دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام - كتاب الصلاة 23 - باب الصفوف - شرح الحديث الرابع

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.

أما بعد، فهذا هو المجلس السابع من مجالس التعليق على كتاب إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام للحافظ تقي الدين ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا عند الحديث الرابع من أحاديث أبواب الصفوف أو باب الصفوف، حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه. خالته ميمونة بنت الحارث أخت أمه أم الفضل بنت الحارث. ومبيته عندها فيه دليل على جواز مثل ذلك من المبيت عند المحارم مع الزوج، وقيل إنه تحرى وقتا لذلك لا يكون فيه ضرر للنبي صلى الله عليه وسلم وهو وقت الحيض، وقيل إنه بات عندها لينظر إلى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.

وميمونة هي آخر من تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، تزوجها سنة ست أو سبع، وأخرهن موتا على المشهور؛ ماتت سنة إحدى وخسين، وقيل سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ست وستين. قوله: فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، ومن هنا يحتمل أن تكون للتبعيض يعني بعض الليل، ويحتمل أن تكون بمعنى في؛ أي الظرفية. ونظيرها من إتيان من بمعنى في: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: 9] أي في يوم الجمعة.

وقوله: فقمت عن يساره فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه، فيه دليل على جواز مثل ذلك من المبيت عند المحارم مع الزوج، وهذا إذا لم يكن على الزوج ضرر في ذلك، كما قيده ابن العطار رحمه الله تعالى. وقال: وقيل إنه تحرى لذلك وقتا لا يكون فيه ضرر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو وقت الحيض، وهذا قد جاء في رواية عند ابن خزيمة رحمه الله تعالى. قال ابن العطار: وهي حسنة المعنى جدا، إذ لم يكن ابن عباس يطلب المبيت في ليلة للنبي صلى الله عليه وسلم فيها حاجة إلى أهله، ولا يرسله أبوه إلا إذا عدم حاجته إلى أهله؛ لأنه معلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يفعل حاجته مع حضرة ابن عباس معهما في الوسادة. على كل، وهي واقعة عين؛ قد تكون حائضا وقد تكون يعني علم من حال النبي صلى الله عليه وسلم رضاه بذلك أو نحو ذلك.

وقيل إنه بات عندها لينظر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، لينظر كيف صلاته بالليل ليقتدي به رضي الله تعالى عنه. وهذا فيه حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى تلمس دقائق فعل النبي صلى الله عليه وسلم ليقتدوا به، وهذا في أدلة كثيرة من السنة أن الصحابة كانوا يحرصون على ملاحظة النبي صلى الله عليه وسلم ونقل فعله وتركه نقلا دقيقا رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. ولذلك لما سئل بعض الصحابة: مما كنتم تعرفون قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة السرية؟ قالوا: كنا نعرف ذلك باضطراب لحيتهم، فكانوا يراقبونه ويعلمون أنه يفعل ذلك. أبو هريرة رضي الله عنه كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت سكوتك هنيهة بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي إلى آخره. فتجدهم يحرصون على دقائق النبي صلى الله عليه وسلم، لا من باب الفضول وإنما لأجل أن يتعلموا ويعملوا بها اقتداء به صلى الله عليه وسلم.

وفيه دليل على أن للصبي موقف مع الإامم في الصف. وإذا أخذ بما ورد في غير هذه الرواية من أنه دخل في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعد دخول النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ففيه دليل على جواز الشروع والائتمام بمن لم ينوي الإمامة. لأن ابن عباس رضي الله عنهما لما وقف عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم أخذ برأسه فداره حتى أقامه عن يمينه، فلو لم يكن له موقف صحيح لتركه النبي صلى الله عليه وسلم عن يساره.

والفائدة الثالثة: أنه إذا أخذنا بالرواية الأخرى أنه دخل في صلاة النفل بعد دخول النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ففيه دليل على جواز الشروع في الائتمام بمن لم ينوي الإمامة. يعني لو أن شخصا صلى منفردا ثم جاء شخص فأتم به، هل يصح ذلك أو لا يصح؟ وهذا الحديث يدل على صحته، على أن بعضهم أجاب كما ذكره ابن الملقن، قال: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم نوى الإمامة لما اقتدى به، فلا دلالة فيه. إذن عندنا هل يصح أن ياتم بمن لم ينوي الإمامة؟ وكذلك هل يصح أن ياتم بمن لم ينوي الإمامة من أول الصلاة؟ مسألة: لو أن من قال لا يصح الائتمام بمن لم ينوي الإمامة من أول الصلاة، فإنه لا يصححها سواء كان لم ينوي الإمامة من أول الصلاة أو نواها في ثنائها. أما من قال لا، لابد أن ينوي الإمامة إذا اتم به المأموم، فهنا فليس في هذا الحديث دلالة على هذه المسألة؛ لأنه لا نعلم هل النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل معه ابن عباس نوى الإمامة أم لم ينوي ذلك.

وفيه دليل على أن موقف المأموم الواحد من الإمام عن يمين الإمام. وهذا واضح؛ ابن عباس رضي الله عنهما لما وقف عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم أخذ برأسه فأداره حتى أقامه عن يمينه. وهذا الموقف عن يمينه هل هو على الوجوب أو على الاستحباب والكمال؟ بمعنى لو وقف عن يساره هل يصح له ذلك أو لا؟ قول العلماء رحمهم الله تعالى، والمذهب عندنا: أن وقوفه عن اليمين -وقوف المأموم الواحد عن يمين الإمام- هذا على سبيل الوجوب. والائمة الثلاثة ورواية عن الإامم أحمد رحمه الله أنها على سبيل الاستحباب لا الوجوب، يقولون: فعل النبي صلى الله عليه وسلم المجرد لا يدل على الوجوب.

وفيه دليل على أن العمل اليسير في الصلاة لا يبطلها والله أعلم. العمل اليسير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما تحرك أقام حرك ابن عباس، نقله من يساره إلى يمينه، فهذا عمل يسير في الصلاة فهذا لا يفسدها.

وفي الحديث فوائد أخرى: منها أن فيه جواز الاجتماع في النافلة في صلاة الليل، وهذا تقدم أيضا في الحديث السابق. ومنها أن أقل الجماعة اثنان، وهذا واضح من فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع ابن عباس. ومنها أن موقف الرجال في الصف الأول عن يمين الإمام، وهذا إذا كان رجلا واحدا. ومنها أن المأموم إذا وقف في غير موقفه يحول إلى غيره، وهذا واضح من فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع ابن عباس. ومنها نقل أفعاله وأحواله صلى الله عليه وسلم ليقتدي به من بعده صلى الله عليه وسلم.