بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا صالحا يا كريم. أما بعد، فهذا هو اللقاء الثامن من لقاءات التعليق على كتاب أحكام الأحكام من كلام سيد الأنام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، وكنا قد توقفنا أثناء التعليق على الحديث الثالث من أحاديث باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها، وهو حديث أبي هريرة، وفيه: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا» الحديث.
وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في الفائدة الثالثة حكم صلاة الجماعة في غير الجمعة، وذكر الخلاف فيها، هل هي سنة، أو فرض كفاية، أو فرض عين، أو شرط لصحة الصلاة؟ ثم ذكر أن هذا الحديث مما يستدل به من أوجب الصلاة وجوبا عينيا لقوله: «ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام». ثم ذكر أن العلماء رحمهم الله تعالى الذين لا يرون وجوب صلاة الجماعة اختلفوا في الجواب عن هذا الحديث من وجوه، وذكر ثلاثة وجوه، تكلمنا على الوجهين الأولين وما ورد عليهما من المناقشة.
الوجه الأول: أن هذا الحديث في المنافقين، بدليل ما جاء في بعض الروايات: «لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء». ثم ذكر الكلام فيها.
الجواب الثاني: أنه مما يدل على عدم الوجوب أن النبي صلى الله عليه وسلم هم ولم يفعل، فلو كان واجبا لفعله. وأيضا هذا الدليل من شقين؛ هذا الشق الأول رد على من قال بالوجوب، والرد على من قال بالشرط؛ قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخبرهم أن من تخلف عن صلاة الجماعة فإن صلاته باطلة، ولا يجوز تأخره عن وقت الحاجة. وأجاب عن هذا الجواب، ووقفنا على الجواب الثالث في قوله: ومما أجيب به عن استدلال الموجبين لصلاة الجماعة على الأعيان أنه اختلف في هذه الصلاة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومما أجيب به عن استدلال الموجبين لصلاة الجماعة على الأعيان أنه اختلف في هذه الصلاة التي هم النبي صلى الله عليه وسلم بالمعاقبة لأجلها، فإذا كانت هي الجمعة والجماعة شرط فيها لم يتم الدليل على وجوب الجماعة مطلقا في غير الجمعة، وهذا يحتاج أن ينظر في تلك الأحاديث التي بينت فيها تلك الصلاة، أي هي الجمعة أو العشاء أو الفجر، فإن كانت أحاديث مختلفة قيل بكل واحد منها، وإن كان حديثا واحدا اختلفت فيه الطرق فقد يتم هذا الجواب؛ أن عدم الترجيح بين بعض تلك الروايات وبعض، وعدم إمكان أن يكون الجميع مذكورا فترك بعض الرواة بعضه ظاهرا، بأن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد إحدى الصلاتين أعني الجمعة أو العشاء مثلا. فعلى تقدير أن تكون هي الجمعة لا يتم الدليل، وعلى تقدير أن تكون هي العشاء يتم، وإذا تردد الحال وقف الاستدلال.
هذا الجواب الثالث يقول: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام» إلى آخره، أي صلاة هي؟ هل هي صلاة الجماعة؟ هل هي صلاة العشاء أو صلاة الجماعة؟ أو ما المراد بها؟ هي راجعة إلى أن "أل" هنا هل هي للجنس أو للعهد؟ خلاف بين العلماء؛ هل "أل" هنا للجنس، «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام» يعني لكل صلاة؟ أو أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها في صلاة معهودة، إما صلاة الجمعة أو صلاة العشاء أو صلاة الفجر كما جاء في بعض الروايات؟ فيقول هنا لما اختلف في تعيين هذه الصلاة، يقول: هذا لا يخلو من أمرين؛ إما أن نقول إن المراد بها صلاة الجمعة، فإذا كان المراد بها ذلك فلا يتم الاستدلال بهذا الدليل على أن صلاة الجماعة واجبة؛ لماذا؟ لأن العلماء متفقون على أن صلاة الجماعة في الجمعة واجبة بل شرط لصحة الصلاة، وإنما خلافهم فيما عدا الجمعة. فإذا جاء الحديث في الجمعة، والجمعة نحن متفقون عليها، إذا لا دلالة فيها على اشتراط أو وجوب صلاة الجماعة في غير الجمعة.
وإذا قلنا لا، إنها جاءت في بعض الروايات العشاء، وفي بعض الروايات الفجر؛ فيقول لك: نأتي إلى مرتبة أخرى وهي أن نبحث هذا التعيين الذي جاء في الروايات؛ هل هو جاء في عدة أحاديث، يعني جاء مثلا في حديث أبي هريرة بصلاة الجمعة، وجاء في حديث ابن مسعود مثلا بصلاة العشاء، يعني أحاديث مختلفة رواها صحابة مختلفون، فنقول إذا كل الصلوات تدل على أن صلاة الجماعة واجبة فيها، لكن سياتيك مناقشته، أو أننا نقول لا؛ إنها جاءت في روايات في حديث صحابي واحد، فنقول هنا إذا أمكن ترجيح بعض هذه الروايات على بعض فنرجح الرواية الراجحة، وإذا لم يمكن فإننا كالاول نأخذ بهذه الروايات كلها. وإذا أخذنا بهذه الروايات كلها فنقول إن هذا الحديث محتمل؛ محتمل أن تكون الرواية بالجمعة هي المحفوظة، ورواية العشاء والفجر غير محفوظة، ومحتمل العكس، فإذا كان، فنقول على كل الاحتمالات لا يقوم الدليل على كون صلاة الجماعة واجبة على الأعيان؛ لماذا؟ يقول لأن هذا الحديث محتمل الدلالة، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال. وهذا مقصوده في هذه الجملة كاملة.
نعيدها باختصار: هو يقول أنه جاءت روايات مختلفة في المقصود بهذه الصلاة التي هم النبي صلى الله عليه وسلم بحرق المتخلفين عنها، هل هي الجمعة أو العشاء أو الفجر؟ فإذا أخذنا برواية الجمعة، فنقول إنه لا يتم الاستدلال بهذا الدليل على وجوب الجماعة في الصلوات الأخرى، لأن الجمعة متفقون على وجوب الصلاة فيها، وجوب الجماعة فيها. وإذا قلنا لا، المحفوظ هي رواية العشاء أو الفجر أو كلها محفوظة، فنقول ننتقل إلى مرتبة أخرى، هل التفسير بكونها العشاء أو الفجر أو الجمعة جاء في روايات أحاديث صحابة مختلفين؟ فنقول إذا نأخذ بكل هذه الروايات. وإذا كانت من حديث شخص واحد، فنقول إذا أمكن الترجيح فنرجح إحدى الروايات، إذا ما أمكن فنأخذ بكل هذه الروايات. طيب إذا أخذنا بكل هذه الروايات فيقول: حتى لو أخذنا بكل هذه الروايات، فنقول لا يتم الاستدلال به على وجوب صلاة الجماعة في غير الجمعة؛ لماذا؟ لأنه لا يخلو إما أن تكون صلاة الجمعة، تعيين الجمعة هو المحفوظ وغيره غير محفوظ، فيكون فلا يتم الاستدلال بهذا الدليل على وجوب صلاة الجماعة في غير الجمعة، أو تكون كلها محفوظة، فلا يتم الدليل لأنها محتملة، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. هذا كله على أن "أل" في الصلاة للعهد، أما إذا قلنا "أل" للجنس، فنقول هذا لا يتطرق إليه احتمال لأن الجنس شامل، فنقول إذا هذا يدل على وجوب الجماعة في جميع الصلوات، وهو ما أخذ به الحنابلة رحمهم الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى: ومما ينبه عليه هنا أن هذا الوعيد بالتحريق إذا ورد في صلاة معينة وهي العشاء أو الجمعة أو الفجر، فإنما يدل على وجوب الجماعة في هذه الصلوات، فمقتضى مذهب الظاهرية أنه لا يدل على وجوبها في غير هذه الصلوات عملا بالظاهر وترك اتباع المعنى، اللهم إلا أن يؤخذ قوله صلى الله عليه وسلم: «أن آمر بالصلاة فتقام» على عموم الصلاة، فحينئذ يحتاج في ذلك إلى اعتبار لفظ ذلك الحديث وسياقه وما يدل عليه، فيحمل لفظ الصلاة عليه إن أُريد التحقيق وطلب الحق والله أعلم.
يقول: هذا تنبيه؛ هذا الوعيد بالتحريق إذا ورد في صلاة معينة سواء في صلاة الجمعة أو العشاء أو الفجر فهو يدل على وجوب الجماعة في هذه الصلوات المعينة، سواء قلنا هي الثلاث كلها أو واحدة منها. فيقول لك مقتضى مذهب الظاهرية الذي ينساق إليه هذا الحديث ألا يقول بوجوب الجماعة في كل صلاة، لأن الحديث ورد في صلاة معينة، لكن يقول لا، قد يقولون في كل صلاة ويحملون "أل" على الاستغراق، وهذا معنى قوله: اللهم إلا أن يؤخذ قوله صلى الله عليه وسلم «آمر بالصلاة فتقام» على عموم الصلاة؛ يعني تكون "أل" للاستغراق التي هي للجنس فتعم كل صلاة، فحينئذ يحتاج في ذلك إلى اعتبار لفظ ذلك الحديث والسياق وما يدل عليه، فيحمل لفظ الصلاة عليه من أراد التحقيق وطلب الحق. يعني يقول إننا إذا أردنا أن نتوصل إلى المرجح في هذه المسألة، فينبغي لنا أن نجمع طرق ألفاظ هذا الحديث وسياقه ورواياته وننظر في السياق وما يدل عليه، ولا نتعصب لرأي، لذلك قال: فيحمل لفظ الصلاة عليه سواء كانت الصلاة "أل" فيها للعهد أو "أل" فيها للجنس، من أراد التحقيق وطلب الحق؛ يعني أن الإنسان ينبغي له عند النظر في المسائل والأدلة ألا يحمله ذلك على الانتصار لقول معين، بل ينبغي له أن يكون ديدنه طلب الحق، فلا يتعصب لرأي معين. فقد يقرأ في مسألة معينة ويجد أدلة قوية للمذهب الذي سيرجحه، ثم يقرأ في كتاب أجوبة قوية عن هذه الأدلة، فيخشى أنه إذا أثبتها أن لا يجد ما يدفعها فيفسد عليه ترجيحه الذي كان عازما عليه في البداية، فنقول: لا، ينبغي لك أن تثبت ما رأيت من الأدلة قويا، وإذا وجدت جوابا عنها فتجيب، وإذا ما وجدت جوابا عنها فتكون هي الأقوى في نظرك، وإذا وصلت إلى الموازنة بين هذه الأقوال هناك تستطيع أن تنظر؛ يعني عندك أدلة، وعندك قواعد عامة في الشريعة، وعندك مقاصد الشريعة، فهذه كلها ينبغي لك أن تنظرها وأنت تبحث المسألة المعينة.
قال رحمه الله تعالى: الرابع قوله عليه السلام «ولقد هممت» إلى آخره، أخذ منه تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسره أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزواجر اكتفي به من الأعلى.
قال هنا قوله عليه الصلاة والسلام: «ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام» إلى آخره؛ النبي صلى الله عليه وسلم قدم التهديد على العقوبة، لم يعاقبهم وإنما هددهم أولا، لماذا؟ لأنه أحيانا بعض الناس ينفع فيه التهديد فقط، لأن التعزير الذي يذكره العلماء رحمهم الله تعالى غير الحد، تعزير هذا ينبغي أن يكون بحسب ما يحقق المقصد الشرعي من العقوبة، فأحيانا بعضهم إذا أخطأ خطأ فوبخته نفع به، بعضهم إذا أخطأ خطأ فوبخته لم ينفع به، فهنا لا تكتفي بالتوبيخ، بعضهم إذا ضربته نفع به، وبعضهم إذا ضربته لم ينفع به، فلا تكتفي بالضرب، وهكذا. وهو يقول هنا: النبي صلى الله عليه وسلم قدم التهديد على العقوبة لماذا؟ لأنه أحيانا ترتفع المخالفة بالعقوبة الأخف فيكتفى بها، لأن العقوبة ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي مقصودة لما تؤديه من الانكفاف عن المخالفة.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها». قال فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن. قال فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: والله لنمنعهن! وفي لفظ: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله».
الحديث هنا حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في صلاة النساء في المسجد. يقول عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها». قال فقال عبد الله، القائل سالم بن عبد الله، يقول سالم: فقال بلال بن عبد الله بن عمر: والله لنمنعهن. كلام بلال ورد عبد الله عليه هذا مما انفرد به مسلم، ولم يخرجه البخاري رحمه الله تعالى، ونبه عليه الحافظ في الفتح، يقول: ولم أر لهذه القصة -يعني قصة بلال- ذكرا في شيء من الطرق التي أخرجها البخاري لهذا الحديث، وقد أوهم صنيع صاحب العمدة خلاف ذلك، ولم يتعرض لبيان ذلك أحد من شراحه، يعني الذين سبقوا الحافظ ابن حجر. وأظن البخاري رحمه الله اختصرها للاختلاف في تسمية ابن عبد الله بن عمر له كما سيبين في نهاية شرح ابن دقيق العيد، أنه قيل إنه عبد الله وقيل إنه واقد، فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن، يعني لعله لا يقصد عبد الله بلال بن عبد الله وهو تابعي جليل، يقصد مخالفة نهي النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يقصد والله أعلم أن الحال تغيرت وأن...
النساء لم يلتزمن أو نقول قل حياؤهن عن حياء الصحابيات رضي الله تعالى عنهن، وهذا في زمن التابعين بل كبار التابعين الذين أدركوا الصحابة؛ فكيف زمننا هذا؟ والله المستعان. فعبد الله بن عمر رضي الله عنهما لعله سبه؛ لأنه خالف الحديث مخالفة صريحة، فلو اعتذر أو لو قال إن النساء تغيرت حالهن أو نحو ذلك؛ فربما خف إنكار عبد الله عليه، لكن لما تلفظ بلفظ صريح في المخالفة زجره أبوه زجراً شديداً، فسبه سباً سيئاً ما سمعت سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول والله لنمنعهن؟ وفي لفظ: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله».
الحديث صريح في النهي عن منع النساء من المساجد عند الاستئذان. وقوله في الرواية الأخرى: «لا تمنعوا إماء الله» يشعر أيضاً بطلبهن للخروج، فإن المانع إنما يكون بعد وجود المقتضي. ويلزم من النهي عن منعهن من الخروج إباحته لهن؛ لأنه لو كان ممتنعاً لم ينهَ الرجال عن منعهن منه، والحديث عام في النساء. ولكن الفقهاء قد خصوه بشروط وحالات، منها ألا يتطيب؛ وهذا الشرط مذكور في الحديث، ففي بعض الروايات: «وليخرجن تفلات»، وفي بعضها: «إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً»، وفي بعضها: «إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تتطيب تلك الليلة». فيلحق بالطيب ما في معناه، فإن الطيب إنما منع منه لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم، وربما يكون سبباً لتحريك شهوة المرأة أيضاً، فما أوجب هذا المعنى التحق به، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة».
ويلحق به أيضاً حسن الملابس ولبس الحلي الذي يظهر أثره في الزينة، وحمل بعضهم قول عائشة رضي الله عنها في الصحيح: "لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل" على هذا المعنى، تعني إحداث حسن الملابس والطيب والزينة. ومما خص به بعضهم هذا الحديث أن منع الخروج إلى المسجد للمرأة الجميلة المشهورة جائز. ومما ذكره بعضهم مما يقتضي التخصيص أن يكون بالليل، وقد ورد في كتاب مسلم ما يشعر بهذا المعنى؛ ففي بعضها: «لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل»، فالتقييد بالليل قد يشعر بما قال. ومما قيل أيضاً في تخصيص هذا الحديث ألا يزاحمن الرجال.
وبالجملة فمدار هذا كله النظر إلى المعنى، فما اقتضاه المعنى من المنع جعل خارجاً عن الحديث، وخص العموم به، وفي هذا زيادة؛ وهو أن النص وقع على بعض ما اقتضاه التخصيص وهو عدم التطيب.
وقيل إن في الحديث دليلاً على أن للرجل أن يمنع امرأته من الخروج إلا بإذنه، وهذا إن أخذ من تخصيص النهي بالخروج إلى المساجد، وأن ذلك يقتضي بطريق المفهوم جواز المنع في غير المساجد، فقد يعترض عليه بأن هذا تخصيص الحكم باللقب، ومفهوم اللقب ضعيف عند أهل الأصول. لكن الفاكهاني رحمه الله في شرحه لما ذكر كلام ابن دقيق العيد رحمه الله هنا قال: ولقائل أن يقول إن المسجد معنى مناسب بما فيها من كونها محلاً للعبادة؛ فلا يمنع القاصرات من التعبد فيها، ومفهوم اللقب إنما ضعف لعدم رائحة التعليل فيه، والتعليل هنا موجود فلا يكون ذلك مفهوم اللقب، فسقط هذا الاعتراض.
يقول هذا ليس من مفهوم اللقب هنا، فالمساجد لها مفهوم أن المساجد هذه جعلت للعبادة، فدل على أن المكان المجعول للعبادة لا يمنع قاصده منه لأجل أن يمنع من العبادة. فالتعليل بالمسجد كما ذكره الكاني معنى مناسب، فلا نقول إنهم مفهوم اللقب، فنقول: إذا استأذنت إلى غير المسجد فله منعها، أُخذ من هذا المفهوم؟ لا، ليس من هذا مفهوم هذا الحديث، لأن المسجد هنا ممكن أن يُعلل به.
الآن يذكر لك وجه الاستدلال الآخر على هذه المسألة، وهو جواز منع النساء من غير المسجد. قال رحمه الله تعالى: «ويمكن أن يقال في هذا إن منع الرجال للنساء من الخروج مشهور معتاد وقد قرروا عليه، وإنما علق الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز وإخراجه عن المنع المستمر المعلوم، فيبقى ما عداه على المنع». وعلى هذا، فلا يكون منع الرجل لخروج امرأته لغير المسجد مأخوذًا من تقييد الحكم بالمسجد فقط.
أحسن الله إليكم. يقول عندنا وجه آخر، وهو أن ننظر إلى واقع الحال في عهد النبي ﷺ وأصحابه ونربطها بالحديث. الحديث يقول: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، وكانت المرأة تطيع زوجها والرجل له القوامة، فمنعهم لخروج النساء هذا أمر مشهور ومقرر ومعتاد، ولم يمنعوا إلا من منعهن من المساجد، فنخص الحكم به. فجاء الحديث في نهيهن عن منعهن من المساجد، فيبقى الباقي على أصل ما كانوا يعملونه. النبي ﷺ كان بينهم ويشهد الحال عندهم، ولم يكن يمنعهم من منعهن لغير المساجد؛ لذلك فلا يكون منع الرجل خروج امرأته لغير المسجد مأخوذًا من تقيد الحكم بالمسجد، لا نأخذه من مفهوم اللقب، وإنما نأخذه من تقرير النبي ﷺ لهم على منعهن لغير المساجد.
أحسن الله إليك. قال رحمه الله تعالى: «ويمكن أن يقال فيه وجه آخر، وهو أن في قوله ﷺ: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" مناسبة تقتضي الإباحة، أعني كونهن إماء الله بالنسبة إلى خروجهن إلى مساجد الله. ولهذا كان التعبير بإماء الله أوقع في النفس من التعبير بالنساء، لو قيل وإذا كان مناسبًا أمكن أن يكون علة للجواز، وإذا انتفى انتفى الحكم؛ لأن الحكم يزول بزوال علته». والمراد بالانتفاء هاهنا انتفاء الخروج إلى المساجد أي للصلاة.
أحسنت، هي انتفاء وليس انتفاء. هنا يقول: قد نستدل من وجه آخر أيضًا على قصر الحكم عن المساجد، وهذا وجه آخر؛ لأن الحكم مقصور على المساجد، وهو أن في الحديث «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» مناسبة بينهما؛ فهذه إماء لله فلا تمنع مساجد الله، بيت بيوت الله. ما قال: لا تمنعها المساجد، ولا قال: لا تمنع النساء، بل قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، ففي مناسبة بينهما، فلما كان فيه مناسبة صارت المساجد هي علة الجواز، والحكم يدور مع علته. فنقول: إذا كانت ستخرج للمسجد لأنها إماء لله فلا تمنع عن بيت من بيوت الله، أما إذا كانت تخرج لغير المسجد فله وجه منعها.
أحسن الله إليك. قال رحمه الله تعالى: «وأُخذ من إنكار عبد الله بن عمر على ولده وسبه إياه: تأديب المعترض على السنن برأيه، وعلى العامل بهواه، وتأديب الرجل ولده وإن كان كبيرًا، في تغيير المنكر، وتأديب العالم من يتعلم عنده إذا تكلم بما لا ينبغي».
أحسنت. هذه كلها مأخوذة تقريبًا من إكمال المعلم للقاضي عياض، وهي كذلك في إكمال المعلم على العالم، وإن كان كبيرًا في تغيير المنكر، وتأديب العالم لمن يتعلم عنده إذا تكلم بما لا ينبغي. عبد الله بن عمر أنكر على ابنه بلال هذا الاعتراض على الحديث وزجره زجرًا شديدًا؛ فيؤخذ منه تأديب المعترض على السنن برأيه، هو اعترض برأيه فقال: لا تمنعه، قال: والله لنمنعهم. فلما اعترض برأيه زجره عبد الله بن عمر. وتأديب العالم بهواه؛ يعني اعترض على العالم بهواه، لو اعترض بحديث أو بآية نقول لا يزجر ولكن يبين له، لكن اعترض بهواه فإنه يزجر. وتأديب الرجل ولده وإن كان كبيرًا في تغيير المنكر، فيقدم حق الله تعالى على حق القرابة، فهنا يؤدبه لأنه منكر أن يعترض على حديث من أحاديث النبي ﷺ. وتأديب العالم من يتعلم عنده إذا تكلم بما لا ينبغي، فيؤدب لتجاوزه الحد في الكلام، فتجاوز مثلًا بعض شرائع الدين.
أحسن الله إليكم. قال رحمه الله تعالى: «وقوله: فقال بلال بن عبد الله، هذه رواية ابن شهاب عن سالم بن عبد الله، وفي رواية ورقاء بن عمر عن مجاهد عن ابن عمر، فقال ابن»، يقال له واقد. عبد الله بن عمر أبناء، منهم بلال ومنهم واقد.
أحسنت. طبعًا قوله في رواية ورقاء بن عمر عن مجاهد، وحقيقة ورقاء بن عمر عن عمرو بن دينار عن مجاهد، فإنه لم يروِ عن مجاهد مباشرة. يعني إن اختلف في تسمية هذا الرجل الذي اعترض على عبد الله بن عمر، فقيل إنه بلال كما في هذه الرواية، وقيل إنه واقد كما في رواية ورقاء بن عمر عن عمرو بن دينار عن مجاهد عن ابن عمر، وهو في صحيح مسلم كروايتين؛ قال: «ولعبد الله بن عمر أبناء منهم بلال ومنهم واقد»، فيحتمل هذا ويحتمل هذا. الحافظ ابن حجر رحمه الله قد يقول: رواية بلال أرجح لأنها جاءت في رواية سالم، وجاءت في رواية بلال بنفسه في خارج الصحيح. وقال: يمكن أن يجمع بينهما أيضًا، فيقال إن كلا منهما اعترض على أبيه في مجلسين منفصلين فأدبهما. والله تعالى أعلم.
نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان