بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد، فهذا هو المجلس من مجالس التعليق على أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. كنا قد توقفنا على الحديث الثاني من أحاديث باب الإمامة.
نعم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولجميع الحاضرين ولجميع المؤمنين. قال رحمه الله تعالى: الحديث الثاني: وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه؛ فاذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون». وما في معناه، وهو الحديث الثالث: عن عائشة رضي الله عنها قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاكٍ، وصلى جالسا، وصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون».
فهذان الحديثان -حديث أبي هريرة وحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما ورضي الله تعالى عنهم- في علاقة صلاة المأموم بصلاة الإمام، وأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام، وأن عليه أن يأتي بأفعال الإمام بأفعال الصلاة بعد الإمام، وهذا من تمام الائتمام به، وانه إذا خالف أفعال الإمام فإنه يقع في المخالفة المنهي عنها في قوله: «فلا تختلفوا عليه».
نعم، أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى: الكلام على حديث أبي هريرة من وجوه؛ الأول: اختلفوا في جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، فمنعها مالك وأبو حنيفة وغيرهما، واستدل لهم بهذا الحديث، وجعل اختلاف النيات داخلا تحت قوله: «فلا تختلفوا عليه»، وأجاز ذلك الشافعي رحمه الله وغيره، والحديث محمول في هذا المذهب على الاختلاف في الأفعال الظاهرة.
أحسنت، هنا هل قال الكلام فيجو الأول مسألة صلاه المفترض خلف المتنفل، فهل هي ممنوعه أو لا؟ يعني أن قوله صلى الله عليه وسلم: «فلا تختلفوا عليه» هل هو في الأفعال والأقوال أو حتى في النيات؟ خلاف بين أهل العلم؛ فمن أهل العلم رحمهم الله تعالى من قال إن الاختلاف المنهي عنه داخل حتى في النيات، فلا تختلف عليه في النية، إذا كان الإمام يصلي فريضة فلا بد أن تصلي فريضة خلفه، وإذا كان يصلي فريضة الظهر مثلا فتصلي فريضة الظهر خلفه ولا تصلي العصر أو العكس، وهكذا، وهذا قول أكثر أهل العلم. قال: فمنع مالك وأبو حنيفة، وهو قول الإمام أحمد في المشهور عنه، واستدل لهم بهذا الحديث؛ لأن فيه «فلا تختلفوا عليه»، قال: وجعل اختلاف النيات داخلا تحت قوله «فلا تختلفوا عليه»، يعني أن فلا تختلف عليه يشمل الأقوال والأفعال والنيات. والقول الثاني: جواز ذلك، وهذا قول الشافعي ورواية عند الحنابله رحمهم الله تعالى. طيب، ما جوابهم عن حديث «فلا تختلفوا عليه»؟ قالوا: «فلا تختلفوا عليه» محمول على الاختلاف في الأفعال الظاهرة، أما النيات فإنه لما كانت خفية فإنه لا يعلم بها، فلا يكون هناك اختلاف منهي عنه. واستدلوا أيضا، من أجاز استدل بفعل معاذ؛ معاذ رضي الله تعالى عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم، فصلاته الأولى فريضة، وصلاته بقومه تعتبر له نافلة ولهم فريضة، فهنا اختلفت النية، فصلى المفترض خلف المتنفل، فاستدلوا به.
لكن أهل القول الأول يجيبون عن حديث معاذ بأجوبة؛ منها ما أجاب به بعضهم وذكره المازري والقاضي عياض وغيرهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم به، ولو علم به لما أقره. لكن جاء في بعض الروايات -وهذا ذكره المازري أيضا والقاضي عياض- أن رجلا شكا معاذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: إنه يصلي خلفك ثم يأتي فيصلي بنا، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم به. وأجيب جواب آخر، وهو أنه يحتمل أنه كان يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم وينوي التنفل، ويصلي بقومه وينوي بهم الفريضة، وهذا ذكره المازري أيضا. وذكر الطحاوي أن هذا محمول على أول الإسلام، وكان جائزا أن يصلي الشخص الفريضة مرتين، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وذكر بعض العلماء أن ذلك كان في أول الإسلام، يعني جواز صلاة المفترض خلف المتنفل لقله القراء، فلم يكن للقوم عوض عن معاذ، ولم يكن لمعاذ عوض عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هؤلاء ذهبوا إلى أن هذا منسوخ، أن هذا منسوخ. فهذه أجوبة العلماء رحمهم الله تعالى عن حديث معاذ، على كل حال المؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذه المساله في هذا الحديث بناء على لفظة «فلا تختلفوا عليه»؛ هل هي شاملة للنيات أو فقط في الأفعال الظاهرة؟
نعم، أحسن الله إليك، قال رحمه الله تعالى: الثاني: الفاء في قوله: «فإذا ركع فاركعوا» إلى آخره تدل على أن أفعال المأموم تكون بعد أفعال الإمام؛ لأن الفاء تقتضي التعقيب، وقد مضى الكلام في المنع من السبق، وقال الفقهاء: المساواة في هذه الأشياء مكروهة.
نعم، أحسن الله إليك، فإذا ركع فاركعوا جاء بلفظه الفاء، وهي تدل على التعقيب، فتدل على أن أفعال المأموم تكون بعد أفعال الإمام؛ لأن الفاء تقتضي التعقيب. النبي صلى الله عليه وسلم مثل بالتكبير والركوع والتسميع والسجود والجلوس، فنبه بالتكبير والتسبيح على القولية، ونبه بالركوع والرفع على الفعلية. لكن تعقب بعضهم هذا الاستدلال، وقال إن الفاء هنا ليست الفاء العاطفة التي تدل على التعقيب، الفاء هذه هي التي تقع في جواب الشرط، في جواب الشرط فليست دالة على التعقيب يعني من نفسها، لكن نقول إنها تدل على الترتيب، أنها تدل على الترتيب، لماذا؟ لان جواب الشرط يقع بعد فعله، فهي من هذا الباب تدل على الترتيب. والأصح أنها ليست هي الفاء العاطفة التي تدل على التعقيب. قال: وقد مضى الكلام في السبق في الحديث السابق، وقال الفقهاء: المساواة في هذه الأشياء مكروهة. يعني عندنا المتابعة هذه هي المشروعة، أن يأتي بأفعال الصلاة بعد الإمام، وعندنا السبق هذا محرم، وعندنا الموافقة هذه مكروهة، موافقة مكروهه لأن فيها مخالفة للحديث، لو ركع مع إمامه أو رفع مع إمامه فهي مكروهة لأنها مخالفة لما جاء في هذا الحديث، وعندنا أمر رابع وهو التخلف، يعني ألا يأتي بالفعال بالفعل بعد الإمام مباشرة، لكن يتخلف عنه وقتا، ويختلف التخلف إذا كان بركن فإنه يعني يكون غير مشروع، وإذا كان ركنين فإنه قد يؤدي إلى بطلان الصلاة. والمساواة في هذه الأشياء مكروهة، يستثنى المساواة في تكبيره الإحرام فإنها لا تنعقد معها الصلاة، لو كبر مع إمامه لا تنعقد مع الصلاة. والموافقة في التأمين مستحبة، إذا أمن الإمام فآمنوا، والمراد إذا شرع في التأمين فآمنوا.
نعم، أحسن الله إليك، قال رحمه الله تعالى: الثالث: قوله: «وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد»، يستدل به من يقول إن التسميع مختص بالامام، وأن قوله «ربنا ولك الحمد» مختص بالمأموم، وهو اختيار مالك رحمه الله.
أحسنت، هنا قوله: «وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد»، العلماء مختلفون؛ هل المأموم يقول سمع الله لمن حمده أو لا؟ هذا الحديث يفهم منه أن المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده، وإنما يقول مباشرة «ربنا ولك الحمد»، بدليل أنه قال: «وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا»، ولم يقل فقولوا سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، إنما قال فقولوا «ربنا ولك الحمد»، فهذا دليل على أن المأموم لا يأتي بالتسميع، وإنما يأتي بالتحميد. قالوا: هذا اختيار مالك، واختيار أبي حنيفة وأحمد رحمهم الله تعالى. والشافعي رحمه الله يرى أنه يجمع بينهما، فيقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ويستدل بعموم «صلوا كما رأيتموني أصلي»، والنبي صلى الله عليه وسلم يجمع بينهما. لكن يجاب بأن هذا الحديث مخصص، مخصص بامور ومنها هذا، والأفعال لا عموم لها.
نعم، أحسن الله إليه، قال رحمه الله تعالى: الرابع: اختلفوا في اثبات الواو واسقاطها من قوله «ولك الحمد» بحسب اختلاف الروايات، وهذا اختلاف في الاختيار لا في الجواز، وكان إثبات الواو دلا على زيادة معنى؛ لأنه يكون على زيادة معنى؛ لأنه يكون التقدير: ربنا استجب أو ما قرب بذلك ولك الحمد، فيكون الكلام مشتملا على معنى الدعاء ومعنى الخبر، واذا قيل باسقاط الواو دل على أحد هذين.
أحسنت، يعني يقول إن قول ربنا ولك الحمد جاء في بعض الروايات ربنا ولك الحمد، وفي بعضها ربنا لك الحمد، ويقول إن العلماء اختلفوا في هذا، وإنما الاختلاف في الاختيار لا في الجواز، يعني لا خلاف بين أنه لو أتى بهذا أو بهذا فقد أتى بالامر المشروع. لكن ما الأفضل؟ ما الأفضل؟ كان دقيق العيد رحمه الله يرى أن الأفضل هو الاتيام بالواو. طبعا جاء في روايات أيضا زيادة اللهم بالواو وبدونها، يعني جاءت أربع صيغ: اللهم ربنا ولك الحمد، والثانية اللهم ربنا لك الحمد، والثالثة ربنا ولك الحمد، والرابعة ربنا لك الحمد. ويقول دقيق العيد رحمه الله: إن زيادة الواو تدل على زيادة المعنى؛ لأنها تتضمن امرين: تتضمن دعاء وخبرا، كأنه يقول: ربنا استجب لنا، ولك الحمد على كل نعمك وأفضالك وآلائك، فيكون الكلام مجتمع امرين. لكن لو قال: ربنا لك الحمد فإنه مشتمل على أمر واحد. والعبادات الوارده على وجوه متنوعه الأفضل التنويع بينها؛ فيأتي بهذا أحيانا، وهذا أحيانا، ياتي بالسنن على جميع وجوهها.
نعم، أحسن الله إليك، الخامس: قوله: «وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون»، اخذ به قوم فأجازوا الجلوس خلف الإمام القاعد للضرورة مع قدرة المأمومين على القيام، وكأنهم جعلوا متابعة الإمام عذرا في إسقاط القيام، ومنعه أكثر الفقهاء المشهورين والمانع.
هنا يتكلم عن صلاة المأموم القادر على القيام خلف الإمام العاجز عن القيام، هنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون»، صلوا جلوسا أجمعون، هنا ظاهره جواز الصلاة خلف الإمام خلف الإمام العاجز عن القيام، ويصلي وراءه المأموم جالسين. هذا ظاهره، وهذا اخذ به بعض الفقهاء، ومنهم الحنابلة رحمهم الله تعالى، لكن اشترط الحنابلة رحمهم الله أن يكون هذا الإمام هو الإمام الراتب، وأن تكون علته مرجوة الزوال، وأخذوا هذا من حال النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان الإمام الراتب وكانت علته مرجوة الزوال. وبعضهم أطلق ذلك، بعض الفقهاء أطلق ذلك فلم يشترط هذين الشرطين. والقول الثاني: منع ذلك؛ قال: منعه أكثر الفقهاء المشهورين، والذين منعوه على قولين: منهم من يقول من يمنع الجلوس، فيقول: إذا صلى الإمام قاعدا فيجب على المأمومين أن يصلوا قياما، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي. ومن الفقهاء من يقولون: لا يجوز للقاعد أن يصلي إماما، لا يجوز للقاعد أن يصلي إماما، وهذا هو المشهور عند المالكية.
الآن سيذكر لك سيذكر لك يعني القولين الأخيرين، بما أجابوا عن هذا الحديث: «وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا» بما أجابوا عنه؟ ذكر لك ثلاثة طرق في الجواب عنه، واجاب عن كل طريق منها.
نعم، والمانع اختلفوا في الجواب عن هذا الحديث على طرق؛ الطريق الأول: ادعاء كونه منسوخا، وناسخه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالناس في مرض موته قاعدا وهم قيام وأبو بكر قائم يعلمهم بأفعال صلاته صلى الله عليه وسلم، وهذا مبني على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان الإمام، وأن أبا بكر كان ماموما في تلك الصلاة، وقد وقع في ذلك خلاف، وموضع الترجيح هو الكلام على ذلك الحديث. قال القاضي عياض: قالوا ثم نسخت إمامة القاعد جملة بقوله: «لا يؤمن أحد بعدي جالسا»، وبفعل الخلفاء بعده وانه لم يؤم أحد منهم جالسا. وإن كان النسخ لا يمكن بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فمواظبته على ذلك تشهد بصحه النهي عن إمامة القاعد بعده وتقوي لين هذا الحديث. وأقول: هذا ضعيف. أما الحديث في «لا يؤمن أحد بعدي جالسا» فحديث رواه الدارقطني من حديث جابر بن يزيد الجعفي بضم الجيم وسكون العين وعن الشعبي بفتح الشين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحد بعدي جالسا»، وهذا مرسل. وجابر بن يزيد قالوا فيه متروك، ورواه مجالد عن الشعبي، وقد استضعف مجالد. واما الاستدلال بترك الخلفاء الإمامة عن قعود فاضعف، فإن ترك الشيء لا يدل على تحريمه، ولعلهم اكتفوا بالاستناد للقادرين، وإن كان الاتفاق قد حصل على أن صلاة القاعد بالقائم مرجوحة والأول تركها، فذلك كافي في بيان سبب تركهم الإمامة من قعود. وقولهم: إنه يشهد بصحه النهي عن إمامة القاعد بعده ليس كذلك؛ لما بيناه من أن الترك للفعل لا يدل على تحريمه.
أحسنت، هنا يقول: الطريق الأول أن هذا الحديث وما في معناه أنه منسوخ، منسوخ بماذا؟ بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، يقول هذه الأحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالسا وقال لأصحابه: «إذا صلي جالسا فصلوا جلوسا»، لكن في آخر
حياة النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في مرض موته، ومَرَّةً وجد خِفَّةً، فصلى مع الناس، وكان قد دخل المسجد بعد قيامه من الصلاة وتقدم أبو بكر. فجلس بجانب أبي بكر وصلى جالساً، والناس كلهم صلوا قياماً، ومع ذلك لم يرشدهم إلى أن يجلسوا، فهذا دليل على أن الأمر في قول: «فإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً» أنه منسوخ.
قالوا: هذا بناءً على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الإمام، لا لأن من الفقهاء من قال: الإمام هو أبو بكر والنبي صلى الله عليه وسلم مأموماً، فلا يتم لهم هذا النسخ. لكن هذا مبني على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الإمام، وهذا هو الأقرب، وجاء ذلك كالصريح عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى. قال القاضي عياض: قالوا ثم نسخت إمامة القاعد، طبعا هذا قلنا لكم إنه مذهب مالك، أن إمامة القاعد جملة منسوخة بحديث: «لا يؤمن أحد بعدي جالساً»، وبفعل الخلفاء بعده. قالوا: جاء في حديث: «لا يؤمن أحد بعدي جالس»، وأيضاً فعل الخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يحصل من أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي أن أحداً منهم أم الناس وهو جالس، فهذا دليل على نسخ فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة في إمامته بالصحابة جالساً. هكذا قرر القاضي عياض، لكن ابن دقيق العيد رحمه الله لم يرتض ذلك، يقول: هذا ضعيف؛ أما حديث: «لا يؤمن أحد بعدي جالس» فهذا حديث ضعيف، قال: إنه مرسل، إنه جاء من رواية الشعب عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجابر بن زيد الجعفي هذا متروك، ورواه مجالد عن الشعبي ومجالد ضعيف. وأما الاستدلال بترك الخلفاء ذلك، فالترك لا يدل على التحريم، يقول: لعلهم اكتفوا بالاستناد للقادرين، استناب من هو قادر وتركوا، وهذا لا يدل على التحريم، ويقول: مما يدل على ذلك أنه حصل اتفاق على أن إمامة القائم أولى من إمامة القاعد، فهم يعني فعلوا الأولى.
يقول الفاكهاني -وهو مالكي-: وما قاله -لما نقل كلام ابن دقيق العيد رحمه الله- قال: وما قاله ظاهر لا شك فيه، والظاهر أنه ليس لأصحابنا في ذلك حجة إلا ما قاله ابن القاسم من أن عمل أهل المدينة على ذلك، أي عدم ائتمام بالقاعد، وفيه ما قاله ابن دقيق العيد من أن ترك الشيء لا يدل على تحريمه، فلا يتم لهم الاحتجاج. وهذا -طبعاً هذا على القول بأنه منسوخ- وقال القاضي عياض: وقيل بل الأولى غير منسوخة، هي محكمة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم لئلا تختلف حالة الإمام والمأمومين؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم فعلها لأجل ألا تختلف حالة الإمام مع المؤمنين، فيكون المؤمنون قائمين والإمام قاعداً. ولعله العلَّة الأخرى التي نبه عليه في الحديث بقوله: «إن كنتم تفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود»، وقيل لئلا يستره بعضهم عن بعض بقيامهم حتى لا يرون أفعاله، ولذلك لما تركهم في القصة الأخرى قياماً ترك أبا بكر رضي الله عنه على منبرهم لذلك يقتدون به. يعني يقول: إن من العلل ألا يغطي بعضهم على بعض، ألا يغطي بعض، يعني أصحاب الصف الأول يغطون على أصحاب الصف الثاني، ولذلك قال لهم كلهم جلسوا، لكن في آخر حياتي لما جلس بجانب أبي بكر لم يقل لهم اجلسوا؛ لماذا؟ لانهم كلهم سيرون أبا بكر وهو قائم، وهو قائم يرون ما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم.
الإمام أحمد رحمه الله جمع بينهما، بين حديث أبي بكر، يعني في إمامة النبي صلى الله عليه وسلم بأبي بكر وعدم الأمر بالجلوس، وهذه الأحاديث؛ لأن هذه الأحاديث فيما إذا ابتدأ بهم الصلاة جالساً، وحديث أبي بكر فيما إذا ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم عرض له عارض منعه من إتمام الصلاة قائماً، فيقول: إذا عرض له عارض، يعني كان الإمام نشيطاً فصلى أول ركعة قائماً ثم عرض له أن يجلس في أثناء الصلاة، فإن من خلفه يتمون الصلاة قياماً، لكن لو كان من أول الصلاة جالساً فإنهم يتمون الصلاة جلوساً.
الطريق الثاني في الجواب عن هذا الحديث للمانعين: ادعاء أن ذلك مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقد عُرِفَ أن الأصل عدمه حتى يدل عليه دليل. أحسنت، الطريقة الثانية أن هذا مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم، أن يقولون: النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي إذا صلى جالساً يصلون خلفه جلوساً، بخلاف غيره. لماذا؟ قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم له ميزة ليست لغيره، فهو أكمل المؤمنين وأكمل الأئمة، فكونه يؤتم به وهو جالس -وإن كان الأصل في الإمام أو الأفضل في الإمام أن يكون قائماً- يقولون: كوننا نئتم به وهو جالس أفضل من كوننا نئتم بغيره ويكون غيره واقفا، فهذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم. لكن قال هنا: الأصل عدمه حتى يدل عليه دليل، الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم أنها للاقتداء حتى يدل دليل على التخصيص.
الطريق الثالث: التأويل، بأن يحمل قوله: «وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً» على أنه إذا كان في حالة الجلوس فاجلسوا ولا تخالفه بالقيام، وكذلك إذا صلى قائماً فصلوا قياماً، أي إذا كان في حال القيام فقوموا ولا تخالفه بالقعود، وكذلك في قوله: «وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا»، وهذا بعيد، وقد ورد في الأحاديث وطرقها ما ينفيه، مثل ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها الآتي أنه أشار إليهم أن يجلسوا، ومنه تعليل ذلك بموافقة الأعاجم في القيام على ملوكهم، وسياق الحديث في الجملة يمنع من سبق الفهم إلى هذا التأويل. والكلام على هذا، هنا يقول بعضهم: تأوله بتاويل بعيد، يقول: قول: «وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً»، يعني يقول: إذا كان في حال الجلوس، سواء بين السجدين، جلوس التشهد، فانتم صيروا جالسين مثله لا تصيرون قائمين، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، يعني في حال القيام تكونوا قائمين لا تكونوا جالسين، وهذا يعني يقول: بعيد جداً. وهذا صحيح أنه بعيد، وهذا ذكره ذكر القاضي عياض هذا التأويل وقال إنه بعيد، وذكر أنه يخرج الحديث عن ظاهره ومفهومه، وما يدل على ذلك ما جاء في رواية عائشة: أشار إليهم أن يجلسوا، وأيضاً علل بأنهم وافقوا الأعاجم، إن كنتم تفعلون فعل فارس والروم، فهذا يبعد هذا الحمل. فإذاً هذه الأجوبة الثلاثة: أنه منسوخ، والناسخ له فعله صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، والحقيقة أنه لا يلجأ إلى النسخ مع إمكان الجمع. والقول الثاني: أنه مخصوص، وأيضاً التخصيص لابد له من دليل. والقول الثالث: حمله على الجلوس في الصلاة والقيام في الصلاة، وهذا أيضاً بعيد. فَالْجَمْعُ بين الحديثين بما جمعه الإمام أحمد رحمه الله تعالى كأنه أقرب الأقوال في هذه المسألة، والله أعلم.
والكلام على حديث عائشة مثل الكلام على حديث أبي هريرة، وما فيه من الزيادة قد حصل التنبيه عليه.
الحديث الرابع: وعن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري قال: حدثني البراء وهو غير كذوب، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: «سمع الله لمن حمده»، لم يحنِ أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجداً، ثم نقع سجوداً بعده. عبد الله بن يزيد الخطمي، مفتوح الخاء، ساكن الطاء، من بني خطمة، وخطمة من الأوس، كان أميراً على الكوفه. والذي روى عنه هذا الحديث أبو إسحاق، وقوله: «وهو غير كذوب»، حمله بعضهم على أنه كلام أبي إسحاق في وصف عبد الله بن يزيد، وصف عبد الله بن يزيد، لا كلام عبد الله بن يزيد في البراء بن عازب. والذي ذكره المصنف يقتضي أنه كلام عبد الله بن يزيد في وصف البراء بن عازب، ولو ذكر أبا إسحاق لكان أحسن لاحتمال الكلام الوجهين معاً. وأما على ما ذكره فلا يحتمل إلا أحدهما وهو البراء. والذين حملوا الكلام على الوجه الأول قصدوا تنزيه البراء عن مثل هذه التزكيه؛ لأنه في مقام الصحبه. وكذا نقل عن يحيى بن معين أنه قال -يعني أبا إسحاق-: إن عبد الله بن يزيد غير كذوب، ولا يقال للبراء إنه غير كذوب. فإذا قصدوا ذلك فعبد الله بن يزيد أيضاً قد شهد الحديبية وهو ابن سبع عشرة سنة. ورَّدَ هذا بعضهم برواية شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الله بن يزيد يخطب يقول: حدثنا البراء وكان غير كذوب، وإن كان هذا محتملاً أيضاً.
أحسنت، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حديث عبد الله بن يزيد الخطمي عن أبي عن البراء: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: «سمع الله لمن حمده»، لم يحنِ أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجداً، ثم نقع سجوداً بعده. ذكر أن عبد الله بن يزيد هذا أمير على الكوفة، والذي روى عنه هذا الحديث هو أبو إسحاق الليثي، السبيعي رحمه الله تعالى. هنا ذكر الاحتمال في من الذي قال: وهو غير كذوب، ذكر احتمالين؛ الاحتمال الأول: أن هذا من كلام أبي إسحاق السبيعي في وصف عبد الله بن يزيد؛ يعني عن أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد أنه قال: حدثني البراء وهو -يعني عبد الله- غير كذوب. وهذا قول يحيى بن معين، والخطيب البغدادي، والحميدي، وابن الجوزي، والزركشي في النكت العمدة. والقول الثاني: أن هذا من كلام عبد الله بن يزيد في وصف البراء، وهذا صوبه النووي وابن الملقن رحمهم الله تعالى. وهنا ابن دقيق العيد رحمه الله يقول: لو كان المصنف -وهذا يعني احتمال أن المصنف يقصده والله أعلم- يقول: لو كان المصنف ذكر أبا إسحاق لكان أحسن لاحتمال الكلام وجهين معاً، لو قال: لو أن المصنف في العمدة قال: عن أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد؛ لَسَلَّمْنَا، وكان يحتمل الوجهين. قال: أما على ما ذكره فلا يحتمل إلا أحداً وهو البراء؛ لأنه لم يذكر الراوي عن عبد الله بن يزيد. قال: والذين حملوا الكلام على الوجه الأول، الذين قالوا إن القائل هو أبو إسحاق ويقصد عبد الله بن يزيد، قالوا إن البراء لا يحتاج إلى تزكية؛ لأنه صحابي، والصحابه كلهم عدول وصادقون.
لكن هنا يقول ابن دقيق، وأيضاً ذكره غيره من الشراح قبل النووي والقاضي عياض وغيرهم: إذا كان هذا هو منزع في أنه لا يحمل هذا أنه من كلام عبد الله بن يزيد في وصف البراء، فيقول أيضاً عبد الله بن يزيد أيضاً صحابي، عبد الله بن يزيد صحابي فلا يقال له: وهو غير كذوب. قال: وردَّ هذا بعضٌ برواية شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الله بن يزيد يخطب يقول: حدثنا البراء وكان غير كذب، فهذا يرجح أن هذا من كلام عبد الله عبد الله بن يزيد، قال: وإن كان هذا محتملاً أيضاً، قد يكون هذا من وصف أبي إسحاق يريد عبد الله بن يزيد، يعني محتمل للأمرين. يقول القاضي عياض -يعني في كون عبد الله بن يزيد يقول عن البراء: وهو غير كذوب-: يقول هذا لا وصمة فيه على صحابي، ولم يرد به التعديل، وإنما أراد به قوة الحديث وتوثيقه إذ حدث به عن البراء وهو غير متهم، وذكر نظائر له مثل حديث ابن مسعود: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، وأحاديث أخرى. وهذا أيضاً نقله النووي رحمه الله والفاكهاني في شرحه، انتقد هذا التنظير، يقول: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، غير حدث وهو غير كذوب، فيقول: في فرق بين إثبات الصفة الموصوف ونفي ضدها عنه. وعلى كل، هذه الرواية محتملة للأمرين؛ على كل كلاهما صادقان غير كاذبين.
نعم احسن الله اليك، وقال رحمه الله: والحديث يدل على تأخر الصحابه في الاقتداء عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتلبس بالركن الذي ينتقل إليه لا حين يشرع في الهوي إليه، وفي ذلك دليل على طول الطمأنينة من النبي صلى الله عليه وسلم. وفي لفظ الحديث الآخر ما يدل على ذلك، أعني قوله: «وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا»، فانه يقتضي تقدم ما يسمى ركوعاً وسجوداً.
أحسنت، هنا أخذ المسألة الفقهية من الحديث أنه يدل على تأخر الصحابة في الاقتداء عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتلبس بالركن الذي ينتقل إليه لا حين يشرع في الهوي إليه. هنا يقول لك: المتابعة المشروعة للإمام ألا ينتقل المأموم إلى الركن التالي حتى يكون الإمام قد استقر فيه. فإذاً -لو مثل على السجود- السجود كما قال البراء: إذا سجد النبي صلى الله عليه وسلم لم يحني أحد منا ظهره حتى نجد النبي صلى الله عليه وسلم قد وضع وجهه في الأرض ثم نتبع. هنا يعني بعض المصلين إذا هوى الإمام للسجود وهو يهوي يتحرك معه.
للسجود، وهذا خلاف المتابعة المشروعة. المتابعة المشروعة أنه إذا استقر الإمام في الأرض ساجداً فانك تنزل للسجود، فهذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه بعده. لكن قال بعضهم إلا إذا علمت من حال الإمام أنك لو أخرت النزول للسجود إلى وصوله إلى الأرض فإنك لن تدرك معه السجود، سيرفع قبل أن تسجد، فهنا لا باس أن تنزل قبل أن يستقر ساجداً، يعني بعض الأئمة مثلاً يقول سبحان رب العال سبحان رب العال مثلاً مرتين ثم يرفع، فأنت إذا انتظرت إلى أن يضع وجهه في الارض ثم تنزل فإنك لن تضع وجهك في الارض إلا وقد رفع، فهنا تتحرك من قبل، لكن الأصل أنك لا تنزل إلا إذا وضع وجهه في الأرض.
هذا إذا كنت تراه، لو كنت بعيداً عن الإمام، إما أن تكون في طرف الصف أو تكون في الصف الثاني أو الثالث لا تنظر إلى وجه الإمام، فهنا نقول انظر إلى انقطاع صوته في التكبير، إذا انقطع صوته في التكبير فإنك تتبعه. وفي ذلك دليل على طول الطمانينة من النبي صلى الله عليه وسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يطيل في بعض الأرکان، فلا يقتصر على الواجب ولا على أدنى الكمال، بل يطيل في ذلك لكي يدركه المأموم. ولذلك الفقهاء رحمهم الله تعالى يقولون: يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأموم فعل ما يسن.
يعني الآن يسن للمأموم أن يقول في الركوع: «سبحان ربي العظيم» ثلاث مرات. فإذا أسرع الإمام سرعة لا يتمكن معها المأموم من قول سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، فإن سرعته هذه مكروهة. هذا إذا كان لا يتمكن من فعل السنة، فإذا كان لا يتمكن من فعل الواجب، لا يتمكن من قول سبحان ربي العظيم ولا مرة واحدة، فإن هذه سرعة محرمة. وفي ذلك دليل على طول الطمانينة من النبي صلى الله عليه وسلم. واللفظ الحديث الآخر يدل عليه قوله: «إذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا»، فانه يقتضي تقدم ما يسمى ركوعاً وسجوداً، فيدل على أن الإمام ركع وانتظر المأموم إلى أن ركعوا واستقروا معه راكعين. وفي هذا دليل على طول الطمانينة من النبي صلى الله عليه وسلم، وانه لا يقتصر على أدنى الواجب.
نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان