بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد، فهذا هو المجلس التاسع من مجالس التعليق على كتاب أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، ونحمد الله على ما منَّ به من العودة إلى هذا الدرس بعد انقطاع لأجل الإجازة المدرسية، وأسأل الله أن لا يشغلنا عن العلم بشاغل، ولا يعوقنا عنه بعائق.
الناس في هذه الأزمان متأخرة، خصوصا، وإن كانوا في كل زمن، لكن تشتد حاجتهم إلى العلم في هذا الزمن بكثرة المخالفات وكثرة الجهل وانتشار البدع، فيحتاج الإنسان إلى علم يدفع به الشبهة، وورع يدفع به الشهوات، فقد بزغ نجم الشبهات والشهوات، فيحتاج الإنسان إلى دين وعلم ليدحض به الشبهات والشهوات. وإذا رفع الجهل عن نفسه، فينبغي له أيضا أن يعلم غيره وينشر العلم لغيره، ولا يلزم من نشر العلم أن يكون الإنسان عالما، بل يعلم الإنسان ما تعلمه، وإن تعلم آية أو حديثا، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بلغوا عني ولو آية»، ويقول: «نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها». فلو سمع حديثا واحدا لكن الحديث صحيح، وعرف معناه على الوجه الصحيح ونشره، فانه بذلك يدخل في تعليم الناس العلم. أسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى، وأن يمن علينا بالعلم النافع والعمل الصالح. كنا قد توقفنا على الحديث الخامس من أحاديث باب الإمام إذا أمن الإمام فآمن.
نعم، السلام عليكم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومولاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولسا معين. قال المصنف رحمه الله تعالى: الحديث الخامس: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمن الإمام فآمنوا، فانه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه». الحديث يدل على أن الإمام يؤمن، وهو اختيار الشافعي رحمه الله وغيره، واختيار مالك رحمه الله أن التأمين للمأموم، ولعله يؤخذ منه جهر الإمام بالتامين، فانه علق تامينه بتامينه، فلا بد أن يكونوا عالمين به وذلك بالسماع. والذين قالوا لا يؤمن الإمام، أوَّلوا قوله عليه السلام: «إذا أمن الإمام» على بلوغه موضع التأمين، وهو خاتمة الفاتحة، كما يقال أنجد إذا بلغ نجدا، واتهم إذا بلغ تهاما، وأحرم إذا بلغ الحرم. فهذا مجاز، فان وجد دليل يرجحه على ظاهر هذا الحديث، وهو قوله: «إذا أمن» فانه حقيقة في التأمين عمل به، والا فالاصل عدم المجاز، ولعل مالكا رحمه الله اعتمد على عمل أهل المدينة إن كان لهم في ذلك عمل ورجح به مذهبه.
أحسنت. هنا تحدث المؤلف رحمه الله تعالى عن شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمن الإمام فآمنوا، فانه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه». ذكر المسألة الأولى، وهي هل الإمام يؤمن أو لا يؤمن؟ ذكر القولين في المسألة: قول الشافعي أن الإمام يؤمن، أن يشرع له أن يقول آمين، وهذا قول الشافعي وغيره، وهو قول أيضا مذهب الحنابله رحمهم الله تعالى. واختيار مالك أن التأمين للمأمومين، وهذا أحد قولي مالك رحمه الله أن الإمام لا يؤمن، وإنما يؤمن المأموم. وهناك قول آخر في مذهبه وهو أن الإمام يؤمن لكن سرا لا جهرا.
طيب، ذكر دليل القول الاول قال: ولعله يعني الان يذكر دليل القول الاول، وهو أن الإمام يؤمن، يؤخذ منه جهر الإمام بالتامين، فانه علق تامينه بتامينه، فلا بد أن يكونوا عالمين به وذلك في السماع. فقوله: «إذا أمن الإمام فآمنوا» يقول دليل على أنهم يسمعون تأمينه، فهذا يدل على أنه يؤمن. الدليل الإمام مالك يقول: الإمام مالك حمل أمن على أنها ليست آمنة بالحقيقه، قال: آمين، لكن أوله على أنه بلغ موضع التأمين. إذا أمن الإمام يعني بلغ موضع التأمين، وذكر لها نظائر يقول: مثل لو قال الإنسان أنجد فلان أي بلغ نجدا، اتهم أي بلغ تهاما. فبلوغ الموضع، وإن لم يكن حقيقة يعني بلغ نجدا يعني حتى لو لم يدخله يعني كان على مشارفها، وكذلك اتهم، فيقول هذا مثله أمن يعني وقف على الموضع الذي يؤمنون فيه وإن لم يؤمن. لكن أجاب عنه المؤلف رحمه الله تعالى يقول: هذا مجاز. إذا اجيب عن دليل القول الثاني بان حمل التأمين على أنه بلغ موضعه ولم يتكلم به، أن هذا مجاز، مجاز وليس حقيقة. والمجاز إذا تردد حمل معنى الكلمة على الحقيقة أو المجاز، فالاصل أن يحمل على الحقيقة الا إذا دلت قرينة على حمله على المجاز. فيقول عندنا الاصل أننا نعمل بالمعنى الحقيقي، فنقول: أمن، أي ذكر التأمين، أي قال آمين. فلا نقول ألا أمن بلغ موضع التأمين. ثم اعتذر ابن دقيق رحمه الله تعالى عن الإمام مالك، يقول: لعله أخذ بعمل أهل المدينة، يعني وجد أهل المدينة لا يؤمن الإمام، فجاء هذا وعمل أهل المدينة الاصل أنه مأخوذ ممن قبله من الصحابة الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابه لا يقولون أو لا يبتدعون شيئا من أنفسهم، فيقول: لعله أخذ ذلك من عمل أهل المدينة إن كان لهم فيه عمل.
نعم، السلام عليكم. قال رحمه الله: وأما دلالة الحديث على الجهر بالتأمين فاضعف من دلالته على نفس التأمين قليلا، لانه قد يدل دليل على تامين الإمام من غير جهر.
نعم، أحسنت. هذه المسألة الثانية: المسألة الأولى هل يؤمن الإمام أو لا يؤمن؟ المسألة الثانية: هل هذا الحديث يدل على أن الإمام يجهر؟ طبعا هذا على القول بان الإمام يؤمن، وكذلك على أحد القولين في مذهب مالك كان الإمام يؤمن من غير جهر، فهل هذا الحديث يدل على أن الإمام يجهر؟ يقول: كونه يدل على أن الإمام يجهر، يقول: ليست دلالته واضحة كوضوح الدلالة على أنه يؤمن، لانه قد يعني يقول قائل إن «إذا أمن الإمام فآمنوا» يعني إذا بلغ مواضع التامين وامن، وسمعتموه يؤمن، يعني لا يرفع صوته بالتامين، لكن سمعه القريبون منه يؤمن، فهذا لا يدل على انه يجهر، يعني دلالته على كونه يجهر بالتأمين أضعف من دلالته على كونه يؤمن التأمين.
نعم، أحسن الله إليك. قال رحمه الله: وموافقة التامين لتامين الملائكة ظاهر الموافقه في الزمان، ويقويه الحديث الآخر: «إذا قال أحدكم آمين قالت الملائكة في السماء آمين، فوافقت إحداهما الأخرى». وقد يحتمل أن تكون الموافقة راجعة إلى صفة التأمين، أن يكون تأمين المصلي كصفة تأمين الملائكة في الإخلاص أو غيره من الصفات الممدوحة، والأول أظهر، وقد تقدم.
أحسنت، موافقة تامين الان يقول: «فانه من وافق تامينه تامين الملائكة» موافقة في أي شيء؟ ذكر لك قولين: القول الأول: أنها موافقة في الزمان، بدليل رواية الأخرى: «إذا قال أحدكم آمين قالت الملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى» فدل على أن المراد الموافقة في الزمان. يقول: إن بعض العلماء ذكر معنى آخر الموافقة، وهو أنها راجعة إلى صفة التأمين، يكون صفة تأمين المصلي كصفة تأمين الملائكة في الإخلاص أو غيره من صفة ممدوحة، ولا يراد به الموافقة في الزمن. لكن قال: الأول أظهر، وهو الذي صوبه أيضا النووي رحمه الله في شرح مسلم.
نعم، وقد تقدم لنا كلام في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «وغفر له ما تقدم من ذنبه»، وهل ذلك مخصوص بالصغائر؟
نعم، هذا في أبواب الطهارة مر معنا: «غفر له ما تقدم من ذنبه»، وهل هذا خاص بالصغائر أو يشمل حتى الكبائر؟ والجمهور من أهل العلم رحمهم الله تعالى على أن هذا خاص بالصغائر، واما الكبائر فلا بد لها من توبه. وقليل من أهل العلم من قال انها تشمل الكبائر. ابن حجر رحمه الله في الفتح ذكر أن الاصل أنها شاملة للصغائر والكبائر، لكن لو وجد شخص ليس عنده صغائر وعنده كبائر يقول فيرجى أن يخفف عنه من إثم هذه الكبائر. هذا نظريا سليم، لكن هل يتصور في الواقع العملي أن شخصا يمتنع عن الذنوب الصغائر كلها ويقع في بعض الكبائر؟ يظهر أن هذا والله أعلم بعيد. لكن لو تصور فما قرره ابن حجر رحمه الله يعني له وجهه، والعلم عند الله.
نعم، السلام الله عليك. قال رحمه الله: الحديث السادس: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فان فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة، واذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء». وما في معناه من حديث أبي مسعود، وهو الحديث السابع: وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا. فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: «يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أما الناس فليوجز، فان من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة».
حديث أبي هريرة وأبي مسعود، واسمه عقبة بن عمرو، ويعرف بالبدري، والأكثر أنه لم يشهد بدرا، ولكنها نزلها فنسب إليها، يدلان على التخفيف في صلاة الإمام، والحكم فيها مذكور معلل، وهي مذكور مع علته، وهو المشقة اللاحقة للمأمومين إذا طول. وفيه بعد ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم للناس فليخفف»، ثم ذكر العلة: «فان فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة». الضعيف يفسر هنا بضعيف الخلقه لهزال أو كبر أو صغر أو مرض، لان الضعف خلاف القوة. والسقيم المراد به المريض، فيكون العطف هنا عطف السقيم على الضعيف من باب عطف الخاص على العام، لان الضعف أعم من السقم، فقد يكون الإنسان قليل القوة في أصل الخلقة لا من سقم عرض له. وذكر الحديث.
نعم، قال بعدها: «وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء». فليطول ما شاء من أركان الصلاة. النووي رحمه الله في شرح مسلم قال: فليطول ما شاء، لكن في غير الارکان التي لا يطيل فيها، وذكر يعني قال: غير الرفع من الركوع والجلوس من السجدتين. طيب، أليس النبي صلى الله عليه وسلم يطيل في هذين الركنين؟ كما قال انس رضي الله عنه، قال أنس رضي الله عنه: إني لأصلي بكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا. قال ثابت البناني: فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع من الركوع مكث حتى يقول القائل قد نسي، وإذا جلس بين السجدتين مكث حتى يقول القائل قد نسي. فهنا أنس نقل بفعله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الرفع من الركوع والجلوس بين السجدتين.
كلام النووي رحمه الله مبني على مذهب الشافعية رحمه الله تعالى، الشافعية رحمهم الله تعالى يرون أن هذين الركنين إنما هما للفصل، فالرفع من الركوع هو فاصل بين الركوع والسجود فلا يطيل فيه، فهو يعني يقول إنه ليس لفصل، يعني كأنه ليس ركنا بذاته، وكذلك الجلوس بين السجدتين يكون هو للفصل بين السجدتين. فلذلك النووي قال: إن فليطول ما شاء يقول في غير الأركان التي لا يطيل فيها. لكن إذا رجعنا إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم يطيل حتى في هذين الركنين، طبعا إطالة نسبية.
الحديث السابع: حديث أبي مسعود البدري الأنصاري رضي الله عنه، والبدري يقول: إنما نسب إليها لأنه نزل بدرا، وبدر هي على الطريق الذاهب من المدينة إلى ينبع، فيوجد هناك مدينة بدر التي وقعت فيها غزوة بدر. فأبو مسعود نزل بدرا ولم يشهدها، هذا على قول أكثر. وقيل إنه شهدها، وهذا قول الإمام البخاري رحمه الله في الإمام البخاري يرى أن أبا مسعود شهد بدرا بدليل النسبة هذه، لكن أكثر العلماء من أهل السير والمحدثين يرون أنه لم يشهدها، وانه إنما سمي البدري لأنه نزل بدرا.
قال حديث ابن مسعود: أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا. طبعا قال للنبي صلى الله عليه وسلم، فلان هذا الذي يطيل به. والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على هذا الشخص، لم يقل له: لماذا صلاة الجماعة واجبة لا يجوز لك أن تتاخر عنها لأجلك، لا، إنما يعني اشتد عتبه على الإمام، ولذلك أخذ منه جواز التأخر عن صلاة الجماعة إذا كان إذا علم من عادة الإمام التطويل الكثير، يعني إذا كان الإمام يطول تطويلا زائدا عن السنة والشخص لا يستطيع أن يصلي معه، فيجوز له أن يتاخر عن صلاة الجماعة. ودل الحديث أيضا على جواز ذكر الإنسان بهذا ونحوه في معرض الشكوى والاستفتاء، لأنه شكاه للنبي صلى الله عليه وسلم، ما نقول إن هذا غيبة، لأن هذا من باب الاستفتاء وهذا مما يجوز فيه الغيبة.
قال الراوي: فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ.
فقال: يا أيها الناس، إن منكم منفرين. النبي صلى الله عليه وسلم يعني من عادته إذا وقع الخطأ العام فإنه ينبه تنبيهاً عاماً، ما بال أقوام يفعلون كذا ونحو ذلك، فهنا قال ما قال للشخص هذا، تعال يا فلان، ليش لماذا تنفر الناس عن الصلاة؟ لأن منكم منفرين، فأيكم أما الناس فليؤم، فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة.
هذان الحديثان يدلان على أن المشروع للإمام التخفيف، لكن التخفيف الذي لا يخل بسنة الصلاة ومقاصدها كما قاله النووي رحمه الله في شرح مسلم، قال: والحكم فيها مذكور مع علته، وهو المشقة اللاحقة للمأموم؛ لأنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: فليخفف فإن فيه، فإن الفاء هنا للتعليل، فإن فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة.
وفيه بعد ذلك بحثان، أحدهما: أنه لما ذكرت العلة وجب أن يتبع الحكم لها، فحيث يشق على المأمومين التطويل ويريدون التخفيف يؤمر بالتخفيف، وحيث لا يشق أو لا يريدون التخفيف لا يكره التطويل. وعلى هذا قال الفقهاء: أي أنه إذا علم من المأمومين أنهم يؤثرون التطويل طول، كما إذا اجتمع قوم لقيام الليل، فإن ذلك وإن شق عليهم فقد آثروه ودخلوا فيه.
وهذا معروف عند الفقهاء، يقررون أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فيقول: التخفيف هنا لأجل المشقة على المأمومين، فإذا وجدت المشقة شرع التخفيف، وإذا لم توجد المشقة أو كان المأمومون يرغبون بالتطويل فإنه لا يكره التطويل. ولذلك نقل عن بعض الفقهاء أنه إذا علم من المأمومين أنهم يؤثرون التطويل فانه يطول، كما لو مثلاً في صلاة التراويح أو القيام قالوا للإمام: نود منك تطيل بنا لأجل أن تختم بنا القرآن في رمضان، فيطيل بهم فهم الذين رغبوا الإطالة.
يقول ابن العطار رحمه الله: والمراد باعتبار قول المأمومين في التطويل وتركه إذا كانوا محصورين، كما إذا اجتمع قوم لصلاة الليل أو كان المسجد صغيراً في الفرائض، أما إذا كان المسجد كبيراً والجماعة غير محصورين فان الإمام يخفف بهم مطلقاً حيث لا يخل بالفرائض والسنة. ويقول هذا الكلام الذي ذكره ابن دقيق العيد رحمه الله عن بعض الفقهاء أنه إذا علم المأموم أنه لا يكرهون التخفيف فانه يطول، يقول: هذا الجماعة المحصورين، أما إذا كانوا الجماعة كثيرين لا يعلم هل يؤثرون التطويل أو لا فإن الأصل أنه يخفف بهم.
الثاني: التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء طويلاً بالنسبة إلى عادة قوم، وقد يكون خفيفاً بالنسبة إلى عادة آخرين. وقد قال بعض الفقهاء: إنه لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود، والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك مع أمره بالتخفيف؛ فكان ذلك لأن عادة الصحابه لاجل شدة رغبتهم في الخير يقتضي أن لا يكون ذلك تطويلاً، هذا إن كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عاماً في صلاته أو أكثرها، وإن كان خاصاً ببعضها فيحتمل أن يكون لأن أولئك المأمومين يؤثرون التطويل، فهو متردد بين ألا يكون تطويلاً بسبب ما يقتضيه حال الصحابة وبين أن يكون تطويلاً لكنه بسبب إيثار المأمومين له. وظاهر الحديث المروي لا يقتضي الخصوص ببعض صلواته صلى الله عليه وسلم، وحديث ابن مسعود يدل على الغضب في الموعظة، وذلك يكون إما لمخالفة الموعوظ لما علمه أو التقصير في تعلمه، والله أعلم.
هنا ذكر ضابط التخفيف والتطويل فيقول الحقيقة إنه ليس فيه ضابط مضطرد، ما نقول مثلاً إذا قرأ الإمام ثلاث آيات فإنه مخفف، إذا قرأ خمس آيات فإنه مطول أو نحو ذلك، أو نحده بالدقائق ونحو ذلك، لا، يقول: من الأمور الإضافية. وفسر ذلك بأنه قد يكون الشيء طويلاً عند قوم خفيفاً عند آخرين. ثم ذكر أن بعض الفقهاء ذكروا أنه لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود، قالوا: لأن الزيادة يعني يعتبر تطويلاً، فأجاب عليهم بأن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك، وقد نقل أنه يعني في ركوع سجوده قد يبلغ عشر تسبيحات تقريباً، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم تعد صلاته تخفيفاً تعد صلاته خفيفة. لكن يقول إن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم خفيفة عند الصحابة رضي الله تعالى عنهم من شدة رغبتهم في الخير أو أنها هذه طويلة لكن هم يؤثرون التطويل، فلا يؤخذ منه أن هذا حد للقصر.
يقول: هذا على فرض أن هذا مستمر في كل الصلوات، أما إذا كان هذا في بعض الصلوات فايضاً لا يؤخذ منه أن هذا حد للطول والقصر، فإذن الضابط قد نقول: إن هذا يختلف من قوم لقوم، وأيضاً هناك مثلاً أناس يشق عليهم القيام الطويل يعني لكبار السن ونحوه، ومسجد آخر كلهم شباب لا يشق عليهم ذلك، على أننا نجد في الواقع العملي أن بعض كبار السن ممن نجد منهم ضعفا في الصحة أنهم أحرص على تطويل الصلاة من بعض الشباب.
ذكر شيخنا الشيخ عبد الكريم التويجري وفقه الله في بعض دروسه أن أحد كبار السن يقول: يعني عمره في وقت القصة جاوز التسعين توفي رحمه الله، يقول في وقت يمكن تجاوز التسعين أو قريبا منها، يصلي مع الإمام خلف الإمام صلاة التهجد قيام الليل في العشر الأخير من رمضان، والإمام قراءته عادية يعني ليس صوته حسناً، ويطيل بهم، يقرا قرابه خمسة أجزاء في الليلة. ففي إحدى الليالي والامام يقرأ، سمع مسجداً يعني ليس بالبعيد منه يرفع الأذان، يرفع الأذان الأول لصلاة الفجر، فاعتقد الإمام هذا أن وقت الفجر قد قرب نوعاً ما فخفف الصلاة بهم في التسليمات المتبقية، يقول: فلما انتهى من الصلاة غضب هذا الشيخ الكبير، غضب وقام متكئاً على عصاه وقال: حينما جاء وقت النزول الإلهي تخفف بنا الصلاة! وزجره زجراً شديداً. فيقول الشيخ تعليقاً عليها: إن النشاط والصحة والقوة هو في القلب حقيقةً، ليس في الجسم، فكثير من الشباب لا يصبرون على مثل هذا الطول، إنما يصبر عليه من ربى نفسه على مثل هذه العبادة.
قال: حديث أبي مسعود يدل على الغضب في الموعظة، النبي صلى الله عليه وسلم غضب على الإمام وقال: وذلك يكون إما لمخالفة الموعوظ فيما علم، يعني أما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد نبهه من قبل فخالف فغضب النبي صلى الله عليه وسلم عليه، أو للتقصير في تعلمه، يعني الأصل أن هذا من الأساسيات التي ينبغي له أن يتعلمها فما تعلمها، فلاجل التقصير غضب النبي صلى الله عليه وسلم لأحد هذين الأمرين.
نختم بفائدة، جاء في الإصابة لابن حجر رحمه الله قال: كعب بن أبي حزة، كعب بن أبي حزة يعني هو أحد الصحابه سيتكلم عنه، قال بفتح الحاء المهمله وتشديد الزاي بعدها تاء تأنيث، كذا ضبطه الشيخ تاج الدين الفاكهي في شرح العمدة. الفاكهي له شرح لعمدة الأحكام، طبعا شرح الفاكهي يقع، الفاكهي أو الفاكهاني يعني إذا اردت أن تتسلسل في الشروح.
شيخنا أحسن إليكم الشيخ عبد الله كان الصوت، طيب الآن واضح؟ واضح.
شرح ابن العطار ينقل من شرح ابن دقيق العيد وينقل من شرح النووي على مسلم ويزيد عليه، لكن هذا أكثر مصدرين نقل منه ابن الفاكهاني. بعده ابن الفاكهاني ينقل من ابن دقيق العيد ومن ابن العطار ويزيد زيادات كثيرة، ابن العطار زيادته ليست بالكثير، بعده ابن الملقن ينقل من هذه، حتى يتعقب الفاكهاني كثيراً.
قد يطلع شخص على شرح ابن الملقن مباشرة فيجد فيه فوائد كثيرة، ترى كثيراً منها موجود في شرح الفاكهاني قبله، والفاكهاني اعتمد على شرح ابن العطار وابن دقيق وزاد عليهما. يعني هذا من أراد أن يتوسع في شرح أو في مراجعة شروح العمدة على هذا الترتيب ويستفيد.
نرجع إلى كلام ابن حجر في الإصابة يقول: كذا ضبطه الشيخ تاج الدين الفاكهي في شرح العمدة وزعم أنه هو الذي صلى العشاء مع معاذ، ثم انصرف، يعني أنه هو الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان فلان، يعني معاذ، والمتأخر هو كعب بن أبي حزة.
قال: هذا الآن كلام الفاكه، قال ابن حجر في الإصابة: وقد وهم فيه، فإن الحديث في سنن أبي داود وسماه حزم بن أبي كعب. حزم بن أبي كعب، هنا هو يقول كعب بن أبي حزه والصواب حزم بن أبي كعب. قال: فانقلب على التاج، لأنه سماه كعب بن أبي حزه وهو حزم، يقول: فانقلب على التاج وتحرف عليه من حزم إلى حزة، قال: تحرف ولم يشعر، اكتفى بذلك حتى ضبطه بالحروف، يعني انقلب عليه وضبطه بالحروف، كأنه واثق من ضبطه. قال: وهذا شأن من يأخذ الحديث من الصحف. نبه على ذلك شيخنا سراج الدين ابن الملقن في شرح العمدة، ولذلك يقولون: لا تأخذ العلم من صحفي، يعني لا تأخذ العلم ممن أخذه من الكتب ولم يأخذه من الشيوخ؛ لأنه قد تتحرف وتتصحف عليه أشياء في الضبط، إضافة إلى أنه قد يفهم خلاف المطلوب، فيقرا الجملة ويفهم فهماً مغلوطاً بسبب أنه لم يأخذ العلم من شيخ وإنما اخذ العلم من الكتاب، وقد قيل قديماً: من كان شيخه كتابه فخطأه أكثر من صوابه.
فينبغي أن يؤخذ العلم عن الأشياخ، وأخذ العلم عن الأشياخ يستفيد به الطالب جودة الفهم، وأن شيخه يوصل له المعلومه بأقرب طريق، ويستفيد به أيضاً أنه يستفيد من خلق الشيخ وتصرفه وحسن تصرفه وحسن وعظه وحسن خلقه ونحو ذلك.
نقف على هذا ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان