بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وعملاً صالحاً يا كريم. أما بعد، فهذا هو اللقاء السابع من لقاءات التعليق على كتاب إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. كنا قد توقفنا عند الحديث الثالث من أحاديث باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها في كتاب الصلاة، وهذا الحديث هو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار».
وهذا الحديث فيه التأكيد الشديد على فضل صلاة الجماعة، وسيأتي في كلام المؤلف رحمه الله تعالى ذكر الخلاف في حكمها. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن الكلام على هذا الحديث من وجوه. قال: الكلام عليه من وجوه؛ أحدها قوله صلى الله عليه وسلم: «أثقل الصلاة» محمول على الصلاة في جماعة، وإن كان غير مذكور في اللفظ لدلالة السياق عليه. وقوله عليه السلام: «لأتوهما ولو حبواً»، وقوله: «ولقد هممت» إلى قوله «لا يشهدون الصلاة»؛ كل ذلك مشعر بأن المقصود حضورهم إلى جماعة المسجد.
هنا المؤلف رحمه الله تعالى يقول إن قوله صلى الله عليه وسلم: «أثقل الصلاة»؛ هنا «أثقل» نكرة أضيفت إلى معرفة، فتكون «أثقل الصلاة»، و«الصلاة» معرفة، و«ال» فيها هل هي للاستغراق فتكون لجميع الصلوات، أو لصلاة مخصوصة؟ هنا المؤلف يقول: لا، هي محمولة على صلاة مخصوصة، فلا تكون «ال» لكل الصلوات. الصلاة المخصوصة هي الصلاة في جماعة؛ جميع الصلوات يعني، لكن إذا كانت في جماعة. طيب، من أين أخذنا هذه؟ يقول: هذا غير مذكور في اللفظ؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: أثقل صلاة الجماعة على المنافقين، لا، قال: «أثقل الصلاة». طيب لماذا خص المؤلف رحمه الله تعالى الصلاة هنا بصلاة الجماعة ولم يجعلها عامة لجميع الصلوات؟ يقول: بدليل السياق؛ فقوله صلى الله عليه وسلم: «لأتوهما ولو حبواً» وقوله: «لا يشهدون الصلاة» هذا يدل على أن المراد صلاة الجماعة، وإلا لو كانت الصلاة في البيوت ما قال «لأتوهما ولو حبواً» ولا قال «يشهدون الصلاة».
الفائدة الثانية من فوائد هذا الحديث يقول: الثاني أنما كانت هاتان الصلاتان أثقل على المنافقين لقوة الداعي إلى ترك حضور الجماعة فيهما، وقوة الصارف عن الحضور. أما العشاء فلأن وقت الإيواء إلى البيوت والاجتماع مع الأهل، واجتماع ظلمة الليل، وطلب الراحة من متاعب السعي بالنهار. وأما الصبح فلأن فيه وقت لذة النوم، فإن كانت في زمن البرد ففي وقت شدته لبعد العهد بالشمس طول الليل، وإن كانت في زمن الحر فهو وقت البرد والراحة من أثر حر الشمس لبعد العهد بها. فلما قوي الصارف عن الفعل ثقلت على المنافقين. وأما المؤمن كامل الإيمان فهو عالم بزيادة الأجر لزيادة المشقة، فتكون هذه الأمور داعية له إلى هذا الفعل كما كانت صارفة للمنافقين. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «ولو يعلمون ما فيهما» أي من الأجر والثواب «لأتوهما ولو حبواً»؛ وكما قلنا إن هذه المشقات تكون داعية للمؤمن إلى الفعل.
هنا بين المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الفائدة وجه اختصاص هاتين الصلاتين بكونهما أثقل على المنافقين، فيقول: لأن الداعي إلى الغياب عن صلاة الجماعة فيهما أكثر وأقوى من غيرهما. فالعشاء وقت النوم، ووقت الاجتماع مع الأهل، ووقت الراحة بعد سعي النهار، فهذا كله يحتاج إلى راحة، إضافة إلى ظلمة الليل، والمنافق إنما يصلي مراءاة للناس، فلما كانوا في الليل لا يفقدونه لوجود الظلمة فإن ذلك كان داعياً له إلى التخلف عن صلاة الجماعة. وهكذا في صلاة الفجر؛ فإنها أيضاً في وقت النوم، وأيضاً إذا كان وقت الشتاء فيكون البرد شديداً، وفي وقت الحر يصير أيضاً الليل قصيراً لم يأخذ الإنسان كفايته من النوم، إضافة إلى الظلمة التي في الجو فلا يفتقده الناس كما يفتقدونه أيضاً في صلاة العشاء، كما لا يفتقدونه في صلاة العشاء، فتثقل على المنافقين.
أما المؤمن فهذه الأشياء التي اكتنفت بالصلاتين زادت المشقة عنده، فكانت داعية له إلى هذا الفعل؛ لأنه كلما عظمت المشقة اللازمة للفعل كان الأجر أكثر. ولا يعني هذا أن يتقصد الإنسان المشقة، لا، لكن نقول: إذا كانت المشقة ملازمة للفعل، يعني لابد أن يأتي مع الفعل مشقة، فهنا نقول تكون المشقة أعظم، نعم، يكون الأجر أعظم. أما إذا كان الفعل يمكن أن يأتي بدون مشقة، لكن الإنسان قال: أنا سأشُقّ على نفسي، فهنا نقول الأفضل اتباع الأيسر. فلو كان شخص في شدة حر الصيف وفي وقت الظهر، قال: أنا هل الأفضل أن أصلي في المسجد الذي تكييفه جيد، أو أصلي في مسجد في مكان آخر لكن المكيف الذي أمامه مغلق، بمعنى أنه سيشعر بالحر في هذا، هل نقول صلِّ في المكان الذي ليس فيه تكييف لأن هذا أعظم لأجرك؟ لا، نقول صلِّ في المكان الذي فيه تكييف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ولأنك إذا صليت في المكان الذي ليس فيه تكييف فإن هذا سيؤدي إلى نقص الخشوع في الصلاة، فيؤثر هذا على روح صلاتك، إضافة إلى أن الله عز وجل غني عن تعذيبك لنفسك. فنقول: إذاً المؤمن تكون هذه المشقة التي في صلاة العشاء وصلاة الفجر داعية له إلى هذا الفعل لأنه إنما يحضر للأجر والثواب، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لو يعلمون ما فيهما» يعني من الأجر والثواب «لأتوهما ولو حبواً»؛ «ولو حبواً» يعني إما كحبي الصغير يحبو على يديه وركبتيه، أو كحبْو الكبير يحبو على مقعدته.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الوجه الثالث من الوجوه التي تستنبط من هذا الحديث وهو حكم صلاة الجماعة. قال: اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الجماعة في غير الجمعة، إذاً استفد منها أن صلاة الجمعة لا خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى أن من شروطها أن تكون جماعة، أن تقام في جماعة، فلا تصلى صلاة الجمعة من الفرد. فلو أن شخصاً وحده أراد أن يصلي صلاة الجمعة يخطب ويصلي وحده، نقول هنا صلاته غير صحيحة، لابد في صلاة الجمعة أن يكون هناك عدد. اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في أقل عدد تنعقد به الجمعة. أما الصلوات غيرها فإنها تصلى منفرداً وتصلى جماعة، فما حكم صلاة الجماعة في غير الجمعة؟
والخلاف متوجه على الرجال القادرين المكلفين، فهل تجب عليهم صلاة الجماعة أو تستحب؟ هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الخلاف فيها، قال: فقيل سنة، وهو قول الأكثرين. وهذا منسوب إلى مذهب أبي حنيفة، وقول لبعض الشافعية والمالكية، وقول في مذهب الحنابله أيضاً، على أن من الفقهاء من يطلق القول بأنها سنة ويقصد بها أنها واجبة لكنها وجبت بالسنة، ومنهم من يطلق القول بأنها سنة ويقصد بها أنها فرض كفاية. والقول الثاني أنها فرض كفاية، وقال: هذا قول في مذهب الشافعي ومالك. والقول الثالث أنه فرض على الأعيان. ثم اختلفوا بعد ذلك؛ فقيل شرط في صحة الصلاة وهو مروي عن داود، وقيل إنه رواية عن أحمد، والمعروف عنه أنها فرض على الأعيان ولكنها ليست بشرط.
هنا ذكر قولاً ثالثاً ورابعاً؛ القول الثالث أنه فرض على الأعيان، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وهو المشهور في مذهب الحنابلة أنها فرض على الأعيان. هناك قول رابع: أنها شرط في صحة الصلاة، والفرق بين القول الثالث والقول الرابع أنه على القول بأنها فرض على الأعيان، فمن صلى منفرداً لغير عذر فإن صلاته صحيحة ولكنه يأثم، أما إذا قلنا أنها شرط لصحة الصلاة، فمن صلى بغير عذر فإن صلاته لا تصح. قال: والقول بأنها شرط في صحة الصلاة مروي عن داود، وقيل إنه رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو قول بعض الأصحاب، والمعروف عن الإمام أحمد أنها فرض على الأعيان وليست بشرط.
طيب الآن لما ذكر الخلاف قال إن هذا الدليل، حديث أبي هريرة هذا، يستدل به أهل القول الثالث أنها واجبة على الأعيان، قال: فمن قال أنها واجبة الأعيان قد يحتج بهذا الحديث، هذا دليله، لماذا يقول: فإنه إن قيل بأنها فرض كفاية فقد كان هذا الفرض قائماً بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، وإن قيل أنها سنة فلا يقتل تارك السنن، فيتعين أن تكون فرضاً على الأعيان. يعني يقول إن هذا الدليل الحديث دليل على أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان، لماذا؟ لأنه يقول عندنا قولان يقابلان هذا القول؛ القول الأول أنها فرض كفاية وهذا لا يستقيم مع هذا الحديث، لماذا؟ لأن فرض الكفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، فيكون في حق الباقين سنة، فيقول لو قيل أن صلاة الجماعة فرض كفاية، يكون فرض كفاية حصل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الذين معه، إذاً يكون في حق الباقين سنة، والسنن لا يعاقب على تركها. قال: وإن قيل أنها سنة؛ لو قلنا أن صلاة الجماعة سنة إذاً الذين يصلون في بيوتهم تركوا سنة، فلا يقتل تارك السنن، فإذا سقط هذا وهذا، القول الأول والقول الثاني، تعين القول الثالث أن تكون فرضاً على الأعيان.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه اختلف في الجواب عن هذا الحديث على وجوه، وذكر لك ثلاثة وجوه للجواب عن هذا الحديث، سنذكرها باختصار ثم نرجع إلى كلام المؤلف في تفصيلها. الجواب الأول: أن هذا في المنافقين. الجواب الثاني: حقيقته أنه رد على القول بأنها شرط، فيقول لو كان شرطاً لما ترك النبي صلى الله عليه وسلم التحريق ولأخبر أن صلاتهم باطلة ولم يفعل. الجواب الثالث: أن هذه الصلاة التي همَّ النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق المتخلف عنها اختلف في الأحاديث، فقيل إنها صلاة الجمعة، وعلى القول بأن صلاة الجمعة لا يستقيم الاستدلال في هذا الحديث على وجوب الصلوات الأخرى على الأعيان. وفي بعض الروايات أنها صلاة العشاء أو الفجر، وإذا قلنا أن صلاة العشاء أو الفجر لم تتعين هذه الصلاة فيتوقف فيتردد هذا، إما أن تكون صلاة الجمعة أو صلاة العشاء أو صلاة الفجر أو الصلوات كلها، وإذا تردد الحال يتوقف في الاستدلال. هذا ملخص الاعتراضات على هذا الدليل، سنقرؤها في كلام المؤلف رحمه الله تعالى.
يقول: وقد اختلف في الجواب عن هذا على وجوه؛ جواب الأول قال: فقيل إن هذا في المنافقين، وهذا الجواب ذكره المازري رحمه الله تعالى في «المعلم» أن هذا في المنافقين، وذكر ثلاثة أدلة لكونه في المنافقين لكنه ذكر الدليل الأول ثم ناقشه، ذكر الدليل الثاني ثم الثالث. الدليل الأول على أنها في المنافقين يقول: يشهد له ما جاء في الحديث الصحيح: «لو يعلم أحدهم» في بعض الروايات «أنه يجد عظماً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء»، وهذه ليست صفة المؤمنين، لا سيما أكابرهم وهم الصحابة، وإذا كانت في المنافقين؛ هذا تقرير الدليل، وإذا كانت في المنافقين كانت التحريق للنفاق لا لترك الجماعة، فلا يتم الدليل. يقول إن هذا في المنافقين بدليل الرواية الأخرى: «لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء»، يقول هذا الوصف لا يمكن أن يطبق على المؤمنين، سيما هذه الجماعة في عند النبي صلى الله عليه وسلم التي فيها فضلاء الصحابة، فلا ينطبق عليهم هذا الوصف، إنما ينطبق على المنافقين، فإذا قلنا أنه ينطبق على المنافقين فنقول إذاً تبين أن التحريق إنما هو لأجل النفاق لا لأجل ترك الجماعة، وإذا كان كذلك لا يتم الاستدلال به على أن صلاة الجماعة واجبة على الأعيان.
ثم ذكر الرد عليه؛ قال القاضي عياض رحمه الله تعالى كلام هذا في «إكمال المعلم» الذي شرح به أو علق به على صحيح مسلم: قال وقد قيل إن هذا في المؤمنين، أما المنافقون فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم معرضاً عنهم عالماً بطويتهم، كما أنه لم يعترضهم في التخلف ولا عاتبهم معاتبة كعب وأصحابه من المؤمنين. يعني القاضي عياض رحمه الله يجيب عن...
هذا أراد على هذا الدليل يقول: لا، هذا في المؤمنين وليس في المنافقين. لماذا؟ يقول: أصلاً المنافقون كان النبي صلى الله عليه وسلم معرضاً عنهم، عالماً بطوياتهم وبنياتهم؛ فلم يكن يعاتبهم، ولذلك يقول: كما أنه لم يعترضهم في التخلف -تخلف ناس من المنافقين عن غزوة تبوك، وجاؤوا يعتذرون بالكذب- ولم يعاتب النبي صلى الله عليه وسلم أحداً منهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، بخلاف كعب بن مالك وصاحبيه من المؤمنين فقد عاتبهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بهجرهم في القصة المشهورة. قال: كما أنه لم يعترضهم في التخلف ولا عاتبهم معاتبة كعب وأصحابه من المؤمنين.
يقول ابن العطار رحمه الله: ويؤيد هذا التأويل -يعني أنها في المؤمنين وليست في المنافقين- ما رواه أبو داود زيادة على هذا الحديث، فقال: «لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعون حزماً من حطب، ثم آتي إلى قوم يصلون في بيوتهم ليست بهم علة، فأحرقها عليهم». يقول: كيف استنبط أنها في المؤمنين وليست في المنافقين؟ يقول: المنافقون لا يصلون في بيوتهم، إنما يصلون في الجماعة رياءً وسمعة، وأما إذا خلوا فكما وصفهم الله من الكفر والاستهزاء. فيقول: هذا الوصف إذاً إنما هو للمؤمنين وليس للمنافقين؛ المنافقون يصلون في بيوتهم؟ فإذا خلوا بيوتهم أصلاً هم خلوا إلى كفر.
ابن حجر رحمه الله في الفتح كأنه يميل إلى أنه نفاق معصية، لا نفاق كفر الذي هو النفاق الاعتقادي، وذكر أموراً تقوي ذلك: الأمر الأول هو الذي ذكره ابن العطار أن المنافقين لا يصلون في بيوتهم، بل يصلون الجماعة، والأمر الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يشهدون الجماعة»، وأصرح منها قوله صلى الله عليه وسلم: «إن قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة». فهذا يدل على أن النفاق نفاق معصية، لا نفاق كفر.
هذا الجواب الذي ذكره القاضي عياض: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معرضاً عنهم لذلك لا يعاقبهم، إنما يعاقب المؤمنين؛ أجاب عنه الحافظ ابن دقيق العيد رحمه الله قال: وأقول هذا إنما يلزم إذا كان ترك معاقبة المنافقين واجباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحينئذ يمتنع أن يعاقبهم بهذا التحريق، فيجب أن يكون الكلام في المؤمنين. يعني يقول: هذا الجواب صحيح إذا قلنا إن ترك معاقبة المنافقين واجب، لكن إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مخيراً في ترك عقوبتهم، فهنا نقول لا يستقيم هذا الجواب. ولذلك يقول: ولنا أن نقول -في بعض النسخ: وأما أن نقول- إن عقاب المنافقين وترك عقابهم كان مباحاً للنبي صلى الله عليه وسلم مخيراً فيه، فعلى هذا لا يتعين حمل هذا الكلام على المؤمنين، إذ يجوز أن يكون في المنافقين لجواز معاقبة النبي صلى الله عليه وسلم لهم.
يعني يقول: هذا الجواب الذي ذكره القاضي عياض يستقيم إذا قلنا إن عقوبة المنافقين واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم، أو إن ترك عقوبة المنافقين والإعراض عنهم واجب، فهنا تتوجه العقوبة للمؤمنين. لكن إذا قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم مخير بين عقوبتهم وترك عقوبتهم، فيستقيم هذا الجواب؛ لأنه قد يكون استعمل حقه في العقوبة، وليس في إعراضه عنهم بمجرده ما يدل على وجوب ذلك عليه. كون النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنهم أحياناً لا يدل على وجوب الإعراض عنهم، لكن فعله النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه من المصلحة.
قال: ولعله قوله صلى الله عليه وسلم عندما طلب منه قتل بعضهم: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» يشعر بما ذكرناه من التخيير؛ لأنه لو كان يجب عليه ترك قتلهم لكان الجواب بذكر المانع الشرعي وهو أنه لا يحل قتلهم. يعني يقول مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم مخير في عقوبتهم وعدم عقوبتهم قوله صلى الله عليه وسلم لما استؤذن في قتل بعضهم: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»؛ فهذا يشعر أنه مخير في عقوبتهم من عدمها، لأنه لو كان يجب عليه ترك عقوبتهم لأذكر المانع الشرعي وهو أنه تحرم عليه عقوبتهم، ما ذكر خوف قول الناس له؛ لأنه إذا كان هناك مانع شرعي ولم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحتاط من ذلك، يكون قصر في البيان، والنبي صلى الله عليه وسلم بين لنا كل شيء في الدين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
إذاً، هذا هو الجواب الأول عن هذا الحديث، أنه في المنافقين، والدليل الأول له الذي هو بعض الروايات: «لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً». ومناقشة هذا الدليل الآن سيذكر لك الدليل الثاني لكونه في المنافقين. قال: ومما شهد لمن قال إن ذلك في المنافقين عندي سياق الحديث من أوله، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «أثقل الصلاة على المنافقين»؛ يقول سياق الحديث يدل على أنه في المنافقين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر»، ثم قال: «ولقد هممت أن آمر بالصلاة». فهذا لما جاء في حديث واحد دل على أن السياق دل على أن الكلام موجه للمنافقين.
قال: وهناك وجه آخر، قال: ووجه آخر في تقدير كونه من المنافقين، أن يقول القائل: همّ النبي صلى الله عليه وسلم بالتحريق يدل على الجواز، وتركه التحريق يدل على جواز هذا الترك، فإذا اجتمع جواز التحريق وجواز تركه في حق هؤلاء القوم، وهذا المجموع لا يكون في المؤمنين فيما هو حق من حقوق الله تعالى. يقول: مما يدل على أن هذا الحديث في المنافقين أن النبي صلى الله عليه وسلم همّ بالتحريق ثم تركه، فهمّه بالتحريق دليل على جواز العقوبة، وتركه التحريق يدل على جواز الترك، والتخيير بين العقوبة والترك هذا في المنافقين، أما المؤمنون إذا تركوا حداً من حدود الله تعالى أو حقاً من حقوق الله تعالى فإنه لا يكون فيهم هذا التخيير، وإنما يلزم فيهم العقوبة، وهذا مما يدل على أنه في المنافقين.
الجواب الثاني، قال: ومما أُجيب به عن حجة أصحاب الوجوب على الأعيان ما قاله القاضي عياض رحمه الله: الحديث حجة على داود لا له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم همّ ولم يفعل، ولأنه لم يخبرهم أن من تخلف عن الجماعة فصلاته باطلة غير مجزئة، وهو موضع البيان. يقول: هذا نستطيع أن نقول هذا الجواب متوجه أكثر توجهه على كون الجماعة شرطاً في صحة الصلاة، ولا يتوجه لكونها واجباً على الأعيان. يقول: لأن النبي صلى الله عليه وسلم همّ ولم يفعل، فلو كان واجباً على الأعيان لفعل، ولأنه لم يخبر من صلى في بيته بصلاته مجزئة، هذا رد على القول بالشرطية.
قال: وأقول -الآن دقيق العيد رحمه الله يجيب عنه- يقول: أما الأول فضعيف جداً، إن سلم القاضي أن الحديث في المؤمنين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله. يقول: أنتم يا من تقولون بأنه واجب على الأعيان، النبي صلى الله عليه وسلم همّ وترك هذا الهم، فلو كان واجباً لما تركه؟ يقول لك: نحن ننظر إلى أصل الهم، نقول همّ النبي صلى الله عليه وسلم بالتحريق، هذا يدل على الوجوب، طيب لو كانت لا تجب لما همّ النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يهم إلا بالشيء الذي يجوز له فعله، أما كون الشيء يكون مستحباً ويهم النبي صلى الله عليه وسلم بعقوبة تركه، فهذا لا يكون لأنه لا يعاقب على ترك المستحبات.
وأما الثاني -وهذا الجزء الثاني الذي قلنا لكم الجزء الثاني يدل على أو رد على من يقول الجماعة شرط في الصحة-: وهو قوله «ولم يخبرهم أن من تخلف عن الجماعة فصلاته غير مجزئة، وهو موضع البيان». يقول البيان قد يكون بالتنصيص وقد يكون بالدلالة. يقول: البيان لا يلزم أن يكون بالنص، أنتم قلتم لم يقل الصلاة غير مجزئة، فيقول لك البيان لا يلزم أن يكون بالنص، قد يكون بالدلالة. قال: ولما قال صلى الله عليه وسلم «ولقد هممت» إلى آخره، دل على وجوب الحضور عليهم للجماعة، وفي بعض النسخ «لصلاة الجماعة»، فإذا دل الدليل على أن ما وجب في عبادة كان شرطاً فيها غالباً، كان ذكره صلى الله عليه وسلم لهذا الهم دليلاً على لازمه، وهو وجوب الحضور، ووجوب الحضور دليل على لزومه واشتراط الحضور، فذكر هذا الهم للاشتراط بهذه الوسيلة، ولا يشترط في البيان أن يكون نصاً كما قلنا.
إلا أنه لا يتم هذا إلا ببيان ما وجب في العبادة كان شرطاً فيها، وقد قيل إنه الغالب، ولما كان الوجوب قد ينفك عن الشرطية، قال أحمد في أظهر قوليه إن الجماعة واجبة على الأعيان غير شرط. تقرير وتوضيح هذا الدليل أو هذا الرد على هذا الجواب: هم يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم ما أخبرهم أن صلاتهم لا تصح، سكت، وهذا موضع البيان، لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. قال لك: نعم، لكن البيان لا يلزم أن يكون بالقول، قد يكون بالقول وقد يكون بالدلالة. نعم يسلم لكم أنه لم يحصل البيان بالقول، لكن حصل البيان بالدلالة. كيف؟ يقول لك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام» إلى آخره، وهذا دليل على وجوب الحضور لصلاة الجماعة. كيف دل على ذلك؟ كيف دل على وجوب الحضور لصلاة الجماعة؟ طبعاً الدليل على وجوب الحضور لصلاة الجماعة دليل على أنه شرط فيها، طيب دليل على وجوب الحضور نقول بالهم بالعقوبة، طيب كيف استدللت على أمر أشد وهو أنه شرط فيها؟
يقول: غالب الأوامر والواجبات التي تكون مختصة بالعبادة تكون شرطاً فيها، فلما دار الأمر بين الغالب والأقل حملناه على الغالب. ولذلك يقول في سياق الاستدلال: كان ذكره صلى الله عليه وسلم لهذا الهم، الآن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الهم، همّ بالتحريق، فدل على لازمه، يلزم منه ماذا؟ يلزم منه وجوب الحضور، يلزم منه وجوب الحضور أنه سيعاقب على ترك واجب، إذاً الحضور واجب. طيب هذا واضح، طيب كيف استدللت على أن الجماعة شرط وليست واجبة فقط، شرط لا تصح الصلاة بدونها بغير عذر؟ قال: وهو يعني وجوب الحضور دليل على الشرطية، فيكون ذكر الهم دليلاً على لازمه، وجوب الحضور، ووجوب الحضور دليل على لازمه وهو الشرطية.
كما قلنا إنه بنى على الغالب، فيقول لك فاستدللنا على عدم صحة صلاتهم ببيان من جهة الإشارة وليس من جهة النص، قال لك الدلالة استدل بها، استنبطها استنباطاً، لا يلزم أن تكون نصاً. لكن يقول لك: لا يتم هذا، اللي هو الاستدلال بهذا الحديث على الشرطية، على اشتراط الجماعة، إلا إذا بينا أن ما وجب في العبادة فإنه شرط فيها، قال: وقد قيل إنه هو الغالب، يعني هذا ذكر بعض أهل العلم أن الواجبات التي تجب في العبادة بخصوصها، يعني وجبت في العبادة بخصوصها لا تجب في عبادات غيرها، فإنه يعتبر شرطاً فيها.
هذا دليل داود، الإمام أحمد رحمه الله في أظهر قوليه انفك عن هذا الدليل، وقال: لما كان الوجوب قد ينفك عن الشرطية، يعني قد تكون هناك واجبات ليست شرطاً، وقد يكون هناك واجبات شرطاً، وليس هناك دليل واضح على الاشتراط، لكن الدليل الواضح على الوجوب، أخذ الإمام أحمد رحمه الله بالوجوب ولم يأخذ في المشهور من مذهبه على أنها شرط. طيب الآن أخذنا جوابين عن هذا الحديث؛ الجواب الأول: أنها في المنافقين، وهذا فسر المؤلف، الجواب الثاني: وهو من جزئين، جزء يتعلق بكونها واجبة على الأعيان، وجزء يتعلق بالرد على أنها شرط. الجزء الذي يتعلق بكونه واجباً على الأعيان أن النبي صلى الله عليه وسلم همّ ولم يفعل فدل على أنها غير واجبة، وأجاب عنه المؤلف، والجزء من الدليل الذي يرد على القول بالشرط أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخبرهم أن صلاتهم في بيوتهم أنها غير مجزئة، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأجاب عنه المؤلف رحمهم الله تعالى، وبقي لنا الجواب.
الثالث عن هذا الدليل، ونرجعه إن شاء الله إلى الدرس القادم. أسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان