دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام - كتاب الصلاة 24 - باب الإمامة - شرح الحديث الأول

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

باب الإمامة. الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار».

الحديث دليل على منع تقدم المأموم على الإمام في الرفع، أي في الرفع من الركوع والسجود. ووجه الدليل التوعد على الفعل، ولا يكون التوعد إلا على ممنوع. ويقاس عليه السبق في الخفض كالهوي إلى الركوع والسجود.

هنا انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى باب آخر من أبواب الصلاة، وهو باب الإامامة، سيذكر فيها بعض الأحاديث المتعلقة بالإمام، وارتباط صلاة المأموم صلاة الإمام. بدأ بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي فيه التوعد على مسابقة الإمام. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أما يخشى». أما هذه تنبيه أو استفهام توبيخي. «الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار». وخص الرأس دون غيره لأنه هو الذي وقعت به الجناية.

يقول: الحديث دليل على منع تقدم المأموم على الإمام في الرفع، لأنه قال: «يرفع رأسه قبل الإمام». قال: هذا منصوص، يعني في الرفع، سواء في الرفع من الركوع أو السجود. طيب، كيف أخذنا المنع؟ قال: أخذناه من التوعد على الفعل، أنه توعد، هدده أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار. والوعيد على الشر لا يكون إلا إذا كان ممنوعاً.

طيب، وهل هو خاص بسبقه في الرفع؟ لا، يقول: يقas عليه السبق في الخفض، كهوي إلى الركوع والسجود، فهو يستدل به على كل مسابقة للإمام، على كل مسابقة للإمام أنها ممنوعة بدليل هذا الحديث، حيث هدد المسابق للإمام بأمر مستقذر، وهو أن يحول الله صورته صورة حمار.

قال رحمه الله تعالى: وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام» ما يدل على أن فاعل ذلك متعرض لهذا الوعيد، وليس فيه دليل على أنه يقع ذلك ولا بد.

يعني يقول: قوله صلى الله عليه وسلم: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام» الحديث، هذا فيه دلالة على أن فاعل هذا الفعل متعرض للوعيد، يعني أنه يعرض نفسه لأن يقع فيه هذا، لكن لا يدل على أنه لابد من وقوع الوعيد؛ لأن الوعيد لا يلزم وقوعه لكل من فعله، أما الوعد فمن كرم الله عز وجل أنه إذا وعد شيئاً انفذه لمن فعله، أما الوعيد فانه قد يقع وقد لا يقع، يرتفع بأسباب كالتوبة أو كثرة الاستغفار أو الأعمال الصالحة أو نحو ذلك.

قال رحمه الله: وقوله: «أن يحول الله رأسه رأس حمار» يقتضي تغيير الصورة الظاهرة، ويحتمل أن يرجع إلى أمر معنوي مجازي؛ فإن الحمار موصوف بالبلادة، ويستعار هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من نظم الصلاة ومتابعة الإمام. وربما رجح هذا المجاز بأن التحويل في الصورة الظاهرة لم يقع مع كثرة رفع المأمومين قبل الإمام. ونحن قد بينا أن الحديث لا يدل على وقوع ذلك، وإنما يدل على كون فاعله متعرضاً لذلك، وكون فعله صالحاً لأن يقع عنه ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء.

وأيضاً، فالمتوقع في الوقت الحاضر -أعني عند الفعل- والجهل موجود عند الفعل، ولست أعني بالجهل هاهنا عدم العلم بالحكم، بل إما هذا وإما أن يكون عبارة عن فعل ما لا ينبغي وإن كان العلم بالحكم موجوداً؛ لأنه قد يقال في هذا إنه جهل، ويقال لفاعله جاهل، والسبب فيه أن الشيء ينفى لانتفاء ثمرته والمقصود منه، فيقال: فلان ليس بإنسان إذا لم يفعل الأفعال المناسبة للإنسان، ولما كان المقصود من العلم العمل به، جاز أن يقال لمن لا يعمل إنه جاهل غير عالم.

هنا يتكلم عن معنى تحويل الله راس المسابق للإمام راس حمار، أو جعل صورته صورة حمار. هنا ذكر احتمالين: أما أن يكون التحويل حسياً، أو يكون التحويل معنوياً. التحويل الحسي بمعنى تنقلب صورته صورة حمار، والتحويل المعنوي بمعنى أنه يصير بليداً كالحمار.

طيب، الأصل أنه إذا جاء المعنى وتردد بين أن يكون المعنى حقيقياً أو مجازياً، فالاصل تقديم المعنى الحقيقي، هذا هو الأصل، لا يقدم المعنى المجازي إلا إذا وجدت قرينة. طيب، يقول هنا: في قرينة تدل على تقديم المعنى المجازي، ما هي؟ يقول: وربما رجح هذا المجاز بأن التحويل في الصورة الظاهرة لم يقع مع كثرة رفع المأمومين قبل الإمام. يقول: يدل على أن المقصود المعنى المجازي أننا نجد أناساً كثيرين على مختلف الأزمان والبلدان يسابقون الإمام، ومع ذلك لم ينقل أنه قد تحولت صورتهم إلى صورة حمار، وهذا يدل على أن المعنى المقصود هو المعنى المجازي، أنه يكون بليداً كالحمار، وليس المعنى الحقيقي.

على أن هذه القرينة صحيح أنها لم تنقل، لكن نقل عن إفراد يسير جداً. يقول ابن الملقن: وإن كان قد نقل وقوعه باسناد صحيح لشخص أو شخصين في أزمنة طويلة. ابن الملقن في القرن الثامن، مع ذلك لا نعلم أنه وقع إلا لفرد أو فردين. قد يقول الشخص: يمكن وقع كذا كثيراً لكن لم ينقل، لا، لو وقع لنقل لأنه مستغرب، فمثل هذه المستغربة الناس يبادرون إلى نقلها، فلما لم يبادروا دل على عدم وقوعها.

ابن دقيق العيد ذكر معنا ثالثاً، أنه يقول: يجوز والله أعلم أن المراد تحويل صورته يوم القيامة، فلا يكون المراد هنا تحويله في الدنيا.

ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى يرد على اعتبار المعنى المجازي، يقول: عندنا أمران. الأمر الأول يقول: بينا قبل أن الحديث لا يدل على وقوع ذلك، وإنما يدل على كون فاعله متعرضاً لذلك، فنقول: الحديث يدل على المعنى الحقيقي، لكن لا يلزم من ذلك الوقوع، فقد يرتفع الوعيد لأسباب.

أيضاً هناك رد آخر على ذلك، يقول: أنتم تقولون إن الذي يسابق الإمام يجعل الله صورته صورة الحمار، يعني يجعله بليداً وجاهلاً، متى يكون هذا؟ بعد الفعل. والحقيقة أن الجهل حصل له مع الفعل. والبلادة يقول هنا: أنا ما أقصد بالجهل عدم العلم، بل أقصد بالجهل عدم العمل بالعلم. وذلك يقول: ولست أعني بالجهل هاهنا عدم العلم بالحكم، بل إما هذا، واما أن يكون عبارة عن فعل ما لا يسوغ، وإن كان العلم بالحكم موجوداً، لأنه قد يقال في هذا إنه جاهل، ويقال لفاعله جاهل، يعني يقول: الذي لا يعمل بعلمه أيضاً جاهل.

هو الآن يرد على من يقولون إن المعنى يجعل صلاته صورة الحمار أنه معنى مجازي، يقول: لا، أنا أرى أنها معنى حقيقي. طيب، وين اللي حوّل صورته صورة حمار؟ يقول: أنا أرد من وجهين: الوجه الأول: أنه لا يلزم وقوعه لأن هذا وعيد، والوعيد لا يلزم وقوعه لأنه قد يرتفع بأسباب.

الوجه الثاني: يقول الحديث يدل على أنه إذا فعل ذلك حاصل له البلادة والجهل الذي تقولون، مع أنه حصل له الجهل والبلادة مع الفعل. طيب، كيف حصل له الجهل؟ يقول: أنا ما أعني الجهل عدم العلم، وإنما أعني عدم العمل بالعلم. لماذا؟ يقول: يعني لماذا سمي عدم العمل بالعلم جهلاً؟ يقول: والسبب فيه أن الشيء قد ينتفي لانتفاء ثمرته والمقصود منه، فيقال فلان ليس بإنسان إذا لم يفعل الفعل المناسب للإنسانية، ولما كان المقصود من العلم العمل به، جاز أن يقال لمن لا يعمل بعلمه إنه جاهل غير عالم، يتم فيتعلم الشيء ويعلم، فإذا لم يعمل صار جاهلاً، لأنه ما حقق المقصد الذي من أجله تعلم.

ولذلك في القرآن تجد أن الله عز وجل يقول: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: 103]. طيب، لا يعقلون كيف؟ يعني مجانين؟ لا، عندهم عقل، لكن لما لم يستعملوا عقولهم في الوصول للحق، جعلوا كأنهم لا يعقلون. وكذلك: ﴿وَلَكِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 37]، هل خفي عليهم الحق؟ لا، هم يعلمون بالحق، لكن لما لم يعملوا به لم يوصفوا بالعلم، فنفي الشيء انتفاء ثمرته المقصودة منه. فلذلك يقول: هذا يدل على أن المراد بالوعيد أن يجعل الله صورته صورة حمار المعنى الحقيقي وليس المجازي.

وكونه لم يقع، يقول: هذا لا يلزم، لأن الوعيد لا يلزم وقوعه، بل من الكرم إخلاف الوعيد، ولذلك يقول بعض الشعراء: واني إن أوعدت أو وعدت لمنجز إيعادي ومخلف موعدي. منجز إيعادي ومخلف موعدي.

الأمر الثاني يقول: إن العلم، نعم، أن الحديث على أن البلادة والجهل هذه تكون بعد الفعل، وهو حقيقة حصل له أثناء الفعل. ثم تكلم عن الجهل كيف حصل، يقول: الجهل مراد به عدم العمل بالعلم، لأن من لم يعمل بعلمه صار كأنه لم يعلم، من لم يعمل بعلمه من لم يعلم.

نقف على هذا، نسأل الله للجميع التوفيق والسداد، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.