السلام عليكم. قال رحمه الله: باب المواقيت.
الحديث الأول: «أنا أبو عمرو الشيباني، واسمه سعد بن إياس، قال حدثني صاحبه ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قال: حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدت لزادني».
ابن مسعود رضي الله عنه، يُعرف بأبي عبد الرحمن، توفي بالمدينة سنة 32، وصلى عليه الزبير، وتوفي بالبقيع، وكان له عند موته نيف وستون سنة، وفي بعض النسخ أنها سبعون، قال أصحاب المثبت. ومن أكابر الصحابة وفقهائهم، رضي الله تعالى عنه.
انتقل المؤلف رحمه الله تعالى بعد أن أنهى كتاب الطهارة إلى كتاب الصلاة، وهذا دأب المؤلفين في أحاديث الأحكام، أنهم يبدأون بالطهارة ومسائلها ثم ينتقلون إلى الصلاة، وإنما بدأوا بالطهارة لأنها مقدمة للصلاة، وهي من أركان الإسلام العملية الأربعة، ثم الزكاة، ثم الحج مقدمة إليه. ومن العلماء من يبدأ بالصلاة ويدرج الطهارة فيها، لكن العلماء يقدمون الطهارة وإن كانت من شروط الصلاة لكثرة أحكامها وتفرعها.
وبدأ في أحكام الصلاة بالمواقيت، والمواقيت هي من شروط الصلاة، لكن أفردها بالذكر لأهميتها، وأيضًا ظهرت من الشروط بقسميها: الطهارة من الحدث، ومواقيت الصلاة، فدخول الوقت أيضًا من شروط الصلاة.
ذكر الراوي عن عبد الله بن مسعود، وهو أبو عمرو الشيباني، واسمه سعد، وهو خضرمي، أدرك الجاهلية وعاش عمرًا طويلًا، عاش مئة وعشرين عامًا. أدرك النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يصدق عليه وصف الصحبة. وكان يقرأ القرآن في المسجد الأعظم في الكوفة، وممن قرأ عليه عاصم بن بهدلة الكوفي، الذي نقرأ بقراءته، وهو أحد القراء السبعة.
قال: حدثني صاحب هذه الدار، قال حدثني عبد الله بن مسعود، قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم: «أي العمل أحب إلى الله؟» قال: «الصلاة على وقتها»، قلت: «ثم أي؟» قال: «بر الوالدين»، قلت: «ثم أي؟» قال: «الجهاد في سبيل الله». قال: «حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدت لزادني».
وفي قوله: «ثم أي؟»، هل تُنطق بالتنوين أو بالضم بدون تنوين، أو يوقف عليها بالسكون؟ ذكر أنه ينبغي أو يتعين ألا يُنون، لأنه موقوف عليه في كلام السائل، وينتظر الجواب من النبي صلى الله عليه وسلم، والتنوين لا يوقف عليه إجماعًا، فيُوقف بالسكون. وذكر أنه رأى كثيرًا من المحدثين ينونونه ويصلونه بما بعده، وذكرنا هذا خطأ؛ أي إن سمعت جملة من المحدثين يقولونه بالتنوين والوصل، فهذا خطأ، فيوقف عليه بالسكون ولا يوصل بما بعده، فينبغي أن يقف عليه وقفة لطيفة ثم يأتي بما بعده.
هذا الكلام ذكره ابن الجوزي في كشف المشكلة، وهو حديث صحيح، نقل عن ابن الخشاب النحوي أنه ينون «ثم أي»، لماذا؟ يقول لأنه معرف غير مضاف. ونبه على هذا الزركشي في النكت، لكنه لم يرتضِ قول ابن الخشاب، قال: وهو ممنوع لأنه مضاف تقديرًا، والمضاف إليه محذوف بوقوعه في الاستفهام والتكرير. أي: «أي العمل أفضل؟»، فإن لم يوجد المضاف إليه فهو مقدر.
وقف الزركشي بينهم، فقال: الأولى أن يقف عليه بالسكون. وكلام ابن الخشاب محمول على ما إذا وصلته بما بعده؛ أي إما أن تقف عليه بالسكون، أو تصله بما بعده وتنونه، لأنه معرب غير مبني وغير مضاف.
قال: عبد الله بن مسعود بن الحارث، وعندنا في النسخة «ابن الحر»، وهذه سبق أن نبهنا عليها في بعض النسخ الخطية، أنهم لا يثبتون في بعض الكلمات الألف الممدودة، مثل هنا يكتبونها «الحر» وهي تنطق «الحارث»، فنجد بعض المحققين يثبتها، والأولى أن تُثبت كما تُثبت في الرسم الإملائي، وينبه في الحاشية أنها تُنطق أو تُكتب هكذا.
أبا عبد الرحمن، في شرح ابن العطار، ساق نسبًا لعبد الله بن مسعود: يقول عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ، وليس فيه لُبس. ويُعرف بابن أم عبد، وهذا اسم أمه، وهي أم عبد بنت عبده، صحابية مهاجرة رضي الله تعالى عنها. توفي بالمدينة سنة 32 وقيل سنة 33، وصلى عليه الزبير رضي الله تعالى عنه، وقيل إن ابن مسعود أوصى، فكان الذي صلى عليه عثمان، وقيل صلى عليه عمار، والله أعلم. دُفن بالبقيع، وكان من أكابر الصحابة وفقهائهم رضي الله تعالى عنه.
وممن أعطاه الله علمًا في التفسير، حتى قال: «لو أعلم أن أحدًا أعلم بكتاب الله مني، كان يُؤتيه»، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل، فليقرأ بقراءة ابن أم عبد». وأيضًا قال: «خذوا القرآن من أربعة»، وذكر منهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وفضائله ومزاياه كثيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكان من فقهاء الصحابة، ورحل إلى الكوفة واستوطنها، وكان له تلاميذ في الكوفة، وتلقى تلاميذُه تلاميذَ آخرين، وممن تأثر بفقهه الأئمة الأربعة، أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فمدرسة ابن مسعود في الكوفة أخذ عنها شيع من التابعين، وتسلل العلم إلى أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى.
وابن مسعود ليس من العبادله؛ فإذا قيل العبادله فلا يُعدون ابن مسعود منهم وإن كان فقيهاً فيهم، لكن قالوا لتقدم وفاته إنهم لا يعدون عمرًا وابن عباس وابن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص، أما ابن مسعود لأنهم لا يعدونه لتقدم إسلامه رضي الله تعالى عنه.
قال رحمه الله: وقوله «حدثني صاحب هذه الدار»، دليل على أن الإشارة يكتفى بها عن التصريح بالاسم، وتنزل منزلة الاسم إذا كانت معينة للمشار إليه وميزته عن غيره.
حدثني صاحب هذه الدار. في بعض الروايات يقصد التي عندنا "حدثنا"، ويقول الدليل على أن الإشارة يكتفى بها عن التسبيح بالاسم وتنزله منزلته؛ متى ذكر لك القيد إذا كانت معينة للمشار إليه مميزة له.
خلاص نعرف قلنا إن هذا الذي حدثنا، والتي نراها وهو ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، ولذلك بعضهم ذكر أن الإشارة أقوى من العَلَم في التعريف، نقول لو قلت هذا أقوى من أن تقول محمد؛ لأن محمد قد ينبه بغيره، يمكن يقول جاء هذا وأشرت إليه ونظره من عندك، فإنه يكون أقوى في التعريف. ولذلك مما يدل على كون الإشارة تقوم مقام التعيين ما ذكره الأصحاب رحمه الله تعالى أنه إذا قال: "زوجتك ابنتي هذه".
والسؤال عن أفضل الأعمال طلباً لمعرفة ما ينبغي تقديمه منها، وحرصاً على معرفة الأفضل ليتأكد القصد إليه وتشتد المحافظة عليه. والأعمال ها هنا لعلها محموله على الأعمال البدنية، كما قال الفقهاء: "أفضل عبادات البدن الصلاة"، واحترزوا بذلك عن عبادات المال.
قد تقدم لنا كلام في العمل، هل يتناول عمل القلب أم لا؟ فإذا جعلناه مخصوصاً بأعمال البدن تبين من هذا الحديث أنه لم يرد عمل القلب؛ فإن في عمل القلوب ما هو أفضل كالإيمان، وقد ورد في بعض الأحاديث ذكره مصرحاً به، أعني الإيمان. فتبين بذلك الحديث أنه أريد بالأعمال ما يدخل فيه عام أعمال القلوب، وأريد بها في هذا الحديث ما يختص بعمل الجوارح.
هنا يقول سؤاله عن نقل الأعمال، الآن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه سأل النبي ﷺ عن الأعمال، هل سأل لمجرد المعرفة؟ لا، ليعرف وليعمل؛ قال: "لمعرفة ما ينبغي تقديمه منها وحرصاً على معرفة الأفضل"، إتماماً لمعرفة الأفضل؛ لماذا؟ ليتأكد القصد إليه وتشتد المحافظة عليه، فهو يسأل ليعلم ويعمل.
وهذا هو الذي ينبغي على طالب العلم إذا عرف الفضائل أن يبادر إليها. ومما يؤسف له أن بعض طلاب العلم يعرف أن هذا الأمر فيه فضل ويتركه، لماذا؟ لأنه سنة ليس بواجب. ما فائدة العلم إذا كان كذلك؟ الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يسألونه عن الأفضل ليعملوا به، وأنت إذا كنت تعرف الأفضل وتتركه بزعم أنه ليس بواجب.
إذا تركه أحياناً، مثلاً حصل أو عارض، ومع ذلك ما في إشكال، لكن الإشكال في تركه دائماً؛ فينشأ طالب العلم على أنه لا يأتي إلا بالواجبات ولا يدع إلا المحرمات. ما فائدة العلم الذي يأخذه إذا كان لا يؤثر فيه المسارعة إلى الخيرات؟
الأعمال هنا، الآن قال: "أي الأعمال"، المراد بالأعمال هنا يقول: لعلها محموله على الأعمال البدنية. الآن سيذكر لك لماذا، فيقول: ومنهم من قدم النفقة، ومنهم من ذكر أن الصلاة أفضل العبادات البدنية، والصدقة عبادة المال. فأحياناً يطلقون العمل ويقصدون به شيئاً مخصوصاً.
قال: وقد تقدم لنا كلام في العمل في أول حديث عمر "إنما الأعمال بالنيات"، تقدم الكلام هل يتناول العمل عمل القلب أو هو خاص بعمل البدن؟ طيب لماذا هنا حمله الآن على أعمال البدن وليس شاملاً لأعمال القلب؟ لأنه من العام الذي أريد به الخصوص. يقول: هذا في كلام الفقهاء، فيكون أفضل العبادات الصلاة ويريدون بها عبادات البدن.
ويقول لك مما يدل على أن المراد بها أعمال البدن أن الأعمال القلب هي الإيمان، والإيمان أفضل؛ لأن الصلاة لا تقبل دون إيمان، فكل شخص كافراً لا يقبل منه أي عمل. يقول: وقد جاء ذلك مصرحاً به في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ لو قلنا إن العمل هنا شامل بأعمال القلوب، فكيف تفضل الصلاة على الإيمان؟ فيقول: فتبين بذلك أن المراد هناك في حديث أبي هريرة الأعمال بعمومها، أي أعمال القلب، والمراد بالأعمال هنا في حديث ابن مسعود الأعمال البدنية. والكلام كثير عند الفقهاء رحمه الله تعالى والشراح في ما المراد بالعمل هنا، وسياتي الكلام بعد قليل في الجانب بين أحاديث فضائل الأعمال.
نعم، أحسن الله لكم. قال رحمه الله: وقوله «الصلاة على وقتها» ليس فيه ما يقتضي أول الوقت وآخره، وكان المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت خارج الوقت في القضاء، وأنها لا تتنزل هذه المنزلة. فقد ورد في حديث آخر «الصلاة لوقتها» وهو أقرب؛ لأن استدل به على تقديم الصلاة في أول الوقت من هذا اللفظ.
هنا قوله «الصلاة على وقتها»، ما المراد بها؟ هنا من دقيق رحمه الله تعالى يقول: هذه ترى ليس فيها ما يقتضي أول الوقت وآخره، هذه فقط يقول لك الصلاة في الوقت، في أي جزء من الوقت، المهم أنك لا تأخذ بها عن الوقت. لذلك يقول: كان المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت خارج الوقت. فالمراد الصلاة على وقتها، يعني في وقتها سواء كانت أول الوقت أو وسطه أو آخره، فيقصد بها الاحتراز عن الصلاة خارج الوقت فإنها لا تتنزل هذه المنزلة.
لكن هذا الاستدلال فيه إشكال؛ لماذا؟ لأن الحديث جاء في سياق الأفضل، جاء في سياق الأفضل من الأعمال. إذا قلنا الصلاة على وقتها، أول الوقت أو وسطه أو آخره، فكل هذه معروف أنها أفضل من خارج الوقت، وهو يريد الأكمل؛ فمعلوم أنه أول الوقت أفضل من التأخير. طبعاً التفصيل المذكور في الكتب كونه أول الوقت هو أولى، لأن السؤال كان عن الأفضل.
ويرجح ذلك ويقويه الروايات الأخرى: "الصلاة لأول وقتها"، وهذه الرواية جاءت عند الترمذي، وأبو داود من حديث أم فروة أخت أبي بكر الصديق، وأبو داود سكت عنه فعلى قاعدته أنه حسن عنده، وأما الترمذي فقد قال إنه لا يعرف إلا من حديث عبد الله بن عمر العمري وليس بالقوي، وأيضاً الاضطراب في هذا الحديث. والنووي رحمه الله في شرحه أطلق أن هذه الرواية ضعيفة، كأنه لم يرتضِ ذلك، ويوجد طرق أخرى تقويه.
وعلى كل، فالروايات المفسرة يتسامح فيها، وسيستدل العلماء بتفسير ما جاء الإجمال الذي جاء في الحديث الصحيح بالروايات التي قد تقل عنها في الصحة أو في الحسن، وهذا نبه عليه.
نبدأ، نقيم رحمه الله في المنار المنيف، وذكر الملقن رحمه الله أن حمل الحديث على الاحتراز من أوقاعات خارجة كما ذكره هنا في نظره، قال لأنه محرم. لا يقال الصلاة على وقتها أفضل، فصلاة خارج وقتها ليس فيها فضيلة بل فيها محرم، ويقول: ممكن أن نستدل بهذه الرواية على التقديم؛ كيف؟ "على" للاستعلاء، فالمراد إقامته.
على أول الوقت، لأنه إذا أوقعه هو الوقت فإنه كانت صلاته عالية على الوقت كله، لكن إذا أوقعه وسط الوقت وآخره، فإن جزءًا من الوقت لم تكن الصلاة عالية عليه.
يقول ابن القيم رحمه الله هنا، وقد ورد في حديث آخر: «الصلاة بوقتها»، وهو أقرب. يقول: يمكن أن نستدل على فضيلة الصلاة أول وقتها من الرواية الأخرى: «الصلاة لوقتها»، فيقول: هذه أقرب. تقديم الصلاة في أول وقت من جوات الصلاة على وقتها، طبعًا الصلاة في وقتها هي ليست، في نفس هذا الحديث: «الصلاة في وقتها»، فهي تدل على تقديم الصلاة أول وقت، لأن اللام للاستقبال، مثل: ﴿فَتَلَاقُوهُنَّ﴾ لعدة مستقبلات، وهذه الصلاة صلوها مستقبلين الوقت، وإذا صلوا أول الوقت فإنهم يعتبرون صلوا مستقبلين الوقت كله.
قال رحمه الله: وقد اختلفت الأحاديث بفضائل الأعمال وتقديم بعضها على بعض، والذي قيل في هذا إنها أجوبة مخصوصة لسائل مخصوص، أو من هو في مثل حاله، أو هي مخصوصة ببعض الأحوال التي ترشد القرائن إلى أنها المراد. ومثال ذلك أن يُحمل ما ورد عن النبي ﷺ من قوله: «ألا أخبركم بأفضل أعمالكم؟»، فأزكاها عند مليكم وأرفعها في درجاتكم، وفسره بذكر الله تعالى، على أن يكون ذلك أفضل الأعمال بالنسبة إلى المخاطبين بذلك، وإنما هو من هو في مثل حالهم.
ولو خُطب بذلك الشجاع الباسل المتاهل للنفع الأكبر في القتال، لقيل له: الجهاد. ولو خُطب بمن لا يقوم مقام هذا في القتال، ولا يتمحض حاله للصلاحية والتبتل، وكان غنيًا ينتفع بصدقة ماله، لقيل له: الصدقة. وهكذا في بقية أحوال الناس، قد يكون الأفضل في حق هذا مخالفًا للأفضل في حق ذلك، بحسب ترجيح المصلحة التي تليق به.
أحسنتم. هنا يذكر أنه وردت أحاديث متعددة في بيان أكثر الأعمال، فهنا في حديث ابن مسعود: الصلاة في وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله. وفي حديث ابن أبي هريرة: الأعمال، الإيمان بالله ورسوله، ثم في سبيل الله، ثم حج مبرور. وفي حديث آخر: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وفي حديث: «الإسلام خير من الطعام وتكثره». الأحاديث مختلفة ومتنوعة في بيان أفضل الأعمال، فهل نقول إنها متعارضة؟ وكيف؟
طبعًا لا يمكن أن يكون هناك نصان صحيحان صريحان وبينهما تعارض، لأن التعارض الحقيقي إنما يقع ممن لا يدركان الكلام، أما ما ورد في الكتاب وفي السنة فهو واقع من الله عز وجل ومن نبيه ﷺ، وذلك كله وحي.
فبالفعل ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى حمل اختلاف الأحاديث على اختلاف أحوال السائلين، وهي ثلاثة أحوال للسائلين، وضرب لذلك مثالًا. يقول الآن في قوله ﷺ: «ألا أخبركم بأفضل أعمالكم وأزكاها عند مليكم وأرفعها في درجاتكم؟»، فيضرب لهم، قالوا: ذكر الله. فنقول: ذكر الله أفضل، أو نقول: الصلاة في وقتها أفضل، أو نقول: بر الوالدين أفضل من الذكر، وهكذا.
يقول: هذه تُحمل على أحوال مخصوصة، فنقول هناك أناس ليسوا شجعانًا، ولا حكامًا، ولا يصبرون على الصيام، ولا عندهم مال كثير أو أن عليهم التزامات إلى آخره، فهذا نقول له: الأفضل لك الذكر. وشخص آخر شجاع، إذا أردت أن تصوم يصعب عليه، فقل له: تصدق. ومن ليس عنده مال يتصدق به، فهل نقول له: الجهاد؟ شخص آخر لا يستطيع، لكنه يستطيع أن يثبت في أمور الخير ولا عنده إشكال، فهذا نقول له: الأفضل لك الصدقة. وهكذا فالأفضل لكل شخص ما يناسبه وتصلح حاله معه.
ولذلك ما يتكلم به الفقهاء رحمهم الله تعالى من المفاضلة بين أعمال التطوعات إنما هو على سبيل العموم، يعني منهم من فضل الصلاة، ومنهم من فضل العلم، ومنهم من فضل الجهاد إلى آخره، هذا على سبيل العموم. لكن إذا أردنا أن ننزلها على الأفراد، فهناك فرد يقول لنا الأفضل هو كذا، فمثلاً هو يثقل عليه أن يزيد على الفريضة، لكن في أمور الصدقة ينفق، يده سحاب، يده سحاب منفقة، فهذا نقول هو الأفضل له الصلاة، لكن في حاله كانت خاصة، إذا كانت في مسقطه، في حاله الأفضل لك الصدقة، وهكذا. وهذا من كمال الشريعة أنها راعت أحوال المكلفين، وجعلت بإمكان الشخص يرتقي إلى درجات في نيته وبذله، الذي لا يكلفه فوق طاقته.
وأما بر الوالدين، فقد قُدم في هذا الحديث على الجهاد، وهو دليل على تعظيمه. ولا شك في أن إذاءهما بغير ما يجب ممنوع منه. وأما ما يجب من البر، ففي ضبطه إشكال كثير. هنا نتكلم عن بر الوالدين، هذه المرتبة الثانية في الفضيلة بعد تقديم الصلاة أول وقت. يقول: يقدم في هذا الحديث على الجهاد وهو دليل على تعظيمه؛ وذلك لما جاء رجل إلى النبي ﷺ في الجهاد معه، وكان النبي ﷺ أحيانًا يقول: «نعم»، قال: ففيهما فجاهد، فجعل الوالدين مقدمين على الجهاد، بل إن الفقراء لا يخرجون إلى الجهاد الذي لم يتعين إلا إذا استأذن والديه.
قالوا: هذا الدليل على تعظيمه، ومن تعظيمه أنه قرن بالتوحيد: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: 36]. ثم ذكر ما الضابط في بر الوالدين وفي عقوقهم. يقول: فيه جزئيتان نحن متفقون عليهما، والجزئية الأخرى تُفهم من كلامي. قال: ولا شك في أن إذاءهما بغير ما يجب ممنوع منه، فأي إيصال للأذية إلى الوالدين في غير الواجبات ممنوع منه، كما لو كان مثلاً والده نائمًا وهو يزعجه بأصواته، فهنا نقول هذا لا يجوز. والثانية التي تُفهم من هذا: إيذاؤهما بالواجب، فهذا غير ممنوع، كأن يجد والده نائمًا وقد أذن لصلاة الفجر فيوقظه، فيقول الأب: أتبتني بإيقاظك؟ فهنا نقول إن هذا ليس من الحقوق لأن هذا وسيلة بالواجب.
هاتان النقطتان المتفق عليهما عندنا، أما الباقي، فيقول: أما ما يجب فيه البر، ففيه إشكال كبير؛ ما الذي نقول منه إنه واجب ومن الذي نقول له مستحب؟ يقول في ضبطه إشكال كبير، ولعل عدم ضبطه أثر في الأمة وفيه سعة على اختلاف أحوال الناس فيما يرتاحون إليه من البر وما يحتاجونه من الإحسان إليهم. فتجد مثلاً بعض الآباء يحتاج أن أولاده يزورونه كل يوم، وبعض الآباء لا يحتاج ذلك، يحتاجهم بالأسبوع مرة أو مرتين ونحو ذلك. فهنا نقول الأولون إذا قصروا في الزيارة اليومية فمنهم عقوق، لكن الآخرين إذا لم يزوروا كل يوم فليس منهم عقوق، لأن الأب لا يحتاج إليهم يوميًا. فلذلك نقول الواجب على الابن من البر هو الإحسان، وهذا يختلف، ما الواجب منه هذا يختلف.
باختلاف الأحوال والأشخاص والأثمان والأمثلة. ويقول ابن العطار رحمه الله: «والجهاد ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية، فالعين مقدم على حق الوالدين، والكفاية لا يجوز إلا بإذنهما».
لقد ذكرنا معكم في كتاب الجهاد أنه فرض كفاية، ويتعين في مواضع؛ إذا حاصرهم العدو، أو استنصرهم أهل بلد المسلمين، أو عينه الإمام، فهنا يكون واجبًا عينيًا. فإذا كان واجب العين لا يحتاج إذن الوالدين فهو مقدم عليه، لكن إذا كان واجب كفاية فيحتاج إذن الوالدين. يقول: «والكفاية لا يجوز إلا بإذنهما إذا تعذرت مصالحهم الواجبة به».
قال: «وكل حق معين كفاية كذلك حكم بالنسبة إليهم». يعني إذا وجدت مسائل قد تكون واجبة عينية وقد تكون واجبًا كفاية، فهنا أيهما الذي يقدم على بر الوالدين؟ إذا كان هذا الواجب عينيًا فإنه يقدم على بر الوالدين، وإذا كان واجبًا كفاية فإن بر الوالدين يقدم عليه.
قال رحمه الله: «وأما الجهاد في سبيل الله تعالى فمرتبته في الدين عظيمة، والقياس يقتضي أنه أفضل من سائر الأعمال التي هي وسائل». فإن العبادات على قسمين: منها ما هو مقصود لنفسه، ومنها ما هو وسيلة إلى غيره، وفضيلة الوسيلة بحسب فضيلة المتوسل إليه، فحيث تعظم فضيلة المتوسل إليه تعظم فضيلة الوسيلة.
ولما كان الجهاد في سبيل الله وسيلة إلى إعلان الإيمان ونشره، وإخماد الكفر ودحضه، كانت فضيلة الجهاد بحسب فضيلة ذلك، والله أعلم. أحسنت، هذه المرتبة الثالثة من الأعمال، وهي الجهاد في سبيل الله، المقاتل الكفاري لإعلاء كلمة الله.
يقول: «مرتبته في الدين عظيمة، والقياس يقتضي أنه أفضل من سائر الأعمال التي هي وسائل». فعندنا في العبادات شيء وسيلة وشيء مقصود لنفسه، فيكون أفضل الأعمال التي تتوصل بها إلى الغاية هو الجهاد في سبيل الله. وبهذا كان المعتمد عند علمائنا الحنابلة رحمه الله تعالى أن الجهاد أفضل تطوعات البدن، أطلقه الإمام أحمد رحمه الله والأصحاب كما في الفروع، والنفقة فيه أفضل.
قال: «العبادات على قسمين؛ لأنه منها ما هو مقصود لنفسه، ومنها ما هو وسيلة إلى غيره». يعني مثل الجهاد هو وسيلة إلى إعلاء كلمة الله. فإذا كانت كلمة الله عز وجل منتشرة، شاهدوا لماذا؛ لأن الله عز وجل لا يريد منا بقصد الأول أن نصلح أنفسنا فقط، ﴿مَا فَعَلَ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شڪَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾، لكن الله عز وجل أراد منا أن ننشر الدين، فإذا انكسر الدين هنا انتفت المصلحة التي من أجلها الجهاد.
قال: «وفضيلة الوسيلة بحسب فضيلة المتوسل إليه، بحيث تعظم رؤية المتوسل إليه تعظم فضيلة الوسيلة». طيب، الجهاد وسيلة إلى ماذا؟ قال: «الجهاد وسيلة إلى إعلان الإيمان ونشره، وإخماد الكفر». ولما كانت المتوسل إليهم في المقام الأعلى، كانت الوسيلة من الجهاد في المقام الأعلى، فكانت فضيلة الجهاد بحسب فضيلة ذلك.
ومن الجهاد الآن: الجهاد بالعلم. سنجاهد الكفار بعلمنا الذي تعلمناه، مجاهدتهم بأن نبين لهم ونوضح لهم شعائر الدين، ونوضح لهم ما شرع الله عز وجل، وهذا هو الغاية والوسيلة، إذ هي طلب العلم. وطلب العلم الله عز وجل أمر به في سياق الجهاد في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].
فالله عز وجل سوى بين طائفة من المجاهدين وبين طائفة من طلاب العلم، وهذا يدل على فضيلة طلب العلم وأنه من الجهاد في سبيل الله. فالجهاد جهاد باللسان وتبليغ العلم، وجهاد بالسنان وهو الجهاد في سبيل الله بمقاتلة الكفار. ونقف على هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان