دخولتسجيل الدخول

التعليق على إحكام الأحكام – كتاب الصلاة (4) باب المواقيت شرح الحديث الخامس من أحاديث الباب

عبدالله بن عبدالرحمن الميمانالشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الميمان
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علم إبراهيم، ويا مفهم سليمان فهم سليمان، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وعملاً صالحاً.

أما بعد، فهذا هو المجلس التاسع والثلاثون من مجالس التعليق على كتابه أحكام الأحكام، شرح الأحكام، لعلي رحمه الله تعالى. وكنا قد توقفنا على الحديث الخامس من أحاديث باب المواقيت في كتاب الصلاة، حديث علي رضي الله عنه.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى في الحديث الخامس عن علي رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ قال يوم الخندق: ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس». وفي لفظ لمسلم: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ثم صلاها بين المغرب والعشاء».

وله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر حتى مرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله ﷺ: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا، أو حشى الله أجوافهم وقبورهم نارا».

أحسنت، هنا رحمه الله تعالى حديث علي رضي الله عنه ورواية مسعود في هذا الباب، وهو فيما وقع للنبي ﷺ من تأخير صلاة العصر يوم الخندق عن وقتها حتى غربت الشمس، ثم دعا المشركين بأن يملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا، أو أجوافهم وقبورهم نارا؛ لأنهم شغلوه عن الصلاة الوسطى وهي صلاة العصر. وقوله: «وفي لفظ لمسلم: شغلونا عن الصلاة الوسطى»؛ و«شغل» هذه هي اللغة الفصحى، وأما «أشغل» فقد ذكر بعض اللغويين أنها لغة رديئة.

أحسن الله إليكم، قال رحمه الله: فيه مبحث عن أحدهما؛ أن العلماء اختلفوا في تعيين الصلاة الوسطى، فمذهب أحمد وأبي حنيفة رحمهم الله أنها العصر، ودليله هذا الحديث مع غيره، وهو قوي في المقصود، وهذا المذهب هو الصحيح في المسألة. وميل مالك والشافعي رحمهم الله إلى اختيار صلاة الصبح.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الحديث مبحثين كبيرين، وسيتكلم عن مسائل أخرى، لكن ركز على هذين المبحثين: الأول تعيين الصلاة الوسطى، ما المراد بالصلاة الوسطى؟ والثاني متى صلى النبي ﷺ العصر؟ هل صلاها قبل أن يصلي المغرب أو بعد أن يصلي المغرب؟ وما يترتب على ذلك من حكم الترتيب بين الفوائد.

فما المراد بالصلاة الوسطى هنا في الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾ [البقرة: 238]؟ اختلف الفقهاء والعلماء اختلافاً كبيراً، على أقوال كثيرة، بل ما من صلاة من الصلوات الخمس إلا وقد قيل إنها هي الوسطى. وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح قرابة عشرين قولاً لأهل العلم رحمهم الله تعالى في ذلك.

وأقواها قولان كما ذكرهم المؤلف هنا؛ منهم من قال إنها العصر، وهذا نسبه إلى أبي حنيفة والإمام أحمد رحمه الله تعالى، وأيضاً هو قول كثير من أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قال الترمذي رحمه الله تعالى: «هو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم رضي الله تعالى عنهم».

بل إن الماوردي رحمه الله تعالى ذكر أن هذا هو مذهب الشافعي. وكما ذكرها المؤلف هنا، رأى أنها صلاة الصبح، وهو الذي نص عليه في الأم، لكن الماوردي هو الذي ينبغي نسبته للشافعي؛ ولعله نص على أنه الصبح لأنه لم تبلغه الأحاديث الصحيحة في العصر، ومذهبه اتباع الحديث، أنه كان يقول: «إذا صح الحديث فهو مذهبي».

شرف الدين الدمياطي رحمه الله، وهم فقهاء الشافعية، ألفوا كتاباً في هذه المسألة سماه «كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى»، والكتاب مطبوع. وأشار له أيضاً شرح الحديث لابن حجر وابن كثير وشرح العمدة، والمتاخرون عنه أشاروا له. قال الفاكياني: «صنف شرف الدين الدمياطي كتاباً في هذه المسألة أسماه كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى، أجاد فيه وأحسن وأوضح فيه وبين، فليقف عليه من أراد تحصيل المسألة، ومن أراد التوسع في هذه المسألة فليرجع إلى هذا الكتاب».

طبعاً ذكر المؤلف رحمه الله تعالى كما قلنا قولين؛ ذكر قول أبي حنيفة وأحمد أنها العصر، وقول مالك والشافعي أنها الصبح، وذكر دليل القول الأول، وأنه هذا الحديث مع غيره، وهذا نص: «الصلاة الوسطى صلاة العصر»، قال: «وهو قوي في المقصود، وهذا المذهب هو الصحيح في المسألة». ثم ذكر القول الثاني أنها الصبح، والذين قالوا إن الصبح، ما جوابهم عن هذا الحديث؟ ذكر لهم خمسة أجوبة عن هذا الحديث، ويذكر كل جواب ثم يعقبه بمناقشته.

قال رحمه الله: «وميل مالك والشافعي رحمهم الله إلى اختيار صلاة الصبح، والذين اختاروا ذلك اختلفوا في طريق الجواب على هذا الحديث». فمنهم من سلك فيه مسلك المعارضة، وعرض الحديث الذي رواه مالك من حديث أبي يونس مولى عائشة أم المؤمنين أنه قال: «أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً، ثم قالت: إذا بلغت هذه الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾ [البقرة: 238] وقوموا لله قانتين، فلما بلغتُها أذنتها، فأملت عليَّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]، ثم قالت: سمعتها من رسول الله ﷺ».

وروى مالك أيضاً عن زيد بن أسلم عن عمرو بن رافع رضي الله عنه قال: «كنت أكتب مصحفاً لحفصة أم المؤمنين، فقالت: إذا بلغت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾، فلما بلغتُها أذنتُها، فأملت عليَّ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]». ووجه الاحتجاج منه أنه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى، والمعطوف والمعطوف عليه متغيران.

هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المسلك الأول من مسالك القائلين بالقول الثاني في الجواب عن دليل القول الأول، وهو الجواب عن الحديث: «الصلاة الوسطى صلاة العصر». قال: المسلك الأول هو مسلك المعارضة، قالوا: عندنا أدلة تدل على أن الصلاة الوسطى هي غير صلاة العصر، يعني يعرضون هذا الحديث على أحاديث أخرى. طيب، من الأدلة التي عندكم؟ ذكر حديثي؛ الحديث الأول رواه مالك وعند مسلم أيضاً من حديث أبي يونس مولى عائشة، أنها لما جاءت عائشة -وكان يكتب لعائشة القرآن- قالت له: إذا بلغت قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾ [البقرة: 238]، فأملت علي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. طبعاً في باب النسخ من وجود الواو، والصلاة الوسطى صلاة العصر، لكن الذي في مسلم ما...

عنده مالك موجود فيها الواو، وهو الذي يتم به الاستدلال، الآن في بعض الروايات صحيح بدون الواو، لكن التي بدون واو لا يريدها المؤلف؛ يريد أن يستدل بالرواية التي فيها الواو: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وصلاة العصر، وقوموا لله قانتين». وأيضاً حديث حفصة مثله.

وجه الدلالة من الحديثين أنه في الآية -وطبعاً هذه القراءة شاذة كما سيأتي في الآية- عطفت صلاة العصر على الصلاة الوسطى، رتبت صلاة العصر على الصلاة الوسطى، والأصل في العطف التغاير؛ فدل على أن صلاة العصر هي غير الصلاة الوسطى، إذاً لا تكون صلاة العصر هي الصلاة الوسطى، وإلا فيعارض. فتكون هذه الأدلة متعارضة؛ حديث الباب يدل على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وهذان الحديثان يدلان على أن الصلاة الوسطى هي غير صلاة العصر.

الآن سيجيب على هذه المعارضة من وجهين. نعم، وأحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «وهذا يقع الكلام فيه من وجهين».

أحدهما: أنه يتعلق بمسألة أصولية، وهو أن ما روي من القرآن بطريق الآحاد، إذا لم يثبت كونه قرآناً، فهل يتنزل منزلة الأخبار؟ فيه خلاف بين أرباب الأصول والمنقول عن أبي حنيفة أنه يتنزل منزلة الأخبار في العمل به، ولهذا أوجب التتابع في صيام كفارة اليمين للقراءة الشاذة، فصيام ثلاثة أيام متتابعات. والذين اختاروا خلاف ذلك قالوا: لا سبيل إلى إثبات كونه قرآناً في طريق الآحاد، ولا إلى كونه خبراً؛ لأنه لم يروَ على أنه خبر.

هنا ذكر الجواب عن هذه المعارضة من وجهين؛ الوجه الأول يقول: هذا يتعلق بمسألة أصلية. الآن القراءة التي قرأتها عائشة وحفصة هنا قراءة شاذة، مخالفة لما في مصحف عثمان، والعلماء اصطلحوا على أن القراءة الشاذة هل يُحتج بها أو لا؟ يقول: طبعاً القراءة الشاذة إذا لم يثبت كونها قرآناً، أي ما روي من قراءة بطريق الآحاد إذا لم يثبت كونه قرآناً يكون شاذاً، فهل يتنزل منزلة الأخبار في العمل به؟ يعني هل نقول ما دام أنه ليس قرآناً فنقول على الأقل هو يأخذ حكم السنة؟ لأن الصحابي سمعه من النبي ﷺ، وهذا أولى.

يقول: هذه فيها خلاف بين الأصوليين؛ فمن الأصوليين -إلى أبي حنيفة- يقولون: يتنزل منزلة الأخبار في العمل به. يقول: ولهذا أوجب أبو حنيفة التتابع في صيام كفارة اليمين للقراءة الشاذة، مثل ثلاثة أيام متتابعات. الصيام ثلاثة أيام، ما في إشكال في القرآن، لكن لفظ «متتابعات» هذه جاءت في قراءة بعض الصحابة رضي الله عنهم. طيب، هذه القراءة شاذة مخالفة لما في مصحف عثمان، سلمنا، هل نقول إنها لا تكون قرآناً؟ هل نقول إنها تكون سنة أن الصحابي سمعه من النبي ﷺ؟ أو نقول لا، ما دام أنها ليست قرآناً إذاً لا نعتبرها أبداً؟

يقول: هذا في خلاف؛ فهم حنيفة اعتبرها بمثابة الخبر، ولهذا أوجب العمل بها في مثل كفارة اليمين. ومن الفقهاء من قالوا: لا، لا نأخذ بها على أنها قرآن؛ لأن القرآن لا يثبت في طريق الآحاد، لابد من التواتر. ولا نأخذها على أنها خبر، يعني أنها مثل الحديث النبوي؛ لماذا؟ لأنه لم يروَ على أنه خبر، إنما روي على أنه قرآن. فهل نأخذ به على هذا ولا إذا نسقط الاستدلال به على أن ثبوت الواو رواه واحد؟ هذا هو الجواب الأول على مسلكه.

الجواب الثاني يقول لك: سلمنا -طبعاً الجواب الأول على عدم التسليم بالاحتجاج به، والثاني على التسليم بالاحتجاج- سلمنا أن هذا قرآن أو أنه خبر يعمل به، سلمنا أن هذا يحتاج إلى بحث على أنه قرآن أو على أنه خبر، لكن هذا اللفظ محتمل للتأويل؛ فالعطف لا يقتضي المغايرة دائماً. العطف لا يقتضي المغايرة دائماً، فقد يعطف الشيء على نفسه لاختلاف صفاته، وهذا موجود في القرآن وفي كلام العرب.

في القرآن، قال الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: 1-4]. فالعطف هنا للشيء على نفسه لكن لاختلاف الصفات، فيقولون يعطف، وكذلك ما ذكر المؤلف هنا البيت الشعري: «إلى الملك القرم وابنه الهمامي ... ولكن لكتيبة في المزدحم» فهذه كلها أوصاف لشخص واحد؛ الملك القرم، وابن الهمام، وليس كتيبة، هذه كلها أوصاف لشخص واحد، فيعطف الشيء على نفسه لاختلاف صفاته. وهكذا صلاة الوسطى وصلاة العصر، على اعتبار أن هذه الرواية صحيحة، فنقول إن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، فلما وصفت بوصفين جعل بينهما الواو نظراً لاختلاف الصفات، وإلا فالموصوف واحد، لذلك وجد العطف هاهنا. أنا في البيت الشعري مع اتحاد الشخص وعطف الصفات لبعضها على بعض موجود في كلام العرب.

إذاً، إذا أجاب عنه من وجهين؛ الوجه الأول: عدم التسليم بالاحتجاج به، إما أن يقال إن هذا ما دام أنه ليس قرآناً لأنه آحاد فلا نأخذه على أنه خبر نبوي لأنه لم يروَ على أنه خبر نبوي، أو أيضاً وجناخر -لم يذكره المؤلف- وهو أن ثبوت الواو رواه واحد وحذفه جماعة فيقدمون عليه. والوجه الذي ذكر المؤلف هو التسليم بالاحتجاج بأن هذا قابل للتأويل؛ يقال إنه أثبت الواو من باب عطف الصفات بعضها على بعض مع اتحاد الموصوف.

قال رحمه الله: «وربما سلك بعض من رجح أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح، طريقة أخرى، وهي ما تقتضيه قرينة قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ من كونها الصبح الذي فيها القنوت». وهذا الصبح الذي فيه القنوت، هنا نستطيع أن نعبر بالنظر في السياق، فالاستدلال بالسياق؛ فيقول لك إن السياق هذا جاء في الصبح: «وصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين»، فالقنوت يكون في الصبح؛ لماذا؟ مبني على قول بعض أهل العلم الذين يرون القنوت في صلاة الصبح، كالشافعي والمالكية، وأنه يقنت فيها يعني يدعى فيها دعاء، وهذا معروف عند الشافعية رحمه الله تعالى. فيقول لما جاءت «وقوموا لله قانتين» فيراد به القنوت الذي يكون في صلاة الصبح، إذاً نقول الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح، صلاة الصبح، ونزلت صلاة العصر. الآن سيذكر الرد عليه.

نعم، أحسن الله إليكم. قال رحمه الله: «وهذا ضعيف من وجهين». أحدهما: أن القنوت لفظ مشترك يطلق على القيام وعلى السكوت وعلى الدعاء وعلى كثرة العبادة، فلا يتعين حمله على القنوت الذي في صلاة الصبح. والثاني: أنه قد يعطف حكم على حكم وإن لم يجتمعا معاً في موضع واحد مختصين به، فالقرينة ضعيفة. وربما سلكوا طريقاً أخرى.

هنا ذكر الرد على هذا القول، وهو دليل السياق، من وجه؛ يقول لك الوجه الأول: أنتم تقولون «لله قانتين» على القنوت الذي هو الدعاء، لا، القنوت هذا لفظ...

مشترك يطلق على الدعاء، ويطلق على السكوت؛ لأنه جاء في حديث سيدنا أرقم. كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه إلى جنبه في السطح، حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. قال: فأمرنا بالسكوت ونهي عن الكلام، فسر القنوت هنا بالسكوت.

أيضًا يطلق على كثرة العبادة، ويطلق على القيام. ما دام أنه لفظ مشترك، فأنتم حملتموه على القنوت الذي هو الدعاء في صلاة الصبح، وهذا يعني حمله على أحد المعاني بدون قرينة، لا، ليس هناك قرينة تدل على ذلك، فترجيحكم هنا بدون مرجح.

الثاني: لو سلمنا الوجه الأول على عدم التسليم، بحمل القنوت على الدعاء، لو سلمنا أن المراد بالقنوت هنا هو الدعاء، فقد يعطف حكم على حكم وإن لم يجتمع في محل واحد، مختصين به. فقد يعطف هذا على هذا، يعني الصلاة، والصلاة الوسطى ويراد بها مثلا العصر، و﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ في الصبح، فما في مانع. ما المانع من أن يراد بالصلاة الوسطى صلاة الصبح وصلاة العصر، و﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ في صلاة الصبح؟ فما المانع؟ هناك أمثلة كثيرة يعطف فيها حكم على حكم ولا تناسق أو لا مناسبة بينهما، لا نقول لا بد أن يكون هناك وجه تناسب.

في بعض النسخ زيادة، وكيف يمكن الاستدلال بهذا؟ أي الاستدلال على أن صلاة الصبح هي الصلاة الوسطى، بدل أن ورد بعده ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ في الصبح، جاء في بعض النسخ زيادة. وأبو حنيفة رحمه الله يقول: لا قنوت في الصبح، وكذلك الإمام أحمد رحمه الله في المذهب بأنه لا قنوت في صلاة الصبح عند النوازل، فانتفت القرينة التي يدعيها. ولو سلم ذلك، لوجب إما صرفه إلى المجاز، أو إيجاب القنوت في الصبح، وهذا الدعاء الذي في السمع غير واجب عند الشافعي رضي الله تعالى عنه.

ينتهي الموجود، يقول لو سلمنا، كيف يمكن الاستدلال بها بما ذكرنا على أن أبا حنيفة وأحمد ما يسلمون أصلاً أن القنوت في صلاة الصبح مشروع؟ فانتفت قرينة السياق التي تذكرونها. ولو سلمنا بذلك، لوجب إما صرفه إلى المجاز، فنقول: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ يعني أنه إيهام للمجاز، أي أنه ليس على أصل الوجوب؛ لأن اللام للأمر، والأمر للوجوب، فيقول نحمله على المجاز. أو إيجاب القنوت في صلاة الصبح، فنحمله على إيجاب صلاة الصبح، مع أن القنوت الذي في الصبح غير واجب عند الشافعي رضي الله تعالى عنه، فإذا انتفت القرينة التي ذكروها كانت ضعيفة.

الآن سيذكر المسلك الثالث، وربما سلكوا طريقًا أخرى وهو إيراد الأحاديث التي تدل على تأكيد أمر صلاة الفجر، كقوله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوها ولو حبوا»، وكونهم كانوا يعلمون نفاق المنافقين بتأخرهم عن العشاء والصبح. هذا مسلك آخر ذكروه، قالوا مما يدل على أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح أنه وردت أحاديث تدل على تأكد صلاة الصبح.

الآن يذكر الرد عليه، وأحصله: قال رحمه الله: وهذا معارض بالتأكيدات التي وردت في صلاة العصر، كقوله صلى الله عليه وسلم: «من صلى البردين دخل الجنة»، وكقوله: «فإن استطعت من لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها». وقد حمل قوله عز وجل: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: 130] على صلاة الصبح والعصر. بل نزيد فنقول: قد ثبت من التشديد في ترك صلاة العصر ما لا نعلمه ورد في صلاة الصبح، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله».

أحسنت، أجابوا عن هذا المسلك، قالوا أيضًا العصر ورد فيها تأكيدات، وذكر من التأكيد: «من صلى البردين دخل الجنة» الفجر والعصر، و«فإن استطعت من تغلب على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» الفجر والعصر، و«سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» الفجر والعصر. يقول هذا يدل على أنه كما أن الصبح متأكدة فكذلك العصر متأكدة، ويقول نزيد على هذا فنقول: ورد تشديد في صلاة العصر ما لا نعلمه ورد مثله في صلاة الفجر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله»، ولم يجد مثله في الفجر، مما يدل على تأكد صلاة العصر على صلاة الفجر.

الآن سيذكر المسلك الرابع، قال رحمه الله: وربما سلك من رد الصبح طريق المعنى، وهو أن تخصيص الصلاة الوسطى بالأمر بالمحافظة لأجل المشقة، وأشق الصلوات في ذلك صلاة الصبح لأنها تأتي في حالة النوم والغفلة، وقد قيل: فإن شدة النوم تغلب الفجر، فيناسب أن تكون هي المحثوثة على المحافظة عليها.

هناك ذكر المسلك الرابع وهو من طريق المعنى، يقول: نقول إن صلاة الصبح هي الصلاة الوسطى لأن المحافظة عليها فيها مشقة شديدة، فهي تأتي بعد نوم يكون في القيام إليها مشقة شديدة، فننظر إلى المعنى. الآن سيذكر الجواب عليه، قال رحمه الله: وهذا قد يعارض في صلاة العصر بمشقة أخرى، وهي أنها وقت اشتغال الناس بالمعاش والتكسب. ولو لم يعارض بذلك، لكان المعنى الذي ذكره في صلاة الصبح ساقط الاعتبار مع النص على أنها العصر، وللفضائل والمصالح مراتب لا يحيط بها البشر، فالواجب اتباع النصوص فيها.

أحسنت، هنا ذكر الرد عليه من وجهه، وربما نقول مثال التوجه: الوجه الأول يقول لك أنتم قلتم إن الفجر يشق المحافظة عليه لأنه وقت نوم، نقول أيضًا العصر يشق المحافظة عليه لأنها وقت تكسب. طبعًا هذا فيه وقت مضى، يمكن وقت التكسب، لكن يمكن نقول أيضًا وقتنا هذا بعد عناء العمل يكون وقت النوم لبعض الناس ووقت اكتساب لآخرين، المهم أنه يكون في وسط النهار، فيكون أيضًا وقت انشغال، فهذا انشغال بنوم وهذا انشغال بتكسب، وقد يكون بعض الناس المشقة في ترك أبواب التكسب عنده أشد من المشقة في ترك النوم والاستيقاظ لصلاة الفجر.

هذا الوجه الأول، والوجه الثاني: لو سلمنا أن صلاة الفجر أشق من صلاة العصر.

محافظة عليها شق، وقلتم إنها لما كانت شكًا إذن هي الوسطى. كل كلامكم هذا ساقط؛ لماذا؟ أنتم الآن استنبطتم أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح من معنى، وهذا المعنى مخالف للنص الصريح الوارد في الحديث، فاشغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، فإنه يكون فاسد الاعتبار لأنه مخالف للنص.

وذكر أهل العلم رحمه الله تعالى أن العلة المستنبطة إذا عادت على النص بالإبطال فهي فاسدة؛ فهي لا تقوم على معارضة النص، فيُقدم النص عليه، فلما وجد النص سالمًا فإننا لا نأخذ بما يخالفه من الاستنباطات. ثم قالوا: الفضائل والمصالح، هذا ممكن أن نعده وجهًا ثالثًا، وهو أنه وإن كانت صلاة الفجر فيها مشقة شديدة وصلاة العصر المشقة أخف، فإن ترى باب المصالح هذا باب لا يحيط به عقل البشر، باب الفضائل هذا لا يحيط به عقل البشر.

تجد أحيانًا العمل يسيرًا ومع ذلك ورد فيه أجر عظيم، مثل قوله صلى الله عليه وسلم لما خرج من عند زوجته جويرية وهي جالسة في مصلى بعد صلاة الصبح، ثم رجع إليها بعد ما ارتفع النهار فقال: «على الحالة التي فرقتك عليها؟»، قالت: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. فهذه الكلمات الأربع فيها أجر عظيم جدًا، وهي لا تستهلك دقيقة، ومع ذلك فيها أجر عظيم جدًا: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها كلمة خفيفة على اللسان، ثقيلة في الميزان، حبيبة إلى الرحمن. ففي هذه الكلمات أجور عظيمة جدًا، وقد يعمل الإنسان أعمالًا تشق عليه جدًا ويصيبه تعب ومشقة ولا يبلغ أجرها، بينما هذه الكلمات اليسيرة لها هذا الأجر.

لذا ففي الفضائل والمصالح وهذه المراتب، جاء النص بأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، فلا يمكن أن نقول لا، يمكن صلاة العصر لأن صلاة الفجر أفضل أو صلاة الفجر فيها مشقة ونحو ذلك؛ لا يمكن أن يعارض بها.

الآن سيذكر المسلك الخامس من مسالك من يرون أن الصلاة الوسطى ليست صلاة العصر. قال رحمه الله: ربما أسألك المخالف لهذا المذهب مسلك النظر في كونها وسطى من حيث العدد، وهذا عليه أمر. يقولون: نحن ننظر إلى الوسطى من حيث العدد، وصلاة الصبح وسطى؛ قبلها صلاتان ليليتان وبعدها صلاتان نهاريان، فهي وسطى.

فأجاب عليها من أمرين، رحمه الله. الأول: أنه يجوز أن تكون من حيث الفضل، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]، أي عدلاً. والثاني: أنه إذا كان من حيث العدد فلا بد من أن يُعين ابتداءً في العدد يقع بسببه معرفة الوسط، وهذا يقع فيه التعارض. فمن يذهب إلى أنها الصبح يقول: سبقتها المغرب والعشاء ليلًا، وبعدها الظهر والعصر نهارًا، فكانت هي الوسطى. ومن يقول هي المغرب، يقول: سبقتها الظهر والعصر، وتأخرت العشاء والصبح، فكانت المغرب وسطى. ويترجح هذا بأن صلاة الظهر قد سميت الأولى.

أحسنتم، هنا أجاب على هذا المسلك من وجهين. الوجه الأول يقول لك إن الوسطى لا يلزم أن تكون وسطى بالعدد، فالوسط في لسان الشارع وفي كلام العرب قد يأتي وسطًا بالعدد، وقد يأتي وسطًا بمعنى الأفضل. وذكر مثالًا على ذلك من القرآن في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، وسطًا ليس وسطًا بين الأمم، يعني هناك أمم أفضل منكم وهناك أمم أدنى منكم، لا، هم متوسطون أي هم أفضل الأمم. فالصلاة الوسطى إذاً هي الصلاة الفضلى، وليس يلزم أن تكون وسطى في العدد، قبلها صلاتان وبعدها صلاتان.

الأمر الثاني يقول: سلمنا أنها وسطى في العدد، لكن لا يلزم أن تكون هي الصبح؛ فهناك من يقول إن الوسطى في العدد هي العصر، فقبلها الظهر والفجر وبعدها المغرب والعشاء. والذي يقول إنها الفجر، والذي يقول إنه المغرب، يقول: قبلها صلاتان ليليتان وهما الظهر والعصر، وبعدها صلاتان جهريتان وهما المغرب والعشاء. وبعضهم ذكر أن المغرب وسطى من حيث عدد الركعات؛ حيث إنها ثلاث ركعات، والأعلى منها الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات، والأنزل منها الفجر ركعتان، فهي وسطى من حيث عدد الركعات. فلا يتعين إذاً، فلما لم يكن هذا متعينًا في احتمالات ولا موجهًا لأحد، يسقط بهذا الاستدلال.

الآن سيذكر خلاصة في الترجيح. قال رحمه الله: وعلى كل حال، فأقوى ما ذكرناه حديث العطف الذي صدرنا به، ومع ذلك فدلالته قاصرة على هذا النص الذي استدل به على أنها العصر، والاعتقاد المستفاد من هذا الحديث أقوى من الاعتقاد المستفاد من حديث العطف، والواجب على الناظر المحقق أن يزن الظنون ويعمل بالأرجح منها، والله أعلم.

أحسنت، لخص هذا المثال، فترى أقوى مسلك من المسلك الأول الذي هو مسلك المعارضة يكون هو أقوى شيء، ومع ذلك أجبنا عليه سابقًا من وجهين، ودلالته قاصرة. قال: دلالته قاصرة لأن هذا النص ليست دلالته نصية؛ فلو جاء الدليل مثلاً أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح استنبطوا ذلك، يكون هنا دلالة ظاهرة، لكن عندنا دلالة نصية والنص يقدم على الظاهر. ولذلك قال: الاعتقاد المستفاد من هذا الحديث الذي دلالته نصية أقوى من الاعتقاد المستفاد من حديث العطف؛ لأن العطف كما قلنا يرد عليه احتمالات، أولًا: هل هذه القراءة شاذة هل يعمل بها أو لا؟ ثم: هل إثبات الواو أقوى أو حذفها؟ ثم: هل الواو التي هي العطف تقتضي المغايرة؟ فهذا يحتمل على الاحتمالات، بخلاف هذا الحديث عندنا نص واضح: الصلاة الوسطى صلاة العصر.

قال: والواجب، هذه الكلمات جميلة ويجعلها لك رائداً في أبحاثك وفي مناقشاتك، يقول: الواجب على الناظر المحقق أن يزن الظنون ويعمل بالأرجح منها. يعني إذا جاءت الأدلة فيها احتمالات -ولو فرضنا ما في دليل نصي- فهنا الاحتمالات توازن بينها، لا تقوّي أحدها على الآخر اعتباطًا بدون سبب، لا بد أن يكون هناك سبب لتقديم أحد الاحتمالات.

قال رحمه الله: البحث الثاني، قوله: «ثم صلاها بين المغرب والعشاء» يحتمل أمرين؛ أحدهما أن يكون التقدير: فصلاها بين وقت المغرب ووقت العشاء، والثاني أن يكون التقدير: فصلاها بين صلاة المغرب وصلاة العشاء، وعلى هذا التقدير يكون الحديث دالاً على أن ترتيب الفوائد غير واجب؛ لأنه يكون صلاها -أعني العصر الفائتة- بعد صلاة المغرب الحاضرة.

وذلك لا يراه من يوجب الترتيب إلا أن هذا الاستدلال يتوقف على دليل يرجح هذا التقدير، أعني قولنا بين صلاة المغرب وصلاة العشاء على التقدير الأول، أعني قولنا بين وقت المغرب ووقت العشاء؛ فإن وجد دليل على هذا الترجيح تم الاستدلال، وإلا وقع الإجمال.

وفي هذا الترجيح الذي أشرنا إليه مجال للنظر على حسب قواعد علم العربية والبيان، وقد وردت التصريح بما يقتضي الترجيح للتقدير الأول، وهو أن النبي ﷺ بدأ بالعصر وصلى بعدها المغرب، وهو حديث صحيح، فلا يلتفت إلى غيره من الاحتمالات والترجيحات، والله أعلم.

أحسنت. هنا يقول قول الراوي: «فصلاها بين المغرب والعشاء» أو «ثم صلى»، هل المراد أنه صلاها بين وقت المغرب ووقت العشاء، يعني أنه صلاها بعد دخول المغرب وقبل دخول وقت العشاء؟ أو المراد أنه صلاها بين صلاة المغرب وصلاة العشاء؟

فالاحتمال الأول أنه صلاها بعد وقت المغرب وقبل وقت العشاء، يعني أنه صلى العصر ثم صلى بعد المغرب، يعني بعد غروب الشمس تصلي العصر ثم صلى بعد المغرب ثم صلى العشاء لما جاء وقتها. وعلى الاحتمال الثاني، لم تغرب الشمس، صلى المغرب ثم بعد ذلك صلى العصر ثم بعد ذلك صلى العشاء.

فيقول هذان احتمالان. على الاحتمال الثاني، فإن هذا الاحتمال يدل على أن الترتيب بين الفوائت غير واجب، إنه مستحب، وهذه مسألة مختلف فيها بين أهل العلم رحمه الله تعالى. هل إذا فاتت -هنا النبي ﷺ فاتت صلاة العصر فلم يصلها في وقتها- فإذا فاتته، أما أنه فاتته نسيانًا أو فاتته لأنه لم يستطع في وقتها ثم تيسر له صلاتها في وقت لاحق، فهل عنده صلاة حاضرة وصلاة فائتة، فهل يبدأ بالحاضرة أو يبدأ بالفائتة؟

بدؤه بالفائتة هذا لا إشكال في مشروعيته إذا كان الوقت متسعًا، لكن هل بدؤه بالفائتة قبل الحاضر على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب؟ هذا محل الخلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى. فنذهب الشافعي رحمه الله تعالى أنه على سبيل الاستحباب، ومذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه على سبيل الوجوب، سواء قلّت الفوائت أو كثرت. وهناك من أهل العلم رحمهم الله تعالى من يقول: إذا صارت الفوائت يومًا فأكثر، يعني خمس صلوات فأقل، فيجب الترتيب، وإذا كانت أكثر فلا يجب الترتيب.

فيقول لك على الاحتمال الثاني، هذا دليل لمن قال إن الترتيب بين الفوائت واجب؛ لأنه يكون هنا صلى النبي ﷺ العصر بعد أن صلى المغرب. لكن يقول الاستدلال بهذا لا بد له من دليل يرجح هذا التقدير الذي فصلنا بين صلاة المغرب وصلاة العشاء، على التقدير الأول الذي يوصل لها بين وقت المغرب ووقت العشاء، لابد من الدليل لترجيح أحد التقديرين على الآخر.

يقول: هناك رواية أخرى دلت على أن التقدير الأول هو التقدير الصحيح، والرواية هي -ما جافى الصحيح في باب الروايات- أن النبي ﷺ بدأ بالعصر فصلاها، ثم صلى بعدها المغرب. فهذا يدل على أن قول الراوي: «فصلاها بين المغرب والعشاء» يعني بين وقت المغرب ووقت العشاء، يعني صلى بعد دخول وقت المغرب، صلى العصر ثم المغرب ثم العشاء.

طيب، على التقدير الأول هذا، هل يدل على أن الترتيب واجب أو لا؟ هل يدل على أن الترتيب بين الفوائت واجب أو لا؟ قلنا على الثاني يدل على ترتيب، لكن على التقدير الأول هل يدل على أن الترتيب بين الفوائت واجب كما يقول الحنابلة رحمه الله تعالى أو لا يدل على ذلك؟ يعني هذا الدليل فقط لا يدل على ذلك.

لماذا؟ هذا يرجع إلى مسألة أصولية، وهي أن أفعال النبي ﷺ التي ليست بيانًا لمجمل، الفعل المجرد، هل يدل على الوجوب أو على الندب أو على الإباحة أو على الوقف مثلًا؟ هي خلافية بين الأصوليين، والمرجح والله أعلم أنه يدل على أن فعل النبي ﷺ المجرد الذي ليس بيانًا لمجمل، يدل على الندب. وعلى هذا فنقول: مجرد فعله ﷺ صلاة العصر قبل صلاة المغرب هذا لا يدل على وجوب الترتيب بين الفوائت، يعني لابد من دليل آخر.

لا أقول إن هذا القول أرجح من هذا أو هذا أرجح من هذا، لا أقصد الاستدلال بها؛ هل يستدل بهذا على الوجوب؟ لا، لا يستدل به. الآتي: هذا الحديث يدل على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر أيضًا، كما في هذا الحديث، نعم واضح، لأنه كان ﷺ يشغل بالصلاة الوسطى صلاة العصر.

قال رحمه الله: وقوله فيه حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر حتى مرت الشمس أو اصفرت، وقت الاستمرار وقت الكراهة ويكون وقت الاختيار خارجًا، ولا تؤخر الصلاة عن وقت الاختيار؛ فقد ورد في ذلك أن ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [النساء: 102]. والمراد بذلك أنه لو كانت الآية نزلت، لأقيمت الصلاة في حالة الخوف.

أحسنت. هنا يقول قول ابن مسعود: «حابس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت»، يعني حتى زال وقت الاختيار ودخل وقت الضرورة، أو ما ذكر هنا وقت الكراهة، ويكون وقت الاختيار خارجًا. أنت وقت الاختيار الآن باقي وقت الاضطرار.

يقول: ولا تؤخر الصلاة عن وقت الاختيار، يعني هذا الأصل أن الصلاة لا تؤخر من وقت الاختيار إلى وقت الضرورة إلا لمن اضطر إلى ذلك. طيب، لماذا أخر النبي ﷺ الصلاة عن وقت الاختيار إلى وقت الضرورة، بل إلى بعد الوقت؟ هنا يقول لك لم تكن صلاة الخوف مشروعة، هذا قبل نزول قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [النساء: 102]. ولو كانت مشروعة، لو أقيمت الصلاة، لو أقيمت صلاة الخوف في وقتها.

وهنا يرد الإشكال: لماذا لم يصلِّ؟ ومنهم من قال لا، غزوة الخندق هي قبل غزوة ذات الرقاع، سنة خمس أو أربع من الهجرة، وفي خلاف بين أهل السير، وغزوة ذات الرقاع سنة سبع من الهجرة، هذا ما ذكره البخاري وما إليه البخاري ومن القيم رحمه الله تعالى أيضًا.

إذًا إذا رجعنا للقول الثاني فليس الفيصل، فما يصير فيش كان هنا، لكن إذا قلنا على القول الأول، وهو قول كثير من أهل السير، أن غزوة الرقاع هي السابقة، فيرد الإشكال: ولماذا لم يصلِّ النبي ﷺ صلاة الخوف في وقتها؟ نعم، رحمه الله.

وقوله: «حتى اصفرت الشمس»، قد يتوهم منه مخالفة لما في الحديث الأول من صلاتها بعد بين المغرب والعشاء، وليس كذلك؛ بل الحبس انتهى إلى هذا الوقت ولم تقع الصلاة إلا بعد المغرب كما في الحديث الأول، فقد يكون ذلك لاشتغال بأسباب الصلاة أو غيرها. فما فعله رسول الله ﷺ مقتضٍ لجواز التأخير إلى ما بعد الغروب.

أحسنت، يقول لك في حديث مسعود إنه حتى اصفرت الشمس، أي احمرت الشمس، لكن في حديث علي أنه ﷺ صلى بين المغرب والعشاء، فكيف الجمع وكلاهما في غزوة الخندق؟ يعني نفس الوقت حتى غربت الشمس ولم يصلِّ إلا بعد غروب الشمس؛ لذلك يقول قد يكون ذلك لاشتغال بسبب الصلاة أو غيرها، فما فعله رسول الله ﷺ مقتضٍ لجواز التأخير للغروب.

ومنهم من قال إنه ما ورد أيام الخندق عدة أيام، فما ورد في حديث علي هذا في أحد الأيام أنه أوصلها بعد المغرب، وما حدث هو في يوم آخر، وأنه أوصلها في وقت الإضطرار، أي بعد وقت الاختيار. ومثله أيضًا جاء في بعض الروايات أن الذي فاته صلاة العصر فقط كما في حديث علي، وصلاة الظهر والعصر كما جاء ذلك في الموطأ، وفي بعض الروايات أنه فاتته أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، حتى ذهب جزء من الليل.

فجمع بينها بعض الشراح ومنهم النووي رحمه الله؛ أن وقت الخندق بقيت أيامًا، ففي أحد الأيام فاته الظهر والعصر، وفي بعض الأيام فاتوا العصر، وفي بعض الأيام فاتوا الصلوات الأربع.

قال رحمه الله: «وفي الحديث دليل على جواز الدعاء للكفار مثل هذا». نعم، هذا من فعل النبي ﷺ في دعاء ﴿مَلأَ اللَّهُ جُحْرَهُ وَقُبُورَهُمْ نَارًا﴾، وأيضًا فيه دليل على الإخبار بسبب الدعاء؛ لأنه قال: «عذرًا عن العصر»، فهذا سبب الدعاء، وقد أخبر به النبي ﷺ بإقامة العذر ليبين عذره في هذا الدعاء.

قال رحمه الله: «ولعل قائلاً يقول فيه متمسك لعدم رواية الحديث بالمعنى، فإن ابن مسعود تردد بين قوله ملأ الله أو حاشا الله، ولم يقتصر على أحد اللفظين ما تقاربا بهما في المعنى». هذه مسألة يذكرها أهل المصطلح، وهي: هل يجوز رواية الحديث بالمعنى أو لا؟ خلاف بينهم، وإن كان أكثرهم بل عامتهم على جواز رواية الحديث بالمعنى، لكن التقيد في هذه المسألة من حيث الأصل يجوز الحديث بالمعنى.

يقول قد يقول القائل إن تصرف مسعود يدل على عدم الجواز؛ لأنه قال ملأ الله، فهو مقبول، ونرى أن تردد مسعود هل قال النبي ﷺ ملأ أو حاشا، فتردده يدل على عدم جواز رواية الحديث بالمعنى. الآن سيذكر لك الجواب على هذا من ثلاثة أوجه.

قال رحمه الله: «وجوابه أن بينهما تفاوتاً، فإن قوله حاشا الله يقتضي من التراكم وكثرة أجزاء المحشو ما لا يقتضيه ملأها». وقد قيل إن شرط الرواية بالمعنى أن يكون اللفظان مترادفين لا ينقص أحدهما عن الآخر، على أنه إن جوزنا الرواية بالمعنى فلا شك أن رواية اللفظ أولى، فقد يكون ابن مسعود تحرى لطلب الأفضل والله أعلم.

فإذا كان اللفظ بينهما فرق فإنه لا يجوز رواية الحديث بالمعنى، هذا الجواب الأول. الجواب الثاني: أنه يجوز الرواية بالمعنى، وإنما فعل مسعود ذلك طلبًا للأفضل؛ لأن الأفضل أن يتقيد باللفظ الوارد عن النبي ﷺ، بأن لفظ النبي ﷺ أكمل الألفاظ عليه الصلاة والسلام، فإنه وإن جوزنا بالمعنى فلا بأس، لكن الأفضل هو التقيد، لذلك على أنه وإن جوزنا بالمعنى فلا شك أن رواية اللفظ أولى، فقد يكون مسعود رضي الله عنه تحرى لطلب الأفضل.

نقط على هذا، ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.