بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا وعملًا كريمًا، أما بعد.
فهذا هو المجلس السادس والثلاثون مما جالس التعليق على كتاب «إحكام الأحكام شرح بلوغ المرام» للدقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا عند الحديث الأخير من أحاديث باب الحيض، وهو الحديث الأخير أيضًا من أحاديث كتاب الطهارة، حديث معاذة.
نعم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن معاذة قالت: سألت عائشة رضي الله عنها، فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: «أحرورية أنت؟» فقلت: لست بحرورية، ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. معاذة بنت عبد الله العدوية، امرأة صلة بن أشيم البصرية، أخرج لها الشيخان في صحيحهما.
أحسنت. هنا ذكر حديث معاذة العدوية رحمه الله تعالى، وهي من متابعيه، فقيهة، سألت عائشة رضي الله عنها: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ ونتساءل عن العلة. فعائشة رضي الله عنها استغربت سؤالها، وظنت أنها إنما تسأل لأن هذا الأمر لم يرد في القرآن، فاستنكرت من هذا، فقالت: «أحرورية أنت؟» يعني من الخوارج؛ لأن من أصول الخوارج أنهم لا يؤمنون بما زادته السنة على القرآن.
فقالت: لست بحرورية ولكني أسأل. وقد كان يصيبنا ذلك -يعني في عهد النبي ﷺ- فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. وهذا اللفظ بهذا السياق عند مسلم رحمه الله تعالى. وأما لفظ البخاري، قالت: لما سألت معاذة -طبعًا المعاذة في الصحيح قالت إن امرأة سألت عائشة فأبهمتها ولم تسمِّ نفسها وأنها السائلة- سألت عائشة رضي الله عنها: أتجزئ أحدانا صلاتها إذا طهرت من حيضها؟ «تجزئ» بفتح التاء، يعني أتقضي؟ هذا هو الأشهر في ضبطها ومعناها. وضبطت بضم «تجزئ» والهمزة، يعني تكفيها صلاتها إذا طهرت، فلا تقضي مع إصابها، فلا تقضي الصلوات التي مرت بها أثناء الحيض إذا طهرت. فقالت عائشة رضي الله عنها: «قد كنا نحيط مع النبي ﷺ فلا نفعله» أو قالت «فلا نأمر به». فإذاً رواية البخاري مختصرة، وليس فيها تعرض لقضاء الصوم، وإنما فيها السؤال عن قضاء الصلاة. ولذلك قال الحافظ ابن حجر في التلخيص، وجعله عبد الغني في العمدة المقدسي في هذا الكتاب متفقًا عليه، وهو كذلك في الجملة. وكما قلنا لكم السياق لمسلم، إلا أنه ليس في رواية البخاري تعرض لقضاء الصوم.
نعم، أحسنت. قال رحمه الله: «والحرورية ما ينسب إلى حرورة»، وهو موضع بظاهر الكوفة اجتمع فيه أوائل الخوارج، ثم كثر استعماله حتى استعمل في كل خارجي. ومنه قول عائشة لمعاذة: «أحرورية أنت؟» أي خارجية. وإنما قالت ذلك لأن مذهب الخوارج أن الحائض تقضي الصلاة. وإنما ذكرت ذلك أيضًا لأن معاذة أوردت السؤال على غير جهة السؤال المجرد، فصيغتها قد تشعر بتعجب أو إنكار. فقالت لها عائشة رضي الله عنها: «أحرورية أنت؟» فأجابتها بأن قالت: لست بحرورية ولكني أسأل، أي أسأل سؤالًا مجردًا عن الإنكار والتعجب لطلب مجرد العلم بالحكم.
وأجابت عائشة رضي الله عنها بالنص ولم تتعرض للمعنى؛ لأنه أبلغ وأقوى في الردع، وأقطع لمن يعارض، بخلاف المعاني المناسبة، فإنها عرضة للمعارضة. والذي ذكره العلماء في المعنى في ذلك أن الصلاة تتكرر، فأجاب القضاء فيها مما يفضي إلى حرج ومشقة، فعفي عنه، بخلاف الصوم فإنه غير متكرر، فلا يفضي القضاء فيه إلى حرج.
أحسنت. هنا ذكر الحرورية لما قالت عائشة: «أحرورية أنت؟» ما المقصود بحرورة؟ يقول: الحروري بالنسبة إلى حرورة، وهو موضع بظاهر الكوفة اجتمع فيه أوائل الخوارج، يعني مبدأ الخوارج من ذلك المكان. هذا إطلاق الأصل، أنه يطلق على من يسكن حرورة، لكن حرورة منها نبع مذهب الخوارج، ثم توسع فأطلق على كل خارجي: «حروري»، كما في هذا الحديث: «أحرورية أنت؟» أي خارجية.
قال: وإنما قال ذلك بأن مذهب الخوارج أن الحائض تقضي الصلاة، وأيضًا قال بعض الشراح: لأن من المعروف من مذهب الخوارج أنهم يأخذون بالقرآن ويدعون ما بينته السنة أو زادته السنة على القرآن. قال: وإنما ذكر ذلك أيضًا -يعني سبب آخر لقول عائشة لمعاذة: «أحرورية أنت؟'- لأن معاذة كانت صيغتها صيغة التعجب، وإن كان لـ«لماذا تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة» فكأنها تستنكر هذا الأمر، أنكرت عليه. فقالت معاذة: أنا لست كذلك ولكني أسأل، يعني أنا أسأل للاستزادة من العلم لا أريد الإنكار والتعجب.
فعائشة رضي الله عنها اكتفت في الجواب عليها بأن ذكرت النص: «كان يصيبنا ذلك في عهد النبي ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة». فسألتها عن العلة، فأجابتها بالدليل. قال: أجابت عائشة بالنص ولم تتعرض لمعنى ما قالت؛ الفرق بين الصوم والصلاة مثلاً: تتكرر فيها مشقة القضاء، وهذا لا. لماذا اكتفت بالنص؟ لأنه أبلغ وأقوى في الرد عن مذهب الخوارج، وأقطع لمن يعارض، بخلاف المعاني المناسبة؛ يعني لو مثلاً قالت لها: إن الصلاة تتكرر والصوم لا يتكرر كثيرًا، فتقول: طيب أنا أريد أن أقضي، فيشق عليكم، فأقول: أنا ما يشق عليك، أنا أحب الصلاة، فيكون هناك مجال للاعتراض، لكن إذا قالت ذلك أجابت بالنص، راس النص قاطع.
قال: والذي ذكره العلماء الآن، يذكر العلماء من الحكمة في التفريق بين الصوم والصلاة أن الصلاة تتكرر، فأجاب القضاء فيها بمقتضى المشقة. يعني لأن الحيض قد يمتد عند جمع من الفقهاء إلى خمسة عشر يومًا، وبعد خمسة عشر يومًا وقلنا عليك القضاء، والقضاء يكون على الفور، فخمسة عشر يومًا، كل يوم فيه خمس صلوات، خمسة وسبعون صلاة ستقضيها في يوم، وهي عندها خمس صلوات أصلاً ستصليها في هذا اليوم، ثمانون صلاة في يوم، مشقة جدًا. لو قلنا إنها تعيد غالب النساء سبعة أيام، في خمسة وثلاثين يومًا، ستصلي خمسًا وثلاثين صلاة إضافة إلى خمس صلوات التي ستصلي فيها، مشقة شديدة. بخلاف الصوم، الصوم عندها فقط، لو قلنا فقط تقضيها على مدى أحد عشر شهرًا، فليس فيه مشقة، لكن الصلاة في قضائها مشقة؛ لذلك نفينا للحكم المشقة في خلاف الصوم، فلما كان غير متكرر -يعني لا يتكرر كل يوم بل هو شهر في السنة- فلا يفضي القضاء فيه إلى مشقة.
نعم، أحسنت. قال رحمه الله: «وقد اكتفت عائشة رضي الله عنها في الاستدلال على إسقاط القضاء بكونه لم تؤمر به، فيحتمل ذلك وجهين».
أحدهما: أن تكون أخذت إسقاط القضاء بكونه لم يؤمر به من سقوط الأداء، ويكون مجرد سقوط الأداء دليلاً على سقوط القضاء إلا أن يوجد معارض، وهو الأمر بالقضاء كما في الصوم.
الثاني، وهو الأقرب: أن يكون السبب في ذلك أن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم؛ فإن الحيض يتكرر، فلو وجب قضاء الصلاة فيه لوجب بيانه، وحيث لم يبين دل على عدم الوجوب، لا سيما وقد اقترن بذلك قرينة أخرى، وهي الأمر بقضاء الصوم وتخصيص الحكم به. وفي الحديث دليل على ما يقوله أرباب الأصول من أن قول الصحابي: «كنا نؤمر ونُنهى» في حكم مرفوع إلى النبي ﷺ، وإلا لم تقم الحجة به.
من قال اكتفت عائشة في الاستدلال بإسقاط القضاء بكون... كيف استدلت؟ كيف استدلت عائشة بكون النبي ﷺ لم يأمر بقضاء الصلاة على أن الصلاة لا تقضى على الحائض؟ يقول: استدلت بالنص. وجدنا من النص احتمالين:
أما أن تكون أخذت إسقاط القضاء من سقوط الأداء؛ فيكون مجرد سقوط الأداء دليلاً على سقوط القضاء، يقول: ما دام أن الحائض لا تصلي وقت نزول الحيض، إذن لا يجب القضاء؛ لأن الأصل أنه إذا لم يجب الأداء فلا يجب القضاء إلا إذا وجد معارض لهذه القاعدة، كما في الصوم. فالصوم لا يجب فيه الأداء بل لا يجوز فيه الأداء، وإنما يجب القضاء لوجود أدلة أخرى، فالصوم خرج عن القاعدة؛ فإذا وجد معارض للقاعدة فإننا نخرج عنها، فنقول: الأدلة دلت على أن الحائض تقضي الصوم، إذن هذا مستثنى. هذا الاحتمال الأول.
الاحتمال الثاني، وهو أقوى من الأول: أن يكون السبب في ذلك أن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم؛ فإن الحيض يتكرر، فالنساء كثيرات، والحيض يتكرر عادة كل شهر، قد بعض النساء يأتيها في الشهرين أو ثلاثة أشهر، المهم أنه يتكرر على مجموعة النساء. ومع ذلك، فالحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم الذي يمس أعظم ركن عملي من أركان الإسلام وهو الصلاة، فلما سكت عن الأمر بالقضاء فيه دل على أنه لا يجب، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. فلما سكت عن الأمر به دل على أنه لا يجب.
قال: لا سيما قد اقترن بالأكثر؛ فلما كانت الحائض لا تصلي ولا تصوم، وجاءها أمر بقضاء الصوم وسكت عن قضاء الصلاة، إذن هذا دليل على أنه لا يجب عليها قضاء الصلاة.
يقول: في الحديث دليل لما يقوله الأصوليون من أن قول الصحابي: «كنا نؤمر» في حكم مرفوع إلى النبي ﷺ؛ إن عائشة هنا قالت: «كان يصيبنا ذلك، نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة»، فنؤمر بقضاء الصوم يعني الأمر من النبي ﷺ، ولا نؤمر بقضاء الصلاة الأمر من النبي ﷺ، فيكون هذا مرفوعاً حكماً؛ لأن الأمر إذا قال الصحابي: «كنا نؤمر» أو «أُمِرنا» ونحو ذلك، يكون هذا من المرفوع حكماً إلى النبي ﷺ.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان