دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام – كتاب الصلاة (14) باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها تتمة شرح الحديث الخامس

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملاً صالحًا يا كريم.

أما بعد، فهذا هو المجلس التاسع والربع من مجالس التعليق على أحكام الأحكام، شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا على التعليق على الحديث الخامس من أحاديث باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها، وهو حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في السنن الرواتب.

نقرأ شيخ؟ نعم تفضل. أحسنت. الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولمسلمينا جميعًا.

يقول المؤلف رحمه الله تعالى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد الجمعة، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء». وفي لفظ: «فأما المغرب والعشاء والجمعة ففي بيته». وفي لفظ أن ابن عمر قال: حدثتني حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر، وكانت ساعة لا أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها.

أحسنت، هذا حديث ابن عمر رضي الله عنهما في ذكر السنن الرواتب، وقد ذكر سنن الرواتب اليومية: ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، والرواية الأخيرة ركعتان قبل الفجر؛ وهذه عشر سنن. وأما ركعتا الجمعة فهذه ليست يومية وإنما هي أسبوعية، وتكون يوم الجمعة بديلاً عن صلاة الظهر.

وهذه السنن هي التي وردت في حديث ابن عمر، أقصد أنها عشر سنن يومية. وورد في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعًا قبل الظهر، فتكون السنن اثنتي عشرة ركعة. وورد في حديث أم حبيبة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى لله في كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير الفريضة بنى الله له بيتًا في الجنة».

وهذه الاثنتا عشرة ركعة وردت مطلقة أو وردت مبهمة في صحيح مسلم، وفُسرت خارج الصحيح في السنن وغيرها أنها: أربع قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الفجر. فلذلك اختلفت الروايات في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قبل الظهر؛ ففي حديث ابن عمر أنه كان يصلي قبلها ركعتين، وفي حديث أم حبيبة وعائشة أنه يصلي قبلها أربعًا.

ولذلك اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الراتبة قبل الظهر، هل هي اثنتان أو أربع؟ هل هي اثنتان أو أربع؟ على خلاف بين أهل العلم، وهما روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ولعل الأقرب والله أعلم أنها متنوعة، يعني أنها وردت متنوعة؛ فإن صلى أحيانًا ركعتين وأحيانًا أربعًا فقد أتى بالسنة على وجوهها، والله أعلم. فيكون أقلها ركعتين، وأكثرها أربعًا التي يحافظ عليها، وإن زاد فهو زيادة في الأجر.

نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: هذا الحديث يتعلق بسنن الرواتب التي قبل الفرائض وبعدها، ويدل على هذا العدد منها، وفي تقديم السنن على الفرائض وتأخيرها عنها معنى لطيف مناسب. أما في التقدم؛ فلأن الشخص يشتغل بأمور الدنيا وأسبابها، فتتكسر حالته بعيدة عن حضور القلب في العبادة والخشوع فيها الذي هو روحها. فإذا قدم السنن على الفرائض، تأنس النفس بالعبادة وتتكيف بحال تقرب من الخشوع، فيدخل في الفرائض على حالة حسنة لم تكن تحصل له لو لم تقدم السنة؛ فإن النفس مجبولة على التكيف بما هي فيه، فإذا كثر طرأ وورود الحالة المنافية لما قبلها قد يمحو أثر الحالة السابقة أو يضعفه.

وأما السنن المتأخرة، فلما ورد أن النوافل جابرة لنقصان الفرائض؛ فإذا وقع الفرض ناسب أن يكون بعده ما يجبر خللاً فيه إن وقع. أحسنت. هنا يقول المؤلف رحمه الله: إن هذا الحديث يتعلق بالسنن الرواتب التي قبل الفرائض وبعدها. طبعًا قد يقول قائل: ما علاقته بباب صلاة الجماعة؟ إن الباب في صلاة الجماعة. المؤلف رحمه الله ذكر ذلك في نهاية هذا الحديث.

فنرجع إلى نهاية الكلام على هذا الحديث، هنا يقول: هذا الحديث يتعلق بسنن الرواتب التي قبل الفرائض وبعدها، ويدل على هذا العدد منها، فالمذكور فيها عشر سنن يومية أو عشر ركعات يومية وركعتان أسبوعيتان. يقول أيضًا: يدل على هذا، ومن ثم ذكر الحكمة في وجود سنن قبل الفريضة وسنن بعدها.

فيقول: السنن التي قبل الفريضة لكي يوطن الإنسان نفسه على الخشوع في الصلاة التي هي صلاة الفريضة؛ لأنه إذا كان لاهيًا في الدنيا ثم جاء لصلاة الفريضة مباشرة ودخل بدون تقديم سنة قبلها، فإن نفسه إلى الآن لم تتكيف على العبادة، فتدخل هذه العبادة ونفسه متعلقة بما كان يعمل به قبل الصلاة. لكن إذا جاء للصلاة وسمع الأذان فاستعد بالوضوء ثم مشى إلى المسجد، هذا كله تهيئة للقلب، ثم صلى ركعتين أو أربعًا على حسب ما يريد أن يصلي، ثم جلس يذكر الله ويدعو؛ هنا يهيئ قلبه للخشوع في صلاة الفريضة الذي هو روح الصلاة ولبها. هذه الحكمة من السنن القبلية.

أما السنن البعدية، فيقول: هي جابرة للخلل الذي يقع في الصلاة؛ لأنه جاء في الحديث أن الله عز وجل -أو أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة عمله الصلاة- وأنه إذا حصل فيها نقص قال الله عز وجل لملائكته: ﴿انظُرُوا هَل لِّعَبْدِي مِن تَطَوُّعٍ﴾ [الزمر: 43]، فيجبر هذا النقص. فهذه جابرة للصلاة. نعم، أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله: وقد اختلفت الأحاديث في أعداد ركعات الرواتب فعلًا وقولًا، واختلفت مذاهب الفقهاء في الاختيار لتلك الأعداد والرواتب. والمروي عن مالك أنه لا توقيت في ذلك، قال ابن القاسم صاحبه: وإنما يوقت في هذا أهل العراق. والحق والله، هنا ذكر المؤلف رحمه الله أن الأحاديث الواردة في ركعات الرواتب اختلفت قولًا وفعلًا، يعني من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن قوله.

فكما قلنا مثلاً: الراتبة قبل الظهر جاء في بعض الروايات أربع وفي بعضها اثنتان، وبعد الظهر جاء في بعض الروايات أربع وفي بعضها اثنتان، والعصر ما ورد فيها شيء، جاء في الصحيح، لكن جاء خارج الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل العصر ركعتين. جاء...

في حديث آخر: «رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعًا، والعشاء جاء ركعتين، وجاء أربعًا في بعض الروايات». فهنا اختلفت هذه الروايات، ولذلك اختلفت مذاهب الفقهاء في الاختيار لتلك الأعداد والرواتب.

فمنهم من قال إنها عشر الرواتب، وعشر وما سواها فإنه لا يواظب عليها مواظبته على الرواتب التي هي العشر، المذكورة في حديث ابن عمر. ومنهم من قال عشرة وزاد عليها قبل الظهر تكون أربعًا بدل اثنتين، وهذه الرواية الأولى هي المشهور عند الحنابلة رحمه الله تعالى، والثانية رواية عن الإمام أحمد رحمه الله.

وهناك من الفقهاء -كما ذكر المؤلف رحمه الله عن مالك رحمه الله- أنه لا توقيت في ذلك، يعني أن يصلي الإنسان ما شاء بدون تحديد عدد معين؛ صلى إن شاء ما شاء بدون تحديد عدد معين، فإن شاء أن يصلي مثلا قبل الظهر ركعتين أو أربعًا، أو الظهر ركعتين أو أربعًا، فليس هناك عدد معين يواظب عليه. قال ابن قاسم، أي صاحب مالك: «إنما يوقت في هذا أهل العراق الذين هم أتباع أبي حنيفة رحمه الله تعالى».

الآن المؤلف رحمه الله سيجمع بين الأحاديث الواردة في الباب. قال رحمه الله تعالى: «والحق -والله أعلم- في هذا الباب، أعني ما ورد فيه أحاديث بالنسبة إلى التطوعات والنوافل المرسلة، أن كل حديث صحيح دل على استحباب عدد من هذه الأعداد أو هيئة من الهيئات أو نافلة من النوافل يُعمل به في استحبابه».

ثم يقول لك: إذا جاءنا حديث وكان هذا الحديث صحيحًا ودل على استحباب إما عدد معين أو هيئة معينة أو نافلة بدون عدد، أي مطلقة لم يوضح عددها، فإنه يقال باستحبابها، وهذا من جهة العموم. ثم سيذكر لك المستحب ثم سيذكر لك ما يواظب عليه أكثر.

قال رحمه الله تعالى: «ثم تختلف مراتب ذلك المستحب؛ فما كان الدليل دالًا على تأكد إما بملازمته فعلاً، أو بكثرة فعله، وإما بقوة دلالة اللفظ على تأكد حكمه، وإما بمعاذ حديث آخر له أو أحاديث فيه تعلو مرتبته في الاستحباب، وما نقص عن ذلك كان بعده في المرتبة».

المرتبة العليا: أن يكون الدليل الوارد دالًا على تأكد هذه السنة، وتأكد ذكر أربعة أمور تدل على التأكد: إما بملازمة النبي ﷺ لها فعلاً، مثل سنة الفجر لم يكن النبي ﷺ يدعها حظرًا ولا سفرًا، ومثل صلاة الوتر. أو بكثرة فعله، يعني لا يلازمه دائمًا لكن يكثر من فعله، مثل قراءة سورة السجدة. أو بقوة الأمر الثالث، بقوة دلالة اللفظ على تأكد حكمه، مثل ما روي أنه ﷺ قال في سنّة راتبة الفجر: «لا تدعها ولو طردتك الخيل». أو بمعاذ حديث آخر له أو حديث فيه هذا الأمر، الرابع يعني لو جاءت أحاديث كثيرة تدل على فعل النبي ﷺ بهذا الأمر المعين، مثل السواك جاء فيه قرابة مائة حديث في استعمال السواك، فهذا دليل على تأكد حكمه.

فيقول: إذا كان الدليل الآتي في هذه السنة -نتكلم عن المستحبات عمومًا سواء كانت سننًا أو غيرها- دالًا على تأكد حكمه بأحد هذه الأمور الأربعة، فإنه تقوى مرتبته في الاستحباب، فيقال مثلاً: هذه سنة راتبة أو سنة مؤكدة. هذه هي المرتبة الأولى.

قال رحمه الله تعالى: «وما نقص عن ذلك كان بعده في المرتبة». هذه المرتبة الثانية، يعني نقصت عن الأولى، جاء فيه ما يدل على تأكد حكمه بأحد هذه الأمور الأربعة أو ببعضها، فيدل على تأكد حكمه. لو أن السنة لم يأتِ دل عليها أمر واحد مما يدل على تأكد حكمها، نقول هذا دون الأول في الاستحباب؛ مثل سنة الظهر، سنة الظهر كان النبي ﷺ يأتي بها كثيرًا لكن لا يحافظ عليها في السفر، فنقول هي دون سنة راتبة الفجر.

قال رحمه الله تعالى: «وما ورد فيه حديث لا ينتهي إلى الصحة، فإن كان حسنًا عُمِل به إن لم يعارضه صحيح أقوى منه، وكانت مرتبته ناقصة عن هذه المرتبة الثانية». يعني إذا جاء في هذا المستحب حديث لكنه نازل عن رتبة الصحيح، يعني حديث حسن، فهذا أنزل من المرتبة الثانية، إن لم يأتِ حديث صحيح يعارضه، فهنا يقدم الصحيح، لكن إذا لم يأتِ صحيح يعارضه فإنه يكون أنزل من المرتبة الثانية. وظاهر كلامه أنه حتى لو تأكد حكمه بأحد الأمور الأربعة فإنه يكون أنزل من المرتبة الثانية، وبعض العلماء قال: لا، إذا تأكد حكمه بأحد الأمور الأربعة فإنه يترقى عن المرتبة الثانية.

قال رحمه الله تعالى: «وما كان ضعيفًا لا يدخل في حيز الموضوع، فإن أحدث شعارًا في الدين مُنع منه، وإن لم يحدث فهو محل نظر؛ يحتمل أن يقال إنه مستحب لدخوله تحت العمومات المقتضية لفعل الخير واستحباب الصلاة، ويحتمل أن يقال إن هذه الخصوصيات بالوقت أو بالحال والهيئة والفعل المخصوص تحتاج إلى دليل يقتضي استحبابه بخصوصه، وهذا أقرب والله أعلم».

الآن يقول لك: هذه المرتبة الرابعة، إذا أتى حديث ضعيف بصلاة، من السنن المتعلقة بالصلاة، فهنا يقول: طبعًا إذا كان هذا الضعيف لا يدخل حيز الموضوع، أما إذا كان موضوعًا فهذا لا يلتفت إليه، لكن إذا كان ضعيفًا ولا يصل للموضوع ولكنه قصر عن رتبة الحسن، فإنه لا يخلو من أمرين: إما أن يكون قد أحدث شعارًا في الدين، يعني صار أمرًا ظاهرًا يجتمع الناس عليه، فإنه يمنع منه، كصلاة الرغائب كما سينبه المؤلف عليه بعد قليل؛ صلاة الرغائب التي تُصلى أول ليلة من رجب، فالحديث فيها ضعيف والاجتماع فيها هنا زاده ضعفًا، لأنه حديث ضعيف واجتمع الناس عليه وأحدث شعارًا في الدين. يعني لو كان الإنسان فعله وحده نقول هذا أخف مما لو فعله في جماعة.

طيب، إذا لم يحدث شعارًا في الدين، يعني صلاة الرغائب إذا فعلها وحده، فهنا يقول يحتمل أمرين.

رجب، فهذه؛ فإذا لم يصح، يعني صلاها وحده فيقول احتمالين: إما أن نقول إنه مستحب لدخوله في العمومات المقتضية لفعل الخير واستعاب صلاته، فنقول مثلاً: هو صلى السنن التي تكون ليلة من رجب، فنقول حتى لو لم يصح الحديث فإن هذه السنن داخلة في أمر الله عز وجل بإقامة الصلاة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من صلاة التطوع ونحو ذلك.

ويحتمل احتمالًا آخر، وهو أنها لا تفعل حتى لو كان الإنسان سيفعلها وحده؛ لأن التخصيص في هذا الوقت يحتاج إلى دليل، أن يكون الإنسان يصلي متقصدًا ليلة جمعة من رجب ويصلي هذه السنن، الثمان ركعات يصليها ليلة أول جمعة من رجب، فنقول هذا التخصيص ليلة أول جمعة من رجب هذا لا بد عليه من دليل صحيح، ولا يوجد دليل صحيح؛ فلذلك لا تشرع، ولا نقول إنها تدخل في عموم استفهام الصلاة؛ لأن هذا خاصها بتلك الليلة. لو كان كل ليلة يصلي بعد صلاة العشاء اثنتي عشرة ركعة ما قلنا له لماذا؟ هذا داخل في عموم قيام الليل، لكنه لو خص ليلة أول جمعة من رجب في هذه الركعات، فنقول أنت أحدثت في هذا الدين حدثًا فيمنع منه.

ثم المؤلف رحمه الله تعالى سينبه تنبيهات تتعلق بالبدع، وتتعلق بالأخذ بالحديث الضعيف في مثل هذه الأحكام. قال رحمه الله تعالى: وها هنا تنبيهات. الأول: أن حيث قلنا في الحديث الضعيف إنه يحتمل أن يعمل به لدخوله تحت العمومات، فشرط ألا يقوم دليل على المنع منه أخص من تلك العمومات. مثاله: الصلاة المذكورة في أول ليلة جمعة من رجب لم يصح فيها الحديث ولا حسن، فمن أراد فعلها إدراجًا لها تحت العمومات الدالة على فضل الصلاة والتسبيحات لم يستقم؛ لأنه قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تُخص ليلة الجمعة بقيام، وهذا أخص من العموميات الدالة على فضيلة مطلق الصلاة.

يقول المؤلف رحمه الله لما ذكر الاحتمالين في الحديث الضعيف، يقول: إذاً على الاحتمال الأول أنه يأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، فإن هذا مشروط بأن لا يخالف حديثًا صحيحًا أخص منه. ومثل على صلاة الرغائب ليلة جمعة من رجب، يقول: لو قال واحد أنا سأصليها وحدي، لن أصليها مع الناس، ألا أكون قد جعلته حدثًا في الدين، يعني أمرًا منتشرًا، سأصليها وحدي، يقول: وإن ضعف الحديث لكن أنا آخذ به لأنه في فضائل الأعمال؛ فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: لا، لا نأخذ به هنا، لماذا؟ لأنه يخالف ما هو أخص وأصح منه، أنه إذا تعارض الأعم والأخص فإنه يؤخذ بالأخص.

فهنا تعارض الأعم والأخص، والأخص هذا الصحيح والأعم هذا ضعيف؛ لأنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: «لا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا صِيَامِهَا، وَلَا يَوْمَهَا بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فُضُولُ طَعَامِ أَحَدِكُمْ». فنهى عن تخصيص ليلتها بقيام، فمن خصص ليلة الجمعة أول جمعة من رجب بقيام، اللي هي بصلاة الرغائب، فإننا نقول إن هذا أمر محدث حتى وإن كان من فضائل الأعمال؛ لماذا؟ لأنه هنا عارضه عارض، هذا الحديث الضعيف عارضه حديث صحيح أخص منه، فيقدم الصحيح لقوته في الصحة ولكونه أخص من الحديث العام.

قال رحمه الله تعالى: الثاني، إن هذا الاحتمال الذي قلناه من جواز إدراجه تحت العمومات نريد به في الفعل لا في الحكم باستحباب ذلك الشيء المخصوص بهيئته الخاصة؛ لأن الحكم باستحبابه على تلك الهيئة الخاصة يحتاج دليلًا شرعيًا عليه، بخلاف ما إذا فعل بناءً على أنه من جملة الخيرات التي لا تختص بذلك الوقت ولا بتلك الهيئة، فهذا هو الذي قلنا باحتماله.

يقول: الاحتمال الذي قلناه من جواز إدراجه تحت العمومات، يعني جواز إدراج ما دل عليه الحديث الضعيف في فضائل الأعمال تحت عمومات فعل الخير، هذا يقول: نريد به في الفعل لا في الحكم باستحباب. يعني نقول هذا الفعل جائز ولا نقول إنه مستحب، فلا نحكم باستحبابه للحديث الضعيف، لكن نقول جائز داخل في عموم فعل الخير، طبعًا إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه. قال: لأن الحكم باستحبابه يحتاج دليلًا شرعيًا يدل عليه، بخلاف الحكم بجوازه وأنه مما يدخل في فعل الخيرات. وهنا لا يقصد جوازه أنه جواز مستوي الطرفين، لا يباح فلا يثاب على فعله ولا على تركه، لا يقصد أنه جائز يعني غير ممنوع، وهذا لا يمنع أن يثاب عليه، لكنه لا يصل إلى درجة المسنون الذي يؤكد على فعله.

قال رحمه الله تعالى: الثالث، قد منعنا إحداث ما هو شعار في الدين، ومثاله: ما أحدثته الروافض من عيد ثالث سموه عيد الغدير، وكذلك الاجتماع وإقامة شعاره في وقت مخصوص على شيء مخصوص لم يثبت شرعًا. وقريب من ذلك أن تكون العبادة من جهة الشرع مرتبة على وجه مخصوص، فيريد بعض الناس أن يحدث فيها أمرًا آخر لم يرد به الشرع زاعمًا أنه يدرجه تحت عموم، فهذا لا يستقيم؛ لأن الغالب على العبادات التعبد والتوقيف، وهذه الصورة حيث لا يدل دليل على كراهة ذلك المحدث أو منعه، فأما إذا دل فهو أقوى في المنع وأظهر من الأول.

ولعل مثال ذلك ما ورد في رفع اليدين في القنوت، فإنه قد صح رفع اليد في الدعاء مطلقًا، وقال بعض الفقهاء: يرفع اليد في القنوت لأنه دعاء، فيندرج تحت الدليل المقتضي لاستحباب رفع اليد في الدعاء، وقال غيره: يكره؛ لأن الغالب على هيئة العبادة التعبد والتوقيف، والصلاة تصان عن زيادة عمل غير مشروع فيها، فإذا لم يثبت الحديث في رفع اليد في القنوت، كان الدليل الدال على صيانة الصلاة عن العمل الذي لم يشرع أخص من الدليل الدال على رفع اليد في الدعاء.

هنا يقول التنبيه الثالث، ذكر مثالًا على المنع من إحداث ما هو شعار في الدين، قال: مثاله ما أحدثته الروافض من عيد ثالث سموه عيد الغدير، غدير خم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قفل من حجة الوداع، وقف في مكان في طريقه إلى المدينة في مكان يدعى غدير خم، وخطب الناس وأوصى بأهل بيته خيرًا، فالروافض اتخذوا هذا المكان وهذا اليوم عيدًا.

اليوم هذا المكان عيدا فيقول هذا أمر محدث؛ لأنه خصصوا شيئا لم يرد الدليل أو لم يرد الشرع بتخصيصه. لكن لو قالوا إننا نخصصه من باب تعظيم مثلا أهل البيت أو محبة أهل البيت ونحو ذلك، نقول: لكنكم خصصتم شيئا وجعلتم شيئا مخصصا لم يجعله الشارع مخصصا. الشارع، النبي ﷺ، لم يقصد تخصيص تلك البقعة وإنما وقع قصدا فوقف في هذا المكان وخطب وأوصى بأهل بيته والصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولم يجعلوا هذا المكان أو هذا اليوم الذي وقف فيه في هذا المكان يوما معظما.

وخير هدي في اتباع من سلف. يقول لك: هذه الصورة حيث لا يدل دليلا على كراهة ذلك المحدث أو منعه، فأما إذا دل فهو أقوى في المنع وأظهر من الأول. يعني يقول: الأصل أننا لا نحدث شيئا في الدين.

لو جاءت مسألة واختلفت أنظار العلماء في هذا الفعل، هل يشرع أو لا يشرع؟ فالذين شرعوه أو قالوا بمشروعيته نظروا إلى العموم، والذين قالوا بغير مشروعيته نظروا إلى خصوص لهذا الفعل، فيقول هنا يقدم الخصوص. قال لذلك: «فما إذا دل فهو أقوى في المنع وأظهر من الأول».

ومثل على رفع اليدين في دعاء القنوت، يقول: اختلف العلماء في رفع اليدين في دعاء القنوت في الصلاة، سواء صلاة الفجر -الذي يفعله بعض الفقهاء بعد صلاة الفجر مطلقا- أو القنوت في النوازل أو القنوت في الوتر؛ هل ترفع اليدين في الدعاء أو لا ترفع اليدين؟ الآن جاءت أحاديث كثيرة في رفع اليدين في الدعاء خارج الصلاة، فهل نقول: إذا يرفع يديه في دعاء القنوت قياسا على الأحاديث الكثيرة التي يرفع فيها اليدين خارج الصلاة؟ أو نقول: لا ترفع في الصلاة لعدم ورود الدليل على رفعها في الصلاة؟

هنا يقول لك: اختلفت أنظار العلماء رحمهم الله تعالى. يقول: قال بعض الفقهاء يرفع اليد في القنوت لأنه دعاء، فيندرج تحت الدليل المقتضي لسنة رفع اليدين في الدعاء؛ لأنه جاءت أحاديث كثيرة في رفع اليدين في الدعاء خارج الصلاة. وبعض الفقهاء قالوا: لا، يكره، يعني أنه غير مشروع؛ لأن الغالب على هيئة العبادة التعبد والتوقيف، والصلاة تصان عن زيادة عمل غير مشروع فيها.

فالأصل أن أي عمل وإن كان مشروعا خارج الصلاة لا يلزم أن يكون مشروعا في الصلاة. يعني مثل تشميت العاطس؛ عطس شخص خارج الصلاة يشرع لنا أن نسمته، عطس وهو في الصلاة وحمد الله لا نسمته. فليس كل فعل مشروع في الدعاء خارج الصلاة يكون مشروعا داخلها، فالأصل أن نقتصر على ما يشرع لذلك.

يقول: «فالصلاة تصان عن زيادة عمل غير مشروع فيها»، فإذا لم يثبت الحديث في رفع اليد في القنوت، كان الدليل الدال على صيانة الصلاة عن العمل الذي لم يشرع أخص من الدليل الدال على رفع اليد في الدعاء، فيقدم الأخص على الأعم؛ لأنه خاص بالصلاة. هكذا قال المؤلف رحمه الله تعالى.

وابن الملقن رحمه الله لما نقل كلام المؤلف رحمه الله يقول: «قلت قد روى البيهقي الرفع فيه، يعني في رفع اليدين في دعاء القنوت، بإسناد جيد كما ذكرته في شرح المنهاج».

نقف على هذا ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.