بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا يا كريم.
أما بعد، فهذا هو اللقاء الرابع والثلاثون من لقاءات التعليق على كتاب أحكام الأحكام، شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا على الحديث الثاني من أحاديث باب الحيض، أحاديث عائشة في استحاضتهن.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وعن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة استحاضت سبع سنين، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأمرها أن تغتسل، قالت: فكانت تغتسل لكل صلاة».
أم حبيبة هذه ابنة جحش بن رئاب الأسدي، أخت زينب بنت جحش، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما. ويقال فيها أم حبيب، وأهل السير يقولون إن المستحاضة حَمْلة؛ قال أبو عمرو بن عبد البر: «والصحيح عند المحدثين أنهما كانت مستحاضتين جميعًا».
وقع في نسخ من هذا الكتاب هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حديث عائشة رضي الله عنها: «أن أم حبيبة استحاضت سبع سنين فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، لكل صلاة». هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى التعريف بأم حبيبة، وأنها أم حبيبة بنت جحش بن رئاب الأسدي، وهذه أخت زينب بنت جحش، وليست أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالأخت هي زينب بنت جحش، وكانت زوجة عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما.
ويقال فيها أم حديد، يعني بعض أهل السير ذكروا أن يُطلق عليها أم حبيب وليست أم حبيب، وبعضهم قال هذه أم حبيبة، وهذا قول أم حبيبة. ماذا صححه إبراهيم الحربي والدارقطني رحمهما الله تعالى؟ قالوا: أهل السير يقولون إن المستحاضة حَمْلة بنت جحش أختها، وحديث حَمْلة معروف في استحاضتها، لكن هل أختها هذه أم حبيبة، وأيضًا زينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم هل هي من المستحاضات أو لا؟ هذا وقع فيه خلاف.
قال أبو عمرو بن عبد البر رحمه الله تعالى: «والصحيح عند المحدثين أنهما كانت مستحاضتين جميعًا، أم حبيبة وحَمْلة». وهنا فائدة: المستحاضات في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر بعضهم أنها خمس: حَمْلة بنت جحش أخت زينب، والثانية أم حبيبة التي معنا هنا، والثالثة فاطمة بنت أبي حبيش التي مر حديثها في الدرس الماضي، والرابعة سهلة بنت سهيل، والخامسة السوداء بنت يعمل. وزاد بعضهم زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم، والمشهور خلاف ذلك.
وأم حبيبة هي أخت حَمْلة، وذكر ابن عبد البر أن المستحاضتين هما حَمْلة وأم حبيبة. وللبرماوي نظم للرواة والصحابة المذكورين في العمدة، واسم نظمه: «الزهر البسام فيما حوت عمدة الأحكام من الأنام». ذكر فيه جمع المستحاضات، وله شرح، وقد شرحوا في كتابه «سرد النهر لشرح الزهر»، وأيضًا له شرح على العمدة.
ذكر في النظم أبياتًا في النساء اللاتي جاء استحاضتهن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم: أم حبيبة ثم حَمْلة وزينب ... بنات جحش في الأخير توقفي اللي هي زينب، إن بعضهم قال ليست المستحاضات، وبنت سهيل، ثم بنت أبي حبيش، كذا منهن سودة. فعرفي، فهذه الست المستحاضات في ثلاثة أبيات.
البرماوي فله نظم للعمده وله شرح للعمده أيضًا. وزادت من الملقن، يعني من الممكن أن يذكر أربعًا من المستحاضات أو ممن ذكر أنهم يستحاضون، على هذه النبي صلى الله عليه وسلم: أسماء بنت عميس، وزينب بنت أبي سلمة، وأسماء بنت أبي بكر، وبادية بنت غيلان، فهذه عشرة. وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أنه وجد على حاشية نسخة صحيحة من أصل أبي ذر في روايته للصحيح، أن بعض العلماء فسر المبهمة في حديث عائشة، كان هذا الشيء الذي كانت تفعله، أنه أم حبيبة رملة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ولعل هذا المفسر هو الذي اشتبه عليه أم حبيبة بنت جحش بأم حبيب زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: «وليس في الصحيحين ولا أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل لكل صلاة، وإنما في الصحيح...». ووقع في نسخ من هذا الكتاب: «فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك أن تغتسل لكل صلاة». وليس في الصحيحين ولا أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل بكل صلاة، وإنما في الصحيح: «فأمرها أن تغتسل»، قالت: «فكانت تغتسل لكل صلاة».
وفي كتاب مسلم عن الليث، لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أم حبيبة أن تغتسل بكل صلاة، وإنما هو شيء فعلته هي. وذهب قوم، وينبه المؤلف رحمه الله تعالى على رواية جاءت في بعض نسخ العمدة: «فأمرها أن تغتسل بكل صلاة»، جاءت الرواية هكذا. وهذه الرواية في بعض نسخ العمدة، وهي المثبتة في شرح الفتاني السفاريني رحمه الله، يقول: «ولعله وقع ذلك لابن دقيق في النسخة»، يتوقف، قال: «وإلا فما رأيت ذلك في نسخة مما وقفت عليه، وهي في بعض نسخ العمدة كذلك»، كما ذكره الشيخ عبد المحسن القاسم في تحقيقه على العمدة.
فنبه على أنها ليست في الصحيح كما هو المثبت عندنا، هناك: «فأمرها أن تغتسل»، قالت: «فكانت تغتسل لكل صلاة». يعني الاغتسال لكل صلاة هذا من فعل أم حبيبة وليس من أمر النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بمطلق الاغتسال، وهي كانت تغتسل لكل صلاة، ولذلك جاءت رواية مسلم عن الليث لم يذكر ابن شهاب.
الزهري أن رسول الله ﷺ أمر أم حبيبة أن تغتسل لكل صلاة، وإنما هو شيء فعلته هي.
الآن سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى الخلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى في شرعية أو وجوب ذلك من عدمه. أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: «وذهب قوم إلى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، وقد ورد الأمر بالغسل لكل صلاة في رواية ابن إسحاق في الصحيح». والذين لم يوجبوا الغسل لكل صلاة حملوا ذلك على مستحاضة ناسية للوقت والعدد، حيث يجوز في مثلها أن ينقطع الدم عنها في وقت كل صلاة.
واستدل بعضهم على أنه لا يلزمها الغسل لكل صلاة بقوله في الحديث المتقدم: «اغتسلي وصلي»، من حيث إنه يؤمر بتكراره لكل صلاة، ولو وجب لآمر به في بعض النسخ، من حيث لم يأمر بتكراره لكل صلاة، ولو وجب لآمر به.
هنا ذكر الخلاف بين العلماء رحمه الله تعالى في وجوب اغتسال المستحاضة لكل صلاة من عدمه، فذكر أن هناك من العلماء من قال إن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، وأنه مروي عن بعض الصحابة والتابعين، مروي عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، واستعد بن جبيل، وعطاء رحمهم الله تعالى. وعلي وابن عباس روي عنهم القول بأنها تغتسل لكل صلاة.
دليلهم الأمر الذي جاء في بعض الروايات، وهي جاءت في رواية خارج الصحيح، جاءت عند أبي داود وغيره، وليس فيها شيء ثابت من أمر النبي ﷺ، وقد ضعّف البيهقي رحمه الله تعالى الأمر المرفوع من النبي ﷺ للصحابية المستحاضة بالغسل لكل صلاة، وذكر أن الذي صح هو فعلها فعلاً كمستحاضة وليس أمر النبي ﷺ بها.
وذكر الليث بن سعد، وابن عيينة، وبعدهم الشافعي، أن الذي أمر به النبي ﷺ هو الاغتسال والصلاة، وتعتذر وتصلي، ولم يأمرها في الغسل لكل صلاة. فذكر القاضي رحمه الله تعالى أنه لم يتابع أصحاب الزهري إسحاق على هذه الزيادة، فالزهري لم يذكر هذه الزيادة في هذا الحديث. ومنهم من صحح هذه الرواية لكن ذكر أنها منسوخة، ففي الطحاوي رحمه الله ذكر أنها منسوخة بحديث فاطمة في الأمر بالوضوء لكل صلاة.
وذهب الحافظ ابن حجر رحمه الله إلى جانب الحديث، وهو حديث أم حبيبة في رواية الأمر، وحديث فاطمة في رواية الوضوء لكل صلاة، بحمل الأمر في حديث أم حبيبة على الندب. والإمام أحمد رحمه الله استحب الغسل.
القول الثاني وهو قول الجمهور، قالوا: المستحاضة لا يجب عليها الغسل بكل صلاة. ما تأويلهم للأمر؟ التأويل الأول تضعيفه كما جاء في الأول. والتأويل الثاني، على فرض صحته، حمله على صفة خاصة؛ قالوا يحمل على مستحاضة ناسية للوقت والعدد.
والمستحاضة كما مر معكم في كتب الفقه، إما أن تكون مبتدئة أو تكون معتادة، والمبتدئة إما أن تكون مميزة أو غير مميزة، وغير المميزة إما أن تذكر الوقت والعدد، أو تذكر أحدهما وتنسى الآخر، أو تنساهما. فيقولون: إن المستحاضة إذا كانت ناسية للوقت والعدد، فربما إذا مرت أيام حيضتها -مثل ستة أو سبعة أيام- احتمال أن يكون الوقت الأول هو الذي تطهر فيه عادة، فنقول لها: احتمال أن يكون الظهر، ولذا فإنها في عادتها، فيقولون: يحمل أمر النبي ﷺ للمستحاضة بالغسل لكل صلاة على مستحاضة الناسي للوقت والعدد، فمحتمل أن يكون كل وقت سيمر عليها أنه هو الوقت الذي ينقطع فيه حيضها في العادة، فهي مأمورة بالاغتسال عند مرور أيام عدتها متى تنتهي عدتها. فقد تكون عدتها في العادة سبعة أيام، قد تكون ثمانية أيام، قد لا يُدرى؛ فإذا كان كذلك سنقول: تغتسل لكل صلاة، لأن كل وقت يحتمل أن يكون هو الوقت الذي تنقطع فيه في مثل العادة.
هذا الحمل الأول، أو نقول الحمل الثاني؛ الحمل الأول تضعيف الرواية، والحمل الثاني حمل على صفة خاصة. والحمل الثالث قالوا: عندنا أصل، وهو الأصل عدم الوجوب، عدم وجوب الغسل لكل صلاة. فجاءنا الأمر من النبي ﷺ: «اغتسلي وصلي»، ولم يقل: «اغتسلي لكل صلاة». فما دام أنه جاء الأمر بالاغتسال والصلاة، وهو أمر مطلق، يتحقق الامتثال بفعل مرة واحدة، فنقول إذاً يكفيها الغسل مرة واحدة ولا يلزمها التكرار ما دام أنه لم يوجب عليها، لأن الأصل عدم وجوب التكرار. قال: «اغتسلي وصلي»، فإنه لم يأمر بتكرار بكل صلاة.
وهي مسألة فصولية؛ فإذا قلنا يلزم التكرار، فإنا نقول إذاً يلزم الغسل لكل صلاة في قولي، وإذا قلنا لا يقصد التكرار فإنه لا يلزم الغسل لكل صلاة، وإنما يكفي اغتسالها مرة واحدة على أنه لا يقتضي التكرار، لاسيما وأن المستحاضات في هذا النبي ﷺ ليست واحدة، ولو كانت مأمورة بالغسل كل صلاة لا نراهن كلهم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: واستدل أيضاً بتلك الرواية على من يقول إن المستحاضة تجمع بين صلاتين بغسل واحد وتغتسل للصبح وحدها، ووجه الدليل ما ذكرناه. هنا مسألة أخرى وهي جمع المستحاضة، هل يجوز للمستحاضة أن تجمع بين الصلاتين أو لا؟ هي من المسائل الخلافية، لكن هنا أشار إلى أن كون النبي ﷺ يأمرها بالغسل فقط، لم يأمرها بأن تجمع بين الصلاتين مع وجود المشقة، فيستدل بتلك الرواية -أي برواية الاغتسال للصلاة- على من يقول إن المستحاضة تجمع بين الصلاتين. ووجه الدليل ما ذكرناه، يعني أن الأصل عدم جواز الجمع، ولو وجب أو جاز لك، قال به البعض وجود المشقة، والمسألة خلافية، والحمد لله عندنا جواز الجمع للأعذار ومن الأعذار المستحاضة.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد كلانا جُنُب، وكان يأمرني فأتزر فيباشرني، وأنا أخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله».
الكلام على هذا الحديث عن عائشة رضي الله تعالى عنها هو في ثلاثة مواضيع: الموضوع الأول في اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، والموضوع الثاني في مباشرة الحائض، والموضوع الثالث في تغسيل الحائض للمعتكف، وإخراج رأس المعتكف من المسجد، كان يخرج رأسه إليها وهو معتكف. هذا الحديث أخرجه البخاري رحمه الله تعالى في موضع واحد.
بترقيم الشيخ محمد فاضل عبد الباقي رحمه الله تعالى، أعطى كل جملة رقمًا مستقلاً، مع أن البخاري ساقها بإسناد واحد، ومسلم رحمه الله لا يفرقها، فرقها في مواضع.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الكلام على هذا الحديث من وجوه؛ أحدها: هو أن اغتسال الرجل والمرأة في إناء واحد جائز، وقد مر الكلام فيه. الثاني مأخوذ من الجملة الأولى، وهو أن اغتسال الرجل والمرأة في إناء واحد جائز، وقد مر الكلام فيه وتقدم في باب الجنابة.
قال رحمه الله تعالى: الثاني، جواز مباشرة الحائض فوق الإزار؛ لقولها: «فأتزر فيباشرني»، واختلف الفقهاء فيما تحت الإزار، وليس في الحديث تصريح بمنع ولا جواز، وإنما فيه فعل النبي ﷺ، والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب على المختار.
أحسنت، هنا مسألة مباشرة الحائض فوق الإزار من قوله: «وكان يأمرني فأتزر»، يعني أشد إزارها أستر به شرها يوم تحت الركبة، فيباشرني. أما إذا كان وطئها في الفرج، فهذا ممنوع بالإجماع للآية وللحديث الصحيح، وعندنا الاستمتاع منها بما فوق السرة ودون الركبة هذا جائز في قول عامة من رحمهم الله تعالى.
الخلاف في الاستمتاع فيما بين السرة والركبة، الاستمتاع فيما بين السرة والركبة سواء فوق الإزار بمعنى مباشرة الحديث «ويباشرها» أو بدون إزار، لكن فهذا هو موضع الخلاف. والحديث دل على جواز مباشرة الحائض فيما فوق الإزار لقولها: «فأتزر فيباشرني».
إذا لم يوجد إزار، لو أراد أن يباشرها مثلا في فخذها لكن بدون إزار، فهل يجوز له ذلك أو لا يجوز له ذلك؟ هذه مسألة خلافية؛ إذ اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى فيما تحت الإزار، لكن يقول لك هذا الحديث ليس فيه تصريح بمنع ولا جواز، وإنما فيه فعل النبي ﷺ، والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب على المختار.
يعني يكون الحديث قد دل على جواز مباشرة الحائض فيما فوق الإزار، أما ما تحت الإزار فهو مسكوت عنه، لم يأتِ منع ولا تصريح من هذا الحديث. هل يؤخذ من فعل النبي ﷺ المانع؟ يقول لا؛ لماذا؟ يقول الحديث فيه فعل من النبي ﷺ أنه يباشر زوجته إذا كانت فيما فوق الإزار، والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب على المختار.
يعني إذا جاءنا فعل النبي ﷺ وتجرد من الأمر، فإن هذا ليس بيانًا لأمر واجب، فإن هذا لا يدل على الوجوب ولا على الوجوب، فنقول: إذاً هذا فعل النبي ﷺ هنا لا يدل على وجوب أن تستتر الحائض ليباشرها، لكن يدل الحديث على أن هذا هو، لكن لا يدل على الوجوب.
كان ابن الملقن لما ذكر ذلك قال: «وفيما ذكره نظر»، وأسكت لم يبين، وبينه البرماوي رحمه الله في شرحه على العمدة. كما قلنا لكم البرماوي له شرح على العمدة، وهو مخطوط لم يحقق، نعم حقق لكن لم يطبع فيما أعلم.
يقصد الآن، يقول: إن جاء المنع من قربان الحائط في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾، ويقول إن القربان المقصود به الوضع ومقدماته، ومن ذلك الاستمتاع فيما بين السرة والركبة، فهو ممنوع بهذه الآية. جاءنا فعل النبي ﷺ وأنه يستمتع فيما بين السرة والركبة لكن من فوق الإزار، فنقول: إذاً هذا جائز، مخصص للآية.
والتخصيص إخراج لما كان تحت حكم العام، والتخصيص يتقدر بقدره، فنقول: الذي تخصص إذاً هو وطؤها، وهو الاستمتاع بها فيما فوق الإزار، ولم يأتِ الاستمتاع فيما تحت الإزار. طبعاً هذا بالنظر إلى هذا الحديث فقط، لكن عندنا أحاديث أخرى؛ يعني مثلاً في قوله ﷺ: «يصنعوا كل شيء إلا النكاح»، وأيضًا عائشة رضي الله عنها سئلت: ما يحل للزوج من امرأته؟ قالت: «ما عدا الفرج». فهذه أدلة أخرى، لكن لو لم يأتِ إلا هذا الدليل، فهل يدل على المنع أو لا؟ سمعتم كلام دقيق العيد رحمه الله أنه ليس فيه تصريح بالجواز، وسمعتم انتقاد ابن الملقن عنه، وإن انتقاده مجمل، وانتقاد البرماوي مفصل.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الثالث، فيه جواز استخدام الرجل امرأته فيما خف من الشغل واقترته العادة، وهذا يؤخذ من كون النبي ﷺ يستخدم عائشة رضي الله عنها في غسل رأسه، فهذا شغل خفيف جرت به العادة أن الزوجة تخدم زوجها في مثل ذلك. ولذلك الفقهاء يختلفون فيه؛ الذي منه الزوجان إذا كانت جرت العادة أن زوجاتهم يغسلن ثيابهم ويطبخن لهم وينظفن بيوتهم، فنقول: هذا من الواجبات على الزوجة لأن هذا جرت به العادة، والله عز وجل جعل الزوجين بالمعروف.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الرابع، فيه جواز مباشرة الحائض بمثل هذا الفعل من الطاهر، فإن بدنها طاهر إذا لم يلاقِ نجاسة. هنا يستدل بقوله: «يخرج رأسه»، أنه يجوز أن تباشر الحائض غسل رأس زوجها الطاهر، لماذا؟ لأن بدنها طاهر. فلذلك لما قال الصحابة: إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يأكلوهم ولم يجامعوهم في البيوت، نزلوا كل شيء إلا النكاح، فهذا فيه دليل على أن بدنها كله طاهر.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الخامس، فيه أن المعتكف إذا أخرج رأسه من المسجد لم يفسد اعتكافه، وقد يقاس عليه غيره من الأعضاء إذا لم يخرج جميع بدنه من المسجد. وقد يستدل به على أن من حلف أن يخرج من بيت أو غيره فخرج ببعض بدنه لم يحنث؛ وجه الاستدلال أن الحديث دل على أن خروج بعض البدن لا يكون كخروج كله فيما يعتبر فيه كونه في المكان المعين، وإذا لم يكن خروج بعضه كخروج كله لم يحنث بذلك، فإن اليمين إنما تعلقت بخروجه وحقيقته في الكل، أعني كل البدن.
هنا ذكر من نهاية الحديث، وكان يخرج رأسه من المسجد والنبي ﷺ إذا كان واقفًا في المسجد وحجرته عند عائشة رضي الله عنها، فيدخل رأسه إلى حجرتها وهي تغسله وترجله.
فيستدل به على أن المعتكف إذا أخرج رأسه من المسجد لم يفصل، وهذا الدليل نصي؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، وقد يقاس عليه غير الأعضاء إذا لم يخرج جميع بدنه من المسجد، فالرأس نص، وبقية الأعضاء كذلك، يعني لو أخرج رجلًا والرجل الأخرى في وسط المسجد، أو أخرج يده ونحو ذلك، فهل يقاس رأسه؟ يقول نعم.
هذه المسألة الثانية، وعليه غير المسألة الثالثة؛ مسألة في الإيمان، يقول قد يستدل به، هذه في الاعتكاف، لكن الآن سيأخذ من مسألة أن بعض البدن لا يأخذ حكم كل البدن، يستدل بها على مسألة الإيمان؛ يقول استدل به على أن من حلف لا يخرج من بيت أو غيره، فلو دخل برجله اليمنى لكن أخرج رأسه فقط، فهنا لا يحنث.
لماذا لا يحنث؟ يقول: أخذنا من هذا الحديث أن خروج بعض البدن لا يكون كخروج الكلي فيما يعتبر فيه الكون في المكان المعين. فالاعتكاف اشترط فيه أن يكون جميع جسمه في المسجد، فإذا أخرج بعض جسمه لا يؤثر، وإذا أخرج جميع جسمه يؤثر.
وننقله إلى الإيمان، إذا قال: «والله لا أدخل»، فالمقصود بجميع بدنه، فلو أدخل بعض بدنه فإنه لا يؤثر مثل الاعتكاف. وهذه حقيقة اليمين، لكن هذا إذا لم يكن هناك سبب أو عرف يخصص هذا الإطلاق، لكن إذا دخل من ذلك كله، سنأخذ بهذه الحقيقة.
لكن لو كان مثلاً هو حلف وقال: «والله لا أدخل بيت فلان»، وكان يقصد أنه لا يريد أن يلحقه منه طعام، فلو دخل لسبب آخر، هنا ننظر إلى سبب اليمين وما هي جهة نية الحالف، إذا رُجيت الحقيقة الشرعية والعرفية واللغوية، والعلماء في الترتيب بين هذه الحقائق.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يتكئ في حجري فيقرأ القرآن»، وأنا فيه. مما تقدم من طهارة بدن الحائض وما تلبسه، من جواز ملابستها أيضًا كما قلنا، وفيه إشارة.
رضي الله عنها، كان رسول الله ﷺ يتكئ في حِجْري (بكسر الحاء) أو حَجْري (بفتح الحاء)، لغة؛ قاله الزركشي وكذا قاله في المشارق، وزاد: إذا كان المراد به الثوب فهو بالحَجر (بالفتح)، وإن أريد به الحضانة فبالحِجر (بالكسر) لا غير. مثل حديث عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه: «كنت في حِجر رسول الله ﷺ»، وكانت هنا في حِجر، يعني في حضانته، لكن إذا أريد الحضن (الثوب) فبالحَجر بالوجهين سواء حِجر أو حَجر، وهنا يقصد بها الحضن.
وفيه الوجه، قال: «فيقرأ القرآن»، النبي ﷺ هنا ذكر مسألتين، وجواز ملابستها، أن أضرار النجاسة لا تؤثر على الطاهر ما دام بدنها طاهرًا، فلو مست يدها نجاسة، إذا لامست جسم الطاهر تنتقل إليه، لكن إذا لم تلمس نجاسة فإن نجاستها فقط متعلقة بمكان الإدبار.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى، وفيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأن قوله «فيقرأ القرآن» إنما يحسن التنصيص عليه إذا كان ثمة ما يوهم منعه، ولو كانت قراءة القرآن للحائض جائزة لكان هذا الوهم منتفيًا، أعني توهم امتناع قراءة القرآن.
ومذهب الشافعي الصحيح امتناع قراءة الحائض القرآن، ومشهور مذهب أصحاب مالك جوازه. أحسنت، هنا ذكر مسألة ثالثة تستنبط من الحديث، تستنبط من الحديث خلافية كما ذكر في نهاية الكلام، يقول: فيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن، إذ الدلالة ليست صريحة، دلالة فيها بُعد، لذلك بينا كيف استفادها.
يقول: لأن قوله «فيقرأ القرآن»؛ فما الفائدة من التنصيص على كونه يقرأ القرآن إلا إذا صار هناك سبب، فلو كانت قراءة الحائض للقرآن جائزة لكان هذا الوهم منتفيًا، الوهم بأنه تقرأ القرآن، فإذا كانت هي تقرأ القرآن، فمن باب أولى الذي يتكئ في حجرها. فلما قالت إن النبي ﷺ كان يتكئ في حجرها ويقرأ القرآن، استنبط منها على أن الحائض لا تقرأ القرآن، استنباط من دلالة الإشارة.
ودلالة الإشارة من أنواع الدلالات المفهومة، كما يعبر عنه: ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق، أو الاستدلال بشيء لم يكن الحديث أتى له، يعني الحديث أتى لبيان أن النبي ﷺ كان يتكئ في حجرها، والقرآن تدل على أن جسم الحائض طاهر، لكن كوننا نأخذ من هذا الحديث أن الحائض تقرأ القرآن، هذه ليست ما سيق الحديث لأجله، لكن استنبطت استنباطًا.
وهنا ذكر الخلاف بين العلماء في قراءة القرآن العظيم من عدمه؛ يقول: مذهب الشافعي الصحيح، ومذهب حنيفة وأحمد رحمه الله، والقول الثاني المالكية، مشهور مذهب مالك جواز قراءة الحائض للقرآن.
الحقيقة، في إكمال المعلم، استدل بهذا الحديث عكس ما في السيرية، على جواز قراءة الحائض للقرآن، فقال: وقد استدل به بعض العلماء على قراءة الحائض للقرآن. وإليه نبه البخاري في كتابه الصحيح، ذكر آثارًا في قراءة الحائض للقرآن الواردة في قراءة الحائض من القرآن.
وأنبه إلى أن الملقن رحمه الله ذكر، لما ذكر كلام من دقيق العيد رحمه الله، ذكر أن صاحب الإكمال عكس ذلك، فاستدل به على أن الحائض تقرأ القرآن، وصاحب الإكمال -وهو المعلم- ذكر أن هذا الحديث يُستدل به على عكس ما ذهب إليه من دقيق العيد، وفقه الله. ذكر أن صاحب الإكمال هو فقيه آخر، والإكمال مخطوط.
ماذا ذكر ابن الملقن؟ ذكر أنه موضع من مراجعه بإكمال المعلم؛ ففي الحديث وجد كلامه هناك، فهو في إكمال المعلم وليس في كتاب إكمال آخر.
رحم الله من ذكر وجه الاستدلال من هذا الحديث على جواز قراءة هذا القرآن؛ فلو كانت الحائض ممتنعة من قراءة القرآن، لما تنزه صلى الله عليه وسلم عن قراءته في محل حامل للحفظ تشريفًا للقرآن، لأن قراءتها في تلك الحالة حالة استكبار.
وقراءته النبي صلى الله عليه وسلم في حجرها، كمن يقرأ في مكان حامل للمستقبل؛ فعائشة أو الحائض إذا قرأت القرآن وهي في حالة استكبار، وحالة الحائض وقراءتها من يتكئ في حجرها، قراءة في مكان حامل للمستقبل في حالة الاستكبار.
وقال: لا فرق بين حالة الاستكبار ومكان الاستكبار في تنزيل القرآن، فكلاهما ينزه عن حالة الاستكبار ومكان الاستكبار. ويقول: كما منعت قراءة القرآن في الحمام والسوق؛ فالحمام مكان استكبار، والسوق حالة استكبار، فكلاهما فيه اللغط.
فالحمام فيه المعتزلات، وفيه مكان كشف العورات، وقد يكون في اختلاطنا على ذلك، فيُنزه هذا المكان عن قراءة القرآن، وكذا السوق إذا كان هناك شغب ولا يجتمع فيه، فإنه لا يقرأ القرآن هناك.
نقف على هذا، وطبعًا قبل أن نختم، هو في حديث «لا تكره الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن»، وهو الذي استدل به الأصحاب رحمهم الله تعالى، لكن هذا الحديث ضعيف لا يثبت مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وحديث عائشة كما قلنا محتمل.
فمن العلماء من يستدل به على منع الحائض من القرآن كما ذكره، ومنهم من يستدل به على جواز قراءة القرآن كما ذكره ابن الملقن رحمه الله تعالى.
بالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان