصلي»، ما ذكر الاغتسال. فيقول هذا فيه إشكال، ومعروف أن الحيض لابد أن يأتي بعده.

فيقول بعضهم: قال معنى إدبار الحيض أي انقضاء أيام الحيض، فالاغتسال جعله في الاعتبار فكأنه جاء مكنى عنه ولم يصرح به. قال: وجعل قوله «فاغسلي عنك الدم» محمولاً على دم يأتي بعد الغسل، يعني قوله «فاغسلي عنك» عندما صلي، يعني الآن غسلت الدم، أدبر الحيض فاغتسلت وصليت، ثم جاء وقت صلاة أخرى وفيها الدم، فيقول هذه هي التي جاء فيها.

لكن يقول هذا جعله بعضهم، لكن يقول الصحيح إن هذه الرواية جاءت مختصرة، وأنه جاء في رواية أخرى الغسل، قال فيها البخاري في بعض الروايات.

قال ابن ملجن رحمه الله: وقد يجاب بأن الغسل من عدم الحيض من دم الحيض معلوم، فإنما جاء به عن مسألته هو حكم السحاب، فلما كانت تعلم أن بعد انقطاع الحيض تغتسل، فلم يذكر لها النبي ﷺ، وهي إنما سألت عن حكم الاستحاضة. قالوا: في الحديث دليل على نجاسة دم الحيض؛ لأنه أمر بغسله، وغسله دليل نجاسته.

عند هذا ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد. صلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.