بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وعملًا صالحًا يا كريم.
أما بعد؛ فهذا هو المجلس الحادي من مجالس التعليق على أحكام الأحكام، شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. وكنا قد أنهينا الكلام على أحاديث باب صلاة الجماعة ووجوبها، ونبدأ اليوم بباب الأذان من كتاب الصلاة.
الأذان هو الإعلام، والأذان للصلاة معروف، والإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة أو بقربه؛ لأن هناك أذانًا أول لصلاة الفجر، الأذان الأول لصلاة الفجر يكون آخر الليل دلالة على قرب أذان صلاة الفجر. وهو اسم مصدر، يقال أذن يؤذن أذانًا وأذانًا، وهكذا ذكره الهروي في الغريبين، ويقال أيضًا الأذين للمؤذن، فَعيل بمعنى مُفْعِل أو مُفْعَل.
وقد أورد المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب أربعة أحاديث. الحديث الأول: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة». هكذا جاء الحديث في الصحيحين، وفي بعض الروايات زيادة: «إلا الإقامة».
وقوله «يشفع»؛ أي يأتي بكلماته مثنى، وهذا هو الأغلب؛ لأن التوحيد في نهايته مرة واحدة: «لا إله إلا الله»، وكل ألفاظه مثناه إلا التكبير في أوله فهو بالتربيع أربع مرات على الصفة المشهورة. و«يوتر الإقامة» يعني يأتي بألفاظها مفردة، وهذا هو الأغلب؛ لأن التكبير في أوله يأتي مرتين، ولفظ «قد قامت الصلاة» مرتين، وجاء استثناؤها في الرواية الأخرى في الصحيح: «ويوتر الإقامة إلا الإقامة». والإقامة الأولى هي الأذان، و«يوتر الإقامة» يعني ألفاظ الإقامة، وقوله في الرواية الأخرى «إلا الإقامة» يعني قوله «قد قامت الصلاة»، فإنه يأتي بها شفعًا.
قال رحمه الله: المختار عند أهل الأصول أن قوله «أمر» في «أمر بلال» راجع إلى أمر النبي ﷺ، وكذا «أمرنا»، و«نهينا»؛ لماذا؟ لأن هذا هو الظاهر، ما إن الأمر قد يكون من النبي ﷺ وقد يكون من غيره من الصحابة. يقول: لأن الظاهر من إطلاق الصحابي لهذه الكلمة هو انصرافه إلى من له الأمر والنهي شرعًا ومن يلزم اتباعه، ويحتج بقوله ﷺ.
إذاً هذا هو الدليل الأول على أن قوله «أمر بلال» أي أن النبي ﷺ هو الذي أمره. وذكر لك دليلين: الدليل الأول يقول هذا هو الظاهر إذا أطلق الصحابة ذلك، فإنهم يقصدون من يلزم اتباعه في الأمر والنهي شرعًا، ولا يكون ذلك إلا للنبي ﷺ. والدليل الثاني يقول في هذا الموضع قرينة أخرى تدل على أن الآمر هو النبي ﷺ وليس غيره، وهي أن العبادات والتقديرات فيها لا تؤخذ إلا بتوقيف؛ يعني هذا أمر بصفة في العبادة، ولا يملك الصحابي ولا غيره ممن أتى بعده أن يشرع صفة من عنده، فدل على أن الآمر هنا هو النبي ﷺ.
وقد زعم بعض أهل العلم أن الآمر هنا أبو بكر أو عمر، «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة»، وهذا ضعيف؛ لأن بلالًا لما مات النبي ﷺ ترك المدينة إلى الشام، وقال لأبي بكر -لأن أبا بكر هو الذي أعتقه-: «أنت تقتني نفسك أو لنفس لوجه الله تعالى؟» قال: «بل أكتفي لنفسي»، قال: «إذن فدعني وما شئت»، فتركه وذهب إلى الشام وشارك في الغزوات هناك، وقدم المدينة في عهد عمر رضي الله عنه وطلب منه عمر أن يؤذن، فأذن في مسجد النبي ﷺ، فلما سمع الصحابة صوته تذكروا عهد النبي ﷺ، وأن هذا الصوت يسمعونه في كل يوم على عهد النبي ﷺ، فخرجوا من بيوتهم حتى العواتق. فلما بلغ «أشهد أن محمدًا رسول الله» تأثر كثيرًا ولم يستطع إكمال الأذان لأنه تذكر صفيه وحبيبه ﷺ. إذاً فقوله «أمر بلال» هنا الآمر هو النبي ﷺ، وذكر لك دليلين على ذلك.
وهناك دليل ثالث، وهو أنه جاء في بعض الروايات التصريح بذلك؛ جاء في رواية النسائي والحاكم وغيرهم التصريح بأن الآمر هو النبي ﷺ: «أمر النبي ﷺ بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة»، وهذا دليل على أن الآمر هنا هو النبي ﷺ.
قال: والحديث دليل على الإيتار في لفظ الإقامة، يعني أنه يؤتى بألفاظه وترًا مرة مرة. ويخرج عنه التكبير الأول فإنه مثنى، والتكبير الأخير أيضًا، وهذا كما قلناه قبل قليل، وإن التكبير في أوله وآخره هذا مثنى، ولذلك هذا الدليل على أن قوله «يوتر الإقامة» هذا هو الأغلب.
وقال: وخالف أبو حنيفة وقال بأن ألفاظ الإقامة كالآذان مثناة؛ أبو حنيفة يقول الإقامة كالآذان: «الله أكبر، الله أكبر»، ثم يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله»، ثم يقول: «أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله»، وهكذا تكون مثناة عنده، وهذا يخالف هذا الحديث.
وقال: واختلف مالك والشافعي في موضع واحد، وهو لفظ «قد قامت الصلاة»؛ فقال مالك: «يفرد أخصًا بعموم ويوتر الإقامة»، وظاهر هذا الحديث يدل له طبعًا على الأخذ بهذه الرواية بدون الرواية الأخرى التي فيها استثناء «قد قامت الصلاة». وقال الشافعي: «يثنى»، أي يقال «قد قامت الصلاة» مرتين للحديث الآخر في صحيح مسلم، وهو قوله: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة»، يعني يأتي بألفاظ وترًا إلا الإقامة، أي لفظ «قد قامت الصلاة».
طيب، هنا إذاً الإمام مالك رحمه الله أخذ بعموم لفظ الإقامة في هذا الحديث، والإمام الشافعي رحمه الله أخذ بالرواية الأخرى التي فيها استثناء لفظ «قد قامت الصلاة». وقال: ومذهب مالك... الآن أوازن لك بين القولين؛ طبعًا الحنابلة رحمهم الله تعالى نفس الشافعية في هذا، وأن لفظ الإقامة يثنى. قال: مذهب مالك مع ما مر من الحديث الذي هو «يوتر الإقامة» قد أيد بعمل أهل المدينة ونقلهم؛ يعني أن الإمام مالك رحمه الله استدل بهذا الحديث بوتر الإقامة وبعمل أهل المدينة، يعني عمل مؤذني المدينة وأنهم يفردون لفظ الإقامة. وقال: وفعلهم في هذا قوي؛ لأن طريقة النقل والعادة في مثله تقتضي شيوع العمل، فإنه لو كان تغير لعلم وعمل به.
يقول إن أخذ الإمام مالك رحمه الله تعالى في هذه المسألة بعمل أهل المدينة هذا قوي؛ لماذا؟ لأن ألفاظ الأذان مما يؤخذ بالنقل، فالمؤذن ينقل عمن قبله، وعمن قبله، عمن قبله، إلى أن يصلوا إلى مؤذن النبي ﷺ، فيكون هذا دليلاً على قوته وأنه يعمل به. ويقول: «والعادة في مثل الأذان تقتضي شيوع العمل»، فإنه لو كان قد تغير، وصارت الإقامة مفردة، لعُلم وعُمل به.
ويقول وقد اختلف أصحاب مالك الآن؛ سيتكلم عن إجماع أهل المدينة، وهل يعتبر حجة أو لا؟ وقد اختلف أصحاب مالك في أن إجماع أهل المدينة حجة مطلقا في مسائل الاجتهاد، أو يختص ذلك بما طريقه النقل والانتشار كالآذان والإقامة، والصاع والمد، والأوقات، بعدم أخذ الزكاة من الخضروات. فقال بعض المتأخرين منهم: «والصحيح التعميم»، وما قاله غيرهم غير صحيح عندنا؛ جزمه ولا فرق في مسائل الاجتهاد بينهم وبين غيره من العلماء، إذ لم يقم دليل على عصمة بعض الأمة.
وسنذكر بعد قليل تقسيم شيخ الإسلام رحمه الله لعمل المدينة. هنا يقول لك المالكية، رحمهم الله تعالى، اختلفوا هل عمل أهل المدينة حجة في مسائل الاجتهاد أو لا؟ ليس حجة في جميع مسائل الاجتهاد، وإنما حجة في مسائل خاصة، وهي ما كان طريقه النقل والانتشار، يعني ما أُخذ بالنقل؛ مثل صفة الصلاة مثلا، مثل صفة الأذان والإقامة، مثل عدم أخذ الزكاة من الخضروات، مثل ركعات الصلوات ونحو مما يؤخذ بالنقل.
يقول هناك من المالكية من رأى التعميم، من رأى تعميم ابن الحاجب رحمه الله تعالى يرى أن عمل أهل المدينة حجة في كل شيء، وما ليس طريقه النقل رحمه الله قال: «وما قاله غير الصحيح عندنا جزمه»، لماذا؟ لأن هذه لا فرق فيها بين اجتهاد أهل المدينة واجتهاد غيره من البلدان. لماذا قلنا اجتهاد المدينة في غير المسائل التي نقل فيها العمل أو التي انتشرت عن طريق العمل؟
يعني مثلا بعض المسائل في القصاص، بعض المسائل في الجنايات ونحو ذلك، مما لم يعمل به أو لم تقع هذه المسألة في عهد النبي ﷺ وتتناقل وتنتشر ونحو ذلك؛ يعني مثلا ما وقعت مطلقا، أو وقوعها يسير جدا في عهد النبي ﷺ وعهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم. يقول: لكن أهل المدينة اتفقوا على رأي، فيقول ما الفرق بينهم وبين غيرهم من البلدان؟ لماذا قلنا عمل المدينة هنا حجة في مسألة ليس طريقها النقل والانتشار، ولم نقل عمل مثلا أهل مصر أو أهل مكة وأهل العراق حجة؟
يقول: لا فرق في مسائل الاجتهاد بينهم وبين غيره من العلماء، إذ لم يقم دليل على عصمة بعض الأمة؛ هذا في ما ليس طريقه النقل والانتشار. لذلك قال: نعم، ما طريقه النقل إذا عُلم اتصاله وعدم تغيره واقتضت العادة مشروعيته من صاحب الشرع ولو بالتقرير عليه، فالاستدلال به قوي، يرجع إلى أمر ديني والله أعلم.
يقول مثل المسائل هذه، مسألة إيتار اللفظ في «قامت الصلاة»، يقول الآن الإمام مالك أخذ بعمل أهل المدينة وهذا طريقه العمل والانتشار، يعني ما يمكن مثلا بلال كان يوتر الإقامة، يعني يشفع، فلو قال «قد قامت الصلاة» ثم يأتي من بعده يعلم بذلك لكنه يوترها، فيأتي من بعده يشفع، يأتي من بعده يوتر، وهكذا. يقول لا، العادة أنه سيؤخذ بالتلقي في ترجيح عمل أهل المدينة بأن فيها بقايا أصحاب رسول الله ﷺ من الكبار والفقهاء رضي الله تعالى عنهم، فترجح عملهم بذلك.
شيخ الإسلام رحمه الله له كلام طويل، له رسالة في عمل أهل المدينة تسمى «صحة مذهب أهل المدينة»، هي في مجلد العاشر من مجموع الفتاوى من صفحة 294 وما بعدها. في الرسالة ذكر تقسيما لعمل أهل المدينة وقسمه إلى أربعة أقسام، يقول في صفحة 303 من المجلد المذكور: «والتحقيق في مسألة إجماع أهل المدينة أن منه ما هو متفق عليه بين المسلمين، ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين، ومنه ما لا يقول به إلا بعضهم».
يعني هنا هذا تقسيمه فيمن يقول به، يقول هو على ثلاثة أقسام -وقد يذكره على أربعة مراتب- لكن يقسمه بحسب ما من قال به: قسم يقول به، قسم أجمع عليه العلماء على اعتبار عمل المدينة، وقسم قرره جمهور العلماء، وقسم لا قال به بعض العلماء. ثم قال: «وذلك أن إجماع أهل المدينة على أربع مراتب: الأول ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ»، مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد، وترك صدقة الخضروات، والأحباس، يعني الأوقاف، هذا الذي هو الوقف يعني أن الوقف لازم لا يباع ولا يشترى ونحو ذلك.
يقول: فهذا مما هو حجة باتفاق العلماء. يعني هنا العلماء متفقون على أنه حجة، طبعا لا يقصد الشيخ رحمه الله أن مقدار الصاع متفق عليه ومقدار المد متفق عليه، أو أن عدم صدقة الخضروات متفق عليه، أو أن الوقف لا يباع ولا يشترى مجمع عليه؛ لا، يقول إن هؤلاء العلماء متفقون على أن ما ثبت به العمل ثبت به العمل، فإنه متفق عليه.
ولذلك نقل الشيخ رحمه الله بعد ذلك كلام المناظرة التي بين الإمام مالك وأبي يوسف في مقدار الصاع والمد، لأن في خلاف بين الحنفية والمالكية في مقدار الصاع. فالإمام مالك رحمه الله أمر أهل المدينة بإحضار صيعان، وذكروا له أن إسنادها عن أسلافهم، يعني أنهم توارثوها إلى أن وصلت إلى الصاع النبوي. فقال له الإمام مالك لأبي يوسف: «أترى هؤلاء يا أبا يوسف يكذبون؟» قال: «لا والله ما يكذبون». ثم قال الإمام مالك: «أنا حرمت هذه الصيعان فوجدتها خمسة أرطال»، مثل أرطال أهل العراق. فقال: «رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع»، اللي هو صاحبه أبو حنيفة لرجع كما رجعت. فهذا يعني يقصد أن هذا الأمر مجمع عليه أنه يؤخذ بعمل المدينة، لكن قد يخفى على بعض العلماء فلا يأخذ به لأنه لم يعلم أن هذا مما توارث أهل المدينة العمل به، إذا ما كان طريقه النقل، فهذا حجة باتفاق العلماء.
المرتبة الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان.
يقول الشيخ رحمه الله: فهذا حجة في مذهب مالك، وهو المنصوص عن الشافعي. قال: وكذا ظاهر مذهب أحمد؛ أن ما سنه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها. وقال بعده: فالمحيط أن قول الخلفاء الراشدين حجة، وما يعلم هذا تقرير الشيخ رحمه الله.
وما يعلم لأهل المدينة عمل قديم على عهد الخلفاء الراشدين مخالف لسنة الرسول ﷺ؛ يعني العمل الذي يعملون به من زمن أبي بكر وعمر إلى زمن الإمام مالك مثلا، ما في عمل مستمر مخالف لسنة النبي ﷺ.
المرتبة الثالثة: الآن المرتبة الأولى حجة، المرتبة الثانية قول الجمهور، المرتبة الثالثة والرابعة هي التي يقع فيها الخلاف. المرتبة الثالثة إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين وقياس، وجهل أيهما أرجح، أحدهما يعمل به أهل المدينة. عندنا حديثان صحيحان عن النبي ﷺ، لكن أهل المدينة عملوا بأحدهما والآخر لم يعملوا به؛ فهل يرجح الحديث الذي عمل به أهل المدينة أو لا؟ قال: ففيه نزاع. فمذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يرجح بعمل المدينة. ولأصحاب أحمد وجهان: أحدهما وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل أنه لا يرجح، والثاني وهو قول ابن الخطاب وغيره أنه يرجح به، وقيل: وهذا هو المنصوص عن أحمد رحمه الله.
يعني فيها وجهان، هذه هي التي فيها الخلاف الكبير، الخلاف الذي واضح بين المالكية وغيرهم، أو هو الذي بعض المالكية توسعوا فيه أكثر. المرتبة الرابعة يقول: أما المرتبة الرابعة فهي العمل المتأخر بالمدينة، يعني عند المرتبة الأولى إجماع، المرتبة الثانية والثالثة قول الجمهور، لكن الذين يأخذون به أقل. المرتبة الرابعة هي التي يأخذ بها بعض المالكية وليس كل المالكية.
يقول: المرتبة الرابعة فهي العمل المتأخر بالمدينة، يعني عمل مثلا في عهد الإمام مالك والذين قبله لكن ما اتصل إلى زمن الصحابة، فهنا يقول: ولا جاء مرجحاً لأحد حديثين صحيحين أو قياسين صحيحين. فيقول: فهذا هل هو حجة شرعية يجب اتباعها أم لا؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعية، هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك كما ذكر ذلك الفاضل عبد الوهاب في كتاب أصول الفقه وغيره.
وربما قال بعده: وربما جعله حجة بعض أهل المغرب من أصحابه وليس معه للأئمة نص ودليل، بل هم أهل تقليد. وقال بعده: قلت لم أر في كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة، وهو في الموطأ إنما يذكر الأصل المجمع عليه عندهم، فهو يحكي مذهبهم. وتارك يقول: الذي لم يزل عليه أهل العمل ببلدنا يصير إلى الإجماع القديم، لا يذكر فيقول: إن هذا العمل عمل المدينة الذي قيل إن المالكية اختصوا به.
لا، هو على مراتب؛ المالكية توسعوا في الأخير أو بعض المالكية توسعوا في الأخير. أما الأول: المرتبة الأولى فهي حجة في الإجماع، المرتبة الثانية والثالثة حجة عند الجمهور، وإن كان من يأخذون بالثالثة أقل، فالرابعة هي التي لم يأخذ بها الجمهور، وإنما أخذ بها بعض المالكية. ويقول: ولم أر الإمام مالك نص عليه، وإنما أفضت في هذا لأنه يسمع بعض الناس أهل المدينة ويظن أن هذا خاص بمذهب مالك.
لا، هو على مراتب كما نقلت عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ومن أراد الاستزادة فيرجع لرسالة الشيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى في المجلد العشري.
ثم انتقل إلى مسألة أخرى، يقول: وقد يستدل بهذا الحديث على وجوب الأذان. من أين أخذناه؟ قال: من حيث إنه إذا أمر بالوصف لزم أن يكون الأصل مأموراً به، وظاهر الأمر الوجوب. يعني الآن أمر بلال أن يشفع الأذان، لم يؤمر بالأذان فقط بل جاءه أمر بوصف فيه، والأصل في الأمر الوجوب؛ فأنا أقول إذا ما دام الأصل في الأمر الوجوب، فيكون الأمر بهذا الوصف واجباً، ويكون الأمر بالأداء نفسه واجباً.
قال: وهذه مسألة اختلف فيها، والمشهور أن الأذان والإقامة سنتان، وهذا قول الجمهور، وقيل فرضان على الكفاية وهو قول الاصطخري من أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى، وهو المذهب عند الحنابلة، وقول عند بعض المالكية. قال: وقد يكون له متمسك بهذا الحديث كما قلنا؛ يعني الذي قال إن الأذان فرض على الكفاية وكذا الإقامة قد يتمسك بهذا الحديث من حيث إنه أمر بوصف فيه، مادام أنه أمر بوصف فيه والأصل في الأمر الوجوب، فالأمر بالوصف أمر بالأصل الموصوف.
قال رحمه الله: الحديث الثاني في باب الأذان، قال عن أبي جحيفة، وهو وهب بن عبد الله السوائي، قال: أتيت النبي ﷺ وهو في قبة له حمراء من آدم، والقبة شيء يعمل من خشب مقبى وهو ضيق الرأس ويغشى بالآدم المصبوغ بحمرة، الآدم الذي هو الجلد. قال: فخرج بلال بوضوء، يعني بماء من وضوء النبي ﷺ، فمن ناضح ونائل وسيأتي تفسيرهما في كلام المؤلف.
قال: فخرج النبي ﷺ عليه حلة حمراء. الحلة ثوبان غير ملتقين؛ رداء وإزار، سمي بذلك لأن كل واحد منهما يحل على الآخر، ولا يقال حلة لثوب واحد بل هما للثوب كما قاله الخليل بن أحمد. والحمراء ليست حمراء خالصة، بل أغلبها حمراء، أما الأحمر الخالص فقد جاء النهي عنه، واختلف العلماء رحمهم الله تعالى في لبس الأحمر على أقوال، ومن أراد الاستزادة يرجع لكلام الحافظ ابن حجر في الفتح وكلام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد.
«كأني أنظر إلى بياض ساقيه»، قال: فتوضأ وأذن بلال، قال: فجعلت أتتبع: «ها هنا وها هنا»، يميناً وشمالاً: «حي على الصلاة، حي على الفلاح»، ثم ركزت له عنزة فتقدم وصلى الظهر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة.
يقول أبو جحيفة: ووهب بن عبد الله، وهو المشهور، يعني هذا اسمه المشهور واسم أبيه، وقيل إن اسم أبيه جابر وهو وهب بن عبد الجابر، وقيل اسم أبيه مثل اسمه وهب، وهب بن وهب، لكن المشهور أنه وهب بن عبد الله. والسوائي في نسبه مضموم السين ممدود، نسبه إلى سواء بن عامر بن صعصعة، مات في إمارة بشر بن مروان بالكوفة، وقيل سنة 74، وهو من صغار الصحابة، مات النبي ﷺ وهو لم يبلغ الحلم، كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يسميه وهب الخير أو وهب الله.
قال: والكلام عليه من وجوه؛ الأول قول أحدهما قوله: «فخرج بلال بوضوء»، بفتح الواو بمعنى الماء، قد تقدم الكلام في الفرق بين الوضوء والوضوء.
فالوضوء هو الماء، والوضوء هو استعماله في الوضوء، يعني هو التوضؤ. قال: هل هو اسم لمطلق الماء أو بقيد الإضافة إلى الوضوء؟ في نظر قد مر معنا في الكلام على الحديث الثامن من أحاديث هذا الكتاب، كتاب أحكام الوضوء؛ حديث حمران عن عثمان في صفة وضوء النبي ﷺ.
في قول حمران إن عثمان دعا بوضوء، هناك تكلم المؤلف رحمه الله تعالى على هذه اللفظة: "وضوء"؛ هل هي اسم لكل ماء يسمى وضوءًا، أو هو الماء المستعمل في الوضوء يسمى وضوءًا؟ على الخلاف بين أهل اللغة. قال قوله: "فمن ناضح ونائل النضح"، الرش؛ يعني أن بعضهم قيل معناه أن بعضهم كان ينال منه ما لا يفضل منه شيء، وبعضهم كان ينال منه ما ينضح على غيره. يعني بعضهم ينال من الماء لكن ما يستطيع أن يرش على جسمه أو على غيره، وبعضهم لا ينال شيئًا يستطيع أن ينفع به غيره وينضح على غيره.
ويشهد له الرواية الأخرى في الحديث الصحيح عند مسلم: «فرأيت بلالاً أخرج وضوءًا، فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئًا تمسح به، ومن لم يصب منه أخذ من بلل يد صاحبه». قال الثاني: يؤخذ من الحديث التماس البركة بما لبسه الصالحون بملابسه، فإنه ورد في الوضوء عندي، لكن لعل الصواب فإنه ورد في الوضوء الذي توضأ منه النبي ﷺ، ويعدى بالمعنى إلى سائر ما يلبسه الصالحون.
يعني هنا الصحابة رضي الله تعالى عنهم التمسوا البركة في الماء الذي توضأ منه النبي ﷺ، فابتدروا هذا الماء فتمسحوا به التماسًا ببركة النبي ﷺ. يقول: يؤخذ منه أن هذا أيضًا يفعل في ما لبسه الصالحون، فيتبين هكذا قرر المؤلف رحمه الله، وقرره جمع من الشراح.
لكن نقول إن هذا أمر شرعي ولم يفعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع كبار أصحاب النبي ﷺ؛ فلم يكونوا يفعلون هذا مع أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا غيرهم من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. إذن الأظهر -والله تعالى أعلم- أن هذا ليس مشروعًا إلا مع النبي ﷺ؛ لفعل الصحابة وإقرار النبي ﷺ لهم على ذلك.
قال الثالث: «فجعلت أتتبع فـهو ها هنا وها هنا»، يريد يمينًا وشمالًا، فيه دليل على استدارة المؤذن للاستماع عند الدعاء إلى الصلاة وهو وقت التلفظ بالحيّين، يعني أن المؤذن يستدير وقت الحيّين: «حي على الصلاة، حي على الفلاح». وهل يستدير بجسمه كله أو بوجهه ورقبتة؟ هذا خلاف بين أهل العلم، والأقرب والله أعلم أنه يستدير بوجهه ورقبتة ولا يستدير بجسمه كله. ومن أهل العلم من يرى التفريق بين المكان الذي يؤذن فيه؛ فالمؤذن كان كبيرًا يتسع، وكان البلد أيضًا كبيرًا يتسع، ليدور بجسمه كله، فإنه يدور ليسمع أهل البلد كلهم، والمسألة محتملة والله أعلم.
قال وقوله: "يقول حي على الصلاة، حي على الفلاح" يبين وقت الاستدارة وأن وقت الحيّين. واختلفوا في موضعين: أحدهما هل تكون قدماه قارتين مستقبلين القبلة، ولا يلتفت إلا بوجه دون بدنه، أو يستدير كله؟ وهذا هو الذي قلنا لك من قبل قليل. والثاني هل يستدير مرتين؟ إحداهما عند قوله "حي على الصلاة، حي على الفلاح"، والأخرى عند قوله "حي على الصلاة، حي على الفلاح"؛ أو يلتفت يمينًا ويقول "حي على الصلاة"، ثم يلتفت شمالًا فيقول "حي على الفلاح" مرة، ثم يلتفت يمينًا ويقول "حي على الصلاة" مرة، ثم يلتفت شمالًا فيقول "حي على الفلاح" مرة أخرى. وهذا وجه منقول عن أصحاب الشافعي، وقد رجح الثاني بأن يكون لكل جهة نصيب من الكلمة، وقيل إنه اختار القفال. والأقرب عندي للفظ الحديث هو الأول.
يعني المسألة الثانية التي اختلفوا فيها هي كيفية الاستدارة أو موضع الاستدارة؛ يعني هل يستدير يمينًا عند قوله "حي على الصلاة" مرتين، ثم يستدير شمالًا عند قوله "حي على الفلاح" مرتين؟ أو أنه يستدير المرة الأولى يمينًا عند قول "حي على الصلاة"، ثم يستدير مرة أخرى إلى الشمال عند قول "حي على الصلاة" المرة الثانية، ثم يستدير مرة أخرى إلى اليمين عند قول "حي على الفلاح" مرة، ثم يستدير مرة أخرى إلى الشمال عند قول "حي على الفلاح" المرة الثانية؟ يقول احتمالان، وهما قولان عند أصحاب الشافعي، وهو رجح الثاني بأن فيه عدلاً بين مستمعي الأذان؛ فيكون من عن يمين المؤذن -والأصل أن المؤذن يؤذن في أعلى المسجد في المنارة- فيكون من عن يمين المسجد يسمعون "حي على الصلاة، حي على الفلاح"، ومن يسار المسجد يسمع "حي على الصلاة، حي على الفلاح". لكن يقول الأقرب إلى ظاهر الحديث هو الأول؛ وأنه يقول "حي على الصلاة" مرتين إلى اليمين، ويقول "حي على الفلاح" مرتين إلى الشمال.
قال الخامس: في دليل على... نعم، الرابع قوله: «ثم ركزت له عنزة»، أي أثبتتها في الأرض. يقال ركزت الشيء، أرْكِزُ بضم الكاف في المضارع، إذا أثبته. والعنزة هي عصا في طرفها زج، وقيد الحرب، الحربة الصغيرة، وكلاهما. قال بعض أهل العلم: فهي ركزت له ستره لئلا يمر من بينه وبينه، لأن لا يمر أمامه عليه الصلاة والسلام.
قال الخامس: في دليل على استحباب وضع السترة للمصلي حيث يخشى المرور، كالصحراء؛ فيضع السترة. إن هنا النبي ﷺ صلى في صحراء قد يمر شيء أمامه فوضعت له سترة. وهل السترة توضع حتى لو أمن من مرور شيء أمامه؟ طا مثلاً هو في بيته وحده سيصلي ركعتين، فهل يضع سترة هنا؟ هذا الحديث لا يدل عليه، يعني الحديث دل على أنه يضع سترة إذا خشي المرور، لكن الأحاديث الأخرى تدل على أنه يستحب له وضع السترة مطلقًا.
قال: ودليل على الاكتفاء في السترة بمثل غلظ العنزة، وانه لا يلزم أن تكون غليظة جدًا، يكفي العنزة التي هي عرضه نوعًا ما. قال: ودليل على أن المرور من وراء السترة غير ضار؛ لأنها إنما جعلت لتمنع المرور من أمامه مباشرة، فإذا ركزت له السترة فهي جعلت ألا يمر من أمامه، فهذا هو سبب جعلها، فدل على أنه لا بأس من المرور من خلفها. قال السادس: قوله «ثم لم...».
«لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة»؛ هو إخبار عن قصر النبي ﷺ للصلاة. فإذاً مشروعية القصر، ومواظبته على ذلك؛ أنه قال: «يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة»، ما قال: يصلي أحيانا ركعتين وأحيانا أربعا، ولا قال: أحيانا نقصر.
لا، بل هو دليل على رجحان القصر على الإتمام، وكلاهما يجوز، لكن يرجح القصر لمواظبته ﷺ عليه. قالوا: ليس دليلاً على وجوبه، إلا على مذهب من يرى أن أفعال النبي ﷺ تدل على الوجوب، والمختار في علم الأصول: هل نأخذ من هذا أن القصر واجب لأن النبي ﷺ لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة؟ يقول لك: لا، لا نأخذ منها؛ لأن المختار عند أهل الأصول أن أفعال النبي ﷺ المجردة -التي لم يقترن بها ما يدل على الوجوب ولم تكن بياناً لمجمل- فإنها تدل على الاستحباب إذا كانت فعلاً عبادياً.
فالنبي ﷺ فعل القصر ﷺ فعلاً مجرداً، يعني لم يأمروا بإلزام كل مسافر به، إذ إن الآية جاءت بنفي الجناح: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، ولا يجب القصر في قول أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، ويدل عليه فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ حيث إن عثمان رضي الله تعالى عنه لما أتمّ، أتمّ معه الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أثناء خلافته، وقال ابن مسعود: «الخلاف شرط»، ولم يقصروا، ويقولون: «إنك فعلت أمراً محرماً».
قال: لم يبين في هذه الرواية موضع اجتماعه بالنبي ﷺ، وقد بين ذلك في رواية أخرى، قال فيها: «أتيت النبي ﷺ بمكة وهو بالبطحاء في قبة حمراء من أدم». وهذه الرواية المبينة مفيدة فائدة زائدة؛ فإنه في الرواية الأولى المبهمة يجوز أن يكون اجتماعه بالنبي ﷺ في طريقه إلى مكة قبل وصوله إليها، وعلى هذا يشكل قوله: «فلم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة» على ما ذهب بعض الفقهاء من حيث إن السفر تكون له نهاية يوصل إليها قبل الرجوع، وذلك مانع من القصر عند بعضهم.
أما إذا تبين أنه كان الاجتماع بالبطحاء، فيجوز أن تكون صلاة الظهر التي أدركها ابتداء الرجوع، ويكون قوله: «حتى رجع إلى المدينة» أي عند الرجوع. يعني هنا يقول ما بين أين اجتمع بالنبي ﷺ في هذه الرواية، لكن في رواية أخرى أنه اجتمع معه بالبطحاء.
يقول: هذه الرواية الثانية أفادت فائدة زائدة، ما هذه الفائدة الزائدة؟ يقول: الرواية الأولى المبهمة، يقول اجتمع بالنبي ﷺ والنبي ﷺ لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع، فقد يكون اجتمع بالنبي ﷺ في أثناء سفره من المدينة إلى مكة في طريق الذهاب، فيكون النبي ﷺ قد قصر في طريق الذهاب، وقصر في مكة، ثم قصر في طريق الرجوع إلى المدينة، وهذا احتمال.
وهذا الاحتمال يشكل على موضع مذهب بعض الفقهاء الذين يقولون إن المسافر إذا وصل إلى بلد قصده فإنه لا يقصر، إنما يقصر في الطريق فقط، هذا مذهب بعض الفقهاء والخلاف فيها طويل في المدة التي إذا مكث فيها المسافر فإنه يتم ولا يقصر. وليس هذا الموضوع بذاك، لكن يقول: هذا احتمال، واحتمال آخر أن يكون لا أدركه في طريق الرجوع، واحتمال ثالث أن يكون أدركه وهو في مكة قبل الرجوع.
يقول: هذه احتمالات، لا ندري أي الاحتمال. إذا كان الاحتمال هو الأول، فنقول إذاً هذا نص على أنه إذا وصل إلى بلد قصده فإنه يقصر، يقول: هي محتملة، لكن جاءت الرواية الأخرى المبينة أن اجتماعه معه بالبطحاء، فاحتمال أنه لما أدركه، يتقوى أنه أدركه في صلاة الظهر في البطحاء أثناء ابتداء الرجوع، وعلى هذا فلا يكون فيها دليلاً؛ لأنه صلى الظهر معه، فلا يكون فيها دليلاً على أن المسافر إذا وصل إلى بلد قصده فإنه يقصر أيضاً.
يعني في هذا الحديث طبعاً أدلة أخرى تدل على هذا، لكن لا يكون في هذا الحديث دليل على أن المسافر إذا وصل إلى بلد قصده يقصر، أنه أدرك النبي ﷺ في صلاة الظهر أثناء بدء رجوعه إلى المدينة، فيكون حكى فعل النبي ﷺ وقت الرجوع.
نقف على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان