بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم.
أما بعد، فهذا هو المجلس الخامس من مجالس التعليق على أحكام الأحكام، شرح أحكام الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. كنا قد توقفنا أثناء الحديث الخامس من أحاديث باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها، وهو حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في السنن الرواتب.
وتقدم الكلام على التنبيهات التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في أثناء هذا الحديث في العمل بالحديث الضعيف، وهل نعمل به على الصفة الواردة في الحديث أو لا؟ وكذلك هذا الحديث الضعيف إذا تضمن إشعارا في الدين وإحداثا في الدين، فهل يعمل به أو لا؟ وتكلمنا على هذا كله ووقفنا على التنبيه الرابع.
يقول رحمه الله في التنبيه الرابع: "ما ذكرناه من المنع، يعني من منع العمل بالحديث الضعيف إذا كان فيه إحداث شعار في الدين، فتارة يكون منع تحريم، وتارة منع كراهة". ولعل ذلك يختلف بحسب ما يفهم من نفس الشرع من التشديد في الابتداع بالنسبة إلى ذلك الجنس والتخفيف.
ألا ترى أننا إذا نظرنا إلى البدع المتعلقة بأمور الدنيا لم تساوي البدع المتعلقة بأمور الأحكام الفرعية؟ ولعلها أعن البدع المتعلقة بأمور الدنيا، لا تكره أصلا، بل كثير منها يجزم فيه بعدم الكراهة. وإذا نظرنا إلى البدع المتعلقة بالأحكام الفرعية لم تكن مساوية للبدع المتعلقة بأصول العقائد.
هنا يقرر المؤلف رحمه الله تعالى أن ما أحدث وصار شعارا في الدين يمنع منه، لكن المنع منه ليس على درجة واحدة؛ فهناك أمور يشدد في منعها، وهناك أمور أخف، بل هناك أمور يجزم فيها بعدم المنع، مثل الأشياء التي ترجع إلى الأمور الدنيوية مثل تنظيم أمور البيع والشراء ونحو ذلك والتجارات، فهذه لا يلزم أن يكون عليها دليل بخصوصها، يكفي الأدلة العامة في حل البيع وحرمته وما يكتنفه من أمور تحرمه من الربا والغرر ونحو ذلك. لكن كون الحاكم يفرض على الناس أمرا معينا في البيع من الأمور التي ليست محرمة، فهذه لا نقول إنها بدعة.
كذلك يقول أيضا إن البدع تختلف، فالبدع المتعلقة بالامور الفرعية تختلف عن البدع المتعلقة بأمور العقائد. فمثلا بدعة في الصلاة، لو قلنا إن أشخاصا يجهرون بالبسملة قبل تكبيرة الإحرام، فيقول: «بسم الله الرحمن الرحيم»، ويجهرون بها ويكون هذا ديدنهم، نقول هذا أمر مبتدع. ولكن لو قال شخص يرى مذهب المعتزلة في الأسماء والصفات، أو مذهب الأشاعرة ونحو ذلك، فنقول هذه بدعة أقوى من الأولى؛ لأن هذه متعلقة بأصول العقائد وهذه متعلقة بأمور فرعية. فالبدع ليست على درجة واحدة، إنما هي درجات.
وأيضا الأمور التي لم يدل عليها دليل، بعضها لا يصل إلى حد البدع الممنوعة، كما قال هنا: "الأمور التي تتعلق بأمور الدنيا"، وكذلك التي جاء فيها نص عام وعم العلماء من باب المصالح المرسلة؛ مثل جمع القرآن وكتابته في مصحف واحد، فهذا لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن جاء ذلك في عهد الصحابة واستمر عليه الناس إلى اليوم، فهذا ليس متعلقا بأمور دنيوية، لكن جاء الدليل العام على حفظ القرآن، وأن الله عز وجل حافظ كتابه، وهذا من وسائل حفظه أن يكتب ويجمع في مصحف واحد.
قال: فهذا ما يمكن ذكره في هذا الموضع، مع كون كونه من المشكلات القوية لعدم الضبط فيه بقوانين تقدم ذكرها للسابقين. وقد تباين الناس في هذا الباب تباينا شديدا، فالأمور التي يقال إنها بدع اختلف الناس في ضابط البدعة، هل هذا بدعة أو ليس ببدعة؟ اختلف الناس فيها لأنه ليس فيها نصوص واضحة. العلماء رحم الله تعالى يستنبطون ضوابط البدعة من نصوص الشريعة، وليس فيها أمر واضح حد فاصل بين أن هذا مبتدع وهذا غير مبتدع.
أحيانا مثلا يأتي الذي يرى أن الأحاديث كلها ضعيفة فيقول هذا غير مشروع، وبعضهم يزيد أن هذا أمر مبتدع، وبعضهم يقول: أنا أرى صحة هذا الحديث فأرى أن هذا أمر مشروع. حتى بلغني أن بعض المالكية -وبعضهم نسبه إلى أبي القاسم الحسين أو الحسن بن الحباب السعدي رحمه الله تعالى- مر في ليلة من إحدى ليالي الرغائب، التي في رجب والتي في شعبان، بقوم يصلون تلك الليلة جماعة، مثل التراويح، وقوم عاكفين على محرم أو ما يشبهه أو ما يقاربه، فمر على جماعتين من الناس: جماعة تصلي هذه الصلاة المبتدعة، وجماعة عاكفين على أمر محرم أو قريب من المحرم، فيقول: فحسن حال العاكفين على المحرم على حال المصلين تلك الصلاة.
يعني قال: هؤلاء الذين جلسوا على المحرم حالهم أحسن من الذين اجتمعوا على تلك الصلاة المبتدعة. وعلل ذلك بأن العاكفين على المحرم عالمون بارتكاب المعصية، فيرجى لهم الاستغفار والتوبة، والمصلون لتلك الصلاة مع امتناعها عنده معتقدون أنهم في طاعة، فلا يتوبون ولا يستغفرون. يقول إن هؤلاء الذين اجتمعوا على الأمر المحرم هم يعلمون أنهم على خطأ، لذلك التوبة منهم قريبة، فقد يرجع الإنسان إلى نفسه فيتوب ويستغفر ويقل عن هذا الذنب، لكن الذين يصلون الصلاة المبتدعة يرون أنهم على صواب، لذلك لن يرجعوا عن هذا الخطأ أو يصعب رجوعهم عنه.
ولذلك قال بعض السلف: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية»، البدعة والمعصية، المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها. ويقصد ما ذكره المؤلف رحمه الله هنا؛ أنه إن المبتدع يظن أنه على صواب لذلك لن يرجع، أما العاصي فيظن أنه على خطأ، فإذا رجع إلى نفسه قد يلوم نفسه فيرجع ويستغفر ويتوب إلى الله تعالى.
يقول: والتباين في هذا يرجع إلى الحرف الذي ذكرناه في الدرس الماضي، وهو إدراج الشيء المخصوص تحت العمومات، أو طلب دليل خاص على ذلك الشيء الخاص، وميل المالكية إلى الثاني؛ مثل ما تقدم في رفع اليدين في دعاء القنوت. رفع اليدين في دعاء القنوت عندنا جاءت نصوص في رفع اليدين في الدعاء خارج الصلاة، فهل نقول ترفع اليدان في دعاء القنوت في الصلاة لورود النصوص على رفع اليدين خارج الصلاة؟ أو نقول لا، خارج الصلاة يختلف عن داخل الصلاة؟ فما دام أنه لم يرد دليل خاص برفع اليدين في دعاء القنوت في الصلاة، فنبقى على ذلك ونقول يدعو للقنوت.
ولا يرفع يديه، وتقدم لنا الخلاف. وذكرنا أن ابن الملقن رحمه الله تعالى ذكر أنه ورد عن النبي ﷺ رفع اليدين في دعاء القنوت، وورد عنه رفع اليدين في دعاء القنوت عند البيهقي وغيره، لكن من لا يصحح الحديث يقول: مثلا منهم من قال إنه يدخل في العمومات، فنقول برفع اليدين، ومنهم من قال لا، ما دام لم يصح الحديث فنقول رفع اليدين في دعاء القنوت غير مشروع.
وقد ورد عن السلف الصالح رحمهم الله تعالى ما يؤيده في مواضع؛ ما يدل على أنه لا بد من طلب الدليل الخاص في هذه المسألة ولا يؤخذ بالعموم. وذكر بعض الأمثلة، يقول: ألا ترى أن ابن عمر رضي الله عنهما قال في صلاة الضحى إنها بدعة؛ لأنه لم يثبت عنده فيها دليل ولم يرَ إدراجها تحت عمومات الصلاة لتخصيصها بالوقت المخصوص. عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لم يبلغه حديث صلاة الضحى فقال إنها بدعة، ولم يقل بأنها مستحبة لأنها داخلة في عموم الأمر بالإكثار من التطوعات في غير أوقات النهي، لا، قال إنها بدعة؛ لماذا؟ لأنها تؤتى في وقت مخصوص. لو كان أحد يصليها أحيانًا الضحى وأحيانًا بعد الظهر وأحيانًا بعد المغرب وبعد العشاء ما صار هذا فيه إشكال، لكن لما كانت تتقيد بها وقت الضحى وابن عمر رضي الله تعالى عنهما لم يبلغه أن النبي ﷺ كان يصلي الضحى، فلذلك قال إنها بدعة.
وكذلك يقول: وكذلك قال في القنوت الذي كان يفعله الناس في عصره إنه بدعة، ولم يرَ إدراجه تحت عمومات الدعاء، ولعله يقصد القنوت الذي كان يفعل في صلاة الفجر، القنت المستمر الذي كان يفعل في صلاة الفجر كما يقوله بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى، فرأى أنه بدعة لأن النبي ﷺ لم يكن يواظب عليه، إنما كان يدعو به وقت النوازل. فابن عمر رضي الله تعالى عنهما لم يقل إنه مشروع لدخوله في عموم نصوص الأمر بالدعاء، لكنه لما لم يجد فيه دليلًا خاصًا على استمراره من النبي ﷺ قال إنه بدعة.
يقول: وكذلك ما روى الترمذي من قول عبد الله بن مغفل رضي الله عنه في الجهر بالبسملة: «إياك والحدث»، ولم يرَ إدراجه تحت دليل عام. الجهر بالبسملة في سورة الفاتحة، هل يجهر بها أو لا يجهر بها؟ هذه مسألة خلافية. هنا عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال لابنه: «إياك والحدث»؛ لماذا؟ لأنه لم يكن النبي ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهم أحد منهم يجهر بالبسملة، وإن كانت قد وردت نصوص عن النبي ﷺ في الجهر بالبسملة لكن لم يصح منها شيء، وما ورد من جهر النبي ﷺ بالبسملة في الصلاة فإنه لم يصح عنه ﷺ.
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن من أسباب كثرة الأحاديث الضعيفة والباطلة في البسملة أن ممن يعتقد الجهر بالبسملة الرافضة، فلذلك وضعوا أحاديث في الجهر بالبسملة ليست كلها موضوعة، بل فيها الضعيف وفيها الضعيف جدًا.
قال: وكذلك ما جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه فيما أخرجه الطبراني في معجمه بسنده عن قيس بن أبي حازم قال: ذكر لابن مسعود قاص يجلس بالليل ويقول للناس: قولوا كذا وقولوا كذا، فقال: إذا رأيتموه فأخبروني. قال: فأخبروه، فأتاه مسعود متقنعًا فقال: «من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فإنا عبد الله بن مسعود، تعلمون أنكم لستم من أصحاب محمد ﷺ وأصحابه».
يعني أن ما حكيناه في القنوت والجهر بالبسملة من باب الزيادة في العبادات. يقول: ذكر له أن هناك قاصًا يجلس في المسجد ويقول للناس كذا وكذا، جاء في بعض الروايات أنه يقول: سبحوا مئة، هللوا مئة، احمدوا مئة وهكذا، فابن مسعود رضي الله عنه أنكر عليه هذا الفعل؛ لماذا؟ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ تخصيص بهذا العدد في هذا الوقت، وقد يكون ذكرًا جماعيًا فلم يره من أصحاب محمد ﷺ. ولذلك أنكر عليه وقال: «أنت من أصحاب محمد ﷺ»، ولم يدخله في العموم؛ أي قد يقول قائل: لماذا ينكر عليه وهو في عموم الأمر بالذكر؟ يقول: لا، هو لم يدخله في العموم، إنما أراد نصًا خاصًا به فلم يجد له، فلذلك أدخله في البدع. قال: على أن ما حكيناه في القنوت والجهر بالبسملة من باب الزيادة في العبادات، قد تكون من باب الزيادة في العبادات ولا تدخل في حيز البدعة.
قال: طبعًا بعض الشراح قالوا إن ما ذكر عن ابن مسعود هنا وابن عمر وعبد الله بن مغفل لعله لم يبلغهم الأحاديث الخاصة بها ونحو ذلك، لكن يقال إن المؤلف رحمه الله تعالى ذهب إلى أنهم فهموا أنه لا بد أن يأتي دليل خاص على هذا الذكر ولا يدخلونه في عموم الأحاديث الدالة على هذه العبادة.
قال رحمه الله: التنبيه الخامس، ذكر المصنف حديث ابن عمر في باب صلاة الجماعة، مع أنه في سنن الرواتب، ما علاقته بها؟ قال: ولا تظهر له مناسبة. المؤلف رحمه الله تعالى أحيانًا لو مر علينا بعض الأبواب -وسيمر لاحقًا- أحيانًا يبوب بابًا مثلًا في الصيام: صوم التطوع وغيره، فيأتي بالأحاديث التي في صوم التطوع ويأتي بأحاديث ليست في صوم التطوع لكن يلحقها بهذا الباب. فهنا ما قال باب صلاة الجماعة وغيرها، فلذلك يقول المؤلف رحمه الله: لا تظهر له مناسبة.
قال: فإن كان أراد أن قول ابن عمر: «صليت مع رسول الله ﷺ» معناه أنه اجتمع معه في الصلاة، فليست الدلالة على ذلك قوية؛ فإن المعية مطلقًا أعم من المعية في الصلاة، وإن كان محتملًا، فقد يكون صليت مع النبي ﷺ أي صليت مثله، لا يلزم أن يكون معه في جماعة، كأن ترى النبي ﷺ يصلي قبل الظهر ركعتين فصليت قبل الظهر ركعتين، فصليت معه، هذا محتمل.
ومحتمل أنه صلى معه في الجماعة، ومحتمل أنه صلى معه في المسجد، لكنه هذا في صف وهذا في صف، لم يصلوها جماعة، فهذا محتمل، كله وذك.
قال: فإن المعية مطلقا أعم من المعية في الصلاة وإن كان محتملا. ومما يقتضي أنه لم يرد ذلك لم يدرجها؛ لحديث أنه أورد عقيبه حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدا من ركعتي الفجر»، وفي لفظ لمسلم: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»، وهذا لا تعلق له بصلاة الجماعة، لا تعلق له بصلاة الجماعة.
الملقن رحمه الله يقول: قد يقال الظاهر من فعل ابن عمر هذه السنن بحضرته عليه الصلاة والسلام أن يكون عقب فعل الفرض، ويبعد منه وقوع صلاة الفرض وحده بحضوره، وحينئذ فقد ظهر وجه المناسبة. يقول: كان المؤلف رحمه الله استنبط وجها خفيا من المناسبة، وهو أن النبي ﷺ صلى هذه الصلوات التي هي المسنونة قبل الصلاة الفريضة وبعدها، وهذا دليل على أنه صلى الفريضة جماعة، فهذا مما يدل على أن النبي ﷺ كان يصليها جماعة، وهذا وجه خفي، وفيه نوع تكلف.
قال: وقد يجاب أيضا بأن حكمه شرعية النوافل تكميل الفرائض، فإن عرض فيها نقص كما ثبت في سنن أبي داود وغيره. وارتاب نفسه بتقديم النافلة ينشط لها، فيفرغ قلبه ويتفرغ قلبه أكمل فراغ لها؛ فلهذا استحب لهذا المعنى أن تفتتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين. فلما ذكر المصنف المقارن للصلاة وهو الجماعة ذكر السابق واللاحق، فالجميع مكملات للفريضة. يعني يقول عندنا أشياء تكمل نقص الصلاة، في الصلاة نفسها يكمل نقصها أن تكون في جماعة، وقبل الصلاة وبعدها يكمل نقصها أن يأتي بالنافلة.
«لم يكن الله ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر»، هذا متفق عليه، وفي لفظ لمسلم: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها».
وقوله من النوافل: النوافل جمع نافلة، والنافلة أصلها في اللغة عطية أو التطوع، والنافلة أيضا ولد الولد كما قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [هود: 71]. والتعاهد قال: شد تعاهدا، من تعاهد المحافظة على الشيء وتجديد العهد به والتعهد مثله. قال الجوهري رحمه الله: «تعهدت فلانا وتعهدت ضيعتي»، وهو أفصح من عاهدته، فالتعاهد إنما يكون بين اثنين.
يقول المؤلف رحمه الله: في هذا الحديث دليل على تأكد ركعتي الفجر، أخذنا التأكد من مواظبة النبي ﷺ عليها، ومن وصفه لهما بأن ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها. قال: وعلو مرتبتهما في الفضيلة فهما سنتان مؤكدتان.
قال: وقد اختلف أصحاب مالك رحمه الله تعالى -أعني- في قوله إنهما سنة أو فضيلة، بعد اصطلاحهم على الفرق بين السنة والفضيلة، وذكر بعض المتأخرين قانونا في ذلك. القانون يعني الضابط أن ما واظب عليه ﷺ مظهرا له في جماعة فهو سنة. هذا قيد السنة عندهم، أن يكون النبي ﷺ واظب عليه وأظهره في جماعة فهو سنة، إذا السنة أعلى شيء، والذي دونه ما لم يواظب عليه وعده في نوافل الخير فهو فضيلة.
هنا رتبة الفجر واظب عليه، لكن لم يظهر في جماعة، فهل تأخذ حكم السنة وحكم الفضيلة؟ قالوا: ما واظب عليه ولم يظهره، وهذا مثل ركعتي الفجر، وفيه قولان: أحدهما أنه سنة، والثاني أنه فضيلة.
هنا المؤلف رحمه الله سيتكلم عن هذا المصطلح، يقول: واعلم أن هذا التفريق بين السنة والفضيلة إن كان راجعا إلى الاصطلاح فالأمر فيه قريب، فإن لكل أحد يصلح في التسميات على وضع يراه. يعني هذه التسمية عند المالكية، لكن عند الحنابلة رحم الله تعالى ما عندهم تسمية فضيلة، يعني أنها ليست هي السنة أو أنها أقل من السنة، ليست عندهم هذه التسمية. لذلك يقول: المصطلحات بابها واسع، فإذا اصطلح أهل مذهب مثلا على تسمية معينة فلا نقول إن هذا التفريق لا دليل عليه أو لا أصل له، لا، هذا تفريق لهم لا إشكال فيه، لكن الإشكال إذا كانت هذه التسمية يترتب عليها معنى، فهنا ننظر فيها؛ هل التفريق هذا الذي هو مبني على المعنى هل تفرق صحيح أو لا؟
قال: وإن كان راجعا إلى اختلاف في معنى، فقد ثبت في هذا الحديث تأكد أمر ركعتي الفجر، ومقتضاه تأكد استحبابه، فما لنقل به يعني نقول إنهما سنة مؤكدة، ولا حرج على من يسميهما سنة، سواء سماهما سنة أو سنة مؤكدة أو فضيلة، لا إشكال في التسمية، لكن الذي نتفق عليه أن هذه السنة التي رتبة الفجر سنة مؤكدة، مراغب فيها أكثر من غيرها، حتى إن بعض العلماء يفاضل بينها وبين الوتر، هل هي أفضل من الوتر أو الوتر أفضل، على خلاف بين العلماء.
قال: ولا حرج على من يسميهما سنة، وإن أريد أنهما مع تأكد ما أخفض رتبة مما واظب عليه الرسول ﷺ وأظهره في الجماعة، فلا شك أن مراتب الفضائل تختلف. إن أريد أن من قال إنهما سنة، ومن قال إنهما فضيلة يقول هما أقل رتبة من السنة، ففضيلة السنة هي التي على وصف من أطلق عليه السنة من فرق من المالكية، السنة من ما واظب عليه النبي ﷺ وأظهره في جماعة، فيقول لما لم ينطبق وصف الإظهار في جماعة على هذه فنجعلها فضيلة، فيقول ما في إشكال. يعني كونك تقول إنها فضيلة ليست سنة بمعنى أنها أنزل رتبة مما واظب عليه النبي ﷺ وأظهره في جماعة، فنقول هذا لا إشكال فيه، فمراتب السنن تختلف، ليست مرتبة واحدة.
فإن قال قائل: إنما سمي بالسنة أعلاها رتبة، لا نسميها سنة وإنما نسميها فضيلة لأن السنة هي ما كان في رتبة أعلى، فنقول هذا يرجع إلى الاصطلاح الذي قال فيه قبل قليل إن الأمر فيه قريب. هل الأرجح أن نقول سنة أو فضيلة؟ نقول عندنا إذا كان الخلاف مبنيا على مصطلح ما يحتاج ترجح، ما يحتاج أن نبحث عن الأرجح أو الأقرب، لماذا؟ لأن الاختلاف في ألفاظ، ولا مشاحة في الاصطلاح، لا مشاحة في الاصطلاح إلا إذا كان الاصطلاح تواضع عليه أهل الفن، فلو اصطلحت على غيره أو ذكرت له مصطلحا وألبسته عندهم، فإنه هنا تكون فيه المشاحة. فمثلا عندنا في النحو مثلا يسمون من وقع عليه الفعل ومن وقع منه الفعل يسمونه.
فاعل: أكل محمد. لو قال شخص أنا سأسمي الفاعل هو الكلمة الأولى في الجملة الاسمية التي يصرح النحويون على تسميتها مبتدأ، وقال إنسان يسميها فاعلاً، نقول لا، هي مصطلح في الاصطلاح. نقول لا، هنا فيه المصطلح؛ لأن هذا المصطلح تواضع عليه أهل الفن، فنقول لا يلبس عليهم في الاصطلاح.
لكن هنا لم يتواضع أهل الفن على أنه ليس هناك شيء اسمه فضيلة أو نحو ذلك؛ الفقهاء كلهم متفقون على أن السنن ليست على رتبة واحدة بل هي مراتب، لكن منهم من يقول كلها سنة لكن هذه أفضل من هذه، ومنهم من يفرق، يقول مثلاً: هذه سنة وهذه فضيلة، ومنهم من يقول يسمي بعض السنن رغيبة ونحو ذلك، ومنهم من يقول سنة مؤكدة ونحو ذلك، فهذه كلها اصطلاحات، والاصطلاحات لا يرجع بينها ما دام أن الأمر يرجع إلى اختلاف في مسمى، فإنه لا يرجع بينها.
نقف على هذا، نسأل الله للجميع السداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان